الفرعون «بسوسنس» (باسب خعنوت)١

عا-خبر رع-ستبن آمون مري آمون-باسب خعنوت

ويُعَدُّ هذا الفرعون ثاني ملوك مصر الذين حكموا البلاد في عهد هذه الأسرة، وقد وقع له حادث مشئوم يذكِّرنا بالحادث الذي أصاب الفرعون «توت عنخ آمون» وهو الكشف الحديث عن مقبرته التي وُجدت سليمة، ولكنه مع ذلك أخرجه من عالم النسيان إلى عالم الشهرة ما وُجد معه من أثاث كان في الوقت نفسه سببًا في إقلاق راحته الأبدية، كما حدث لسائر ملوك مصر الذين كُشف عن مومياتهم.

وسنتكلم عن «بسوسنس» أولًا من الوجهة التاريخية، ثم نَصِفُ بعد ذلك مقبرته التي عُثر عليها حديثًا.

فنعرف له زوجتين كلتاهما ابنة «سمندس»، وهما إما أختاه من أبيه وأمه، أو أختاه من أبيه، فالأولى تدعى «استمخب»، وقد رُكِّب اسمها مع اسم بلدة خبيت٢ التي ولد فيها «حور خبيت» ابن وزير في أعالي الدلتا، والثانية هي المتعبدة «لحتحور حنت تاوي»، وهي معروفة أكثر من الأولى؛ فقد كانت بنت «تنتآمون» زوج «سمندس» عندما كان لا يزال وزيرًا، وهاك ألقابها: البنت، والزوجة، والأم الملكية، وأم المتعبدة الإلهية لآمون، وكاهنة الإلهة «موت»، وأم الإلهة «خنسو» الطفل الإلهي. وهذه الألقاب تعبر عن تعبد فريد لآمون ولزوجه ولابنه (أي ثالوث طيبة). وكان زوجها يشاطرها تمامًا عواطفها، فعندما نصب كاهنًا أكبر لآمون وضع هذا اللقب في كل من طغراءيه، وكذلك نجد أن النقوش والعناوين التي حُفرت على مجوهراته وعِصِيِّهِ وأوانيه تبرهن على ولائه الخالص للإلهة «موت»، وقد عُثر في قبره على كأس من الذهب النُّضار كان قد أهداه له «بينوزم» الكاهن الأكبر ابن «بيعنخي». ومن ذلك نفهم أن الأسرتين اللتين حكمتا البلاد كانتا على أحسن ما يكون من صلات الود والمهادنة، غير أنه يلاحظ أن الملك «بسوسنس» كان يحكم صعيد البلاد وريفها جميعًا، وألقابُه تدل على ذلك دلالة واضحة؛ فاسمه العَلَم يعني في الواقع «الثور الشجاع منحة آمون» «والثري الذي يظهر في طيبة»، واسمه الذي يرمز إليه بالنسر والصل هو: «العظيم الآثار في الأقصر»، أما اسم التتويج فعاديٌّ جدًّا: «الكاهن الأول لآمون» أو «عاخبر رع»، واسمه العَلَم هو «باسب خعنوت»؛ أي النجم الذي يظهر في المدينة (أي طيبة).٣ والواقع أن آثار نشاطه كانت بارزة بوجه خاص في «تانيس»؛ فقد أصلح سور مقر الملك الذي كان قد أحدث فيه المحاصرون ثغورًا عظيمة خلال الحروب الأخيرة التي أشرنا إليها (راجع الجزء الثامن).

وفي داخل هذه المدينة أقام جدارين قويين ليكونا بمثابة حاجز يصد أية غارة أخرى يقوم بها الأنجاس وحلفاؤهم على المعبد ومساكنه وجبانته، وكذلك بدأ في إقامة المعبد كما يدل على ذلك ودائع الأساس التي عَثَرَ على جزء منها «مريت» والتي عثر على جزء آخر منها حديثًا «مونتييه». ويدل على مقدار ما لمشروعاته من مزايا قِطَع الحجر الجيري الأبيض المنقوشة والملونة التي عُثر عليها في المعبد الكبير أو في معبد الإلهة «عنتا». وعلى أية حال فإن العمل الرئيسي الذي قام به «بسوسنس» في «تانيس» هو إقامة قبر له على الرمل على مسافة بضعة أمتار من المسلة الأولى للمعبد، فإذا وازنَّا بين قبره وبين أهرام الملوك في «منف» ومقابر الملوك في وادي الملوك ظهر حقيرًا ضئيلًا، ولعل العذر في ذلك أنه أراد أن يجعل مثواه في داخل سور المعبد، وكان هذا المكان محدود المساحة. والقبر يتألف من مبنى منخفض مربع الشكل تقريبًا، أقيم الجزء الشرقي منه من الحجر الجيري، والغربي من الجرانيت، ولم تُقطع أحجاره من المحاجر مباشرة؛ لأن العمال امتنعوا عن قطع الأحجار من المحاجر المشهورة منذ أن قاموا بالإضرابات التي سبق ذكرها، واشتركوا مع أهالي أواريس وجماعات الأجانب في نهب مقابر الملوك وتخريبها في أواخر عهد الأسرة العشرين، ومن أجل ذلك أقيم هذا القبر وغيره من المباني من أنقاض الخرائب التي تخلفت من مدينة «بررعمسيس» و«أواريس».

ويصل الإنسان إلى القبر من بئر مربعة تؤدي إلى ممر، وهذا الممر يوصِّل إلى حجرة بنقوش غائرة ملونة تلوينًا جميلًا تُخفي وراءها الممرات التي تؤدي إلى الحجرتين المصنوعتين من الجرانيت، ولكنهما كانتا مسدودتين بأحجار من مسلات، ومن ثم إلى ضريح صغير من الحجر الجيري لا تزال النقوش الغائرة التي على جدرانه حافظة لرونقها بحالة مدهشة، وهذا المأوى الجنازي كان على حسب المعتاد — كما دل الفحص وقتئذ — مخصَّصًا لأشخاص عديدين. وإذا كان ضريح «بسوسنس» بذاته قد روعيت قداسته؛ فإن الأضرحة الأخرى قد تناولتها يد الإنسان بالعبث؛ فنجد في الضريح الصغير المصنوع من الحجر الجيري أن اسم ساكنه الأول وصُوَرَه قد محيت، وفي الحجرة الأولى وُجدت أواني أحشاء وتماثيل صغيرة جنازية لعدة أشخاص مكدسة على غير نظام أو ترتيب تقرأ عليها اسم ابن ملكي لرعمسيس يدعى «عنخف نموت»، وهذا الأمير بالذات قد صنع للفرعون «بسوسنس» قدحًا من الفضة ممهورًا باسمه. ثم مدير معبد «خنسو» ويدعى «أوندباوندد» وقد عثر على قبره فيما بعد. وكذلك وُجد من بين تابوتين مصنوعين من الخشب المذهب تابوت الملك «حقا-خع خبر شيشنق» المصنوع من الفضة، والظاهر أن أيديًا أمينة وضعته في هذا المكان بعد مضي قرنين من دفن الفرعون «بسوسنس».

أما «بسوسنس» نفسه فنعلم كما أسلفنا أن قِطع الجرانيت والحجر الجيري الخاصة بقبره قد أُخذت من الخرائب المجاورة؛ فلدينا التابوت الضخم المصنوع من الجرانيت الوردي والمزين بصورة فخمة لأوزير مضطجعًا على ظهره، وبصورة الإلهة «نوت» إلهة السماء مرسومة رسمًا بارزًا، وكذلك زُين برسوم غائرة، هذا إلى التابوت الداخلي المصنوع من الجرانيت الأسود. والتابوتان ليسا من القطع الفنية الأصلية التي صُنعت لهذا الفرعون بخاصة، فنجد مثلًا أن طغراءات «بسوسنس» العديدة قد نُقشت نقشًا غائرًا؛ مما يبرهن على أن طغراء المالك الأول الذي كان على التابوت قد محيت، وقد وجدت بعض إشارات في داخل الطغراءات وبخاصة في صورة العلامة الدالة على كل من الإلهين: «بتاح» و«رع»، وبالفحص وُجد أن الأسماء التي مُحيت كانت على وجه التأكيد تقريبًا هي أسماء الفرعون «مرنبتاح»، وقد ترك المغتصب سهوًا طغراء على حزام صورة أوزير التي على التابوت للملك «مرنبتاح»؛ مما يقدم لنا برهانًا قاطعًا على أن التابوت لم يكن في الأصل للفرعون «بسوسنس». وعلى ذلك يمكن القول بأن الفرعون «مرنبتاح» كان قد أمر ببناء مقبرة له في جبانة «تانيس» العاصمة الثانية الدينية وأمده بتابوت فخم، غير أنه على ما يظهر قد تركه بدون استعمال؛ وذلك لأننا وجدنا أن «مرنبتاح» قد دُفن في مقبرة فخمة حفرها لنفسه في طيبة الغربية بوادي الملوك، وقد نُقلت جثته كما ذكرنا آنفًا (راجع الجزء السابع) إلى خبيئة «الدير البحري»، والأثاث الجنازي الذي وجد في هذا القبر — إذا استثنينا بعض القطع وبخاصة إبريق من الذهب من عهد الملك «أحمس الأول» وموقد من البرنز من عهد «رعمسيس الثاني» — كله من صناعات الصياغ والنحاتين من عصر الأسرة الواحدة والعشرين.

وهذه الصناعات تضارع في إتقانها ودقتها صناعات الدولة الحديثة الممتازة بأناقتها؛ فالنقوش الصغيرة التي حُفرت على الأواني والأسلحة والمجوهرات قد أبرزت لنا فعلًا ألقابه كاملة، وكذلك أسماء والديه وزوجاته، وقد أدهشنا كمية الذهب التي وجدت في أثاثه، وكذلك كانت دهشتنا عظيمة لِمَا وُجد من حجر اللازورد بكمية عظيمة في هذا القبر؛ فقد عُثر على اثني عشر قلبًا وجعلًا، هذا إلى مائة خرزة من هذا الحجر بين صغيرة وكبيرة، وقد نُظِمَ من كل هذا عقدان، ونُقِشَ على محبس أكبرهما — وهو المصنوع من الذهب: «الملك «بسوسنس» قد صنع عقدًا من اللازورد الحقيقي مما لم يعمل مثله ملك.» ونحن نعلم أن اللازورد ليس من أحجار الصحراء المصرية، وقد جلبه القدامى والمحدثون على السواء من بلاد «أفغانستان» كما ذكر ذلك الأستاذ «لوريه». والواقع أن لدينا حبة صغيرة من حبات العقد الصغير قد مُيِّزَتْ من بين أترابها لا بلونها الأزرق المنقطع النظير فحسب، بل بوجود ثلاثة أسطر متوازية بالخط المسماري نُقشت على سطحها بدقة متناهية، وكنا نأمل أن يصل علماء اللغة البابلية إلى حل رموز هذه الحبة ومعرفة اسم الملك المحالف لمصر الذي أرسل هدية اللازورد، غير أن البحث لم يسفر عن حقيقة تشفي الغلة، ولكن مع ذلك يمكن أن نسجل هنا أن الملك «بسوسنس» كان له علاقات مع ملك آسيوي على أية حال.

