حرف الشين

شجرة الدر

هي الملكة عصمت الدين أم خليل شجرة الدر، محظية السلطان الصالح نجم الدين أبي الفتوح أيوب، وأم ولده السلطان خليل.

كانت امرأة عاقلة مهذبة خبيرة بالأمور، وكان يرجع إليها بالرأي الملكُ الصالح أيوب، ويستشيرها في مهمات الأمور.

ومن أمرها أنه لما مات الملك الصالح نجم الدين أيوب بناحية المنصورة في قتال الفرنج قامت بالأمر، وكتمت موته، واستدعت ابنه «توران شاه» من حصن «كيفا» وسلَّمت إليه مقاليد الأمور، وتسلطن بقلعة دمشق في رمضان سنة ٦٤٧ هجرية، وقدم إلى الصالحية وأعلن يومئذٍ بموت الصالح، ولم يكن أحد قبل ذلك يتفوه بموته، بل كانت الأمور على حالها، والخدمة تعمل بالدهليز، والسماط يمد، وشجرة الدر تدبر أمور الدولة، وتُوهِم الكافة أن السلطان مريض ما لأحد إليه وصول.

ثم أساء السلطان «توران شاه» تدبير نفسه، فقتله البحرية بعد سبعين يومًا من ولايته، وبموته انقضت دولة بني أيوب من مصر، ثم اجتمع المماليك البحرية على أن يقيموا بعده في السلطنة محظية أستاذهم شجرة الدر، فأقاموها وحلفوا لها في عاشر صفر، ورتبوا عز الدين أيبك التركماني مقدم العسكر، فسار إلى قلعة الجبل وأنهى ذلك إلى شجرة الدر، فقامت بتدبير المملكة، وعملت على التوقيع بما مثاله: والدة خليل، ونقش على السكة اسمها، ومثاله المستعصمة الصالحية ملكة المسلمين، والدة المنصور خليل خليفة أمير المؤمنين، وخلعت على المماليك البحرية، وأنفقت فيهم الأموال، ولم يوافق أهل الشام على سلطنتها، وطلبوا الملك الناصر صلاح الدين يوسف، صاحب حلب، فسار إلى دمشق وملكها، فانزعج العسكر بالقاهرة، وتزوج الأمير عز الدين أيبك التركماني بشجرة الدر، ونزلت له عن السلطنة، وكانت مدتها ثمانين يومًا.

ومن مآثرها الجامع الذي بنته بخط الخليفة بمصر بقرب مشهد السيدة سكينة بنت الحسين — رضي الله عنهما — ودفنت فيه حين موتها، وهو مقام الشعائر لغاية الآن، ولها جملة مآثر ومبانٍ خيرية بمصر وخلافها من البلاد التي تملَّكت عليها.

شعانين زوجة المتوكل الخليفة العباسي

كانت ذات حسن وجمال، وبهاء وكمال، ولطف وظرف، واعتدال قدٍّ، واحورار طرف. مجيدة لضروب الغناء وفنونه، عالمة بأساليب الغرام وفتونه.

قيل: إن سبب ائتلاف المتوكل بها أنه خرج يومًا للنزهة في ضواحي الشام، فبينما هو يتصفح الكنائس والرياض، ويرى ما فيها من العجائب وحسن ثياب النصارى، إذ أقبل راهب الكنيسة، فجعل الخليفة يسأله عن كل مَن يمر، حتى أقبلت جارية لم ير أحسن منها وبيدها مجمرة بخور، فسأله عنها، فقال: هي ابنتي، قال: وما اسمها؟ قال: شعانين، فقال لها المتوكل: يا شعانين، اسقني ماء، فقالت: يا سيدي، ليس هنا إلا ماء الغدران، وأنا لا أستنظفه لك، ولو كانت حياتي ترويك لجُدْتُ لك بها! وأسرعت بكوز فضة، فأومأ إلى أحد ندمائه أن اشربه، فشربه، ثم قال لها: إن هَويتُك تُساعديني؟ فقالت له: أنا الآن أمَتُك، وأما إذا أصدق الحب في المحبة فما أخوفني من الطغيان! أما سمعت قول الشاعر:

