التحنيط في عهد الأسرة الواحدة والعشرين

تحدثنا في الجزء الثاني من هذه الموسوعة عن التحنيط عامة، والمواد التي كانت تستعمل في عمله في مختلف العصور خاصة، ولكن قد دل الفحص العلمي على أن عملية التحنيط قد حدث فيها تغيرات غريبة في أساسها في عهد الأسرة الواحدة والعشرين لا بد أن نذكر هنا، أولًا أنه في عهد حكم الملك الكاهن «حريحور» وأخلافه المباشرين قد ظهر نشاط عظيم في إصلاح الآثار الباقية المهلهلة التي خلفها لنا ملوك الأسر الملكية الثلاثة السالفة العظيمة، وبخاصة موميات الملوك والكهنة وما أصابها من عطب على يد لصوص المقابر في الأزمان القديمة.

والواقع أنه عندما كشف عن خبيئة «الدير البحري» عام ١٨٨١، وما تحتويه من موميات ملكية، ظهر على أكفان هذه الموميات وتوابيتها الخشبية عدد عظيم من الكتابات الهيراطيقية مدونة بالمداد الأسود ذُكر فيها الإصلاح الذي عُمِلَ لكل مومية، أو الخطوات التي اتُّخِذَت لحفظها من العطب بنقلها إلى مقبرة أخرى، وقد دل الفحص على أن اللصوص عند بحثهم عن الكنوز التي كانت مع كل مومية مزقوا اللفافات، وألحقوا أضرارًا بالموميات نفسها، ومن ثم كان على أتقياء القوم أن يصلحوا ما تمزق من هذه الأكفان أو وضع غيرها، ولا بد أنهم كانوا قد دُهشوا من أن المحنطين لم يفلحوا كل الفلاح في حفظ الشبه الحقيقي الحي لموميات أسلافهم. وتدل شواهد الأحوال على أن مشاهدتهم أشكال كثير من هذه الموميات وهي منكمشة مشوهة قد ترك أثرًا عظيمًا في نفوس محنطي الأسرة الواحدة والعشرين؛ مما دلهم على ما في صناعتهم من نقائص وعيوب لا بد من العمل على تلافيها، ونحن نعلم من جانبنا على أقل تقدير أنه بعد الدرس العملي الذي تعلمه محنطو الأسرة الواحدة والعشرين من فحصهم موميات الأسرة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة والعشرين، قد جعلهم يجتهدون في وضع طرق لجعل المومية تظهر في شكلها الطبيعي الذي كانت عليه في الحياة الدنيا، وبخاصة أن تكون ساقاها ممتلئتين، وملامحها تبدو عليها ملامح الحياة والنضارة بداية واضحة، وقد كانت لديهم طريقتان ممكنتان لإعطاء المومية صورة حية: فالأولى تنحصر في وضع مواد على ظاهرها. والثانية تنحصر في حشو مواد تحت الجلد. وبعبارة أخرى كان لدى المحنِّط الخيار إما أن يكون صورة المومية الملفوفة أو يصلح الجسم نفسه، وقد كانت الطريقة الأولى مستعملة في عصر الأهرام، وبعد ذلك بزمن بعيد نجد أن نفس الطريقة قد استعملت في العهد الإغريقي الروماني. أما الطريقة الثانية فقد زعم البعض أنها استعملت في مومية الفرعون «أمنحتب الثالث»، غير أنها لم تستعمل في غير موميته من بعده، وبقيت الحال كذلك دون استعمالها حتى بُعثت ثانية في عهد الأسرة الواحدة والعشرين، ونحن نعلم حقًّا أنها لم تستعمل في عهد الأسرتين: التاسعة عشرة والعشرين، وهذا هو رأي الأستاذ «أليوت سميث» في كيفية تحنيط مومية «أمنحتب الثالث»، غير أن الأستاذ «دري» طلع علينا برأي آخر معقول (The Tomb of Tut-Ankh-Amon, Vol. II p. 174ff) يناقض رأي «أليوت سميث» من أصله.