ويقول «مونتيه»: إن الملك «بسوسنس» قد اشترك معه في أواخر حُكمه مَلِك يُدعى «نفر كارع حقا واست» (ملك طيبة) ابن الشمس «أمنمسوت» (آمون ملك)، وقد نُقش طغراءا هذين الملكين معًا على منزعَتَيْنِ (كَمَّاشَتَيْنِ) من الذهب يحتمل أنهما كانتا تغطيان طرفي قوس. والمقصود هنا من الملك الجديد — بطبيعة الحال — هو نفرخرس Nefercheres الذي حشره «مانيتون» في الأسرة الواحدة والعشرين بعد «بسوسنس» وقبل الملك «أمنمأبت»، ولم نكن نعرف كتابة اسمه بالمصرية القديمة حتى هذا الكشف الجديد، ولكن جاء الأثري «جردزلوف» وعارض «مونتيه» في هذا الرأي، وجعل «نفر كارع» قبل «بسوسنس» كما سنرى بعد.٤

(١) مقبرة الملك «بسوسنس» ومحتوياتها

والآن نتحدث عن مقبرته بشيء من التفصيل لأهميتها: كان الكشف عن المقابر الملكية الخاصة بفراعنة الأسرتين: الواحدة والعشرين والثانية والعشرين أكبر حادث لفت أنظار علماء الآثار في عام ١٩٣٩، وقد عُثر على مقابر هؤلاء الملوك في جبانة «تانيس»، ويُعد هذا الحادث في نظر علماء التاريخ انتقالًا مدهشًا في تاريخ البلاد السياسي والديني؛ فقد ظل ملوك الأسرات السابقة يُدفنون في «وادي الملوك» حتى نهاية الأسرة العشرين، ثم استمر من بعدهم رؤساء كهنة «آمون» الذين استقلوا بالملك في الوجه القبلي يُدفنون في «طيبة» الغربية خلال الأسرة الواحدة والعشرين، على حين كان فراعنة مصر يُدفنون في مدينة «تانيس» التي اتخذها «سمندس» ومَن بعده مِن ملوك هذه الأسرة مقرًّا لملكهم كما دلت الكشوف الحديثة على ذلك. ولعل السبب في ذلك يرجع أولًا إلى أن «تانيس» كانت قد أصبحت العاصمة السياسية للبلاد، كما كانت تتمتع بشهرة عظيمة من الوجهة الدينية، يضاف إلى ذلك أن الفقر الذي شاع وعمَّ حَدَا بالناس إلى نهب مقابر الملوك وعظماء القوم، وإلى الاستيلاء على ما فيها من ذهب وآثار ذات قيمة، حتى إن كهنة «آمون» لم يكن في مقدورهم حماية هذه المقابر من عبث العابثين، فنقلوا موميات هؤلاء الفراعنة إلى أماكن مجهولة، وكذلك موميات مَن تُوفي مِن الكهنة العظماء أنفسهم؛ فقد أُخفيت مع ملوك الدولة الحديثة، وبقيت كذلك حتى كُشف عنها حديثًا على يد أحفاد اللصوص القدامى الذين لم يتورعوا عن نهب ملوكهم الذين يعبدونهم ويؤلهونهم في حياتهم ومماتهم، وبذلك ضربوا أكبر مثل للنفاق الإنساني الذي نجده يُمَثَّل في كل أطوار التاريخ، ولا غرابة في ذلك؛ فإن الأصفر الرنان كان — ولا يزال — فتنة الإنسان، وقد استوى في ذلك الفقير المحتاج، والملك صاحب الثراء والتاج. ولقد كان للمصريين أكبر العذر في ذلك في هذه الفترة من تاريخ البلاد؛ إذ كان الفقر من جهةٍ ضاربًا أطنابه في طول البلاد وعرضها، كما كانت الثورات قائمة على قدم وساق تهب في جنوبي الوادي وشماله؛ مما أدى إلى وقف العمل في كل مرافق الحياة، وعَجَزَ الفرعون عن دفع أجور العمال مما دعاهم إلى الإضراب عن العمل في حفر مقابر الملوك، وبذلك أصبحوا وليس لديهم ما يسدون به رمقهم، وهذا ما جعلهم يفكرون في الحصول على المال بأية وسيلة، فقاموا — وعلى رأسهم رجال الدين وحراس الجبانة الملكية — بنهب مقابر الملوك الذين كانوا بالأمس يعبدونهم ويحافظون على مقابرهم. وهكذا اضطر ملوك الأسرة الواحدة والعشرين — على ما يظهر — إلى أن يبعدوا مومياتهم وما معها من أثاث ثمين عن خطر أولئك اللصوص الذين أصبحوا لا يرعون عهدًا ولا ذمة، هذا بالإضافة إلى أنهم كانوا يرون أن دفنها في جبانة العاصمة التي يسكنونها فيه صيانة وحفظ لها. ولقد كان هذا الإجراء من جانب ملوك الأسرة الواحدة والعشرين في «تانيس» ذا فائدة عظيمة لتاريخ مصر؛ إذ أبقت لنا يد اللصوص مقابر بعض ملوك هذه الأسرة وما بعدها حتى الآن محفوظة سليمة مما سهَّل علينا معرفة ما كانت عليه البلاد من فقر وغنًى، وما وصل إليه الفن في ذلك العهد. هذا إلى أن هذه الكشوف قد أجْلَت لنا بعض النقط التاريخية التي كانت غامضة، ولعل الأيام القريبة المقبلة تكشف لنا عن سائر ملوك هذه الأسرة الذين حكموا في الدلتا.

وقد كان من أهم المقابر التي كُشف عنها قبرُ الفرعون «بسوسنس الأول»، ويقع هذا القبر وغيره من مقابر الملوك التي كشف عنها حديثًا داخل أسوار المعبد العظيم الذي أقامه في الأصل «رعمسيس الثاني» (انظر صورة رقم ٧). وقد كان أول قبر ملكي كُشف عنه في هذه البقعة هو قبر الملك «أوسركون الثاني» أحد ملوك الأسرة الثانية والعشرين؛ فقد وُجد أن سقف مقبرة «أوسركون» كان ممتدًّا من جهة الشمال بوساطة كتل من الحجر الضخم الصلب تغطي سقف مقبرة أخرى دل الكشف بعد التنظيف على أنها مقبرة الملك «بسوسنس الأول».

ولم يكن بد من العمل المتصل مدة أسبوعين لإزالة مبنًى مقامٍ فوق هذا السقف من الحجر الجيري يبلغ عرضه ستة أمتار ونصف متر، وارتفاعه أحد عشر مترًا، وكانت الكتل التي يتألف منها سقف هذا المبنى من الحجر الجيري، وقد بنيت على هيئة سلم ضخم، وقد لُحِظَ أن المسافات بين كل حجر وأخيه قد سُدت بدقة بالجص، ولم يلاحَظ في السقف كسر أو أثر لثقب.

وقد كانت الطريقة الوحيدة لاقتحام القبر الذي كان يُعتقد أنه سليم هي خلع الكتل التي يبلغ طول الواحدة منها أربعة أمتار، وبعد أن نزعت كتلة عظيمة وجدت البئر التي كان يؤدي بابها إلى القبر الذي وجد مبنيًّا، وعند فتح هذا الباب وُجد أن القبر يحتوي أولًا على حجرة صغيرة تبلغ مساحتها أربعة أمتار في مترين تقريبًا، وقد زُينت جدرانها بالنقوش وصور الآلهة، كما وجد منقوشًا عليها مرات عدة طغراءات الفرعون «عاخبررع بسوسنس». وفي هذه الحجرة الخارجية وجد تابوت الملك «شيشنق» — لا تابوت الملك «بسوسنس» — ومعه ثروة جنازية عظيمة سنتحدث عنها فيما بعد عند الكلام على الأسرة الثانية والعشرين.

وبعد أن نُظفت هذه الحجرة ونُقلت كل أمتعتها إلى المتحف المصري وُجدت — بعد فحص بسيط في جدارها الخلفي — فتحتان مربعتان مبنيتان ومزينتان بالنقوش الغائرة، وقد نزعت أولًا قطع الحجر التي تخفي مدخل الحجرة الشمالية فوُجد ممر خلف هذه الأحجار غير أنه كان مسدودًا بقطعة حجر من مسلة مصنوعة من الجرانيت بإحكام، وقد نزعت بعد عدة محاولات، وظهر أن المصريين عندما أدخلوا قطعة الجرانيت هذه في الممر لسده كانوا قد وضعوها على أسطوانتين صغيرتين من البرنز لتنزلق السدادة بسهولة، وقد وُجدتا سليمتين وقامتا بوظيفتهما خير قيام.

ويؤدي هذا الممر إلى حجرة ضيقة طويلة وُضع فيها تابوت من الجرانيت الوردي شغل نصفها، وعلى غطاء هذا التابوت نُحتت صورة الفرعون «بسوسنس» مضطجعًا على ظهره قابضًا بيديه على صولجان الملك وسوط أوزير وخلفه آلهة صغيرة راكعة تُرَبت حديه بكلتا يديها، وعلى صدر الملك مضخة من الذهب البراق، وتغطي جدران هذه القاعة نقوش وصور آلهة، وقد شوهدت في النصف الأول من الحجرة قطع من الأثاث عديدة؛ ففي ركن الجهة اليمنى وجد هيكل حيوان وإناء كبير من المرمر مختومًا وأربعة أواني أحشاء، رأس كل منها ملون باللون الأزرق والذهبي ومحلًّى بِصل من الذهب، وفي وسط الحجرة قطعة من الحجر الجيري خشنة وضعت بين هذه الأشياء والتابوت، وأمام قطعة الحجر هذه كُدِّست مئات من التماثيل الصغيرة، وقد خُيِّل للإنسان أنها كانت في الأصل موضوعة في صندوقين رُكِّبا على رقعة الحجرة، وأخيرًا يلفت النظر على اليسار حامل طويل من الفضة رُكِّب فيه «طشت» موضوع على موقد مربع من البرنز، ووضع على قطعة الحجر ثلاث أوان بالقرب من الحامل، وكذلك وجد على اليسار بالقرب من المدخل أشياء من المعدن ظهر للكاشف في بادئ الأمر أنها تشبه الكنز الذي عثر عليه في «بوبسطة» ملقاة على رقعة الحجرة المصنوعة من الجرانيت.

والواقع أن المحصول الذي جُمع من هذا القبر كان فخمًا فاق ما عُثر عليه في الحجرة الخارجية لمقبرة هذا الفرعون؛ فقد حَفِظَ لنا تابوته الذي يحمل رأس صقر كلَّ محتوياته الثمينة كاملة، ولكن أواني الأحشاء والتماثيل الجنازية الصغيرة التي نقش عليها أسماء مختلفة برهنت على أن هذا الجزء من القبر قد عبثت به يد الإنسان مرات عدة بين العهد الذي بني فيه وعهد «شيشنق الثاني». وبعد ذلك نجد أنفسنا في ضريح «بسوسنس» الذي عمل له بخاصة ولم يستعمله غيره. وتدل شواهد الأحوال على أن أحدًا لم يدخله منذ أن خرج منه الكهنة تاركين مضخة الخشب المذهَّبة على يدي الملك المضطجع.

وبعد نقل كل محتويات الحجرة كُشف غطاء التابوت، وقد كان مزيَّنًا من أسفله بصورة للإلهة «نوت» نحتت نحتًا مدهشًا، وزُين جسمها بنجوم وامتدت ذراعاها إلى جانبيها، وساقاها ملتصقتان، وتحرسها السفن النجمية. وكان يوجد في التابوت نفسه تابوت آخر من الجرانيت الأسود مُثِّل على غطائه بالحفر صورة الفرعون أمام الإلهة «نوت» وجسمها ممتد فوق جسم الملك كأنما تريد أن تفتنه بجمالها، كما أن الملك لم يألُ جهدًا في تأمل جمال هذه الإلهة (صورة رقم ٢). وقد ظل الملك المتوفى سويًّا مع تلك الإلهة السماوية منذ ثلاثة آلاف سنة في هذا السجن الحجري. وعند إزالة الغطاء الثقيل الذي كان على هذا التابوت ظهرت مجموعة من الأسلحة والصولجانات موضوعة في التابوت المصنوع من الجرانيت الوردي، وعلى امتداد التابوت الثاني المصنوع من الجرانيت الأسود، ثم على غطاء التابوت الأخير.
وبعد ذلك تابوت ثالث من الفضة في صورة قراب لمومية منقوش كله، وكان الملك يضع شريطًا من الذهب على جبينه وقد برز من شعره المستعار صل ملكي، وكان يقبض بيديه المطويتين إلى صدره على السوط والصولجان، وقد كان التابوت المصنوع من الفضة يملأ بإحكام تابوت الجرانيت الأسود الذي وُضع فيه، وكان الغطاء مثبتًا في التابوت بعدة دُسُرٍ من المستحيل نزعها أو نشرها لضيق المكان، ولُحِظَ من جهة أخرى أن الغطاء إذا كان في حالة سليمة، فإن التابوت المصنوع من الفضة لم يكن سليمًا؛ لأن الرطوبة كانت تغمر القبر بدرجة جعلت الماء يتدفق من الجدران، وقد نفذت هذه الرطوبة إلى التابوتين المصنوعين من الحجر، وتجمدت داخل التابوت المصنوع من الجرانيت الأسود واجتاحت الفضة وجعلتها هشة، وقد تراكمت طبقة من الأكسيد في قعر هذا التابوت المصنوع من الفضة مما جعله يلتصق بالتابوت المصنوع من الجرانيت الذي كان فيه، وعندما بُدئ برفع التابوت الفضي انفصل قعره عن جسمه، ولكنَّ كلًّا من غطائه وجداريه كان سليمًا تقريبًا، وبعد ذلك بُدئ في أخذ ما على هيكل «بسوسنس» من حلي؛ فنُزع منه أولًا قناع فصِّلت فيه قسمات وجه «بسوسنس» بصورة مدهشة، وقد صيغ هذا القناع من الذهب، ثم صفيحة رقيقة من الذهب المنقوش كانت تغطي جميع الجسم، وكذلك نُزع عن المومية اثنا عشر سوارِ ذراعٍ من ذراعه اليسرى، وعشرة أخرى كانت في الذراع اليمنى، ثم أغطية أصابع اليد، هذا إلى ثلاثين خاتمًا. وكل هذه المجوهرات كانت من الذهب المطعَّم بالأحجار. وقد سبَّب إدخال المومية في الضريح وتحطيم الحبال المصنوعة من الجلد والنسيج عدم بقاء القلائد والجعارين والصدريات التي كان يتحلى بها «بسوسنس» منظمة، وقد جمعت آلاف القطع الصغيرة والخزف من الذهب واللازورد هذا إلى ستة مشابك قلائد من التابوت، وقد نظمت ثانية كل هذه القطع بسرعة حتى أمكن رسمها (صورة رقم ٤، ٥، ٦).