كنت لي في أوائل الأمر حبًّا
ثم لما ملكت صرت عدوَّا
أين ذاك السرور عند التلاقي
صار مني تجنبًا ونبوَّا

فطرب حتى كاد أن يشق ثوبه، ثم قال لها: هبي لي اليوم نفسك، فصعدت به إلى غرفة مشرفة على الكنائس، وجاء الراهب بخمرٍ من أحسن الموجود، وعاف المتوكل طعامهم فاستحضر أطعمة من عنده، فلما أخذ منه الشراب أحضر آلة وغنَّت:

يا خاطبًا مني المودة مرحبًا
روحي فداؤك لا عدمتك خاطبَا
أنا عبدة لهواك فاشرب واسقني
واعدل بكأسك عن جليسك إذ أبى
قد — والذي رفع السماء — ملكتني
وتركت قلبي في هواك مُعذَّبَا

فأرغبها حينئذٍ فأسلمتْ وتزوجها، فكانت من أحظى النساء عنده.

شعوانة رضي الله عنها

كانت لا تفتر عن البكاء، فقيل لها في ذلك، قالت: «والله لوددت أن أبكي حتى تنقطع دموعي، ثم أبكي دمًا حتى لا تبقى جارحة من جسمي فيها دم.» وكانت تقول: «من لم يستطع البكاء فليرحم الباكين؛ فإن الباكي إنما يبكي لمعرفته بنفسه وما جنى عليها، وما هو صائر إليه.» وكانت تبكي وتقول: «إلهي، إنك لتعلم أن العطشان من حبِّك لا يروى أبدًا.»

وكانت التي تخدمها تقول: من منذ ما وقع علي نظر شعوانة ما ملت قط إلى الدنيا ببركتها، ولا استصغرت في عيني أحدًا من المسلمين. وكان الفضل بن العباس — رضي الله عنهما — يأتيها ويتردد إليها ويسألها الدعاء.

الشلبية الأندلسية

اسم غلب على المترجَمة؛ نسبة إلى بلدها بالأندلس. كانت أديبة فاضلة شاعرة ناثرة واشتهر صيتها بالأندلس ونواحيها حتى إنها كانت تجالس الملوك، وتناظر الشعراء، ولها جملة قصائد ومقطعات، ولم يجمع شعرها بديوان حتى يظهر للعيان. ومن شعرها ما كتبت به إلى السلطان يعقوب المنصور تتظلم من ولاة بلادها وصاحب خراجها، فقالت:

قد آن أن تبكي العيون الآبيه
ولقد أرى أن الحجارة باكيه
يا قاصد المصر الذي يرجى به
إن قدر الرحمن رفع كراهيه
نادِ الأمير إذا وقفت ببابه
يا راعيًا إن الرعية فانيه
أرسلتها هملًا ولا مرعى لها
وتركتها نهب السباع العاديه
شلب كلا شلب وكانت جنة
فأعادها الطاغون نارًا حاميه
عاثوا وما خافوا عقوبة ربهم
والله لا تخفى عليه خافيه

فيقال: إنها ألقيت يوم الجمعة على مصلى المنصور، فلما قضى الصلاة وتصفحها بحث عن القضية، فوقف على حقيقتها وأمر لها بصلة، وكشف ظلامتها بعزل ذلك الوالي.

شهدة ابنة أبي نصر أحمد بن أبي الفرج الإبري الدينورية البغدادية

كانت من العلماء الأكابر المحدثات الصادقات بالرواية. تعلمت الخط الجيد، وأخذت العلم عن كثير من العلماء وأجازوها إجازة لم تسبق لغيرها، وأخذ عنها كثيرون، وكان لها النَّفس العالي، ألحقت فيه الأصاغر بالأكابر، وممن سمعت عنهم: أبو الخطاب الطبراني، وفخر الإسلام الشاشاني، وغيرهما من أفاضل العلماء، وألَّفت جملة رسائل في الحديث والفقه والتوحيد، ومآثرها كثيرة في أصناف العلوم، وكانت وفاتها ببغداد سنة ٥٧٤ هجرية.

