العبرانيون

تدل البحوث العلمية والنقوش الأثرية الباقية على أن قوم «العبرانيين» هم رابع قوم استوطنوا بلاد «سوريا»، وهؤلاء الأقوام هم «الآموريون» و«الكنعانيون» و«الآراميون» ثم «العبرانيون»؛ ففي العهد «الآموري» كان مركز الجاذبية للشئون السورية في الشمال، وفي العهد «الكنعاني» انتقلت هذه القوة المركزية إلى الشاطئ، وفي عصر «الآراميين» كانت في الداخل، وفي زمن «العبرانيين» انتقلت القوة إلى الجنوب في «فلسطين».

أصل العبرانيين

الظاهر أن دخول العبرانيين أرض «فلسطين» كان في ثلاث هجرات لم تحددها لنا الحوادث التاريخية تحديدًا شافيًا، فالهجرة الأولى بدأت من بلاد «مسوبوتاميا»، وهي على وجه التقريب معاصرة لهجرة القرن الثامن عشر ق.م التي كان من جرائها انتشار «الهكسوس الحوريين» على الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض (راجع مصر القديمة الجزء الرابع)، والهجرة الثانية كان لها علاقة بقوم «الآراميين» في القرن الرابع عشر ق.م، وهم الذين عاصروا عهد «إخناتون» (راجع الجزء الخامس)، والهجرة الثالثة — وهي التي نعرف عنها الشيء الكثير بالنسبة لسابقتيها — فكانت على ما يقال من مصر والجنوب الشرقي في عهد «موسى» و«يوشع» في نهاية القرن الثالث عشر ق.م (راجع مصر القديمة الجزء السابع Theophile G. Meek. Heprew, Origins (New York 1936) p. 3ff). وقد كان الكنعانيون يؤلفون معظم السكان عندما جاء رؤساء قبائل الهجرة الأولى من بلاد «مسوبوتاميا»، وكان الأموريون يسكنون الأراضي المرتفعة التي لم يكن فيها سكان متوطنون بكثرة، وكانت هذه فرصة ليجد المهاجرون الجدد مكانًا يأوون إليه، وهؤلاء الجدد أقوام صغيرة كانوا يحتلون الأماكن البعيدة عن الجهات المطروقة، وقد تزاوج المهاجرون الجدد بهؤلاء الناس؛ ومن ثم نتج قوم «العبرانيين» فكانوا خليطًا من «الساميين» و«الحوريين» و«الخيتا» وأقوام أخرى لا ينتسبون إلى الجنس السامي، وقد نبذ العبرانيون لهجتهم السامية القديمة وتكلموا باللهجة الكنعانية. والواقع أن اللغة الفينيقية واللغة العربية القديمة — كما جاء في كتاب العهد القديم — هما لغة واحدة تتميز كل منهما بلهجتها، وعلى أية حال، فإن العبرانيين الأُوَل قد أصبحوا الوارثين للثقافة الكنعانية المادية والمعتنقين لكثير من العبادات والعادات والشعائر الدينية الكنعانية.

ولا نزاع في أن بداية استيطان العبرانيين في سوريا أمر يحوطه الغموض، وقد وصل إلينا في صورة أساطير تقليدية، فذكرت لنا الروايات أن إبراهيم (بالعبرية أبه-رم = الوالد سامي) جدهم قد وفد من بلدة «أور» ببلاد «مسوبوتاميا» عن طريق حاران، وقطن بجوار «حبرون» مؤقتًا، وقد أنجب «إسحاق» (ومعناها ليته (أي أيل) يضحك)، وبعد أن استوطن عدة سنين في «بادان آرام» انتخب «يعقوب» (معناها ليته يحمي)؛ ليكون الابن المفضل على أخيه التوءم «عيساو» (سِفر التكوين إصحاح ٢٥، سَطْرَا ٢٣–٣٤) وهاك المتن: «فقال الرب: إن في جوفك أمتين، ومن أحشائك يتفرع شعبان: شعب يقوى على شعب، وكبير يستعبد لصغير.» إلخ). ثم غير اسمه إلى إسرائيل (يسير إيل = إيل يحكم)، وقد تسمى «عيساو» باسم آخر هو إدوم (أحمر)، وفي نهاية الأمر استولى أخلافه من الأهالي على جبل «سعير»، وأصبحوا يسمون الأميين (راجع كتاب التثنية الإصحاح ٢ سطر ٢)، وهاك المتن: «ومُرِ الشعبَ وقُلْ لهم: إنكم مارون في تخم إخوتكم بني «عيسو» المقيمين بسعير فسيخافونكم فتحرزوا جدًّا.» وكذلك «سطر ١٢» وهو: «وأما سعير فأقام بها الحوريون قبل «بني عيسو» فطردوهم وأبادوهم من بين أيديهم، وأقاموا مكانهم كما صنع إسرائيل في أرض ميراثهم التي أعطاها الرب لهم.» إلخ. وعلى ذلك حذف «عيساو» من مجرى حياة العبرانيين، وقد ظن أن مثله كان كمثل «إسماعيل» الذي أنجبه «إبراهيم» من «هاجر» المصرية؛ إذ تُغُوضِيَ عنه وفُضِّل عليه «إسحق»، وكان الابن الحادي عشر من أولاد «يعقوب» هو «يوسف»، وهو الابن الأكبر «لراشيل»، وقد بِيع في مصر، حيث رُفِعَ إلى أعلى المراتب؛ إذ نصبه الفرعون على خزائن الأرض (قال اجعلني على خزائن الأرض «قرآن كريم»)، وبعد أن مكث نسل «يوسف» وإخوته في مصر عدة أجيال عادوا إلى أرض الميعاد بقيادة «موسى».

هذا هو مختصر تاريخ العبرانيين في بعض جمل كما كتبه كتَّاب عاشوا بعد مئات السنين من وقوع حوادثه، وقد استندوا في كتابتهم على الرواية والسماع، فهو في هذا كالأحاديث النبوية التي نقلت بالرواية، والصحيح منها قليل جدًّا إذا ما قرنت بالمكذوب الملفق، ولكن توجد في التوراة نواة الحقيقة التي كُسيت بالأساطير حتى غطت عليها في كثير من الأحوال. ومن الغريب أن هؤلاء المؤرخين لم يكتفوا ببدء قصتهم بأجداد قوم العبرانيين، بل رجعوا إلى الوراء مبتدئين بقصة أصل البشر إلى أن وصلوا بها إلى بداية الخليقة، وقد أخذوا مادتهم في ذلك من المصادر البابلية، وهذه الحقيقة لم يُكشَف عنها إلا بعد منتصف القرن الأخير عندما حُلَّت رموز اللغة المسمارية وكُشِفَ فيها عن قَصص مماثل لما جاء في التوراة عن أصل الخليقة، وعن الطوفان وغير ذلك من الأقاصيص التي نجدها في كتاب العهد القديم، وقد ضخمت وبسطت هذه القصص بقلم الكتَّاب العبرانيين، ووضعت في صورة أخلاقية، وكتبت بشكل شيق جدًّا حتى أصبحت جزءًا من الإرث الأدبي الإنساني؛ مما جعلها دائمًا منبع تعاليم تستمد منها الأجيال من القراء في كل بلاد العالم وفي كل اللغات.

ولا نزاع في أن التاريخ اليهودي — الذي كُتب قبل عهد القضاة وهو الذي وضعه مؤرخهم — ليس بتاريخ علمي ذي أسانيد، بل الواقع أنه من الصعب حتى في تاريخ القضاة أن يصل الإنسان منه إلى اللب التاريخي الذي يمكن الاعتماد عليه. ومن الجائز أن ما جاء عن قصة «إبراهيم» يضع أمامنا أقدم هجرة لهؤلاء القوم، وقصة «إسرائيل» قد تعكس أمامنا الهجرة الثانية لهم، أما قصة «موسى» فهي قصة تاريخية بلا نزاع كما يدل ظاهرها.

وعلى أية حال، يبتدئ تاريخ «إسرائيل» الحقيقي بوصفهم قومًا منذ وقت خروجهم من أرض مصر، وهذا الحادث كما فصلنا القول فيه (الجزء السابع من مصر القديمة) وقع في أواخر القرن الثالث عشر ق.م في عهد «رعمسيس الثاني» ١٢٩ق.م.

ويلاحَظ أن ما جاء على لوحة «مرنبتاح» التي ذكر عليها للمرة الأولى اسم «إسرائيل» قد يشير إلى إسرائيليين لم يهاجروا من مصر، بل كانوا متوطنين هناك «فلسطين» من قبل، وهذا في رأينا هو الواقع.

وقد ترك رجال قبيلة «راشيل» مصر في باكورة القرن الثالث عشر ق.م طئوا في طريقهم عدة سنين في «شبه جزيرة سينا» وضواحي «قادش بارنا» يحتمل أن هذا المكان هو عين قديس الحالية على بعد ٥١ ميلًا من بير شيبا حيث شربوا الذل والهوان ألوانًا، ومن العجيب أن هذه المفازة الكبيرة المخيفة التي أزعجت ذكرياتها عقول اليهود مدة أجيال يمكن قطعها الآن في خمس ساعات على طريق مُعَبَّدٍ سُفلت طوله ١٤٠ك.م بالسيارة، وهي الطريق الموصلة بين مصر وفلسطين.

والظاهر أن في «مدين» التي تؤلف الجزء الجنوبي من «شبه جزيرة سينا» عقد الميثاق الإلهي، وذلك أن قائد هؤلاء المهاجرين من اليهود وهو «موسى» (س = ابن) تزوج من ابنة كاهن مديني يعبد «يهوه» وهو «شعيب»، وقد لقن الكاهن «موسى» تعاليم هذا الدين، وهذا الإله الذي كان يعبد في شمال بلاد كان إله صحراء، وكان في الأصل إله القمر، ويسكن في خيمة، وكانت شعائره تشمل أعيادًا وضحايا من بين قطعان عباده، ولا بد أن آخرين من هؤلاء المهاجرين قد تزاوجوا هؤلاء المدينيين والقينيين١ وغيرهم من سكان شمالي صحراء بلاد العرب.

وقد ظهر أهل هذه القبيلة وهم خليط رُحَّل حوالي ١٢٥٠ق.م من الجنوب الشرقي؛ أي من صحراء ما وراء الأردن، وفي عزمهم احتلال هذه الأرض الخصبة، وكان عددهم لا يتجاوز ٦٠٠٠ أو ٧٠٠٠ نسمة، هذا إذا لاحظنا أحوال الحياة في الصحراء، وقلة الماء، والتموين المحدود من الطعام، والمساحة القليلة لرعي القطعان، أما ممالك «أدوم» و«مؤاب» و«عمون» الصغيرة التي تقع في الجنوب والشرق والشمال الشرقي «للبحر الميت» فقد تخطوها، ولم يقوموا بأية محاولة لإخضاعها حتى العهد الذي أسسوا فيه مملكتهم، وكان أول انتصار للعبرانيين هو الذي أحرزوه على الملك الآموري «سيحون»، وقد جاء على أعقاب ذلك نصر آخر كسبوه على الملك «عوج» الجبار.

(سفر العدد الإصحاح ٢١ سطر ٢١ إلخ) وهو: «وأرسل إسرائيل رسلًا إلى «سيحون» ملك الآموريين قائلًا: دعني أَمُرَّ في أرضك، لا نميل إلى حقل ولا إلى كَرْم، ولا نشرب ماء بئر، في طريق الملك نمشي حتى نتجاوز تخومك. فلم يسمح «سيحون» لإسرائيل بالمرور في تخومه، بل جمع «سيحون» جميع قومه وخرج للقاء إسرائيل في البرية، فأتى إلى «باهص» وحارب إسرائيل، فضربه إسرائيل بحد السيف وملك أرضه من «أرنون» إلى «يبوق» إلى بني «عمون»؛ لأن «تخم» بني «عمون» كان قويًّا. إلخ.»

(سفر العدد الإصحاح ٢١ سطر ٣٣) وهو: «ثم تحولوا وصعدوا في طريق «باشان»، فخرج «عوج» ملك «باشان» للقائهم هو وجميع قومه إلى الحرب في أدرعي، فقال الرب لموسى: «لا تخف منه لأني قد دفعته إلى يدك مع جميع قومه وأرضه، فتفعل به كما فعلت «بسيحون» ملك الآموريين الساكن في «حشبون»، فضربوه وبنيه وجميع قومه حتى لم يبقَ له شارد، وملكوا أرضه.»

وكانت من أول المدن الكنعانية المسورة التي سقطت في فلسطين نفسها مدينة «لاخيش» (تل الدواير) و«عاي» (بالقرب من دير ديوان الحالية). (سفر «يوشع» إصحاح ١٠ سطر ٣١) وهو: «ثم اجتاز يوشع وكل إسرائيل معه من لبنة إلى لخيش ونزل عليها وحاربها.»