وأساس هذا الرأي هو الشك الكبير الذي حام حول حقيقة مومية «أمنحتب الثالث» والد «توت عنخ آمون»؛ فقد ذكر لنا الأستاذ «أليوت سميث» أن الطرق التي كانت قد استعملت في حفظ جسم هذا الفرعون، وبخاصة طريقة الحشو تحت الجلد بمواد مختلفة، وبخاصة جلد الساقين والجذع والرقبة؛ لإعادة جسم المتوفَّى إلى صورته الأصلية كما كان في الحياة الدنيا قد بُدئ استعمالها للمرة الأولى في عهد الأسرة الواحدة والعشرين؛ أي بعد مرور ثلاثة قرون على وفاة «أمنحتب الثالث». على أنه من الجائز إذن أن هذا مَثَل من أمثلة الأغلاط التي كانت قد حدثت من جراء نقل الموميات من مكان لآخر وإعادة تكفينها مرات عدة خلال السرقات المتكررة التي كانت تحدث في قبور الملوك وغيرهم من العظماء. والواقع أن المومية المنسوبة إلى «أمنحتب الثالث» قد وُجِدت في تابوت من عصر متأخر كثيرًا نُقِشَ عليه أسماء ثلاثة ملوك من بينها اسم «أمنحتب الثالث»، وعلى ذلك، فإن القول بأن هذه المومية هي مومية هذا الفرعون خاطئ، بل المحتمل أنها مومية شخص آخر من عهد متأخر لا يمتُّ لعهد هذا الفرعون بصلة.

وهذا الرأي يعززه فحص موميات أخلاف «أمنحتب الثالث»، والواقع أنه ليس من المعقول أن تكون طريقة التحنيط هذه قد استعملت في عهد «أمنحتب الثالث»، ثم يُعْرِض عنها أخلافه المباشرون، وبخاصة ابنه «توت عنخ آمون». حقًّا، لم يبقَ لنا من مومية ابنه «سمنخكارع» إلا بعض عظام، ولكن في حالة مومية «توت عنخ آمون» وُجِد أن الطريقة التي اتُّبِعَت في تحنيطها كانت هي الطريقة التي سادت في هذه الأسرة، وتتفق تمامًا مع الأوصاف التي وصفت بها تحنيط الأجسام المؤكد نسبتها إلى هذا العهد. وعلى ذلك يجب أن نقرر هنا بكل أسف أن مومية «أمنحتب الثالث» لم تُعْرَف بعد! وأن ما قرره «أليوت سميث» عن وجود موميته لا يرتكز على أساس علمي تاريخي صحيح.

ويدل الفحص الذي أُجْرِيَ في موميات الأسرة الواحدة والعشرين أن قصد المحنطين لم يكن مجرد حفظ الجسم وإعادة صورته كما كانت في الحياة الدنيا وحسب، بل كان كذلك غرضهم أن يحول الجسم الذابل إلى صورة حية تنطبق على الأصل؛ أي تصبح موحدة بقدر المستطاع بشخصية المتوفى، وعلى ذلك فإن الجسم الذي كان يعاد إصلاحه كان يصبح مثلما كان يلوَّن التمثال ليصبح مشابهًا للأصل، وكذلك كان يعاد كل عضو إلى مكانه من الأعضاء التي كانت قد انفصلت عن أماكنها وقت التحنيط ليحفظ للجسم كماله التام. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل كان يصلح كل ما كان فيه من نقص، وبذلك كانت تظهر المومية وجيهة بعد الموت قدر المستطاع. ويؤكد لنا أن الغرض المقصود من تحول المومية إلى صورة تمثال ما نشاهده من أن استعمال الصور المصنوعة من الخشب أو الحجر قد بطل استعمالها في الوقت الذي أخذت هذه الطريقة الجديدة في التحنيط تستعمل؛ إذ قد حل بذلك الجسم الحقيقي بدلًا من هذه التماثيل.

