حرف اللام ألف

لانيلسون المغنية الأسوجية

هي من أشهر مغنيات الإفرنج. ولدت هذه الفتاة من أبوين فقيرين من الفلاحين في أسوج، ولكنها اشتهرت شهرة عظيمة، فأحرزت قصب السبق والتقدم على أقرانها، ونالت الحظوة عند الملوك والعظماء، فلم يبق أحد من رؤساء الحكومات إلا أتحفها بوسام أو شيء من علامات الشرف، بحيث لو أرادت أن تتزين بكل ما عندها من النياشين لما وسعها صدرها! وتزوجت الكنت «دي ميراندا».

وعند ذهابها أخيرًا إلى بلادها أسوج ونروج مع المسيو ستراكوف، احتفل مواطنوها باستقبالها احتفالًا عظيمًا، وأُطلق لها مائة مدفع ومدفع؛ إجلالًا لشأنها. ولما سافرت سنة ١٨٧٠م إلى أميركا بلغ مدخولها اليومي ثلاثين ألف فرنك. جمعت في الشهور الستة الأول من إقامتها هناك ما ينيف عن ستة ملايين فرنك أو ثلاثمائة ألف ليرة؛ فليتأمل.

لادي رسل ابنة توماروتسلي وزير مالية إنكلترا

ولدت سنة ١٦٣٦م، وتزوجت بأمير أيرلندي اسمه اللورد فوغان سنة ١٦٥٣م، فتوفي عنها بعد أربع سنوات، ثم اقترن بها الشريف وليم رسل، فأحبَّها وأحبَّته حبًّا مفرطًا، وكان رسل شهمًا مقدامًا نافذ الكلمة، فاستعان به بعض أهل الثورة الخارجين على الملك، فمالأهم على قصدهم، ثم كُشف الأمر فقُبض عليه وألقي في السجن، وهي تجهل السبب الذي سُجن لأجله، ولما قِيدَ إلى المحكمة وقفت بجانبه، وسمعت الحكم الذي صدر عليه بالموت، وعادت معه إلى السجن مظهرة الجلد الشديد؛ لكي لا تكسر قلبه، وجعلت تشدد عزائمه وتذاكره في الوسائط التي يمكن استخدامها لتخفيف قصاصه ولتأجيله، وكان يعلم أن السعي في ذلك يذهب سدى، ولكنه تركها تسعى؛ لأنه قال في نفسه: لو تركتني إلى التقادير بدون أن تستعمل كل الوسائط الممكنة لنجاتي لما وجدت إلى الصبر عني سبيلًا، فانتجعت كل روض، وألقت دلوها في كل حوض، ولكنها عادت «بخُفي حُنين»؛ لأنها لم تجد للقضاء مردًّا، وجعلت تشدد عزائم زوجها، وكان لسان حالها يقول:

جانِب السُّلطان واحذرْ بطشه
لا تُعاند مَن إذا قال فعل

ثم ودعته الوداع الأخير فودَّعها وهو يقول: إنني أودع الحياة طيب النفس، قرير العين؛ لأنني تركت ورائي أولادًا لا يفقدون شيئًا بفقدي، وزوجة عفيفة فاضلة فيها الكفاية لأن تدبر أمورها وأمور أولادها على أتم المراد، وقد وعتني أنها تقيني بنفسها من أجل أولادها، وهذا حسبي. ولما قُضي عليه أرسل الملك يخبرها أنه غير قاصد أن ينتفع بموت زوجها، فيُبقى لها ولأولادها كل مقتنياته، فرأت أن حبَّها لأولادها يدعو إلى شكره ولو مُكرهة، فأرسلت إليه كتابًا تشكره به — وكانت من فريدات عصرها في الكتابة والإنشاء.

ثم انتقلت بأولادها إلى الريف، وأطلقت العنان للزفرات والعبرات التي كانت قد حجبتها مخافة شماتة الأعداء، وكتبت في ذلك الحين إلى أحد القسوس الفضلاء تقول له: أنت تعرفنا تمامًا؛ فلا تلمني على الحزن ولو أفرط. نعم؛ إن كثيرات أُصبنَ بما أُصبتُ، ولكن أين فقيدهن من فقيدي حتى يتجدد حزنهن كما يتجدد حزني؟! وكتبت بعد ذلك تقول: اللهم أرني مقاصد عنايتك فيما ابتليتني به؛ لكي لا أسقط تحت قتل كآبتي. إني أستحق هذا القصاص، ولا أشكو منه، ولكن قلبي حزين، وقد عزَّت السلوى؛ لأن رفيق الحياة وقسيم أفراحي وأحزاني ليس معي. أوَّاه! إن نفسي تتوق إلى مسامرته ومساكنته ومواكلته، قد صارت الحياة علي حملًا ثقيلًا، ولكن لا بد من الصبر على مضض الأيام، والترفع فوق أفراح الدهر وأحزانه.

ثم دالت تلك الدولة، وصار المُلك إلى المَلك الذي كان زوجها من حزبه، فغمَر حماها وابنها بالأنعام؛ تعويضًا لهما عما فقداه بفقد زوجها، ولكن ابنها لم يعش طويلًا حتى يتمتع بهذا الإنعام؛ لأن الجدري وافاه وهو في الثلاثين من عمره، وقصف غصن شبابه، وعاشت بعد ذلك سنين كثيرة، وماتت عن سبع وثمانين من العمر.

وقد اجتمع في هذه المرأةِ الفاضلةِ لطفُ النساءِ وصبرُهنَّ وفطنتُهنَّ، وهمةُ الرجال وحكمتهم وإقدامهم، وعاشت وماتت طاهرة السيرة والسريرة. ولها رسائل كثيرة تحلها محلًّا رفيعًا بين مشاهير الكتبة. انتهى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