(وسفر يوشع إصحاح ٨ سطر ٣ إلخ) وهو: «فقام يوشع وجميع رجال الحرب للصعود إلى عاي، وانتخب يوشع ثلاثين ألف رجل جبابرة البأس وأرسلهم ليلًا إلخ.»

وكذلك اجتازوا «أريحا»، وقد كان سقوطها من أهم الحوادث، وقد حرقت «أريحا» عاصمة مملكة الكنعانيين وكل ما فيها، وقد جاء في «سفر يوشع إصحاح ٦ سطر ٢» ما يأتي: «فقال الرب ليوشع: انظر، قد دفعت بيدك أريحا وملكها جبابرة البأس تدورون دائرة المدينة جميع رجال الحرب؛ حول المدينة مرة واحدة إلخ.»

وفي نفس الإصحاح سطر ١٥: «وكان في اليوم السابع أنهم بكروا عند طلوع الفجر، وداروا دائرة المدينة على هذا المنوال سبع مرات، في ذلك اليوم فقط داروا دائرة المدينة سبع مرات إلخ.»

وفي «سطر ٢٤ من نفس الإصحاح»: «وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها، إنما الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد جعلوها في خزانة بيت الرب إلخ.»

أما «مجدو» في الشمال فلم تخرب إلا بعد حوالي مائة سنة بعد ذلك، وقد كان من جراء توغل العبرانيين في بلاد «جليلي» فتح «حاصور» (تل الوقاص أو تل القداح على مسيرة ثلاثة أميال وثلاثة أرباع ميل من جسر بنات يعقوب) عاصمة مملكة الكنعانيين في الشمال، وقد كان لا بد من فتح «حاصور» في عهد القضاة. (فسفر القضاة إصحاح ٤ سطر ٢) يقول: «فصرخ بنو إسرائيل إلى الرب؛ لأنه كان له تسعمائة مركبة من حديد، وهو ضايق بني إسرائيل بشدة عشرين سنة.»

وكذلك سطر ٢٣ يقول: «فأذل الله في ذلك اليوم بابين ملك كنعان أمام بني إسرائيل.»

وكذلك (سفر صموئيل الأول إصحاح ١٢ سطر ٩) يقول: «فلما نسوا الرب إلههم باعهم ليد سيسرا رئيس جيش حاصور، وليد الفلسطينيين، وليد ملك موآب فحاربوهم، فصرخوا إلى الرب وقالوا: أخطأنا؛ لأننا تركنا الرب وعبدنا البعليم والعشتاروت. إلخ. وهناك مدن أخرى هامة مثل «بيت شان» و«أورشليم» و«جيزر» لم تسقط إلا بعد حوالي مائة سنة أو بعد ذلك بقليل.»

والواقع أن ما يسمى الفتح العبري كان بعضه بحد السيف وبعضه الآخر بالتوغل السلمي في أرض «المن والسلوى»، وذلك أن النازحين الجدد لم يكادوا يضمنون لأنفسهم موطنًا في الأرض الزراعية حتى وطدوا أقدامهم بالتزاوج من العناصر القديمة في البلاد وكذلك بالانضمام لأقاربهم الذين كانوا قد بقوا في البلاد منذ الأزمان القديمة ولم يهاجروا قط إلى مصر، وبذلك كونوا لأنفسهم حكومة لها أهمية عظيمة.

وقد كان أهم شيء في نظر مؤرخي هؤلاء القوم هو المواقع الحربية، فكان محور قصة تاريخهم في غالب الأحوال منصبًّا على هذه المواقع، هذا بالإضافة إلى بعض حوادث كان لا بد من سردها. وجملة القول: أن كل هذه العملية قد أفضت إلى أن أصبح الأهلون في قبضة العبرانيين، إما بالمعاهدات، أو بالفتح، أو بضمهم إليهم شيئًا فشيئًا.

وتدل الحالة على أنه في إثر الاستيلاء على هذه الأرض قسمت بين الإحدى عشرة قبيلة التي كان يتألف منها العبرانيون، هذا مع ترك قبيلة «ليفي» الكهنوتية موزعة بين القبائل الأخرى؛ ليدير أفرادها حاجياتهم الدينية، وقد كان من جراء ذلك أن سكنت قبيلتا: «يهودا» و«بنيامين» في الإقليم الجبلي الواقع حوالي «أورشليم»، أما القبائل الأخرى فقد استوطنوا في السهول الخصبة الواقعة في الشمال.

وكانت مدة الاستقرار لهؤلاء القوم تنحصر تقريبًا في الربع الأخير من القرن الثاني عشر ق.م وثلاثة أرباع القرن الحادي عشر ق.م، وهذه الفترة تتفق مع العهد الذي يسمى «عصر القضاة»، وهؤلاء القضاة كانوا في الواقع أبطالًا وطنيين، وحكامًا ولدتهم الأحوال في الأوقات الحرجة، وقادوا قومهم لمحاربة الأعداء المجاورين أو الأجانب الغاشمين، مثال ذلك «دبورة» وكانت قاضية «إسرائيل»، فقد قادت مع «باراق» ست قبائل إلى النصر النهائي على «كنعان» في الشمال، وتعد من بين هؤلاء القضاة الشجعان، (فسفر القضاة إصحاح ٤ سطر ٤–١٤) يقول: «و«دبورة» امرأة نبية زوجة «لفيدوت» هي قاضية إسرائيل في ذلك الوقت، وهي جالسة تحت نخلة «دبورة» بين «الدامة» و«بيت إيل» في «جبل إفرايم»، وكان بنو إسرائيل يصعدون إليها للقضاء، فأرسلت ودعت «باراق» بن «أبينوعم» من قادش نفتالي، وقالت له: ألم يأمر الرب إله إسرائيل، اذهب وازحف إلى جبل تابور، وخذ معك عشرة آلاف رجل من بني نفتالي ومن بني زبولون، فاجذب إليك في نهر فيشون سيسرا رئيس جيش بابين بمركباته وجمهوره وادفعه ليدك. فقال لها «باراق»: إن ذهبتِ معي أذهب، وإن لم تذهبي فلا أذهب. فقالت: إني أذهب معك، غير أنه لا يكون لك فخر في الطريق التي أنت سائر فيها؛ لأن الرب يبيع سيسرا بيد امرأة. فقامت دبورة وذهبت مع باراق إلى قادش.»

«ودعا باراق زبولون ونفتالي إلى قادش وصعد ومعه عشرة آلاف رجل، وصعدت دبورة معه، وحابر القيني انفرد من قاين من بني حوباب حمى موسى وخيم حتى إلى بلوطة في صعنايم التي عند قادش، وأخبروا سيسرا بأنه قد صعد باراق ابن أبينوعم إلى جبل تابور، فدعا سيسرا جميع مركباته تسعمائة مركبة من حديد وجميع الشعب الذي معه من حروشة الأمم إلى نهر قيشون، فقالت دبورة لباراق: قم؛ لأن هذا هو اليوم الذي دفع فيه الرب سيسرا ليدك، ألم يخرج الرب قدامك؟ فنزل باراق من جبل تابور ووراءه عشرة آلاف رجل.» إلخ.

ومثل هذه الحال كانت مع «جدعون» الذي صد بقوة يبلغ عددها ٣٠٠ نسمة أهل «مدين». وفي «سفر القضاة إصحاح ٧ سطر ١٥» يقول: «وكان لما سمع «جدعون» خبر الحلم وتفسيره أنه سجد ورجع إلى محلة إسرائيل وقال: قوموا؛ لأن الرب قد دفع إلى يدكم جيش المديانيين.»

وكان أهم شخصية بين القضاة «شمشون»، وقد صبغت قصة الحروب التي أشعل نارها على الفلسطينيين بطبقات من الزينة حاكها خيال القصاصين اليهود.

(وسفر القضاة إصحاح ١٤) يقول: «ونزل «شمشون» إلى «تمنة» فرأى في «تمنة» امرأة من بنات فلسطين، فصعد وأخبر أباه وأمه وقال: رأيت في «تمنة» امرأة من بنات الفلسطينيين فاتخذاها لي زوجة. فقال له أبوه وأمه: أليس في بنات أخويك وفي شعبي كله امرأة حتى تذهب وتأخذ امرأة من الفلسطينيين الغُلف؟! فقال «شمشون» لأبيه: بل إياها تأخذ لي؛ لأنها حَسُنَتْ في عيني. ولم يعلم أبوه وأمه أن هذا كان من قِبَلِ الرب، وأنه كان يطلب سببًا على الفلسطينيين، وكان الفلسطينيون في ذلك الزمان متسلطين على إسرائيل، فنزل «شمشون» وأبوه وأمه إلى «تمنة»، ولما بلغوا إلى كروم «تمنة» إذا شبل لبؤة يزأر في وجهه، فحلت عليه روح الرب ففسخه كما يُفْسَخ الجدي ولم يكن في يده شيء، ولم يخبر أباه وأمه بما فعل، ثم نزل وخاطب المرأة فحسنت في عيني «شمشون»، ورجع بعد أيام ليأخذها، فجاء لينظر إلى جثة الأسد، فإذا في جوف الأسد خشرم من النحل وعسل، فاشتار منه على كفيه ومضى وهو يأكل، وجاء أباه وأمه وأعطاهما فأكلا، ولم يخبرهما أنه من جوف الأسد اشتار العسل، ونزل أبوه إلى المرأة وصنع هناك «شمشون» وليمة؛ لأنه كذلك كانت تصنع الفتيان، فلما رأوه أحضروا ثلاثين صاحبًا فكانوا معه، فقال لهم «شمشون»: إني ملقٍ عليكم لغزًا فإن حللتموه لي في سبعة أيام الوليمة وأصبتموه أعطيتكم ثلاثين قميصًا وثلاثين حُلة من الثياب، وإن لم تقدروا أن تحلوه لي أعطيتموني ثلاثين قميصًا وثلاثين حلة من الثياب. فقالوا له: ألق لغزك لنسمعه. فقال لهم: خرج من الآكل أكل، ومن الشديد حلاوة! فلم يستطيعوا في ثلاثة أيام أن يحلوا اللغز (١٥)، فلما كان اليوم السابع قالوا لامرأة شمشون: خادعي زوجك حتى يحل لنا اللغز؛ لئلا نحرقك مع بيت أبيك بالنار، أَلِتَسْلُبُونا دعوتمونا؟ فبكت امرأة شمشون لديه وقالت: إنما أنت تبغضني ولا تحبني، قد ألقيتَ على بني شعبي لغزًا ولم تطلعني عليه. فقال لها: إني لم أطلع عليه أبي وأمي، أفإياك أطلع عليه؟! فبكت لديه سبعة أيام الوليمة، فلما كان اليوم السابع أطلعها عليه؛ لأنها كانت قد ضايقته، فأطلعت بني شعبها على اللغز، ففي اليوم السابع قبل غروب الشمس قال رجال المدينة: أي شيء أحلى من العسل؟ وأي شيء أشد من الأسد؟ فقال لهم: لولا أنكم حرثتم على عجلتي لم تكشفوا لغزي. وحلت عليه روح الرب فنزل إلى أشقلون وقتل منهم ثلاثين رجلًا وأخذ ثيابهم، وأعطى الحلل لكاشفي اللغز، واشتد غضبه ورجع إلى بيت أبيه، وصارت امرأة شمشون لرفيقه الذي كان يصاحبه.»

(وإصحاح ١٥ من نفس السفر): «وكان بعد مدة في أيام حصاد الحنطة أن شمشون افتقد امرأته بجدي معزى وقال: أدخل إلى امرأتي إلى حجرتها. ولكن أباها لم يدعه أن يدخل وقال أبوها: إني قلت: إنك قد كرهتها، فأعطيتها لصاحبك، أليست أختها الصغيرة أحسن منها؟ فلتكن لك عوضًا عنها. فقال لهم شمشون: إني بريء الآن من الفلسطينيين إذا عملت بهم شرًّا. وذهب شمشون وأمسك ثلثمائة ابن آوى، وأخذ مشاعل وجعل ذَنَبًا إلى ذَنَبٍ ووضع مشعلًا بين كل ذنبين في الوسط، ثم أضرم المشاعل نارًا وأطلقها بين زروع الفلسطينيين، فأحرق الأكداس والزرع وكروم الزيتون، فقال الفلسطينيون: من فعل هذا؟ فقالوا: شمشون صهر التمني؛ لأنه أخذ امرأته وأعطاها لصاحبه. فصعد الفلسطينيون وأحرقوها وأباها بالنار، فقال لهم شمشون: ولو فعلتم هذا فإني أنتقم منكم. وبعد أكف وضربهم ساقًا على فخذ ضربًا عظيمًا، ثم نزل وأقام في شق صخرة «عيطم»، وصعد الفلسطينيون ونزلوا في يهوذا وتفرقوا في لحى، فقال رجال يهوذا: لماذا صعدتم علينا؟ فقالوا: صعدنا لكي نوثق شمشون لنفعل به كما فعل بنا. فنزل ثلاثة آلاف رجل من يهوذا إلى شق صخرة «عيطم» وقالوا لشمشون: أما علمت أن الفلسطينيين متسلطون علينا فماذا فعلت بنا؟ فقال لهم: كما فعلوا بي هكذا فعلت بهم. فقالوا له: نزلنا لكي نوثقك ونسلمك إلى يد الفلسطينيين. فقال لهم شمشون: احلفوا لي أنكم أنتم لا تقعون عليَّ. فكلموه قائلين: كلا، ولكننا نوثقك ونسلمك إلى يدهم، وقتلًا لا نقتلك. فأوثقوه بحبلين جديدين وأصعدوه من الصخرة، ولما جاء إلى لحى صاح الفلسطينيون للقائه، فحل عليه روح الرب، فكان الحبلان اللذان على ذراعيه ككتان أحرق بالنار، فانحل الوثاق عن يديه! ووجد لحى حمارًا طريًّا، فمد يده وأخذه وضرب به ألف رجل، فقال شمشون: بلحى حمار كومة كومتين، بلحى حمار قتلت ألف رجل. ولما فرغ من الكلام ورمى اللحى من يده ودعا ذلك المكان: رمت لحى.»

