الفصل الرابع عشر

السرِّيَّة الباطنية

ولعل سيرة شيخ الجبل في نقائضها المعلومة هي ألزم السير للتعريف بمعنى السرية الباطنية أو السرية الإسماعيلية على التخصيص، فهذه السرية كانت تشتد وتتراخى تبعًا للعمل الذي ينوطه الإمام بدعاته، لا تبعًا للفكرة أو للعقيدة التي يخالفون بها أصحاب الفكر والمعتقدات الأخرى.

كانت السرية تشتد كلما خشى دعاة الإمام في بلاد اعدائهم على أنفسهم وعلى رؤسائهم وأئمتهم، وكانت تشتد كلما كان الكتمان أنجح لمهمتهم وأعون على تشتيت أعدائهم وتبلبل الأفكار فيما حولهم. وكانت تتراخى حتى لا سرية على الإطلاق حيث تكون الدولة دولتهم والأمور مؤاتية لهم ولسياستهم. وقد يعقدون المجالس ويحاضرون في الأندية العامة لإعلان آرائهم وإقناع معارضيهم كلما اطمأن بهم المقام في ديارهم.

•••

ومن الجائز أن تكون تلك الأعمال مرتبطة بالعقيدة الخاصة في الإمام حين يكون تعظيم الإمام وتقديسه لازمين لإقناع الداعية أو الفدائي بالهجوم على الخطر ومواجهة المصاعب والأهوال في غير إشفاق على حياته أو حذر من عاقبة أمر، ففي هذه الحالة يتصف الإمام بالقداسة التي توجب على المريد طاعته وتضمن له النجاة في هذه الدنيا أو في الدار الآخرة. وكثيرًا ما يستغني الإمام عن المغالاة بقداسته في الأزمنة العصبية التي تلتهب فيها الحماسة الدينية، ويشيع فيها الأمل باقتراب الأوان الموعود وتوالي العلامات والأشراط التي تؤذن بظهور المهدي، وانتصار زمرته على أعدائهم وأعدائه. فإذا شاع في النفوس هذا الأمل فلا حاجة بالإمام إلى عقائد المبالغة والمغالاة في أمره، وحسبه أنه قائد مصدق مطاع يأتمر بدعوته جند مصدقون مطيعون.

وإذا أردنا التوسع الذي يشمل جميع المذاهب وينتظم مذاهب السنة والشيعة جميعًا ولا يخص الإسماعيلية أو النزارية وحدها فالخلاف على الإمامة هو محور كل خلاف بين جميع المذاهب من جانب السنة أو من جانب الشيعة. فكل ما عزز ضرورة الإمام الحي فهو من عقائد الشيعة. وكل اختلاف أردنا أن نعرف عقيدة الشيعة فيه فلنرجع بجانبي الرأي إلى محور الخلاف كله، فأيهما كان أقرب إلى ضرورة الإمام الحي فهو من مذهب الشيعة، بغير حاجة إلى البحث الطويل والاستقصاء البعيد.

•••

وقد لخص الغزالي هذا الفارق في كتاب المنقذ من الضلال فقال: «الصواب أنه لا بد من الاعتراف بالحاجة إلى معلم، وأنه لا بد أن يكون المعلم معصومًا، ولكن معلمنا المعصوم هو محمد : فإذا قالوا هو ميت فنقول: ومعلمكم غائب، فإذا قالوا: معلمنا قد علم الدعاة وبثهم في البلاد وهو ينتظر مراجعتهم إن اختلفوا أو أشكل عليهم مشكل، فنقول: ومعلمنا قد علم الدعاة وبثهم وأكمل التعلم؛ إذ قال الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وبعد كمال التعليم لا يضر موت المعلم كما لا تضر غيبته. يبقى قولهم: كيف يحكمون فيما لم يسمعوه؟ أفبالنص ولم يسمعوه، أم بالاجتهاد بالرأي وهو مظنة الخلاف؟ فنقول: نفعل ما فعله معاذ — رضي الله عنه — لما بعثه رسول الله إلى اليمن؛ إذ كان يحكم بالنص عند وجوده وبالاجتهاد عند عدمه، بل كما يفعله دعاتهم إذا بعدوا عن الإمام إلى أقاصي الشرق؛ إذ لا يمكنهم أن يحكموا بالنص فإن النصوص المتناهية لا تستوعب الوقائع غير المتناهية، ولا يمكنهم الرجوع في كل واقعة إلى بلدة الإمام، وإلى أن يقطع المسافات ويرجع يكون المستفتي قد مات أو فات الانتفاع بالرجوع، فمن أشكلت عليه القبلة ليس له طريق إلا أن يصلي باجتهاده؛ إذ لو سافر إلى بلدة الإمام ليعرفه القبلة لفات وقت الصلاة. فإذا أجيزت الصلاة على غير القبلة بناء على الظن — ويقال: إن المخطئ في الاجتهاد له أجر واحد وللمصيب أجران — فكذلك في جميع المجتهدات.»