وهذا الاستنباط لم يتأثر بما نشاهده من وقت لآخر بعد ذلك من أن عادة عمل التماثيل في أحوال أخرى قد أُحْيِيَ في صور مختلفة بعض الشيء، ولدينا لحسن الحظ مادة كافية يمكن اتخاذها أساسًا لدرس عملية التحنيط الفنية في هذا العهد؛ فقد فحصت فحصًا دقيقًا تسع موميات لملوك، وأكثر من أربعين مومية لكنهة من عهد الأسرة الواحدة والعشرين، ودُوِّنت النتائج بعناية (راجع Elliot Smith, The Royal Mummies p. 94–111, and Memoires de l’Inst. Egypte T. V. 1906; A. S. 1903, p. 13–17 1906 p. 1–28 with Plates etc).

وأقدم مومية ملكية من هذا العصر هي مومية الملكة «نزمت» زوج «حريحور» أول ملوك الأسرة الواحدة والعشرين في طيبة. وإنه لمن المهم بوجه خاص أن نلفت النظر هنا إلى أن الطريقة الأولى في حشو الجسم قد استُعملت في موميتها، في حين أنه في حالة من جاء بعدها قد استعملت فيه الطريقة الثانية. والواقع أنه توجد بعض دلائل توحي بوجود سبب لتفضيل استعمال طريقة الحشو البالغة التعقيد بدلًا من استعمال طريقة التلوين السهلة؛ إذ لدينا تفاصيل عدة عن التحنيط قد ظهرت للمرة الأولى في موميات الأسرة الواحدة والعشرين تبرهن على ما ذكرناه فيما سبق؛ أي إن فكرة المحنطين هي ألا يجعلوا الجسم يطابق الجسم الحي وحسب، بل أن يكون كاملًا بقدر المستطاع حتى يمكن أن يمثل المتوفى، وأن يحل محل كلٍّ من بقاياه الفعلية، ومحل تمثاله الجنازي الذي كان يوضع في قبره في العهود القديمة، وبخاصة في الدولة القديمة.

وكان كل الجسم يلوَّن باللون الأحمر أو الأصفر الغامق وبالصمغ كما كان يستعمل في التماثيل، وكانت تُركَّب للمومية عينان صناعيتان، أما الخدان والرقبة فكانت تُحْشَى بمواد مختلفة على حسب الحالة، وكانت أشكال الجذع والأعضاء تصلح، أما الأحشاء التي كانت توضع عادة على حدة في أوان خاصة فكانت تعاد إلى الجسم ليصير كاملًا وتامًّا. والواقع أن فكرة جعل الجسم نفسه كاملًا كما كان قد حُدِّدت — بين اختيار طريقة التحنيط الخارجية وطريقة التحنيط الداخلية — بتفضيل الأخيرة على الأولى، ويظهر أن عملية وضع الأحشاء ثانية في الجسم وتركيب أعين صناعية كان قد بُدئ استعماله فعلًا في عهد الأسرة العشرين، مثال ذلك ما نشاهده في موميتي: «رعمسيس الرابع» و«رعمسيس الخامس» (راجع Elliot Smith; Royal Mummies p. 87–92).
وكذلك في المومية المحفوظة في متحف «ليدز»، وهي التي حنطت في عهد «رعمسيس الحادي عشر» (راجع W. Osburn, Account of an Egyptian Mummy presented to the Museum of Leeds Literary & Philosophical Society. Leeds 1828)، وذلك قبل أن تُعْمَل أية محاولة لإصلاح نقائص الشكل الخارجي للمومية. وعلى ذلك فإن مومية الملكة «نزمت» تنسب إلى عهد الانتقال عندما كان المحنطون يحاولون إصلاح شكل المومية المزملة، وليس فيها أثرٌ ما يدل على حشو الأعضاء أو الرقبة، ولكن الوجه قد حُشِيَ عن طريق الفم، وقد بقيت لنا حتى الآن كميات من النشارة في مكانها مع لفائف منقوعة في القطران وضعت على البطن والساقين والعَجُز، وعلى أجزاء أخرى من الجسم. ولم يكن لجرح التحنيط أو فتحة التحنيط لوحة معينة تغطيها، بل كانت تسد فوهتها بكتلة من الشمع، أما الحواجب فبدلًا من إظهارها بوساطة لون كان يركب عليها خصل الشعر الآدمي توضع طولًا وتلصق بالصمغ، وكذلك كانت تركب أعين صناعية تحت الأجفان، وهذه العيون التي كانت تُصنَع من حجر أسود وأبيض تعد أقدم محاولة لتمثيل إنسان العين في الأعين الصناعية لمومية، وذلك على الرغم من أنه في حالة التماثيل كانت هذه الأعين مستعملة منذ عدة قرون قبل ذلك، أما الوجه فكان يحشى حشوًا متقَنًا بالنشارة لدرجة أن الخدود كانت تُملأ تمامًا، وبذلك يتخذ المُحَيَّا شكلًا يكاد يكون مستديرًا، وكان جوف الجسم يُملأ بوساطة فتحة التحنيط بالنشارة، غير أنه لم يمكن العثور على أي أثر للأحشاء، ولم تكن اليدان توضعان أمام البطن، بل كانتا توضعان عموديتين على امتداد الفخذين، وهذه العادة قد أصبحت عامة في الموميات الملكية للأسرة الواحدة والعشرين الرجال والنساء على السواء، كما كانت الحال في بداية الأسرة الثامنة عشرة. أما في موميات الكهنة والكاهنات للإله «آمون» فعلى العكس من ذلك في نفس الأسرة، فقد كانت اليدان توضعان عادة بطريقة تجعلهما تخفيان أعضاء التناسل، فمثلًا نجد أن مومية كاهنة لآمون من هذا العصر قد وضعت يديها بهذا الوضع (راجع A. S. IV P1. VII)، وكانت تحلِّي المعاصمَ أَسْوِرَةٌ عدة من الخرز.