ثم عطش جدًّا فدعا الرب وقال: إنك قد جعلت بيد عبدك هذا الخلاص العظيم، والآن أموت من العطش وأسقط بيد الغُلْف، فشق الله الكفة التي في لحى فخرج منها ماء، فشرب، ورجعت روحه فانتعش؛ لذلك دعا اسمه: عين هقوري التي في لحى إلى هذا اليوم، وقضى لإسرائيل في أيام الفلسطينيين عشرين سنة.

(والإصحاح ١٦ من نفس السفر): «ثم ذهب شمشون إلى غزة، ورأى هناك امرأة زانية فدخل إليها، فقيل للغزيين: قد أتى شمشون إلى هنا. فأحاطوا به وكمنوا له الليل كله عند باب المدينة فَهَدَءوا الليل كله قائلين: عند ضوء الصباح نقتله. واضطجع شمشون إلى نصف الليل، ثم قام في نصف الليل وأخذ مصراعي باب المدينة والقائمتين وقلعهما مع العارضة ووضعها على كتفيه وصعد بها إلى رأس الجبل الذي مقابل حيرون».

وكان بعد ذلك أنه أحب امرأة في وادي سورق اسمها دليلة، فصعد إليها أقطاب الفلسطينيين وقالوا لها: تملقيه وانظري بماذا قوته العظيمة وبماذا نتمكن منه لكي نوثقه لإذلاله، فنعطيك كل واحد ألفًا ومائة شاقل فضة. فقالت دليلة لشمشون: أخبرني بماذا قوتك العظيمة؟ وبماذا تُوثَقُ لإذلالك؟ فقال لها شمشون: إذا وثقوني بسبعة أوتار طرية لم تجف أضعف وأصير كواحد من الناس. فأصعد لها أقطاب الفلسطينيين سبعة أوتار طرية لم تجف، فأوثقته بها، والكمين لابث عندها في الحجرة، فقالت له: الفلسطينيون عليك يا شمشون. فقطع الأوتار كما يُقطَع فتيل المشاقة إذا شم النار! ولم تعلم قوته، فقالت دليلة لشمشون: ها قد ختلتني وكلمتني بالكذب، فأخبرني الآن بماذا توثق؟ فقال لها: إذا أوثقوني بحبال جديدة لم تستعمل أضعف وأصير كواحد من الناس. فأخذت دليلة حبالًا جديدة وأوثقته بها وقالت له: الفلسطينيون عليك يا شمشون، والكمين لابث في الحجرة. فقطعها عن ذراعيه كخيط، فقالت دليلة لشمشون: حتى الآن ختلتني وكلمتني بالكذب، فأخبرني بماذا توثق؟ فقال لها: إذا ضفرت سبع خصل رأسي مع السدى فمكنتها بالوتد. وقالت له: الفلسطينيون عليك يا شمشون. فانتبه من نومه وقلع وتد النسيج والسدى، فقالت له: كيف تقول: أحبكِ وقلبك ليس معي؟ هو ذا ثلاث مرات قد ختلتني ولم تخبرني بماذا قوتك العظيمة. ولما كانت تضايقه بكلامها كل يوم وألحت عليه ضاقت نفسه إلى الموت، فكشف لها كل قلبه وقال لها: لم يَعْلُ موسى رأسي؛ لأني نذير الله من بطن أمي، فإن حلقتُ تفارقني قوتي وأضعف وأصير كأحد الناس. ولما رأت دليلة أنه قد أخبرها بكل ما بقلبه أرسلت فدعت أقطاب الفلسطينيين وقالت: اصعدوا هذه المرة؛ فإنه قد كشف لي كل قلبه. فصعد إليها أقطاب الفلسطينيين وأصعدوا الفضة بيدهم، وأنامته على ركبتها، ودعت رجلًا، وحلقت سبع خصل رأسه، وابتدأت بإذلاله وفارقته قوته، وقالت: الفلسطينيون عليك يا شمشون. فانتبه من نومه وقال: أخرج حسب كل مرة وأنتفض. ولم يعلم أن الرب قد فارقه، فأخذه الفلسطينيون وقلعوا عينيه ونزلوا به إلى غزة وأوثقوه بسلاسل من نحاس، وكان يطحن في بيت السجن وابتدأ شعر رأسه ينبت بعد أن حُلق.

وأما أقطاب الفلسطينيين فاجتمعوا ليذبحوا ذبيحة عظيمة لداجون إلههم ويفرحوا، وقالوا: قد دفع إلهنا ليدنا شمشون عدونا. ولما رآه الشعب مجدوا إلههم؛ لأنهم قالوا: قد دفع إلهنا ليدنا عدونا الذي خرب أرضنا وكثر قتلانا. وكان لما طابت قلوبهم أنهم قالوا: ادعوا شمشون ليلعب لنا. فدعوا شمشون من بيت السجن، فلعب أمامهم وأوقفوه بين الأعمدة، فقال شمشون للغلام الماسك بيده: دعني ألمس الأعمدة التي البيت قائم عليها لأستند عليها، وكان البيت مملوءًا رجالًا ونساءً، وكان هناك جميع أقطاب الفلسطينيين، وعلى السطح نحو ثلاثة آلاف رجل وامرأة ينظرون لعب شمشون، فدعا شمشون الرب وقال: يا سيدي الرب، اذكرني وشَدِّدني يا الله هذه المرة فقط فأنتقم نقمة واحدة عن عيني من الفلسطينيين. وقبض شمشون على العمودين المتوسطين اللذين كان البيت قائمًا عليهما، واستند عليهما الواحد بيمينه والآخر بيساره، وقال شمشون: لتمت نفسي مع الفلسطينيين. وانحنى بقوة فسقط البيت على الأقطاب وعلى كل الشعب الذي فيه، فكان الموتى الذين أماتهم في موته أكثر من الذين أماتهم في حياته، فنزل إخوته وكل بيت أبيه وحملوه وصعدوا به ودفنوه بين صرعة وأشتأول في قبر منوح أبيه، وهو قضى لإسرائيل عشرين سنة.

وقد جاء أهل «مدين» إلى هذه البلاد للإغارة عليها مستعملين للمرة الأولى الجمل الأليف (راجع Hitti, History of Syria p. 52)، وبذلك ظهر سلاح جديد يستعمل للحروب برهن على أنه ذو مفعول مخيف، وبخاصة في الغارات البعيدة المدى.
وقد كان أقوى مناهض للعبرانيين في الاستيلاء على الأرض هم الفلسطينيين، وكانوا كما أشرنا إلى ذلك من قبل (راجع مصر القديمة الجزء السابع) من أقوام البحر الخمسة الذين وفدوا من بحر إيجه لغزو مصر، وذلك أن العبرانيين بعد أن فتحوا الأراضي العالية الوسطى استولى الفلسطينيون على بلاد الساحل، والواقع أنه حدثت هجرات لا تزال غامضة لأقوام من «آسيا الصغرى» ومنطقة «إيجه» في نهاية القرن الثالث عشر ق.م وبداية القرن الثاني عشر ق.م نتج عنها انفصال قبائل بأكملها قامت لتبحث عن مواطن أقل اضطرابًا من مواطنهم الأصلية، فهاجرت جماعات من بينها قبائل الفلسطينيين وساروا برًّا وبحرًا نحو«سوريا» بعد أن خربوا كثيرًا من ولاياتها مثل «أوجاريت» وصلوا إلى الساحل المصري هناك قابلهم «رعمسيس الثالث» في موقعة حربية وهزمهم، ولكنه تركهم يستوطنون بصفة مستديمة على الساحل السوري الجنوبي، ومن ثم أطلق عليه «فلستيا».٢
وهناك قبيلة أخرى تدعى «تكر Tjeker» استوطنت «دور» تحت نهر الكرمل، حيث قابلهم الرسول المصري «ونآمون» بعد ذلك العهد بقرنين، والساحل الذي استوطن فيه الفلسطينيون يمتد من غزة حتى جنوبي يافا، والمدن الهامة التي استعمروها هي «غزة» و«عسقلان» و«أشد» و«أكرون» و«غاث»، ويحتمل أنها تل «عرف» المنشية (على مسافة ٦٫٥ أميال غربيَّ بيت جبرين)، وقد حافظت على أسمائها السامية تحت نظام الحكم الجديد، وكانت بلدة «غاث» أبعد مستعمرة لهم في الداخل، وكانت سياستهم هي أن يبقوا قريبًا من البحر، حيث يمكنهم في الوقت نفسه السيطرة على طرقه ويفيدون من الجبال المحملة بالعنب خلف الشاطئ، وكانت جبال الكرمل الحد الفاصل بين إقليمهم الساحلي وبين الفينيقيين في الشمال، وإذا استثنينا بلدة وزقلاح (يحتمل أنها تل الخويليقة في الجنوب الأقصى من بودة) لم يؤسس الفلسطينيون مستعمرات. وقد أخذوا ينتقلون من الشريط الساحلي إلى الداخل واستولوا على عدة بلاد كنعانية نازعين سلاح الأهالي، ولا نزاع في أن الحملات التأديبية التي كان يقوم بها فراعنة مصر والضرائب التي كانت تجبى من سوريا قد أثرت كلها على مقاومتها للقبائل الصحراوية المغيرة وقرصان البحر؛ ولذلك لم يكن في مقدور الفلسطينيين أو العبرانيين أن ينالوا أي نجاح في تثبيت أقدامهم في هذه البلاد، هذا لو كانت الإمبراطورية المصرية لا تزال قادرة على استعمال كل نفوذها هناك.

وتدل المناظر التي خلفها «رعمسيس الثالث» على أن الفلسطينيين كانوا من جنس أوروبي، كما يدل طراز الفخار الذي جلبوه معهم على أنهم نزحوا من «كريت»، وقد جلبوا معهم نساءهم؛ ولذلك ظلوا بعيدين عن الأهالي الأصليين وكوَّنوا لأنفسهم طائفة حربية خاصة معسكرة في حاميات، وبذلك ألفوا ثقافة غربية، وكانت المدن الخمس التي استعمروها منظمة في صورة حكومات مدنية كل منها يحكمها سيدها، ومن كلٍّ كانت تتألف حكومة اتحادية، والظاهر أن «أشدد» كانت صاحبة السيادة. وقد بلغت قوة الفلسطينيين أوج عظمتها حوالي النصف الثاني من القرن الحادي عشر ق.م؛ ففي حوالي عام ١٠٥٠ق.م هزموا العبرانيين واستولوا على التابوت الذي حملوه إلى «أشدد»، وحوالي عام ١٠٢٠ق.م كانوا قد استوطنوا في حاميات الإقليم الجبلي نفسه، وفي خلال حكم «شاؤل» (١٠٠٤ق.م) كانوا قد مدوا سلطانهم إلى بلاد داخلية مثل «بيت شان». (فسفر صموئيل الأول إصحاح ١٣ سطر ٣) يقول: «وضرب «بوناثان» نصب الفلسطينيين الذي في جبع، فسمع الفلسطينيون، وضرب شاؤل بالبوق في جميع الأرض قائلًا: ليسمع العبرانيون.» إلخ.

وكذا صموئيل في «الأول إصحاح ٣١ سطر ١١-١٢»: «ولما سمع سكان «يابيش جلعاد» بما فعل الفلسطينيون بشاؤل قام كل ذي بأس وساروا الليل كله، وأخذوا جسد شاؤل وأجساد بنيه عن سور بيت شان، وجاءوا بها إلى يابيش وأحرقوها هناك.

ومعنى ذلك كما هو ظاهر هو أن الفلسطينيين كان لهم وقتئذٍ اليد العليا على إسرائيل.

