الفصل الرابع

بلاغَتُهَا

قال الإمام أبو الفضل أحمد بن طاهر في كتاب بلاغات النساء: «لما أجمع أبو بكر رضي الله عنه على منع فاطمة بنت رسول الله فدك، وبلغ ذلك فاطمة لاثت خمارها على رأسها، وأقبلت في لمة من حفدتها تطأ ذيولها، ما تخرم من مشية رسول الله شيئًا حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار، فنيطت دونها ملاءة ثم أنَّت أنَّةً أجهش القوم لها بالبكاء وارتج المجلس، فأمهلت حتى سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم، فافتتحت الكلام بحمد الله والصلاة على رسول الله فعاد القوم في بكائهم، فلما أمسكوا عادت في كلامها فقالت: «قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ، فإن تَعْزُوهُ تجدوه أَبِي دُونَ نسائكم، وأَخَا ابْنِ عَمِّي دُونَ رجالكم، فَبَلَّغ الرِّسَالَةَ صَادِعًا بِالنَّذارَةِ، مائلًا عن مدرجة المشركين، ضاربًا لثجنهم١ آخذًا بكظمهم، يهشم الأصنام، وينكت الهام، حتى هُزم الجمع وولوا الدبر، وتفرَّى الليل عن صُبْحِه، وأسفر الحق عن مَحْضِه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقائق الشياطين، وكنتم على شفا حفرة من النار، مُذْقَةَ الشارب، وَنُهْزَة الطامع، وَقَبْسَةَ العجلان، وموطئ الأقدام، تشربون الطريق٢ وتقتاتون القِدَّ، أذلة خاشعين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله برسوله بعد اللَّتِيَّا والتي، وبعد ما مُني بِبُهْم الرجال وذُؤْبان العرب ومَرَدَةِ أهل الكتاب، كلما حشوا نارًا للحرب أطفأها، ونَجَمَ قَرْنٌ للضلال، وفغرت فاغرة من المشركين قذف بأخيه في لَهَوَاتِها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بخمصه، ويخمد لهيبها بسيفه، مكدودًا في ذات الله، قريبًا من رسول الله، سيدًا في أولياء الله، وأنتم في بُلَهْنِيَةٍ وادِعُون آمنون، حتى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه، ظهرت خلة النفاق، وسَمُل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الآفلين، وهدر فَنِيق٣ المبطلين، فخطر في عَرَصَاتِكم، وأطلع الشيطان رأسه من مَغْرِزِه، صارخًا بكم، فوجدكم لدعائه مستجيبين، وللغرة فيه ملاحظين، فاستنهضكم فوجدكم خفافًا، وأحمشكم فألفاكم غضابًا، فوسمتم غير إبلكم، وأوردتموها غير شِرْبكم، هذا والعهد قريب، والكَلْم رحيب، والجرح لما يندمل».»

إلى أن قالت: «وأنتم الآن تزعمون أنْ لا إرث لنا! أفحكم الجاهلية تبغون؟! وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ؟! أيها المسلمة المهاجرة، أَأُبْتَزُّ إرث أبي؟ أفي الكتاب أن تَرِثَ أباك ولا أَرِثُ أبي؟ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا، فَدُونَكَهَا مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فَنِعْمَ الْحَكَمُ الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ

ثم انحرفت إلى قبر النبي وهي تقول:

قد كان بعدك أنباءٌ وَهَنْبَثَةٌ
لو كنت شاهدهم لم تكثر الخطب
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها
واختل قومك فاشهدهم ولا تغب

هذه رواية لخطاب الزهراء، وفي الكتاب نفسه رواية أخرى مخالفة في لفظها ومعناها للرواية السابقة، وقبل إيراد الروايتين قال أبو الفضل: ذكرت لأبي الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم كلام فاطمة عليها السلام، وقت له: إن هؤلاء — يشير إلى قوم في زمانه يغضون من قدر آل البيت — يزعمون أنه مصنوع وأنه من كلام أبي العيناء، فقال لي: رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم، ويعلمونه أبناءهم، وقد حدثنيه أبي عن جدي يبلغ به فاطمة عليها السلام على هذه الحكاية، ورواه مشايخ الشيعة وتدارسوه بينهم قبل أن يولد جد أبي العيناء، وقد حدث به الحسن بن علوان عن عطية العوفي أنه سمع عبد الله بن الحسن يذكره عن أبيه. ثم قال أبو الحسن: وكيف يذكر هذا من كلام فاطمة فينكرونه وهم يروون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة، يتحققونه لولا عداوتهم لنا أهل البيت؟

ونسبت إلى السيدة فاطمة أبيات من الشعر قالتها بعد موت أبيها صلوات الله عليه، وأنها بعد دفنه أقبلت على أنس بن مالك فقالت: «يا أنس! كيف طابت أنفسكم أن تحثوا٤ على رسول الله التراب؟» ثم بكت ورثته قائلة:
اغبرَّ آفاق السماء وكُوِّرت٥
شمس النهار وأظلم العصران
فالأرض من بعد النبي كئيبة
أسفًا عليه كثيرة الرجفان
فليبكه شرق البلاد وغربها
ولتبكه مُضَرٌ وكُل يَمَان
وَلْيَبْكِه الطود المعظم جوده
والبيت ذو الأستار والأركان
يا خاتم الرسْلِ المبارك ضوءه
صلى عليك منزِّل القرآن

ووقفت على قبر النبي وأخذت قبضة من تراب القبر فوضعها على عينيها وبكت وأنشأت تقول:

ماذا على مَن شَمَّ تربة أحمد
أن لا يشم مدى الزمان غواليا٦
صُبَّتْ عليَّ مصائب لو أنها
صبت علي الأيام صرن لياليا