وأخيرًا وجدت على المومية صدريتان مفرغتان، وأربعة جعلان كبيرة، ولوحة صغيرة من الذهب منقوشة، وبعض تمائم، وكذلك وجد على الساق سواران، وعُملت أغطية أصابع الرجلين على شكل حُقٍّ من الذهب، وأخيرًا وجد مع المومية خُفَّان من الذهب أيضًا. وبذلك تمت هذه المجموعة المدهشة. وقد حفظ «بسوسنس» لنفسه الحجرة الشمالية من هذا المبنى المقام من الجرانيت، وهي التي وصفنا محتوياتها، أما الحجرة الجنوبية فكانت لملكة تدعى «موت نزم».

(١-١) حجرة الملكة «موت نزم»

وقد وُجد فيها تابوت من الجرانيت الوردي عليه اسم الملكة الذي جاء بعد ذكر طغراءي الفرعون كما يأتي: ملك الوجه القبلي والوجه البحري «عاخبررع ستبن آمون» ابن الشمس «محبوب آمون بسوسنس».

والزوجة الملكية والأخت الملكية ربة الأرضين «موت نزم».

ونجد اسم «موت نزم» هذه في غير هذا المكان على غطاء تابوت من الجرانيت موضوع في الحجرة الثانية، وكذا على الجدار الخلفي لهذه الحجرة، وقد هُشِّمَتْ نقوشها ووضع مكانها نقوش باسم الملك «أمنمآبت»، ولكن المغتصبين لقبرها لم يفطنوا إلى أن ألقاب الملكة كلها كانت مكتوبة على جانب التابوت الملتصق بالجدار الخلفي من الحجرة. ويكشف هذا النقش الهام سر حقيقة هذا التابوت: «أوزير الكاهنة الثانية لآمون ملك الآلهة، والزوجة الملكية الأولى والعظمى لجلالته، والراهبة الأولى لآمون ملك الآلهة، والمديرة العظمى لبيت «موت» العظيمة سيدة «أشرو»، وكاهنة موت العظيمة، وسيدة «أشرو»، وكاهنة «خنسو» الطيبي صاحبة الراحة الجميلة، والأم الإلهية «لخنسو» الطفل الأول العظيم لآمون.

والبنت الملكية، والأخت الملكية، والزوجة الملكية، وسيدة الأرضين «موت نزم» صادقة القول لدى أوزير.»

ولو لم تكن لدينا معلومات أخرى سابقة عن الملكة «موت نزم» لَخُيِّل إلينا أنها زوج الملك «بسوسنس»، غير أنها في الواقع كانت أمه؛ إذ وجد على إبريق من الذهب في مقبرة «بسوسنس» نقوش تقدم لنا البرهان على ذلك وهي: «الملك الطيب رب الأرضين وسيد القربان، الكاهن الأول «لآمون بسوسنس»، والتي أنجبته الزوجة الملكية العظيمة ربة الأرضين «موت نزم».»

وقد جاء نفس هذا المتن مع بعض اختلاف بسيط فيه على سوارين للملك «بسوسنس» (راجع Kemi, IX, Inv. No. 539 St 549). ومن المعلوم من جهة أخرى أن «بسوسنس» كان ابن «سمندس» مؤسس الأسرة الواحدة والعشرين. وفي الوقت الذي قام فيه «ونآمون» بسياحته المشهورة كانت زوج «سمندس» تدعى «تنت آمون» وفيما بعد تزوج من «موت نزم» التي كانت ابنة ملكية؛ أي إنها بطبيعة الحال تُنْسَب إلى أسرة «رعمسيس الحادي عشر» آخر ملوك الرعامسة. ومن المعلوم بداهة أن مؤسسي الأُسَر كانوا لا يترفعون عادة عن الزواج من ابنة ملكة من الملوك الذين خلفوهم على العرش، وسنرى مثالًا لذلك فيما بعد في زواج «أوسركون» الأول من ابنة «بسوسنس الثالث (؟)» آخر ملوك الأسرة الواحدة والعشرين.
وقد كانت أم الملك دائمًا في مصر شخصية لها احترام عظيم جدًّا، ولا أدل على ذلك من أننا نجد أقدم المؤرخين يذكرون بعد اسم الفرعون في الأسر المصرية الأولى اسم الأم الملكية.٥
وقد ظهر كذلك من نقوش مقبرة «بسوسنس» اسم شخصية أخرى ثالثة وهو «عنخف نموت»، ويلقب على حسب ما جاء على إحدى أواني أحشائه: «القائد الأول لجيش جلالته، والمدير العظيم لبيت «آمون رع» ملك الآلهة، وابن الملك لرعمسيس.» (راجع Kemi IX p. 30)، ويحمل ألقابًا أخرى تُذَكِّرُنا بالنقوش التي على تابوته: الرئيس الأعلى للخيل لآمون ملك الآلهة، وسائق العربة الأول العظيم لجلالته، وكاهن الإلهة «موت» سيدة «أشرو»، ورفيق سيد الأرضين.» وقد آمر هذا العظيم بعمل إناء من الفضة للملك وأمه، عُثر عليه في ضريح «بسوسنس» بين الأواني المصنوعة من الذهب والفضة التي كانت في تابوته (صورة رقم ٨) (راجع Inv. No. 408 ef. Mon. Piots). والآن يتساءل الإنسان: هل كان لهذا القائد العظيم علاقة أسرية مع «بسوسنس»؟ وهذا جائز، غير أنه ليس لدينا عن هذا النسب معلومات قاطعة، ويُخَيَّل إلينا أنه يمكن توحيده مع رابع أولاد «بيعنخي» الكاهن الأكبر لآمون في طيبة (ابن حريحور) الذي يسمى كذلك «عنخف تموت» وهو الذي يحمل ألقابًا مشابهة كثيرة له (راجع L. R. III. p. 243). ونحن نعلم من جهة أخرى أن الأسرة المالكة وأسرة الكهنة العظام لآمون في طيبة كانتا على غاية من الود والمهادنة، كما كانتا ترتبطان معًا بالزواج في كثير من الحالات. ومهما يكن من أمر فإنه عندما تم العزم — على ما يظهر — على دفن هذا الرجل العظيم في قبر الملك في أثناء حياة «بسوسنس»، فإنه وُسِّع من جهة الجنوب البناءُ الذي كان مُقامًا من الحجر الجيري لأجل أن تُجَهَّز فيه حجرة صغيرة له موصلة إلى المدخل، وهذه الحجرة الصغيرة قد زُينت بالنقوش الغائرة الملونة، وقد مُثِّل «عنخف نموت» على جدرانها أربع مرات يتعبد للإله «آتوم وحوراختي» على الجدار الخلفي وهو يقرأ أناشيد نقشت على الجدران الجانبية، وقد زين له تابوت بالنقوش الغائرة مصنوع من الجرانيت الوردي وغُطِّي بغطاء من حجر البازلت.

هذه كانت الحالة الأولى للمقبرة، وقد بقيت حجرة دفن «بسوسنس» لم تُمَسَّ قط حتى كُشف عنها في أيامنا هذه، ولكن من جهة أخرى لم تتمتع الملكة ولا ابن الملك «لرعمسيس» مدة طويلة في هدوء بمثواهما الأبدي؛ إذ تدل شواهد الأحوال على أن الملك «أمنمآبت» الخلَف الثاني للملك «بسوسنس» جهز لنفسه مقبرة صغيرة في الجهة الشمالية الغربية من مقبرة «بسوسنس»، وقد دفنت فيه فعلًا موميته، غير أنه في عهد غير معروف لنا قد تقرر نقله إلى ضريح الملكة «موت نزم» فنُزعت قطعة الحجر التي تُخفي المدخل المؤدي إلى الممر الذي ينتهي بالضريح، وبعد ذلك نقلت مومية «موت نزم» وأثاثها الجنازي، ثم هُشِّمَتِ النقوش التي جاء فيها اسم «موت نزم» وبخاصة الظاهرة للعيان، ثم نقل تابوت «أمنمآبت» الخشبي المذهَّب الذي كان يشمل تابوبتًا آخر فيه المومية، ولكن التابوت الخارجي «لأمنمآبت» كان كبيرًا لا يمكن إدخاله في تابوت الملكة «موت نزم»؛ ولذلك تُرك في الجزء الخارجي من الضريح، ووُضع صندوق أواني الأحشاء وصندوق التماثيل المجيبة وإناء من الذهب وأوانٍ من الفضة والنحاس وآنية عظيمة من المرمر كل هذه نُظِّمَت على نسق أثاث «بسوسنس» تقريبًا أمام التابوت الحجري، وكذلك سُدَّ الممر بقطعة من مسلة، وبني المدخل وزينت قطع أحجار السدادات بمنظر يمثل «أمنمآبت» الذي احتل القبر وهو يقدم القربان لأوزير. أما الحجرة التي كانت مجهزة لأجل «عنخف نموت» فقد احتُلَّت، يدل على ذلك أننا وجدنا في حجرة المدخل آنية أحشاء باسمه. وعلى أية حال فقد وجدنا التابوت خاويًا تمامًا، وكذلك هُشم اسمه من على جدران الحجرة وبقي على جدران التابوت، ولا يرجع ذلك إلى خطأ المغتصبين؛ لأن مساحة التابوت كانت تعادل بالضبط مساحة الحجرة؛ لدرجة أنه لم يُعرف أن جدرانها كانت مزينة بالنقوش.

والآن نعود إلى وصف بعض ما وُجد في قبر الفرعون «بسوسنس».

(١-٢) النقوش الغائرة

قُسِّمت جدران حجرة المدخل ثلاثة صفوف أفقية؛ ففي الصف الأعلى مَتْنَانِ متضادان في اتجاههما ويتقابلان في منتصف الجدار الغربي، وينتهيان في منتصف الجدار الشرقي، وهذان المتنان خطبتان قيلتا في مدح الملك «بسوسنس» نَطَقَ بهما الآلهة الذين كانوا في ركاب الإله أوزير، ونطق بهما كذلك الآلهة الذين كانوا في حاشية الإله الممثَّل في صورة كبش (آمون)، وهذه الآلهة تشغل صورها الصف الثاني من الجدران؛ فالآلهة أصحاب الشمال كانوا يمشون نحو اليسار على حسب اتجاه الهيروغليفي الذي يتحدث عنه، والآلهة أصحاب الجنوب قد رُسموا في الجهة المقابلة، وتتقابل صورهم مثل النقوش في وسط الجدار الغربي. وقد نقشت الإشارات الهيروغليفية نقشًا متقَنًا، وكذلك مُثِّل الأشخاص بكل دقة وعناية، ولُوِّن الجميع باللون الأزرق المتناسق. ومن الأشكال السارة التي تسترعي النظر من بين هذه صورة الإلهة «تواريس»، وصورة الطائر الذي يمثِّل الروح «فتكس»، وصورة الإله «بس» والأطفال الجالسين في الهواء القابضين على سحليات وثعابين. أما النقوش التي في الصف الأسفل فأقل جودة بكثير عن السابقة، وهذا فضلًا عن أن ماء الرشح قد تسرب إليها وأتلفها. ويلاحظ فيها أن «بسوسنس» يقدم الخبز للإله «حوراختي» ولسيدة الغرب، وقد صورت بجسم امرأة ورأس ثعبان على الجدار الشرقي، وفي الجهة الشمالية نشاهده يقدم رغيفًا للإله «أوزير».

وفي الجهة الغربية نرى «أوزير» تساعده إلهتان يتقبَّلُ تحيات «بسوسنس». هذا، ونشاهد من جهة أخرى الإله «سكر» ممثَّلًا في صورة صقر متوجًا بالتاج «أتف» وهو واقف على مذبح، ويفصل المنظر السابق عن منظر آخر من نفس الطراز، وفيه نشاهد الملك الفرعون «أمنمآبت» أمام «أوزير» و«إزيس»، وهذان المنظران هما اللذان أشرنا إليهما بأنهما يخفيان وراءهما مدخل الممرين المؤديين لضريحي الملكين «بسوسنس» و«أمنمآبت».