شوكار قاضن

هي معتوقة المرحوم عثمان «كتخدا القازد غلي» وزوجة المرحوم إبراهيم «كتخدا القازد غلي». كانت تقية صالحة من بنات الجركس المتأدبات المطيعات لأزواجهن، الصادقات في خدمتهن، ولها مآثر عظيمة وإدرارات جسيمة، كريمة محسنة على الفقراء والمساكين، قاضية لحوائج المحتاجين.

فمن مآثرها: السبيل الذي بنته بقرافة مصر الصغرى؛ إغاثة للناس وقت المواسم، ووقفت له أوقافًا يصرف من ريعها عليه، وهو منقوش من أعلاه برقم سنة ١١٧٠ﻫ. وهذا السبيل عامر إلى الآن، ويُملأ سنويًّا من ماء النيل على طرف ديوان الأوقاف المصرية. وفي حجة وقفيته المؤرخة سنة ١١٨٥ﻫ: أن الست «شوكار» المذكورة وقفتْ جميع المكان بخط الأزبكية بدرب شيخ الإسلام ابن عبد الخالق السنباطي وجميع الجنينة فيما بين بولاق والقصر العيني المعروفة قديمًا بغيط البحر.

وجميع الرزقة الكائنة بناحية ديرك بالمنوفية، وجميع الرزقة الكائنة بناحية طمويه بالجيزة، وجميع خمسمائة عثماني وأربع عثمانية مرتب علوفة، وجميع المكان الكائن بالكعكيين تجاه حمام الجبيلي.

وجميع علو بعض طبقات من وكالة الملح، وجميع المكان بخط الكراسين بين الحيضان بالقرب من قنطرة الخرنوبي، وجميع المكان الكائن بخط الشوَّائين بداخل عطفة الفاكهاني.

وجميع المكان الكائن بالخط المذكور في العطفة المتوصل منها الباب جامع الفاكهاني الشرقي، ومطبخ السكر، وجميع الحانوتين الكائنين تجاه جامع الفاكهاني، وجميع ست قراريط من الوكالة الكائنة بخط قنطرة الموسكي، وجميع الحانوتين الكائنين بالدرب الأحمر.

وجميع الحانوت الكائن بالخط المذكور تجاه جامع الصالح، وجميع الحصة التي قدرها ثلاثة وعشرون قيراطًا في الوكالة الكائنة بخط البندقانيين.

وجميع الحصة التي قَدْرها نصف قيراط وسدس قيراط في كامل أراضي ناحية الأرجنوس وتوابعها بالبهنساوية، وجميع ثلاثة حوانيت كائنة بخط باب الزهومة.

وجميع مرتب العلوفة — وهو ثلاثة وستون عثمانيًّا — وشرطت لنفسها نظر وقفها هذا، ومِن بعدها للأولاد والعتقاء، وأن يصرف في ثمن ماء عذب يصب في السبيل إنشاء الواقفة: في كل سنة أربعة آلاف وتسعمائة وخمسون نصفًا فضة — النصف الفضة عبارة عن بارة، وكل أربعين منها بدرهم فضة، أعني قرشًا، أو كل أربعة منها بمليم من العملة المصرية التي كل ألف منها بدينار مصري — وفي ثمن حبال وبخور وغيره مائتان وخمسون نصفًا فضة، وللمزملاتي سنويًّا سبعمائة وعشرون نصفًا، ولغفير السبيل سنويًّا ثلاثمائة وستون نصفًا فضة، وأجرة ملئه أربعمائة نصف، وشرطت أيضًا أن يُصرف في ثمن ماء يصب في السبيل الكائن بخط الخرنوبي: ألف ومائتا نصف، وللمزملاتي به ثلاثمائة وستون نصفًا، وأجرة النزح وثمن القلل والبخور مائتان وأربعون نصفًا، وثمن زيت وقناديل بمقام الشيخ الخرنوبي مائة وثمانون نصفًا، وأن يصرف في ثمن ماء يصب في السبيل الذي بالشوائين يوميًّا: اثنا عشر نصفًا، وفي ثمن ضحايا ليوم العيد تُفرَّق على الفقراء: ثلاثون ريال حجر أبو طاقة، ولسبعة قراء يقرءون من أول رجب لليلة عيد الفطر سنويًّا: أربعون دينارًا ذهبًا زر محبوب.

