الفصل الخامس والأربعون

في ضيافة القرآن١

سيداتي، سادتي

أرجو أن تلقوني بقلوبكم قبل أسماعكم، إن كان فيكم من يندم على ذنوبه كما أندم على ذنوبي، أرجو أن نقضي لحظات في ضيافة القرآن فهذه الأيام هي أصلح الأوقات للتشرف بضيافة القرآن، وإنما كانت كذلك لأن الخطايا أثقلت كواهلنا، والمريض هو أعرف الناس بفضل الطبيب، وقد آن أن نرجع إلى القرآن كلما دهمتنا ظلمات الذنوب، فهو يهدينا برفق وعطف، ويوجهنا إلى الخير بلطف وحنان.

وأنا أرجع إلى القرآن من حين إلى حين، أرجع إليه حين تعجز المذاهب الفلسفية عن هداية قلبي، أرجع إليه حين لا ينجيني الغرور السخيف الذي يوهمني بأني وصلت إلى أصول الحقائق حين طوفت بالمذاهب الفلسفية عند القدماء والمحدثين، أرجع إليه حين أكون كالمريض العاقل الذي لا يخفي علته على الطبيب.

واسمحوا لي أن أتهم نفسي علانية فأنا أتهيب إعلان صداقتي للقرآن المجيد لئلا يشك الناس في علمي، فمن أوهام هذا العصر أن يكون العلم عند الملحدين لا عند المؤمنين، ولن أجرؤ على إعلان إيماني إلا يوم يصح عندي أن منافع الدنيا وإن جلت وعظمت لا تساوي التشرف بالخضوع لأحكام القرآن.

أنا أيها السادة صريع العصر الحديث، ويعزيني في بلواي أن لي زملاء يعدون بالمئات أو بالألوف، فأكثر من تعلموا في أوربا يؤذيهم أن يقال إنهم مؤمنون، لأن أوربا طافت بها موجة عنيفة أشاعت في الناس اليقين بأن العلم والدين لا يلتقيان.

وقد اكتوينا في مصر بهذه البلية، وما أعرف بالضبط كيف حالكم في العراق.

•••

ولكن أفي الحق أن القرآن يملك هدايتنا إلى أصول الخير في العصر الحديث؟

أفي الحق أن الكتاب الذي مضت عليه أجيال وأجيال يعطينا من الهداية ما تعجز عنه الفلسفة العميقة التي تدرس في الجامعات الفرنسية والألمانية؟

ألا يكون كلامي هذا تعصبًا مصطنعًا أجتلب به العطف من جماهير المسلمين؟

ألا يمكن أن أكون مرائيًا يخادع الناس؟

أنا لا أكذب عليكم، أيها السادة، فعصركم لا يشقى فيه غير الصادقين، وإنما قضت المقادير أن تشرفني محطة الإذاعة بالدعوة لإلقاء كلمة في الليلة التاريخية التي ولد في مثلها الرسول، وقد قبلت بعد تردد وتهيب؛ لأن الكلام في هذه الليلة يوجب الصدق، والصدق صعب على نفسي، لأني أعيش — واأسفاه — في عصر الأكاذيب.

أيها السادة

نحن في ضيافة القرآن، فما الذي نجده على مائدة القرآن؟

نجد الأعاجيب من أطايب العقل والوجدان.

وإلا فكيف اتفق أن يثني القرآن على جميع الأنبياء والمرسلين، ولكن أي ثناء؟

إن النصارى لم يمجدوا المسيح بمثل ما مجده القرآن.

واليهود لم يثنوا على موسى بمثل الذي أثنى عليه القرآن.

والشرائع القديمة لم تحفظ ذكرياتها الطيبات إلا بفضل القرآن.

فكيف صح للرجل الذي اسمه محمد أن يزكي منافسيه من الأنبياء والمرسلين؟

كيف صح لهذا الرجل أن ينسى أول حقيقة في حياة المجتمع، وهي السخرية من جميع المبادئ ليتم له التفرد بالعظمة النبوية؟

هنا تظهر بارقة من النور تشهد بأن هذا الرجل لم يكن طالب صيد، وإنما كان نبيًا.

