الفرعون أوسركون الثاني

(٨٧٩–٨٥١ق.م)
آمون مري آمون-ابن باست وسركون وسر-ماعت-رع-ستبن
كان «أوسركون الثاني» من أهم ملوك الأسرة الثانية والعشرين، وقد أبرزت أهميتَه الكشوف الحديثة التي عُملت في «تانيس».١

وهو ابن الملك «تاكيلوت الأول» والملكة «كابس» كما ذكرنا من قبل في مناسبات عدة، ويلقب أحيانًا بلقب «ابن الإلهة باست»، وبخاصة في معبد «تل بسطه» أهم مركز لعبادة الإلهة «باست» في مصر، وهذا اللقب يجعلنا نميزه من الملوك الذين يسمون باسم «أوسركون» بعده.

وأحدث سنة له في الحكم هي التاسعة والعشرون (راجع Legrain. A. Z. XXXIV. p. 112 No. 14)، وهذا الرقم — إذا صدقنا ما ذكره الأثري «أونجار» (راجع Ungar, Chronologie des Manethon. p. 236)، وكذلك ما ذكره «بدج» (Budge, Hist. III p. 249) — يتفق مع التسع والعشرين سنة التي خصصها «مانيتون» جملة لمدة حكم أخلاف «أوسركون الأول».

وتدل الآثار الباقية على أن «أوسركون الثاني» قد اتخذ «رعمسيس الثاني» نموذجًا له، والظاهر أنه لم يكن يريد من أعماق قلبه أن يُقلِّد سلفه هذا بقدر ما في استطاعته وحسب، بل كان يريد أن يفوقه، وذلك باغتصاب آثاره، كأنه أراد أن ينتقم للملوك الذين اغتصب «رعمسيس الثاني» آثارهم؛ ولذلك تجده نقش اسمه على آثار كثيرة من آثار «بررعمسيس»؛ ولكن لأجل أن يكون تقليده «لرعمسيس الثاني» محبوك الأطراف اتخذ اسم شارته مثل اسم شارة «رعمسيس»: «الثور القوي صديق ماعت»، وكذلك كان طغراؤه الأول — على قدر المستطاع وعلى قدر ما تسمح به العقائد السائدة وقتئذ — مشابهًا للقب «رعمسيس الثاني»؛ فكان لقب «رعمسيس الثاني» «وسر ماعت رع ستبن رع»، وكان لقب «أوسركون الثاني» «وسر ماعت رع ستبن آمون»، ومن ذلك نرى أنه غيَّر «رع» بآمون. وقد سهل على «أوسركون» اغتصاب آثار «رعمسيس»؛ إذ كان ذلك لا يحتاج إلى تغيير كبير. وهذا الاغتصاب كان ظاهرًا في معبد «تل بسطه» بوجه خاص.

وأهم حادث يلاحَظ في تاريخ هذا المعبد في عهد «أوسركون الثاني» هو تعظيم عبادة الإلهة «باست»، وإبرازها هنا بوصفها المعبودة السائدة عبادتها في تلك البقعة. ومن هذا العهد نجد اسم الآلهة منقوشًا بحروف كبيرة في هذا المعبد، ولم يقتصر ذلك على التماثيل واللوحات بل على عقود قاعة المعبد والعُمُد، وكان غرض الملك من ذلك محو اسم الإله «ست»؛ إذ تدل الأحوال على أنه قد أمر بنزع اسمه حيثما وجد، غير أن هذا العمل لم يُنجَز بدقة بل أنجِز بإهمال ظاهر، فنجد مثلًا أن الإله «ست» كان ممثَّلًا على قمة العمد جالسًا ومعه علامة الحياة والصولجان في يديه؛ ففي كثير من الأحوال نجد أن رأس الحيوان الدال على الإله «ست» قد غُيِّر برأس أسد، وكذلك لباس رأس هذا الإله غُيِّر وأصبحت الصورة الجديدة تدل على الإله «ماحس» ابن الإلهة «باست»، وهو الذي كان يصور بصورة أسد وهو إله حربي؛ ولذلك بقيت كل الصفات التي كانت منقوشة مع الإله «ست» كما هي، وأصبحت تطلق على الإله «ماحس» العظيم القوة إله السماء (راجع Naville, Bubastis Pl. XIII E. F. G). وهذا المحور والتغيير ظاهر في نقوش الإله «ست» الذي كان يعبده «رعمسيس الثاني»؛ حيث نجد أن أثر المحو لا يزال ظاهرًا (Ibid. Pl. XX).
وقد وصل إلينا كثير من نقوش «أوسركون الثاني» من معبد «بوبسطة» خلافًا للتي كانت تزين قاعة المعبد الثلاثيني (راجع Ibid Pl. XLIE-H).

ووجدنا على أحد العمد أن «أوسركون» قد ذُكر بوصفه متعبدًا للإله «ماحس» وهو ابن الإلهة «باست».

وتدل الأحوال على أنه كان يوجد مبنًى هامٌّ في هذه البقعة؛ لأنه وُجد بالقرب منها قطعة أساس عليها نهاية نقش بالحجم الطبيعي مصنوعة صنعًا دقيقًا، وعلى أحد جوانبها نشاهد «أوسركون» يقدم العين المقدسة للإلهة «باست» التي أنجبته؛ وذلك لتمنحه كل الأراضي التي ستضاعف عددها، وكل الشجاعة مثلما فعلت «لرع» (Ibid. Pl. XLI, E)، وقد لقبت الإلهة «باست» هنا الكاهنة رئيسة الأسرار للإله «أتوم»، وعلى الجانب الآخر نفهم أن ابن «باست» وهو الإله «حور حيكون» قد مثِّلَ مقدِّمًا الحياة للملك «أوسركون الثاني».

(١) آثار أوسركون الثاني في تل بسطة والوجه البحري عامة

لا نزاع في أن أهم أثر تركه «أوسركون الأول» خلال مدة حكمه كان في «بوبسطة»، ومدينة الإلهة «باست» العظيمة هي التي سُمِّيت فيما بعد «بوبسطة»، وكان موقعها بالنسبة لعصره ذا ميزة عظيمة جدًّا؛ إذا كانت تقع على فرعَيِ النيل؛ أي الفرع البيلوزي، والفرع التانيتي. وكان يؤمها كل السياح الذاهبين من منف إلى سينا وخليج السويس، وقد تقلبت على هذه المدينة العتيقة أحداث توالى فيها النعيم والشقاء كما كان شأن «تانيس»، ولا تزال توجد حتى الآن آثار للمعبد الذي أقامه الفرعون «خوفو» ومن بعده «بيبي» وغيرهما من ملوك الدولة القديمة والدولة الوسطى (راجع Bubastis. pp 4–14). هذا، وقد ترك لنا فيها الهكسوس بعض آثارهم، ومِن بعدهم أقام «رعمسيس الثاني» في هذه المدينة مباني ضخمة، ولكن الحروب الداخلية قد خرَّبت «بوبسطة» كما هدمت «تانيس»، غير أن ملوك الأسرة الواحدة والعشرين الذين أعادوا بناء «تانيس» من نفس أنقاضها يظهر أنهم لم يلتفتوا كثيرًا إلى مدينة «بوبسطة»، ولم يترك لنا نفس «شيشنق الأول» مؤسس الأسرة الثانية والعشرين آثارًا فيها تُذكر. وتدل الأحوال على أن «أوسركون الأول» كما ذكرنا أخذ في إعادة بناء المعبد الكبير وكذلك المعبد الصغير مستعملًا في ذلك أنقاض المباني القديمة كما كان يُفعل في كل مكان في ذلك العهد الذي اتسم بطابع الفقر، ولكن أهم مبنًى في هذه المدينة يرجع الفضل في إقامته للفرعون «أوسركون الثاني»، وهو الذي كما قلنا قد انتحل دون تورُّعٍ مبانيَ «رعمسيس الثاني» في كلٍّ من «بوبسطة» و«تانيس»، هذا إلى ما اغتصبه لنفسه من تماثيل ملوك الدولة الوسطى (راجع Br. Museum. a Guide to the Egyptian Galleries N. 774-5)؛ حيث نجد أنه نُقش اسمه على رأس تمثال جالس «لأمنمحات الثالث» (؟) كما نقش اسمه على جزء من تمثال مصنوع من الجرانيت الرمادي جالس على العرش، ويحتمل أنه «لأمنمحات الثالث» كذلك، وذلك بعد أن محا اسم صاحبه الأصلي.
وعلى الرغم من ذلك نجد أن بعض النقوش الغائرة الصغيرة المصنوعة بدقة من التي تزين البوابة العظيمة ترجع إلى عصر «أوسركون»، هذا، (راجع Naville. Festiva Hall of Osorkon II)، وهذه النقوش تمت للاحتفال بالعيد الثلاثيني الذي كان يعقده الملك شخصيًّا، وتتبعه زوجه الكبرى الملكية وكل أطفاله، هذا، وبحضور عظماء القوم والمندوبين الأجانب وممثلي المقاطعات المصرية والمدن؛ الذين كانوا يحملون شاراتهم الخاصة بهم وصور الآلهة المحلية في حضرة الإله العظيم. ويلاحظ أنه في أثناء سير الموكب وإقامة الشعائر كانت تُسمع أصوات الدق على الطبول، هذا إلى فِرَق المغنين والراقصين الذين كانوا يقومون بأدوارهم الخاصة في هذا الحفل. وقد كان الفرعون يُرى أحيانًا ماشيًا على قدميه وأحيانًا محمولًا في محفته إلى أن يصل إلى سرادقه المزدوج؛ حيث يجلس على عرشه المعد له، وهناك كان يظهر تارة الإله «بتاح الجنوب» وأخرى يظهر «بتاح الشمال».

وقد تحدثنا عن هذا العيد ببعض التفصيل عند الكلام على العيد الثلاثيني للفرعون «أمنحوتب الثالث» الذي أقامه في «صولب»، وكذلك الأعياد الأخرى كما شاهدناها له في مقبرة «خيروف» (راجع مصر القديمة الجزء الخامس). والمناظر التي بقيت لنا في معبد «بوبسطة» تعد أكمل ما وجد في وصف هذا العيد، وإن كانت مناظر مقبرة «خيروف» تمتاز عنها ببعض تفاصيل.

ويمكن أن نقتبس من نقوش العيد الثلاثيني في «بوبسطة» بعض معلومات خاصة بالملك «أوسركون الثاني»؛ فنجد كثيرًا من أسماء الأسرة المالكة مذكورًا فيها؛ منها الزوجة الملكية «كارعمع» وهي التي ذُكرت في نقوش «تانيس»، وكذلك أسماء ثلاث من بناته: «تاخع-خبر»، و«كرمعمعت»، والثالثة هُشِّمَ اسمها.

وكذلك ذُكِرَ ثلاثة من أولاده غير أن أسماءهم لم تذكر، هذا، إلى أن كبار رجال الدين وعظماء القوم في عهده لم يُذكَروا بالاسم بل ذُكروا بألقابهم وحدها، يضاف إلى ذلك أن المبعوثين الأجانب قد ذُكروا بأسماء عامة؛ فنجد أن أهل الجنوب قد ذُكروا باسم «أونتيو-ستي»، وأهل الشمال ذكروا باسم «قنبتيو شع» (Ibid Pl. XV). وقد فات «نافيل» أن يقرن هؤلاء الأخيرين بقوم «عامو-حريو-شع»؛ أي العرب الذين على الرمل، وهم الذين ذكروا في نقوش «أوني» القائد المصري الذي يرجع عهده إلى عصر الملك «بيبي»، وبقوم «نميوشع» وبعلائي في الرمال الذين يتحدث عنهم «ستوهيت» (راجع Ibid pp. 26-27). وكلمة «قنبت» في المصرية تعني «مجلس»، وهي تستعمل مقابِلة لكلمة «زازات» «محكمة»، ومجلس الرمال تقابل على ذلك «السوفيت» الذين كانوا أصحاب السلطان على إسرائيل منذ أن توطنوا في «فلسطين» حتى نصب عليهم «شاءول» ملكًا، وقد تطور الإسرائيليون، ولكن العرب البدو قد بَقُوا محافظين على نظام القضاة، وهؤلاء القضاة هم الذين أتوا ليشتركوا في عيد «أوسركون» الثلاثيني.
ونجد على حسب الوثائق التي تعد أقدم من وثيقة «أوسركون الثاني» أن «بتاح تاتن» هو الإله الرئيسي في العيد الثلاثيني؛ ففي عهد كل من «رعمسيس الثاني» و«رعمسيس الثالث» (راجع Historical records of Ramses III (1936) p. 119–129) نجد أن معبد هذا الإله هو المكان الذي كان يُحتفل فيه بإقامة شعائر هذا العيد، ولكن في عهد «أوسركون الثاني» لم يكن للإله «تاتنن» دور يُذكر، فقد ذُكر بين آلهة كثيرين، وكان الدور الرئيسي للإله «آمون» ملك الآلهة وسيد الأرضين، وأقيم العيد في معبد «آمون» الذي كان قد حدده «أوسركون»، وإن جلالة هذا الإله الفاخر ظهر على الطريق ليثوى في قصر العيد الثلاثيني الذي جدد بناءه وجدرانه من الذهب وعمده …» (راجع Naville, Festival Hall of Osorkon. II Pl. VI).
والواقع أننا نشاهد على الجدران نحوًا من عشرين كاهنًا مصورين يتقدمون في سيرهم لابسين جلد الفهد، وحاملين على أكتافهم السفينة المقدسة التي كان يحلِّي مقدمتَها ومؤخرتَها رأسُ كبش (رمز الإله آمون) (راجع Ibid Pl. V).
وكان الملك يشترك في خروج الحفل (راجع Ibid Pl. V). وقد امتطى بدوره محفته. ولدينا نقش يختلف عن النقوش العادية يُعَرِّفُ لنا المنظرَ كما يأتي: «في السنة الثانية والعشرين الشهر الرابع من فصل الفيضان، طلع الملك في معبد «آمون» الذي يعد قصر العيد الثلاثيني، وجلس على الكرسي (سبا) وأخذ في نذر الأرضين، وقد نُذرت حريم معبد آمون (أي أوقِفْنَ) وكذلك كل نسوة الإله المحلي اللائي كنَّ عبيدًا منذ زمن الأجداد، وإنهنَّ سيظلَلْن إماءً في كل المعبد على أن يدفعن ضرائب في صورة جزية سنوية.»
والواقع أن جلالته كان يبحث عن فرصة عظيمة يكون فيها مفيدًا لسيده الذي أعلن أول عيد ثلاثيني لابنه الجالس على عرش والده، وقد أعلن له أشياء عظيمة في «طيبة» سيدة الأقواس التسعة. وعلى ذلك تحدث الملك أمام والده «آمون» قائلًا: لقد أوقفتُ «طيبة» طولًا وعرضًا بوصفها مطهرة وموهوبة إلى سيدها، ويجب على عمال الفرعون ألا يقربوها؛ لأن كل سكانها قد أوقفوا سرمديًّا لاسم الإله العظيم الطيب (راجع Ibid Pl. VI).

وتدل شواهد الأحوال على أن الإله «آمون» كان البادئ لهذا العيد الثلاثيني، وربما كان سبب ذلك أن الملك قد نجا من خطر أو كان تنفيذًا لرغبة الإله نفسه، وقد أقام الملك اعترافًا منه بالجميل معبدًا «لآمون» في بلدة لم يُذكر اسمها هنا، بوصفه معبدًا للعيد الثلاثيني، وقد أصدر مرسومًا أصبحت به تحت سلطان الإله وحده كل الموظفات النسوة التابعات لكل المعابد التي تدفع له هذه النسوة ضرائب، وكذلك كل إقليم «طيبة» الذي أصبح حرًّا من عمال الملك وكل سكانه أصبحوا ملكًا للإله «آمون»، ولم يكلف الإله «آمون» شيئًا كثيرًا أن يعد الملك مكافأة على هذه المنحة «أن يهبه كل الأراضي وكل الجبال وسوريا العليا وسوريا السفلى وكل البلاد الخفية؛ لتكون تحت قدَمَي هذا الإله الطيب الذي جعل الإنسانية تحيا.»

وتدل الآثار التي في متناولنا على أن «شيشنق الأول» لم يكن عدوًّا للإله «ست» مثل أسلافه، ويقول «مونتيه»: إن ذلك لا يعني أننا وجدناه بين الآلهة الذين مُثِّلوا في العيد الثلاثيني في عهد «أوسركون»، بل يُعتقد أن هذا ليس بالسبب الحقيقي، ولكن الواقع أن الإله «ست» كان ضمن الآلهة الذين يقومون بدور في هذا العيد، وأن المصري كان محافظًا بطبعه على تقاليده القديمة فلم يخرج عنها قيد شعرة؛ ولذلك وُضِعَ «ست» في المكان الذي كان يمثَّل فيه في هذا العيد على الرغم من كره الشعب له، ولكن لا أظن ذلك؛ فإن الإله «ست» في عهد الأسرة الثانية والعشرين لم يكن مكروهًا بل كان يُعْبَد ويقوم بدور عظيم في العبادة كما أشرنا إلى ذلك في لوحة الواحة الداخلة في عهد شيشنق [راجع الأسرة الثانية والعشرين].

وفي خلال هذا العيد كان يُحرق البخور وتُقدَّم القرابين المختلفة للآلهة، وقد ضحى الفرعون بوعل (راجع Ibid, Pl. XIII)، ونحن نعلم أن هذا النوع من القربان كان محببًا بوجه خاص للإله «ست». ومن جهة أخرى نرى أن كهنة الإله «ست» و«أوزير» و«إزيس» و«نفتيس» و«خنتي أرتي» كان يتألف منهم موكب، وكان كل منهم في إحدى يديه طائر داجن، وفي الأخرى سمكة فهكة Fahaka واسمها بالمصرية «خبت» (ومعناها: التي يأسف الإنسان لأكلها)، والسمكة الضخمة Lates قشر، والسمكة قنومة Mormyre، وأنواع أخرى لم تُعَيَّنْ أسماؤها (راجع Ibid Pl. XVIII, XXII). ولا غرابة إذا دهش الإنسان من وجود السمك يُستعمل طعامًا في مصر عندما نفكر في الهلع الذي استولى على الفرعون «بيعنخي» من السمك وأكلته. والواقع أن هذا الفاتح لم ترتعد فرائصه من طهارة السمك أو نجاسته؛ بل لأنه كان محرمًا عليه أكله. ومن الحقائق الثابتة أيضًا أنه يمكن أكل السمك في كل الأوقات (راجع Text Geographique D’Edfu., Chassinat t. I pp. 331-332, 334, 335, 340)؛ إذ نجد أن «رعمسيس الثالث» أمر بتوزيع السمك بكميات كبيرة؛ الطازج منها والمجفف (راجع Pap. Harris I. 73, 3-4; 65, 7-8).
وفي الدلتا يعيش بوجه خاص قوم من الناس على صيد السمك؛ إذ كانوا لا بد يأكلونه، ونجد من الطبَعِي أن يقدَّم السمك قربانًا للإله في مجموعة فاخرة من الجرانيت عُثر عليها في «تانيس» تمثل كاهنين يسيران بخطًى واحدة، ويحملان مائدة قربان مكدسًا فيها سمك Muges البوري والطيور والنباتات المائية، غير أننا لا نعرف هذين الكاهنين، ولا لأي مكان كانا يحملان هذه القربات، ولكنا نعرف من جهة أخرى أن نقوش «بوبسطة» تبرهن على أن العيد الثلاثيني من الأعياد التي كان مباحًا فيها تقديم السمك قربانًا، وأكله بطبيعة الحال.

(١-١) السربيوم

وجد في «السربيوم» لوحة للعجل أبيس جاء عليها أن هذا العجل دفن في السنة الثالثة والعشرين من عهد «أوسركون الثاني» (راجع Mariette. Le Serapeum de Memphis, Edition Maspero. p. 158).
وقد جاء ذكر هذا الملك كذلك على قطعة من الحجر الجيري الأبيض من معبد بتاح (راجع Porter & Moss III. p. 219).
وكذلك وجدت لوحة في «حلوان» من معبد «بتاح» ذُكر عليها اسم هذا الفرعون (راجع A. S. XV. p. 141) جاء فيها أن في السنة السادسة عشرة استُشير هذا الإله العظيم في موضوع هبة لحفيد «أوسركون الثاني» المسمى «زد بتا حفعنخ» بن «نمروت» الذي كان يشغل وظيفة الكاهن والد الإله، وكاهنًا، ورئيس أسرار «بتاح»، وكاتب المعبد، وكاتب تعداد البقر، فوافق على ذلك وضمَّن قراره تهديدًا بالموت لكل من تعدى قراره، وأنه كذلك سيختفي اسمه من الأرض قاطبة، وأن تكون الإلهة «سخمت» وراء زوجاتهم بالمرصاد، والإله «نفرتم» خلف أبنائهم.

(١-٢) تل المقدام

نَقَشَ «أوسركون الثاني» اسمَه على تمثال من الدولة الوسطى، وهذا التمثال بعينه كان قد اغتصبه من قبل «رعمسيس الثاني» (راجع Porter and Moss IV p. 37–39)، ومن جهة أخرى نجد أن أحد ضباط الفرعون نقش اسمه وألقابه على قاعدة هذا التمثال كما يأتي: «حور موسى» رئيس خاتم كل آلهة الأرضين، ونائب قصر ملايين السنين التابع «لوسر ماعت رع ستبن آمون» «أوسركون» بن «باستت»، والمشرف على القصور، ومصلح محاريب الأرضين، وكاتم السر، ومدير أملاك زوج الملك «كارع مع». ولم يذكر قصدًا «قصر ملايين السنين» هذا هنا، بل توجد هذه الصيغة في «تل المقدام»، وسنرى أن «أوسركون» الثاني أطلق اسم «قصر ملايين السنين» على معبد «تانيس»، ونعلم من جهة أخرى أن لكثير من ملوك مصر قصرين لملايين السنين، ولكن كان أحدهما بالدلتا، والآخر بطيبة، والمضمون أن «حور موسى» يشير هنا إلى قصر ملايين السنين الذي يملكه «أوسركون» في عاصمة ملكه «بوبسطة»، ومع ذلك يوجد مبنى للملك «أوسركون» بتل المقدام بهذا الاسم، ولدينا منه قطعة من الحجر الرملي لم نعرف كيف وجدت في مقبرة كشف عنها في نهاية تل المقدام (راجع A. S XXI pp. 26-27). وهذا القبر يؤرخ بنفس العصر، وقد عُثِرَ فيه على صدرية فاخرة يمكن قرنها بحلَى الأمير «حور نخت» بن «أوسركون الثاني»، أو بحلَى الملك «حقا خبر رع» «شيشنق الثاني»، كما عُثر على حلًى أخرى عادية، وعلى جعران للملكة «كار عمع» (راجع Cat. Gen. du. Muse’e de Caire No. 5217–5273).
وفي بلدة «ميت يعيش» مركز «ميت غمر» عُثر على لوحة منقوشة من الوجهين عليها اسم الفرعون «أوسركون» يشاهد عليها يقدم هبة من الأرض لثالوث «طيبة» إلى ثالوث آخر يشمل الآلهة: «إزيس» و«حور» سيد «شدن» عاصمة المقاطعة الحادية عشرة (راجع A. S XXII p. 77).

(١-٣) بيثوم (تل المسخوطة)

إن معظم النقوش التي عُثر عليها في هذه المدينة يرجع عهدها إلى الدولة الوسطى عصور «رعمسيس الثاني»، وأخيرًا إلى عصر الأسرة الثانية والعشرين وعصر البطالمة (راجع Porter & Moss III p. 53–5)، والآثار التي عُثر عليها للملك «أوسركون» في هذه البلدة لها أهميتها؛ فقد عَثَرَ «نافيل» على قطعة من الحجر الجيري الأبيض عليها اسم «أوسركون» مكتوبًا بالمداد الأحمر تمهيدًا لحفرها (راجع Naville, The Store City of Pithom, London (1885) p. 12).
ويوجد في المتحف البريطاني تمثال جميل لموظف يدعى «عنخ شرينفر» أقيم في معبد «أتوم» (راجع Budge, Guide of the Egyptian Galleries No 776 p. 215)، وهو يقدم الخضوع إلى ثالوث «طيبة»، وإلى ثالوث آخر يتألف من الآلهة: «حور أختي» و«شو» و«تفنوت»، وهذا الثالوث له احترام عظيم في تلك الجهة، يحمل هذا الموظف لقب نائب حاكم «بيثوم».

(١-٤) جبيل (بيبلوص)

كانت علاقة «جبيل» مع مصر منذ أقدم العهود علاقة متصلة، وكانت هذه البلدة تكاد أحيانًا تكون مستعمرة مصرية وبخاصة في عهد الإمبراطورية. وتدل الأحوال على أن علاقة «جبيل» بمصر في عهد «أوسركون الثاني» كانت علاقة ود ومصافاة؛ إذ لما تولى مقاليد الأمور بمصر أرسل إلى حاكم «جبيل»؛ ليضع تمثاله في معبد الإلهة «بعلات» إلهة تلك الجهة، وهذا التمثال يمثل الفرعون جالسًا على مقعد مكعب ذي ظهر (راجع Dunand, Fouilles de Byblos t. I No. 1741)، وقد فُقِدَ رأس التمثال وجذعه، وهُشِّم القدمان والساقان، وطغراء الفرعون منقوشة على جانبي المقعد، هذا فضلًا عن وجود سطر من النقوش على حافة القاعدة يتضمن أن هذا الفرعون هو محبوب الإلهة «إزيس» العظيمة والأم الإلهية. ولا ننسى الدور الذي لعبته الإلهة «إزيس» في أسطورة زوجها «أوزير»؛ فقد ذهبت إلى «بيبلوس» لتبحث عن جسمه وتعود به إلى مصر، وقد رجعت به متحولًا إلى شجرة، ومن المحتمل أن تمثال «أوسركون» هذا كان منقوشًا على صدره كتمثال «أوسركون الأول» الذي أرسل إلى الملك «إيليبعل»، وقد أحاط خَلَفُ «إيليبعل» هذا طغراءَه بنقش فينيقي.