وقد تفوق الفلسطينيون على أعدائهم بما لديهم من أسلحة ممتازة يتوقف صنعها على صَهر الحديد واستعماله للأسلحة اللازمة للدفاع والهجوم. وقد بقي لنا وصف محارب فلسطيني مرتدٍ دروعًا معدنية في قصة «جليات»، فقد كانت قناة رمحه مثل «عمود الناسج»، وكان رأس حربته تزن ستمائة شقل من الحديد، ودرعه كانت ثقيلًا لدرجة أن يحتاج إلى حمال خاص، (فسفر صموئيل الأول إصحاح ١٧ من سطر ٤–٧) يقول: «فخرج رجل مبارز من جيوش الفلسطينيين اسمه «جليات» من «جت»، طوله ست أذرع وشبر، وعلى رأسه خوذة من نحاس، وكان لابسًا درعًا حرشفيًّا، ووزن الدرع خمسة آلاف شاقل نحاس، وجرموقا نحاس على رجليه، ومزراق نحاس بين كتفيه، وقناة رمحه كنول النساجين، وسنان رمحه ستمائة شاقل حديد، وحامل الترس كان يمشي قدامه.»

هذا، وقد وُصِفَتْ لنا بعض أعمال الفروسية العبرانية كما جاء في وصف ضروب القوة التي أظهرها «شمشون» و«داود» في الحرب مع الفلسطينيين، وقد استغل الفلسطينيون صناعتهم للحديد لدرجة أنهم احتكروا هذه الصناعة ولم يعلموها لأحد من الإسرائيليين.

وقبل دخول الفلسطينيين أرض «كنعان» لم يستعمل «الخيتا» الحديد في باكورة القرن الثالث عشر إلا قليلًا كما يدل على ذلك مراسلات «ختوشيليش»، وهي «بوغاز كوي» الحالية، وكان مصدر هذا المعدن هو ساحل البحر الأسود، ولكن لم يستعمل هذا المعدن بصفة عامة في بلاد سوريا إلا عند دخول الفلسطينيين، وقد كان سر صنع الحديد محافظًا عليه بشدة عند الخيتا كما كانت الحال عند الفلسطينيين. أما الكنعانيون الذين تعلموا من الفلسطينيين استعمال العربات المصنوعة من الحديد فكانت له فائدة حاسمة على المقهورين اليهود.

ولم تنفرج قبضة الفلسطينيين عن البلاد إلا في عهد «داود» (٩٦٠ق.م)، وفي زمنه كذلك بدأ غير الفلسطينيين يتعلمون صناعة الحديد، (فسفر أخبار الأيام الأول إصحاح ٢٢ سطر ٣) يقول: «وهيأ داود حديدًا كثيرًا للمسامير لمصاريع الأبواب وللوصل ونحاسًا كثيرًا بلا وزن.»

وقد كانت هزيمة الفلسطينيين على يد «داود» وهو الذي فتح «أدوم» التي كانت مصدرًا غنيًّا للحديد الغفل، ويوجد هذا الحديد كذلك في «لبنان»، وقد تعلم الفينيقيون استعماله في بناء سفنهم، وبذلك رفع الفلسطينيون درجة الثقافة السورية من استعمال البرنز إلى درجة أرقى منها وهي استعمال الحديد، وفضلًا عن ذلك فإنه من الجائز أن نسلم بأنهم قد ورَّثوا جيرانهم الفينيقيين الذين يعدون أخلافهم تذوق المغامرات في عرض البحار والاتجار بوساطتها، وقد كان من نتائج ذلك أن كشفوا مجاهل البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وشرقي المحيط الأطلنطي.

وهذا إلى ما خلفوه لنا من آثار قليلة تدل على ثقافتهم المادية في صورة فخار وآلات زراعية وفئوس من حديد وقواديم، ولم يترك الفلسطينيون خلافًا لذلك آثارًا أخرى يمكن أن تذكر. وهم باعتبارهم مجتمعًا أجنبيًّا في فلسطين فإنه لم يكن لهم أي ضمان يضمن بقاءهم إلا استمرار تجديد دمائهم بالهجرة، وقد كان ذلك من الأمور المستحيلة في الأحوال التي كانت تحيط بهم، وفي حوالي نهاية حكم «داود» بدءوا يختفون بوصفهم مستعمرة، وعلى مر الزمن أصبحوا ساميين وهضمتهم البلاد، ولم يتركوا إلا القليل جدًّا مما يمكن أن يميزوا به من الوجهة الدينية واللغوية والمعمارية ومظاهر الحياة الرفيعة الأخرى.

ونجد أن «نحميا» الذي كتب في أواسط القرن الخامس ق.م لا يتحدث عن الفلسطينيين بل عن الأشدوديين الذين كانوا يتكلمون لغة أشدودية، ومن الأسماء الفلسطينية الأصلية التي وصلت إلينا اسم «أخيش»، (فسفر صموئيل الأول إصحاح ٢٧ سطر ٢) يقول: «فقام داود وعبر هو والستمائة الرُّحَّل الذين معه إلى أخيش بن معوك ملك «جت».»

ومن اسم آلهتهم «داجون» إله الحب نعلم أنه مأخوذ من طائفة الآلهة الكنعانيين، وكان مركز عبادته «أشدود»، أما مقر عبادة زوجه «عشتاروت» فكان بلدة «عسقلان»، ولا يُعرَف شيء ما عن كيفية بناء معبد «داجون» وقصر الرب في «غزة»، وكذلك المعابد الفلسطينية الأخرى التي ذكرت في كتاب «العهد القديم».

مملكة العبرانيين

كان من جراء مقاومة الفلسطينيين على وجه خاص إعطاء الفرصة لإنشاء المملكة العبرانية، وهي التي بقيامها يبتدئ تاريخ الأمة العبرانية، وفي عهد العبرانيين نَمَت وترعرعت صفات قومية خاصة بهم، وإن كان قد نقصها المظهر السياسي، وهذه من الظواهر التي تتسم بها القومية الحديثة، ولا نزاع في أن العبرانيين يعدون الأمة الوحيدة بين الأمم السامية القدامى التي حافظت على أخلاقها القومية وشخصيتها، وقد كان الدين بطبيعة الحال من العوامل الكبيرة التي ساعدت على وحدتهم وتماسكهم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا.

وقد كان لجيرانهم الأدوميين والمؤابيين والعامونيين ملوك يحكمونهم.

أما الفلسطينيون فكان لهم أسياد حافظوا على اتحاد مفكك، وكان للفينقيين حكومات مدنية، وقد نما بعضها مثل «جبيل» و«صيدا» و«صور»، فأصبحت أممًا قائمة بذواتها، ولكن العبرانيين كان يحكمهم حتى تلك اللحظة قضاة وهم قواد قد ظهروا على حسب مقتضيات الأحوال، وعلى ذلك ذهب شيوخ القوم إلى رئيسهم الديني «صمويل» طالبين إليه «ملكًا يقضي لنا كسائر الشعوب.» (سفر صمويل الأول إصحاح ٨ سطر ٥)، وقد نصب رجل كان رأسه وكفاه أطول من كل واحد في الناس يدعى «شاؤل»، وهو أول ملك عليهم في حوالي عام ١٠٢٠ق.م، وهذا الإلهام لم يكن الوحيد الذي أتى من مصدر خارجي، ولكن الملكية نفسها في نظامها كانت قد شكلت شيئًا فشيئًا على نظام الملكيات المجاورة. وعلى أية حال، كان نظامها يختلف في أمرين عن جيرانها بعض الشيء؛ فقد استمر نظام القبائل من حيث الأغراض الإدارية، وكان الملك من جهة أخرى يحكم على حسب ما يمليه لهم «يهوه» كما يوحي به بوساطة القديسين.

وكان أول ملك عبراني نصب عليهم مخيبًا للآمال، بل في الواقع كان الخيبة نفسها؛ فقد كان ضعيف الخَلْق كئيب الطبع، عاش مثل الشيخ البدوي في خيمة في جبعة (تل الفول الحالية)، ولم تمتد مملكته الصغيرة في بادئ الأمر وراء قبيلته التي تدعى «بنيامين»، ومع ذلك فإن انتخابه ملكًا قد أدى إلى ثورة على الرؤساء الفلسطينيين، وبعد حرب طويلة قتل الفلسطينيون ثلاثة من أولاده وجرحوه جرحًا بليغًا، حتى إنه انتحر بعد موقعة جبل جلبوع (يحتمل أن تكون جليون الحالية سميت بهذا الاسم)، وقد مثَّل به الأعداء شر تمثيل؛ إذ إنهم بعد فصل رأسه عن جسمه صلبوا جسمه، وكذلك فعلوا بأجسام أبنائه على سور بلدة «بيت شان»، وبعثوا بدرعه فدية إلى معبد «عشتاروت». (فسفر صموئيل الأول إصحاح ٣١ سطر ١–١٠) يقول: «وحارب الفلسطينيون إسرائيل، فهرب رجال إسرائيل من أمام الفلسطينيين وسقطوا قتلى في جبل جلبوع، فشد الفلسطينيون وراء شاؤل وبنيه وضرب الفلسطينيون يوناتان وأبيناداب وملكيشوع أبناء شاؤل، واشتدت الحرب على شاؤل فأصابه الرماة رجال القسي فانجرح جدًّا من الرماة، فقال شاؤل لحامل سلاحه: استل سيفك واطعني به؛ لئلا يأتي هؤلاء الغلف ويطعنوني ويقبحوني. فلم يشأ حامل سلاحه؛ لأنه خاف جدًّا، فأخذ شاؤل السيف وسقط عليه، ولما رأى حامل سلاحه أنه قد مات شاؤل سقط هو أيضًا على سيفه ومات معه، فمات شاؤل وبنوه الثلاثة وحامل سلاحه وجميع رجاله في ذلك اليوم معًا، ولما رأى رجال إسرائيل الذين في عبر الوادي والذين في عبر الأردن أن رجال إسرائيل قد هربوا وأن شأول وبنيه قد ماتوا تركوا المدن وهربوا، فأتى الفلسطينيون وسكنوا بها.»

وفي الغد لما جاء الفلسطينيون ليعروا القتلى وجدوا شاؤل وبنيه الثلاثة ساقطين في جبل جلبوع، فقطعوا رأسه ونزعوا سلاحه وأرسلوا إلى أرض الفلسطينيين في كل جهة لأجل التبشير في بيت أصنامهم وفي الشعب، ووضعوا سلاحه في بيت عشتاروت، وسمروا جسده على سور بيت شان.

والمؤسس الحقيقي لمملكة العبرانيين هو «داود» (١٠٠٤–٩٦٠ق.م)، وهو الذي ارتدى درع شاؤل، وابتدأ مجال ملكه تحت سيادة الفلسطينيين، وانتهى به الأمر أنه أفلح في استقلال بلاده ووسع حدودها إلى درجة لم تبلغها من قبل ولم تصل إليها بعد. وقد افتتح «داود» عهده بسلسلة معارك كان من نتائجها نزع النير الفلسطيني من فوق رقاب العبرانيين، وأصبحت «آدوم» و«موآب» و«عمون» تحت حكمه، والظاهر أن حكمه امتد حتى بلدة «حماة»، (فسفر صموئيل الثاني إصحاح ٨ سطر ٩-١٠) يقول: «وسمع توعي ملك «حماة» أن «داود» قد ضرب كل جيش «هدد عزر»، فأرسل «توعي يورام» ابنه إلى الملك «داود» ليسأل عن سلامته ويباركه؛ لأنه حارب «هدد عزر» وضربه؛ لأن «هدد عزر» كانت له حروب مع «توعي» وكان بيده آنية فضة وآنية ذهب وآنية نحاس إلخ.»

(وفي سفر صموئيل الثاني إصحاح ١٢ سطر ٢٦–٣١) يقول: «وحارب «يوآب» ربة بني «عمون»، وأخذ مدينة المملكة، وأرسل «يوآب» رسلًا إلى «داود» يقول: قد حاربت ربه، وأخذت أيضًا مدينة المياة، فالآن اجمع بقية الشعب وانزل على المدينة وخذها؛ لئلا آخذ أنا المدينة فيدعى باسمي عليها، فجمع «داود» كل الشعب وذهب إلى ربه وحاربها وأخذها وأخذ تاج ملكهم عن رأسه ووزنه وزنة من الذهب من حجر كريم وكان على رأس «داود»، وأخرج غنيمة المدينة كثيرة جدًّا، وأخرج الشعب الذي فيها ووضعهم تحت مناشير ونوارج حديد وفئوس حديد، وأمرهم في «آتون» الآجر، وهكذا صنع بجميع مدن بني «عمون»، ثم رجع «داود» وجميع الشعب إلى أورشليم.»

وقد دخل جيشه المنتصر دمشق وسار في شوارعها. والواقع أن المملكة التي أسسها «داود» كانت أقوى حكومة وطنية، لم يؤسس قط مثلها في فلسطين، على أن عدم اشتمالها لكل الساحل لم يقلل من قيمة الجزء الأول من العبارة التي كتبها «جورج آدم سميث» (راجع Historical Geography p. 58) وهي: «إن فلسطين لم تكن يومًا ما قط تابعة لأمة واحدة، ومن المحتمل أنها لن تكون قط بعد.»