(١-٣) التوابيت

وُجد للفرعون «بسوسنس» أربعة توابيت، وقد تحدثنا من قبل عن الجمال الخارق للعادة الذي امتاز به تابوتا «بسوسنس» وغطاءاهما، وهما اللذان مثل عليهما الفرعون بطريقة بسيطة اتحاد الملك المتوفى مع إلهة السماء «نوت»، وهذان التابوتان المصنوعان من الجرانيت ليسا للفرعون «بسوسنس» في الأصل، كما أنهما ليسا من صنع الأسرة الواحدة والعشرين. حقًّا، إن الطغراءات التي تزين النقوش التي في داخل التابوتين والتي في خارجهما هي لهذا الفرعون، ولكن دل الفحص على أن الطغراءات الأصلية التي كانت عليهما قد محيت ونُقش بدلًا منها، غير أن المغتصبين الذين قاموا بهذا العمل قد تركوا إشارات تدل على اغتصابهم، بل أظهرت لنا في الواقع أن صاحب التابوت الأصلي هو الملك «مرنبتاح» بن «رعمسيس الثاني».

(١-٤) التابوت المصنوع من الفضة

وقد حُفظ لنا في مقبرة «بسوسنس» تابوتان من الفضة في حالة سليمة تقريبًا؛ أحدهما للملك «بسوسنس» نفسه، والثاني للملك «شيشنق»، وهما على هيئة غلاف للمومية، ولكنْ هناك فرق ظاهر يلفت النظر بين هذين التابوتين، وذلك أن تابوت الملك «شيشنق» له رأس صقر، وتابوت «بسوسنس» له رأس إنسان يكاد يكون حيًّا؛ لفرط دقة صنعه! رُكِّبت فيه عينان وحاجبان، وله قسمات تدل على شرف المَحْتِد والنضارة، ويحيط به لباس «نمس» (كوفية) يعلوه شريط وصل ملكي من الذهب، ولحيته المستعارة مثبتة بأربطة. ولم يمثَّل بهذه الصورة عن طريق الصدفة، بل إن ملوك الأسرة الواحدة والعشرين كانوا يقدسون الإله «آمون» — الذي كان يمثَّل في صورة بشرية — تقديسًا خاصًّا، حتى إنهم وصلوا في ذلك إلى إهمال الآلهة الآخرين.

ويلاحظ أن غطاء تابوت «بسوسنس» لم يكن الغطاء الفضي وحده المغطى بنقوش هيروغليفية، بل كانت هذه النقوش تعم التابوت نفسه، وقد كانت كالعادة فيغطي صدر الفرعون لباس كالدرع، ويتبع ذلك ثلاثة طيور منتشرة الأجنحة، ثم نقش في سطرين ينتهي عند القدم، وهذا النقش صلوات يقدمها الفرعون لأمه «نوت»؛ لتجعله بين النجوم التي لا تفنى (النجم القطبي) والنجوم التي لا تغيب (أي النجوم السيارة).

وعلى قعر التابوت من الخارج مثِّلت صورة رائعة للإلهة «نوت» ناشرة جناحيها لتحمي مومية الفرعون، وحول حافة التابوت نقش متن أفقي.

(١-٥) أغطية المومية

دل الفحص على أن الاستعمال لأغطية المومية كان يتغير، كما يلاحظ ذلك في الأسرتين الواحدة والعشرين، والثانية والعشرين، فنجد أن مومية الفرعون «بسوسنس» كانت مكسوة كلها بالذهب، فقد كانت تلبس غطاء رأس فاخرًا يغطي الرأس حتى الصدر، وقرابًا نصف أسطواني يغطي الجسم حتى القدمين. وغطاء الرأس هذا يمثل «بسوسنس» في صورة فتى ذي عينين مفتوحتين تمامًا، عليه سيما الملك، ويُحَلِّي جبينَه صل من الذهب الصلب بارز من تحت تاجه، ولحيته مجدولة ومثبتة في ذقنه، وتُشاهَدُ اليدان تقبضان على الصولجان والزخمة على القراب، ثم طائر برأس كبش. وفي الطرف الآخر تجلس كل من «إزيس» «نفتيس» على مقعد من الذهب. وقد قُسِمَتِ المسافة التي بين ذلك قسمين بكتابات هيروغليفية.

(١-٦) القلائد

وجد مع مومية «بسوسنس» ما لا يقل عن ست قلائد عظيمة، وهي تختلف في منظرها، غير أنها كلها من عناصر واحدة، فتتألف الواحدة من صف أو عدة صفوف من الخرز أو قطع الحلي الصغيرة، ومشبك، ثم عذبة من الذهب منتشرة على الظهر.

وقد نُقش على أحد مشابك هذه القلائد من الجهة المسطحة متن يقول: «إن الملك «بسوسنس» قد عمل عِقدًا عظيمًا للرقبة من اللازورد الحقيقي لم يَعمل مثله أي ملك.»

وهذا المشبك عبارة عن صندوق صغير مستطيل ومسطح من الجهة المنقوشة، وغليظ من طرفيه، ومثقوب من جانبيه بثقبين لتنتظم فيه الخيوط التي نظم فيها ثلاثون خرزة كبيرة من اللازورد، وخرزتان من الذهب، وفي أسفل المشبك ركِّبت خمس حلقات في خط مستقيم مفصولة بمسافات توضع فيها خمس حلقات أخرى تنتهي بخمس سلاسل، ويخترق عشر الحلقات هذه دبوس قوِّست طرفاه، وتنقسم السلاسل حلقات يجد الإنسان في كل منها زهرة في البداية وأخرى في النهاية، ومن كل هذا يتألف شبه طاقة مقلوبة يبلغ عدد زهراتها ستين، يحدث عند كل حركة صوت له رنات ممتعة.

وكذلك وُجدت قلادة أخرى مؤلفة من كُرَات من اللازورد والذهب، ومشبك من نفس الطراز السابق، غير أنها أقل حجمًا وبدون شرابة، وقد عوَّض صِغَرَها وجودُ كرة من اللازورد الأزرق اللامع يزينها ثلاثة أسطر متوازية من الخط المسماري. ومما يؤسف له أن حل رموزها لم يسفر عن نتيجة مُرضية؛ إذ قد كان المَظْنون أنها ستحدثنا عمن أرسل قطع اللازورد هذه من البلاد الآسيوية، كما ذكرنا ذلك من قبل.

وأفخم قلادة من الذهب عثر عليها في قبر هذا الفرعون تتألف من مشبك على هيئة حُقٍّ مسطح حلي وجهاه بطغراءي «بسوسنس»، ونعوته المنقوشة بإشارات هيروغليفية مطعمة من الوجه، ومحفورة حفرًا بسيطًا من الظهر، وقد ثقب جنباه الصغيران بستة ثقوب ثبتت بمسمارين، وقد نُظِمَ في ستة الخيوط التي نفذت في هذا الحُق آلاف القطع الصغيرة المثقوبة من وسطها، وعُلِّق في قاعدة هذا المشبك أربع عشرة سلسلة مقسمة حلقات تحمل أربعًا وثمانين زهرة. ولا يقل وزن هذه القلادة عن ثمانية كيلو جرامات. وعثر كذلك على قلادة أخرى لا تقل فخامة عن السابقة، وتحتوي على سبعة صفوف من القطع الصغيرة من الذهب، وقد نُقش على مشبكها كل ألقاب الفرعون «بسوسنس» التي لم نعرف منها قبل ذلك إلا اثنين من خمسة. (انظر صورة رقم ٤ و٥ و٦).

(١-٧) الصدريات

إن الصدريات التي صيغت على هيئة مبنى تعد من المخترعات التي تدعو إلى الإعجاب الشديد، وقد نسب بحق ابتداعها إلى الصائغ المصري، ففي عهد الأسرة الثانية عشرة كانت هذه الصدرية تحتوي على منظر صغير يدل على عظمة الفرعون أو على تقاه وصلاحه، أما في العصر الذي نحن بصدده فلا تدل الصدرية إلا على تعويذة سحرية وحسب.

وقد خلَّف لنا «بسوسنس» صدريتين تتألفان من جزءين: الجزء الأعلى قد أُحيطَ بإطار مستطيل يشبه الجزء الأعلى منه «كرنيشا» على هيئة النخل، والجزء الأسفل كذلك كبير غير أنه أقل ارتفاعًا ويتصل بالأعلى بوساطة مفصلة. وكل من الجزءين ذو ثقوب، وقد رُكِّب في الجزء الأول من الطبقة العلوية جعْل في الوسط، وعلى اليمين وعلى الشمال نشاهد كلًّا من الإلهتين: «إزيس» ونفتيس بعد أن نشرت جناحيها الطويلين بعض الشيء. أما الطبقة السفلية فقد حُدِّدت من جهة بعمود «أوزير» الدال على الثبات ، ومن الجهة الأخرى بعلامة الغرب، وعلى اليمين نجد صورة في الوسط تمثل الملك المتوفى «أوزير» يتنزه في قاربه، وعلى اليسار نشاهده يعبر بالطائر «فنكس»، وفي إطار الصدرية الثانية نشاهد قرص الشمس المجنح يضم جناحيه على جماعة مؤلَّفة من جعل مجنح و«إزيس» و«نفتيس»، وفي الطبقة السفلى نشاهد صور «إزيس» و«أوزير» تتبادلان معًا.

(١-٨) الجعارين

رأينا فيما سبق أن العصر الذي كان يتوسط الصدريات هو الجعران، ولكن يحدث كذلك أن الجعران نفسه كان يؤلف تحفة منفردة. وقد وجد في مقبرة الملك «بسوسنس» أربعة أمثلة جميلة من هذه الجعارين؛ فلدينا جعران من الجرانيت وآخر من اللازورد، ومن اليشب المصقول تمامًا، والمرصع والمحوط بإطار بيضي من الذهب، وله جناحان من الذهب الموَشَّى بالأحجار، وهذا الجعران الأخير يظهر كأنه يدفع بأرجله الأمامية طغراء الفرعون، ويجر بحلقه، وإذا قلبنا هذا الجعل فإنه يُرى محفورًا على الجناحين وعلى الطغراء والحلقة تفاصيل الحفر التي عملت بالأحجار، والتي حددت بالألوان المختلفة، وعلى الجزء المسطح من الجعران نقرأ متنًا مقتبسًا من الفصل الثلاثين من «كتاب الموتى» خاصًّا بالدور الذي كان يقوم به القلب مع المتوفى في عالم الآخرة، ويشاهَد على جناحي الجعل كبشان، ولكن وُجد جعران واحد محلًّى بسلسلة جميلة من الذهب، أما الجعارينُ الأخرى فكانت موضوعة على المومية وحسب.

(١-٩) تعاويذ القلب

وكذلك كان يوضع مع الجعارين على المومية تماثيل قلوب مصنوعة من اللازورد أو الأحجار الأخرى، وقد وجد مع مومية «بسوسنس» عشرة قلوب من الحجر، وأضخمها ارتفاعه عشرة سنتيمترات، وأصغرها سنتيمتران، وقد حُلِّي أحد هذه القلوب بسلسلة من الذهب، وحلي كل من الجعارين الأخرى بمسمار مخروم مغطى بالذهب، وبذلك يمكن حمله بوساطة خيط، وقد نُقش على كل هذه الجعارين حتى أصغرها طغراء «بسوسنس» في حضرة ثلاثة آلهة. وقد وجدت تعاويذ أخرى مع مومية «بسوسنس» كانت تعلق إما في الرقبة أو مع الصدريات، فمثلًا وجدت رءوس ثعابين، وهذه كانت تُصنع من حجر اليشب الأحمر أو من الكرنالين (حجر الدم) أو من عجينة الزجاج، وكان يوضع في طرفها مقبض من الذهب مخروم بثقب لتدخل فيه سلسلة أو شريط. وقد كان الثعبان في نظر المصري القديم — كما هو في نظر المصري الحديث — حارسًا لمزلاج الباب أو البيت، وهذا هو السبب الذي من أجله وجدنا منقوشًا على رأس ثعبان في مقبرة «بسوسنس» فصلًا من الأدب الجنازي يدعى فصل المزلاج. على أن كل هذه التعاويذ قد لا تكون كافية لحماية المتوفى من أخطار عالم الآخرة لو لم يُضف إليها مَدَد آخر من التعاويذ الأخرى وصور الآلهة، فنجد مثلًا أن «بسوسنس» الذي حفظ لنا تعبده «لآمون» معتقدات محلية، كان يعتقد بوجه خاص في قوة الرموز الخاصة بالملكية الفرعونية مثل الصل والنسر والصقر، هذا بالإضافة إلى الطائر الذي كان يمثَّل برأس إنسان بروح. وكل هذه كانت حِليات يتحلى بها الفرعون، وقد وجدت على موميته خمسة أزواج من التعاويذ منفردة على لوحة من الذهب كلها متشابهة، ولا يتميز بعضها عن بعض إلا بالرأس (انظر الصورة رقم ٦).