وقد لوحظ في مومية الملكة «ماعت كارع» إتقان فني كبير؛ إذ على الرغم مما لحق بمومية هذه الملكة من عطب على يد اللصوص؛ فإنه يمكن أن نتبين أن كل جزء من الجسم قد حُشِيَ داخله وشُكِّلَ في صورة الملكة عندما كانت لا تزال على قيد الحياة، وقد لُفَّت المومية في كتان ذي نسيج مدهش في دقة صناعته، وقد لُوِّن الوجه بخليط من المغرة الصفراء والصمغ؛ مما جعل ملاءة الشاش التي فوقها تلتصق بها.

وقد حَشَا المحنط الرقبة بكمية من الدهن (يحتمل أن يكون زبدًا) ممزوجًا بالصودا؛ مما ملأ الجلد وجعله يظهر بصورة سمينة كأنه جسم حي إذا ما قرن بالرقاب المنكمشة الهزيلة التي نراها في موميات الأزمان التي قبل ذلك العهد، وهذا الحشو كان يُعمَل بوضع اليد في فتحة التحنيط ومدها حتى منطقة الصدر، وكان جوف الجسم يملأ بالنشارة. ويلاحَظ في هذا الجسم أن المحنط قد فصل الجلد عن الأنسجة العضلية التي تليه في الحافة الأمامية لفتحة المحنط، وفي المسافة التي تتخلف عن ذلك كان المحنط يضع يده ويدفع بها تحت الجلد في الجزء الأمامي من الصدر، ويُمْلَأ الفضاء المتخلف عن ذلك بالكتان الخشن، ولم تُعمَل أي محاولة لحشو الثديين، ولكن باقي الجذع كان يشكَّل على أساس هذا الحشو من الكتان، وقد كُبِّر الثديان في هذه المومية بدرجة عظيمة، ويرجع السبب في ذلك إلى أن الملكة كانت عند مماتها ترضع طفلًا، وقد دُفِنَت مومية الرضيع معها في تابوت واحد (ولم يمكن معرفة الرضيع إذا كان ذكرًا أو أنثى حتى الآن)، وتدل شواهد الأحوال على أن الملكة قد ماتت في أثناء الوضع أو بعده مباشرة. وهذه المومية تقدم لنا من جهة تفاصيل عدة عن الطرق الدقيقة للحشو الذي استعمل في تجهيز الجسم في ذلك العهد، وعلى ذلك فإنه من المفيد هنا أن نصفها وصفًا عامًّا. والواقع أن كل العملية كانت معقدة تعقيدًا كبيرًا صعبًا؛ فقد كان على المحنط — لأجل أن يزيل أحشاء المتوفى القابلة للعطب — أن يدخل يده وذراعه من الفتحة التي كانت تُعمَل خاصة في الجانب الأيسر (راجع الصورة ٢٥) X، ثم يزج بها في جوف الجسم على امتداد الخط Z لحشو الرقبة T بالكتان والزبد أو بعض مواد أخرى، وبعد ذلك كانت توضع لفافة من الكتان في المكان المشار إليه في الصورة بحرف W؛ لأجل أن تحفظ الحشو من السقوط، وبعد ذلك كانت تستعمل اليد أو آلة أخرى للوصول إلى كل من الفخذين Y من جوف الجسم، وبهذه الكيفية يوضع الحشو V في كل الساق حتى الكعب.