ويقول «مونتيه»: إن من النظريات المقبولة النظرية القائلة بأن «شيشنق» عندما أرسل تمثاله إلى ملك «جبيل» لم يَقْصُرْ رسول الفرعون كلامه مع هذا الملك على شراء الخشب والسفن، ولكن تحدث معه عن القيام بحملة على «أورشليم»، ومن المحتمل أن «أوسركون الثاني» عندما أرسل إلى ملك «جبيل» تمثاله كان في ذهنه فكرة مماثلة؛ إذ لم يتخلَّ عن أطماعه التي كانت محببة إلى كل الفراعنة العظام الذين حكموا مصر.

ونحن في الواقع نقرأ في التوراة أن «ذراح» الإثيوبي قد هاجم مملكة «يهودا» بجيش قوامه مليون من الرجال وثلاثمائة عربة، وقد صدم جيش «آسا» في وادي «صفاته» على مقربة من «مريشه»، فهزم الإثيوبيين واقتفى أثرهم حتى «جرار»، وغنم «آسا» وقومه غنائم عظيمة، وعادوا إلى «أورشليم» ومعهم عدد عظيم من الغنم والجمال التي استولوا عليها بالقرب من «جرار» (راجع كتاب الأخبار الثاني إصحاح ١٤ من سطر ٨ إلى ١٤). ولا شك أنه بحساب سريع يمكن أن نبرهن على أن «آسا» و«ذراح» كانا معاصرين للملك «أورسكون»، وذلك أن حملة الإثيوبيين التي وقعت حوالي ٦٠ سنة بعد حملة «شيشنق الأول» تقع بطبيعة الحال في حكم «أوسركون الثاني» حوالي عام ٨٣٥ق.م. وقد ظن بعض المؤرخين أن «أوسركون» و«ذراح» هما شخص واحد (راجع Naville The festival Hall of Osorkon II p. 4. 25)، ولكنَّ الاسمين ليس بينهما وجْهُ شبهٍ قط، ومع ذلك فمن الممكن أن المؤرخ الذي كتب هذا الحادث قد خلط اسم الفرعون باسم الإثيوبي، ولكن يجوز أن «أوسركون» الثاني كان له بين حلفائه أو كبار رجاله الحربيين قائد إثيوبيٌّ؛ وذلك لأن جيش «شيشنق الأول» على حسب قول العبرانيين كان يحتوي على عدد عظيم من الأجانب من اللوبيين والسيكيين والإثيوبيين (راجع كتاب الأخبار الثاني الإصحاح ١٢ سطر ٣)، ولم يكن جيش «ذراح» مؤلفًا فقط من إثيوبيين؛ بل كان يحتوي كذلك على لوبيين (راجع سفر الأخبار الثاني الإصحاح ١٦ سطر ٨) مثل جيش «شيشنق»، وعلى أية حال فإنه من الممكن أن يكون للُّوبيين والإثيوبيين علاقات مباشرة مع سلطان «كنعان»، وكانوا يتآمرون معهم على مصر أو يعلنون الحرب دون أن يمروا بمصر، على أنه لم يُذكر في أي جهة حارب المصريون في جيش «ذراح».
ومع ذلك يجب علينا ألا ننسى أن «أوسركون الثاني» قد ترك آثارًا كثيرة في «بيثوم» الواقعة على الطريق الذاهبة من مصر إلى فلسطين. والواقع أن الملوك الذين تركوا لهم أعمالًا في «بيثوم» أمثال «رعمسيس الثاني» و«بطليموس فيلادلف» كانت لهم أغراض في الشرق، وقد عثر «ريزنر» في أثناء الحفائر التي قام بها في «السامرة» على آنية من المرمر عليها اسم الفرعون «أوسركون الثاني» (راجع L. R. III, p. 340 No. 3)، ومن ثم نعلم أنه في الوقت الذي كانت فيه مملكة يهودا يهاجمها الإثيوبيون كان رسل «أوسركون الثاني» يذهبون إلى شمال وجنوب هذه المملكة؛ أي في «جبيل» و«السامرة»؛ فقد كانوا وقتئذ يتفاوضون مع ملك دمشق، وعندما غزا «سلامندر الثالث» ملك «آشرون» بلاد سوريا في عام ٨٥٣ق.م كانت فصيلة صغيرة من الجنود المصريين ضمن الجيش العظيم الذي حاول بالقرب من «حماة»، وقف زحف الآشوريين (راجع Monolithe II. p. 72).

(٢) آثار «أوسركون الثاني» في الوجه القبلي

وجد اسم «أوسركون الثاني» على كثير من آثار الكرنك؛ فقد جاء ذكر اسمه على نقوش مرسى الكرنك عن ارتفاع النيل (راجع A. Z. XXXIV p. 112)، وفي خبيئة الدير البحري عثر «لجران» على عدة تماثيل لكهنة وغيرهم من عصره نقشوا اسم هذا الفرعون عليها كما سنذكر ذلك عند الكلام على هؤلاء الكهنة بالتفصيل؛ فمثلًا نجد «باكنخنسو» (Legrain, Cat. Gen No. 42213) و«زد باستتنعنخ» (Ibid No. 42214) والكاهنة «شبنسبدت» (Ibid No. 42228)، وهي كاهنة الإله «آمون»، وبابنه الكاهن الأكبر «نمروت» وهو ابن الفرعون «أوسركون الثاني»، وكذلك نقش الكاهن «نبنترو» بن «نسر آمون» على إحدى كتفي تمثاله الطغراء الأولى لهذا الملك، وعلى الكتف الثاني الطغراء الثانية، ولكنه ذكر بجانب ذلك اسم الكاهن الأكبر «حورسا إزيس». ونجد أن كاهنًا رابعًا «لآمون» جده من جهة أمه هو الكاهن الأكبر «أوبوت» الذي كان كاهنًا أكبر في عهد «شيشنق الأول» ترك لنا ثلاثة تماثيل أنعم بها عليه الفرعون وهي رقم ٤٢٢٠٦ ورقم ٤٢٢٠٧، وهما لا يحملان ذكر شيء آخر، ولكن الثالث وهو رقم ٤٢٢٠٨ يرجع تاريخه إلى العهد الذي ثبت فيه طموح الكاهن الأكبر، ويوضح أن هذه الهدية من قِبَلِ الملك سيد الأرضين «حورسا إزيس». وعلى أية حال لم ينسَ «زد تحو تفعنخ» صاحب هذه التماثيل أنه مدين للملك الشرعي؛ ولذلك نقش ألقاب الفرعون «أوسركون الثاني» على جلد الفهد الذي يلبسه.
ولدينا كاهن آخر يدعى «نسآمونمأبت» قد حذا حذو سابقيه (راجع A. S. V. p. 282)؛ فنجد في اسم الراية أنه قدم لنا صورة أخرى غير التي نجدها في «بوبسطة»؛ إذ ذكر لنا أنه النور القوي الذي يظهر في «طيبة»، في حين أنه في «بوبسطة» و«تانيس» يُنعت بالثور القوي محبوب ماعت، ومن المحتمل نعته في «طيبة» بهذا الوصف كان بمناسبة زيارة له لعاصمة الصعيد، ومع ذلك، هذا الملك قد قام فيها بمشروعات، فنجد حتى الآن في أعلى الجدار الجنوبي لقاعة مد نقشًا مهشَّمًا يبتدئ بألقاب الفرعون «أوسركون الثاني» (راجع Ibid Vp. 288) ذلك، أقام هذا الفرعون في داخل معبد الكرنك الكبير لآمون مقصورة صغيرة هُشِّمت الآن، ويوجد منها في متحف برلين قطعتان (L. D. III Pl. XLII, Aegyptische Insch II p. 21).

(٣) العرابة

وعثر «أملينو» في العرابة على آنيتين من المرمر نقش على كل منهما اسمه (راجع Amelineau Nouvelles Fouilles D’Abydos 1895-1896. p. 168, 1897-1898 Pl. XXIV & p. 278).

(٤) الأعمال التي قام بها «أوسركون الثاني» في «تانيس» ووصف قبره ومحتوياته

لقد أرجأنا الكلام عن أعمال «أوسركون الثاني» في «تانيس» عند التحدث عن أعماله في الوجه البحري؛ لنفرد لها فصلًا خاصًّا لأهميتها، وبخاصة أن قبره كشف في هذه المدينة العظيمة، وقد كان المنتظر أن يكون قبره في عاصمة ملكه «بوبسطة»، وفي عاصمة ملكه الدينية «طيبة».

ومع ذلك فإن دفنه في «تانيس» ليس بالأمر الكثير الغرابة؛ وذلك لأسباب وجيهة؛ منها: أن ملوك الأسرة الواحدة والعشرين قد دُفنوا في هذه البلدة كما تحدثنا عن ذلك من قبل. وثانيًا: لأن «تانيس» كانت قريبة من عاصمة ملكهم، وبذلك كان في مقدورهم المحافظة على مقابرهم وعدم العبث بها؛ بخلاف ما إذا كانت قد دفنت في «طيبة» البعيدة عنهم، وبخاصة أن كهنتها العظام قد أصبحوا منذ عهد هذا الفرعون نفسه شبه مستقلين عن الوجه البحري. ثالثًا: كانت مدينة «تانيس» تعد وقتئذ العاصمة الدينية الثانية في البلاد في الوجه البحري.

وأخيرًا كانت ملوك هذه الأسرة والأسرة الواحدة والعشرين التي سبقتها يجدون في الآثار التي تركها الملوك الغابرون مَنْجمًا غنيًّا يستعملون أحجاره في إقامة آثارهم.

ولا شك في أن الأعمال التي قام بها ملوك الأسرتين؛ الواحدة والعشرين والثانية والعشرين في «تانيس» ليست إلا استمرارًا لما قام به الرعامسة السابقون؛ غير أن أعمالهم كانت أعمالًا مَشينة؛ لأنها كانت هدمًا وتخريبًا لما أقامه السلف؛ ليشيدوا بأنقاضه لأنفسهم معابد وتماثيل وتوابيت ومقابر؛ ولذلك قد أصبح من الصعب التمييز بين مواضع المباني القديمة والجديدة التي أقيمت في عهد الأسرتين السالفتي الذكر.

ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أنه من الغريب جدًّا أن «مونتيه» الذي قام بأعمال الحفر في هذه المدينة العتيقة لا يزال عند رأيه — الذي أصبح منقوضًا عند كل علماء الآثار تقريبًا — في أن «تانيس» هي نفس «بر رعمسيس» بعد أن اتفق الأثريون على أن الأخيرة (بررعمسيس) هي المكان الذي أقيم على أنقاضه بلدة «قنتير» الحالية القريبة من «فاقوس».

ولقد اختلط الحابل بالنابل في مباني «تانيس» التي قُلبت رأسًا على عقب حتى أصبح من المشكوك فيه أن سور المعبد العظيم المقام من اللبِن هو من عمل مؤسس هذه المدينة؛ إذ من المؤكد أن الجزء الغربي من الجدارين؛ الشمالي والجنوبي من هذا المعبد قد أعيد بناؤهما بعد الأسرة الواحدة والعشرين؛ وذلك لأن الحفائر التي عُملت حديثًا فيه قد أثبتت أنه قد انتُزع جزءٌ من المباني القديمة التي يرجع تاريخها إلى عصر الملك «بسوسنس الأول» لإعادة بناء الجزء الذي تهدَّم وهو الواقع في شمالي الجدار (انظر الرسم صورة رقم ٧).
والواقع أن «بسوسنس» قد عمل كثيرًا كما ذكرنا من قبل في «تانيس»؛ ليجعل الجزء الخاص بالأملاك الملكية الذي خربه أتباع «ست» يمكن سكنه، وقد اجتهد في أن يختصره في داخل سور يتألف من مربعين في اتجاهين مختلفين، وُضع الواحد منهما في الآخر (انظر الرسم صورة رقم ٧).

والظاهر أن الباب كان يوجد على مسافة قليلة جنوبي الباب الأصلي، وقد عَثَرَ «مونتيه» على بعض بقاياه، أما المعبد فالظاهر أنه كان صغيرًا جدًّا، وقد كان من المستطاع معرفته لو كان «مريت» أوضح بدقة المكان الذي عثر فيه على قطع الأساس التي صنعها «بسوسنس» و«سيآمون» وهي الآن بالمتحف المصري. وقد عثر «مونتيه» على ثلاثة ألواح صغيرة باسم «بسوسنس» في الجهة الشرقية من القاعدتين المستديرتين اللتين نقش «سيآمون» عليهما ألقابه الملكية.

وفي خلال الأسرة الثانية والعشرين أراد ملوكها أن يقوموا بأعمال بناء في «تانيس» ليعيدوا لها بهاءها القديم؛ فنعلم أن «شيشنق الثالث» قد أقام بوابة ضخمة قَطَعَ أحجارها من التماثيل المصنوعة من الجرانيت التي أقامها «رعمسيس الثاني» وغيره، ومن الجائز أنه أقام كذلك الجدار الشرقي من السور العظيم الذي ينقسم بابه قسمين متساويين، ومع ذلك فإن «أوسركون الثاني» قد قام قبله بأعمال واسعة النطاق وأعاد المعبد الكبير كما وُجد حتى العصر الروماني وبعده حتى اللحظة التي بدأ فيها العمال الذين كانوا يستعملون حجارة المعبد لعمل الجير في عصرنا هذا، ويبلغ طول المعبد ٢٣٠ مترًا، وعرضه ٨٥ مترًا، وقد عُثر على آثار أمكن بها تحديد الزاوية الجنوبية الغربية والزاوية الشمالية الغربية في عهد «أوسركون الثاني»؛ وذلك أن «مونتيه» عثر على أدوات أساس هامة تشمل عددًا عظيمًا من الأقداح المصنوعة من الفخار الأسمر اللون، وبعض أكواب، وجرة صغيرة، ولبنة، وقطعة من الحجر الرملي، وخمسة أقداح من الفخار المطلي باللون الأخضر، وسبع لوحات صغيرة من مواد مختلفة واحدة؛ منها من حجر البرشيا الوردي اللون، وواحدة من البرنز، واثنان من الفضة، وثلاثة من الفخار المطلي. والكتابة التي عليها بالمداد الأسود؛ غير أنها لم تكن واضحة إلا على قدح واحد كتابته واضحة جدًّا، وتشمل طغراءي الملك «أوسركون الثاني»، وكذلك وجد على بعض اللوحات اسم الفرعون: محبوب آمون «أوسركون».

وفي عام ١٩٤٦ عَثَرَ «مونتيه» على أدوات أساس أخرى في الزاوية الشمالية الغربية، وتحتوي على ألواح من الفخار المطلي والمرمر والفضة والنحاس والقصدير وأقداح من الفخار المطلي وغيرها، وقد أمكن قراءة اسم الفرعون «أوسركون الثاني» على بعضها بوضوح، ونقش على قدح سليم — فضلًا عن طغراءي الملك — العبارة التالية: «المحبوب من آمون ملك الآلهة.»

أما جدار الواجهة فقد وُجد مهدَّمًا كما لاحظ ذلك «ماريت» (راجع: Mariette Fragments et Documents relatifs aux Fouilles de San Rec. Trav. IX p. 9).

(٤-١) المعبد الشرقي

يوجد بين جدار «بسوسنس» والجهة الشرقية من السور العظيم كومة من الأحجار تتألف من عشرة عُمُد، وكل منها مؤلف من قطعة واحدة من الجرانيت طولها سبعة أمتار من العمد النخلية الشكل، وكلها ملقاة على الأرض بجوار قواعدها، أما أحجار السقف والجدران فقد اختفت كلية، وعقودها هشِّمت من قَبل واستعملت ثانية في بناء ممر معبد الإلهة «عنتا»، والآثار الوحيدة التي بقيت من هذا المعبد في مكانها هو جدار من اللبِن، وقناة من الفخار مدفونة في الرمل، غير أننا لا نعرف أولها ولا آخرها، هذا إلى أجزاء قصيرة من قناتين أخريين.

وتاريخ هذه العمد غريب جدًّا؛ إذ يرجع عهدها إلى الدولة القديمة، ويدل قوامها ونسبها وعدد جريد النخل الذي مثِّل في تيجانها، وكذلك إتقان حبك عروقها على أنها تنتسب إلى عمد الملكين: «وناس» و«بيبي». والواقع أن هذه العمد تشبه كثيرًا ستة عُمُد في معبد الإلهة «عنتا»، وكذلك العمد الأربعة الملقاة خلف البوابة العظيمة، ويبلغ طول كل منها أحد عشر مترًا (راجع Montet Noveltes Fouilles a’Tanis. p. 79ff)، وهذه العمد كانت في الأصل مُزَيَّنة بنقش هيروغليفي يشمل أربعة أسطر ذُكر فيها اسم الملك ولقبه، وفي السطر الرابع كُتب: «محبوب الإله فلان.» ومن المحتمل كثيرًا أن اسم هذا الإله هو «ست»، وأن اسم البلد هو «أواريس». وهذا النقش أزاله «رعمسيس الثاني» ثم غطى سطح العمد بنقوش جديدة متبعًا في ذلك تصميمًا موحدًا، وكلها باسمه وألقابه، وكذلك ذكر عليها الآلهة الذين كان يعبدهم وبخاصة الإله «ست»، ولكن عندما قامت الحرب على عبادة الإله «ست» مُحِيَ اسمُه أو غُيِّرَ إلى صورة إله آخر كما لاحظنا ذلك في معبد «بوبسطة».

ولما جاء «أوسركون الثاني» لم يغير شيئًا مما فعله أعداء الإله «ست»، واكتفى بوضع اسمه بدلًا من اسم «رعمسيس الثاني» بعد محوه، وكان ذلك من السهل عليه لتوحيد اسمه الحوري مع اسم «رعمسيس الثاني» كما أوضحنا ذلك من قبل [الأسرة الثانية والعشرون الفرعون أوسركون الثاني]، وبذلك حصل «أوسركون» لنفسه على معبد بأكمله بأقل نفقة، غير أنا لا نعرف أين اختفت الجدران والتماثيل التي كانت في هذا المعبد الشرقي، ولكن من المحتمل أنه إذا عُملت حفائر في هذه الجهة فقد تكشف لنا عن المكان الذي استُعملت فيه ثانية.

(٤-٢) الكشف عن مقبرة الملك «أوسركون الثاني»

يرجع الفضل كله في الكشف عن مقبرة هذا الملك وغيره من ملوك الأسرتين: الواحدة والعشرين والثانية والعشرين للأثري «بيير مونتيه»، وسنلخص هنا الخطوات التي اتبعها هذا الأثري في رفع النقاب عن محتويات مقبرة هذا الفرعون وغيره من الذين دفنوا معه في قبره أو بالقرب منه.

ففي عام ١٩٣٦ بدأ هذا الأثري في الكشف عن بعض بيوت مقامة باللبن مصطفَّة حذاء الجدار الجنوبي للمعبد الكبير في «تانيس»، وفي عام ١٩٣٨ كان قد وصل إلى كشف خمسة عشر بيتًا، وكان البيتان ١٤ و١٥ قد أقيما بارتفاع واجهة المعبد، وقد عُثر في البيت رقم ١٤ على مجموعة من الرءوس الملكية المصنوعة من الجص والمرمر، كما عُثر على علامات هيروغليفية، وتيجان عمد في صورة الإلهة «حتحور»، وفي البيت رقم ١٦ عُثر على صورة ملك يذبح العدو، ثم ثلاثة رءوس من الجص، وغير ذلك من الآثار الصغيرة. وفي هذه الجهة عثر كذلك من الجنوب على أشياء يظهر أنها كانت تصنع في مصانع خاصة بها. وبجانب هذه الأشياء عُثر على أشياء من الفخار المطلي المهشم مما كان يُصنَع في مصانع هذه الجهة، ولكن وُجد كذلك بين هذه الأشياء أثر أقدم منها عُثر عليه بين البيت رقم ١٤ وجدار من اللبن، وهذا الأثر هو قطعة حجر جيري منقوشة نقشًا غائرًا، مُثِّل عليها الملك «سيآمون» يلوح بمقمعته فوق رأس عدو، غير أنه لم يبقَ من صورة الفرعون إلا الذراعان والجسم (راجع فراعنة الأسرة الواحدة والعشرين). وفي عام ١٩٤٦ وجد في البيت رقم ١٥ وفي شرقيه بقليل أدوات الأساس الخاصة بالملك «بسوسنس»، وقِطَع الأساس هذه وُجِدَتْ في مكانين موازيين لجدار «بسوسنس»، وتؤرخ — على حسب أشياء معينة — بعهد الأسرة الواحدة والعشرين.

وفي أثناء جمع هذه الأشياء عثر العمال في القرب من البيت رقم ١٤ على بئر أسطوانية الشكل قطرها حوالي ١٫٥ مترًا حُفرت في لَبِنَات وانتهت بطوار من الحجر الجيري، ثم أخذت العمال بعد ذلك في الكشف عن أحجار هذا الطوار، وفي أثناء ذلك عُثر على سلسلة من قطع أثرية كان لا يمكن أن تكون مستخرجة من معمل أو معبد أو قصر، ولكن كانت لا بد مستخرجة من مقبرة، ومن هذه القطع ثلاث من أواني الأحشاء، وغطاءان لاثنين منهما؛ واحد برأس كلب، والثاني برأس صقر، هذا إلى عدة قطع من التماثيل المجيبة وقد نُقِشَ على واحدة منها نقش باهت جاء فيه: «أوزير الملك المحبوب من آمون «شيشنق» بن «باستت».» وقد أوحى ذلك بأن قبر الملك «شيشنق الثالث» يوجد قريبًا من هذا المكان، وقد لوحظ أن أحجار الطوار ينقصها حجر عند المكان الذي انتهت إليه فوهة البئر، وقد دل ذلك على أنه مكان الكسر الذي سهَّل للُّصوص دخول المقبرة، وقد سُدَّ ثانية بحجرين وُضِعَا بغير نظام محكم، وعند رفع هذين الحجرين أمكن دخول القبر، وهو يحتوي على قاعة صغيرة مُلِئَ نصفها بالوحل، ولم يجد الكاشف أمامه أي أثر في بادئ الأمر إلا قطعة كبيرة من الجرانيت غير منتظمة الشكل، ولكن سرعان ما شاهد أن جدران القاعة الأربعة كانت مغطاة بالكتابات والصور الجنازية، ودلت النقوش على أنه قبر «وسر ماعت رع» «أوسركون بن باستت»؛ أي «أوسركون الثاني»، وقد لوحظ في أحد جدران هذه القاعة فتحة تؤدي إلى قاعة أكبر بقليل موضوعٍ فيها تابوتٌ من الجرانيت مثقوب جانبه، وكان يفصل حجرة التابوت هذه عن حجرة أخرى جدار رقيق سقط أحد أحجاره من أعلى، ولهذه الحجرة الأخيرة باب من الغرب سُدَّ سدًّا محكَمًا، وقد اتضح فيما بعد أن حجرة التابوت والحجرة المجاورة لها ليستا إلا حجرة واحدة، ولكنهما قسمتا فيما بعد بهذا الحاجز الرقيق.

وبعد رفع حجرين من السقف دخل الكاشف حجرة ثالثة كانت مفعمة بالطين، وعُثر فيها على إناء من المرمر سليم، وكذلك على إناءين من أواني الأحشاء.

وبعد إزالة الطين ظهر غطاء تابوت من الحجر الرملي الدقيق، ووجد فوق التابوت وحوله ما يقرب من ثلاثمائة تمثال من التماثيل المجيبة معظمها لملك يدعى «تاكيلوت الثاني»، وقد لوحظ في القاعة الأولى أمام التابوت أنه توجد في الجدار الغربي فتحة مربعة سُدَّت بحجر كبير من الجرانيت، وقد أمكن الكاشف أن يرى من الثقب الذي في الجدار قاعة فسيحة وُضع فيها تابوت من الجرانيت ضخم يشبه تابوت العجل أبيس، ووجد على غطاء التابوت أغطية أواني أحشاء، وبعد دخول هذه الحجرة وُجد فيها تابوت آخر أصغر من السابق بكثير، زُيِّنَ غطاؤه بنقوش جميلة، وفتح الكاشف من هذه التوابيت الأربعة اثنين في عام ١٩٣٩، ولم يحتوِ تابوت الحجرة الأولى إلا على عظام نَخِرَة، وتابوت الحجرة الثالثة للملك «خر-خبر رع» «تاكيلوت» وهو المعروف باسم «تاكيلوت الثاني»، وقد نُهب ولم يبقَ فيه إلا بعض قطع من الذهب.

وقد دلت الأحوال على أن مومية هذا الفرعون كانت مزينة بزينة فاخرة. وفي يناير سنة ١٩٤٠ استؤنف العمل بفتح التابوت المصنوع من الحجر الرملي، وكان قد عثر بجواره على مجموعتين من التماثيل المجيبة، واحدة منهما باسم الملك «أوسركون الثاني»، والأخرى باسم الكاهن الأول «حورنخت» وهو صاحب التابوت، وكذلك عثر على أواني الأحشاء الأربعة الخاصة به موضوعة بجوار صندوق التابوت، وقد كان اللصوص قد ثقبوا الصندوق مما سبب كسر التابوت الفضي الذي في داخل الصندوق المصنوع من الحجر، وكذلك كُسر الغطاء المصنوع من الكرتون لحماية المومية، وقد سرق اللصوص قناع الوجه المصنوع من الذهب وكذلك القطع التي كان في مقدورهم الوصول إليها من هذا الثقب.

وكان جسم هذا الكاهن الأول لآمون مغطًّى بالطين، ولكن معظم حليه بقيت محفوظة.

ولم يبقَ بعد فحص هذا التابوت الصغير إلا رفع غطاء التابوت الضخم الذي كان في الحجرة، وكان اللصوص قد ثقبوا صندوقه، وكان المنتظر أن يوجد فيه شيء يُذكر من الحلي وأدوات الزينة الجنازية التي توضع عادة مع الملوك، أو على الأقل كما وجد في تابوت الكاهن الأكبر «حورنخت»، ولكن الواقع كان غير ذلك؛ إذ بعد رفع غطاء التابوت لم يوجد في الصندوق إلا ثلاث موميات، وإناء للأحشاء، ولحية مستعارة من البرنز، وبعض قطع صغيرة من الذهب، وقطع من الخزف المطلي، وكان هذا كل ما تركه اللصوص!

(٤-٣) مبنى مقبرة «أوسركون» وغيره من الملوك في هذا العهد

وقبل أن نبدأ الكلام بالتفصيل عن محتويات هذا القبر يجدر بنا أولًا أن نلقي نظرة عابرة على مباني الجبانة الملكية في «تانيس».