(١-١٠) الأساورة

لم يكن «بسوسنس» يملك أقل من عشرين سوارًا، اثنا عشر في الذراع اليمنى، وعشرة في الذراع اليسرى، واثنان في الفخذ، وزوجان في الكعب، وبذلك ضرب الرقم القياسي في التحلي بالأسورة.

ويمكن تمييز ثلاثة أنواع رئيسية: السوار المؤلف من الحلقات الصلبة، والسوار الأسطواني المكون في العادة من لوحين صغيرين متماسكين بمقابض وبعضها صلب والبعض الآخر مفرغ، وأخيرًا السوار المصنوع بنفس طريقة صناعة الخواتم بوساطة محبس يضم طرفيه خيط يمر بحجر أو أسطوانة وفي الغالب في جعران. وقد لوحظ أن كثيرًا من هذه الأسورة على ما يظهر ضيق جدًّا بالنسبة للأحياء، وربما كانت مصنوعة للمومية بخاصة، ولكن تلك التي يبلغ طولها أكثر من ستة عشر سنتيمترًا كانت تُلبس فعلًا.

والنوع الأول من هذه الأسورة قد وجد في الكشف الحديث مع مومية «بسوسنس» فقط، ويلاحظ بوجه خاص أسورة من الذهب الصلب قطاعها مثلث يزن ثمانمائة وألف جرام، وقد نُقش في داخلها نقش متقن يمجد شجاعة الفرعون، وكذلك نجد في مجموعة هذا الفرعون «أسورة» أخرى أقل من السابقة غير أنها ذات وزن محترم نسبيًّا، وقطاعها مستدير، ولها زوجان من الحلقات محلى من الخارج بحلزونات ونقوش هيروغليفية، وفي داخل إحداهما نقشت العلامة الدالة على اليمين ، وفي داخل الأخرى العلامة الدالة على اليسار .

وتختلف الأسورة التي وجدت على فخذ «بسوسنس» وكعبه عن السابقة بعض الشيء، وتتألف الأولى من أربعة مستطيلات من الذهب ثبت بينها بوساطة حلقات في صورة أَهِلَّة مصنوعة من الذهب واللازورد على التوالي، أما أسورة الكعب فقد قسمت أربعة أقسام متساوية؛ واحد من الذهب، والثاني مكون من أهلَّة مصوغة من الذهب الذي يتخلله حجر اللازورد المنظم بمهارة على التوالي.

وهذه الأسورة تقدم لنا حقيقة تاريخية هامة نقشت بالهيروغليفية لم تكن معروفة من قبل، وهي أن الفرعون «بسوسنس» هذا هو ابن الملك «سمندس» أول ملوك هذه الأسرة، والأخير ابن شخص يدعى «منخبررع» ولا نعرف عنه شيئًا غير اسمه، وأم «بسوسنس» هي «موت نزم» وقد كتب اسمها على زوجين من أسورة المعاصم.

(١-١١) غطاء الأصابع والخواتم والنعال

كان لا بد أن تكون غطاءات أصابع القدمين واليدين في شكل حِقاق من الذهب المتين، وقد شاهدنا ذلك في الأغطية التي وجدت مع مومية «بسوسنس»، أما الخواتم فكانت ملبسة في حقاق الأصابع، وقد وجدنا منها تسعة وعشرين مع مومية «بسوسنس»، وكثير من هذه الخواتم يتألف من حلقة بسيطة من الذهب الرفيع أو السميك وعليها نقش هيروغليفي من الخارج، وقد نُقش على سُمك هذه الخواتم متن جاء فيه: «ألف أسد وفهد تكون الحماية، وإن «آمون رع» ملك الآلهة هو قوة «بسوسنس».» وكذلك من بين هذه الخواتم خاتم أسطواني يبلغ ارتفاعه سنتيمترًا ونصف سنتيمتر، مزيَّنٌ بطغراءات وأشرطة وأشكال معينة مرصعة بالذهب. وأما الخواتم الأخرى فتتركب من جسم الخاتم المصنوع من الذهب يركب فيه العين السليمة وجعران، وقد يكون بسيطًا أو له تركيبة من الذهب والنقوش التي عليه بطبيعة الحال مختصرة جدًّا، فعليه اسم الملك وحسب.

(١-١٢) الحذاء

وقد وُجد للملك «بسوسنس» زوجان من النعال غاية في الجمال، ويتألف كل منهما من نعل مزيَّن بزخرف هندسي الشكل، ومن جهة يتصل نصفاه المتوازيان بالنعل بوساطة سير من الجلد، وينضمان فوق أعلى القدم بأنبوبة تخترق مسمارًا طويلًا.

(١-١٣) منوَّعات

وقد وجد غير هذه التحف بعض أشياء صغيرة على مومية «بسوسنس»؛ منها آنية صغيرة مستديرة غطاؤها من الذهب، وكانت على ما يُظَنُّ تنتظم بعض حبات من البخور.

وقد كان من الضروري عند فتح بطن المومية لاستخراج الأجزاء القابلة للتلف ووُضِعَ محلها العقاقير التي كانت تستعمل في التحنيط، من حدوث جرح لا بد من معالجته، وقد تُوُصِّلَ إلى معالجة ذلك بوضع لوحة صغيرة من الذهب على مكان الجرح، وكان يصور عليها صورة كبيرة للعين السليمة، أو كان يفضل على ذلك تصوير هذه العين يحيط بها الآلهة الأربعة الذين كانوا موكلين بحفظ أواني الأحشاء وهم: «أمستي» و«دواموتف» و«قبح سنوف» ثم «حابي». وقد وُجدت لوحة من هذا النوع مع مومية الملك «بسوسنس»، وكذلك وجدت بعض أسلحة من الذهب على شكل إصبعين، وكذلك الآلة التي كانت تسمى «بشس كاف» التي كان يستعملها الكهنة لفتح فم المومية، وكل هذه الأشياء وجد منها نماذج مع الملك «بسوسنس».

(١-١٤) أثاث الحُجَر

وجد في حجرة المدخل لمقبرة «بسوسنس» وكذلك في الحجرتين المُقامتين من الجرانيت — غير التوابيت — عدد عظيم جدًّا من الأثاث، حتى إن الكاشفين لهذه المقبرة عند دخولهم فيها لم يجدوا في رقعتها موضعًا لقدم خاليًا من الآثار، وقد وجد في حجرة مدخل مقبرة «بسوسنس» آنية عظيمة يبلغ ارتفاعها تسعين سنتيمترًا، وهي من الفخار الأحمر، وكانت موضوعة في الركن القريب من النافذة التي تطل على الحجرة الأولى، وقد وجدت مملوءة بالتراب حتى حافتها.

(١-١٥) أواني الأحشاء

وجدت أواني أحشاء «بسوسنس» سليمة وكلها من المرمر، ومعظم الأواني التي كُشف عنها حديثًا أسطوانية الشكل وليس من بينها إلا اثنتان بيضيتا الصورة، ويبلغ ارتفاع الواحدة حوالي ثلاثين سنتيمترًا، وقطرها عشرة سنتيمترات، والنقوش التي عليها تضمن للمتوفَّى حماية أربعة آلهة وهم: «أمستي» و«دواموتف» و«قبح سنوف» ثم «حابي»، وتصحبهم على التوالي الإلهات «إزيس» و«نفتيس» و«نيت» ثم «سلكت»، وهن اللاتي رأيناهن ممثَّلات على تابوت «بسوسنس» المصنوع من الفضة.

والواقع أن أهم الأواني من الوجهة التاريخية هي الأواني الفردية التي عثر عليها في الحجرة الخارجية للفرعون «بسوسنس»؛ وذلك لأن النقوش التي عُثر عليها قد حفظت لنا ألقاب كثير من الشخصيات التي عاشت بين عهدي «بسوسنس» و«شيشنق»؛ فمنهم الأمير «أمنحتب» وكاهن «خنسو» «أوند باوندد» وكاهن «آمون» المسمى «أمنموس»، والمدير العظيم لآمون رع ملك الآلهة «عنخف نموت» الذي يحمل لقب ابن الملك لرعمسيس (أي بلدة برعمسيس).

ويُلحَظ في النقوش الغائرة أن الإله «أمستي» ملون باللون الأحمر برأس بشر، والإله «دواموتف» مثِّل برأس كلب، والإله «قبح سنوف» برأس صقر، والإله «حابي» برأس قرد. وهذا هو السبب في أن غطاءات أواني الأحشاء قد مثِّلت برأس إنسان وكلب وصقر ثم قرد على حسب ما خصصت له كل آنية من أولاد «حور» الأربعة. والمادة التي تصنع منها هذه الأواني في العادة هي مادة المرمر مثل الأواني الأخرى، ولكن بعض الأغطية كانت تُعمل من الحجر الجيري أو من الجص، وأواني أحشاء «بسوسنس» الأربع قد زُيِّن سطحها باللون الذهبي، والعيون باللون الأسود، والصدر بألوان مختلفة، وقد رسم على الشعر المستعار لرءوس هذه الأواني أشرطة مذهبة وزرقاء بالتوالي وفي الجبهة مثل الصل الملكي.

(١-١٦) التماثيل الجنازية الصغيرة

يُستنبط من التماثيل الصغيرة الجنازية التي وُجدت في مقبرة «بسوسنس» أنه قد أُمر بعمل مجموعة مزدوجة من هذه التماثيل؛ واحدة منها من الخزف الملون بالأزرق والأسود منقوشة بمتن هيروغليفي، وهو نسخة من «الفصل السادس» من كتاب «الموتى»، والمجموعة الثانية من البرنز وليس عليها إلا متن قصير. ومع هاتين المجموعتين بعض الآلات المصنوعة من الخزف، وهي التي كان يُظَنُّ أنها لازمة لهذه التماثيل المجيبة لتأدية واجباتهم في عالم الآخرة كما كان المنتظر منهم، وأهم هذه الآلات هي: المدقات، والأوتاد، والفئوس، والمقاطف، والسلات، وحمَّالات لحمل الدلاء. وقد كُتب على كل هذه الأشياء تقريبًا اسم الفرعون «بسوسنس» بالمداد الأحمر.

وقد وُجدت تماثيل مجيبة أخرى لأشخاص آخرين (راجع Tanis p. 162)، وبخاصة لكاهن مدير معبد «خنسو» المسمى «أوند باوندد»؛ فقد وُجد له مجموعتان من التماثيل المجيبة؛ واحدة من الخزف كاملة، وأخرى أقل بكثير من الأولى من النحاس، وقد كتب عليها اسمه وألقابه، وسنتحدث فيما بعد عن مقبرة هذا الكاهن.

(١-١٧) الأسلحة والسيوف

وجد في قبر هذا الملك بعض أسلحة وسيوف غير أنها ليست في حالة سليمة بأكملها؛ وذلك لأن ما كان عليها من خشب وجلد قد أصابه التلف كلِّيَّة، وكذلك تلف الجزء المعدني منها بفعل الزمن، أما الجزء الذهبي منه فقد بقي محفوظًا بحالة جيدة، وقد وُجد مع مومية «بسوسنس» عدة أشياء غامضة الأصل منها درقة غريبة التركيب، وبجانب هذه الدرقة وُجدت مناقشُ من العاج وحِرَاب من البرنز ورءوس سهام، وأخيرًا آلتان على هيئة إصبع قد دل البحث على أن كلًّا منهما رأس سهم وقد نقش عليهما طغراء ملك لم يكن معروفًا على النقوش من قبل، وهو الملك «نفرخرس»، وقد قال عنه «مونتيه»: إنه هو الملك «نفر كارع حقا»، وإنه اشترك مع «بسوسنس» الذي وُجد طغراؤه مع طغراء هذا الملك على هذا الأثر الصغير، وقد جاء اسم هذا الملك في قائمة «مانيتون» ثالث ملك بالنسبة لملوك هذه الأسرة كما يأتي:
  • (١)

    سمندس: حكم ٢٦ سنة.

  • (٢)

    بسوسنس: حكم ٤١ سنة.

  • (٣)

    نفرخرس: حكم ٤ سنوات.

  • (٤)

    أمنوفتيس: حكم ٩ سنوات.

وقد برهن الأثري «جرد زلوف» — في مقال رائع — بالبراهين القاطعة على أن هذا الملك المسمى «نفر كارع حقا» قد حكم البلاد حقًّا من قِبَل الملك «بسوسنس»، وكذلك قال: «إن شواهد الأحوال تدل على أن هذين الملكين لا بد كانت تربطهما علاقة قرابة قوية، وإنه يمكن القول بأن «بسوسنس» كان أخًا أصغر للملك «نفر كارع حقا».» وعلى ذلك يكون من حقنا أن نفرض أن هذين الملكين حكما سويًّا لمدة قصيرة. وعلى أية حال يجب أن نغير ترتيب ملوك هذه الأسرة الذي وضعه «مانيتون» ونأتي بدله بالترتيب الآتي: (١) سمندس. (٢) نفر كارع حقا (نفرخرس). (٣) بسوسنس. (٤) أمنوفتيس (أمنمأبت) (راجع A. S. XLII p. 207ff).