ارجعوا إلى القرآن أيها السادة تجدوه لا يفرق بين أحد من الأنبياء، وعندئذ تؤمنون بأن محمدًا لم يبن مجده على أنقاض الشرائع، ولو كان كاذبًا لادعى لنفسه كل شيء، وزيف ما جاء به الأنبياء والمرسلون.

ارجعوا إلى التاريخ — أيها السادة — وانظروا كيف صنع من سموا أنفسهم مصلحين.

اقرأوا تواريخ المسيطرين وانظروا كيف كانوا يمحون آثار من سبقوهم بلا ترفق.

استنطقوا الآثار في الشرق والغرب، وانظروا كيف كان الملوك ينكرون فضل آبائهم.

ارجعوا إلى ماضيكم القريب مع إخوانكم وأصدقائكم تجدوهم سلقوكم بألسنة حداد.

انظروا كيف ينسى الأخ فضل أخيه وكيف يعق الابن أباه.

انظروا وتأملوا ثم تذكروا كيف صح للرجل الذي اسمه محمد أن يقيم كتابه على تمجيد من سبقوه إلى الإيمان.

كم كنت أحب أن أسخر من القرآن ليتحدث الناس باسمي في كل مكان.

لقد ضاعت الفرصة الطنانة الرنانة، فرصة الزندقة والإلحاد، لأنني مع الأسف الموجع لم أستطع النجاة من سحر القرآن.

كنت أحب أن أتمرد على القرآن ولكني عجزت، ومن واجبي نحو نفسي أن أبين كيف عجزت، فاسمعوا واعجبوا:

هناك آية لا يصدق أحد أنها في القرآن، هناك آية أخشى أن ترفض من أجلها هذه المحاضرة، وسأذهب إلى محطة الإذاعة وفي يدي المصحف، حتى لا يظن المشرفون على الإذاعة أني كذبت أو افتريت.

هناك آية غريبة، وما أكثر ما في القرآن من غرائب.

هناك آية عجيبة، وما أكثر ما في القرآن من عجائب.

هناك آية تقول: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أتذكرون هذه الآية؟ لقد رأيتها في المصحف، وما تخونني عيناي، فما معنى هذا الكلام؟

تذكروا أن الرسول يروي عن ربه تباركت أسماؤه، وهنا وجه الغرابة والعجب، وهل رأيتم أغرب وأعجب من أن يشهد الله على نفسه بأنه يراعي أحوال المجتمع فينقله في التشريع من وضع إلى وضع؟

هل تصدقون بأن الله وهو مالك الملك يضع نفسه من الناس موضع الأستاذ من التلاميذ؟

هل تصدقون بأن الله يشهد على نفسه بأنه يتدرج في هداية المخلوقات؟

عز شأن الله — فهو بكل شيء عليم — ولو شاء لخلق للناس شريعة أبدية لا ينالها تغيير ولا تعديل، ولكنه أراد أن يروضنا على أدب النفس، أراد أن يعلمنا التواضع، فهل تعلمنا التواضع؟

إن الله ينسخ آياته أو ينسيها رفقًا بالمجتمع.

أما نحن فنحرص على آرائنا وأفكارنا ونقضي العمر في الدفاع عما نملك من أباطيل.

أين الحاكم أو الفيلسوف الذي يستطيع أن يعلن أنه كان في بعض آرائه من المخطئين؟

إن الرسول يخبرنا أن ربه كان يراعي أحوال المجتمع.

فمن هو المصلح الذي يترفق بالمجتمع؟ عز شأن الله، فما أراد إلا أن نتأدب، فهل تأدبنا؟

إن الإنسانية ترتطم كل لحظة في أضاليل الفلاسفة والمفكرين؛ لأن أكثرهم يموت وهو مصرّ على الضلال.

•••

نحن على مائدة القرآن، فماذا نجد؟

نجده يقول: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ.

فنفهم قيمة اليقظة في السريرة الإنسانية.

ونجده يقول: إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ.

فنفهم أن نعيم الحواس متاع خسيس، وأن النعيم الأعظم هو النعيم في عالم المعاني.

ونجده يقول: هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ.