وفي بعض الأحيان كانت تُعمَل فتحات إضافية في جلد القدم i & e، وفي أحوال نادرة في منطقة الكعب d وفي الركبة c لأجل أن يتمكن المحنط من حشو هذه الأجزاء من الجسم بدقة أكثر، وعند الفراغ من حشو الرقبة والساقين كانت تعاد الأحشاء المحفوظة في جوف الجسم ملفوفة في الكتان، وعندئذ كان يفصل الجلد من عضلات جدار الجسم في كل من حافتي فتحة التحنيط (صورة رقم ٢٥) X في الجانب الأيسر، وبعد ذلك كانت توضع مواد حشو لإصلاح صورة الجزء الأعلى من الجسم s، وكذلك الظهر R & Q، وعندما كانت تصادف المحنطَ عقباتٌ خاصة كان يقوم بعمل فتحتين في الجسم f, g & h، أما الكتفان والذراعان فكانت تحشى بوساطة فتحات خاصة a في الكتف، في حين أن الخدين كانا يحشيان بوساطة الفم (راجع Elliot Smith, Memories d’institut Egyptien t. V fasc., pp. 19–28).
وقد حُنِّطَ جسم الملكة «حنت تاوي» بنفس الطريقة مع الفارق أن المحنط هنا قد بالغ في حشو الجسم؛ فقد وضع كمية كبيرة جدًّا فوق المعتاد من مادة تشبه الجبن في الفم، ولكن ذوبان الأملاح المختلطة بالشحم تسبب عنه تمدد جلد الخدين مما جعلهما ينفجران من الجانبين من الزاوية الخارجية للعين إلى أسفل حتى الذقن (راجع Royal Mummies, Pls. LXXV & LXXVI).
وعلى الرغم من أن اللصوص قد عبثوا بهذه المومية ليأخذوا ما معها من حُلِيٍّ؛ فإنه قد أفلت من أيديهم قطعة ذات قيمة عظيمة؛ فقد وجد بين اللفائف المبعثرة طرف خيط، وعند تتبع أثره وُجد أنه كان متصلًا بلوحة فاخرة من الذهب كانت تغطي فتحة التحنيط، وأنها كانت في الأصل مربوطة حول وسط المومية. وهذه اللوحة تعد أحسن مثال عُثِرَ عليه حتى الآن، ويقدَّر وزنها بوزن ثمانين جنيهًا، وهي فريدة في نوعها؛ لا لأنها قد صُوِّرت عليها العين السحرية العادية وحسب، بل قد رسم عليها كذلك صور أولاد «حور» الأربعة الذين كانوا يحرسون الأحشاء كلٌّ باسمه وألقاب الملكة وطغراءاها، وكان شعر هذه الملكة قد وُضِعَ مكانه شعر مستعار كما كانت الحال مع معظم الملكات، وقد لُوِّن وجهها باللون الأصفر، والخدان والشفتان باللون الأحمر، والحاجبان بالأسود. وكان يوضع في جوف الجسم بين النشارة التي كان يحشى بها بقايا الأحشاء التي وضعت ثانية في مكانها، وكان يوضع معها أشكال الآلهة الحراس المصنوعة من الشمع، وكانت فتحة التحنيط تُسَدُّ بكمية كبيرة من عجينة القطران، كما كان يوضع على سطح هذه الفتحة الخارجي لوحة من الشمع، وقد ظهر في هذه المومية معالجة خاصة في تجهيز الحوض، وهو المثال الوحيد الذي كُشِفَ عنه حتى الآن، وذلك أنه عندما أزال المحنطون الأحشاء نظفوا جوف الحوض تمامًا من محتوياته، ووضعت سدادة من الكتان في «الشرج Perineum»، وحفظت في مكانها بوساطة خيط غليظ اخترق الحوض، ومر في فتحة التحنيط ونزل ثانية إلى «الشرج Perineum».