وفي التابوت المصنوع من الجرانيت الوردي وُضعت على يمين وشمال التابوت المصنوع من الجرانيت الأسود بعض أسلحة ثمينة وصولجان وعِصِيٌّ. وهنا نلاحظ كذلك أن الخشب قد تلف ولم يبقَ إلا الذهب سليمًا، وكذلك وُجد مقبض خنجر، هذا إلى قطعة من سيف آخر كُتِبَ عليه اسم «أوند باوندد» الذي وُجدت باسمه آنيةُ أحشاء في حجرة المدخل.

(١-١٨) أدوات إقامة الشعائر

يوجد من هذه الأشياء في مقبرة «بسوسنس» موقد من البرنز على هيئة قطعة أثاث، وحامل طويل، وطست من الفضة، وإبريقان؛ أحدهما من الفضة، والآخر من الذهب، وآنية ذات قعر مسطح وفتحة ضيقة ولها فوهة يمكن أن تستعمل لتحضير المشروبات الساخنة.

(١-١٩) الأواني المنزلية

لقد شاهدنا في مقابر العظماء في الأجزاء السابقة من هذا المؤلَّف (راجع مصر القديمة الجزء الرابع) أن مناظر الولائم في مقابر الدولة الحديثة كانت كثيرة، فكان يُصَوَّرُ فيها المتوفى وزوجه وأولاده وأقاربه وأصحابه جالسين على فراش وثير، ويقوم على خدمتهم فتيات في مقتبل العمر وغضارة الشباب؛ فيقدمن لهم العطور والمأكولات والمرطبات، هذا إلى عازفات ومغنيات يضفين على الوليمة بهجة وسرورًا؛ فنجد صاحب القبر يمد يده بقدحه، في حين نجد أن زوجه تصب له من الإبريق والمصفاة اللذين في يديها شرابًا سائغًا. ولما كان تحت تصرف المتوفى المواد اللازمة لخدمة الآلهة فقد كان من الواجب إعطاؤه — كذلك — الأطباق والأواني والأقداح من الذهب والفضة، وهذه كانت تؤخذ من أواني الأسرة التي تستعمل في الحياة الدنيا، وقد وجد من هذه الأواني مع الفرعون «بسوسنس» أربع عشرة آنية؛ خمس منها من الذهب؛ واثنتان من الفضة والذهب، وثمانٍ من الفضة. والأواني الذهبية وجدت سليمة تمامًا وبخاصة زجاجة كبيرة، وقدح بمقبض، وإبريق، وقِدر صغيرة، وكوبة؛ مما يذكرنا ببعض أواني كنز «بوبسطة».٦ فقد وجدت صحفة من الفضة ذات مقبض من الذهب تشبه الصفحة المشهورة التي وُجدت في هذا الكنز، وكذلك يلحظ أن الأقداح والأواني الفضية خليقة بأن تكون لملك. وفي الوقت الذي نجد فيه أن النقوش التي على الأشياء الجنازية لا تَذكر إلا الملك والآلهة الجنازية، نجد أن الأواني التي وجدناها في مقبرة «بسوسنس» لا تمُتُّ للشعائر الدينية بصلة، فكل ما نُقش عليها هو اسم الملك أو أسماء ملكات أو أميرات أو بعض أشخاص معاصرين.

(١-٢٠) مومية الفرعون بسوسنس الأول٧

لقد أسفر فحص جمجمة هذا الملك وهيكله العظيم عن أنه كان متقدمًا في السن عند وفاته.

وقد وجد أن حفرة الجمجمة تحتوي على كمية قليلة من نسيج المخ. والظاهر أن الباقي قد انتُزع من الأنف، ويدل على ذلك أن عَظم المصفاة وُجد مكسورًا، كما وجد جزء كبير من جسم العظم الوتدي والجزء الأعلى من حاجز الأنف مكسورًا أيضًا.

وقد وُجد مقدار عظيم من رواسب كربونات الصوديوم في حفرة الجمجمة، ويحتمل أن هذا قد رسب بين الأم الجافية dura-mater والعظم؛ وهذا يصحب التقدم في السن، وقد دل فحص باقي الأعضاء على أنه قد أصابه كساح.

وقد لُوِّنَتْ المومية باللون الأحمر كما كانت العادة في الأسرة الواحدة والعشرين، أما النساء فقد كنَّ يُلَوَّنَّ باللون الأصفر. ويمكن رؤية بقايا اللون الأحمر على قمة جميع الجمجمة، وربما كان ذلك ناتجًا من لفائف الكتان التي بليت من رطوبة القبر. وقد وُجدت اللوحة الذهبية التي توضع دائمًا على مكان الفتحة التي تُعمل عادة في البطن لاستخراج الأمعاء منها، وهذا دليل على أن هذه الفتحة قد عملت في جسم «بسوسنس».

ويدل الفحص على أن «بسوسنس» كان له رأس كبير وجمجمة واسعة، وعلى الرغم من أنه لم يكن طويل القامة؛ فقد كان طوله حوالي ١٫٦٦ مترًا، وكان قوي الجسم متين التركيب. وقد ذكر لنا «مانيتون» أنه حكم إحدى وأربعين سنة، وفي رواية أخرى: ستًّا وأربعين سنة. ولكن يقول «جوتيه»: «إن عدد السنين هذا مبالغ فيه، وينبغي أن يُنسبَ إلى خلفه «أمنمأبت» الذي دلت الآثار الباقية على أنه حكم حتى السنة التاسعة والأربعين.» (L. R. III p. 289 note 3). ولكن نعلم من جهة أن «بسوسنس» قد اشترك في المُلك مع أخيه «نفر كارع حقا» وهو صغير السن، وبقي وحده على عرش الملك حتى وفاته بعد أن بلغ من العمر أرذله على حسب فحص موميته كما ذكر لنا ذلك الدكتور «دري».

(٢) الموظفون في عهد بسوسنس

(٢-١) «أوندباوندد» رئيس كهنة كل الآلهة وقائد الرماة

وجد قبر هذا الكاهن العظيم ملاصقًا لمقبرة الملك «بسوسنس»، وكان قد عُثر له على بعض آثار كتب عليها اسمه في الكشوف الحديثة التي قام بها «مونتييه» عام ١٩٣٩ وأهمها ما يأتي:
  • (١)

    آنية من المرمر عليها اسمه.

  • (٢)

    مجموعة كاملة من التماثيل المجيبة من الخزف المطلي.

  • (٣)

    عدد عظيم من التماثيل المجيبة من البرنز من طرازين مختلفين.

  • (٤)

    آلات صغيرة كان يستعملها التمثال المجيب في عالم الآخرة من الخزف المطلي مثل: المقاطف، والسلات، وحاملات المياه والفئوس.

  • (٥)
    بعض آلات من هذا الصنف من البرنز: كئوس، ومقاطف، وأسلحة. وكذلك وُجد أثر عثر عليه في تابوت «بسوسنس» بين الأسلحة والسيوف والعصي الخاصة بالفرعون، جاء عليه ذكر هذا الموظف العظيم بوصفه «الذي في قلب سيده»، وهذا الأثر هو سيف رَكِبَه الصدأ، ويمكن أن نقرأ عليه حتى الآن اسم «أوندباوندد» (راجع A. S. XL VII p. 250).

وصف المقبرة

وقد زُيِّنت جدران هذه المقبرة الأربعة برسوم جنازية؛ ففي الجهة الجنوبية كان يقدمه الإله «أنوبيس» بعد عودته للحياة أمام «أوزير» و«أزيس»، وعلى الجدار الشمالي نشاهد روحه (با) تحميه عين مجنحة وهي واقفة على باب الإله تسبقه الإلهة «أمنت» إلهة الغرب، ويتعبد هذا القائد على اليمين وعلى الشمال للعمود الصغير «دد» الذي يمثل الثبات، وهو رمز الإله «أوزير»، وعلى الجدار الغربي يُرى «أوندباوندد» يتعبد للإلهة «حتحور» في أثناء نزولها من الجبل الغربي والإله «سكر»، وعلى الجدار الشرقي نشاهده يتلو أنشودة للإله «أوزير» ممثَّلًا بالعلامة الدالة على مقاطعة العرابة، وهي التي دفن فيها رأس هذا الإله ويحيط بها «إزيس» الأم الإلهية و«نفتيس» الأخت الإلهية.

أثاث حجرة الدفن

ويحتوي أثاث هذه الحجرة على تابوت فقط غطاؤه على هيئة إنسان مثبَّت بأربع قطع من الحجر الجيري، وفي ركن من أركان الحجرة أربع أواني أحشاء كانت كلها مسدودة بأغطية على صورة رأس إنسان، ووُجد أن محتويات هذه الأواني مغمورة بالراتنج. أما التابوت وغطاؤه المصنوعان من الجرانيت فكان قد استعمله قبل ذلك الكاهن الثالث «لآمون»، والكاهن أعظم الرائين «لرع» في طيبة المسمى «أمنحتب»، وقد ترك لنا «أوندباوندد» نقوش هذا الكاهن سليمة؛ فقد كان كل ما فعله أن وضع عليها طبقة من الصمغ وحفر عليها صورًا جنازية ونقوشًا باسمه هو، وقد غُطِّيَ كلُّ ذلك بورق رقيق من الذهب، وثُبِّتت لحيته المستعارة المصنوعة من البرنز في الذقن، ووُضِعَت علامة «دد» في يده اليمنى، وعلامة «تيت» = «تمثال أوزير» في يده اليسرى، غير أنه قد تحول الصمغ إلى قطع صغيرة أو تحول إلى تراب على الأرض، أما ورق الذهب فقد حَفِظَ بعض الشيء الزخرف الذي عمله «أوندباوندد».

والتابوت المصنوع من الجرانيت كان يحتوي على تابوت آخر من الخشب المذهَّب ومجهَّز بِلِحْية مجدولة وبعلامة «دد»، وكذلك بعلامة «تيت»، وقد وُضع على غطاء التابوت ثلاث صحاف، وكأس من الذهب والفضة، وآخر من الذهب والسام، وخنجر من الحديد له مقبض من البرنز، وعِصِي مجهزة بحلقات ورمانات ومقابض من الذهب، وكذلك سهام. وقد تلف الخشب تمامًا وأصبح لا وجود له، ولم يبقَ إلا المعدن، وقد لحظ أن التابوت الخشبي كان يحتوي على تابوت من الفضة أصابه كذلك عطب كبير بسبب الرطوبة التي كانت تعم مقبرة «بسوسنس»، وقد نجا جزء كبير من غطائه المزخرف، ووضع له بدلًا من اللحية المجدولة لحية صغيرة قصيرة، وكانت علامة «دد» وعلامة «تيت» فيه مصنوعتين من البرنز المزخرف.

المومية

وكانت المومية قد حُلِّيَتْ بسخاء، ووضعت في التابوت المصنوع من الفضة، وقُنِّعَتْ بغطاء وَجْهٍ من الذهب ملتحم برداء من الخرز (انظر صورة رقم ٩)، وكانت أصابع اليد وأصابع القدمين لابسة أغطيتها المصنوعة من الذهب. ووجد مع المومية كذلك سواران وخمسة خواتم في أماكنها الخاصة لها، أما الصدريات وتماثيل الآلهة الصغيرة الحجم والتعاويذ فكان من المستحيل تقريبًا أن نعرف ما إذا كانت معلقة في رقبة المومية (انظر صورة رقم ١٠) أو وضعت فقط على الصدر؟ وكان لخمس من هذه الحلي سلاسل من الذهب حُفِظت لنا حفظًا تامًّا، وقد جُهزت صدريتان بسلسلة مزدوجة مؤلفة من الخرز المصنوع من الذهب ومن الحجر، ولكن خيوطهما قد اختفت وسقط الخرز في قعر التابوت. ويحتمل أن الأشياء الأخرى كانت منظومة في خيوط من الجلد والنسيج، غير أن هذه الخيوط قد تلفت ولم يبقَ لها أثر.

وقد أصبح قائد الفرعون هذا معروفًا لنا إلى حد كبير، وقد عرفنا قراءة اسمه على وجه التأكيد من الروايات التي كتب بها، فهو يسمى «أوندباوندد» ومعناه «توجد فائدة لمدينة «دد».» وكلمة «ددت» تعني — في هذا العهد — عاصمة المقاطعة الحادية عشرة من مقاطعات الوجه البحري، كما تعني عاصمة المقاطعة الخامسة عشرة، ويحتمل أن المقصود هنا بلدة «منديس» (تل الربع الحالية).