تحتوي الجبانة الملكية في «تانيس» على أربع مقابر مميزة، وتقع مباشرة بجوار الزاوية الجنوبية الغربية للمعبد الكبير (انظر التصميم صورة ٥)، وتقع جوانبها الثلاثة الكبيرة في الجهة الشرقية والغربية، وتقع الجوانب الكبيرة للمقبرتين الأخريين في الجهة الشمالية الجنوبية، وفي نفس القطاع توجد أسس قبر لم يكن قد تم بناؤه (رقم ٦) (انظر صورة ١٦). ويمكن تقسيم هذه المقابر ثلاثة أنواع مختلفة:
  • (١)

    المقابر التي من طراز بسيط (مقابر ٤ و٦)، وهي عبارة عن غلاف من المباني يحمي التابوت، ويتألف من أربعة جدران لها زوايا، وأرضيتها مبلطة، وسقفها مؤلف من قطع من الحجر.

  • (٢)

    والطراز الثاني (ويشمل المقبرتين رقم ٢ و٥)، ويحتوي على حجرة يوجد فيها التابوت، وبئر توصل إلى تلك الحجرة، والكلُّ يؤلِّفُ بناءً مستطيلَ الشكل.

  • (٣)
    والطراز الثالث هو مقابر يتألف كل منها من عدة حجرات (١ و٣)، وتتميز بشكلها الذي على هيئة زاوية قائمة L، وكذلك باستعمال الجرانيت في بناء الحجرة المخصصة للتابوت الملكي.

ولا بد من أن نشير هنا في الحال إلى أنه وُجد في الغرب من المقبرة (رقم ٣) عدة هياكل عظمية عُثر عليها مدفونة في الرمل، وفي ثلاثة أحوال منها كانت هياكل تحت طبقة من اللبنات سُمكها ثلاث لبنات وضعت الواحدة فوق الأخرى.

(أ) المقبرة رقم ١

تصميم المقبرة

وهذه المقبرة تتألف من جزءين مميزين؛ أولًا: يوجد في الشرق مبنى من الحجر الجيري الأبيض يحتوي على ثلاث حجرات كانت تستعمل إحداها في الأصل ممرًّا للدخول، والاثنتان الأخريان كانتا للأثاث الجنازي، والحاجز الذي يقسم الحجرة الأولى قسمين مؤرخ بالزمن الذي وضع فيه التابوت المصنوع من الجرانيت، وفي الغرب توجد حجرة الملك «أوسركون» الجنازية، ولها منفذ من جهة الممر.

وأُسُسُ هذا المبنى في أجزائها المنخفضة جدًّا موضوعة على الرمل الذي يبلغ عمقه حوالي ٦٫٦٠ مترًا من أسفل مستوى بلاط البوابة العظمى للمعبد الكبير، وتوجد آلات على مسافة نصف متر تحت مستوى طبقة الماء، وفي العهد الذي بنيت فيه المقبرة كان ينبغي أن يكون مستوى الماء على مسافة ثلاثة أمتار أسفل من مستواه في أيامنا الحالية.

وعلى ذلك لم يكن في الإمكان الكشف عن كل الأسس خوفًا من تصدُّع البنيان كله. ويتألف البناء في الجزء الشرقي من جدران مبنية بالحجر الجيري المهذب المحكم بالملاط، وهذه الأحجار مأخوذة من مباني «رعمسيس الثاني»، والجزء الغربي يحتوي على حجرة الفرعون «أوسركون الثاني» الجنازية. ولما كانت هذه الحجرة مخصصة للتابوت الضخم فقد غطيت جدرانها كلها بأحجار من الجرانيت الوردي.

وهذه الحجرة قد سُقِفَتْ من جهة الغرب فيما بعد؛ وذلك لإمكان وضع تابوت ثانٍ لم يكن في الحسبان وضعه هنا حسب التصميم الأول، أما قطعتا الجرانيت اللتان كانتا تغطيان الواجهة الغربية من الحجرة فقد استُعملتا في تسقيف الجزء الذي زِيدَ.

وهذا التغير في المبنى كان سببه وفاة الأمير والكاهن الأكبر «حورنخت»، وقد عُمل بسرعة كما يظهر جليًّا في المبنى، وأُدخل تابوت هذا الكاهن الأكبر من جهة الغرب قبل إعادة بناء الجدار.

وتدل الأحوال على أن التابوت الكبير الخاص «بأوسركون الثاني» كان قد وُضع في مكانه قبل بناء الجدار الجانبي.

أما مدخل الحجرة الرابعة فكان من فتحة عُملت في الجدار الشرقي توصل إلى الحجرة الأولى، وقد أغلقت هذه الفتحة بسدادة من الجرانيت على هيئة جذع هرم غير أنها لم تكن محكمة؛ ولذلك اضطر القائمون بهذا العمل لوضع بعض قطع صغيرة من الحجر لإحكامها وتمكينها بالمونة.

كسوة المبنى من الداخل

يدل الملاط الذي وُضع على جدران المقبرة من الداخل على أنه لم يُعمَل على نمط واحد بل كان تنفيذه غير متناسق؛ إذ نجد في بعض الأجزاء أنها لم تتم، وبخاصة في الجدار الشرقي من الحجرة الثالثة، هذا إلى أن مباني الجدران من الداخل لم تكن متقنة، من أجل ذلك استُعمل الملاط بكثرة لتغطية العيوب التي فيها، أما الملاط الذي استعمل في الحجرة المقامة من الجرانيت لتغطية العيوب فكان ملوَّنًا باللون الأحمر ليتمشى مع لون الجرانيت، ونجد بعض هذا اللون لا يزال عالقًا على الجرانيت نفسه.

الواجهة الخارجية للمقبرة

لما كانت الواجهات الشمالية والشرقية والغربية لم يكن مقصودًا إظهارها للعيان؛ فإنها لم تُكْسَ وبقيت خشنةً على أصلها.

باب الدخول من الحجرة الأولى

كان المدخل العمومي للمقبرة غير ظاهر؛ وذلك بسبب الأحجار التي كانت تسده، ومن المحتمل أن هذا الباب كان قبل إدخال تابوت الملك «تاكيلوت» وتابوت شخص مجهول كان مسدودًا ببناية عليها نقوش، وعَتَبُ هذا الباب مؤلف من حجر واحد من الجرانيت الوردي.

الجدار المشترك بين المقبرة رقم ١ والمقبرة رقم ٢

هذا الجدار في الواقع تابع لمباني المقبرة رقم واحد؛ إذ لا يوجد أي اتصال بين المبنيين.

أما اتجاه المقبرة العام فهو الجهة الشمالية (٦٥٫٥ درجة بالبوصلة شمالًا)، والنقش الذي داخل المقبرة يرجع إلى عهد الملك «أوسركون الثاني»، وتدل الأحوال على أن هذا الملك لم يَمْحُ من أية جهة من جدران المقبرة طغراء أي فرعون آخر ممن سبقوه ليضع طغراءه بدلًا منه، ومن ثم يمكننا أن نحكم أن «أوسركون الثاني» هو باني هذه المقبرة. والواقع أن هذه ليست الحقيقة؛ إذ دل الفحص على أنه كان يوجد في هذه البقعة مقبرة يرجع تاريخها إلى ما قبل عصر «أوسركون»؛ بل وقبل عهد «بسيوسنس»، والأسباب التي دعت إلى هذا الزعم نستخلصها من مقبرة «بسوسنس» ومن مقبرة «أوسركون» نفسه.

ولأجل أن نفهم ذلك يجب أن نلقي أولًا نظرة على المقبرة (رقم ٣) المجاورة لمقبرة «أوسركون الثاني»، وهي المقبرة التي أقامها «بسوسنس» لنفسه؛ فنجد أن مباني الحجرتين: الثالثة والرابعة لهذه المقبرة قد اضْطَرَّتِ البنَّاءَ عند إقامتهما إلى أن يَجْعَلَ بابَ الحجرة الثانية منحرفًا؛ وذلك لأنه لم يكن في مقدوره وقت إقامة المقبرة أن يمد الجناح الذي فيه هاتان الحجرتان نحو الجنوب، وهذه الاستحالة المادية لا يمكن أن تحدث إلا لوجود مبانٍ في هذه الجهة كان من الواجب احترامها والمحافظة عليها، هذا إلى أن باني المقبرة (رقم ٣) كان مجبرًا أن يقطع الجدار الشمالي للمقبرة.

الواجهة الشرقية

يلاحَظ أن المدماكين النهائيين خارجان بنحو من ١٫٤٠ مترًا إلى ١٫٨٠ مترًا عن الواجهة الأصلية.

ومن هذه الملاحظات يمكن أن نستنبط ما يأتي: كان يوجد قبر في هذا المكان قبل إقامة قبر «بسوسنس»، وفي الإمكان أن نفرض أن هذا القبر كان موجودًا قبل أن يتخذه «أوسركون الثاني» لنفسه، وأنه لم يكن محلًّى بأية نقوش أو زينة كالمقبرة (رقم ٢)، وأن «أوسركون» جهز جدرانه وأعدها بدقة لتُحلَّى بالنقوش والمتون الجديدة، هذا إلى أن هذه المقبرة كانت على ما يظهر مخربة بعض الشيء، وأن «أوسركون» أصلح كل الأجزاء التي أصابها التخريب والعطب.

بقية النقوش التي على الحجارة التي استُعملت ثانية في بناء الجدار الخارجي للمقبرة

عثر على نقوش عدة على الجدران الخارجية لهذه المقبرة تدل على أن كل الأحجار أخذت من مباني «رعمسيس الثاني»؛ إذ وُجد طغراؤه عليها، هذا إلى بعض مناظر دينية ذُكرت عليها الإلهة «عشتارت» والإله «بتاح» وغيرهما من الآلهة التي كان يتعبد إليها الفرعون «رعمسيس الثاني»، وبخاصة الإله «ست».

الضريح المقام بأحجار من الجرانيت

كانت قطعة الحجر التي وُجدت فوق تابوت الكاهن الأكبر «حورنخت» قد قُطعت من قاعدة تمثال، وقد بقي من نقوشها الألفاظ التالية: «محبوب الإله … ملك الوجه القبلي والوجه البحري، سيد الأرضين ورب السيف.» وكذلك نجد أن الحجر الأول من أحجار السقف كان مقطوعًا من تمثال من تماثيل الدولة القديمة أو الدولة الوسطى، ثم حوَّله «رعمسيس الثاني» إلى خارجةِ بابٍ قبل أنِ استَعْمَلَه «أوسركون». هذا، ودل الفحص على أن كل أحجار السقف الأخرى كانت موجودة من مباني «رعمسيس الثاني»؛ فقد وُجد منقوشًا عليها اسم «رعمسيس الثاني» وألقابه، يضاف إلى ذلك مناظر تمثل الفرعون ومعه آلهة تتبادل معه الهدايا، وبخاصة الإله «بتاح» والإله «ست» الذي كانت عبادته شائعة منتشرة في ذلك الوقت؛ فقد لُقِّبَ بالإله العظيم الذي يعطي الحياة والبقاء والثبات.

وقد وُجد عند تنظيف حافتي باب القبر قطعة كبيرة من ساق تمثال من الحجر الرملي عليها اسم «رعمسيس» الحوري، ولا بد أن ارتفاع هذا التمثال وهو سليم كان على أقل تقدير نحو خمسة عشر مترًا، ومن الجائز أن هذا هو التمثال الذي أشير إليه في لوحة السنة الثامنة من عهد «رعمسيس الثاني» الذي قطع من محجر «هليوبوليس»، وهو الذي كَشَفَ العُمَّالُ عن قِطْعَةِ الحجر التي قُطِعَ منها في أثناء زيارة قام بها الفرعون «رعمسيس الثاني» لهذا المحجر، وقد قيل عنه: إنه أطول من مسلة (راجع مصر القديمة الجزء السادس).

وخلاصة القول أنه قد اتضح لنا أن كل الأحجار التي استعملت في بناء مقبرة «أوسركون الثاني» أو تزيينها مأخوذة من آثار الدولة القديمة أو الدولة الوسطى، وبوجه خاص من آثار «رعمسيس الثاني» من الدولة الحديثة، هذا إلى أنه إذا كان حقًّا ما يقوله المهندس الذي فحص مباني مقبرة هذا الفرعون من أن مقبرته قد بُنيت قبل عهد «بسوسنس الأول»؛ فإنه ينبغي علينا أن نؤرخ هذه المقبرة بالعصر الذي يقع بين حرب «الأنجاس» — الذي أدى إلى تخريب «تانيس» — وعصر «بسوسنس»؛ أي عهد «سمندس» مؤسس الأسرة الواحدة والعشرين، وعلى ذلك يمكننا القول بأن «أوسركون الثاني» لم يكلف مبانيَه شيئًا؛ فقد اغتصب المقبرة التي دفن فيها وأخذ ما لزم له من أحجار لإصلاحها من مباني «رعمسيس الثاني».

(٤-٤) «ضريح أوسركون الثاني»

والآن نعود بعد هذه اللمحة عن مباني قبره إلى وصف ضريحه الذي دُفن فيه.

(أ) الزخرفة الداخلية

يشاهَد على يمين ويسار باب المدخل للضريح شخصان مسلح كل منهما بسكين وُكِّلَ بهما حراسة الباب، والشخص الأول الذي على اليمين له رأس كلب مثل الإله «أنوبيس»، والذي على اليسار رأسه رأس أسد.٢
وكذلك يشاهِد الإنسان منظرين متقابلين؛ جزء منهما منحوت في الجرانيت، والجزء الآخر في الجص على الجدارين الشمالي والجنوبي على التوالي، وبالقرب من الجدار الشرقي؛ فعلى الجدار الشمالي الشرقي نرى ماردًا كأنه خارج من جوف الأرض ويحمل على رأسه إلهة واقفة رافعة قرص الشمس بين يديها، وكذلك يلاحَظ أن المارد يرفع ذراعيه بطريقة تبين كأنه يرفعهما إلى قرص الشمس الذي يُحَيِّيه شخصان وضع كل منهما على راحة يده، ويُرى كذلك ثلاثة أشخاص في صورة موميات؛ اثنتان على اليمين، وواحدة على اليسار كأنهم يفحصون المنظر (راجع Osorkon II, fig 15). هذا، ولم يصحب هذا المنظر أي نقش يفسره، ولكن لدينا منظر مثله في مقبرة «رعمسيس السادس» صحبه بعض نقوش مفسرة له (راجع Champ. Notices p. 579)؛ ففيه يسمى هذا المارد «الإله في تلك الحالة التي يخرج فيها من الظلمة»، أما المتعبدان لقرص شمس فهما الشرق والغرب.
ونشاهد على الجدار المقابل ماردين بدلًا من واحد، والظاهر أنه يخرج كذلك من الظلمات ويواجه كل منهما شخصًا محنطًا ذا لحية وعلى رأسه قرص الشمس، على كل من جانبيه صل، وفوق رأسه قرص شمس كبير معلق في الفضاء، ويرفع كل مارد إحدى ذراعيه، والعلامتان الدالتان على الشرق والغرب موضوعتان في راحة كل منهما كما في المنظر السابق، ولكنهما يعطيان ظهريهما قرص الشمس ويرشان الماء من إناء مستدير، وعلى رأس كل منهما قرص الشمس (Fig16).
وهذا المنظر كسابقه جزء من المناظر التي في القبور الملكية. ونجد في مقبرة «رعمسيس الرابع» مثيله (راجع Mem. Miss Fr. III XXXI)، وكذلك على تابوت القزم «تاهو» (راجع Cf. Capart, la gloire d’ur grand Passee. p. 324; Cat. Gen. No. 2930).

(ب) مدفن الملك

يلاحَظ أن صندوق تابوت الملك من الخارج خشن الصنع، ولكنه من الداخل مصقول بعناية، وغُطِّيَ الصندوق بقطعة حجر بقدر الغطاء، واتضح أنه صنع من مجموعة من التماثيل كانت على الأقل لشخصين وقد أزيلا وبقي الحجر خشنًا، وكان يغطي هذه الخشونة جبس تساقط، ومع ذلك أمكن قراءة المتن التالي على هذه المجموعة: «ملك الوجه القبلي والوجه البحري «وسر ماعت رع ستبن رع» ليحيا أبديًّا.»

أما باقي الأثاث الجنازي فقد وضع حول التابوت وفي التابوت نفسه (راجع Inventairedans Kemi. T. IX pp. 17–22 No 45–68)، ووجد إناءان للأحشاء مهشَّمان ولكن بقي بعض أجزائهما في صندوق التابوت، كما وجد أجزاء من إناءين آخرين في الجهة الشمالية من التابوت وأغطيتها الأربعة وجدت فوق غطاء التابوت، ووجد كذلك رأس الإله «حابي»، وهو الأثر الوحيد لسلسلة أخرى من مجموعة أواني الأحشاء، ونقوش أواني الأحشاء الأربع السليمة التي تعد بحماية الإلهات «إزيس» و«نفتيس» و«نيت» و«سلكت» للملك «أوزير أوسركون بن باستت»، وهذه الإلهات الأربع قد وُحِّدت بالإلهة «أمست» و«حابي» «ودواموتف» و«كبح سنوف» على التوالي، والإلهة الأخيرة هي التي تحرس أحشاء المتوفى كما هو معلوم.
ولا شك في أن عدد التماثيل المجيبة التي وُجدت مبعثرة حول التابوت يربو بالتأكيد على ثلثمائة، ولكن مع ذلك ينقصها عدد كبير، كما وجد عدد كبير مهشم من هذه التماثيل. والمجموعة تشمل ملاحظين للعمال، وعمالًا (راجع Ibid. Pl. LV)؛ فالملاحظون مُثِّلوا واقفين على قاعدة، ويرتدي كل منهم جلبابًا، وأمسك في اليد اليمنى زخمة أو سوطًا. وليس على تماثيلها نقوش، أما تماثيل العمال فقد مُثِّل كل منها في صورة مومية وشعرها المستعار يحيط بالوجه، ويحمل كل واحد فأسًا في كل من يديه، وعلى ظهره حقيبة، وعلى الجزء الأمامي من التمثال نقش السطر التالي (راجع Ibid. fig. 27): «إذا نطق اسم «أوسركون» تقول: هأنذا.» وهذه التماثيل المجيبة لم تخرج كلها من قالب واحد، ويمكن تمييز عدة أنواع مختلفة من حيث الصورة وضخامة الرأس وتقاطيع الوجه، وفي غالب الأحيان يكون الوجه صورة مكررة متفَقًا عليها، أما التماثيل التي تخرج عن حد المألوف فتظهر في صورة رجل عظيم نحيل رأسه صغير جدًّا، وقسماته جميلة، وملامحه متزنة، ومن الجائر أن هذه الصور كانت تمثل «أوسركون الثاني».
أما عظام ثلاثة الأشخاص الذين وجدوا مضطجعين جنبًا لجنب في التابوت، وقد وجدت مغطاة بالطين (راجع Ibid. fig. 7) فكانت في حالة سيئة جدًّا، ولم يبقَ من زينتها أو صناديقها التي كانت فيها شيء تقريبًا، ولكن يمكننا الجزم بأنه كان يوجد تابوت من الخشب المذهَّب على هيئة صورة آدمية بقي منه لحية مستعارة من البرنز أخرجت من الطين، وكذلك قناع رأس من النسيج المقوَّى في صورة صقر، وهذا يدل على أن صاحبه كان ملكًا، ولا بد أن ننسبه للفرعون «أوسركون الثاني»، ومن المحتمل أن موميته كانت موضوعة في غلاف من النسيج المقوَّى برأس صقر تضطجع مثل مومية الملك «حقا-خبر-رع» «شيشنق الثاني» في تابوت من الفضة له رأس صقر، والتابوت الذي له لحية مستعارة من الطراز الذي له رأس إنسان، ولا بد أنه كان يحتوي على مومية أحد رفاقه.
وعُثِرَ على جِعْران مسطح من اللازورد له تركيبة من الذهب مثل جعران الأمير «حورنخت» (Ibid fig. 20)، وقد كسر الجعران عند نزع الذهب الذي حوله. والجزء الذي عُثِرَ عليه نُقِشَ عليه أربعة أسطر أفقية وطغراء الفرعون الأخير — أي: «أوسركون» — ممزق.
ووجد كذلك جعران آخر لم يثقب وليس له تركيبة (Ibid Pl. L VIII)، وهو سليم تقريبًا، وقد نقش على ظهره متن مؤلف من ثمانية أسطر أفقية مأخوذة من الفصل الثلاثين من كتاب «الموتى» الخاص بالقلب وشهادته على المتوفى يوم الحساب (Ibid fig. 20)، والطغراء النهائية للملك هي لفرعون يدعى «تاكيلوت»، ولا يمكن أن نعتمد على هذا الجعران وحده للبرهنة على أنه كان يضطجع في هذا القبر في التابوت فرعون يدعى «تاكيلوت»؛ لأننا نعرف أن معظم الذين دفنوا في «تانيس» كانوا يأخذون معهم أشياء لم تكن خاصة بهم، فمثلًا نعرف أن الملك «حقا-خبر-رع» «شيشنق الثاني» كان يحلي ذراعيه زوجٌ من الأساور من تراث الملك «شيشنق الأول»، وفي تابوت «شيشنق الثالث» وجدنا آنية أحشاء وجِعْرانًا «لشيشنق الأول» نفسه، وهذه العادة لا تسهِّل للأثري مهمة تحقيق شخصية حاملها.

ولم يبقَ لنا من محتويات هذه الحجرة ما يُذكر هنا إلا رأس ثعبان من حجر اليشب الأحمر، وآخر من الكرنلين، هذا إلى رمز الثبات «دد»، وصورة الإله «تحوت» من الخزف المطلي، وصورة للإله «حور» من اللازورد، ولوحة مستديرة من الذهب المرصع. ويقول «مونتيه»: «إنه يجوز لنا أن نضم لهذه البقايا الضئيلة التي عُثر عليها لهذا الملك دلايةً مؤلفة من ثلاثة تماثيل صغيرة من الذهب الخالص «لأوزير» جالسًا في الوسط متربعًا على قاعدة طويلة من اللازورد وصورة الآلهة «إزيس» على يمينه و«حور» على يساره.» هذا، ونقرأ على مقدمة القاعدة النقش التالي: «ملك الوجه القبلي والوجه البحري» «وسرماعت رع ستبن آمون» بن رع «أوسركون».» والمكان الذي وجد فيه هذا الأثر غير معروف، ولكن يوجد سببان يجعلان الإنسان يظن أنها كانت مع مومية «أوسركون الثاني»؛ وذلك لأن كل الأشياء الثمينة التي خلفتها لنا الآثار المصرية عثر عليها كلها تقريبًا في مقابرهم، والدلاية التي في متحف «اللوفر» تشبه دلايات أخرى وجدت على موميات من عصر قريب جدًّا من عصرها في «تانيس» نفسها؛ ففي تابوت «أوندباوندد» قائد «بسوسنس» السالف الذكر وجدنا تمثالًا «لإزيس» من الذهب مع علاقة تشبه كثيرًا «إزيس» التي في مجموعة اللوفر، وكذلك التمثالان اللذان يمثلان الإله «بتاح» والإله الذي في صورة كبش، وهما مصنوعان من الذهب واللازورد، وقد وُجِدَتا كذلك مع هذا القائد فهما من نفس الصناعة. وسنرى كذلك أن ابن «أوسركون» نفسه المسمى «حور نخت» قد حمل معه في قبره مجموعة دلايات تحتوي على صورة «أوزير» جالسًا القرفصاء، وكذلك صورة «إزيس» و«حور»، ويخيل أنها صورة طبق الأصل من الثالوث المحفوظ في «اللوفر».