وقد حُنِّطَت مومية الكاهن الأكبر «ماساهرتا» ابن الملك، والكاهن الأكبر «بينوزم الأول» بهذه الطريقة — والموميات التي سبق أن تحدثنا عنها كلها لنساء — وقد تسبب عن التصاق اللفائف الداخلية جدًّا بالجلد — وذلك لأنها كانت مشبعة بالقطران — تكوين قشرة كما كانت الحال في الموميات التي وصفناها فيما سبق، وقد ظهر الميل إلى حشو الوجه بأكثر مما يجب تمامًا في مومية هذا الكاهن مما جعل منظره منتفخًا بَشِعًا، وقد لُوِّن الوجه بالمغرى الحمراء، واللون الأحمر — كما هو معروف — لون الرجال، والأصفر لون السيدات، ويشاهَد ذلك في التماثيل والصور التي على الجدران من أقدم العهود، وكما كان المتبع في موميات الذكور الخاصة بهذه الأسرة نلحظ أن كل الجسم كان ملوَّنًا بالمغرى والصمغ، وكانت اليدان توضعان أمام منطقة التناسل، ولكن بالنسبة إلى عظم ضخامة جسم هذا الكاهن، فإن وضعهما بهذه الكيفية لم يجعلهما يصلان لإخفاء عضو التناسل كما كان المقصود من هذا الوضع.

ويلاحَظ أن فتحة التحنيط في هذه المومية كانت توجد في المكان الذي كانت تعمل فيها في عهد الأسرة الثامنة عشرة؛ أي موازية لرباط بوبارت بدلًا من عملها في خلال هذا العهد فوق مستوى الشوكة الحرقفية، وهذا الخروج عن القاعدة المتبعة كغيره من الشواذ التي فحصناها له سبب، وهو في حالتنا هذه عظم ضخامة جسم هذا الكاهن راجع (Royal Mummies p. 106 P1 LXXIX).
ومومية والدة هذا الكاهن المسماة «أستمخب» قد وجدت سليمة، لدرجة أن لفائفها لم تفك بعد، وإنه لمن المفيد أن تؤخذ لها صورة أشعة (راجع Ibid P1. LXXX).
ومومية الكاهن والفرعون «بينوزم الثاني» قد حُنِّطت على حسب القواعد المتبعة في هذه الفترة؛ فقد وجد جوف الجسم محشوًّا بالنشارة وحُزَمٍ من الكتان تحتوي على الأحشاء التي حُنِّط كل جزء منها على انفراد (Ibid p. 107 P1. LXXXI).

أما موميتا الأميرة «نسخنسو» و«نسبتا نبأشر» فتعدان من أحسن النماذج في التحنيط في عهد الأسرة الواحدة والعشرين، فنجد أن حشو الأعضاء والجذع وتشكيلها قد عُمِلَ بمهارة فائقة، وقد لوحظت هنا غلطة زيادة حشو الوجه ونفخه، فلم ترتكب هنا ثانية، وعلى الرغم من المهارة التي وصل إليها الصناع في عملية الحشو الشاقة يلاحَظ بدهشة أنهم لم يقوموا بأية محاولة لإعطاء الجذع صورة مناسبة؛ إذ نجد أن الثديين قد فُرْطِحَا ولُصِقَا بجدار الجسم، أما الذراعان فقد مُدَّتا تمامًا، ونلاحظ أولًا أن راحتي اليدين قد قُلِبَتا إلى الداخل على الوجه الخارجي للفخذين، وفي حالة أخرى نجد أنهما قد وضعتا على مقدمة الفخذين.