وقد كان نتيجة فتحه «لآدوم» أن أصبح في قبضته طريق التجارة بين سوريا وبلاد العرب، ولم نسمع بقيام ممالك في هذه البلاد الصغيرة أو في جارتيها الشماليتين: «موآب» و«عمون» بعد القرن الثالث عشر ق.م، وفي القرون السابقة لذلك نلحظ أن فروعًا من الآراميين وبعض «الخبيرو» قد سكنوا بطبيعة الحال في هذا الإقليم الذي كان منذ القرن العشرين قبل الميلاد مسرحًا لجولان البدو، ولا بد أن كل بقايا التحضر الذي كان قبل القرن العشرين ق.م قد قضى عليها «الهكسوس» «والآراميون»، ولم تفلح الكشوف الحديثة حتى الآن في الكشف عن وجود أي بلدة في بلاد «الأردن» من زمن هذا العهد الطويل.

وتدعيم البلاد بتثبيت حدودها وإخضاع جيرانها مكَّن «داود» أن يوجد وحدة مؤقتة من قومه، ويدل الإحصاء الذي عمله لبلاده — وهو من أقدم الإحصاءات التي سجلها لنا التاريخ — على أن عدد السكان بلغ حوالي ثمانمائة ألف نسمة (فسفر صموئيل الثاني إصحاح ٢٤ سطر ٩) يقول: «فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى الملك، فكان إسرائيل ثمانمائة ألف رجل ذي بأس مستل السيف، ورجال يهوذا خمسمائة ألف رجل.» (وفي سفر أخبار الأيام الأول إصحاح ٢١ سطر ٥): «فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى داود، فكان كل إسرائيل ألف ألف ومائة ألف رجل مستلي السيف، ويهوذا أربعمائة وسبعين ألف رجل مستلي السيف.»

وقد انتخب «أورشليم» عاصمة لملكه، وهي التي انتزعها من «الجوبيسيين Jebusites»، وقد كان موفقًا كل التوفيق في هذا الاختيار؛ وذلك لأن هذه المدينة تقع خارج المستعمرات القبلية الأصلية؛ إذ تكاد تقع على الحدود بين الجزءين: الشمالي والجنوبي للمملكة، وتشرف على واحدة من أهم الطرق الداخلية، وهي الطريق التي تسير شمالًا وجنوبًا على ظهر «وادي الأردن»، ومع ذلك فإنه كان من السهل حمايتها، وفي هذا البلد أقام «داود» مقره الملكي، وهو قصر مؤسس بالحجر وخشب الأرز الذي جلب من «لبنان» وقام ببنائه بنَّاءون صوريون ونجارون أرسلهم إليه صديقه الملك حيرام (٩٨١–٩٤٧ق.م)؛ إذ في «سفر صموئيل الثاني إصحاح ٥ سطر ١١» نجد: «وأرسل حيرام ملك صور رسلًا إلى «داود»، وخشب أرز، ونجارين، وبنائين فبنوا لداود بيتًا.»

وكانت المودة التي بين إسرائيل و«صور» قائمة على الفائدة المشتركة، فكانت بلدة «صور» فقيرة في المحاصيل الزراعية، في حين أن بلاد «إسرائيل» كان ينقصها التجارة البحرية، وقد أقام «داود» فضلًا عن قصره محرابًا قوميًّا «ليهوه» في العاصمة الجديدة، وبذلك جعل ديانة «يهوه» في العاصمة الجديدة الديانة الرسمية للمملكة المتحدة، وكان «داود» في الواقع في نظر العبرانيين الملك المثالي.

وفي عهد «داود» (رجل الحرب) بدأ الأدب العبراني الذي يعد من أغنى وأشرف المخلفات التي تركها لنا الشرق القديم، فكان «المزكير» — أي: المذكر الذي كان واجبه الرسمي تسجيل الحوادث الهامة وحفظ التواريخ الملكية — قد بدأ يظهر.

وكتابة القوم كانت مستعارة من الفينيقيين (راجع Hitti, History of Syria p. 169)، والظاهر أن الكهنة قد بدءوا فيما بعد تحضير كتب مماثلة خاصة بالسجلات الرسمية، ومن أمثال هذه السجلات أخذ تاريخ المملكة المبكر وامتزج في كتاب «العهد القديم». ومؤرخ هذا العصر كان مهمًّا؛ لأنه قد قدم لنا مادته في صورة ظاهرة تمامًا، فيصف لنا «داود» لا بوصفه ملكًا وحسب، بل كذلك بوصفه رجلًا يكتب كما ينبغي على الرجل المعاصر أن يكتب؛ فالفصلان الأولان من سفر «الملوك الأول» يعدان أول قطعة نثرية في الأدب العبري، أما ترجمته «لداود» في كتاب «صموئيل الثاني» من «فصل ٩ إلى ٢٠» فتعد نموذجًا رائعًا في التأليف التاريخي. والواقع أنه لم يُكتَب تاريخٌ مماثل لذلك من قبل قط. ومما يدهش أن المؤرخ المجهول لا تقل كتاباته وبحثه عن المؤرخين المحدثين، وكذلك بدأت المجموعات الشعرية في عهد «داود» تظهر، وقد كان هو نفسه شاعرًا معروفًا، والواقع أن تأثير شعره وموسيقاه كان عظيمًا، لدرجة أنهما تركا أثرًا عميقًا في نفوس أخلافه، حتى إنهم نسبوا إليه تأليف عدة مزامير لا تزال صالحة لكل زمان، وعامة في استمالتها للشعور الإنساني، لدرجة أنها منتشرة حتى الآن بما تنفثه في روح الإنسان وتثير فيه من وجدان فياض.

«سليمان»: خلف «داود» ابنه «سليمان» على عرش الملك (حوالي ٩٦٠–٩٢٥ق.م)، وقد وصلت المملكة العبرانية في عهده إلى أوج عظمتها من الرفعة والبذخ. والواقع أن مشروعات «سليمان» التجارية والصناعية ونشاطه الواسع في استخراج المعادن وإقامة المباني ومستوى معيشته المترف لم يكن له مثيل في التاريخ العبراني، وقد عاش في وسط هذه المناظر الممتلئة بالنشاط والعمل عيشة الحاكم المهيمن والملك المنعم في بلاط يعد صورة من البلاط المصري أو الآشوري في عظمته، وقد كان من نتائج حكمه أن اندمج العبرانيون في مجرى الحياة والحضارة الشرقية.

وأقام قصرَ «سليمان» مهندسو عمارة من بلاد «فينيقية» مستعملين الخشب اللبناني كما فعل والده من قبل، وقد استغرق بناء هذا القصر ثلاث عشرة سنة، وكان الجزء الخاص بالملك غنيًّا بخشب الأرز؛ لدرجة أن أصبح يطلق عليه بيت «غابة لبنان»؛ فقد قيل في «سفر الملوك الأول إصحاح ٧ سطر ١-٢»: «وأما بيته فبناه سليمان في ثلاث عشرة سنة، وأكمل كل بيته وبنى بيت وعر لبنان طوله مائة ذراع، وعرضه خمسون ذراعًا، وسمكه ثلاثون ذراعًا على أربعة صفوف من أعمدة أرز وجوائز أرز على الأعمدة.»

وأما المعبد الذي أقامه هناك فكان أعظم شأنًا من الوجهة القومية، وموقعه على وجه التخمين هو المكان الذي يغطيه في أيامنا هذه «قبة الصخرة»، وكان تصميمه في الأصل ليكون محرابًا ملكيًّا تابعًا للقصر، وقد استغرق بناؤه سبعة أعوام فقط، ولكنه فيما بعد جعله معبدًا عامًّا للعبرانيين، وكان مهندسو العمارة والبناءون الذين صمموه وأقاموه من مدينة «صور» واستعملوا في إقامته خشب لبنان، وقد سُخِّر في بنائه ثلاثون ألف عامل من رعاياه بالتناوب، فكانوا يشتغلون شهرًا في «لبنان» مع رجال «حيرام»، وشهرين في بلادهم مزاولين عملهم المعتاد. (سفر الملوك الأول إصحاح ٥ من سطر ١٣ إلخ): «وسخر الملك سليمان من جميع إسرائيل، وكان السخر ثلاثة ألف رجل، فأرسلهم إلى لبنان عشرة آلاف في الشهر بالنوبة، يكونون شهرًا في لبنان، وشهرين في بيوتهم.» إلخ. وكان الخشب الذي يقطع يحمل إلى البحر وينقل على ذوات ألواح ودسر إلى «يافا»، ثم يحمل إلى «أورشليم»، أما زينة هذا المعبد وحلياته فكانت متأثرة بالأشكال الكنعانية المعاصرة، وكذلك كانت شعائره وضحاياه تنعكس فيها العادات الكنعانية، وعبيد المعبد كانوا من الكنعانيين أيضًا، وحتى اسم هيكل (أي معبد) فقد استعير من المفردات الكنعانية، (وكلمة هيكالو مأخوذة من الكلمة السومرية «إجال» أي: «بيت عظيم» ونقلت إلى الكنعانية، وهذه الكلمة مستعملة في معظم لغات العالم القديم والحديث).

والمباني التي أقامها سليمان تشمل تحصينات وثكنات ومستودعات. وتدل الحفائر الحديثة التي عملت في «مجدو» على أن إصطبلاته التي كانت توضع فيها خيل عرباته كانت تحتوي على صفوف مزدوجة من المعالف تكفي لإيواء خمسين وأربعمائة جواد كان قد أحضر بعضها من «سوريا» و«سيليسيا». (كتاب الملوك الأول إصحاح ١٠ أسطر ٢٦) إلخ: «وجمع سليمان مراكب وفرسانًا، فكان له ألف وأربعمائة مركبة، واثنا عشر ألف فارس، فأقامهم في مدن المراكب ومع الملك في أورشليم.» إلخ.

وأقام «سليمان» بمساعدة صديقه الملك «حيرام» ملك «فينيقيا» أسطولًا من السفن لتجارة البحر الأحمر، وكانت قاعدة الأسطول «أزيون جبر» (موقعها الآن تل الخليفي عند رأس خليج العقبة)، وقد عمل فيها حفائر «نلسن جلوك» عام سنة ١٩٣٨ (راجع The First Campaign at Tell-el-Kaliefeh, Bull. American School of Oriental Research No. 62 (1938) pp. 3–18) وهذه البلدة قد سميت «عيله» في العهد الروماني.

وقد قام أسطول «سليمان» من هذه الميناء بقيادة ضباط من «صور» في بعوث بحرية حول ساحل بلاد العرب وشرقي إفريقيا (فسفر الملوك الإصحاح ٩ سطر ٢٧-٢٨) يقول: «فأرسل حيرام في السفن عبيده النواتي العارفين بالبحر مع عبيد سليمان، فأتوا إلى أوفير، وأخذوا من هناك ذهبًا أربعمائة وَزْنَة وعشرين وزنة، وأتوا بها إلى الملك سليمان.» وكذا في نفس (السفر إصحاح ١٠ سطر ١١): «وكذا سفن حيرام التي حملت ذهبًا من أوفير بخشب الصندل كثيرًا جدًّا وبحجارة كريمة.»

وكان الغرض الأصلي من هذه البعوث هو إحضار البخور وخشب الصندل والعاج والذهب والأحجار الثمينة، وذلك في مقابل النحاس والحديد اللذين كانا يكرران في «أزيون-جبر»، وهذه المواد كانت ترسل بطريق البحر أو بالقوافل إلى بلاد العرب والهند، وكانت «أدوم» وكل الجزء الذي يسمى الآن «العرابة» من بلاد سليمان الواقع بين «البحر الميت» وخليج «العقبة» كان غنيًّا بالنحاس والحديد، وقد جعل ذلك ميناء «سليمان» المسماة «أزيون-جبر» مركزًا لصهر المعادن، ولا بد أن القانيين الأهالي هم الذين كانوا أول من جلب الأدوميين وهم رجال «سليمان» لاستخراج المعادن وصناعتها، وكانت القوافل الآتية من بلاد العرب المحملة بالتوابل معرَّضة لدفع ضرائب مقابل مرورها في أملاك «سليمان». وقد اتحدت الأقاصيص على أن تجعل اسم «سليمان» في كل العصور مرادفًا للقوة والبهاء والحكمة، وحتى الجن كانوا يأتمرون بأمره في الأرض وفي الهواء (سورة الأنبياء آية ٨١، ٨٢: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ * وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ).

وسورة سبأ آية ١٢ إلى ١٤: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ * فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ.

وسورة ص آية ٣٤–٤٠: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ.