فندرك أن الإنفاق في سبيل الخير من أشرف وسائل الجهاد.

ونجده يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ.

فنتذكر المآسي الموجعات التي نعاني مكارهها في كل صباح وفي كل مساء، فحياتنا مكدرة مرنقة بسبب الاستماع للوشايات والنمائم، لأننا نسمع في أصحابنا ومعارفنا وأصدقائنا كل قيل، ونرتب المقدمات والنتائج على ما نسمع، وقلما نتذكر أن من واجبنا ألا نصدق ما نسمع إلا بعد درس وتثبت وتبين وتحقيق، قلما نتذكر أن الحكم على الغائب لا يخلو من اعتساف، وسكوتنا عن مراجعة الواشين والنمامين، وتفريطنا في تقديمهم إلى ساحة الجزاء، كل ذلك غرس فيهم الطمأنينة إلى السلامة من عواقب ما يصنعون، فالنمام يضع بذور الفتنة بين الناس وهو مطمئن لأنه يعرف أننا في الأغلب نصدق كل ما نسمع، ولا نفكر في معاقبة المفترين.

هذه الآية عجيبة، ولكن تاريخها أعجب فقد نزلت في أعقاب غلطة كاد يقع فيها الرسول، ثم نجاه الله وحماه.

•••

ومن عجائب القرآن أنه يجعل النبي إنسانًا يخطئ ويصيب، وهو يوصي النبي بتأكيد هذا المعنى في أنفس الناس فيقول: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا.

وفي أي عصر يقع هذا الكلام؟ في عصر كان أهله في كل أرض يرون النبوة ضربًا من الألوهية، ويستبعدون أن يكون الرسل ناسًا كسائر الناس، فلو كان محمد من الكاذبين لأوهم الجهال أن فيه نفحة ربانية.

ولكن هذا مستحيل على من يروي عن ربه هذا الحوار الطريف: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

وهذا الحوار غريب أيضًا، فهو ينطق عيسى عليه السلام بما يليق بالأنبياء، ثم يصوره بصورة المشفق على أتباعه من عواقب الزيغ فيسترحم لهم ويستعطف، وذلك ترفق نبيل.

والعذوبة في مثل هذا الحوار تشهد بأن أسلافنا كانوا على حق حين جعلوا جميع العلوم وسائل لفهم القرآن فأنا أكاد أجزم بأن القرآن لا يفهم حق الفهم إلا بعد التعمق في العلوم الأدبية والعقلية، وأكاد أجزم بأن النظر في المصحف يعصم المرء من عواصف الشهوات ويهديه سواء السبيل، ومن كان في ريب من ذلك فليجرب مرة أو مرتين فقد ينقله المصحف من حال إلى حال، وقد يكون له من الخير نصيب فينقل من سجل الأشقياء إلى سجل السعداء.

أيها السادة

هل فيكم من تشرف بالنظر في سورة الحجرات فرأى فيها هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.

هل فيكم من فطن إلى أن هذه الآية تنطبق على أحوال هذا العصر كل الانطباق؟ فنحن اليوم في الأقطار الإسلامية منقسمون إلى أحزاب، وكل حزب بما لديهم فرحون، وكل جماعة تظن أن الخير وقف عليها، وأن من خرج على حدودها فهو من الضالين.

وهذا الظن السيء هو الذي عاد على قلوبنا بالخراب، فقلوبنا أيها السادة أصبحت كأوكار الحيات والثعابين، أصبحت قلوبنا موبوءة وكأنها البقعة الخربة التي تعيش فيها الهوام والجراثيم، ولو كنا نعقل لتأدبنا بأدب القرآن وعرفنا أن قلوبنا في حاجة إلى مصابيح من حسن الظن بالله وحسن الظن بالناس.

واسمحوا لي مرة ثانية أو ثالثة أو رابعة بأن أتهم نفسي فأنا الشقي وأنتم السعداء، اسمحوا لي أن أعترف بأني ضيعت على نفسي خيرًا كثيرًا حين فاتني أن أتأدب بأدب القرآن، فقد حملني الغرور على الظن بأن الخير لم يعرف قلبًا غير قلبي، ثم تبينت بعد فوات الوقت أن الله لم يخلق العالم عبثًا، وأنه لم يمنح النور والهواء والحياة إلا لمن يراهم أهلًا لكل أولئك الطيبات.