(ﺟ) مدفن الأمير «حورنخت» الكاهن الأكبر لآمون Kemi IX pp. 22–4

ذكرنا فيما سلف أن جزء المدفن الخاص بدفن الأمير «حورنخت» لم يرتَّب بعناية، والتابوت يقدم لنا برهانًا على عدم هذه العناية؛ وذلك أن صندوق التابوت مصنوع من الجرانيت والغطاء من الحجر الرملي، حقًّا، إنه توجد أمثلة من هذا الخليط في صنع التوابيت في «تانيس» في حجرة المقبرة رقم ٣ التي يشغلها «عنخفنموت»، وفي مقبرة رقم ٤، وهذان التابوتان لم يأتيا من صنع الحَفَّار مباشرة، بل كانت كل قطعهما مستعارة أو بعبارة أخرى مغتصبة؛ فالصندوق الذي دفن فيه «حورنخت» كان في الأصل مزيَّنًا ثم مُحِيَ بعض زينته، وكان في الأصل مستطيل الشكل ثم حوِّل إلى شكل مستدير من أحد طرفيه، وهذا ما أدى إلى اختفاء صورة شخصين كانا يتعبدان لرمز الثبات «دد» الذي يُرمَز به للإله «أوزير»، ولكن نجد أن جانبيه الطويلين لم يحدث فيهما تغيير، فرتبت كل جهة منهما بموكب من الآلهة؛ حيث يرى الإنسان بعض الصور التي نُحِتَتْ مثيلاتها في حجرة استقبال الملك «بسوسنس» وعلى تابوت هذا الفرعون نفسه (Ibid. Pl. LI)، وعلى الجانب الرابع نقرأ الألقاب الكاملة لصاحب التابوت الأصلي وهو شخص لا نعرف عنه شيئًا قط، وهذا نفس ما نجده على تابوت كل من «موت نزمت» و«عنخفنموت»، وهذا الجانب كان قد عُمل تغيير الاسم فيه عندما مُحِيَ الاسم الأصلي ووضع اسم «حورنخت» وألقابه.
أما غطاء التابوت المصنوع من الحجر الرملي الأصفر فقد اغتُصِبَ أيضًا؛ إذ نجد أن القدمين قد نُشِرَتَا، كما قُطِعَتْ من الحافتين الطويلتين أجزاء ليكون الغطاء محكمًا على الصندوق، كما محيت الكتابة الأصلية التي كانت عليه. وهذا الغطاء عبارة عن قطعة حجر مقببة بعض الشيء، ومستديرة من جهةٍ، مثِّلَ عليها بالحفر شخص مضطجع ذو وجه مستدير كالقرص، وعيناه مفتوحتان تمامًا، يحيطه شعر مستعار يكاد يغطي جعرانًا ناشرًا جناحيه، ويشغل جعرانًا آخر أصغر من السابق بكثير المكان الذي يشغله عادةً جعرانُ القلب وقد وضع بين خصلتي الشعر المستعار، ويلاحظ أن هذا الجعران يدحرج أمامه قرص الشمس ويجر حلقة بمؤخريه. ومُثِّلَ على الذراع الأيمن الإلهة «إزيس»، وعلى الذراع الأيسر الإلهة «نفتيس» بجناحيهما منتشرتين بعض الشيء (راجع Ibid. Pl. XL IX)، ونقش على الغطاء من أول قبضة اليد حتى القدمين سطر من الكتابة، ويحيط بهذا السطر آخران أصغر منه وهما خاصان بصورتين للإله «أنوبيس» الواقفين على صورة تمثل قصر الذهب رافعين أذرعتهما تَعَبُّدًا، و«أنوبيس» الذي على اليمين هو الذي دائمًا في لفائفه (؟) أما «أنوبيس» الآخر المواجه له «فهو الذي يكون دائمًا أمام سرادق الأبدية». وهاك ترجمة السطر الذي في الوسط:
قربان يقدمه الملك «لأنوبيس» الذي على جبله، والإله الأعظم الذي يسكن الجبانة؛ ليمد جسمه بالغذاء، ولينشئ كينونته المقدسة في السرادق، فإذا جاء روحه (كا) فإنه سيجد جسمه، وروحه (كا) تبقى أبد الآبدين، أوزير الكاهن الأول لآمون «حورنخت».» (راجع Pl. L).
وهذا المتن الذي ينحصر بين علامتين هيرغليفيتين نجد أن الكتابة فيه حُفرت بحروف صغيرة أقل حجمًا من سابقتها ترجع إلى عهد «حورنخت»، ولكن باقي الزخرفة ترجع إلى صاحب الأثر الأصلي. وقد وجدنا في «تانيس» أمثلة أخرى من هذا النوع من الحفر الذي يخضع لقوانين الحفر العادية التي يمكن إصلاحها، أما المُحَيَّا والجسم والأعضاء فقد مثِّلت كلها من الوجه، وقد حُفر المُحَيَّا والقدمان حفرًا بارزًا، أما سائر الأعضاء فقد حفرت حفرًا غائرًا، ولدينا أمثلة من هذا النوع من الحفر (راجع Osorkon II. p. 61) ومن الأثاث الجنازي الذي وجد مع الأمير «حورنخت» صندوق من الحجر الرملي له غطاء محدب، والمفروض أن مثل هذا الصندوق كان يحتوي على أواني الأحشاء الأربع (راجع Ibid Fig. 18). وعُثِرَ على صندوق مماثل له من كل الوجوه في هرم «دهشور» لا يختلف عنه إلا في الزينة التي عليه، وتتألف من سيقان يراع، وتدل شواهد الأحوال على أن كلًّا من الصندوق وأواني الأحشاء يرجع عهده إلى ما قبل الأسرة الثانية والعشرين، وأنها وكذلك غطاء التابوت الجميل قد اغتُصبت من مكان واحد.
ولم يَفُتِ اللصوصَ أن يفتحوا هذا الصندوق غير أنهم أهملوه عندما رأوا أن أواني الأحشاء لا تحتوي على توابيت صغيرة من الذهب أو الفضة، وقد وُجد خاليًا ومقلوبًا على مقعد من الحجر الجيري، وكان موضوعًا في الجهة الغربية من الضريح، ووُجِدَت أواني الأحشاء مدفونة في الرمل بين الصندوق والمقعد السالف الذكر ولم تُمَسَّ بسوء (Ibid, Pl. LII). ويلاحَظ أن الصور التي مُثِّلت في أغطية أواني الأحشاء قد نُحِتت نحتًا بديعًا كأحسن طراز في الأسرة التاسعة عشرة؛ فالغطاء الأول يمثل رأس إنسان وهو يمثل الإله «أمست»، والثاني يمثل رأس قرد وهو للإله «حابي»، والثالث يمثل رأس كلب وهو للإله «دواموتف»، والرابع يمثل رأس صقر وهو للإله «كبح سنوف» (راجع Pl. LIII). وقد لُوِّن الشعر المستعار الذي على رأس كل منها باللون الأزرق، ولونت العينان والحاجبان والرمش وكذلك لحية الإله «أمست» باللون الأسود.
ووُجد في داخل هذه الأواني الأربع أعضاء محنطة في حالة عطب سيئة، ونُقِشَ على كل إناء سطران عموديان من الكتابة (راجع Ibid, fig 19) المقصود منها وعد أعضاء المتوفى التي تشتملها — وهي التي توجد مع أولاد حور الأربعة السابقي الذكر وهم: «أمست» و«حابي» و«دواموتف» و«كبح سنوف» — بحماية الإلهات الأربع وهن: «إزيس» و«نفتيس» و«نيت» و«سلكت».

أما الكتابة التي على أواني أحشاء الفرعون «أوسركون» فكانت غاية في الاختصار، وهي في العادة تكون أكثر إيضاحًا من ذلك.

وقد رتب الأستاذ «زيته» هذه الكتابة في مقال له عن هذه الأواني جمع فيها عشرين طرازًا من أمثلة الكتابة التي على هذه الأواني (راجع R Sethe, Zur Geschichte der Einbalsamserung bei den Agyptern und einger damit Brauche Sitzungaberichte Per. Ak pp. 221–231)، فنجد أحيانًا أن الإلهات كانت تخاطَب، ويُطلَب إليها أحيانًا بالأمر وأحيانًا بالرجاء أن تضم الذراعين على «أمست» الذي فيها، وأحيانًا تقرر حقيقة؛ إذ تقول: «يا «إزيس»، إنك ضممت ذراعيك على «أمست» الذي فيك.» وأحيانًا تجد أن الآلهة هي التي تتكلم: «كلام تقوله «إزيس»: إني ضممت ذراعي على «أمست» الذي فيَّ.» أما الصيغة التي تقرؤها على أواني أحشاء الكاهن الأكبر «حورنخت» فلا توجد بين الصيغ التي جمعها الأستاذ «زيته»، وعلى أية حال فإنها ليست خالية من الخطأ وهي:
  • (١)

    كلام تقوله «إزيس»: «إني عملت الحماية، وإني أريد جمالك، «أمست» الذي فيك.» هكذا.

  • (٢)

    «كلام تقوله «نفتيس»: إني جدار أمام خطيئتك، وجسمك إله وهو الإله «حابي» الذي فيك.»

  • (٣)

    «كلام تقوله «نيت»: إني تلك التي تحرس قفاك والتي تغطيك «دواموتف» الذي فيك (أي في الإناء).»

  • (٤)
    «كلام تقوله «سلكت»: إني البقرة «سخات»٣ لجسمك، والإلهة «حتحور» لروحك «كبح سنوف» الذي فيك.»٤

ووجدت لبنة بالقرب من أواني الأحشاء بجانب الجدار الجنوبي كُتِبَ عليها بالمداد الأحمر بعض حروف لا يمكن قراءتها، وكذلك وجد جزء من لبنة أخرى.

أما التماثيل الجنازية فوجدت مبعثرة حوالي التابوت. والمجموعة تحتوي على ملاحِظِين كلٌّ منهم يحمل سوطًا، وعلى عامِلَيْنِ يحمل كل منهما فأسًا في كلٍّ من يديه، وحقيبة على ظهره (راجع Ibid. Pl. LV)، ونقرأ على بعضها: «أوزير» الكاهن الأول «لآمون رع» ملك الإلهة «حورنخت» ويلاحظ أن رأس التمثال المجيب غليظة، وتقاطيعه عادية. وإذا كانت هذه التماثيل المجيبة هي صور للأمير فإنه بلا شك كان يشبه والده.

محتويات التابوت

كانت مومية «حورنخت» ملفوفة بلفائف عليها شبكة من الخزر وموضوعة في تابوت من الفضة، وهذا التابوت كان بدوره في تابوت من الخشب المذهب، غير أن التابوتين كانا في حالة بالية، فخشب التابوت الخارجي ليس له وجود، وكل ما أمكن جمعه هو عينان من البرنز داخلهما مصنوع من الحجر الأبيض الذي كان يؤلف جزءًا منهما، أما إنسان العين فكان من الحجر الأسود ولم يُعْثَرْ عليه، ولوحظ أن ورقة من الذهب كانت لا تزال ملصقة بالعين اليمنى، وقد جُمِعَ غير ذلك عدد عظيم من ورق الذهب الرقيق جدًّا غير أنها كانت منكمشة وملصقة على الخشب، وكذلك لوحظ أن أشكال حلية هندسية وإشارات هيروغليفية قد صُوِّرت على بعض من أوراق الذهب هذه. أما الفراغ الذي كان متخلفًا بين هذه الصور فقد شُغِلَ بلوحات مختلفة الألوان من القاشاني، وذُكر اسم «حورنخت» على اثنتين منها (راجع Kemi IX. p. 26).

أما التابوت المصنوع من الفضة فقد كسره اللصوص، وانتزعوا كل ما أمكنهم انتزاعه من الثقب الذي ثقبوه في التابوت المصنوع من الجرانيت؛ غير أنهم نسوا بعض القطع، وقد أصبحت هشة بفعل الصدأ، ولا تزال خطوط الحفر تُرى عليها حتى الآن.

أما ثوب «حورنخت» الذي كان منظومًا من الخرز فكان متصلًا به وجه مستعار من الذهب ولكنه اختفى، وقد قطعت خيوط هذا الثوب بطبيعة الحال وانتثر منها الخرز بكميات وفيرة في قبر الصندوق، وقد جمع ثانية وأعيد نظمه، ولكن كان أقل من الخرز الذي وجد في تابوت الملك «حقا-خبر-رع» «شيشنق الثاني» والذي كان في تابوت القائد «أوندباوندد».

ووجد عظام «حورنخت» في حالة سيئة، وقد فحصها في القاهرة الدكتور «دري» وحدد عمره وقت مماته بحوالي ثماني أو تسع سنوات (راجع A. S. XLI. p. 150)، وكان «حورنخت» يملك عدة عقود وقلائد فرطها اللصوص عند نهب ما في تابوته؛ ولذلك فإنها ليست كاملة، وأحسن هذه العقود حفظًا عِقد مؤلف من دوائر صغيرة من الذهب منظومة في خيط ينتهي طرفاه بأنبوبة كانت مستعملة لربطه، وفي هذه الأنبوبة كان معلقًا ثلاث سلاسل طولها ٢٢٥ سنتيمترًا بوساطة حلقات ومشبك، وهذه السلاسل نفسها كان فيها سلاسل صغيرة، وثُبِّتَتْ زُهَيرة في طرف كل سلسلة وعند كل تقاطع، والعقد وهو سليم كان يحتوي على إحدى وعشرين زهيرة منظومة في ثلاثة صفوف، ولم يبقَ من الزهيرات إلا أربع عشرة زهيرة (انظر الصورة ٢٠).

ولدينا عِقد آخر لم يبقَ منه إلا إحدى عشرة زهيرة أصغر من زهيرات العقد السالف، وأنبوبة مركب فيها حلقات.

أما الصدريات التي كانت تحلي صدر هذا الأمير الصبي فقد اختفت، ولم يبقَ لنا منها إلا رأس كبش مصنوع من الذهب، وزهرة بشنين من الذهب، وبعض أشياء كانت مرصعة، وبعض قطع من الذهب خاصة بمجوهرات من هذا النوع تركها اللصوص وقت سرقة محتويات التابوت.

أما الجعارين التي وجدت مع هذا الأمير فيبلغ عددها ثلاثة، وكلها سليمة (راجع صورة رقم ٢٠، ٢١)، وأكبرها لا يحتوي على سلسلة يعلق منها ولا على تركيبة، وهو من الحجر الرمادي، ونُقِشَ على ظهره متن مؤلف من ثلاثة عشر سطرًا أفقية، غير أن حفرها رديء فلم يمكن لذلك تمييز اسم صاحبها.

ويمكن القول: إنه يحتوي على بعض كلمات من الفصل الثلاثين من كتاب «الموتى» الخاص بشهادة الإنسان على صاحبه.

والجعران الثاني وجهه مسطح وهو مصنوع من اللازورد، وله تركيبة من الذهب ثبتت فيها أرجله الست والحلقة التي علق منها، وهذه الحلقة متصلة بسلسلة ضخمة من الذهب طولها ٧٤ سنتيمترًا من طرفيها بوساطة مشبك.

والجعران الثالث مصنوع من المرمر ومرصع بالذهب ومعلق بسلسلة طولها ٧٢ سنتيمترًا، وحفر على ظهره المتن التالي: «نب ماعت رع» محبوب «حورسبد خم»، وهذه أول مرة نجد أثرًا للفرعون «أمنحتب الثالث». والواقع أنه لم يوجد أي أثر حتى الآن في «تانيس» لا في المعبد ولا في البيوت من عهد الأسرة الثانية عشرة، وقد وجد إبريق من الذهب من عصر «أحمس الأول» في مدفن الملك «بسوسنس»، وكذلك عُثِر على أثرين من عهد الأسرة الثامنة عشرة في مقبرة «أوندباوندد» قائد «بسوسنس»؛ أحدهما له علاقة للكاهن الأول لآمون «بارننفرو»، والثاني تابوته الخارجي الذي سرقه من الكاهن الثالث لآمون «أمنحتب»، والغلافات التي وجدت في تابوت «حورنخت» عديدة بوجه خاص ومصنوعة بعناية، ومن المعلوم أن المصري كان في كل عصور التاريخ القديم يحب التحلي بالتماثيل الصغيرة والصور الإلهية، ولا شك في أن الميل إلى هذا الذوق كان أشد عند الصغار. ويفسر لنا صغر سن هذا الأمير السبب في وجود عدد عظيم من الدلايات التي كان يتحلى بها وقد حملها معه إلى قبره.

وأهم ما يلفت النظر من بين هذه التماثيل الصغيرة تمثال كبش مصنوع من اللازورد، يبلغ ارتفاعه أربعة مليمترات، رُكِّبت في ظهره حلقة ليحمل منها، وفي قمة رأسه ركب صل، وقاعدته ملفوفة في ورقة من الذهب نقش عليها المتن التالي: «إنه كبش الكباش العظيم الاحترام الذي يضمن الحماية بالحياة والصحة والعافية لابن الملك صاحب «رعمسيس» «باشد باستت».» و«باشد باستت» هذا كان ابن الملك «أوسركون الأول» كما ذكرنا من قبل [راجع الأسرة الثانية والعشرين الفرعون شيشنق الأول].

ويقول «مونتيه»: إن أولاد الملك أصحاب «رعمسيس» ليسوا كما يظن البعض هم من أخلاف «رعمسيس الثاني» أو أحد الرعامسة الآخرين، ولكنهم في الواقع حكام لبلدة «بر رعمسيس»، وقد اختيروا من الأسرة المالكة كما هي الحال في التعبير «آمون رعمسيس» والتعابير المماثلة؛ لذلك قد حذفت منها كلمة «بر» (بيت) لمنع تعاقب المضاف والمضاف إليه.

ووجد له كذلك تمثال صغير من اللازورد (صورة رقم ٢١) يمثل الإله «حور» واقفًا، ونُقِشَ على ظهره متن مكتوب بحروف صغيرة (Ibid Fig 21): «موت العظيمة» سيدة «أشرو» التي تحمي ابنها ملك الوجه القبلي والوجه البحري الكاهن الأكبر «أمنمأبت» (هكذا) محبوب «آمون». ومن المعلوم أن «أمنمأبت» قد أقام لنفسه في الجهة الشمالية الغربية المقبرة رقم ١، ثم نقل في حجرة من هذا القبر؛ حيث وجد أثاثه الجنازي سليمًا في عام ١٩٤٠ كما فصلنا القول في ذلك [راجع فراعنة الأسرة الواحدة والعشرين في تانيس الفرعون «أمنمأبت»]، وهذا التمثال الصغير الذي نحن بصدده لم يُعْثَر عليه على وجه التأكيد من نهبٍ أُحْدِثَ في مقبرة «أمنمأبت»؛ بل المحتمل أن هذا الملك كان قد أهداه إلى أحد آباء «حورنخت».
هذا، ووُجِد مع «حورنخت» فضلًا عن ذلك مجموعة من تماثيل الآلهة الصغيرة الحجم عددها تسعة تماثيل مصنوعة من الذهب أو من الذهب والفضة معًا، وقد صيغت صياغة دقيقة، وكل منها ركب فيه حلقة صغيرة ليحمل منها في الخلف أو الرأس٥ وهي: تمثال الإله «حور» واقفًا، و«أوزير» محنطًا، و«حور» قاعدًا، و«نفتيس» و«سخمت» و«حتحور» و«أوزير» جالسًا القرفصاء، و«تحوت» حاملًا عينًا سليمة، والإله «سبك» يقدم إناءين.
ووجد له تماثيل أصغر من السابقة بقليل وأقل منها قيمة، وهي: إله برأس كبش من البرنز، وإله برأس أسد من القاشاني، «حور أمنمأبت»، و«تحوت» من القاشاني، وتمثالان للإلهة «سخمت» من الفضة، هذا إلى بعض أشياء من الحجر (راجع صورة رقم ٢٢)، وهي رأس ثعبان، وتمثال الإلهة «سخمت»، وعلامة «تيت» (تمثال)، وصليب من حجر الكرنلين، وإناء ضخم من المرمر.
أما اللوحات التي وُجدت مع هذا الأمير فكانت مصنوعة إما من اللازورد والذهب المطروق المرصع، أو من الذهب المشغول. والمجموعة الأولى منها تحتوي على عينين سليمتين» (وازيت)، وصورة الإلهة «ماعت»، وصورة «حور» و«ماعت» قاعدة القرفصاء على قاعدة مغشاة من جهة بورقة من الذهب ومرصعة بشريط من الذهب (راجع صورة رقم ٢١)، ونُقش على القاعدة من الناحية المذهبة طغراءان للملك «أوسركون الثاني» (راجع صورة رقم ٢١)، ومن المحتمل أن اللوحة الخاصة بالإله «حور» كانت مغشاة ومرصعة بالذهب، ونقش على العين السليمة المستطيلة الشكل متن مؤلف من ثلاثة أسطر هي: «إن حمايتك موجودة فيَّ يا «وسر ماعت رع ستبن آمون» «أوسركون» محبوب «آمون».» أما العين السليمة الثانية فمزينة من الخلف بصورة «آمون» التي حُفرت حفرًا دقيقًا (راجع صورة رقم ٢١).
أما مجموعة اللوحات الصغيرة المصنوعة من الذهب المشغول والمطعَّم (راجع صورة رقم ٢٣) فتحتوي على سفينة شمسية وعلى تمثال «لأوزير»، وعلى رمز الثعبان «دد» وعلاقة، وطغراء، وصقر، والإله «حور» قاعدًا، ومومية، وريشة، وثلاثة نسور محلقة في الفضاء، وصندوق (؟) له قبضتان على شكل رأس صقر، والصولجان «أمس»، والصولجان «حقا»، وزخمة، وعوامة، وطير برأس إنسان له جناحان منشوران. وكل هذه اللوحات رُسِمَ على ظهرها صورة كبش، وكانت مربوطة بخيط من الفضة.
ومجموعة اللوحات الصغيرة المصنوعة من الذهب المنقوش تشمل ثلاثة نسور أجنحتها منتشرة، وستة أصلال منتصبة (راجع صورة رقم ٢٢) ممثلة على هيئة امرأة بذراعين مقطوعتين ولها ساق واحدة تنتهي بنقطة.
وأخيرًا وجد له مجموعة من الأشياء التي يجدها الإنسان في هذا العصر ممثلة في القبور وعلى التوابيت تحت سرير «أوزير» وهي: صولجان «عبا»، وصولجان «سخم»، وصولجان «واس»، وسيف، ومقمعة، وصورة تمثل الجبل ومطرقة نجار، وقوس، وإناءان، وثلاث عصي ذات أسنان، وقرص، ومكب مغزل، وصندوق، ومشط، وعصا ذات شعبة، وثلاثة ألواح سفينة (راجع صورة رقم ٢٢).
هذا، وكان يملك «حورنخت» خمسة أسورة؛ اثنان في المعصم الأيمن، وثلاثة في المعصم الأيسر (راجع صورة رقم ٢١).
وأجمل هذه الأسورة زينة هي التي تتألف من لوحين غير متساويين في الحجم منحنيين ومتصلين بمفصلات، وقد مُثِّل على اللوح الأصغر فيها نقش تدل صناعته على المهارة، رُسم فيه قردان يتضرعان أمام العين السليمة (وازيت)، ويحدد هذا المنظرَ طغراءان للملك «أوسركون الثاني» من جهة اليمين ومن اليسار، وفي الداخل نجد نفس الموضوع منقوشًا، ورُسم على اللوح الكبير من الخارج أيدٍ مفتوحة وأكمام زهر موزعة على عشرة صفوف كل منها يحتوي على ثلاثة أكمام، وداخل اللوح مقسم ثلاثة صفوف أفقية (Fig 22) بعضها فوق بعض؛ فالصف الأعلى يحتوي على مجموعة مؤلفة من ثماني صور تمثل كل منها إله أسبوع (والأسبوع المصري يحتوي على عشرة أيام)، والأخير منها فقط مُثِّل في صورة ثعبان واسمه يعني: «ذلك الذي يعيش «ملغغًا» (أي مسمَّنًا)»، وستة آلهة هي: «أوزير»، و«حور»، و«تحوت»، و«إزيس»، و«نفتيس»، وإله برأس أسد. وفي الصفين الثاني والثالث متن منقوش بدقة جاء فيه ما يأتي: «ما قيل على لسان الآلهة والإلهات، وعلى لسان إلهات السماوات والأرض والعالم السفلي أن ما تفعله هو حمايتك! وصورهم (أي صور آلهة الأسابيع) تضم لجسمك بالحياة والبقاء، والأم الإلهية درع حولك عندما تختلط بالغزلان والطيور، الكاهن الأكبر «لآمون» ملك الآلهة، وابن الملك من جسده محبوبه «حورنخت»، إنه ابنك، وأمه هي الزوجة الملكية سيدة الأرضين «كاعمع».» وهذه الوثيقة هي الوحيدة لدينا التي تذكر بوضوح والد «حورنخت» ووالدته.
ولدينا سوار آخر نعرف منه كيف كان التعبد لآلهة الأسابيع عظيمًا (راجع صورة رقم ٢١ب)، وقد مُثِّل هذا السوار على صورة ساق من البردي منحنٍ وينتهي ببرعومين يقفلان على جُعَلٍ مرصَّع ومركَّب في إطار من الذهب، ويمر في هذا الإطار خيط، ويلف حول طرفي ساق البردي وعلى ظهر الإطار اسم علم يعني: «أن سر الإله «سبد» جميل.» وقد حفرت هذه العبارة حفرًا دقيقًا. ويوجد على جسم السوار من الداخل إفريز مؤلف من ست وعشرين صورة تمثل آلهة الأسابيع التي يوجد أمامها صيغة قصيرة مفسرة للمنظر، وهي: «نحن نؤدي الحماية للكاهن الأول «لآمون» ابن ملك الأرضين «حورنخت» المبرأ.»
والسوار الثالث الذي وُجد مع «حورنخت» (١٧ب Pl.) مؤلَّف من قطعتين مشتملتين على ثلاث أنابيب متشابهة، وهذه الأنابيب مفصولة من الخارج بمربعات صغيرة على مسافات منتظمة مملوءة بحُلِيٍّ مرقش، فنجد من جهة الوجه أن القطعتين اللتين يتألف منهما السوار قد رُبِطتا معًا بمفصلة، ومن الجهة الأخرى نجدهما منفصلتين بوساطة ثلاثة قضبان متوازية تخترق ستة جعارين وضفدعة، وقد نُقِشَ على كل من هذه الجعارين الستة اسم شخص يدعى «بديوازيت».

أما السواران الباقيان فهما من طراز عادي.

هذا، وكان «حور نخت» يملك مجموعة كاملة من غطاءات أصابع اليدين وأصابع القدمين، ولكن لم يبقَ منهما إلا ستة عشر غطاءً (راجع Pl. LXI). هذا إلى ثلاثة خواتم وجعران منفرد استُعمل جزءًا من خاتم آخر (راجع Pl. LXII)، ومشبك مؤلف من خمسة آلهة جالسة لكل منها رأس صقر يرتدي على رأسه قرص الشمس ويقبض بيده على ريشة (راجع صورة ٢٠أ)، وهذا المشبك يؤلف جزءًا من مجموعة لم يمكن إصلاحها. هذا، وقد وُجد له أربع سيقان أشجار من الذهب مجهزة بمحبس، وهي جزء من الأشياء التي سُرقت من تابوته.
ووجد على بطن المومية — في المكان الذي كانت تُعمل فيه الفتحة لاستخراج الأحشاء — اللوحة المستطيلة المصنوعة من الذهب المزينة بالعين السليمة، وكانت قد خيطت على الفتحة المذكورة (راجع Pl. LXI)، ولم نجد من بين الموميات الأربع التي لم تُنهب في مقبرة «بسوسنس» إلا واحدة بقي عليها لوحة من هذا النوع.
ووجدت «لحور نخت» وسادة من الحديد نُقش على أحد وجهيها علامة الثبات، وعلى الوجه الآخر علامة تيت، وقد جهز كل منهما بذراع، وكانتا قد كُسِرتا ثم أُصْلِحتا في العهد القديم (راجع Pl. LXI)، ووجد في تابوت «شيشنق الثاني» وسادة تشبه التي نتحدث عنها.

ولدينا قطعتان أخريان من نفس المادة (أي الحديد) وُجدتا مع «حور نخت»؛ واحدة منهما قطعة مستطيلة، والأخرى تمثل نهاية التاج «آتف».

ووجد لكل من «حور نخت» والملك «شيشنق الثاني» قطعة لم يوجد مثيلها في توابيت «تانيس» التي من عهد الأسرة الواحدة والعشرين، وهو زوج من الأصابع صنع في لوحة من الذهب، وهذا الأثر عُثر على مثالين له في مقبرة «حور نخت» (راجع Pl. LXI)، ووُجد للملك «شيشنق الثاني» واحد فقط، وقد كان يستعمل على ما يُظَن في شعيرة فتح الفم.
وأخيرًا: وجدنا مع «حور نخت» مرآة من النحاس متآكلة بفعل الصدأ، وقد عُثِرَ عليها مسندة على جدار التابوت بالقرب من رأس المتوفى (راجع Pl. LXI).