ولناظر الوقف سنويًّا ثلاثون دينارًا، وللناظر الحسبي عشرة دنانير، وللمباشر مثله، والجابي كذلك، وأن يصرف في وجوه الخير على تربتها في أيام الجمعة والعيدين سنويًّا عشرة دنانير ذهبًا، وللتربي عشرة ريالات حجر أبو طاقة، ولسبعة قراء بالحرم المكي عشرة ريالات أبو طاقة أيضًا. فلله درُّ هذه الواقفة؛ فإنها لم تدع بابًا للخير إلا فتحته، فرحمها الله رحمة واسعة، وأكثر الله من أمثالها.

شرفية ابنة سعيد قبودان

ولدت في سنة ١٢٦٠ هجرية، وهي لغاية الآن على قيد الحياة، ولهذه المُترجَمة وقائع تشهد لها بالوفاء، وتعتبر من العجائب المستغربة — قد أخبرتني عنها إحدى السيدات الموثوق بقولهن — ولغرابة هذه الوقائع أحببت درجها في هذا التاريخ؛ لكي تخلد لهذه المترجمة ذكرًا مدى الأعصار، وهو أنه كان في مدينة «بولاق» مصر رجل «قبودان» يقال له: سعيد «قبودان»، وكان قد اقترن بفتاة اسمها السيدة مخدومة، شقيقة رائف باشا — أحد رؤساء البحر في الحكومة المصرية — فرزق منها سعيد «قبودان» بنتًا، فسماها شرفية، ولم تمكث في حجر والدها سوى ثمان سنوات حتى توفاه الله. وكان ذلك سنة ١٢٦٨ هجرية، وهو مجاهد في حرب القرم الأخيرة.

وكانت هذه البنت غاية في الرقة واللطف، وقد رُبيت على مبادئَ حسنةٍ، وقد علمتها والدتها القراءة والكتابة والأشغال اليدوية، وجميع ما تختص به النساء من تطريز وغيره حتى فاقت بنات عصرها، وهي مطيعة لوالدتها، منقادة لكلامها. وكانت تلك الوالدة تحني عليها ضلوع الرأفة والحنو إلى أن بلغت الثامنة عشرة من سنيها. وكانت في مدينة «إزمير» امرأة متوسطة المقام، وكان قد تركها زوجها منسحبًا من بلده، ولم تعلم أين ذهب، وترك لها ولدًا صغيرًا، ولكنه يضاهي البدر جمالًا، والغصن اعتدالًا، وما زالت منتظرة تربي ولدها إلى أن فرغ منها المال المدخر معها، ولم تجد ما تقتات به هي وولدها.

وقد تواترت الأخبار عن وجود زوجها في مصر، فأخذت ولدها — وكان في سن الثالثة عشرة من سنيه — وحضرت به إلى مصر لتبحث عن والده كما خلد في فكرها، وقد نزلت بالأمر المقدور على السيدة مخدومة، فتلقتها على الرحب والسعة، وفتحت لها في قلبها فضلًا عن منزلها أعظم محل، وكلَّمت شقيقها رائف باشا في أمرها، فبحث عن زوجها فلم يعلم له خبرًا.