وأبشركم بأني بدأت أهتدي، وأصبحت أنظر إلى من يسيئون الظن بالناس نظر العطف، فهؤلاء يعانون من أمراض القلوب بعض ما كنت أعاني، هؤلاء أطفال في عالم الأخلاق، فلننظرهم قليلًا فسوف تنضجهم الأيام والليالي، هؤلاء مساكين يتوهمون أن الدنيا يقوم بأعبائها رجل واحد، أو حزب واحد، فلننظرهم قليلًا فسوف تعلمهم الحوادث أن العالم لا يعيش إلا إذا اجتمع فيه الفاضل والمفضول، والراجح والمرجوح، والرئيس والمرءوس.

وهذا الكلام الذي أقول به هو في جوهره أصغر من الحكمة القرآنية، فالقرآن يوصينا بالحذر المطلق، وهو لا يسمح لفرد ولا قوم أن يظنوا بأنهم أفضل الناس على الإطلاق، ويقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ.

وقد علمتني الحوادث بأن الثقة لا تتم بين رجلين إلا إذا اعتقد كل واحد منهما بأنه أقل من أخيه في أدب النفس، وعلمتني الحوادث وعلمت غيري أن الرجل يصبح أجهل الناس إذا اطمأن إلى أنه صار من العلماء، والقرآن يوصينا بأن نحترس فلا نزعم التفرد بالكمال، فإن هذا الزعم باب إلى الخراب، خراب العقول والقلوب.

وأحب أن أذكر نفسي وأذكركم إن شئتم بهذه الوصية: وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ.

واللمز هو تجريح الناس والغض من أقدارهم، وهو من أخلاق من لا يتقون الله، والتنابز بالألقاب هو أن يخاطب الناس بعضهم بعضًا بما لا يحبون.

فأين من هداه الله إلى مراعاة هذه الآداب؟

أين من يحدثه القلب بأن الاهتمام بإظهار محاسن الناس أفضل من الهيام بكشف مساويهم؟

أين من يحدثه القلب بأن التلطف في الخطاب أدب جميل؟

ولكم أن تعجبوا أيها السادة حين ترون القرآن يعقب فيقول: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ.

فهو يرى التفريط في هذه الآداب خروجًا على الإيمان، وهذا حق، فما كان الإيمان كلمة تلوكها الألسنة وتمضغها بلا إحساس، وإنما الإيمان عقيدة وأعمال.

جعلنا الله بفضله من المؤمنين.

أيها السادة

إن مائدة القرآن متعددة الألوان، وفيها أطايب تنفع جميع الأمعاء، فللفاجر حديث، وللمرتاب حديث، وللمؤمن حديث، وللجاحد حديث، ولكل إنسان مكان على مائدة القرآن.

ولكن يبدو لي أن إيماننا لا خوف عليه، فأنا مطمئن إلى أن المسلمين هم في الأغلب مؤمنون.

غير أني وقد اختبرت نفسي أشعر بأننا في حاجة شديدة إلى النظر في الآية الآتية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللهَ ۚ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ.

فهذه آية يجب أن ترقم على كل مكان لأراها ويراها أمثالي من المساكين، فكل إنسان في هذه الأرض يحب أن يكون له في الناس رأي، ويزعجني أن أقرر أنه يؤذينا أن تحسن آراؤنا في الناس، وقد جربت ذلك، ولكم أن تجربوه، فما ذكرت إنسانًا بالخير في حديث أو مقال أو كتاب إلا كان ذلك كافيًا لقيام ثورة عنيفة لتصحيح ما أخطأت فيه، ولا ذكرت إنسانًا بالشر في حديث أو مقال أو كتاب إلا رأيت من يثني على أدبي ويصفني بالجرأة والشجاعة والعبقرية.