ولا نزاع في أن من يمعن في النظر إلى آثار «حور نخت» هذا يجد أننا قد حصلنا منها على معلومات تاريخية هامة لم تكن معروفة من قبل هذا، إلا أن صناعة حليه تدل على مهارة ودقة وذوق يشهد بتقدم الفن في هذا العهد المتأخر.

(٤-٥) المباني المقامة بالحجر الجيري وزخرفتها في مدفن «أوسركون الثاني»

(أ) نقوش «باسن إزيس» قائد «أوسركون الثاني» في قبر سيده

عندما يدخل الإنسان قبر الملك «أوسركون الثاني» من الباب الغربي يلاحظ في الفرجة التي على الشمال صورة غريبة (راجع Pl. XXII, XXIII) تمثل رجلًا يرتدي جلبابًا ذا ثنيات، وعلى رأسه شعر مستعار مستدير، وقدماه حافيتان، ولا يحلَّى بأي حلًى أو شارات، ويضع يديه على رأسه، ويُرَى بين أصابعه شيء مخروطي الشكل أو ما يماثله غير أنه لا يشبه مخروط العطور الذي يحمله عادة على رءوسهم أولئك الذين يشتركون في الولائم (راجع مصر القديمة الجزء الرابع)، ومن الجائز أن يكون هذا الشيء هو قطعة طين. وتدل شواهد الأحوال على أن هذا الرجل كان يعبر عن آلامه بالطريقة المصرية، وهي أنه عندما يفقد الإنسان عزيزًا له كان يلطخ نفسه بالطين ويلطخ وجهه.
ونُقِشَ أمام هذا الرجل متن مؤلَّف من ستة أسطر عمودية، وهذا المتن كان موضوع درس عميق قام به الأستاذ «فكتور لوريه» وهاك الترجمة: «القائد الأعلى لجنود الوجه القبلي والوجه البحري» «باسن إزيس» بن «حوري»، إني أبكيك دون حد، ولن أترك البحث عن وجهك، وقلبي يفيض من الألم عندما أفكر في طيبتك، ولقد عملت على أن أعظمك بكل أنواع الخدمات أكثر من القربات النوعية.٦
ولقد جهزت٧ سيدي في مدينته أكثر من صاحبتها «طيبة»،٨ وفي كل مرة يشتاق قلبه إليه فإن روحه تصعد إلى المكان الذي يوجد فيه وهو قصر ملايين السنين (= معبد «تانيس» الكبير)، والملك المقدس يثوي في مضجعه، وروحُه قد انضمت إلى السماء.

سيد الأرضين محبوب آمون «أوسركون».

عَمِلَتْهُ له «كابس» (أمه).

والآن يتساءل الإنسان: لماذا نقش «باسن إزيس» هذا الإعلان عند مدخل قبر «أوسركون»؟ وجوابًا على ذلك يجب ألا ننسى أنه بعد دفن الملك غمرت الرمال القبر وأصبح من الصعب الوصول إليه، ومع ذلك فإن القبر المجاور له وهو قبر الملك «بسوسنس» قد فُتح مرات عدة خلال القرنين اللذين خَلَيَا على وفاة الملك، وقد حدث مثل ذلك لقبر الملك «أوسركون»، وقد نَقَشَ القائد «باسن إزيس» هذا الإعلان عند مدخل مقبرة سيده كأنه كان يريد بذلك أن يقدم إيضاحًا شافيًا عن سلوكه بالنسبة للفرعون، ويقصد بذلك ألا يغيب مسلكه الكريم عن أعين كبار الموظفين الذين يمرون من باب هذا القبر؛ فبعد أن ذكر الزائر باسمه ولقبه بوصفه القائد العظيم لجنود مصر، وبعد أن عبر عن الآلام التي سبَّبها موت الملك له يقول: إن كل ما فعله قد عمله لصالح سيده وعلى حسب رغائبه؛ فإن الملك هو الذي أراد أن يثوي في هذا القبر، وإن والدته «كابس» هي التي أقامته له أو على الأقل جهزته. وهذه الطاعة التامة لرغبات سيده كانت عند الملك أعظم قيمة من أثمن قربانٍ عينيٍّ.

على أنه لم يكن لدى القائد «باسن إزيس» أيُّ سبب ليعبر عما في نفسه بهذه الطريقة المؤثرة إذا كان انتخاب الضريح الملكي قد تركه معاصرو«أوسركون» دون اهتمام ليقام في أي مكان، ولكن الواقع كان خلافًا لذلك؛ وذلك لأن أهل «تانيس» وأهل «طيبة» — ومن المحتمل سكان «منف» و«بوبسطة» — كانوا يقومون بادعاءات مضادة في هذا الموضوع؛ ففي «طيبة» كان من المؤكد أن يجد الملك لنفسه مثوًى أبديًّا أكثر فخامة من الذي ثوى فيه في «تانيس»؛ غير أن هذا ليس هو الاعتبار الوحيد في هذا الصدد، وأن في «تانيس» كان يعد الملك نفسه في بيته بعيدًا عن هؤلاء الكهنة العظام الذين كانوا قد بدءوا في عصره وبرضاه يعدون أنفسهم أندادَ الفرعون، هذا فضلًا عن أن «تانيس» كانت تعتبر «طيبة الثانية»، وعندما سمَّى «باسن إزيس» عاصمة الشمال بأنها فرعٌ مقدس من «طيبة»؛ فإنه قد أجاب بذلك على تضرعات الطيبيين الذين تآمروا على أخذ جثمان الفرعون «أوسركون» ليُدفن في «مدينتهم».

زخرفة جدران القبر

الحجرة الأولى: (الجدار الجنوبي) (راجع Pl. XXIV, XXIV B Pl. XL-XLI) يشاهَد على هذا الجدار الملك «أوسركون الثاني» واقفًا مرتديًا ثوبًا فضفاضًا ذا ثنيات، وفوقه جلد فهد، وبيده عصا طويلة تنتهي بإبريق، ويقرع بابًا تحرسه إلهة لها رأس ثعبان ومسلحة بسكين، ومعها ثعبان ضخم حارس يشبه العلامة وقد فُتح الباب ودخل منه «أوسركون» وقد وجد الإله «أوزير» قاعدًا وحوله أربعة آلهة واقفين على طوار، ويشاهَد كبش يسمى «شايي» واقفًا بالقرب من الطوار. وهذا المنظر بعينه نشاهده في مقابر أخرى إذا استثنينا المتوفى الذي يقرع الباب؛ إذ نجده على توابيت الأسرة الواحدة والعشرين (راجع Daressy, Cercueils des Cachettes Royales No. 60130, Pl. XLVIII; No. 61032 Pl. LVI).
  • الجدار الغربي: (Pl. XXV) نشاهد على هذا الجدار الإلهة «نوت» واقفة على قدميها وجسمها أفقي ممتد امتدادًا طويلًا، وذراعاها ورأسها منحنية، وبين ذلك منظران منفصلان؛ نشاهد في المنظر الأعلى ولادة الشمس، وفي المنظر السفلي التعبد للشمس بالنجوم التي لا تفنى والنجوم التي لا تنصب؛ أي النجوم الثابتة والنجوم السيارة.
  • الجداران الشمالي والشرقي: (راجع Pl. XXVI) يُرى الفرعون تدفعه الإلهة «ماعت» ربة العدالة إلى قاعة المحاكمة، ويلاحَظ هنا أن رأسها قد مثِّل على جسمها في صورة ريشة ، وقلب الملك يوزن بميزان نصب أمام الإلهة «أوزير» و«إزيس» و«أنوبيس» و«تحوت» والشيطان الرجيم المارد «عميت».
  • الجداران الشرقي والجنوبي: (راجع Pl. XXVII, XXVIII) نقرأ على الجدار الشرقي وجزء من الجدار الجنوبي الاعترافات التي أدلى بها الفرعون مبرِّئًا نفسه من كل الآثام الخلقية، وقد وزعت على ثلاثة صفوف أفقية، وفي الصف الأعلى نشاهد اثنين وأربعين قاضيًا في صورة موميات، والصف الثاني يحتوي على الأسئلة التي يسألها كل من هؤلاء القضاة مع ذكر المكان الذي جاء منه. والواقع أنه كان يُنتخَب قاضٍ من كل مقاطعة من مقاطعات القُطر التقليدية وعددها اثنتان وأربعون مقاطعة؛ ليمثِّل مقاطعته، وذلك لأجل ألا يذكر متوفى أمام المحكمة غير الحقيقية وإلا كَشَفَ القاضي الذي يمثِّل مقاطعته أمرَه.

    والصف الثالث يحتوي على المتن الذي ينفي فيه المتوفى عن نفسه كل الذنوب الخُلُقية التي يمكن أن تُرتكب.

  • سقف الحجرة: (راجع Pl. XXIX) يشاهَد في الجزء المتوسط من السقف سطر من النقوش لا يمكن رؤية أوله ونهايته؛ لأنهما غُطِّيَا بقطع حجر السقف، مما يدل على أن النقوش عُملت أولًا ثم وُضعت الأحجار التي نقشت عليها في السقف.

    هذا، ويشاهد على حافَتَيِ السقف سطران من النقوش؛ أحدهما في الجهة الشرقية، والآخر في الجهة الغربية، ويحتويان على صور بعض آلهة الأسابيع، غير أن الأسماء لم تذكر وبعض الصور قد محيت.

  • الجدار الفاصل: (راجع Pl. XXX) ذكرنا من قبل أن الحجرات الأولى كانت قد قسمت قسمين غير متساويين بجدار رقيق ليس له أساس ثابت، وهذا الجدار زُيِّنَ من الجهة الجنوبية بمنظرين متوازيين، فنشاهد على اليسار الملك «وسرماعت رع» «أوسركون الثاني» يحَيي بيديه شخصية واقفة أمامه وتقبض بإحدى يديها على علامة الحياة ، وبالأخرى على الصولجان «واس»، وعلى اليمين تظهر نفس الشخصية تتقبل نفس التحية من الملك «وسرماعت رع» «شيشنق الثالث» وهو الخلف الثاني للملك «أوسركون الثاني» على عرش الملك، وهو الذي أقام في «تانيس» البوابة الضخمة التي تنسب إليه، وعُثِرَ في عام ١٩٤٠ في الجهة الشمالية الغربية تقريبًا من مقبرة الملك «أمنمأبت» على قبر «شيشنق الثالث» منهوبًا (راجع Ibid Pl. V, No. 5)، ولن نعرف قط لمن كان يقدم هذان الملكان تحياتهما؛ وذلك لأن رأس الشخصين في المنظرين قد هُشِّمت ولا نعرف إذا كان هذا التهشيم من فعل الزمن أو الرطوبة؟ أو كان قد عُمِلَ قصدًا، وعلى أية حال فقد فاتنا بذلك معرفة حقيقة هامة.

الحجرة الثانية

  • (الجداران الشمالي والغربي): (راجع Pl. XXXI) يشاهَد الإله «أوزير» والإلهة «إزيس» وأولاد «حور» الأربعة قد وُضعوا في محراب بابه مفتوح، وهذا المنظر يمكن قرنه بالصورة التي تتبع الفصل الخامس والعشرين بعد المائة من كتاب «الموتى»، ويلاحَظ أن «أوزير» واقف أمام المحراب خلفه متنٌ كُتِبَ بأسطر أفقية يمتد على الجدار الغربي.
  • الجدار الشرقي: (راجع Pl. XXXII) يشاهَد على هذا الجدار إلهتان: «إزيس» و«نفتيس»، وصفَّان من القردة تتعبد لرمز الثبات «دد» الذي يمثل «أوزير» وتعلوه علامة الحياة وقرص الشمس، وهذا هو الرسم الذي يتبع عادة الفصل السادس عشر من كتاب «الموتى»، ونرى صورة الملك على طرفي المنظر، وعلى اليمين أنشودة كُتبت تمجيدًا وتعبدًا للإله «حور أختي».
  • الجداران الغربي والجنوبي: (راجع Pls. XXXIII, XXXIV). يشاهَد فوق الباب الذي في الجدار الغربي سير سفينة الشمس في أثناء الليل في الساعة العاشرة، ومن أول هنا نجد أن الجدارين الغربي والجنوبي قد قسما صفين أفقيين؛ الساعة الحادية عشرة تحتل الصف الأعلى، والساعة الثانية عشرة تحتل الصف الأسفل.
  • السقف: (راجع Pl. XXXIX) يشغل الجزء الأوسط من السقف سطرًا من النقوش وهو تضرع للإله «رع»؛ ليضيء الأرضين للملك «أوسركون».

(ب) الحجرة الثالثة

  • الجدار الغربي: (راجع Pl. XXXV) نجد على الجهة اليمنى متنًا مؤلفًا من خمسة أسطر ولكنه مهشم.

    ويشاهَد على نفس الجدار فوق الباب منظر تعلوه العلامة الدالة على السماء، وهنا نجد «أوسركون الثاني» يرجو دخوله في عالم الآخرة ويلبس على رأسه لباس «نمس» (كوفية) فيه الصل الملكي، ولكنه وقتئذ كان قد أصبح كائنًا إلهيًّا؛ لأن الشمس تغمره بقطرات من النور، وهذا المنظر يذكِّرنا بقرص الشمس الذي كان يمثل «آتون» عندما كان يغمر «إخناتون» بأشعته. ويلاحَظ أن باب «دوات» (العالم السفلي) كان قد أغلق بضبتين، ويحرسه ملاك له رأس ممثَّل في صورة ثعبانين ومسلح بسكين، ويقف بجانب بحيرةٍ شخصيةٌ مسلحة بثلاثة سكاكين، ويرى الملك «أوسركون» الذي سمح له بالمرور نحو حقل «يارو» وقد غمر الملك بقطرات النور التي تتساقط من الشمس.

  • الجداران الغربي والجنوبي: (راجع Pl. XXXV) نشاهد الأبواب السبعة لحقل «يارو».
  • الجدار الجنوبي: (راجع Pl. XXXVI) يُرى على هذا الجدار منظر لحقل «يارو»؛ حيث كانت تُحْرَث الأرض وتبذر.
  • الجدار الشمالي: (راجع Pl. XXXVII) نرى على هذا الجدار إلهًا عظيمًا محنطًا، على رأسه قرص الشمس، تتساقط منه قطرات النور، ويتعبد إليه ستة آلهة محنطين أصغر منه حجمًا، كما يشاهَد الإله «رع حور أختي» في صورة شخصية محنطة لرأس كبش ويتعبد إليه الملك راكعًا أمام كرسيه، وهذا الملك هنا هو «تاكيلوت»، والظاهر أن «تاكيلوت» هذا لم يمحُ اسم «أوسركون»؛ ليضع اسمه بدلًا منه، بل الواقع أنه كان قد أمر بكتابة طغرائه بجانب صورة لم تُسَمَّ. ويلاحَظ أن هذا الإله كان يتعبد إليه شخصيات أخرى في ثلاثة صفوف؛ ففي الصف الأعلى يشاهَد الملك «أوسركون» راكعًا يتعبد للآلهة: «تحوت» و«حابي» و«سلكت» و«ححو»، وفي الوسط يُرى طائر برأس إنسان وهو «با»؛ أي الروح بين كبشين، وفي أسفل صورة الروح وصورة جديدة للملك «أوسركون».
  • الجدار الشرقي: (راجع Pl. XXXIX) تقرأ على هذا الجدار أنشودة للإله «رع» على لسان «أوسركون».

وخلاصة القول أن زخرفة هذه المقبرة هي من عمل الملك «أوسركون الثاني» نفسه، وأن «تاكيلوت الثاني» قد اكتفى بإضافة طغراءيه مرتين في الحجرة الثالثة التي اتخذها مقبرة له، أما «وسرماعت» «شيشنق الثالث» فتنسب إليه نقوش الجدار الفاصل، ومن المحتمل أنه غيَّر الأسطر من ٢٥–٣٥ من المتن؛ التي ينفي فيها المتوفى ارتكاب الآثام.

(ﺟ) المبنى المقام بالحجر الجيري

أثاث حجرات الدفن

  • الحجرة الأولى: لم يوجد في النصف الجنوبي من الحجرة رقم واحد إلا أثر واحد وهو تمثال مجيب بسيط الصنع وُجد ملقًى في أحد الشقوق التي في الجدار الجنوبي.
    والقسم الشمالي من الحجرة يشغله تابوت كبير من الجرانيت يشبه تابوت «أوسركون» غير أنه أصغر منه بقليل، وغطاؤه قد نُحت في تمثال عظيم من الجرانيت، اتضح بعد محو الجص الذي كان يغطي هذا الغطاء أنه «لرعمسيس الثاني»، ولم يوجد في صندوق التابوت الذي وجد مثقوبًا غير العظام التي كانت في حالة سيئة، وعلى الرغم من أن الحجرة لم تكن تحتوي في داخلها أي شيء فلا بد من أن نعترف بأن الأدوات الجنازية التي وجدت في خارجها بالقرب من الثقب الذي عمله اللصوص كانت في الأصل موضوعة في هذه الحجرة، وهي ما يأتي: ثلاث أواني أحشاء من المرمر عارية من النقش، وغطاء واحدة منها في صورة رأس كلب (Pl. LIV)، وعلى آخر برأس صقر.
    ووُجدت قطع من تماثيل مجيبة تشبه التي وجدت مع الملك «أوسركون»، وكذلك قطعة من تمثال مجيب مهشمة يقرأ عليها بصعوبة الطغراء الأول للملك «شيشنق الثالث» بن «باستت» (Fig. 25)، ولا بد أن نذكر هنا أن «شيشنق» بن «باستت» قد مثِّل على الجدار الفاصل في الحجرة الأولى من هذه المقبرة، ومن الجائز أن المومية التي وُضعت في التابوت هي «لشيشنق» بن «باستت» وهو الذي وجد اسمه على التمثال المجيب، وكذلك على الجدار الفاصل في الحجرة الأولى، ومن ثم نعلم أن هذا الملك قد أقام لنفسه مدفنًا خاصًّا، ومع ذلك يجب ألا يغيب عن الذهن أن الملك «أمنمأبت» الذي أقام المقبرة رقم أربعة لنفسه كان قد نُقل بعد دفنه بقليل إلى الضريح الذي كان قد جهزه «بسوسنس» لأمه «موت نزمت»، وعلى ذلك فإن المومية إذ لم تكن «لشيشنق» فلا بد أن تكون لواحد من معاصريه.
  • الحجرة الثالثة: تدل الظواهر على أن الحجرة الثالثة كان مثلها كمثل الحجرة الأولى؛ قد حُوِّلت إلى ضريح بعد موت «أوسركون»، والتابوت المصنوع من الحجر الرملي الذي فيها قد نزل من سقفها، وصندوق هذا التابوت مستطيل، وسطحه ينقسم طبقتين؛ فالطبقة السفلى مزينة بأربعة أبواب كاذبة على جانبه الطويل، وباب واحد على جانبه الصغير، أما أربعة الجوانب التي في الطبقة العليا فمزينة بإطار يشبه حزم اليراع، وفي هذا الإطار من الجهة اليسرى نقش سطر أفقي في الجزء الأعلى وأربعة أسطر عمودية أيضًا، وعلى اليسار من السطر العمودي رسمت عينان ليرى بها كما يرى الإله نفسه، ومن هذه النقوش أمكن معرفة صاحب هذا التابوت الأصلي، وهاك الترجمة:

    قربان يقدمه الملك «لأوزير» سيد «إتي-حري إب-تاش»، ليعطي وجبة جنازية من خبز وجعة وثيران وطيور وبخور وعطور وملابس وكل شيء طاهر يعيش منه الإله لروح (كا) حامل الختم «أميني» المبرأ.

    و«أميني» هذا مبجل عند أربعة الآلهة: «أمست» و«جب» و«تفنوت» و«دواموتف». ويدل شكل التابوت وزينته ونقوشه على أنه من عهد الدولة الوسطى، ويعضد هذا الرأي أن تابوت الملكة «نفرت-حنوت» زوج الملك «سنوسرت الثالث» يشبه التابوت الذي نحن بصدده الآن، واسم «أميني» كان شائعًا في الدولة الوسطى، أما الاسم الجغرافي «إتي حري-إب-تاش» فيعني «الملك الذي في وسط بحيرته»، وهذا يعيد إلى الذاكرة البناء الذي أقامه «أمنمحات الثالث» في «بياهموا» الواقعة في وسط «الفيوم»، ومن ثم نعلم أن هذا التابوت قد اغتصبه ملك من أحد موظفي الدولة الوسطى ليكون مثوًى لموميته، ويمكن التنبؤ بأن هذا الملك هو «تاكيلوت الثاني» الذي يلقب «حز خبر رع» «تاكيلوت»، ولم يَرَ هذا الملك المغتصِب ضرورة لمحو اسم صاحب التابوت الأعلى الذي كانت تغطيه الرمال من جهاته الأربع، واكتفى بنقش اسمه تحت الغطاء وعلى الجانبين الصغيرين من جوانب الصندوق بالمداد، هذا إذا لم يكن الملك قد توفي فجأة وأُتيَ له بهذا التابوت بسرعة، وكتب اسمه بالمداد وترك ما عليه من نقوش قديمة، وبخاصة أنها كانت مختفية تحت الرمل الذي يغطي جوانب التابوت.

    و«تاكيلوت الثاني» هذا هو ابن الملك «أوسركون الثاني» من صلبه، أنجبه من زوجة لم تكن الزوجة الملكية الكبرى الشرعية «كارعمع» (راجع L. R. III. p. 351).
    وعلى الرغم من أن «تاكيلوت» هذا الذي قنع بأن يُدفن في تابوت مغتصب كان يملك أثاثًا جنازيًّا ثمينًا يعادل الأثاث الذي بقي لنا في مقبرة الفرعون «بسوسنس»؛ غير أنه مما يؤسف له جد الأسف أن كل ما كان ثمينًا فيه قد وصلت إليه يد اللصوص! وكل ما تبقى لنا هو ما يأتي: وُجد بجانب وتحت التابوت إناء ضخم من المرمر، وأربع أواني أحشاء من المرمر، ويبلغ طول الإناء المصنوع من المرمر ٦٠ سنتيمترًا (راجع Pl. XLVI) ونُقِشَ عليه طغراءَا الملك «أوسركون الأول»، وقد وجد كذلك إناءان من المرمر مختومان في صندوق تابوت الملك «بسوسنس»؛ غير أنهما وُجدا خاليين، ومن المحتمل أن هذه الأواني كانت تحتوي على ماء.
    ومعظم التماثيل المجيبة (PL. LVI) التي وُجدت لهذا الفرعون كتب عليها: «أوزير» الملك «تاكيلوت»، وهذا المتن كتب بعدم عناية في سطر عمودي على صدر التمثال (راجع Fig. 27)، ولم يوجد إلا تمثال واحد كتب عليه أربعة أسطر وهي: «إن التماثيل تجيب سيدها حاملين الجبل من الشرق حتى الجبل الغربي، ومقدمين طريقًا مجهولًا ليذهب إلى السماء إلى «أوزير» الملك «تاكيلوت».»

وتنقسم تماثيل الملك «تاكيلوت» المجيبة أنواعًا مختلفة من حيث طرازها؛ فمنها اثنان لهما شعر مستعار مسبل ويظهر فيهما وجه «تاكيلوت» مستطيلًا غائر الذقن، وأنفه ضخم، ومن المحتمل أن هذه الميزات كانت خاصة بهذا الفرعون في أثناء حياته. وهناك بعض تماثيل مجيبة لأشخاص آخرين؛ فمثلًا نجد على تمثال اسم «تاشد-خنسو» وهي زوج الملك «أوسركون الأول» وجدة «تاكيلوت».

وكذلك وُجدت ستة تماثيل لشخص يدعى «حور شد-سو» وهو شخص غير معروف، وإنه لمن الصعب أن نحكم إذا كانت هذه التماثيل قد اختلطت بتماثيل «تاكيلوت» عن طيب خاطر، أو وضعت في قبره خطأ، فتمثال الملكة «تاشد — خنسو» قد زاد في عدد الآثار التي من عهد «أوسركون الأول» في مدفن «تاكيلوت الثاني»، وقد كسر اللصوص غطاء التابوت ونهبوا محتوياته، ومع ذلك فإنهم نسوا بعض قطع في قعر صندوق التابوت؛ فمن ذلك قطعة ورق من الذهب قدر راحة اليد، والظاهر أنها من تابوت معدني، وأنها كانت نصيب أحد اللصوص كما شاهدنا مثل ذلك في ورقة أمهرست ليوبولد (راجع مصر القديمة الجزء الثامن).

هذا، وقد وجدت بعض قطع في هيئة مشابك ومربعات وأيد من الذهب مرصعة، وكل هذه القطع لها حلقات صغيرة وقد نظمت مع خرز مستدير أسطواني؛ لتكون شبكة تغطي المومية، وقد وجدت أشياء مثل هذه في تابوت الملك «شيشنق»، ولكنها أكثر عددًا، وقد نظمت هذه الأشياء، وهي معروضة الآن بمتحف القاهرة (راجع Brunton, The bead Network of Sheshonk. Heqa kheper-ra A. S. Tom, XLII p. 187).

هذا، وقد وُجِدَتْ طغراءا الملك «أوسركون الأول» مجهزتين بحلقة من أعلى ومن أسفل؛ لأنهما كانتا تؤلفان جزءًا من صدرية أو سوار.

وكذلك وُجدت قطعتان من جناح، وصل، ومربع من الذهب نقش عليه اسم الإلهة «وازيت»، وهي على الأرجح من صدرية مثل التي وجدناها في مقبرة «بسوسنس» و«أوندباوندد».

وهناك أشياء أخرى مستخرجة بلا نزاع من تابوت «تاكيلوت» سرقها عمال الحفر حديثًا، وبيعت لتجار الآثار (راجع PL. LVI)، وهاك قائمة بها:
  • (١)

    لوحة مستطيلة مزينة بطغراءي الملك «تاكيلوت الثاني».

  • (٢)

    ثلاث طغراءات باسم الملك «أوسركون».

  • (٣)

    لوحتان مربعتان مُحَلَّاتان بجعران.

  • (٤)

    علامة تيت (تمثال) وصلٌّ على رأسه قرص الشمس، وزهرة بشنين، وثلاث راحات أيدٍ، وكل هذه الأشياء لها حلقات لتنظم فيها.