ونجد في سلسلة الموميات الخاصة بالكهنة والكاهنات لآمون من هذه الأسرة — ويبلغ عددهم أربعًا وأربعين مومية — مزايا هامة تُظْهِر المهارة العظيمة التي كان يتصف بها محنطو هذا العهد، فمثلًا قد صنعوا مومية ناجحة لرجل على الرغم من التشويه البالغ للعمود الفقري الناتج من «مرض الِاحْدِيدَابِ Pott Disease» (راجع Elliot Smith & Ruffer in Part III of zur historischen Biologie der Krankheitserreger & Egyptian Mummies p. 156).
وفي مومية أخرى نجد أن فتحة التحنيط بدلًا من أن تُتْرك فاغرة فاها، كما كانت العادة المتبعة كانت تخاط بدقة (راجع Ibid. Fig. 36).
وفي حالة امرأة عجوز بدا هزالها بصورة كبيرة، وتدل حالتها العامة على أنها كانت قد لازمت الفراش مدة طويلة، نجد أنها تكشف لنا عن حالة غريبة، وذلك أنه وجدت جراح في جسمها حدثت قبل مماتها — ربما كان سببها من السرير — على الظهر بين الكتفين، وعلى الأَلْيَتَيْنِ، وهذه الفتحات المتسببة عن النوم قد استُعملت لحشو الظهر بوساطتها، ثم رقعت بقطع مربعة من الجلد الرفيع، ويحتمل أنه كان جلد غزال، وهذه الرقعات خِيطت في الجلد السليم البعيد من الجزء الممزق، وقد غطيت غرز الخياطة بقطع من نسيج الكتان المدهون بالقطران، وكذلك نجد أن خُرَّاجًا كبيرًا حدث في الجزء الذي بين عضو التناسل والمستقيم، وقد سُدَّ وخِيطَ بخيط، هذا إلى قرحة على إحدى الساقين قد غطيت برقعة من الكتان المغموس في القطران (راجع Royal Mummies, Fig. 37)، وقد كان القلب دائمًا يُتْرَكُ بعناية في مكانه الأصلي (إلا إذا كان بطريق الصدفة قد قُطِعَ من يد محنط غير ماهر في عمله) متصلًا بأوعيته الدموية (راجع Ibid Fig. 38)، أما الأحشاء الأخرى فكانت تُلَف في أربع حزم منفردة كل منها معها صورة من الشمع تمثل الحارس الخاص بها وتوضع في جوف الجسم ثانية (راجع Ibid Fig. 39).

ولا يفوتنا بهذه المناسبة أن نذكر أن الأحشاء كانت توضع في كل العصور السابقة منذ عهد الدولة القديمة في أوانٍ خاصة بالأحشاء، وقد وجد في عهد الأسرة الحادية عشرة مقبرة لفرد يدعى «سنبتيزي» باللشت وضع في كل من أواني الأحشاء الأربعة الجزء الخاص بها، وأغطية هذه الأواني كانت تصور على هيئة رأس إنسان حتى نهاية الأسرة الثامنة عشرة، وبعد ذلك كانت تصور برءوس أولاد حور الأربعة: واحد منها برأس إنسان، والثاني برأس صقر، والثالث برأس «ابن آوى»، والرابع برأس قرد. وهذه الأواني كانت تختم وتوضع في صندوق يمكن رؤيته مجرورًا على زحافة في الصور الجنازية، وقد عُثِرَ على أمثلة كثيرة منها.

وهذه المجموعة من الأواني التي لا يتعدى كل منها أربعًا موحدة بأحد أبناء حور الأربعة، وكانت الأحشاء تُلَفُّ في أربع لفافات منفصلة: واحدة تحتوي على الكبد وتوحَّد بالحارس «أمست»، والثانية تحتوي على المعدة وتوحَّد بالحارس «دواموتف»، والثالثة تحتوي على الرئتين وتوحَّد مع الحارس «حابي»، والرابعة تحتوي على الأمعاء توحَّد مع الحارس «قبح سنوف».