فما سر ذلك؟ لذلك تأويل، ولكنه يفضح بني آدم، وتأويل ذلك أن الناس يتوهمون أن حسن السيرة والسمعة إذا تم لرجل كان فرصة لانتهاب الخير من أيديهم، وهم مخطئون أبشع الخطأ، فالله عز شأنه خلق من الخيرات والثمرات أضعاف ما خلق من الإنسان والطير والحيوان، ولا تزال في الأرض والأشجار والأنهار والبحار خيرات منسية تنتظر من يكشف عنها الغطاء.

والشجرة لا تثمر مرة واحدة، وإنما تؤتي أكلها في كل حين.

والأنهار لا تفيض مرة واحدة، وإنما تحفظ أدبها مع بارئها فتفيض بمواعيد على مر السنين والأجيال.

والأرض لا تجدب إلا إن غفلنا عنها أو زهدنا فيها.

والفكر لا ينضب إلا إن أغفلناه.

فما الذي يوجب هذا التطاحن البغيض يا بني آدم؟

ما الذي يسوؤكم في أن تحسن سمعة رفيق لكم فيجاهد في دنياه وهو محمود الخصال؟

وقد علمتني التجارب وستعلمكم أن الإنسان أضعف من أن يقطع رزق أخيه الإنسان، فهناك قوة ربانية تبيح الجهاد في سبيل الرزق الحلال، وهذه القوة لا تنتظر آراءكم في التجريح والاغتياب، فانطحوا الصخر إن شئتم، فلن يسمع لكم في مصاير الناس قيل ولا قال، وإنما الأمر كله لله.

أيها السادة

كنت أحب أن أطيل الطواف حول الألوان الشهية التي تزخر بها مائدة القرآن، ولكن الوقت الذي حددته محطة الإذاعة يضيق عن ذلك، فاسمحوا لي أن أشير إلى هذه الآية فهي تنفعني وتنفع من يحمل على ظهره أوزارًا مثل أوزاري، وهذه الآية تقول: وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ.

فإن رأيتم خيرًا من إنسان فنوهوا به وتحدثوا عنه في السر والعلانية، واعلموا أن هذا يرضي الله، وتذكروا دائمًا أنكم لستم أغير من الله، تذكروا أن أخطر حية في الأرض هي الحية التي تسمى الكوبرا وهي حية شريرة جدًا، وقد هربت إحدى هذه الحيات مرة من متحف قصر العيني بالقاهرة، وشاع ذلك فباتت محلة المنيرة بالقاهرة في جزع وارتياع.

فهل تعرفون كيف كشف العلم عن حقيقة هذه الحية الشريرة اللئيمة؟

لقد ثبت علميًا أن سم هذه الحية هو الدواء الشافي لمرض السرطان، وقد يأتي زمان نربي فيه هذه الحية الشريرة كما نربي كرائم الخيل.

أيها السادة

تذكروا، ثم تذكروا، تذكروا دائمًا أنكم لستم أغير من الله، تذكروا أنكم لم تروا من أنهار الحقائق غير أوشال، تذكروا أن القرآن لم يكن أبطولة من الأباطيل، وإنما كانت آياته من غرائب الحقائق، وتذكروا أن القرآن هو الذي أعز العرب فجعل لهم إخوانًا في المشرقين والمغربين، ولولا القرآن لظل العرب في عبودية كما كانوا في أكثر عهود التاريخ.

أيها السادة

في مثل هذه الليلة، أو في قريب من مثل هذه الليلة، ولد الرسول، فلنجعل هذه الليلة من ليالي الصدق، عساها تكون كفارة عما عانينا في طول العام من أكاذيب.

والصدق يوجب أن نذكر أن الإسلام ليس دين العرب وحدهم وإنما هو دين الإنسانية جمعاء، فإلى سائر المسلمين في بقاع الأرض وإلى من انتفعوا بهدى الإسلام من قرب أو من بعد، وإلى كل إنسان سمع باسم القرآن، إلى جميع من خلق الله نوجه التحية الخالصة راجين أن نتعرف إليهم أو يتعرفوا إلينا، في ظلال الراية الرحيمة، راية الرسول الذي بعثه الله رحمة للعالمين.

١  محاضرة ألقيت في محطة الإذاعة العراقية في ليلة المولد النبوي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