وقد كان من جرَّاء تداول هذه القطع المدهشة في أيدي اللصوص أنْ قُطِعَ الخيط والشبكة التي كانت منظومة فيها، وهكذا نرى أن اللصوص القدامى قد فقدوا جزءًا من غنيمتهم لتقع في أيدي اللصوص الأحداث على مرأًى من المشرفين على أعمال الحفر.

هذا، ويدل الظاهر على أن «تاكيلوت» لم يترك شيئًا تشتهيه نفسه إلا وضعه في تابوته الذي اغتصبه من أحد رجال الدولة الوسطى، وها هو ذا بدوره تُغتصب منه حُلِيُّه وأثاثه الذي كان يعتز به كما كان صاحب التابوت الأصلي الذي ثوى فيه هذا الفرعون يعتز به.

(د) مقبرة «با-أري-مس-عا» (المقبرة رقم ٢)

هذا القبر ملاصق لقبر الملك «أوسركون الثاني»، ويحتمل أن يكون لشخص يدعى «با-أري-مس-عا» وقد وجد ضمن الأثاث الذي عثر عليه في قبره جعران نقش عليه المتن التالي: «يا «حرشف»، امنح «با-أري-مس-عا» شيخوخة جميلة.» ووجود هذا القبر بالقرب جدًّا من مقبرة «أوسركون الثاني» يحتمل تفسيره كما نفسر مقبرتي الرجلين الحربيين: «عنخفنموت» ابن الملك حاكم رعمسيس، والقائد «أوندباوند» في مقبرة الملك «بسوسنس»، وبذلك يكون قد سمح لزميل «أوسركون» في حمل السلاح أن يرتكز جدار قبره على جدار قبر مليكه حتى يسهر على حراسته في الآباد السرمدية كما فعل ذلك مدة حياته في عالم الدنيا.

(٥) تمثال الملك «أوسركون الثاني»

كشف «مريت» عن تمثال راكع من الجرانيت للملك «أوسركون الثاني» وبيده لوحة (راجع Petrie, Tanis Pl. XIV No. VI. p. 41 A. C. D.)، وقد برهن الأثري «دارسي» على أن هذا التمثال لم يكن كما ادعى «بتري» قد اغتصبه «أوسركون» من «رعمسيس الثاني». ونقوش التمثال تشمل صلاة للملك، ولكن الرحمات التي يصلي من أجلها لها أهمية سياسية عظيمة؛ إذ يرغب الفرعون في أن يحكم نسله على كهنة «آمون» العظام «ورؤساء» المشوش «وكهنة» أهناسية المدينة، وقد عرفنا مقدار قوة كهنة «أهناسية المدينة» من لوحة «حور باسن» التي تحدثنا عنها فيما سبق [راجع الأسرة الثانية والعشرون فراعنة الأسرة الثانية والعشرين]، وجَدُّ «حور باسن» هذا هو «نمروت» أحد أبناء «أوسركون الثاني» قد عينه الأخير الكاهن الأكبر للإله «حرشف» في «أهناسية المدينة» وحاكم الجنوب والقائد الحربي.

وقد كان توزيع البلاد بين هؤلاء الأشراف كما يأتي: كانت «طيبة» تسيطر على أقل تقدير على الأراضي التي بين بلاد النوبة السفلية حتى أسيوط.

وكانت «أهناسية المدينة» تسيطر على الأراضي من «أسيوط» حتى الدلتا.

هذا، وكان رؤساء «المشوش» يقبضون على زمام الأمور في مدن الدلتا كما كانت الحال من قبل، ومن ثم يظهر أن مصر كانت مقسمة في تلك الفترة تقسيمًا إقطاعيًّا، ولكن كانت كلها بحالة ما مسئولة أمام الفرعون الذي كان — على ما يظهر — يحكم في «بوبسطة»، وقد كانت صلاة «أوسركون الثاني»؛ لأجل أن يسيطر على هذه البلاد. وهاك ترجمة اللوحة …٩
ليت نسلي — البذر الذي خرج من أعضائي يحكم … العظيم … التابعين لمصر الأمراء الوراثيون: الكهنة العظام «لآمون» ملك الآلهة، والرؤساء العظام لقوم «مي» (المشوش) … واللوبيون «كهك» (؟) كهنة الإله «حرشف» (حارسفيس) ملك الوجه القبلي والوجه البحري، في حين أني آمر خادمه أن يأتي إلى … (١٠) وقد استمال قلوبهم نحو ابن «رع مري آمون» ابن «باست-أوسركون» (الثاني)، ليته يضعهم … (١١) وإنك ستثبت أولادي في الوظائف التي أعطيتها إياهم، ولا تدع الأخ يبتهج على أخيه، (أما عن) الملكة «كارعمع» فليته يمنحها أن تقف أمامي في أعيادي هذه، وليته (١٢) يمنحها أن يكون أولادها الذكور، و… ليتهم يعيشون حتى يسيروا على رأس الجيش وحتى يحضروا لي ثانية تقريرهم عن … (باقي المتن مهشم) (راجع Daressy, Rec. Trav. 18 p. 49; Br. A. R. IV §§ 745–7).
أما التمثال نفسه فهو قطعة فنية أصلية تدل على أن صناعة النحت كانت لا تزال في عهد هذا الفرعون حافظة لرونقها وبهائها في مدرسة النحت في الجرانيت، وهو كما قلنا يمثل الفرعون راكعًا منحنيًا بجذعه إلى الأمام ليقدم لوحة للإله وساقُه اليسرى إلى الخلف. ومما يؤسف له أنه وجد بدون رأس. وقد كتب اسم «أوسركون» على كتفه اليسرى، وألقاب الملك نقشت كاملة على القاعدة، أما اللوحة فقد كتب عليها المتن الذي ترجمنا ما تبقى منه. وعلى الرغم من أن النقوش تقول صراحة: إنه للملك «أوسركون الثاني»، فإن الأستاذ «فلندرز بتري» ينسبه للملك «رعمسيس الثاني»، ونحن نعرف ما الذي فعل هذا الفرعون في «بوبسطة» وما فعله في «تانيس» في المعبد الشرقي؛ فقبره كان كله كما قلنا مبنيًّا من أحجار منزوعة من مبانٍ أخرى، ومن جهة أخرى نجد أن تمثال «أوسركون» هذا يشبه تمثالًا صغيرًا «لرعمسيس الثاني» قال عنه «لجران»: إنه من القطع الفنية الممتازة الموجودة الآن بالمتحف المصري (راجع Legrain, Cat. Gen. II No. 42142).
وكذلك نفهم من لوحة السنة الثامنة التي نقشها الفرعون «رعمسيس الثاني» أنه كان يميل إلى التماثيل التي من هذا الطراز (راجع A. S. XXXVIII. p. 217)، ومع كل هذا فإنا لا نلاحظ على تمثال «تانيس» أي أثر مادي يدل على أن «أوسركون الثاني» قد اغتصبه لنفسه، في حين أنا نجد تمثالًا اغتصبه «أوسركون» في «بوبسطة»، ويمكن مشاهدة وجود نقش قديم عليه (راجع Cat. Gen. du Musee du Caire. No. 540).
والواقع أن علماء الآثار المصرية يسلمون بسهولة أن النحاتين في العصر البوبسطي لم يكونوا مهرة لإنتاج قطع فنية جميلة، ولكنَّ كثيرًا من التماثيل التي كَشَفَ عنها «لجران» في خبيئة الكرنك يدل على أن هذا الحكم غير عادل، ولا أدل على ذلك من تمثال الملك «أوسركون الثالث» الذي يمثل هذا الفرعون راكعًا أمام سفينة مقدسة (انظر الصورة رقم ١٨)، وعلى ذلك فليس من شك في أن هذا التمثال من عمل «أوسركون الثاني».

(٦) أسرة الملك «أوسركون الثاني»

(٦-١) زوجاته

  • الملكة «كارعمع»: اختلف المؤرخون في تحديد عدد زوجات الفرعون «أوسركون الثاني»؛ ففي حين نجد «فيدمان» (راجع Wudemann. Gesch p. 555) و«بدج» (راجع Budge Hist. VI p. 80-81) يعترفان له بثلاث زوجات، نرى أن «بتري» (راجع Petrie. Hist. III p. 248) ينسب إليه أربع زوجات. ويقول «جوتييه»: إن له ثلاث زوجات فقط (راجع L. R. III. p. 341 Note 3).

    وزوجته الأولى هي الملكة «كارعمع» التي تلقب مغنية بيت «آمون» والابنة الملكية «كارعمع»، كما جاء على لوحة عثر عليها «لجران» في مقصورة «أوزير» بمعبد الكرنك بالقرب من بوابة «تحتمس الأول»، وهذه اللوحة هامة جدًّا؛ لأنها تقدم لنا آخر تاريخ معروف في عهد «تاكيلوت الثاني» وهو السنة الخامسة والعشرون.

    وجاء ذكر هذه الملكة في قاعة العيد بتل بسطة في السنة الثانية والعشرين من حكم زوجها. وتدل النقوش على أنها تسمى هنا الابنة الملكية والزوجة الملكية، ومن ثم نعرف أنها كانت من سلالة ملكية، ولكن لا زلنا نجهل اسم الملك والدها. هذا، وقد جاء ذكرها في أجزاء مختلفة في قاعة العيد «ببوبسطة» (راجع L. R. III p. 342)، ووجد لهذه الملكة جعرانان؛ أحدهما أعطته هدية لابنها «شيشنق» في عيد رأس السنة ونقش عليه المتن التالي: «فاتحة سنة سعيدة للأمير «شيشنق» المنتصر الأم «كارعمع».» (راجع Petrie, Hist. III p. 253)، والجعران الآخر نقش عليه: «الزوجة الملكية «كارعمع» المحبوبة.» (راجع Newberry, Scarabs. p. 185 Pl. XXXVII. No. 9).

    هذا، وقد جاء ذكر «كارعمع» في مقبرة «حورنخت» بأنها أمه وزوج الملك «أوسركون الثاني».

  • الحظية «استمخب»: وُجِدَ لهذه السيدة أربعة أوانٍ للأحشاء محفوظة الآن بمتحف «فينا»، وعليها نقوش نفهم منها أن «استمخب» هذه كانت زوج الملك «أوسركون الثاني» وله منها ابنة تدعى «تس-بروباستت»، وقد تزوجت من ابن أخيها «تاكيلوت» الذي كان ابن كاهن بتاح المسمى «شيشنق»، وقد أنجبا ولدًا يدعى «بدوباست»، وهو الذي دفن في السنة الثامنة والعشرين من حكم الفرعون «شيشنق الثاني» العجل «أبيس» الثالث من عجول الأسرة الثانية والعشرين (راجع Chassinat. Rec. Trav. XXII p. 10)، وكذلك وُجد اسمها على قطعة حجر باسم الزوجة الملكية (راجع Momies Royales. p. 704).
  • الحظية «موت-حز-عنخس»: وقد جاء ذكر «موت-حز-عنخس» في لوحة «حور باسن» بوصفها زوج الفرعون «أوسركون الثاني» [راجع الأسرة الثانية والعشرين فراعنة الأسرة الثانية والعشرين]، في حين أن وثيقة أخرى معاصرة تذكر هذه الزوجة مع بعض تحريف خفيف في الاسم فتسميها «زد موت غنحس» (راجع A. S. T. XV p. 141)، وهذه الحظية كانت أم «نمروت» الذي كان يلقب الكاهن الأول للإله «حرشف»، وقائد جيش «أهناسية المدينة»، وأمير بلدة في الفيوم أخذت اسمها من «أوسركون الأول»، وكذلك كان الكاهن الأول للإلهة «موت»، ويُنسب إلى «نمروت» هذا سلسلة النسب الطويلة الخاصة بالكهنة الأُوَل للإله «حرشف».

(٦-٢) أولاده الذكور

نعرف حتى الآن من أولاد «أوسركون» الذكور أربعة وهم: «حورنخت» الذي كان يلقب الكاهن الأكبر «لآمون» وقد مات وهو لم يتجاوز التاسعة من عمره [انظر الأسرة الثانية والعشرين الفرعون أوسركون الثاني]، ثم «شيشنق»، و«نمروت»، و«تاكيلوت».

  • الأمير شيشنق: وهو الذي أصبح ملكًا على البلاد باسم «حقا-خبر-رع»، تحدثنا عن كيفية الكشف عن مقبرته عند الكلام على مقبرة الملك «بسوسنس الأول» ويدعى «شيشنق الثاني».
  • الأمير «تاكيلوت»: وجد اسمه كما ذكرنا في مقبرة والده «أوسركون الثاني» [راجع الأسرة الثانية والعشرين الفرعون أوسركون الثاني]، وكذلك وجد اسمه على نقش (راجع Rec. Trav. XXXV p. 133) لقب الأمير الوراثي ابن (؟) الكاهن سم «تاكيلوت» المبرأ رب الأرضين «سر ماعت رع ستبن آمون» رب تيجان الأرضين «أوسركون» وأمه … ومما يؤسف له جد الأسف أن اسم والدته قد وجد مهشمًا، ومن المحتمل أن اسمها «عنخس أنست» (راجع L. R. III p. 344 Note 3).
  • الأمير «نمروت»: جاء اسم هذا الأمير على منظر في الكرنك، وفيه يحمل الألقاب التالية: الكاهن الأول «لآمون رع» ملك الآلهة، والقائد لجيش «أهناسية المدينة» الأمير «نمروت» ابن الملك رب الأرضين محبوب «آمون» بن «باستت» «أوسركون» (راجع Maspero, Momies Royales p. 738. Rec. Trav. XXXI p. 3).
    وكذلك وجد اسمه على هاون باسم ربة البيت «شابن سوبدت» ابنة «نمروت»، عَثَرَ عليه «بتري» في الرمسيوم، وهاك المتن: «أوزير» «شابن سوبدت» المبرأة، ابنة الكاهن الأول «لآمون رع» ملك الآلهة، وقائد جيش «أهناسية المدينة» «نمروت» ابن الملك رب الأرضين محبوب «آمون» «أوسركون» معطي الحياة. (راجع Rec. Trav. XXXI p. 3; & Quibell, The Ramesseum p. 20 Pl. II. F. No 8 & XXVII No. 8)، ووجد اسمه على لوحة «حور باسن» [انظر الأسرة الثانية والعشرين فراعنة الأسرة الثانية والعشرين].

(٦-٣) بنات «أوسركون الثاني»

  • الأميرة «تاشع خبر»: وجد اسمها منقوشًا على قاعة المعبد في «بوباسطة» (راجع Naville, Bubastis p. 52; & Pl. XLII &; The Festival Hall of Osorkon II, Pl. IV No. 1).

    وهذه الأميرة هي ابنة الملكة «كارعمع» زوجة الملك «أوسركون الثاني» الشرعية.

  • الأميرة «كارع معت»: وتحمل نفس اسم والدتها، وقد تزوجت ابن أخيها «تاكيلوت» الذي صار «تاكيلوت الثاني» فيما بعد (راجع Maspero, Momies Royales p. 738 & p. 749).

    (وله ابنة أخرى وُجدت في نفس المنظر الذي رُسم في قاعة المعبد؛ غير أنه مُحِيَ اسمها.)

  • الأميرة «تسباستت برو»: وجد لهذه الأميرة أربعة أواني أحشاء محفوظة الآن بمتحف فينا ونقش عليها اسمها ونسبها (راجع Maspero, Momies. Royales p. 748 & p. 749 Note 1)، وهذه الأميرة هي ابنة زوجته «استمخب» السالفة الذكر، ويظن «ماسبرو» أنها تزوجت مثل أختها «كارع معت» «تاكيلوت الثاني»، ولكن لم تلقب بلقب الملك. وجاء اسمها كذلك على لوحتين لأمير من الأسرة المالكة يدعى «بدو أزيس» عُثر عليهما في مدفن السربيوم وهما محفوظان في متحف اللوفر (راجع Rec. Trav. XXII p. 10-11).

    «وبدو أزيس» هذا هو ابن رئيس «المشوش» «تاكيلوت» والأميرة «تسياستت برو».

  • والأميرة «تسباستت برو»: يحتمل أن أمها لم تكن من دم ملكي، ولم تتزوج أخاها «تاكيلوت الثاني» كما ظن «ماسبرو»، ولكن تزوجت من «تاكيلوت» آخر وهو ابن أخي الملك «تاكيلوت» الثاني وابن عم هذه الأميرة (راجع L. R. III p. 347).

(٧) تماثيل كبار الموظفين في عهد «أوسركون الثاني»

تحدثنا فيما سبق عن سلسلة نسب بعض الشخصيات الهامة في عهد ملوك الأسرة الواحدة والعشرين، وما كان لشجرة نسبهم من أهمية في معرفة تسلسل الملوك، ومكانة كل واحد منهم بالنسبة للآخر في موضعه التاريخي، هذا بالإضافة إلى ما كان لهؤلاء الأشخاص أنفسهم من أثر في تاريخ هؤلاء الملوك وما نالوه من حظ؛ مما جعل بعضهم يصل إلى مرتبة لا يناهضهم فيها إلا الفرعون نفسه، على الرغم من أنهم لم يكونوا من أصل ملكي. ويلاحَظ هنا أن هؤلاء الأفراد كانوا كلهم يحملون لقب كاهن «لآمون» وغيره من الآلهة الآخرين الذين كانت عبادتهم سائدة في تلك الفترة، هذا بالإضافة إلى الألقاب المدنية الأخرى الرفيعة؛ فقد وصل بعضهم إلى مرتبة الوزير. ولا يفوتنا هنا أن نذكر أننا في سلسلة نسب هؤلاء العظماء نشاهد أن الكاهن يخلفه ابنه في وظيفته؛ مما يدل على أن هذه الوظيفة كادت تكون وراثية في هذا العهد، وقد ازداد التمسك بأمر وراثة هذه الوظيفة بوجه خاص حتى أصبح تقليدًا متبعًا في العهود التي جاءت بعد ذلك، مما جعل «هردوت» يقول: إن الوظائف كانت وراثية في مصر.»

والآن سنحاول هنا أن نتحدث عن بعض عظماء القوم في عهد «أوسركون الثاني» مما جاء على تماثيلهم من متون ونقوش.

(٧-١) تماثيل الكاهن «زد تحوتيفعنخ» المسمى «نختفموت»

كان من بين التماثيل التي كشف عنها الأثري «لجران» في خبيئة الكرنك أربعة تماثيل باسم «زد تحوتيفعنخ» المشهور باسم «نختفموت» (راجع Legrain, Cat. Gen. III No. 42206, 42207, 42208, 42209).

(أ) التمثال الأول

والتمثال الأول (رقم ٤٢٢٠٦) مصنوع من الجرانيت الأسود، وارتفاعه متر وأربعة سنتيمترات (راجع Ibid No. 42206, Pl. XIII)، مُثِّل قاعدًا على كرسي مكعب ويده اليمنى على ركبته ممسكة بمنديل، ويلبس شعرًا مستعارًا مسبلًا، وله عثنون على شكل منحرف، وجسمه ملفوف في عباءة تحتها جلباب وقميص آخر، وطراز هذا التمثال وتفاصيل ملابسه توحي بأنه من عهد الدولة الوسطى، والظاهر أن «زد تحوتيفعنخ» قد اغتصب هذا التمثال والتمثال الآخر الذي يحمل رقم ٤٢٢٠٧ الذي سنتكلم عنه.

نقوش التمثال

نُقش على العباءة التي يلبسها سطران جاء فيهما أن هذا التمثال هبة من الملك للكاهن الرابع «لآمون رع» ملك الآلهة، والمشرف على خزانة آمون، وحامل المروحة على يمين الفرعون، والسمير الوحيد العظيم الحب (المسمى) «زد تحوتيفعنخ»، وهو الذي يدعى «نختفموت» ابن الكاهن الرابع لآمون، وعَيْنَا الملك في الكرنك المسمى «زد خنسو فعنخ» المبرأ، وأمه تدعى «نسخنسو باخرد» ابنة «الكاهن الأول لآمون» حاكم الوجه القبلي المسمى «أوبوت» ابن الملك رب الأرضين محبوب آمون شيشنق.

ونشاهد على مقدمة الكرسي الذي يقعد عليه التمثال امرأةً في يدها زهرة البشنين ومنقوشًا تحتها المتن التالي: زوجة ربة البيت ضاربة الصاجات للإلهة «موت» (المسماة) «نسموت» تقول:

إنا نريد أن نعيش سويًّا
ولم يفرق بيننا إله
وإنك حقًّا لي حقًّا ولن أبتعد عنك
وإنك سبب متاعي
فاجلس خالي البال كل يوم
دون أن يصيبك أذى
لقد ذهبنا إلى أرض الأبدية
وعلى ذلك لن ينسى اسمنا
وما أجمل الوقت
الذي يرى فيه الإنسان نور الشمس!
في كل الأبدية
بمثابة سيد في الجبانة.

وعلى اليسار نشاهد امرأة أخرى، والمتن الذي تحتها ما يأتي: أخته محبوبته «باخرد-نموت» المعروفة باسم «شبن أست» تقول:

إنك تثوي هنا أبديًّا
وستبقى هنا سرمديًّا
وإني أراك يومًا فيومًا
وليس في استطاعتي أن أفارقك
وإني لمبتهجة بقلبٍ فَرِح
عندما أفكر في شبابك ثانية
فإني عندئذ أتحدث إلى أولادي بطريقتي
باستمرار عن جدهم وجدتهم.

ونشاهد على الجهة اليمنى من المقعد «زد خنسو فعنخ» قاعدًا على كرسي، وأمامه مائدة قربان، ومعه متن مؤلف من ثمانية أسطر يقول فيه: «الكاهن الرابع «لآمون رع» ملك الآلهة، وعينا الملك في معبد «الكرنك» المسمى «زد خنسو فعنخ» المبرأ، يقول: لقد أتيت حقًّا لأطعم روحك، ولأكون منعمًا في ركابك؛ ولأكون روحًا عظيمًا في بيتك أبديًّا؛ ولأكون مقدسًا في معبدك، ولتجعلني بين المحظوظين المقربين في بيتك العظيم، وليكون قلبي صادقًا.»

وعلى الجهة اليسرى نشاهد «نسخنسو باخرد» قاعدة، وبيدها زهرة بشنين تشمها ومعها المتن التالي: ربة البيت «نسخنسو باخرد» ابنة الكاهن الأول لآمون المشرف على الوجه القبلي، «أوبوت» ابن الملك (محبوب آمون «شيشنق») تقول: «إني ابنة المشرف على الوجه القبلي، وأم كهنة عظام، محبوبة إلهي الذي جعلني محترمة من قومي، وجعلني عظيمة في مدينتي، ويجلني في بيته، وثبت نسلي في الكرنك، سيدة المعابد، وسِرْتُ خلف الإلهة «موت» سيدة بيت النسيج في كل خير، وإني أذكركم كنت كاملة ونشأ أولادي في المعبد.»

ونقش على ظهر مقعد التمثال سبعة أسطر جاء فيها: «الكاهن الرابع «لآمون رع» ملك الآلهة، والكاهن الثاني للإله «خنسو» في «طيبة» «المثوى الجميل»، وكاهن (سم) للإله «سكر» في الكرنك (المسمى) «نختفموت» ابن الكاهن الرابع «لآمون» المسمى «زد خنسو فعنخ» وأمه هي «نسخنسو باخرد» (يأتي بعد ذلك أنشودة مديح).»

ومن نقوش تمثال هذا الكاهن نرى أولًا أنه كان يُنسب إلى أصل ملكي من جهة أمه التي كانت بنت الكاهن الأكبر «أوبوت» ابن الملك «شيشنق» الذي تحدثنا عنه فيما سبق، وثانيًا نرى كيف كانت أواصر الحب بينه وبين زوجته متينة، وأن موته كان سببًا في آلامها، ومن جهة أخرى نقرأ متنًا آخر لأخته يظهر فيه تعلقها به، وكيف أنها لا تنساه بل تتحدث لأطفالها عن مجد جدهم وجدتهم.

ويلاحَظ كذلك أن معظم هذه التماثيل التي كانت توضع في معبد الكرنك كان يعد وضعها هناك إنعامًا ملكيًّا، كما يُفهم من المتن أن الذين كانوا يضعونها هم أولاد هؤلاء الكهنة تخليدًا لذكرى آبائهم بعد أن يتعطف الملك بوضعها في هذا المعبد.

ومما يلفت النظر في نقوش هذه التماثيل أنها كانت تعد بمثابة سِجل يدون فيه كل شيء خاص لصاحب التمثال وأسرته والمعبودات التي كان يتعبد إليها؛ لذلك نجد أن اسم المتوفى ووالده وزوجته وأمه كانوا جميعًا يذكرون، كما كانت تدون ألقابه ووظائفه مرات عدة. ولا نزاع في أن ذلك كان يدعو إلى صنع التماثيل بصورة خاصة، فكانت تصنع إما جالسة على كرسي له قاعدة كبيرة وله ظهر عريض، أو كان يصنع جالسًا القرفصاء وتغطَّى كل جوانبه بالكتابة والنقوش من كل جهاته، وهذا الشكل الأخير من التماثيل كان الطراز السائد في هذا العصر كما سنرى بعد في معظم التماثيل التي وصلت إلينا من هذا العهد. هذا، وكان أحيانًا لا يكتفي صاحب التمثال بأن يمثَّل راكعًا وأمامه لوحة مغطاة بالنقوش والكتابة؛ بل نجد فضلًا عن ذلك أن الكتابة والصور كانت تملأ جوانب التمثال نفسه، يضاف إلى ذلك أنه كان يضع لنفسه عدة تماثيل حتى تبقى ذكراه دائمة وليكرر عليها كل ألقابه ومفاخره.

(ب) التمثال الثاني للكاهن «زد تحوتيفعنخ»

مصنوع من الجرانيت الرمادي، ويبلغ ارتفاعه مترًا وخمسة عشر سنتيمترًا (راجع Ibid Pl. XIV)، وقد مُثِّل في صورة رجل بدين بعض الشيء يجلس على كرسي مكعب ويرتدي شعرًا مستعارًا، وله لحية قصيرة، وثوبه يغطي جسمه من تحت الصدر حتى الكعب، وهذا التمثال يشبه في صنعه التمثال رقم ٤٢٠٣٤ من تماثيل الدولة الوسطى (راجع Legrain, Cat. Gen. I No. 42034).