وقد جرت العادة أن تذكر الكتب المدرسية الصغيرة عندما تشير إلى تحنيط الأحشاء أن كل الأحشاء كانت تُزَال من الجسم وتوضع في أواني «كانوب»، فكان يوضع في الإناء الذي يمثل «أمستي» المعدة والأمعاء الغلاظ، وآنية «حابي» فيها الأمعاء الصغيرة، وآنية «دواموتف» يوضع فيها القلب والرئتان، وأخيرًا آنية «قبح سنوف» تحتوي على الكبد والطحال. وهذا البيان الذي نجده قد كُرِّرَ كثيرًا في الكتب المتداولة يرجع إلى أنه قد نُقِلَ عن مقال كتبه «بتيجرو» عام ١٨٣٧ (راجع Transaction of Society of Antiquities April 1838 The Jersey Mummy) بمناسبة مومية واحدة حدث إهمال من جانب المحنط فيها؛ مما أدى إلى نسبة خاطئة عن الأحشاء في هذا المثل، ولكن بعد فحص عدة موميات وصل العلماء إلى النتيجة التي ذُكرت سابقًا (راجع Elliot Smith, Contribution to the Study of Mummification in Egypt in the Memoires Inst. Egypt t. V fasc. 1 (1906)).

ويلاحَظ هنا أنه لم يُذكَر شيء عن القلب والكليتين، وقد ذكر «ديدور سيكبولس» قصدًا أن القلب والكليتين لم تحسب مع الأحشاء الأخرى، وقد دل فحص عدة موميات كثيرة جدًّا على أن القلب كان يُترَك دائمًا في مكانه الأصلي ويبقى متصلًا بالأوعية الكبيرة، اللهم إلا في حالات قليلة كان قد أزيل القلب عن طريق الإهمال كلية أو جزئيًّا، وفي مثل هذه الحالة كان يوضع ثانية في الجسم، ولم يُلَفَّ قط مع الأحشاء الأخرى.

أما من جهة الكليتين فإن الموضوع ليس بواضح، ففي عهد الأسرة الواحدة والعشرين كانت العادة المتبعة — وهي وضع الأحشاء المعروفة في أواني «كانوب» — قد بطلت تقريبًا (راجع J. E. A. V. Vol. V p. 273)، (وقد كانت توضع بدلًا منها أوان رمزية أحيانًا في القبر تخليدًا للعادة القديمة بعد أن بطل استعمالها الحقيقي، وقد وُجِدَت بعض أواني أحشاء من عهد الأسرة الواحدة والعشرين خاصة بأسرة الكهنة الملوك، غير أنها كانت قليلة الاستعمال جدًّا في هذا العهد). وقد أصبحت العادة المتبعة أن يُلَفَّ كل جزء مع تمثال الشمع الذي يمثل الإله الحارس الذي يحرسه ويوضع في الجسم، وقد كانت الكليتان توجدان من وقت لآخر في حزم الأحشاء، ومعها أحد آلهة هذه الأحشاء، وفي كثير من الأحيان كانتا توجدان في حزم منفردة عن تلك التي تحتوي على تماثيل لأولاد «حور»، وفي حالات عديدة لم يكن من المستطاع معرفة الحزمة التي تشمل الكليتين، على أن عدم نسبة الكليتين لأي إله معين من آلهة الأحشاء مضافًا إلى ذلك ما ذكره «ديدور» عن الكليتين يمكن على ما يُظَن أن يعتبر برهانًا معضدًا للرأي القائل إن قصد المحنطين ترك الكليتين مثل القلب في مكانهما الأصلي في الجسم، وإن هناك أهمية خاصة متصلة بهذين العضوين؛ مما جعل من غير المرغوب فيه إزالتهما من الجسم مع الأحشاء الأخرى، على أن إزالة الكليتين أحيانًا يمكن اعتباره أنه قد جاء عن طريق الإهمال من جانب المحنط كما كان يحدث من وقت لآخر في حالة القلب (راجع Elliot Smith, Journal of the Manchester Oriental Society Vol. I (1911) p. 45ff).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١