ومهما يكن من قول في تفصيلات الشعائر أو الفرائض فما كان منه أقرب إلى تعليم الإمام المعصوم فهو قول الشيعة وما عداه فهو قول السنيين، وجميع المقربين للإمامة على مذهبهم كالزيديين. وهذا هو الذي يؤيد أن مرجع السرية كله هو الرأي في الإمامة لا عقائد مستورة أو خلائق مخالفة لأدب الدين أو العرف بين المسلمين وغير المسلمين.

•••

خذ لذلك مثلًا إعلان بدء الصيام، فإن رؤية الهلال فيه كافية على مذهب السنيين، ولكن هذا الرأي يغني عن إعلان الإمام للصيام فلا يأخذ به الإماميون، بل يقولون: إن المسلمين كانوا في حياة النبي — عليه السلام — يصومون حين يصوم، فلما أزمع السفر سألوه عن موعد الصيام فقال لهم: «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته»، ولم يكلهم إلى الرؤية قبل ذلك وهو مقيم معهم يصوم فيصومون.

ووجود علم مستور يتعلمه الناس من الإمام دون غيره هو العقيدة التي لا محيد عنها لمن يقولون بالإمامية، وإنما يختلف العلم المستور باختلاف الأئمة والأوقات والسائلين، فقد يكون العلم المستور هو تأويل القرآن، وإجابة كل سائل عنه بما يقدر عليه، وقد يكون العلم المستور سياسة محكمة لا تكشف لكل طالب ولا يجوز التردد في طاعتها توقفًا على فهمها، فإنها لو كشفت في بعض الأزمنة لَحَاقَ الضرر بمن تشملهم تلك السياسة أجمعين.

وقد فسر ابن الصباح اسم قلعته بمعنى النسر المعلم، فهي مرجع المؤمنين من أتباعه لا يستغنون بالابتعاد عنها، وقد ترخص بعض الإماميين في أمر العصمة الواجبة للإمام، فأباح بعضهم نقد الإمام كما فعل حسن بن الصباح في نقد الخليفة المستنصر، بل كما فعل داعي دعاة الخليفة نفسه هبة الله الشيرازي الذي سبقت الإشارة إليه، ولكنهم يقولون: إن الإمام يصيب وهو مختار، ويجري مع الخطأ وهو مكره، ولا سيما في اختياره لولي عهده وصاحب الإمامة من بعده، فإن من اختاره طائعًا فهو الصواب المطاع.

•••

لقد صحبنا منشئ «الإسماعيلية الجديدة» من عهد بروزه في ميدان الدعوة الفاطمية، ولم نبدأ بسيرته من نشأته الأولى؛ لأن حياته العامة لا تتوقف على أخباره في أوائل نشأته. فما مر خبر منها متفق عليه حتى اسمه وموطنه ونحلته، فهو ينتسب إلى اليمن، ويذكر من نسبته أنه الحسن بن علي بن محمد بن جعفر بن حسن بن محمد الصباح الحميري، ومنكرو دعواه يقولون: إنه قروي من خراسان، ومنهم من يقول: إن أباه كان يعمل في الصياغة، صناعة الصابئة على شواطئ بحر العجم.

•••

والثابت أنه مات ولم يظهر له في حياته ولا بعد مماته أحد من ذوي قرابته، وأن دعوته لم تفلح في بلاد اليمن، بل أفلحت فيها دعوة الطيب ابن الآمر التي كانت تناقض الدعوة إلى نزار أمام الحسن المختار، وقد أوصى الحسن بعده لرجل فارسي غريب عنه لا تربطه به نسبة، ولعله من أقربائه المستورين إن صح أنه من الفرس وليس من أهل اليمن.

ورويت عن صباه تلك القصة التي جمعت بينه وبين الخيام ونظام الملك بمدرسة نيسابور، ولكنها قصة يرتاب فيها طائفة من ثقات المؤرخين؛ لأن نظام الملك ولد سنة (٤٠٨ للهجرة)، فإذا كان ابن الصباح والخيام من لداته فقد بلغا إذن أكثر من مائة سنة، ولو قدرنا أنهما أصغر من نظام الملك ببضع سنوات، وفي ذلك موضع للشك غير ضعيف.

وأيًّا كان الخبر الذي يثبت من أخبار صباه فهو لا يغير شيئًا من ملامح «الشخصية» التي برز بها في التاريخ، وهي شخصية المغامر صاحب الدعوة التي انقطعت عن جذورها واتصلت به وبغاياته ومراميه.

وهذه بعدُ شخصية أثبت في ملامحها من شخصية ميمون القداح وأحدث في الدعوة الفاطمية، وعلى دعوتها تقاس الدعوات التي اقترنت بالفاطمية في تاريخها المعلوم أو تاريخها المجهول.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