النقوش

نقش على مقدمة ثوبه نفس الإهداء والألقاب التي نجدها على التمثال السابق، وكذلك كتب على القاعدة اسم زوجه «نسموت» ضاربة الصاجات للإلهة «موت» سيدة معبد «أشرو» (بالكرنك)، كما كتب اسم ابنته محبوبة قلبه «تاخرد نموت» التي تدعى «بشبن أستت» أيضًا.

ونقش على الجزء الأعلى الداخلي من المقعد من جهة اليمين متن مؤلف من أحد عشر سطرًا جاء فيها: «تقديم قربان للإله «آمون رع» رب تيجان الأرضين المشرف على الكرنك، والإله «بتاح سكر» رب «شتيت» (العالم السفلي)، والتاسوع الإلهي … إلخ؛ ليعطوا قربانًا من البخور والماء البارد والطعام وأواني المرمر والنسيج، ومن كل شيء جميل طاهر مما في السماء وما في الأرض وما يحمله النيل من منبعه من الأشياء التي يعيش منها الآلهة، وكذلك نسيم الشمال العليل لأنف الكاهن الرابع «لآمون رع» ملك الآلهة، والكاهن النائب على أعمال المؤسسات العظيمة، وحامل المبخرة أمام «آمون»، والمشرف على بيت مال «آمون»، وعينا الملك في الكرنك، والعظيم … في القصر الملكي (المسمى) «زد تحوتيفعنخ» الذي يدعى «نختفموت» المبرأ ابن الكاهن الرابع «لآمون» في الكرنك، والكاهن الثاني للإلهة «موت» ربة السماء، وكبير المطهرين، ومدير الأعياد لبيت «خنسو»، والثاني بعد الملك في قصره، ولسان الفرعون في مقاطعات أرض الكنانة المسمى «زد خنسو فعنخ»، وأمه هي ربة البيت «نسخنسو باخرد» ابنة الكاهن الأول «لآمون» ملك الآلهة، والمشرف على الوجه القبلي «أوبوت» ابن الملك رب الأرضين (محبوب آمون شيشنق).»

ونقش كذلك أحد عشر سطرًا على الجزء الأعلى من جهة اليسار من القاعدة: وقد جاء فيها: «تقديم قربان لآلهة آخرين وهم: «خنسو» في «طيبة» المثوى الجميل رب فرح القلب، والإله «تانن» رب الآلهة، والإله «شو» بن «رع»، «وتحوت» سيد «أيون» الجنوبية (طيبة الغربية)، والإله العظيم الأزلي «أوزير» أول أهل الغرب، والإله العظيم رب العرابة وحاكم الأبدية الذي يذهب إليه الذين لا وجود لهم (الأموات)، والإله «أنوب» المشرف على ساحته، وآلهة الجبانة؛ ليعطوا الكاهن الخبز (وبقية أنواع القربان) للكاهن الرابع «لآمون رع» ملك الآلهة، والكاهن الثاني للإله «خنسو» في «طيبة» المثوى الجميل، والمشرف على المكان الطاهر الرئيسي الخفي في كل مقصورة فاخرة، والملاحِظ العظيم في معبد الكرنك (المسمى) «نختفموت» المبرأ، سيد السرور صادق القول «أوزير» ابن الكاهن الرابع ملك الآلهة، والكاهن نائب المؤسسات العظيم المسمى «زد خنسو فعنخ» المبرأ، لأرباب «طيبة» في مقاطعة «آمون».»

ونقش على ظهر قاعدة التمثال سبعة أسطر ذكر فيها ألقابه، ثم نداء لكل الكهنة وكل من يزور قبره أن يطلبوا له القربان المعتاد مما يقدم في المعبد.١٠

(ﺟ) التمثال الثالث

لنفس الكاهن «نختفموت» وهو مصنوع من المرمر، وارتفاعه سبعون سنتيمترًا (راجع Ibid. III Pl. XV XVI)، والتمثال ممتاز في صناعته، وطرازه رشيق، مُثِّل قاعدًا القرفصاء وأمامه لوحة نقش عليها خمسة وعشرون سطرًا، ويرتدي شعرًا مستعارًا صُف صفوفًا أنيقة تظهر من تحتها الأذنان، وقد أسبل شعره على كتفيه، ويرتدي ثوبًا ذا ثنيات وله كمان قصيران فوقهما جلد فهد.

النقوش

نقش على شريطِ جلدِ فهدٍ المتنُ التالي: «ملك الوجه القبلي والوجه البحري، الثور القوي في «طيبة»، ملك القطرين (وسرماعت رع ستبن آمون) ابن «رع» (محبوب آمون «أوسركون») محبوب «آمون رع» رب عروش الأرضين، والمنسوب للإلهتين: «وازيت» و«نخبيت»، وضام الأرضين مثل ابن «إزيس» الذي ضم إليه التاجين في سلام، وحور الذهبي عظيم القوة وضارب المنتو (البدو) ملك الوجه القبلي والوجه البحري (وسر ماعت رع ستبن آمون) بن «رع» (محبوب آمون «أوسركون») محبوب «آمون رع» ملك الآلهة معطي الحياة.»

ونقش متن مؤلف من ستة عشر سطرًا على حافة اللوحة، وهذا المتن مهشم بعضه، غير أننا نعلم منه أن هذا التمثال قد أهداه الملك رب الأرضين (آمون رع حورسا إزيس) للكاهن الرابع والمشرف على المؤسسات العظيمة لآمون في الكرنك، وكذلك جاء فيه أن أمه هي ابنة «الكاهن الأول لآمون رع» ملك الآلهة والمشرف على الجنوب … «أوبوت» ابن الملك رب الأرضين (محبوب آمون شيشنق)، أما اللوحة التي أمامه فتحتوي على خمسة وعشرين سطرًا، والجزء الأعلى من الجزء المستدير مهشَّم واللوحة بها التهشيم، والمتن يحتوي على تسبيح للإله «آمون رع» ملك الآلهة ورب السماء ورب الأرض ورب المياه ورب الجبال والمحيط … وهذا التسبيح يتضرع به الكاهن الرابع «نختفموت» فيقول: «إني أنادي عظمتك أمام وجوه كل الآلهة، وأقص نعماءك وفضائلك على الناس؛ لأنك النور الذي يطلع على العالم، وأتون الذي يعطي الضوء ليجعل الناس يفرقون بين الآلهة والناس، وتعطي الحياة كل إنسان ليرى جمال ضيائك، وكل الحَبِّ ينبت عندما يرى ضوءك، ولا يوجد شيء حي لا يعرفك، وإنك تقود الناس (؟) … وتمدهم بطعامهم، وتضع صورهم حسبما ترى، وتضع كل إنسان على جانبه؛ فتضع على اليمين الذين يتضرعون إليك، وعندما يبتعد عنهم ضوءك في أثناء الليل … إلخ.»

والنقش الذي على الجزء الأيمن من اللوحة مُثِّلت فيه «نسموت» واقفة رافعة يدها اليسرى، وفي يدها اليمنى زهرة بشنين، ونقرأ تحت صورتها ما يأتي:

ربة البيت «نسموت» تقول: يا أمون، إنك قانون الآلهة والناس أيضًا، وإنك ناصر للحي وناصر للميت، وإنك ترد جواب التعس، وتصد من هو قوي الساعد، والآلهة يتضرعون بأيديهم إلى اسمك، وكذلك الأقاليم والبلاد الأجنبية، وإني خادمتك التي تعمل النافع لأجل أن تعظم قوة البنك «شبنأست» فامنحها طعامًا كثيرًا من طعامك، وأَمِتْ ذبحًا هؤلاء الذين يتعدون عليها؛ فإنك الحامي الأبدي.

وكذلك مثِّلث «شبنأبت» على الجزء الأيسر ومعها نقش كتب فيه اسمها الابنة «تاخرد نموت» التي تدعى «شبنأبت»، وتتضرع في بقيته للإله.

(د) التمثال الرابع للكاهن نختفموت

من الحجر الجيري، وارتفاعه ٤٢ سنتيمترًا (راجع Legrain, Ibid. p. 24 Pl. XVII)، مثِّل قاعدًا القرفصاء، ويقبض بيديه أمامه على تمثال الإله «بتاح» واقفًا، ويلبس «نختفموت» شعرًا مستعارًا جميلًا ذا فروق أنيقة.

النقوش

نقش على الجزء الأعلى من ظهر العمود الذي يرتكز عليه الإله «بتاح» ما يأتي: «المبجل بجوار «منتو» رب طيبة «نختفموت».»

ونقش على قاعدة تمثال بتاح ما يأتي: «بتاح» القاطن جنوبي جداره رب «عنخ تاوي» (منف). وعلى الجزء المسطح من قاعدة التمثال كتب: «المقرب من «بتاح سكر» «نختفموت» المبرأ.»

وعلى القاعدة من جهة القدم اليمنى نقش: «الكاهن الرابع لآمون «نختفموت» واسمه الجميل «زد تحوتيفعنخ».

ونقش على ظهر التمثال أربعة أسطر عمودية وهي:

الأمير الوراثي، والحاكم، وحامل خاتم ملك الوجه البحري، والسمير الوحيد، وقاضي القضاة، وثقة الملك في الكرنك، ورئيس أسرار الملك في كل أماكنه، والكاهن نائب «آمون»، والكاهن الثاني، والكاهن الرابع للإله «خنسو»، والإله «سكر» القاطن في «الكرنك»، وكاهن الإله «أوزير» رب «بوصير» القاطن في «الكرنك»، والكاهن الثاني للإلهة «موت» ربة «أشرو»، ومدير القربان الإلهية، والكاهن الرابع لآمون «نختفموت» المبرأ.

وهكذا نرى أن «نختفموت» قد بلغ ذروة المجد في عهد «أوسركون الثاني»، ومن بعده الفرعون «حورسا إزيس»؛ فقد جمع في يديه معظم الوظائف العالية في الدولة حتى كان في النهاية وزيرًا، وربما يرجع الفضل في ذلك إلى أنه كان يصاهر أحد أبناء الفراعنة.

وهذه التماثيل يمدنا ما جاء عليها من أسماء بسلسلة النسب لأسرة هذا الكاهن منذ أواسط القرن الحادي عشر ق.م حتى عهد «أوسركون الثاني» (٨٧٩ق.م)، وسنلخص تاريخ هذه الأسرة من شجرة النسب التي جاءت على هذه التماثيل.

حوالي أواسط القرن الحادي عشر قبل الميلاد كان يوجد بمدينة «طيبة» شخص يدعى «بن» يشغل وظيفة الكاتب الملكي في معبد «آمون»، ومن المحتمل أنه كان كاتبًا لمعبد «رع» في الضيعة العظيمة لإله «طيبة»، وقد عاش مغمور الذكر؛ لذلك لم يرث ابنه «أوسيرحات-مس» إلا وظيفته، وقد ورَّثها الأخير لابنه «باحمنتر» الذي أنجب بدوره ابنًا أسماه «ثانفر» الذي أنجب «نسرأمون»، وكان الأخير والدًا لشخص يدعى «يمحتب»، وقد خلفه «نفر-خع» ثم «مر-وسر-خنسو» ثم «بادوخنسو» وأخيرًا «خنسو-محف»، وكان هؤلاء الأفراد محبوبين لدى الإله، وأصحاب حظوة عند الملك؛ إذ كانوا يشغلون وظائف كتبة ملكيين ومديري أعياد سباق الخيل.

وقد كان أفراد هؤلاء الأسرة يصعدون في مدارج العلا شيئًا فشيئًا، وكانوا ينتظرون فرصة سانحة مواتية للنهوض مرة واحدة، وكانت السلطة وقتئذ في «طيبة» تنحط من يوم لآخر، وكان أمراء «تانيس» وأمراء «بوبسطة» يطمحون نحو التسلط على مصر كلها.

وفي تلك الفترة ذكر لنا علَى مرسى الكرنك «مقياس النيل» السنة الثانية رئيس المشوش «شيشنق» السنة الثانية من حكمه، وفي هذا الوقت على وجه التقريب كان يعيش «نسبير-نب» بن «خنسو محف»، وهو يعد النسل العاشر المنحدر من «بن» جد الأسرة التي نتحدث عنها، ونحن نشك في الدور الذي كان يلعبه وقتئذ، ولكن الألقاب الجديدة التي أضافها لنفسه فضلًا عن الألقاب التي كان يتمتع بها أجداده تُظهر أن الحظ كان قد بدأ يبتسم له؛ إذ كان يلقب «سمير الفرعون»، و«عيني ملك الوجه البحري»، و«أذني ملك الوجه القبلي»، «والذي يرى الفرعون في قصره»؛ (أي إنه كان يُسمح له برؤية الملك في حريمه)، والذي يملأ قلبه في سكنه (الخاص). وفي تلك الفترة كان قد أرسل الملك ابنه «أوبوت»؛ ليشغل وظيفة الكاهن الأول «لآمون»، وقد وَجَدَ «أوبوت» هذا أن «نسبير-نب» وابنه «زد خنسو فعنخ» على استعداد للترحيب به واستقباله استقبالًا حسنًا والعمل على مناصرة أسرته الجديدة، ويتجلى ذلك في كلمات «زد خنسو فعنخ» عندما قال على تمثاله: «لقد كنت مخلصًا للإله الطيب «شيشنق الأول» الذي جدد نسل الأسرة، وكنت أمينًا لتعاليمه.»

وكان «لأوبوت» بن «شيشنق» ابنة تدعى «نسخنسو باخرد» فزوجها من «زد خنسو فعنخ»، وكان الأخير بطبيعة الحال قد وصل إلى مرتبة عالية، وأصبح يشغل وظائف كثيرة في الدولة، فكان يحمل لقب الكاهن الرابع، ونائب «آمون»، ورئيس حملة المباخر أمام صندوق «آمون»، وكاهن الإلهة «موت» زوج الإله «آمون» والإله «خنسو» ابنها. وكذلك كان يلقب «عيني ملك الوجه البحري» في الكرنك، و«المنفذ لمشروعات ملك الوجه القبلي»، و«حاكم الوجه القبلي»، و«حامل المروحة على يمين الملك»، وغير ذلك من الألقاب الفخرية وغير الفخرية.

ولا نزاع في أن رُقيَّه كان سريعًا وكانت من نتائجه تغيرات سياسية، وقد أثنى «زد خنسو فعنخ» على نفسه كثيرًا على ملأ من العالم، ولا أدل على ذلك من التمثال الذي عثر عليه الأثري «دارسي» في الأقصر؛ فقد نقش عليه قصيدة كلها مدح وإطراء لنفسه. ومن جهة أخرى لم تنسَ زوجة «نسخنسو باخرد» أصلها الملكي العريق؛ فقد كانت السيدة النبيلة ابنة الكاهن الأول حاكم الوجه القبلي «أوبوت» بن «شيشنق الأول» ملك مصر.

وقد أنجبت هذه السيدة الكريمةُ المَحْتِد ثلاثةَ أطفال من زوجها «زد خنسو فعنخ»؛ ابنتان وهما: «نسموت» وقد تزوجت من «حورخب»، و«زدموت أسعنخ» وتزوجت من «باكنخنسو»، وولد يدعى «زدتحو تيفعنخ».

وكان يلقب باسم آخر هو «نختفموت» وقد حدث ذلك في عهد الملك «أوسركون الثاني» ونحن نعلم من جانبنا أنه منذ أن تولت الأسرة البوبسطية مقاليد الحكم في «طيبة» حدثت أحداث عظيمة في نظام الحكم فيها، إذ نجد أن وظيفة الكاهن الأكبر «لآمون» التي كان يشغلها «أوبوت» قد نصب فيها «شيشنق» ابن الملك «أوسركون الثاني» ثم تخلى «شيشنق» هذا طوعًا أو كرهًا لآخر يدعى «حورسا إزيس» الذي نجهل نسبه للأسرة المالكة إلا إذا كان كما يقال هو ابن «شيشنق» هذا كما سنرى بعد. ومهما يكن من أمر فإن «أوسركون الثاني» قد أشرك «حورسا إزيس» هذا معه في الحكم وظلَّا يحكمان سويًّا حتى السنة الثالثة والعشرين من حكم «أوسركون الثاني» وبعد ذلك استولى «حورسا إزيس» على كل شارات الملك وظهر وحده ملكًا على مصر. ويدل ما لدينا من نقوش على أنه قد تمتع بالاستقلال بالملك تمامًا كما سنرى بعد.

وعلى أية حال فإن حقوق الملك قد بقيت مقدسة؛ إذ ظلت ألقاب «أوسركون الثاني» الملكية على الآثار التي من عهد «حورسا إزيس» سليمة ممَّا يدل على أنه لم يكن هناك اغتصاب.

وقد تزوج «حورسا إزيس» من سيدة تدعى «نسريت ثاوى» والظاهر أنها لم تكن من دوحة أسرة عريقة في النسب وقد أنجب منها طفلين — على أقل تقدير — وهما الأميرة «است ورت» وابنٌ عيَّنه كاهنًا أكبر للإله «آمون» (راجع Rec. Trav. XXVII. p. 76).
وعندما اختفى «حورسا إزيس» من مسرح الحكم تولى بعده حكم البلاد «تاكيلوت» ابن «أوسركون الثاني».١١

وهاك سلسلة النسب:

أما «نختفموت» الذي نحن بصدده الآن فله قصة أخرى، فهو صاحب التماثيل الأربعة التي ذكرناها من قبل، وقد عاش في العهد الذي كان يشترك فيه كل من «أوسركون الثاني» و«حورسا إزيس» في حكم البلاد، وقد تزوج من سيدة عريقة النسب تدعى «نسموت» فأنجبت له طفلين: ذَكَرٌ أسْمَاه «حورسا إزيس»، وأنثى تدعى «شبن-أست»، وقد قص علينا والد هذه السيدة المتاعب والمضايقات التي صادفها بالتطويل. والظاهر من هذه القصة أن «شبن-أست» كانت سيئة الحظ في زواجها وانتزع منها طفليها، ولم يتحدث والدها عن شيء إلا عزمه على قتل من هدر كرامة ابنته، وفي نهاية الأمر دُعِيَ للمثول أمام الملك، وقد حضر مرتديًا ملابس كتان جميلة، وأظهر أمام الملك الشارات التي تدل على أنه من أبناء الملوك، والتي كان له الحق في التحلي بها بوصفه من نسل «شيشنق الأول».

وقد أعلن للملك «حورسا إزيس» بكل الصيغ اللازمة في هذا المقام أنه يريد أن يؤسس إقطاعية لابنته «شبن-أست»، وبعد ذلك وضع ابنته وما تملك تحت حماية الملك، وبعد أن نال رغبته طلب إلى الفرعون الانتقام من الذين انتزعوا طفلَي ابنته ثم تركوهما، ولما كان طلبه موضوعًا في قالب قوي فإنه وجد قبولًا حسنًا من الفرعون، وبفضل حماية الملك أعيد إلى السيدة «شبن-أست» طفلاها في اليوم نفسه (راجع Legrain, Cat. Gen. III No. 42208)، وكان «نختفموت» وقتئذٍ يشغل مركزًا هامًّا في طيبة، فكان يملك الأملاك العظيمة التي ورثها من أبيه وأمه، هذا فضلًا عما ناله من الحظوات والإنعامات التي أغدقها عليه الفرعون وقتئذٍ بسبب الخدمات التي قدمها له؛ فقد كان مستشارًا ملكيًّا، وحامل المروحة على يمين الفرعون، والكاهن الرابع «لآمون»، وخازن بيت مال آمون، وكاهن كل من الإلهة «موت» والإله «خنسو» … إلخ، وقد أنعم عليه الملك بأن يضع ثلاثة تماثيل له في معبد الكرنك، وقد تُوِّجت أفضال الملك عليه بأن زوج ابنته الأميرة «أست-ورت» لابن «نختفموت» المسمى «حورسا إزيس»، وقد كان للأخير حظ لامع في بلاط الفرعون؛ فقد مُنح فضلًا عن الألقاب التي كان يتمتع بها والده الألقابَ التالية: الأمير الوراثي، والرجل الذي يحمل قلادة الملك، وقد سار «حورسا إزيس» هذا على نهج سياسة أسرته التي كانت تتطلع دائمًا إلى العلا، وقد وصل بذلك للمرة الثالثة أن يزوِّج أحد أولاده الذكور بأميرة من البيت المالك، وبذلك يزيد في عقد أواصر النسب بينه وبين الفرعون؛ فقد زوج ابنه «زد خنسو فعنخ» من الأميرة «شبن-سبدت» ابنة «تاكيلوت» وحفيدة «أوسركون الثاني» [انظر شجرة النسب الأسرة الثانية والعشرين الفرعون أوسركون الثاني].
هذا، وقد كان «زد خنسو فعنخ» قد تقلب في وظائف أعلى من التي كان يتمتع بها أجداده، فلم يبقَ من الوظائف العليا شيء لم ينله إلا لقب الملك الذي لم يكن يحمله، والواقع أنه كان ملكًا غير متوَّج، وهكذا نرى في نحو ثلاثة قرون خمسة عشر جيلًا تسير وئيدًا نحو الحظ السعيد الذي جلبه لها تولي ملوك الأسرة الثانية والعشرين؛ فقد نال منها «زد خنسو فعنخ» فخارًا ومجدًا، وإليه يرجع الفضل بوجه خاص في أننا عرفنا سلسلة دوحة أسرته العريقة في القدم، وقد ختم قائمة نسبه بقوله: «إن الواحد منهم هو ابن الآخر في هذا البيت، ومن والد لولد منذ زمن الملوك» (راجع Legrain, Cat. Gen. No 42211 p. 28–32).

(٧-٢) تمثال الكاهن حورسا إزيس

وُجد لهذا الكاهن تمثال في خبيئة الكرنك (راجع Legrain, Ibid. Pl. XVII-XIX)، وقد مثِّل قاعدًا القرفصاء على قاعدة وذراعاه مطويتان على ركبتيه، ويبلغ ارتفاعه سبعة وخمسين سنتيمترًا … وصناعته ممتازة، وطرازه جاف بعض الشيء وذلك من مميزات هذا العصر، والتمثال سليم عدا جزء من الأنف، وقد نُحِتَ في قطعة جميلة من المرمر.

(أ) النقوش

نقرأ على الجزء الأعلى من التمثال بين كتفيه المتن التالي: «عمله ابنه ليحيا اسمُه المشرف على خزانة رب الأَرَضِينَ «زد خنسو فعنخ» الذي وضعته «أست ورت» ابنة الملك الفرعون رب الأرضين (محبوب آمون «حورسا إزيس»).»

وعلى مقدمة التمثال نقش متن يغطِّي من الركبتين حتى طرفي القدمين؛ يتحدث فيه عن الأعياد العامة التي كانت تعقد في «طيبة» منها عيد الأقصر وعيد الوادي، وكذلك يذكر لنا بعض ألقابه ويقول: إنه ابن «نختفموت».

وعلى الجانب الأيمن من التمثال متن مؤلف من عشرة أسطر أفقية جاء فيها: «عمله (أي التمثال) ابنه ليحيا اسمه الأمير الوراثي والحاكم والمشرف على خزانة الفرعون «زد خنسو فعنخ»، وأمه الابنة الملكية من ظهره «أست ورت» يقول: يأيها الآلهة الذين يوجدون بجانب تاسوع هذا المعبد اجعلوا بسحركم والدي «حورسا إزيس»؛ ليكون في ركاب الإله «سكر».» ثم يستمر بعد ذلك المتن طالبًا للمتوفى كل ما يلزم له من متع الحياة الأخرى؛ لأنه كان محبوبًا وممدوحًا في بلدته «طيبة».

وعلى الجهة اليسرى للتمثال عشرة أسطر أفقيه يتكلم فيها «زد خنسو فعنخ» عن مناقبه، ويقول: إنه أقام هذا التمثال على غرار ما كان يفعله الأجداد.

وعلى ظهر التمثال نقشت ستة أسطر عمودية جاء فيها: «الأمير الوراثي والحاكم وحامل خاتم الوجه البحري … والمشرف على خزائن رب الأرضين «حورسا إزيس» ابن مثيله (في الوظائف السابقة) «نختفموت» المبرأ، إن فاك يُفتح بوساطة الإله «بتاح»، وفاك يفتح بوساطة الإله «سكر»، والإلهُ «بتاح» يعطيك قلبك في جسمك … إلخ»

هذا، ويلاحظ أنه يوجد وجه شبه كبير بين هذا التمثال وتمثال «نختفموت» رقم «٤٢٢٠٨».

(٧-٣) تمثال الكاهن «باكنخنسو»

وُجد لهذا الكاهن تمثال من الجرانيت الرمادي يبلغ ارتفاعه اثنين وخمسين سنتيمترًا (راجع Legrain, Ibid. 42213 Pl. XXII)، مثِّل هذا التمثال قاعدًا القرفصاء على مخدة مستديرة وذراعاه مطويتان على ركبتيه.

(أ) النقوش

نُقش على الكتف الأيمن للتمثال طغراء الفرعون:

(وسرماعت رع ستبن آمون) (محبوب آمون «وسركون»).

ويشاهد على مقدمة التمثال منظر مثِّل فيه الإلهان: «آمون» و«أوزير» واقفين يتسلمان صورة العدالة، يقدمها لهما رجل يرتدي ملابس كاهن وقدماه حافيتان. ونقش أمام الإله «آمون»: «آمون رع رب تيجان الأرضين، رئيس الكرنك ورب السماء.» وأمام «أوزير»: «أوزير المحبوب حاكم الأبدية.»

وأمام الكاهن: «أوزير كاهن آمون رع ملك الآلهة … «باكنخنسو» المرحوم.» وفوق هذا المنظر نقش ستة أسطر: «عمله له ابنه ليحيا اسمه كاهن «آمون رع» ملك الآلهة، والذي يرى الملك في بيته الفاخر، والرئيس الذي يدير بيت «آمون» من الدرجة الأولى، وكاتب المعبد «لأوزير» رب العرابة «زد باستت عنخف» ابن مثيله (في المكانة) «باكنخنسو».»