وقالت على قبره أيضًا:

إنا فقدناك فَقْدَ الأرض وابلها
وغاب مذ غبت عنا الوحي والكتب
فليت قَبْلك كان الموتُ صادفنا
لما نُعِيت وحالت دونك الكثُب٧

ومضى آنفًا أنها تمثَّلت بعد خطابها عن فدك ببيتين من البحر والقافية مع تكرار شطر منهما وهما:

قد كان بعدك أنباء وهنبثة
لو كنت شاهدهم لم تكثر الخطب
أنا فقدناك فقد الأرض وابلها
واختلَّ قومك فاشهدْهم ولا تغبِ

وفيهما كما يرى القارئ إقواء، لأن الباء مضمومة في رَوِيِّ البيت الأول مكسورة في رَوِيِّ البيت الثاني، ولعل شطرًا منهما حل محل شطر في نقل الرواية.

•••

نقول: إن الخلاف في أمر هذه الخطب وهذا الشعر كثير، ولا نحب أن نخوض فيه؛ لأنه خلاف على غير طائل، وقد يحسمه أن نذكر في هذا الباب ما يقل فيه الخلاف بين جميع النقاد، فإنه أجدى من اللهو في جدال لا سند له، يسلِّمه جميع المخالفين.

فيقل الخلاف ولا شك حين نذكر أن ذلك الخطاب ليس مما يبدر من اللسان عفو الخاطر، وإن قائله يعده في نفسه قبل إلقائه كما كان يصنع الخطباء قبل استخدام الكتابة في التحضير.

ويقل الخلاف ولا شك حين نذكر أن سامع هذا الخطاب لا يستظهره عند سماعه، فإن حفظه فإنما يحفظه منقولًا أو مكتوبًا بعد حفظه.

فإذا قل الخلاف في هذا فعلام إذن يكثر الخلاف؟

أتراه يكثر حين يقال: إن السيدة فاطمة تُحْسن هذه البلاغة وتستطيعها حين تحتفل لها وتعدها في خَلَدها؟

إن هذا النصيب من البلاغة إذا استُكْثِرَ على السيدة فاطمة فما من أحد في عصرها لا يستكثر عليه.

لقد نشأت وهي تسمع كلام أبيها أبلغ البلغاء، وانتقلت إلى بيت زوجها فعاشت سنين تسمع الكلام من إمام متفق على بلاغته بين محبيه وشانئيه، وسمعت القرآن يرتل في الصلوات وفي سائر الأوقات، وتحدث الناس في زمانها بمشابهتها لأبيها في مشيتها وحديثها وكلامها، ومنهم من لا يحابيها ولا ينطق في أمرها عن الهوى.

جاء في الجزء الثالث من العقد الفريد عن «الرياشي عن عثمان بن عمرو عن إسرائيل بن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: «ما رأيت أحدًا من خلق الله أشبه حديثًا وكلامًا برسول الله من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه أخذ بيدها فقبلها ورحب بها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه ورحبت به وأخذت بيده وقبلتها، فدخلت عليه في مرضه الذي توفى فيه، فأسرَّ إليها فبكت، ثم أسر إليها فضحكت، فقلت: كنت أحسب لهذه المرأة فضلًا على النساء فإذا هي واحدة منهن، بينما هي تبكي إذا هي تضحك. فلما توفى رسول الله سألتها فقالت: أسر إليَّ فأخبرني أنه ميت فبكيت، ثم أسر إلي إني أول أهل بيته لحوقًا به فضحكت».»

وما قالته السيدة عائشة عن المشابهة بين الزهراء وأبيها قيل على ألسنة الثقات جميعًا، ويزاد عليه في حديث السيدة عائشة أن امرأة في فضلها واعتزازها بنفسها كانت ترى للزهراء فضلًا على سائر النساء في حلمها ورصانتها. ففيم يكثر الخلاف على مثل ذلك النصيب من البلاغة إذا نسب إليها؟ ولماذا تستعظم البلاغة على من نشأت سامعة لحديث محمد مطبوعة على مشابهته في حديثه؟ ولماذا تُستعظم على زوجة الإمام الذي كان المتفقون على بلاغته أكثر من المتفقين على شجاعته، وهي مضرب الأمثال؟ ولماذا تستعظم على سامعة القرآن الكريم بالليل والنهار مع الذكاء واللب الراجح؟

أما نسبة الشعر إلى الزهراء فالخَطْب فيه أهون من ذلك، فهو لا يسلكها في الشاعرات إن ثبت، ولا يضيرها إن لم يثبت، ونحن إلى جانب الشك الكبير فيه أقرب منا إلى جانب القبول، وليس بعيدًا على غير الشاعر أو الشاعرة أن يدير في فمه أبياتًا يحكي بها حزنه وبثه، فإن النظم هنا أقرب إلى لغة العاطفة وعادة النحيب، ولكن السيدة فاطمة كان لها من الاعتبار بآيات من القرآن في مقام الموت غني عن نظم الأبيات أو التمثل بها في مقام العبرة والرثاء.

١  الثجن: (بسكون الجيم وتحريكها) الطريق الوعر (يمانية).
٢  الطريق: الماء المطروق.
٣  الفَنِيق: الجمل القوي.
٤  تحثوا: حثا التراب عليه وفي وجهه قبضه ورماه.
٥  كورت: كور فلانًا طعنه فألقاه مجتمعًا. المتاع جمعه وأبقاه بعضه فوق بعض وشده.
٦  غواليا: الغوالي جمع غالية، وهي طيب مركب من أخلاط تغلى على النار.
٧  الكثب: جمع كثيب، وهو التل من الرمل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