وقد جذب فخامةُ بلاطه ملكةً من جنوب بلاد العرب وهي «بلقيس» التي جاء ذكرها في القرآن، وتدَّعي الأسرة المالكة في «الحبشة» أنها من نسل «سليمان» و«بلقيس»؛ ولذلك نجد ضمن ألقاب ملكها الحالي «أسيهودا»، وقد نسب إلى «سليمان» الحكيم عدة أمثال وجد بعضها طريقه إلى القانون؛ غير أن السجلات التاريخية لم تحدثنا عن هذا الموضوع. ويلاحَظ أن المملكة التي ورثها «سليمان» كانت أكبر بكثير من التي تركها لخلفه؛ وذلك لأن «فلسطين» اعترفت في هذا الوقت بالسيادة الفرعونية، هذا إلى أن «جيزر» وهو حصن كنعاني قد استولى عليه الفرعون الذي تزوج «سليمان» من ابنته، ووهب الفرعون هذا الحصن مهرًا لابنته، وهذه الأميرة المصرية كانت واحدة من نساء «سليمان» وحَظِيَّاته اللاتي كان يبلغ عددهن سبعمائة زوجة وثلاثمائة حظية. (سفر الملوك الأول إصحاح ١١ سطر ٣): «وكانت له سبعمائة من النساء السيدات، وثلثمائة من السراري، فأمالت نساؤه قلبه.» وقد أقام بتأثير من نسائه «المرتفعات» بالقرب من «أورشليم» لعبادة آلهة «صيدا» و«موآب» و«عمون». (سفر الملوك الأول إصحاح ١١ من سطر ٤ إلى ٨): «وكان في زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملًا مع الرب إلهه كقلب «داود» أبيه، فذهب سليمان وراء «عشتورت» إلهة الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين، وعلم سليمان الشر في عيني الرب ولم يتبع الرب تمامًا كداود أبيه، حينئذٍ بنى سليمان مرتفعة لكموش رجس الموآبيين على الجبل الذي تجاه «أورشليم» ولمولك رجس بني عمون، وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كن يوقدن ويذبحن لآلهتهن.»

وفي نهاية حكم «سليمان» خلص «رزون» الآرامي نفسه وبلاده من العبرانيين، وكان قبل ذلك الأمير «هدد» الأدومي الذي طرده «داود» من إقليمه بعد قتل كل ذكر فيه رجع لمضايقة «سليمان»، وكان «سليمان» يستعين بأعمال السخرة في مشاريعه العامة، وقد كان هذا الإجراء الظالم — مضافًا إليه إسرافه المسرف — السبب الأول لغضب الشعب، مما أدى إلى تقسيم البلاد في عهد خلفه، وكان إلى هذا العهد القومان: الإسرائيلي، واليهودي قد اتحدا مؤقتًا تحت حكم كل من «داود» و«سليمان»، غير أن الحياة الاقتصادية للقَوْمَيْن كانت مختلفة، فكان قوم الشمال رجال زراعة يعيشون على القمح والزيتون والكروم ومحاصيل أخرى مما تنتجه تربتهم الخصبة، أما قوم الجنوب فكان معظمهم رعاة يعيشون في هضاب صالحة لرعي الغنم والقطعان الأخرى. وكانت قبيلة «أفرايم» والقبائل الشمالية الأخرى أكثر تعرضًا للتأثير الكنعاني، وكان هواهم على ما يظهر مع عبادة الوهيم (إيل)، فكانوا يعبدونه ويقيمون له الأحفال والشعائر الشمسية المشتقة من العبادة الكنعانية، أما قبيلتا: «يهودة» و«بنيامين» في الجنوب فكان أهلهم بطبيعة الحال يفضلون «يهوه» الذي كان مركز عبادته معبد «أورشليم»، وكانت عبادته أبسط من عبادة «الوهيم»، وقد كان السبب المباشر في الخلاف والانقسام فيما بينهم اقتصاديًّا.

وعندما تُوُفِّيَ «سليمان» حوالي عام سنة ٩٢٥ق.م، وعقدت جمعية ممثلة للاثنتي عشرة قبيلة في «شخم Shechem»؛ ليباركوا ابنه «رحبعام» ملكًا عليهم، سألته الجمعية فيما إذا كان يأخذ على عاتقه ويقسم أنه سيخفف عبء الضرائب عن الأهلين أم لا؟ غير أن جواب هذا الملك الصبي الذي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره كان طائشًا؛ إذ قال: «إن والدي قد أدبكم بالسياط، وإني أؤدبكم بالعقارب.» (سفر الملوك الأول إصحاح ١٢ سطر ١١). وعندئذ رفضت القبائل العشر الاعتراف به ملكًا عليهم، وأخذوا في انتخاب «يربعام» الأفريمي متكلم الجمعية ملكًا عليهم. وهذه القبائل العشر أُلِّفَت منها مملكة «إسرائيل» التي كانت عاصمتها في أول الأمر «شخم»، ثم «ترزاه»، وفيما بعد «سمارية» (السامرة)، أما القبيلتان الباقيتان وهما قبيلة «يهودا» و«بنيامين»، فقد بقي أهلهما ثابتين على ولائهم لملكهم «رحبعام»، وقد تألفت منهما مملكة «يهودا» وعاصمتها «أورشليم».

ودلت الحوادث على أن هاتين المملكتين كانت تناهض الواحدة منهما الأخرى، وكانتا أحيانًا عدوتين، وكانت كل منهما ترتفع أحيانًا وتنخفض أحيانًا أخرى، وقد كان ميزان القوة يميل تارة نحو«إسرائيل» وطورًا نحو«يهودا»، وقد وضح الميل إلى التفكك الداخلي من التغيرات الأسرية في «إسرائيل»؛ فقد تولى حكمها في مدة قرنين تسعة عشر ملكًا، يضاف إلى ذلك الثورات المتكررة في كلٍّ من المملكتين، وهذه هي العوامل الداخلية التي قضت في آخر الأمر على حياتهما. وكان العبرانيون مثلهم كمثل السوريين الآخرين لم يتعظوا بصفة جدية إلى قول مغنيهم عندما يقول: «ما أجمل وما أحلى للأَخَوَانِ أن يعيشا معًا متحدين!» (راجع سفر المزامير إصحاح ١٣٣ سطر ١).

مملكة إسرائيل

ويعد «عمري» أشهر ملوك «إسرائيل» الأول (٨٨٥–٨٧٤ق.م)، ويدل اسمه على أنه كان عربي المنبت، ويحتمل أنه كان نبطي الأصل، وأهم أثر خلفه لنا مدينة «سماريه» (سباطين الحالية)، وهي التي أسسها وحصنها ونقل إليها مقر الحكومة من «تيرزاه» التي لم يُحَقَّقْ موقعها حتى الآن، وأقام لنفسه في العاصمة الجديدة قصرًا زاد فيه وجمَّله خلفه «أخاب»، وهذا هو «البيت العاجي» (سفر الملوك الأول إصحاح ٢٢ سطر ٣٩) يقول: «وبقية أمور أخاب، وكل ما فعل، وبيت العاج الذي بناه، وكل المدن التي بناها، أما هي مكتوبة في سفر أخبار الأيام لملوك إسرائيل.» الذي كشفت عنه الحفائر الحديثة، وأثاثه مطعم بالعاج، ومغطى الكثير منه بأوراق من الذهب.

وفي خلال هذا العهد كانت مدرسة الحفر في العاج مزدهرة في الشمال في «سوريا»، حيث وجدت بيوت غنية تحتوي على حجرات مكسوة بخشب الأرز المطعم بألواح من العاج، ومن الجائز أن قصري «داود» و«سليمان» كان فيهما حُجَر مكسوة كذلك بالعاج، والقصر الملكي في «سماريه» هو المثال الوحيد الذي عُثِرَ عليه من القصور التي ذُكِرَت في كتاب «العهد القديم»، وقد كان الأثر الذي تركه «عمري» في نفس معاصريه عظيمًا جدًّا، وقد بقي لمدة قرن بعد انقراض أسرته، حتى إن التواريخ الآشورية استمرت تشير إلى «سماريه» بوصفها بيت «عمري».

وقد عاش «أخاب» (٨٧٤–٨٥٢ق.م) في ود ومصافاة مع جيرانه، غير أنه كانت تعترضه مصاعب في داخلية بلاده، وقد لعب دورًا هامًّا بوصفه حليفًا «لدمشق» على الآشوريين في موقعة «قرقار» عام ٨٥٣ق.م التي لم تسفر عن نتيجة حاسمة٣ (راجع Hitti, Ibid. p. 166)، وتزوج من «أزبيل» بنت «أتبعل» ملك «صور» و«صيدا»، وقد سيطرت هذه المرأة تمامًا على زوجها وحاولت أن تفرض عبادة الإله «بعل» الصوري على «إسرائيل»، وقد أدى ذلك إلى نضال مرير طويل بين الديانة البعلية وديانة «يهوه» للسيطرة على الحياة الدينية الإسرائيلية، وكان رد الفعل على بيت «عمري» وهو الذي قام به «والبشاه» قد وصل إلى قمته بعد ذلك بعدة سنين في ثورة قادها «ياهو» وهو ضابط بري، وقضت هذه الثورة على الأسرة، وقد أمر بإلقاء الملكة «أزبيل» المسنة من النافذة فنهش جسمها الكلاب! (راجع سفر الملوك الثاني إصحاح ٩ سطر ٣٣–٣٥)، ثم استولى «ياهو» على عرش الملك عام ٨٤٢ق.م فأعاد عبادة «يهوه» بمثابة الديانة الوحيدة، غير أنه في حروبه الخارجية لم يكن موفقًا قط. والظاهر أنه قد مُثِّل هو أو رسوله على المسلة السوداء التي أقامها «سالامنزر» مقبِّلًا للأرض عند قدمي ملك «آشور»، ومقدمًا له جزية من فضة وذهب وأواني قصدير، وقبل ظهور «ياهو» بمدة قصيرة قام «ميشا» ملك «موآب» بثورة على «إسرائيل» واحتفل باستقلاله بنقش على حجر أقامه في ديبون (ديان في الأردن) (راجع Cooke, North Semetic Inscriptions pp. 167)، وهذا الحجر نُقِشَ عاليه أطول متن من التي تعد من أقدم المتون العبرانية. ويختلف هذا المتن في لغته عن لغة «التوراة» من حيث لهجته، وفي نفس الوقت تقريبًا قامت ثورة أخرى ناجحة قام بها الآدوميون على بلاد «يهودا» مدلِّلة على ضَعْفِ كلٍّ من المملكتين.

ومن المدهش أن نجد مظهرًا جديدًا لقوةٍ غير منتظرة في عهد حكم الملك «يربعام الثاني» (٧٨٥–٧٤٥ق.م) وهو ثالث نسل للملك «ياهو»؛ ففي عهده وسَّع حدوده الشمالية على حساب «آرام» (سفر الملوك الثاني إصحاح ١٤ سطر ٢٥): «وهو رد تخم إسرائيل من مدخل حماة إلى بحر العربة.» إلخ. وكُشِفَ عن بقايا السور المزدوج الذي حصن به «ساماريا»، ويبلغ سمك الجدار في بعض الأماكن حوالي ثلاثة وثلاثين قدمًا، على أن ما يميز حكمه هو أنه في نهايته أصبح «عاموس» نبيًّا في «بيت إيل» (بيت الله) (وهو المكان المسمى «لوز» عند الكنعانيين وخرائبه هي بلدة «بيتين» التي تقع على مسافة أحد عشر ميلًا شمالي «أورشليم»).

وقد كان في وسع «إسرائيل» أن تتمتع بالراحة قليلًا، ويرجع السبب في ذلك بوجه خاص إلى أن «آشور» كانت لمدة في مركز لا يسمح لها بمزاولة السياسة الهجومية، وكذلك كانت الدولة المصرية في ذلك العهد في حالة انحطاط.

ولكن هذه الحالة قد تغيرت عندما تولى «تجلاس — بيليسر الثالث» (٧٤٧–٧٢٧ق.م) عرش ملك «آشور»، وهو يعد بحق المعيد لمجدها الإمبراطوي؛ إذ نجده في سلسلة حملات سريعة هزم «دمشق» و«جلعاد» و«جليلي» و«سهل شارون» وصيرها ضمن أملاك «آشور» (سفر الملوك الثاني إصحاح ١٥ سطر ٢٩): «في أيام «فقح» ملك إسرائيل جاء «تغلث فلاسر» ملك «آشور» وأخذ عيون وآبل بيت معكه ويانوح وقادش وحاصور وجلعاد والجليل وكل أرض نفتالي وسباهم إلى «آشور»، ولم يرض «تجلاسي بيليسر» عن الطريقة التي كانت تتبع وهي ترك الحاكم الوطني يحكم بوصفه تابعًا للدولة، وجنح إلى سياسة تعيين نائب ملك من «آشور»؛ ليحكم البلاد التي فتحت بحد السيف.» (راجع Luckenbill Records Vol. I, 803, 805, 806, 809).

وقد حاول «زين» آخر ملوك «دمشق» و«بقاح» ملك إسرائيل إجبار «أحاز» ملك «أورشليم» على تأليف حلف من بلادهم على عدوهم المشترك، وقد أفضى الأمر إلى أن انكمشت «إسرائيل» إلى جزء من ملكها الأصلي، ودفعت «سمارية» جزية فادحة كما فعلت «يهودا» وجيرانها «فلسطين و«عمون» و«موآب» و«أدوم».