والواقع أن هذا القائد كان يعلن تعبده الخالص للكبش الذي كان يعد الحيوان المقدس لبلدة «منديس»، وقد كان يحمل له صورًا عدة. ومن أجمل التعاويذ التي كان يحملها من تعاويذ مجموعته صورة كبش مصنوعة من اللازورد مغطاة بغطاء من الذهب على قاعدة من نفس المعدن وموضوعة في حُق من الذهب ومزينة بصورتين لهذا الحيوان المقدس، ونقش كذلك على أحد أسورته صلاة للكبش ذي الوجوه الأربعة، وإلى الكبش (سر) سيد اللهب ضد أعدائه، والذي يحرق باللهب الخارج من فمه. ولا نزاع في أن مؤسس الأسرة «نسبانبدد» كان من أصل «منديسي»، ولا بد أن مواطنيه قد أفادوا من اعتلائه عرش البلاد.

وكان مَثَلُ «أوندباوندد» كمَثَلِ كل الشخصيات العظيمة التي تحمل ألقابًا مدنية وحربية ودينية، فكان يلقب «الأمير الوراثي»، أما لقب «الوحيد العظيم مدير الثناء» الذي كان يلقب به بهذه الصورة دائمًا فلا بد أن يُنظر إليه من جهة معناه العام. وقد نال — بالعطف الملكي كما يقول هو — كأسين وعصا حَفِظَها لتوضع معه في قبره، ولقد كان بذلك منعَمًا عليه قبل أن يكون مكلَّفًا بتنظيم احتفال الإنعامات على الآخرين.

أما لقب الكاهن (خادم الإله) فكان في العادة يطلق على الكاهن الإله، وعندما يذكر هذا اللقب دون أن يُتبع بوصف له فإنه يعني أن «خادم الإله» كان يؤلف جزءًا من أية جماعة كهانة. والظاهر أن «أوندباوندد» لم يكن غريبًا عن عبادة كبش «منديس» غير أن ذلك لم يذكر صراحة، ولكنه يقول ويكرر قوله: إنه كان المدير العظيم لبيت «خنسو في طيبة»، «السعيد والمنشرح».

وكان يحمل خلافًا لذلك لقبًا ذا أهمية عظيمة جدًّا وهو «رئيس كهنة كل الآلهة»، وهذا اللقب كان يحمله في عهد الأسرة الثامنة عشرة رئيس كهنة الإله «آمون»، ثم انتقل إلى كهنة الإله «ست» العظام، ثم عاد ثانية في عهد الأسرة الثانية والعشرين لكهنة «آمون»، ولكن لمدة قصيرة، ومن المهم أن نلحظ أن «بسوسنس» الفرعون كان في الوقت نفسه يحمل لقب الكاهن الأول «لآمون»، وكانت أمه «موت نزم» كاهنة «آمون» الثانية، وخادمة الإله، والراهبة الأولى للإلهة «موت» العظيمة سيدة «أشرو» كل ذلك في وقت واحد.

وكان «عنخف نموت» جار «أوندباوندد» كذلك كاهنًا، وكان مديرًا لبيت الإلهة «موت»، وهكذا كان المحتلون لقبر «بسوسنس» يتقاسمون فيما بينهم أعضاء ثالوث «طيبة»، وقد ظنوا أن في إمكانهم أن يرتكنوا على حمايتهم طوال الأبدية.

ونحن لا نعرف أبًا ولا أمًّا «لأوندباوندد»، وكانت إحدى أسورته مِلكًا لسيدة تدعى «تاروديت» ابنة السيدة «حورورو»، غير أننا نجهل مقدار قرابته لهاتين السيدتين، وإذا كان هو من جهة أخرى ابن ملك، فإنه كان لا يفوته ذكر هذا النسب العريق على الآثار التي تركها لنا، ويحتمل أن جاره في الضريح هو نفس الابن الرابع للكاهن الأول «بيعنخي» في عهد «بسوسنس»، وكان يسمى كذلك «عنخف نموت» ويحمل نفس الألقاب تقريبًا؛ كما أشرنا إلى ذلك من قبل.

وتدل شواهد الأحوال على أن «بسوسنس» لم يذكر لنا سكانًا آخرين لقبره غير والدته في بادئ الأمر، ولكنه بعد ذلك أعاد النظر وأقام ضريحين لرجلين من عظماء رجال جيشه، وقد كانا في الوقت نفسه من كبار رجال الكهانة، وقد ظن أنه بهذا العمل سيكون مضاعف الحماية بجوارهما هو وزوجه الملكة. وعلى الرغم من أنه ليس لدينا أية معلومات عن والدَيْ «أوندباوندد»، فإن دلائل الأحوال تُشْعِرُ بأنه كان من بيت حسب؛ إذ نجد عددًا لا بأس به من الأشياء التي كانت معه في قبره من عصره، كما وُجدت أخرى قديمة وهي:
  • (١)

    جعْل كبير من الحجر الأخضر منقوش بالذهب ومحلًّى بسلسلة من الذهب يرجع عهدها إلى «رعمسيس الثاني».

  • (٢)

    تمثال للإلهة «باستيت» (القطة) من البلور الصخري والذهب، وقد نقش عليه اسم الإلهة على الظهر ثم اسم «وسر ماعت رع» على القاعدة.

  • (٣)

    خاتم محلًّى بزهرة مستطيلة.

  • (٤)

    خاتم محلًّى بزهرة من الكرنلين (حجر الدم) وقد نقش عليه: إنه آخذ مدينة — يقول الأعداء — لأن جنود رع تحرس رأس «رعمسيس وبسوسنس» والاسم الأخير قد كتب بحروف صغيرة جدًّا.

  • (٥)

    ودَلَّاية (عقد) من الكرنلين نُقش عليها تَمَنٍّ لأوزير الكاهن الأكبر لآمون «بارع ننفر»، وقد أضيف إلى ذلك سطر صغير: لراحة المدير العظيم لبيت «خنسو» «أوندباوندد» صادق القول (أي المرحوم).

والواقع أنه قد لوحظ في الكشوف التي قامت في «تانيس» حديثًا من عهد الأسرتين؛ الحادية والعشرين، والثانية والعشرين أن الملوك كانوا يحملون معهم أشياء تذكارية من التي كانوا يقتنونها في الحياة الدنيا، وكذلك من آثار غيرهم ممن سبقوهم من الملوك أجدادهم، وكذلك كان الأفراد يتبعون مثلهم كما سنرى بعد؛ ولذلك لا يبعد أن يكون أجداد «أوندباوندد» قد خدموا تحت إدارة الملوك السالفين، ونالوا منهم إنعامات ومكافآت قد بقيت في الأسرة من جيل إلى جيل (راجع A. S. XL VII p. 249ff).

(٢-٢) عنخفنآمون: كاهن بيت آمون في «خابو»، ورئيس تشريفات الفرعون

ليس لدينا معلومات عن هذا العظيم إلا لوحة تمثال عثر عليه في مكان بالقرب من «تانيس»، وعلى مسافة قليلة من «كفر صقر»، وقد باعه عبد الرحمن صادق أفندي للمتحف المصري (رقم ٨٦١٢٥)، ونشره الأستاذ لبيب حبشي (راجع A. S. XL VII p. 261ff).

وهذا التمثال غريب بعض الشيء في صورته؛ فهو يمثل المتوفى في صورة «أوزير» واقفًا على قاعدة ومستندًا على قطعة حجر في هيئة لوحة، ويلاحظ أن التمثال نصفه غائر في اللوحة المستند عليها. وقد كان هذا تجديدًا في صناعة التماثيل مأخوذًا على ما يظهر من تأثير الفن الآسيوي (راجع مصر القديمة الجزء السادس).

ويبلغ ارتفاع التمثال حوالي ١٥٥ سنتيمترًا، وعرضه ٢٧ سنتيمترًا، وقد مُثِّل المتوفى في صورة «أوزير» العادية مع بعض فروق بسيطة.

واللوحة التي يستند عليها التمثال قد نُقش عليها أربعة أسطر عمودية؛ كل اثنين منها على أحد جانبي التمثال، وهذه تستمر على قمة القاعدة ومقدمتها. وكذلك نقش سطران أفقيان على مقدمة القاعدة بين نهاية أربعة الأسطر الأفقية، وهاك ما جاء في هذه النصوص على يمين التمثال: «قربان يقدمه الفرعون إلى «أوزير» رئيس الغرب، سيد العرابة، الإله العظيم، حاكم الأبدية؛ لِيُهَبْ كل ما يخرج على موائده من قرب، وبخور، ونبيذ، ولبن، وقربان، ومؤن مما يعيش منه الآلهة لأوزير كاهن «وعب» «آمون رع» ملك الآلهة، والكاهن والد الإلهة «لموت» العظيمة سيدة «أشرو»، والكاهن والد الإله «خنسو»، وكاتب معبد «خنسو» والعظيم جدًّا، وبكر «آمون رع» ملك الآلهة، والمشرف على تشريفاتي الفرعون العائش والسعيد والمعافى «نسنآمون» المنتصر أمام كل آلهة «طيبة» وقد بلغ طول حياته (أي عنخفنأمون) على الأرض اثنين وسبعين عامًا وخمسة أشهر وأربعة عشر يومًا عندما وُضع في قاعة التطهير (التحنيط) تحت إشراف «أنوبيس»، وقد عُمِلَ له كل ما ينبغي أن يُعمل لشخص متوفى عظيم ممتاز، وقد أتم اثنين وسبعين يومًا في بيت التحنيط، ولما صار مرتاحًا بحالة التبجيل جُر (بزحَّافة) إلى بيت الأبدية ليثوى هناك أبديًّا.»

ونقش على الجانب الآخر من التمثال ما يأتي:

قربان يقدمه الملك «لأوزير» رب «بوصير» الذي يبعث بصحة جيدة، والمقدم في مقاطعة «طينه» والإله العظيم حاكم الجبانة: لِيُهَبْ ألف رغيف، وألف إبريق جعة، وألف ماشية، وألف طائر، وألفًا من كل شيء طيب طاهر، وألفًا من كل شيء حلو، وكل القربان والخضر التي تعيش منها الآلهة إلى «أوزير» مغنية «آمون رع» ملك الآلهة، والمغنية الأولى لخنسو في «طيبة» «نفرحتب»، ومغنية جوقة «موت» العظيمة سيدة «أشرو»، والمرضع الملكية «أرموت بانفر»، والمتوفاة بنت رئيس «تشريفاتية» الفرعون «عنخفنأمون» المتوفى، وزوجة الكاهن والد الإله «لخنسو»، والمراقب على المحراب (قنت) للملك «بسوسنس» محبوب «آمون» الإله العظيم «سيا» المتوفى. ومدة حياتها (أي حياة «أرموت بانفر») على الأرض كانت ثلاثًا وأربعين سنة وتسعة أشهر وستة وعشرين يومًا، وقد عُمل لها كل ما يُعمل لكل شخص متوفًّى منعَّم ممتاز، وقد وضعت في قاعة التطهير تحت مراقبة «أنوبيس»، وقد أتمت سبعين يومًا في بيت التحنيط وهي مطمئنة آمنة سعيدة بالحالة المبجلة (التي يكون عليها المتوفى).

وعلى واجهة قاعدة التمثال نُقِشَ ما يأتي:

قربان يقدمه الملك لأوزير «وننفر» الإله العظيم حاكم الأحياء ملك الأبدية ورب الخلود الذي يمضي الأبدية بمثابة حياته، وإنه يظهر و«إزيس» على يمينه، و«نفتيس» على يساره.

تعليق: على الرغم من أن متن هذا التمثال كان الغرض منه إظهار مناقب صاحبه — كما جرت العادة — إلا أنه يكشف لنا عن بعض نقط هامة من حيث الحياة الأسرية والعادات الجنازية التي كانت تَجري في عهد الأسرة الواحدة والعشرين، وكذلك مكان الآلهة الذين كانوا يُعبدون في ذلك العهد في «تانيس» و«طيبة».

ولا نزاع في أن «آمون» ملك الآلهة كان في هذا الوقت هو وأفراد أسرته لهم المكانة الأولى في عبادة القوم، وبخاصة عندما نعلم أنه في معظم الأحيان كان ملوك «تانيس» وكهنة «آمون» العظام على ود وصفاء ومصاهرة في معظم عهد الأسرة الواحدة والعشرين، ويلاحظ في خلال هذه الأسرة أن اسم «آمون» وأسرته كان يُرَكَّبُ تركيبًا مَزْجِيًّا في أسماء الأفراد، ولم يُجارِهِ في ذلك إلا اسم كبش «مندس» «بانب دد»؛ وذلك لأنه كان معبودًا شائع العبادة في جهة «تانيس».

وسنبتدئ الآن بفحص ألقاب هذا العظيم وأفراد أسرته:

ألقاب «عنخفنأمون» (= حياته ملك آمون)

  • (١)

    كاهن (وعب) آمون ملك الآلهة.

  • (٢)

    الكاهن والد الإله للإلهة «موت» العظيمة سيدة «أشرو».