ونقش من ركبته اليمنى حتى الكتف اليسرى متن مكون من ثلاثة عشر سطرًا عموديًّا جاء فيها تقريبًا: «قربان يقدمه الملك «لآمون» رب التيجان، ورئيس الكرنك، ورب الكل، وحاكم «التاسوع»، و«أوزير» أول أهل الغرب، ورب العرابة نور العالم السفلي (دوات) الذي على رأس الجبانة، و«بتاح سكر» رب المعبد، و«أنوبيس» الذي في «أوت» (لفائفه) رب الأرض العالية المقدسة (الجبانة)، و«التاسوع» الكبير و«التاسوع» الصغير الذين في السماء والذين في الأرض والذين في الجنوب والذين في الشمال والذين في الغرب والذين في الشرق، والآلهة الذين في العالم السفلي؛ ليعطوا ألفًا من الخبز، وألفًا من الجعَّة، وألفًا من النبيذ والبقر والإوز، وألفًا من … وألفًا من العطور، وألفًا من النسيج، وألفًا من آنية الماء، ومن كل خضر يخرج على ظهر الأرض، وقربانًا من كل شيء طيب طاهر تمنحه السماء وتنتجه الأرض ويحمله النيل من منبعه وبيديه اللتين تجعل فيضانه طاهرًا، وما يقدمه «تحوت» من قربان «لأوزير» كاهن «آمون» الكرنك وعينا الفرعون في معابده الستة، والذي في قلب الفرعون في بيته (أي ثقته) «باكنخنسو» المبرأ.» وبعد ذلك يتحدث عن المكانة العلِيَّة التي كانت له في قصر الفرعون وفي حضرة الفرعون وفي الأعياد التي تقام في الجنوب، وبخاصة العيد الثلاثيني.

ونقش حول قاعدة التمثال المتن التالي:

عمله ابنه ليحيا اسمه؛ أي كاهن «آمون» الكرنك، والذي يرى قرص الشمس الموجود في «طيبة»، والمشرف على دخائل معبد «آمون» من الدرجة الأولى المسمى «زد باستتعنخ» الذي وضعته ضاربة الصاجات في معبد «آمون» «زد موتف اسعنخ»، وأمها «نسخنسو باخرد» ابنة الكاهن الأول «لآمون» ملك الآلهة «أوبوت» ابن الملك رب الأرضين (خبرحزستبن رع) ابن الشمس رب التيجان (محبوب آمون شيشنق) معطي الحياة والثبات والعافية مثل «رع أبديًّا».

ومن هذا النقش الأخير نعرف أن هذا الكاهن كان منحدرًا من نسل ملكي من جهة أمه، ولا غرابة إذن في أن نجده يتمتع بمناصب عليا في الكرنك.

(٧-٤) تمثال الكاهن «نب-نترو» بن «نسر آمون»

(راجع Legrain, Ibid. No. 42225 Pl. XXXII & Rec. Trav. XXX, (1908). p. 165).

وجد لهذا الكاهن تمثال في خبيئة الكرنك، وقد مثِّل قاعدًا القرفصاء على مخدة مستديرة وذراعاه على ركبتيه، وفي يده اليمنى نبات، واليسرى مبسوطة على ركبته، ويلبس على رأسه شعرًا مستعارًا ذا فروق أنيقة، وجسمه ملفوف في لباس لم يُظْهِرْ من جسمه شيئًا إلا الرأس واليدين.

(أ) النقوش

نُقِشَ طغراءان باسم الفرعون «أوسركون الأول» ولقبه: (محبوب آمون) (أوسركون) (وسرماعت رع ستبن آمون) الأول على الكتف اليمنى، والثاني على الكتف اليسرى، وكل منها موضوع على قوس، ونقرأ كذلك على الكتف اليمنى بجانب الطغراء ما يأتي: «الكاهن الأول لآمون «حورسا إزيس».»

ورسم على مقدمة التمثال المنظر التالي: الآلهة: «آمون» و«رع» و«بتاح» و«أوزير» يقفون ملتفتين نحو اليمين، وقد كتب مع كل إله متن قصير يبين نعوته.

وقد كتب تحت هذا المنظر ثمانية أسطر ذكر فيها اسم صاحب التمثال وألقابه، وكذلك اسم والده وألقابه: «الأمير الوراثي والحاكم وحامل خاتم الوجه البحري كاهن آمون «طيبة»، وكاتب السجلات الملكية «نب نترو» ابن عمدة المدينة، والوزير وفم «نخن» (حاكم بلدة نخن) «نسر آمون»، ووالدته هي «موت حتب» يقول: إني واحد ذكي جدًّا في بلدته مبجل، وإني العظيم الذي وضع في معبد آمون ليفتح باب السماء (أي قدس الأقداس)، والذي يُرى تمثاله الذي في الأفق، والذي يدخل القصر المقدس ويرى حور … إلخ.» وبعد ذلك يذكر في هذا المتن أنه وصل إلى سن ست وتسعين سنة عندما عمل هذا التمثال.

وعلى جانب التمثال الأيمن نقش ثلاثة عشر سطرًا ذكر فيها كذلك ألقابه ونسبه فيقول ما معناه: يعيش الأمير الوراثي، والحاكم، وحامل خاتم الوجه البحري، والكاهن الذي يفتح باب السماء (قدس الأقداس) في «طيبة»، والكاهن الرائي العظيم (لقب الكاهن الأعظم في عين شمس) الذي يسر قلب «رع أتوم» في «طيبة»، والذي يدخل القصر الفاخر، وعينا الملك في البلاد … وكاتب الملك في أرض الجنوب «نب نترو» ابن الأمير الوراثي، والحاكم، وحامل خاتم الوجه البحري، وكاهن «آمون» في الكرنك، وعمدة المدينة، والوزير، والقاضي حاكم «نخن»، ومرشد كل الأراضي، ومدير ملابس الفرعون، وكاهن «ماعت» «نسر آمون» ابن الكاهن فاتح باب السماء (قدس الأقداس) في «طيبة»، والكاهن الأول للإله «منتو»، وصديق الملك في القصر، وحامل المروحة على يمين الفرعون، والكاتب الملكي للسجلات في القصر «نب نترو» (يأتي بعد ذلك تمنيات للمتوفى).

وعلى الجانب الأيسر متن مماثل مؤلف من ثلاثة عشر سطرًا ذكر فيه ألقاب «نب-نترو» وألقاب والده «نسر آمون» ثم اسم والد الأخير وألقابه، وهي: كاهن «آمون»، وكاتب الملك للسجلات (المسمى) «تر».

ونُقش على ظهر التمثال أربعة أسطر جاء فيها ألقاب «نب نترو» السابقة، هذا إلى أنه كان المشرف على كهنة كل الآلهة، ومدير كل آثار معبد آمون.

وعلى الجزء المسطح من قاعدة التمثال نقش سطر يشمل بعض ألقابه واسم أمه المسماة «زد مو تسعنخ»، وفي سطر آخر على قاعدة التمثال ذكر الإهداء وقد جاء فيه: «عمله ابنه ليحيا اسمه ابن الأمير الوراثي، والحاكم، وحامل خاتم الوجه البحري كاهن «آمون»، والكاهن الرائي العظيم الذي يسر قلب «رع أتوم» في طيبة، وحامل المروحة على يمين الفرعون، وكاتب الملك لسجلات الفرعون المسمى «حور».» ونقش على جزء من قاعدة التمثال في الجهة اليمنى ألقاب صاحب التمثال وألقاب والده كالألقاب السالفة مع زيادة أنه كان فضلًا عما سبق الكاهن الرابع للإله «خنسو».

وعلى الجزء الأيسر من القاعدة نُقش بعض ألقابه وألقاب والده مع ذكر اسم أم الأخير وهي «موت حتب». ومما سبق نستنبط سلسلة النسب التالية:

(٨) نظرة عامة على آثار الملك «أوسركون الثاني» وحياته

إن من يلقي نظرة فاحصة على آثار الفرعون «أوسركون الثاني»، والأحداث التي وقعت في عصره، والشخصيات التي برزت خلال حكمه؛ لا يتردد لحظة الحكم بأن هذا الفرعون قد أمضى حياته بين «بوبسطة» و«تانيس»، وأن طيبة الكهنة العظام قد شغلت بَالَه بمقدار عظيم، ولكن شواهد الأحوال تدل على أنه صرف الوقت الأعظم من حياته في «تانيس» إذا حكمنا على ذلك بالآثار التي خلفها، هذا بالإضافة إلى أنه اتخذها مثواه الأخير مفضلًا إياها على كل من «بوبسطة» أقام فيها عيده الثلاثيني وعلى طيبة التي كانت تعد المركز الديني الهام لكل البلاد المصرية منذ الأسرة الثامنة عشرة.

ويتجلى حبه «لتانيس» في أن أسلافه ملوك الأسرة الواحدة والعشرين لم يُصلحوا ما تهدم من مبانيها إلا الجزء الأوسط من المعبد الكبير، وإن كانت إصلاحاتهم وإصلاحاته هو نفسه لم تتكلف الشيء الكثير؛ ذلك لأن كان لديهم مورد فياض ومنجم لا ينفد من مواد البناء في نفس المدينة، فلم يكن عليهم إلا هدم المباني القديمة واستعمال أنقاضها في إقامة مبانيهم التي كانوا يريدون تخليد ذكرهم بها. ولسنا مبالغين إذا قلنا: إن ملوك الأسرتين: الواحدة والعشرين والثانية والعشرين لم يأتوا بحجر واحد قطع من محجر جديد ليقيموا به بناء لهم في «تانيس».

والظاهر أن أول عمل أراد القيام به «أوسركون الثاني» هو أن يعيد إلى قصر «ملايين السنين» ما كان عليه من ضخامة وسعة رقعة وفخامة مبنى في عهد «رعمسيس الثاني»، وقد استعان في إقامة مبناه الجديد هذا بمواد البناء القديمة نعرف ملكًا قبله اغتصب لنفسه مباني لم تكن له بكل جرأة ممن سبقه من الملوك «رعمسيس الثاني» في «تانيس» و«تل بسطة»، والظاهر أنه انتقم لغيره الملوك الذين اغتصب «رعمسيس الثاني» آثارهم على نطاق واسع، وقد كان يضرب به المثل في هذا المجال — إلا أن «أوسركون» قد ضرب الرقم القياسي في هذا المضمار — ففاق «رعمسيس الثاني»، وقد أقام لنفسه آثارًا كثيرة من عمله هو فضلًا عما اغتصبه من غيره.

(٨-١) زوجاته وأولاده

كانت زوج «أوسركون» الأولى التي تدعى الزوجة الملكية «كارع مع»، وكانت لا تزال على قيد الحياة في السنة الثانية والعشرين من حكمه عندما احتفل بعيده الثلاثيني في «بوبسطة» وقد أنجبت له ثلاث فتيات؛ إحداهن تدعى باسم والدتها تقريبًا، كما أنجبت له ولدين وهما: الكاهن الأعظم للإله «بتاح» في منف وهو الذي يدعى «شيشنق» (وقد توارث أولاده وظيفة والدهم في منف مدة جيلين على الأقل)، والابن الثاني هو الكاهن الأكبر لآمون «حورنخت» الذي توفي وهو لا يزال أخضر العود؛ فقد اختطفه الموت ولم يتجاوز التاسعة من عمره، وكانت «لأوسركون» زوجة أخرى تدعى «أستمخب» وضعت له ابنة تدعى «تسبرو باستت» التي تزوجت من ابن أخيها «تاكيلوت» الذي كان ابن كاهن الإله «بتاح» «شيشنق»، وقد أنجب ولدًا يدعى «بدوباست» الذي دفن في السنة الثامنة والعشرين من عهد الملك «شيشنق» العجل الثالث «أبيس» من الأسرة الثانية والعشرين.

وقد كان «لأوسركون» — على أقل تقدير — زوجة أخرى سميت على لوحة «حور باسن» «موت حز عنخس»؛ غير أنها ذكرت على وثيقة أخرى معاصرة بصورة أخرى تختلف بعض الشيء؛ أي إنها كانت تدعى «زد موت عنخس»، وهذه الأميرة كانت أم «نمروت» الذي كان يشغل وظيفة الكاهن الأول للإله «حرشف»، ورئيس الجيش في «أهناسيا المدينة»، وأمير مدينة بالفيوم سميت باسم «أوسركون الأول»، كما كان كذلك الكاهن الأول للإله «آمون»، وينسب إلى «نمروت» هذا سلسلة نسب الكهنة العظام للإله «حرشف».

ونحن نجهل اسم السيدة التي أنجبت للفرعون «أوسركون الثاني» ابنه «تاكيلوت» الذي ورث الملك من بعده. ومما يؤسف له جد الأسف أن اسم هذه الأميرة قد مُزق على الوثيقة التي ذكر فيها «تاكيلوت» اسم والديه! ومن المحتمل أن كلًّا من «تاكيلوت» و«نمروت» كانا من أم واحدة.

وقد كانت عبادة «آمون» عظيمة جدًّا في عهد «أوسركون الثاني»، ومع ذلك فكان هناك سوء ظن بهذا الإله الطيبي؛ فعندما أسس «شيشنق الأول» الأسرة الثانية والعشرين قضى على نظام الحكم الذي كان يسمح لخلفاء «حريحور» أن يكونوا على قدم المساواة — أو ما يقرب من ذلك — مع الفراعنة؛ فقد وضع في منصب الكاهن الأكبر أحد أولاده، وقد كان العزم وطيدًا على ألا يصبح منصب الكاهن الأول وراثيًّا كما كان في عهد الأسرة الواحدة والعشرين، وقد بدأ «أوسركون الثاني» في تقليد «شيشنق»؛ ولذلك تولى منصب الكاهن الأكبر لآمون في طيبة اثنان من أولاده وهما: «حورنخت» و«نمروت»، وقد صرح «أوسركون» بنوع من السذاجة أنه وزَّع بين أفراد أسرته كلَّ الوظائف العالية في الدولة، وهنأ نفسه بسياسته هذه، وقد صارحَنَا بذلك عند التحدث عن تمثاله الذي عُثر عليه في «تانيس»، غير أنه لم يكن في مقدوره السير على هذه السياسة حتى آخر حكمه؛ إذ نجد في عهده أنه كان يشغل وظيفة الكاهن الأكبر — غير ولديه السالفين — شخص يدعى «حورسا إزيس»، وهو ابن هذا الأمير الذي يدعى «شيشنق» الذي أصبح بعد أن مكث مدة طويلة كاهنًا أكبر ملكًا على البلاد «حقا خبر رع» «شيشنق» في عهد والده «أوسركون الأول»، ومن ثم نعرف أن «حورسا إزيس» هذا كان ابن عم الفرعون «أوسركون الثاني»، ولم يمنعه هذا أن يتخذ لنفسه لقب الملك، وأن يعطي نفسه ألقابًا ملكية كاملة.

غير أنه ليس لدينا أية وثيقة تحدثنا عن هذا الانقلاب، ولكن نعرف أنه في السنة الثانية والعشرين — وهي السنة التي احتفل بها «أوسركون» بعيده الثلاثيني — أمضى «أوسركون الثاني» مرسومًا — سواء أكان عن طيب خاطر أم قهرًا — يعترف فيه أن «طيبة» قد أصبحت إمارة مستقلة، وبذلك عادت الأمور في البلاد من جهة الحكم إلى مجراها الذي كانت عليه في نهاية الأسرة العشرين وطوال الأسرة الواحدة والعشرين، وبذلك أَفْلَت أمر تعيين الكاهن الأكبر لآمون من يد الفرعون، ومن ثم انفصلت «طيبة» عن المملكة المصرية وسار «حورسا إزيس» على غرار أسلافه من الكهنة العظام أمثال «أمنحتب» و«حريحور» و«بينوزم» باتخاذ الألقاب الملكية لنفسه، ومع ذلك فإن الانفصال بين المملكتين لم يكن تامًّا بعدُ؛ إذ نجد أن الكاهن الرابع «نختف موت» — وهو الذي ينحدر من جهة أمه من الكاهن الأكبر «أوبوت» بن «شيشنق الأول» — قد حاول أن يحفظ التوازن بين الملكين المتناهضين، فنجد أن الكاهن الأكبر أهداه تمثالًا ولكنه مع ذلك نقش اسم الملك «أوسركون الثاني» وألقابه في أبرز مكان على التمثال، ومن ذلك نعلم أنه اعترف بأن ملك تانيس هو ملك مصر عامة (راجع A. S. VI. p. 125. Cat. Geu. No. 42208 et 42206).
ولكن «حورسا إزيس» حَسِبَ نفسه ملكًا حقيقيًّا؛ فقد اغتصب لموميته صندوقًا كان لإحدى أخوات «رعمسيس الثاني» التي تدعى «حنتيم رع»، وجاء إليه بغطاء له رأس صقر (راجع Holscher. Excavatious At Ancient Thebes 1930-1931. Oriental Institute No. 15. pp. 33–36, A. S. T. VI p. 123). وكان في ذلك يقلد والده الكاهن الأكبر والملك «حقا خبر رع» «شيشنق»، وهو الذي وجد له في «تانيس» في حجرة استقبال الملك «بسوسنس» التابوت المصنوع من الفضة برأس صقر وبداخله الحلي الجنازي الفاخر، وقد قلد كل منهما الفرعون؛ لأننا نعرف أن «أوسركون الثاني» كان له كذلك تابوت برأس صقر، وكان من الممكن أن نقدر بدرجة أحسن هذه الحوادث إذا كان ترتيب تولي هؤلاء الكهنة العظام معروفًا لنا، والسبب في ذلك أننا لا نعرف تواريخ توليهم هذا المنصب، ولكن الملاحظات التي ذكرناها عن دفن الأمير «حورنخت» تقدم لنا دليلًا على ذلك؛ فقد كان من الضروري لوضع تابوت هذا الأمير وأثاثه في الضريح الملكي أن يغير التصميم الأصلي للمدفن وقد وُسِّع هذا الضريح، غير أن هذا التوسع قد عُمل بعدم عناية لم تكن مألوفة، وإذا كان الملك عائشًا في وقت إجراء هذا التوسع ما قَبِلَ تشويهَ جمال مثواه الأبدي بهذه الصورة. وعلى ذلك يمكن القول بأن «حورسا إزيس» مات بعد السنة الثانية والعشرين، ولكن «أوسركون الثاني» قبل نهاية حكمه انتهز الفرصة في اتخاذ السياسة التي عينها في نقوش تمثاله الذي عُثر عليه في «تانيس»، فأبعد ابن «حورسا إزيس» وأسرع في تعيين ابنه «حور نخت» — على الرغم من صغر سنه — كاهنًا أكبر «لآمون»، ولكن الحظ لم يكن في جانب ابنه هذا؛ فقد مات «حورنخت» بعد زمن قصير واعتلى عرش رياسة كهنة «آمون» بن «حورسا إزيس» واسمه لم يعرف حتى الآن، والواقع أنه ذُكر على صندوق التابوت الذي عُثر عليه في «قفط» ما يأتي:

الملك «حورسا إزيس» وابنه الذي كان كاهنًا أكبر «لآمون» …

ولكن مُزق المتن هنا ولم يمكن معرفة قراءة اسمه (راجع Legrain, A. S. VI, 123–125) وبذلك نرى أنه أخذ مكان والده.

وعلى الرغم من الموقف الصعب الذي كان يواجه «أوسركون» في داخل البلاد فإنه لم يتخلَّ عن حفظ نفوذ مصر الخارجي في البلاد المجاورة التي كانت تدين لمصر في عهودها المزهرة؛ فقد أتى ليقدم إليه الخضوعَ والطاعة البدوُ والنوبيون في خلال احتفاله بعيده الثلاثيني الذي كان يعد من أهم الأعياد الملكية، وهو الذي لا تزال تَحْفَظُ ذكراه قاعةُ العيد التي أقامها «بوبسطة» لهذا الغرض خاصة.

وقد قلد سلفيه «شيشنق الأول» و«أوسركون الأول» في إرسال تمثاله إلى «جبيل» هذا إلى أن أحد رسله إلى «سمارية» قد ترك فيها آنية من المرمر عليها اسم هذا الفرعون.

والظاهر أنه لم يكن غريبًا عن الحملة التي باءت بالفشل، وهي التي قام بها «ذراح» الإثيوبي على ملك «يهودا» ولا يبعد أن يكون قد اشترك فيها.

وقد جَهزت والدته «كابس» قبره في «تانيس» بمساعدة قائد جيشه في الجنوب والشمال «باسن إزيس» هذا على الرغم من أنه كان يوجد حزب يرغب في دفنه في بلدة غير «تانيس»، وربما كان المقصود أن يثوي في «طيبة»، ولم يكلف القائمون بهذه المهمة أنفسَهم بناء قبر جديد لهذا الفرعون العظيم، بل اكتفوا بإصلاح مقبرة قديمة يُظَن أنها كانت مهجورة فزُينت بالنقوش والمناظر الدينية باسم هذا العاهل، وهذه المقبرة كانت تجاور مقبرة الفرعون «بسوسنس» وعلى مسافة قصيرة من قصر «ملايين السنين» الذي كان قد أصلح الفرعون بناءه، وقد كان هذا القبر يعد مثوًى أبديًّا جميلًا؛ إذ كان الملك وهو في تابوته المصنوع من الجرانيت يعتقد أنه في مأمن من أن يدنَّس قبره؛ لأن واحدًا من رجال جيشه المخلصين كان يثوي على مقربة منه في المقبرة الملاصقة لقبره، ولكن لم يتمتع هذا الفرعون طويلًا بالانفراد في هذا القبر؛ إذ بعد زمن قريب جاوره فيه ابنه الأمير «حورنخت»، وبعد مدة قصيرة شاركه في تابوته نفسه شخصان لم نقف على حقيقتهما.

وقد خَلَفَ «أوسركون الثاني» ابنُه الملك «حز خبر رع» «تاكيلوت الثاني» الذي تزوج من امرأة تدعى «كارع مع» ابنة أخته؛ إذ كانت ابنة الكاهن الأكبر لآمون المسمى «نمروت»، وتمتاز امرأة «تاكيلوت الثاني» عن زوج «أوسركون الثاني» بأنها تحمل لقب «المحبوبة من آمون»، وهذا اللقب موضوع في طغرائها (راجع L. R. III p. 356). وقد كان «تاكيلوت» ماهرًا؛ لأنه عيَّن ابنه «أوسركون» كاهنًا أكبر، في حين أنه كان يقوم بتصريف الأمور الهامة، ومع ذلك فإنه بعد حكم لا يقل عن خمس وعشرين سنة لم يكن في مقدور الأسرة المالكة أن تقيم له قبرًا، وقد وُجدت موميته التي كانت مزينة بمجوهرات فاخرة في تابوت مغتصب وُضع في إحدى حجرات مقبرة والده، وهي الحجرة الثالثة ولم يغيَّر شيء في نظام المقبرة الأصلية.

وبعد ذلك بزمن نجد أن «وسرماعت — رع» «شيشنق» — (وهو خلف تاكيلوت الثاني) الذي أقام في تانيس البوابة الضخمة، والذي جهز لنفسه مقبرة جميلة جدًّا، وهي مقبرة رقم ٥ — فتح مقبرة «أوسركون» ثانية؛ إذ نجد أنه قد أنزل من سقف الحجرة الأولى لهذه المقبرة تابوتًا عظيمًا من الجرانيت، وعزل بوساطة جدار حاجز شوهد عليه صورتا الملكين: «شيشنق» و«أوسركون الثاني» وهما يتعبدان لشخص لم نتمكن من التعرف عليه، وكذلك قد بقي الشخص الذي أُنزل من أجله هذا التابوت مجهولًا لنا! وقد كان هذا الحادث آخر تغيير في مقبرة «أوسركون الثاني».

ولا نزاع في أن المقبرة كانت سليمة حتى عهد البطالمة؛ لأن اللصوص الذين كانوا يودون الوصول إليها كان عليهم أن يحفروا بئرًا في عرض المنازل المقامة من اللبن وهي التي كانت قد ثبتت على سقف هذه المقبرة.

ومما سبق نعلم مقدار ما كان عليه ملوك هذه الأسرة من فقر مُدْقِع أدى بهم إلى انتهاك بعضهم حرمات مقابر بعضهم الآخر، هذا فضلًا عن انتهاكهم حرمات معابد آلهتهم أنفسهم واتخاذ أحجارها لتقام بها مدافنهم، ويخيَّل أن المثل الذي نتداوله الآن وهو «كاد الفقر أن يكون كفرًا» ينطبق تمام الانطباق على تاريخ ملوك هذه الفترة؛ لأنهم لم يكفروا بأجدادهم بل كفروا بآلهتهم.

ولا غرابة في ذلك؛ فقد كانت مصر في تلك الفترة تُحكم بملوك أجانب عن مصر، أو على الأقل لا يجري في عروقهم الدم الملكي الخالص؛ فقد كانوا من أسرة لوبية تمصروا بعض الشيء، ولكن ذلك لم يكن كافيًا لاحترام آلهتهم أو من سبقهم من الملوك؛ لأنهم كانوا بعيدين عنهم من حيث الدم والدين.

١  راجع II. Montet, La necropole Royale de Tanis, t. I, Osorkon.
٢  انظر Montet, Osorkon II fig. 14.
٣  البقرة «سخات» وظيفتها التغذية.
٤  الضمير هنا يعود على الإناء.
٥  راجع Osorkon II, Pl. LX.
٦  بعد أن عبَّر «باسن إزيس» عن ألمه انتقل إلى ذكر الخدمات التي قدمها لسيده، وقد خصصها بأنها أكثر من الهدايا المادية، وقال عنها: إنها تحتوي على الطاعة.
٧  جَهَّزَ المتوفى لمدينته (الأبدية) يعني تحنيطه وكساءه وتزيينه بالحلي والتعاويذ.
٨  وقد فسر «لوريه» «طيبة» الفرع المقدس وقال: إنه تعبير آخر عن مدينة تانيس.
٩  السطر الأول من اللوحة مهشم.
١٠  كان غرض صاحب التمثال من وضعه في المعبد أن يكون بجوار الإله العظيم آمون والآلهة الأخرى من جهة، وكذلك ليتمتع بالقربات التي كان يقدمها الفرعون لهؤلاء الآلهة، وإذن فلا داعي لعمل قربان خاص لتمثاله لتأكل منه قرينه (كا) يوميًّا.
١١  ولدينا لوحة من العرابة المدفونة وملاحظة كتبها الأثري «دارسي» نفهم منهما أن هذا الأمير كان في الواقع «تاكيلوت الأول» وأن حكمه مكث على أقل تقدير نحو ثلاث وعشرين سنة (راجع Buraante, Deux. Steles Trouvés à Abydos, Notes addinouelle Rec. Trav. XXVII p. 76).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١