ولما لم يجده أخذ الغلام وسلَّمه إلى إحدى المدارس الأميرية، وكان رائف باشا عديم الولد؛ لأنه لم يتزوج أبدًا إلى أن بلغ الثمانين من العمر، وكانت شرفية في ذلك الوقت لم تتجاوز الثامنة عشرة، وكان محمد كمال في سن الثالثة عشرة، وكانت شرفية ربعة القوام، ممتلئة الجسم، مستديرة الوجه، واسعة العيون، مقرونة الحواجب، قمحية اللون جذابة، خفيفة الروح، سوداء الشعر والعيون، تخلب لب من يراها.

وأما محمد كمال فإنه كان طويل القوام، نحيل الجسم، أبيض اللون، أشقر الشعر، أزرق العيون، مستدير الوجه، يميل دمه إلى الخفة، مع أنه قل من كان بهذا الشكل أن يستحصل على هذا الجاذب.

ولما دخل إلى منزل سعيد «قبودان» صارت شرفية تعتني بأمره كل الاعتناء من ملبس ومأكل وكل ما يلزم له، وجميع سد احتياجاته، وكانت والدتها تنظر إليها بعين الاستغراب، وتفكر في أمرها وانشغالها بأمر هذا الغلام، ولكنها تراجع نفسها عن الظنون في ابنتها؛ لأنها ترى أن الغلام صغير جدًّا ليس أهلًا لأن تحبه بنت ثمانية عشرة سنة، وليس هو ممن يحب وهو في هذه السن.

ولما دخل المدرسة وبَعُد عن شرفية كثرت عليها الأفكار، وصارت تحب الخلوة بنفسها، ولكنها لم تُضيع أوقاتها بدون أن تشتغل بشيء يعود نفعه على الغلام، مثل خياطة ملبوس وغيره مما يلزم له. وكان لا يأتي إلا في كل ليلة جمعة على حسب أصول المدارس الداخلية في القطر المصري، وكانت شرفية تنتظر ميعاد مجيئه كليًّا في الأعياد.

وفي تلك الفترة تكاثرت عليها الخُطَّاب، وكانت والدتها تحب أن تزوجها؛ لأنها وحيدتها، وتفرح بها قبل وفاتها، وكلما جاءها خاطب تعرضه عليها والدتها وتُحسِّنه في عيونها، وهي لا تقبل منها ذلك، ولا تجيبها إلا بالبكاء والنحيب، حتى إنها صارت لا تقبل من يفاتحها بمثل هذا الكلام، فكدَّر فعلها هذا والدتها، وظنَّت أن الذي يغريها على هذا الفعل هي أم الغلام، فكلَّمتها بهذا الخصوص وأغلظت لها القول حتى أخرجتها من منزلها.

ولما خرجت زاد وجد شرفية، وخافت أنها تحرم من رؤية حبيبها، فحزنت الحزن الشديد حتى حرمت النوم والطعام، وما زالت في أفكار الدهشة والحيرة إلى أن كانت ليلة الجمعة، فحضر محمد كمال على حسب العادة، ولما بلغه أن والدته خرجت من المنزل وتوجَّهت إلى منزل رائف باشا اغتمَّ لذلك، وكان الغلام أيضًا قد أُشرِب حب البنت من حين طفوليته، وكلما نما سنه ينمو حبها معه، ولكنه كان ينظر إلى نفسه فيجدها حقيرة بالنسبة إلى شرفية، ولكنه صار يجتهد في الاستحصال على العلوم الكافية لأن تجعله أهلًا لها.

ولم يمضِ زمن يسير إلا وخرج من مدرسة المبتديان ودخل المدرسة الحربية بواسطة رائف باشا، وبعد مضي مدة توفى الله والدتها السيدة مخدومة، وبقيت البنت في حجر خالها كأنها ابنته، وصارت تطلبها الخطاب منه فيعرض عليها ذلك فلم تقبل، فاحتار في أمرها، ولم يدرِ ما الذي يمنعها عن الاقتران.