وبعد سنين قلائل كان «هوشع» ملك «إسرائيل» ينتظر المدد من مصر؛ ولذلك رفض الاستمرار في دفع الجزية للملك «سالا منزر» الخامس خلف «تجلات بيليسر»؛ ولذلك حاصر مدينته لمدة ثلاثة أعوام لشدة مقاومة حصونها المتينة (سفر الملوك الثاني إصحاح ١٧ سطر ٤): «ووجد ملك «آشور» في «هوشع» خيانة؛ لأنه أرسل رسلًا إلى «سوا»٤ ملك مصر، ولم يؤدِّ جزية إلى ملك «آشور» حسب كل سنة، فقبض عليه ملك «آشور» وأوثقه في السجن.» وقد سلمت في عام ٧٢٢-٧٢١ق.م لخلفه «سرجون الثاني» الذي ساق أمامه زبدة شباب «إسرائيل» (ويبلغ عددهم ٢٧٢٨٠ نسمة) إلى الأسر في «ميديا» (سفر الملوك الثاني إصحاح ١٧ سطر ٦): «في السنة التاسعة لهوشع أخذ ملك آشور السامرة وسبى إسرائيل إلى آشور وأسكنهم في حلح وخابور نهر جوزان وفي مدن مادي.» (وكذا راجع Schrader Vol. I. p. 294).
ومن تلك اللحظة قضى على مملكة «إسرائيل» أبديًّا. على أن هؤلاء الشبان الذين سيقوا إلى «ميديا» لا يؤلفون إلا جزءًا من ٤٠٠٠٠٠ أو يزيد من سكان المملكة الشمالية الواقعة غربي الأردن، أما عشر القبائل المفقودة فإنهم لم يفقدوا؛ لأن الذين سيقوا إلى النفي قد اندمجوا في الأهالي على وجه عام، ومن السخافات أنه قد جرى بحث عنهم، وادعى بعض الطوائف في «بريطانيا العظمى» و«الولايات المتحدة» أنهم متناسلون منهم، وقد أظهر «بنيامين» المنسوب إلى «تودلا Tudela» وهو أحد سياح القرن الثاني عشر الميلادي صحةَ التحقيق التاريخي عندما كتب أن جماعة اليهود الذين يعيشون في جبال «نيسابور» في شرقي آسيا هم من نسل المنفيين الأصليين (راجع The Itinerary of Rabbli Benjamin of Tudela. Ed. A. Asher London 1840 p. 83. Tr. p. 129).
وفضلًا عن سياسة النفي التي اتبعها الآشوريون بنقل أولئك الذين كانوا شوكة في جانب «آشور» فإن «سرجون» وأخلافه قد استعملوا طريقة الاستعمار، وذلك بأن يحل محل المنفيين من الإسرائيليين غيرهم من قبائل «بابل» و«عيلام» و«سوريا» و«بلاد العرب» ووطنوهم في «سماريا» وأقطارها (راجع Luckenbill, vol II § 17, 118) (وسفر الملوك الثاني إصحاح ١٧ سطر ٢٤).

واختلط المهاجرون الجدد بالإسرائيليين وكونوا السامريين، وقد كانت معتقداتهم الدينية متحدة مع عبادة «يهوه» (سفر الملك الثاني إصحاح ١٧ من سطر ٢٤–٣٣). وأما الانشقاق النهائي بين المجتمعين فقد حدث حوالي عام ٤٣٢ق.م بعد أن عاد «أزرا» و«نحمايا» من المنفى وطالبوا بتطهير جنسهم؛ ولذلك طَرَدوا من «أورشليم» حفيدًا للكاهن الأكبر؛ لأنه تزوج ابنة حاكم السامريين (راجع سفر نحميا إصحاح ١٣ سطر ٢٨)، وأصبح بطبيعة الحال الشاب الطريد كاهن السامريين، وأقام معبدًا مناهضًا لمعبد أعدائه على جبل «جريزيم»، وفي هذا الوقت كان القانون اليهودي لا يحتوي إلا على الكتب الخمسة الأُوَل من العهد القديم فقط، وعلى ذلك فإن هذا الجزء من العهد القديم قد بقي منذ ذلك الوقت الكتاب الوحيد المقدس عند السامريين، وقد نقلوه في صور منوعة من الكتابة العبرانية القديمة، وكانوا يرون أن المحراب الحقيقي هو محراب «جريزيم» لا محراب «زيون».

وازدادت العداوة والبغضاء بين اليهود والسامريين على مر السنين ولم يسمح بالتزاوج بينهم قط، ومن أهم محاورات المسيح «عيسى بن مريم» ما دار بينه وبين المرأة السامرية التي أدهشها أنه بوصفه يهوديًّا يطلب إليها شربة ماء! (سفر إنجيل يوحنا الإصحاح الرابع سطر ٩): «فقالت له المرأة السامرية: كيف تطلب مني لتشرب وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية؟ لأن اليهود لا يعاملون السامريين.» وكذلك نجد المسيح يختار في واحد من أجمل أمثلته سامريًّا ممقوتًا بطلًا لقصة كان يقوم فيها بدور شريف (سفر إنجيل لوقا إصحاح ١٠ سطر ٣٠–٣٧): «فأجاب يسوع وقال: إنسان كان نازلًا من أورشليم إلى أريحا، فوقع بين لصوص فعرَّوْه وجرحوه ومضوا وتركوه بين حي وميت، فعرض أن كاهنًا نزل في تلك الطريق فرآه وجاز مقابله، وكذلك لاوي أيضًا؛ إذ صار عند المكان جاء ونظر وجاز مقابله، ولكن سامريًّا مسافرًا جاء إليه، ولما رآه تحنن فتقدم وضمد جراحاته وصب عليها زيتًا وخمرًا وأركبه على دابته، وأتى به إلى فندق، واعتنى به، وفي الغد لما مضى أخرج دينارين وأعطاهما لصاحب الفندق وقال له: اعتنِ به، ومهما أنفقت أكثر فعند رجوعي أوفيك. فأي هؤلاء الثلاثة ترى صار قريبًا للذي وقع بين اللصوص؟ فقال: الذي صنع معه الرحمة. فقال له يسوع: اذهب أنت أيضًا واصنع هكذا.» وفي خلال الاضطهاد الذي قام به «أنتيوكس أبيفالس» (١٧٥–١٦٤ق.م) لاقى السامريون من العذاب مثلما لاقى اليهود (راجع سفر المكابيين الثاني إصحاح ٥ سطر ١٢-١٣).

هذا على الرغم من تظاهرهم بالرضا بأن يتفقوا ويَهُدوا معبدهم الذي على جبل «جريزيم» للإله «زيوس» (راجع Josephus, Antiquities Bk XII ch. 5–2) (راجع سفر المكابيين الثاني إصحاح ٦ سطر ٢).

وقد كان مَثَل هذه الجماعة كمَثَل حفرية قد بقيت على مر العصور حتى يومنا هذا، وهم يمثَّلون الآن بحوالي مائتي شخص يعيشون في «نابولوس» وهي «شخم» القديمة، وفي القرون الوسطى نما السامريون وترعرعوا في «غزة» و«القاهرة» و«دمشق» وبلاد أخرى، ولغتهم هي العربية اليوم، ويرى السائحون الذين يمرون صدفة أثناء عيدهم في «نابولوس» أنهم لا يزالون يضحون حمل عيد الفصح.

مملكة يهودا

وتولى عرش يهودا عدد من ملوك يماثل عدد ملوك إسرائيل؛ أي تسعة عشر ملكًا، غير أن المملكة الجنوبية قد امتد بها العمر أكثر من المملكة الشمالية بنحو قرن وثلث قرن. ومما يلفت النظر بين حوادثها السياسية المبكرة غزو فرعون مصر لبلادها، وذلك أن «شيشنق الأول» قد انتهز فرصة الانقسام بين «يهودا» و«إسرائيل» فاقتحم البلاد حوالي عام ٩٢٠ق.م، وضرب مدنها ونهب «أورشليم» وحمل غنيمة كل كنوز المعبد والقصر (سفر الملوك الأول إصحاح ١٤ سطر ٢٥-٢٦): وفي السنة الخامسة للملك «رحبعام» صعد «شيشنق» ملك مصر إلى «أورشليم» وأخذ خزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك، وأخذ كل شيء، وأخذ جميع أتراس الذهب التي عملها «سليمان»، ولم يكن «رحبعام» في مركز يمكنه من صد غارة المعتدي، ويقال: إن إحدى بنات «شيشنق» تزوجت من «رحبعام»، كما أن والده «سليمان» تزوج من إحدى بنات الفرعون الذي سبق «شيشنق»، وقد أفاد كل من «يهودا» و«إسرائيل» من فترة السكون في «آشور» و«مصر» في خلال القرن الثامن قبل الميلاد؛ إذ لم يكن لهما نشاط حربي ملحوظ.

ولذلك نجد أن حكم «عوزيه» أو (إذاريه) الطويل ٦٨٢–٧٥١ق.م قد برزت فيه بلاده وسعد نجمها، فأعاد نظام جيشه، وأصلح معاقل «أورشليم»، ونال انتصارات على «فلسطين» و«العرب»، وتسلم جزية من العمونيين وأعداء آخرين (أخبار الأيام الثاني إصحاح ٢٦ سطر ٦–٨): «وخرج وحارب الفلسطينيين، وهدم سورجت وسوريبنه وسور أشدود، وبنى مدنًا في أرض أشدود والفلسطينيين، وساعده الله على الفلسطينيين وعلى العرب الساكنين في جور بعل والمعونيين.» وقد فضل الأعمال السلمية على الشئون الحربية، فشجع الزراعة بحفر الآبار، وحمى قطعانه في الصحراء بإقامة أبراج لا تزال باقية إلى يومنا هذا، ويدل عليها قطع الفخار المؤرخة (سفر أخبار الأيام الثاني إصحاح ٢٦ سطر ٩-١٠): «وبنى عزيا أبراجًا في أورشليم عند باب الزاوية، وعند باب الوادي، وعند الزاوية، وحصَّنَها، وبنى أبراجًا في البرية، وحفر آبارًا كثيرة؛ لأنه كان له ماشية كثيرة في الساحل والسهل وفلاحون وكرامون في الجبال وفي الكرمل؛ لأنه كان يحب الفلاحة.»

وكان من جراء القضاء على «إسرائيل» في عام ٧٢١ق.م أن تعرضت «يهودا» إلى هجمات مباشرة من آشور؛ إذ بعد سنين قلائل من هذا الحادث؛ أي في مستهل حكم «حزقيا» (٧٢١–٦٩٣ق.م) أصبحت خاضعة «لآشور»، وذلك أن المصريين حرضوا «حزقيا» الذي لم يأبه لتحذير «أشيعا Isaiah» على آشور فاعتنق سياسة الاستفزاز، وعقد محالفة مع البلاد الفلسطينية وغيرها من الحكومات المجاورة، واستعدادًا لما عساه أن يحدث من محاصرة العدو له حفر نفقًا في الصحراء طوله ١٧٠٠ قدم لتوصيل المياه لعاصمته، وهذا النفق هو المعروف باسم نفق «سيلوعام» الذي نُقِشَ على جداره متن مؤلف من ستة أسطر بالعبرية، وقد كُشِفَ عنه بطريق الصدفة، ودل على أن الحفر بُدِئَ به من كِلَا طرفي الصحراء بدقة مدهشة، وهاك النص: «وفي حين كان قاطعو الأحجار يرفعون الفأس الواحد في مقابل الآخر، وفي حين كان لا يزال باقيًا إلا ثلاث أذرع لتقطع، سمع صوت الواحد ينادى الآخر لوجود انشقاق في الصخر.» (راجع Cooke, North Semitic Inscriptions, p. 15)، وعلى ذلك قام «سرجون» بسلسلة حملات وبعوث تأديبية، وقفاه في ذلك خلفه «سنخرب» (٧٠٥–٦٨١ق.م) على مدن الفينيقيين والفلسطينيين ويهودا، وانتهى الأمر بحصار «أورشليم» عام ٧٠١ق.م، وبعد الاستيلاء على «صيدا» و«عكا» وقبول خضوع رسل «أشدد» و«عمون» و«موآب» و«أدوم»؛ سار «سنخرب» على ساحل «فلسطين» وأخضع «يافا» وغيرها من المدن حتى جنوبي «عسقلان» والحدود المصرية، ثم اتجه شرقًا واستولى على «لاكش»، ولكن «صور» و«أفرون» (وهي «عافير» الحالية على مسيرة ستة أميال من غرب «جيزر») قاومتا. ولما سمع «سنخرب» أن الجيش المصري كان يتقدم نحو الشمال فطن في الحال إلى أنه ليس من الحكمة في شيء أن يترك حصنًا قويًّا مثل «أورشليم» وراءه؛ ولذلك أرسل فرقة من جيشه إليها وسار هو بباقي الجيش جنوبًا والتحم عند «التكة Eltekeh» (يحتمل أنها «خرابة المقنع» الحالية) مع الجيش المصري الإثيوبي الذي كان يقوده «تاهرقا» في المعركة وأوقفت تقدمه، ولكن قبل أن يحول كل قوته على أورشليم «كان في تلك الليلة أن ملاك الرب خرج وضرب من جيش أشور مائة ألف وخمسة وثمانين ألفًا، ولما بكروا صباحًا إذا هم جميعًا جثث ميتة.» (سفر الملوك الثاني إصحاح ١٩ سطر ٣٥). فلا بد أن يكون هذا هو الطاعون الدملي، وهو نفس المرض الذي أصاب جيش «نابليون» في هذا الإقليم عام ١٧٩٩م، وهو نفس الطاعون الذي كثيرًا ما يصيب الحجاج.

