حرف القاف

قتيلة بنت النضر بن الحارث

قتيلة بنت النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشية العبدرية.

كان أبوها طبيب العرب، وحارب النضر في يوم بدر مع قريش فأُسر، ثم أمر النبي بقتله فقُتل.

قال التبريزي: كان النبي تأذَّى به فقتله صبرًا! وكان من جملة أذاه أنه كان يقرأ الكتب في أخبار العجم على العرب ويقول: إن محمدًا يأتيكم بأخبار ثمود وعاد، وأنا منبئكم بأخبار الأكاسرة والقياصرة! يريد بذلك القدح بنبوته.

وقال ابن عباس في قول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا (لقمان: ٦): إنها نزلت في النضر بن الحارث، وكان يشتري كتب الأعجام من فارس والروم وكتب أهل الحيرة؛ فيُحدِّث بها أهل مكة، وإذا سمع القرآن أعرض عنه واستهزأ به، فلما أُسِر يوم بدر أمَر النبيُّ عليًّا أن يضرب عنقه وعنق عقبة بن أبي معيط صبرًا فقُتلا، فقالت قتيلة ترثي أباها.

وفي بعض الروايات أنها أتت محمدًا فأنشدتُ الأبيات الآتية، فرقَّ لها النبيُّ وبكى وقال لها: لو جئتني من قبل لعفوتُ عنه، ثم قال: لا تقتل قريش صبرًا بعد هذا، والأبيات رواها كثيرون، وشرحها شارح الحماسة، وهي:

يا راكبًا إن الأثيل مظنة
من صبح خامسة وأنت موفق
أبلغ به ميتًا فإن تحية
ما إن تزال بها النجائب تعنق
مني إليه وعبرة مسفوحة
جادت لمائحها وأخرى تحنق
فليسمعن النضر إن ناديته
إن كان يسمع ميت أو ينطق
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه
لله أرحام هناك تشقق
قسرًا يُقاد إلى المنية معتبًا
رسف المقيد وهو عانٍ موثق
أمحمد أولست صنو نجيبة
في قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرُّك لو مننت وربما
مَنَّ الفتى وهو المغيظ المحنق
لو كنتَ قابلَ فدية لفديته
بأعز ما يغلو لديك وينفق
فالنضر أقرب من تركت قرابة
وأحقهم إن كان عتق يعتق

وبعدما انتهت من قصيدتها وقال لها النبي ما قال، قالت تمدحه بقصيدة مطولة — عثرنا منها على هذا البيت:

الواهب الألف لا يبغي به بدلًا
إلا الإله ومعروفًا بما اصطنعا

وهذه القصيدة — لعمري — إنها من القصائد التي يحق الافتخار بها؛ لأنها صادرة من ذات قناع، وقد علمت قوة قائلتها من انسجام هذا البيت الذي ذكر منها؛ لأنه في غاية الرقة والانسجام.

وتزوجت قتيلة بعبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر بن عبد شمس، فولدت له عليًّا والوليد ومحمدًا وأم الحكم، وقد أسلمت بعد قتل أبيها وصارت من الصحابيات المروي عنهن الحديث. توفيت في خلافة عمر بن الخطاب.

قلم الصالحية جارية صالح بن عبد الوهاب

كانت جارية صفراء، حلوة، حسنة الغناء والضرب، حاذقة. قد أخذت عن إبراهيم وعن ابنه إسحاق ويحيى المكي، وزبير بن دحمان. وكانت لصالح بن عبد الوهاب، واشتراها الواثق، وكان الواثق قد جمع أرباب الغناء فغنَّى أحدهم بين يديه لحنًا لقلم في شعر محمد بن كناس، وهو:

فيَّ انقباض وحشمة فإذا
صادفت أهل الوفاء والكرم
أرسلت نفسي على سجيتها
وقلت ما قلت غير محتشم