  • (٣)

    الكاهن والد الإله (لخنسو) وكاتب معبد «خنسو» والبكر العظيم ابن «آمون رع» ملك الآلهة.

  • (٤)

    رئيس «تشريفاتية» الفرعون، له الحياة والفلاح والصحة.

  • (٥)

    كاهن بيت «آمون» في «خابو».

ومن هذه الألقاب نلحظ علاقة «عنخفنأمون» بثالوث «طيبة». أما اللقب الثالث فليس له علاقة بالأمور الدينية بل كان لقبًا حكوميًّا؛ مما يدل على أن الكهنة كانوا يجمعون بين الألقاب الدينية والألقاب الدنيوية وبخاصة كهنة الإله «آمون» كما نوَّهنا عن ذلك في مواضع كثيرة في الأجزاء السالفة، وقد قال البعض عن هذا اللقب: إنه كان يعطاه الكاهن الذي يقوم بالإشراف على معبد الملك الجنازي، غير أن الأستاذ «جاردنر» ترجمه أخيرًا بأن حامله كان رئيس التشريفات في القصر الملكي، كما أشرنا إلى ذلك من قبل.

واللقب الأخير يشير إلى أن «عنخفنأمون» كان خادم الإله (أي الكاهن) لبيت «آمون» في «خابو»، وهو اسم مكان لم يرد من قبل في النقوش المكشوفة حتى الآن.

ألقاب والده «نسنأمون»: (معنى الاسم: من يملكه آمون)

  • (١)

    رئيس تشريفاتي الفرعون له الحياة والفلاح والصحة. وقد ورث هذا اللقب ابنه «عنخفنأمون» صاحب التمثال عن والده، وتلك كانت عادة شائعة عند المصريين في وراثة الألقاب والوظائف الدينية بنوع خاص.

  • (٢)

    المنتصر أمام كل آلهة طيبة. ومن المدهش أننا لا نجده يحمل هنا ألقابًا تظهر لنا علاقته بآلهة ثالوث طيبة، وعلى أية حال فإن اللقب الذي أبرزه لنا يعد من أعظم الألقاب في الدولة.

ألقاب «أرموت بانفر» بنت «عنخفنأمون»: (معنى الاسم: الإلهة «موت» توجد السعادة)

  • (١)

    مغنية «آمون رع» ملك الآلهة.

  • (٢)

    المغنية الأولى «لخنسو» في طيبة «نفرحتب».

  • (٣)

    مغنية الجوقة للإلهة «موت» العظيمة سيدة «أشرو».

  • (٤)

    المرضع الملكية.

ونفهم من الألقاب الثلاثة الأولى أن «أرموت بانفر» كانت تشغل وظائف كهانة هامة لها علاقة بثالوث «طيبة»، وهذا ما يلاحَظ في مقابر عظماء القوم في تلك الفترة؛ إذ نجد أن لمعظم نساء الأسرة وظائف دينية، يضاف إلى هذا أن المرأة قد أخذت تلعب دورًا هامًّا حتى في سياسة البلاد، كما ألمحنا إلى ذلك من قبل عند التحدث عن نساء الكهنة العظام لآمون.

أما لقب مرضع فرعون فكان من أعظم الألقاب وأهمها في خلال الأسرة الثامنة عشرة؛ إذ كان لمرضعات الفراعنة مكانة ممتازة في نفوس الفراعنة، وكان أولادهن يعينون في أكبر مناصب الدولة، كما كانت بناتهن يتزوجن من الفراعنة (راجع مصر القديمة الجزء الخامس)؛ ولذلك فإنه لا يبعد أن ابنة «عنخفنأمون» الذي شغل مكانة ممتازة، كانت تحمل هذا اللقب بحق، أو كان لقبَ شرفٍ وحسب.

أما زوج «أرموت بانفر» المسمى «سيا» (الصقر المقدس) فكان يحمل الألقاب التالية:
  • (١)

    الكاهن والد الإله للإله «آمون».

  • (٢)

    الكاتب الملكي.

  • (٣)

    المشرف على مخازن غلال الفرعون.

  • (٤)

    الكاهن والد الإله للإله «خنسو».

  • (٥)

    المراقب على محراب «قنت» للملك «بسوسنس» محبوب آمون الإله العظيم.

وتدل ألقاب هذا الموظف على أنه كان صاحب مكانة عظيمة في الدولة، وبخاصة أنه كان يحمل لقب المشرف على مخازن غلال الدولة، وهي تعد أكبر وظيفة في البلاد بعد الوزارة، وكذلك نجد أن الفرعون قد خصه بمراقبة شئون محرابه الجنازي، فكان لذلك من المقربين لدى الفرعون مثل صهره «عنخفنأمون».

وتدل شواهد الأحوال على أن هذا المحراب الجنازي لم يكن بعيدًا عن عاصمة الملك، وبخاصة أننا لم نجد لهذا الفرعون ولا لغيره من الملوك الذين دُفنوا معه محاريب جنازية بجوار مقابرهم، وإن كانوا قد دفنوا في داخل أسوار المعبد الكبير، وعلى ذلك نستنبط أن «خابو» هذه التي كان فيها معبد «بسوسنس» الجنازي لا بد أنها كانت قريبة جدًّا من مكان دفن الفرعون، كما يقول الأستاذ «لبيب حبشي» في مقاله الممتع عن «عنخفنأمون».

ولا نزاع في أن هذا التمثال قد عُمل في عهد الأسرة الواحدة والعشرين، ومن المحتمل أنه عمل في عهد الفرعون «بسوسنس الأول».

ومن أهم النقط التي أشار إليها متن تمثال «عنخفنآمون» عدد الأيام التي كان يتم في خلالها تحنيط المومية في بيت التحنيط؛ فقد جاء على هذا التمثال أن مومية هذا العظيم قد أنجز تحنيطها في اثنين وسبعين يومًا، على حين أن تحنيط ابنته لم يستمر أكثر من سبعين يومًا. والعدد الأخير يذكرنا بما ذكره «هيرودوت» عن طرق التحنيط الثلاث التي كان يجريها المصريون في أجسامهم بعد الموت، وأن أحسن طريقة كان يلزم لإنجازها سبعون يومًا (راجع A. S. XL VII. p. 273). ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن كثيرًا من المتون المصرية الخاصة بالعصر الذي نحن بصدده قد تحدثت عن تجهيز الجسم للدفن، فمثلًا نجد على لوحة عظيم يدعى «تحوتي» (قبر رقم ١١٠ في طيبة الغربية) أنه قد خوطب بالعبارة التالية: «إن دفنًا جميلًا سيحدث لك في سلام، والأيام السبعون الخاصة بك قد أنجزت في مكان تحنيطك.» وقد جاء نفس هذا المتن في مقبرة «انتف» (المقبرة رقم ١٦٤ بطيبة الغربية)٨ وهذان القبران من عهد الأسرة الثامنة عشرة، غير أن هذين المثلين وغيرهما لا يعنيان أن عدد الأيام هذا كان محددًا،٩ بل كان قابلًا للزيادة والنقصان، فمثلًا نجد في حالة أن الكاهن الأكبر لمنف المسمى «بشر دنبتاح» قد مكث في الجبانة مائتي يوم قبل الدفن، وفي حالة أخرى نجد أن الملكة «مريس عنخ الثالثة» إحدى حفيدات «سنفرو» قد دفنت بعد مضي ٢٧٢ يومًا من موتها،١٠ ولكن في حالات أخرى نجد أن عدد الأيام لا يعدو الأيام السبعين بكثير؛ فمثلًا على لوحة «بولوني رقم ١٠٤٢» نجد أن المتوفى قد دُفِنَ بعد ثمانين يومًا.١١
وفي ورقة بالمتحف البريطاني خطاب هام من محنط يقول فيه لعميله: إنه سيحنط جسم ابنه في مدة اثنين وسبعين يومًا (وهي المدة التي كانت لازمة لتحنيط جسم «عنخفنأمون» على شرط أن يمده بالنطرون والمواد الأخرى) (راجع A. Z. 54, p. 111–4). ولكن في أحوال أخرى نجد أن عدد هذه الأيام كان أقل بكثير، فمثلًا نجد على لوحة من العهد الصاوي لكاهن يدعى «بسمتيك» بن «أعح وين» قد أمضى اثنين وثلاثين يومًا تحت يد «أنوبيس» رئيس الجبانة (و«أنوبيس» هو إله التحنيط).١٢ ومن ذلك نعلم أن مدة التحنيط كانت تختلف على حسب الأحوال، ولكن يظهر أن مدة الأيام السبعين كانت متوسط المعتاد عند علية القوم.

(٣) آثار «بسوسنس» الأخرى

  • (١)
    وجد لقب هذا الملك على قطعة حجر مؤرخة بالسنة الثانية، الشهر الأول من فصل الشتاء، في اليوم الثاني والعشرين. وقد عثر عليها في ردهة الأسرة الثانية عشرة بمعبد الكرنك.١٣
    وقد جاء في نفس النقش السالف بعد أسطر قليلة من التاريخ الأول تاريخ آخر بالسنة السابعة عشرة من حكم الفرعون «سيآمون»، وعلى ذلك يقول «جوتييه» (L. R. III. p. 289 note 5): إن ملكنا أي: «بسوسنس» جاء قبل «سيآمون» هذا، وهو الذي أمر بهذا النقش، غير أن «لجران» قد اتبع الترتيب غير المقنع كثيرًا الذي اختاره «دارسي» وهو الذي صححه «بتري» مع ذلك، وسمي ملكنا «بسوسنس الثاني».
  • (٢)
    وعثر له على قطعة من لوحة في الجيزة مُثِّل عليها كاهن راكع أمام اسم هذا الملك. وهذا الأثر محفوظ بمتحف القاهرة، ويلاحظ فيه أن طغراء لقب هذا الفرعون قد نُقش فيه «ستبن آمون» بدلًا من «ستبن رع»؛ أي المختار من «آمون» بدلًا من المختار من «رع» كما جرت العادة. وهذه القطعة مأخوذة من معبد بني علي تل بالقرب من شرقي هرم من أهرام أسرة «خوفو»، ويلقب الكاهن الراكع على هذه اللوحة والد الإله للإلهة «إزيس». وقد رأى «بتري» قطعة أخرى باسم هذا الملك غير أنها هُشِّمَتْ بعد رؤيتها١٤ (راجع The Sphinx and its history in the light of Recent Excavations p. 217).
  • (٣)
    وفي «تانيس» وُجدت بعض تماثيل «بولهول» منقوش عليها اسم هذا الفرعون غير أنها مغتصَبَة من ملوك سابقين (راجع L. R. III p. 290 note 1).
  • (٤)
    ووجد في السور العظيم الذي أقامه هذا الفرعون في «تانيس» لبنات عليها طغراؤه، وكذلك لوحات من الخزف المطلي من «تانيس» وهي مبعثرة الآن بين متحفي: «القاهرة» و«المتحف البريطاني».١٥ وقد صور واحدة منها «بتري» في كتابه «تاريخ مصر».١٦
  • (٥)
    وفي «تانيس» ببحيرة المنزلة وُجدت قاعدة تمثال له من الجرانيت راكعًا، وهي محفوظة «بالمتحف المصري».١٧
١  انظر تقرير دري (A. S. Vol. 40 p. 969) عن مومية «بسوسنس».
٢  كوم الخبيزة الحالي في شمالي الدلتا.
٣  وُجدت هذه الألقاب على مشبك قلادة موضوعة فوق موميته كما سنرى ذلك فيما بعد.
٤  راجع Le Drame D’avaris p. 194.
٥  وفضلًا عن ذلك كانت هؤلاء الملكات هن الروابط بين الأسر القديمة كما فصَّلنا القول في ذلك عند الكلام على الملكة خنتكاوس التي حكمت البلاد، وكانت حلقة الاتصال بين الأسرة الرابعة والخامسة (راجع مصر القديمة الجزء الأول).
٦  راجع Maspero Guide Du Visiteur du Mus’ee Du Caire. p. 442. Fig 127.
٧  Derry A. S. Vol. XL. p. 969ff.
٨  راجع Gardiner. The Tomb of Amenmhat. p. 56.
٩  راجع Labib Habashi. A. S. XLVII. p. 279.
١٠  راجع Ibid. p. 279; Reisner Bull. Mus, Boston (1927) p. 64ff.
١١  راجع Piehl, Iuse, ljierog I, p. 48.
١٢  راجع Piehl Ibid III, I’J, XXVIII.
١٣  راجع Roe, TRav, XXII, p. 53; Ibid XXX. p. 87-88.
١٤  راجع Petrie, Pyranids of Giza 2nd p. 65.
١٥  راجع Petrie Tanis I. p. 17-18.
١٦  راجع Petrie, History of Egypt III p. 222 Fig 89.
١٧  راجع Journal D’Entree. N. 41644.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١