وكان كمال لم يزل في منزل رائف باشا مع والدته؛ فإنها من حين ما خرجت من عند السيدة مخدومة دخلت إلى منزل الباشا المشار إليه، ومكثت عنده إلى أن انضمت البنت إليه، فصاروا كما كانوا جميعًا في بيت واحد، وكان الباشا لا يظن أن هذا التوقف من شرفية حاصل بسبب هذا الغلام؛ لأنه يرى أن بينه وبينها بونًا بعيدًا من حيث الثروة والسن أيضًا. وأما النسب فهو وإن كان لا يعلم نسبه إلا أنه كان يرى في خلال طباع الغلام ما يدل على صحة نسبه، وأنه من نسل طيب، وأنه شريف النفس أبيُّها.

ولما طال أمر شرفية بالامتناع عن الزواج خاف الباشا أن يتوفاه الله قبل أن يزوج هذه البنت اليتيمة، فشكا ذلك إلى بعض أصدقائه وقال له بأن يكلف قرينته — لأنها كوالدتها — أن تسألها في ذلك، وتفهم ما سبب امتناعها عن الزواج، ففعل الباشا المشار إليه ما كلَّفه به صديقه، وقد سألتها قرينته فأظهرت لها أنها لا تقدر على مخالفة الطبيعة؛ حيث إن لها ميلًا كليًّا إلى جهة محمد كمال، فاستنتجت منها تلك السيدة أنها يستحيل عليها الاقتران بغير هذا الغلام، وأنها لا تقدر على مخالفة إحساساتها القلبية، فأخبرت زوجها بذلك.

وكان كمال في ذاك الوقت قد استحصل على رتبة ملازم، وصار له جراءة على طلب شرفية، فتقدم إلى الباشا المشار إليه والتمس منه أن يكلم رائف باشا في أمر شرفية، وأن يُنعم عليه بها، وأن يقبله عبدًا له ما دام في هذه الدنيا؛ لأنه على كل حال هو غرس نعمته، فتقدَّم إليه صديقه بأمر الخطوبة، وأخبره أنه اختبر أمر شرفية بلسان زوجته فوجدها تميل إلى الغلام، وهذا سبب امتناعها عن الاقتران بغيره.

ولما سمع رائف باشا هذا الخبر استعظمه وقال: هذا شيء لا يكون أبدًا؛ لأن الغلام لا يصلح لها، فكيف أزوجه بنت أختي وأنا مربيه بنوع الثواب وهو فقير؛ ولا يقدر على أداء المهر ولا مصروف نفسه، فضلًا عن فتح المحل ومصاريفه، مع كونه مجهول الأصل؟!

فقال له: فأما كونه فقيرًا؛ فسوف يتقدم شيئًا فشيئًا، ويستحصل على الرتب حتى يصير بدرجتنا؛ حيث إننا نحن كنا في ابتداء أمرنا فقراء، وكان الواحد منا راتبه مائة وخمسين درهمًا، فاجتهدنا إلى أن استحصلنا على أرفع الرتب اللائقة بمثلنا، وها هو مجتهد أيضًا.

وأما من جهة كونه مجهول الأصل، فنحن أيضًا لا نعلم أصلنا؛ لأن الواحد منا لا يعلم أصل نفسه ولا من هم أهله؛ فمَن هو جركسي، ومن هو مرلي، ومن هو كريدلي، وقد أخرجنا من بلادنا ما نعلم ماذا يئول أمرنا إليه، وها نحن — والحمد لله — قد صرنا من خواص رجال الحكومة المصرية. ولم يزل به حتى أنعم له رائف باشا بعد امتناعه جملة سنين، وعقد للغلام على شرفية، وشرعوا في أمر الجهاز وما يلزم للفرح وكأن شرفية في ذاك الوقت قد أُحيِيَ ميتُ آمالها، وأدهشها الفرح الشديد عن كل ما في الكون.