فسأل: لمن الصنعة فيه؟ فقيل: لقلم الصالحية جارية صالح بن عبد الوهاب، فبعث إلى محمد بن عبد الملك الزيات فأحضره فقال: ويلك! من هو صالح بن عبد الوهاب هذا؟ فأخبره به، فقال: ابعث له فأشْخِصه هو وجاريته، فقدما على الواثق، فدخلت قلم فأمرها بالجلوس والغناء فغنَّت، فاستحسن غناءها وأمر بابتياعها، فقال صالح: أبيعها بمائة ألف دينار وولاية مصر! فغضب الواثق من ذلك وردَّها عليه، ثم غنَّى بعده زرنب الكبير في مجلس الواثق صوتًا لقلم؛ وهو:

أبت دار الأحبة أن تبينا
أجدك ما رأيت لها معينا
تقطع نفسه من حب ليلى
نفوسًا ما أثبن ولا جزينا

فسأل لمن الغناء فقيل: لقلم جارية صالح، فبعث إلى ابن الزيات أن أشخص صالحًا ومعه قلم! فلما أشخصها دخلت على الواثق فأمرها أن تغنيه هذا الصوت فغنَّته، فقال لها: الصنعة فيه لك؟ قالت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: بارك الله فيك، وبعث إلى صالح فأُحضر فقال: أما إذا وقعت الرغبة فيها من أمير المؤمنين؛ فما يجوز أن أملك شيئًا له فيه رغبة، وقد أهديتها إلى أمير المؤمنين، فإن من حقها عليَّ إذا تناهيت في قضائه أن أصيرها ملكه، فبارك الله له فيها، فقال له الواثق: قد قبلتها.

وأمر ابن الزيات أن يدفع له خمسة آلاف دينار، وسماها احتياط، فلم يُعطه ابنُ الزيات المال ومطَله به، فوجَّه صالح إلى قلم من أعلمها ذلك فغنَّت الواثق، وقد اصطبح صوتًا فقال لها: بارك الله فيك وفيمن رباك، فقالت: يا سيدي، وما نفع مَن ربَّاني مني إلا التعب والغرم علي، والخروج مني صفرًا! قال: أوَلَم آمر له بخمسة آلاف دينار؟! قالت: بلى، ولكن ابن الزيات لم يُعطه شيئًا. فدعا بخادم من خاصة الخدم ووقَّع إلى ابن الزيات بحمل خمسة آلاف دينار إليه، وخمسة آلاف أخرى معها، قال صالح: فصرتُ مع الخادم إليه بالكتاب فقرَّبني.

وقال: أما الخمسة آلاف الأول فخذها، فقد حضرت، والخمسة الآلاف الأخرى أنا أدفعها إليك بعد جمعة، فقمت ثم تناساني كأنه لم يعرفني، وكتبتُ إليه كتابًا أقتضيه، فبعث إلي اكتب لي قبضًا بها — أي وصلًا — وخُذها بعد جمعة، فكرهتُ أن أكتب قبضًا بها فلا يحصل لي شيء، فاستترت منه في منزل صديق لي، فلما بلَغه استتاري خاف أن أشكوه إلى الواثق، فبعث إلي بالمال وأخذ كتابي بالقبض، وابتعت بالمال ضيعة، وتعلقت بها، وجعلتها معاشي.

قمر جارية إبراهيم بن حجاج اللخمي صاحب إشبيلية

كانت من أهل الفصاحة والبيان والمعرفة بصنعة الألحان، وجلبت إليه من بغداد، وجمعت أدبًا وظرفًا ورواية وحفظًا مع فهم بارع، وجمال رائع، وكانت تقول الشعر بفضل أدبها، ولها في مولاها تمدحه:

ما في المغارب من كريم نرتجي
إلا حليف الجود إبراهيم
إني حللت لديه منزل نعمة
كل المنازل ما عداه ذميم

ومن قولها تشوقًا إلى بغداد:

آهًا على بغدادها وعراقها
وظبائها والسحر في أحداقها
ومحالها عند الفرات بأوجه
تبدو أَهِلَّتها على أطواقها
متبخترات في النعيم كأنما
خلق الهوى العذري من أخلاقها
نفسي الفداء لها فأي محاسن
في الدهر تشرق من سني أشراقها

ومن حسن صوتها وجمالها وتهذيبها حظيت عند مولاها، وبقيت عنده في عزٍّ وإقبال إلى أن ماتت، فأسِف عليها أسفًا شديدًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