ولم تسقط «أورشليم»، ولكن القرى المجاورة أصبحت خرابًا بلقعًا، وقد اعتقد بطبيعة الحال «أشعيا» والملك أن «يهوه» لا بد أن يحمي مدينتهم على كل حال، وقد سمح «لحزقيال» أن يسترد عرشه، ولكن كان لزامًا عليه أن يدفع المتأخر من الجزية عليه، وأنه بعد عودة «سنخرب» إلى «نينوه» عليه أن يرسل بناته ونساء أخريات من القصر وكنوزًا ثمينة أيضًا إلى «نينوه».

ويلخص «سنخرب» بفخار انتصاراته فيما يلي: «أما عن «حزقيال» اليهودي الذي لم يخضع لنيري؛ فإن ستًّا وأربعين من مدنه المسورة والمدن المجاورة لها التي كانت لا تحصى قد حاصرتها واستوليت عليها ونهبتها وعددها بمثابة غنيمة، أما هو فقد حبسته مثل طائر في قفص في «أورشليم» مدينته الملكية … وحزقيال هذا … فإن بهاء جلالتي الرهيب قد استولى عليه.» (راجع Luckenbill Vol. II 312, cf. Schrader Vol. I p. 2868. 297). وادعى «سنخرب» أنه حمل معه ١٥٠–٢٠٠ رجلًا، وهؤلاء لا بد أن يكونوا عدد سكان بلاد «يهودا» الذين اعتبرهم غنيمة له.

ولا نزاع في أن بلاد «يهودا» قد تُرِكت في حالة خراب بسبب هذه الحملة، وبقيت مدة ثلاثة أرباع القرن السابع قبل الميلاد بمثابة قطر تابع «لنينوه» تدفع لها الجزية بانتظام، وعلى أية حال، فإنها عندما شعرت بضعف «آشور» لم تلبث أن بدأت تقوم من رقدتها، وهذا ما حدث في عهد «يوشع» الذي تولى عرش الملك حوالي ٦٣٦ق.م وهو في السنة الثامنة من عمره، وفي عهده اتسعت رقعة بلاده شمالًا في محاولة لتوحيد «إسرائيل» و«يهودا»، ولما سقطت «نينوه» عام ٦١٢ق.م في يد الكلدانيين شجع ذلك «مصر» على مد حدود إمبراطوريتها كَرَّة أخرى إلى شمال «سوريا»، فتقدم الفرعون «نخاو» على رأس جيشه شمالًا على طول الساحل، وفي هذا الوقت قام «يوشع» الذي كان يعد نفسه تابعًا لخلف «آشور» وهي «كلديا»، وسار لعرقلة التقدم المصري فجُرِحَ جرحًا مميتًا (٦٠٦ق.م) بسهم في ساحة موقعة «مدو». (سفر الملوك الثاني إصحاح ٢٣ سطر ٢٩-٣٠): «في أيامه صعد فرعون نخو ملك مصر على ملك «آشور» إلى نهر الفرات، فصعد الملك يوشيا للقائه فقتله في مجدو حين رآه، وأركبه عبيده ميتًا من مجدو وجاءوا به إلى أورشليم ودفنوه في قبره، فأخذ شعب الأرض يهو آحاز بن يوشيا ومسحوه وملكوه عوضًا عن أبيه.»

ونال «يوشيا» شهرة خالدة بوصفه مصلحًا دينيًّا؛ ففي عام ٦٢١ق.م عندما كانت تُعْمَل إصلاحات في المعبد عُثِرَ على نسخة من كتاب، ولا بد أن تكون العهد القديم أو جزءًا منه، وهذا الكتاب قد اختفى عن الأنظار بطبيعة الحال في عهود الردة والاضطهاد، وبخاصة عصر «منشة» (٦٩٣–٦٣٩ق.م) ابن «حزقيال»، وقد كان لقراءة هذا الكتاب أثر عميق في نفس الملك وشعبه، حتى إنهم تعاقدوا على عبادة «يهوه» وحده، فحرقوا أواني «بعل» و«السارية» و«أجناد السماء» التي كانت في المعبد، وخربوا البيوت المجاورة التابعة لأهل «سدوم»، وهدموا المرتفعات في كل أنحاء «يهودا» و«إسرائيل» (راجع سفر الملوك الثاني من كتاب العهد القديم إصحاح ٢٣ سطر ١–٢٥).

وقد تأرجحت «يهودا» بعد ذلك بين سياسة الخضوع لحكام «الفرات» الجدد والتحالف مع دولة «مصر» صديقتها القديمة، ولكن «يواقيم» بن «يوشيا» (٦٠٨–٥٩٧ق.م) اختار محالفة «نخاو» ملك «مصر». (سفر الملوك الثاني إصحاح ٢٣ سطر ٣٤): «وملك فرعون «نخاو» «الياقيم» بن «يوشيا» عوضًا عن «يوشيا» أبيه، وغيَّر اسمه إلى «يهو ياقيم»، وأخذ «يهو آحاز» وجاء إلى مصر فمات هناك.» فالواقع أنه كان في الأصل مرشح «نخاو» لعرض ملك «يهودا»؛ ولذلك قام في وجه «نبوخا دنزر» (بختنصر) الذي رأى والده «نابو بولسر» ثورة موفقة كانت من نتائجها بمساعدة الميديين تخريب «نينوه» وتأسيس دولة الكلدانيين، وكان «نبو خادنزر» وهو لا يزال قائدًا في جيش والده قد برهن على مهارته الحربية بهزيمة «نخاو» هزيمة منكرة في موقعة «قرقميش» عام ٦٠٥ق.م، وانتزع بذلك من «مصر» كل ممتلكاتها الآسيوية. (سفر الملوك الثاني إصحاح ٢٤ سطر ٧): «ولم يعد أيضًا ملك «مصر» يخرج من أرضه؛ لأن ملك «بابل» أخذ من نهر مصر إلى نهر الفرات كل ما كان لملك مصر.» وقد كان ذلك الحادث نقطة تحول في ذلك العصر، فقد فصل نهائيًّا في النزاع الطويل للسيادة في «آسيا الغربية»؛ فقد أصبحت «بابل» تحت سيادة الكلدانيين، وأصبحت هي الدولة المسيطرة التي لا منازع لها في شئون هذه الجهة.

ولم يكن «ليواقيم» من القوة ما يناهض بها «نبو خادنزر» الذي دخل جيشه «أورشليم» عنوة في عام ٥٩٧ق.م، وقيد الملك الثائر بالسلاسل ليحمله إلى بابل. (سفر أخبار الأيام الثاني إصحاح ٣٦ سطر ٦): «عليه صعد نبو خذناصر ملك بابل وقيده بسلاسل نحاس ليذهب به إلى بابل.» ولكنه إما مات أو قتل وأُلْقِيَ بجسمه خلف أبواب «أورشليم»، وقد تنبأ «أرميا» في وثيقة قطعها الملك وألقى بها في النار بأن «يواقيم» سيدفن دفن الحمار (سفر أرميا إصحاح ٢٢ سطر ١٩): «يدفن دفن حمار مسحوبًا ومطروحًا بعيدًا عن أبواب «أورشليم».» (وكذلك راجع Josephus, Antiquities Bk X cb. 6. § 3).
وتؤرخ نقوش «نبوخادنزر» التي نقشها على صخرة عند «الكلب» قبل هذه الحادثة بزمن قصير، وقد نقشها ثانية على صخرة في «وادي برسا» غربي «ربلة»، حيث نجد «نبوخادنزر» ممثَّلًا واقفًا أمام شجرة أرز في صورة أخرى غير السابقة مُثِّل فيها وهو يدفع عن نفسه أسدًا يقفز عليه (راجع Dussaud, Topographie p. 95).
ولم يكن ابن «يواقيم» وخلفه بأرجح عقلًا من والده، فقد اعتلى عرش البلاد بعد موت والده بثلاثة أشهر في عام ٥٩٧ق.م، ولم يلبث أن رأى «نبوخادنزر» يظهر شخصيًّا عند أبواب العاصمة، وبعد حصار قصير سلمت المدينة، وحمل الملك الشاب «يواقيم»، وأزواجه، وأمه، وموظفوه، وسبعمائة من جنوده، وألف من مَهَرَة صُنَّاعِه إلى بابل، وكان «أزقيل» ضمن القواد الدينيين الذي أُسِروا، وعلى إثر ذلك نصب «زدقيا» أحد أبناء «يوشيا» ملكًا بأمر «نبوخادنزر»، وقد بقي «زدقيا» الذي كان يبلغ من العمر الواحدة والثلاثين (٥٩٧–٥٨٦ق.م) على ولائه للملك «نبوخادنزر» لمدة أعوام، ولكنه لم يلبث أن عاد بعدها إلى طلب الاستقلال، وقد كان ذلك استجابة إلى تحريض قواده الوطنيين، هذا فضلًا عن أنه كان يعتمد على مساعدة مصر، ولما علم بذلك «نبوخادنزر» ثارت ثائرته وأرسل جيشًا ليخرب «أورشليم» التي كانت أصبحت تحت الحصار، وقد رفع الحصار مؤقتًا عندما اقتربت حملة مصرية بقيادة «حوفره» («أبريس» كما ذكره هيردوت) (راجع Diodorus, Bk 1 ch. 68, Bk II ch. 161) غير أنها حوصرت ثانية، وبعد عام ونصف نفدت قوة الحامية وهدمت جدران المدينة في عام ٥٨٦ق.م، ولما رأى ذلك ملكها فر في جنح الليل مع رجال حربه، غير أن العدو اقتفى أثره ولحق به في سهل «جريكو»، وأحضر إلى معسكر «نبوخادنزر» في «ربله» حيث رأى ذبح أولاده بعيني رأسه، ثم فقأ عينيه ليكون آخر مشهد لهما هذا المنظر المحزن! وبعد ذلك وُضِعَ الملك الأعمى في الأغلال وحمل إلى بابل (راجع سفر الملوك الثاني من كتاب العهد القديم إصحاح ٢٥ من سطر ١–٧).

أما «أورشليم» فخربت هي ومعبدها، وحمل عظماء المدينة والريف ويبلغ عددهم ٥٠٠٠٠ نسمة أسرى، ولم يبقَ في المدينة إلا عدد ضئيل من التعساء، ثم خرَّب هذا العاهل الجبار كل مدينة في «يهودا» تقريبًا، وقد بقيت كذلك عدة قرون، وبحلول عام ٥٨٢ق.م كان «نبوخادنزر» قد أعاد فتح البلاد المجاورة لبلاد «يهودا» عدا «صور» التي بقيت تقاوم الحصار حتى عام ٥٧٢ق.م، وقد كان ملكها المدافع عنها هو «أتبعل الثالث» الذي سلم الملك في عام ٥٧٤ق.م «لبعل الثاني»، وقد حدثت ثورة ضئيلة في «صور» في عام ٥٦٤ق.م ولكنها أخضعت بسهولة، وبذلك أصبحت كل «سوريا» في يد الكلدانيين.

١  القين معناه: المعدن. ومن المعلوم أنه يوجد مناجم نحاس في سيناء ووادي عرابة، وكانت معروفة للمصريين والعرب قبل ذلك الوقت. (راجع مصر القديمة الجزء السابع) الكلام الخاص عن خروج بني إسرائيل واجتيازهم شبه جزيرة سيناء.
٢  اسم بالستا كان اسم مكان في إقليم الليري هو أبيروس (راجع Bonfante, “Who were the Phibstines?” American Journal of Archeology Vol. 50 (1946) p. 251).
٣  وظن البعض أن «مصر» قد أرسلت قوة لمساعدة الحلفاء، غير أن ذلك يكاد يكون مستحيلًا؛ لأن كلمة المصري (الإقليم) الذي جاء منه ألف رجل لمساعدة «أخاب» وحلفائه يحتمل كثيرًا جدًّا أنه في الجزء الشمالي من «سوريا»، وهو إقليم بهذا الاسم (راجع Early History of Assyria p. 25, 389). وسنتحدث عن ذلك في حينه.
٤  وهو على أغلب الظن الملك «شبكا» الكوشي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١