ولكنها — وا أسفاه — لم يسمح لها الدهر بإتمام تلك الأفراح حتى هجم عليها بجيوشه الجبارة، وصدمها صدمة تزول من هولها الجبال الراسيات، ويذوب لها الحجر الجلمود.

وذلك أنه لما بقي لإقامة الفرح أسبوع واحد حُمَّ الغلامُ، ووقع رهين الفراش، ولم يمكث بعد ذلك سوى أيام قلائل حتى توفَّاه الله، وقُصِفَ غصن شبابه النضر، وانزوى جماله تحت أطباق الثرى. سبحان الحي الباقي الذي لا يموت.

فلينظر الرائي إلى حال شرفية التي يعجز القلم عن وصف حالها وما صارت إليه من الحزن والكدر، حتى إنها دخلت إلى غرفتها التي سمَّتها بيت الأحزان، وأسبلت عليها الستور، وصارت تندب حبيبها وتبكيه إلى الآن، وتوفي بعد ذلك خالها رائف باشا، ولم تزل إلى هذا الوقت مدفونة تحت أطباق الحزن تطلب الموت؛ لعلها تجتمع بحبيبها في العالم الآخر، فلم تجد لذلك من سبيل. ولها مسجونة في بيت حزنها ما يزيد على الثلاثين سنة، وقلَّ مَن يصبر على هذا المصاب!

شيرين زوجة أبرويز بن هرمز

من ولد كسرى أنوشروان. كانت يتيمة في حجر رجل من الأشراف، وكان «أبرويز» صغيرًا يدخل منزل ذلك الرجل فيلاعب شيرين وتلاعبه، فأخذت من قلبه موضعًا، فنهاها عن ذلك الرجل فلم تنتهِ، فرآها وقد أخذت في بعض الأيام من «أبرويز» خاتمًا، فقال لبعض خواصه: اذهب بها إلى الدجلة فغرقها! فأخذها الرجل ومضى فقالت له: وما الذي ينفعك من تغريقي؟! فقال: قد حلفت لمولاي، فقالت: اقذفني في مكان رفيق؛ فإن نجوت لم أظهر وبرئت من يمينك، ففعل وتوارت في الماء حتى غاب، وصعدت إلى دير فترهبت فيه وأحسن إليها الرهبان.

فلما تقرر المُلْك ﻟ «أبرويز» بعد أبيه «هرمز» مر بذلك الدير رسل قيصر «أبرويز» فدفعت الخاتم إلى رئيسهم وقالت: ابعث به إلى «أبرويز» لتحظى عنده، فأرسله وعرفه مكان شيرين، فسُرَّ سرورًا عظيمًا، وأرسل إليها فأحضرها — وكانت من أجمل النساء وأظرفهن — ففوض إليها أمره، وهجر نساءه وجواريه، وعاهدها أن لا تُمكِّن منها أحدًا بعده، وبنى لها القصر المعروف بقصر شيرين بالعراق. فلما قتل «شيرويه» أباه «أبرويز» راودها عن نفسها فامتنعت، فضيق علها واستأصلها ورماها بالزنا وتهددها بالقتل إن لم تفعل، فقالت: أفعل على ثلاث شرائط، قال: ما هي؟ قالت: تسلم إليَّ قتلة زوجي حتى أقتلهم، وتصعد المنبر وتُبرِّئني مما قذفتني به، وتفتح لي تاوس أبيك؛ فإن له عندي وديعة عاهدني إن تزوجت بعده رددتها إليه.

فدفع إليها قتلة أبيه فقتلتهم، وبرَّأها، قيل: وفتح لها تاوس أبيه وبعث الخادم معها، فجاءت إلى «أبرويز» فعانقته ومصَّت فصًّا مسمومًا كان معها فماتت من وقتها، وأبطأت على الخدم فصاحوا فلم تكلمهم، فدخلوا فوجدوها معانقة ﻟ «أبرويز» ميتة! فهذه ممن يفتخر لهن بالوفاء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