الفصل الخامس والخمسون

فاجعة بغداد

ما أعجب ما تصنع المقادير!

وهل كان يخطر ببال أحد أن أكتب آخر مقال في بغداد وأنا محزون؟

من كان يظن ذلك؟ لقد قضيت عامي كله فرحًا مسرورًا، أتنقل في أرجاء العراق من مدينة إلى مدينة، فوق أمواج الجذل والابتهاج، وألقى من عطف العراقيين ولطفهم ما يشرح الصدر ويؤنس الروح.

فكيف جاز أن تكون آخر أيامي في بغداد أيام أحزان؟

تلك ضريبة نؤديها راضين أو كارهين، فكذلك كانت الدنيا وكان الوجود.

•••

في ضحى اليوم العشرين من شهر حزيران ذهبت إلى دار المعلمين العالية لمراجعة بعض الشؤون، فلقيني الدكتور عقراوي مذعورًا وهو يقول: وقع اعتداء على الدكتور عزمي، فانزعجت وأسرعت لنجدته، وكان الظن أن يكون الاعتداء نوعًا من التلاحي والسباب، ولكني ما كدت أجتاز باب كلية الحقوق حتى أفزعتني مناظر الدماء.

ودخلت إلى مكتب نائب العميد فرأيت الدكتور عزمي بخير، وجدته أصفر اللون ممزق الثياب، وهو يرتجف، فقلت: سلامتك يا دكتور، ماذا تجد وما الذي حدث؟

فأشار إشارة خفيفة فالتفت فإذا رجل مددت فوق بساط المكتب وهو مضرج بالدماء، رجل أخفى الدم معالم وجهه وكاد ينقله إلى حظيرة الأموات، ولكن صوته وهو يتأوه ويتوجع دلني على شخصيته فعرفت أنه الصديق الكريم الدكتور حسن سيف.

ما أنت يا دنيا؟ أرؤيا نائم؟
أم ليل عرس؟ أم بساط سلاف
نعماؤك الريحان، إلا أنه
مست حواشيه نقيع زعاف!

ذلك الدكتور سيف الذي قضى أيامه في بغداد وهو يعتب ويتلوم، لأني أنقطع عن زيارته، وأعق واجب الإخاء في السؤال عنه، ولا أراه إلا مصادفة في الطريق.

وكان الدكتور سيف هو وحده الذي يعتب ويتلوم من بين سائر الزملاء، فهل كان يشعر بأن الأقدار ستفرق بيننا بعد قليل؟

كان الدكتور سيف أخًا كريمًا، فعند الله أحتسب فجيعتي في ذلك الأخ الكريم.

كنت أرتاب في أكثر المودات وأثق بمودة ذلك الصديق.

وما هي جريمته حتى يقتل وهو غريب؟

آه، ثم آه، لقد تذكرت.

تذكرت أن الله ابتلاه بحرفة التدريس كما ابتلاني، والتدريس حرفة صعبة قاسية لا يعرف أخطارها إلا الأقلون.

ولم تكن كذلك إلا منذ اليوم الذي وضعت فيه للتدريس قواعد وأصول، وأصبح من المفروض أن يمتحن الأستاذ تلاميذه ليحكم لهم أو عليهم، والتلاميذ كما عرفتهم في مصر وفي العراق لا يرضون أبدًا عن أساتذتهم، فإن نجح طالب فنجاحه لم يقع إلا بفضل المحاباة، وإن رسب فرسوبه لم يقع إلا بسبب المعاداة، والأستاذ في جميع أحواله مظلوم، لأن التلاميذ في أغلب أحوالهم صغار، لا يرون الحق والباطل إلا في ضوء المنافع الشخصية.

والرصاصة التي تلقاها الدكتور سيف في دماغه أقل خطرًا من كلمة السوء التي يتلقاها غيره من الأساتذة، فكم في الدنيا من أساتذة وصموا بأقبح الوصمات؛ لأن لهم تلاميذ ساقطين يذيعون عنهم الإفك والبهتان.

•••

وجاء الإسعاف فنقل الدكتور سيف إلى المستشفى الملكي، وبقيت مع الدكتور عزمي أواسيه، فأخبرني أنه تلقى رصاصة في كتفه، وأنه يخشى العواقب — لأنه مريض بالبول السكري — فقدمت له سيجارة فرفض، فقلت: هي تلهية تنسى بها قليلًا همومك فلم يستطع أخذها بيديه، ومدّ فمه للسيجارة فعرفت أن الرجل يتكلف في ترضيتي مالا يطيق.

وبعد لحظات أخذته في عربة إلى المستشفى الملكي، وأدخلته إلى حجرة الإسعافات، ولكنه ما كاد يجلس حتى غلبه البكاء.

•••

كنت أصدق كل شيء، ولكني كنت أنكر أن يبكي الأستاذ محمود عزمي من الجزع، هذا رجل له خصوم وله أنصار، وقد أسرف في الحب وفي البغض، فما الذي مر بخاطره في تلك الحظة حتى غلبه الدمع؟

لعله تذكر أطياف ما لقى من الشقاء في دنياه، فهذا الرجل لم يعرف معنى الهدوء منذ ثلاثين عامًا، وهو قد انتقل من ميدان إلى ميادين، وظل يكافح ويناضل حتى عرف أخيرًا أن في الدنيا شيئًا اسمه الرصاص!

ما أذكر أبدًا أني أحببت الأستاذ محمود عزمي، فقد اصطدمت به في القاهرة في أعقاب الثورة المصرية، واصطدمت به في باريس واصطدمت به في بغداد، ولكني لم أخل يومًا من العطف عليه، فهو رجل مكافح يستحق الإعجاب، ونكبته في بغداد توجب الأسف، لأنها أثر من آثار الحيوية الذاتية التي امتاز بها هذا الرجل الجوال.

•••

وجاء الطبيب الشرعي فشخص جرح الدكتور عزمي، وبدا لي أن التشخيص خطأ، ولكني لم أعترض، وبعد لحظات حملته نقالة إلى حجرة الاستراحة، وكان يستطيع أن يمشى على قدميه، ولكن غلبه الإعياء.

ونظرت فرأيت معالي وزير المعارف الأستاذ محمد رضا الشبيبي، ومدير المعارف العام الأستاذ طه الراوي، ومدير التربية والتدريس الدكتور فاضل الجمالي والمفتش العام الأستاذ يوسف عز الدين، فجلسنا جميعًا ننتظر رأي الأطباء في مصير الدكتور سيف.

ولم يكن بد من أن نتحدث، فاقترحت على معالي وزير المعارف أن يغير مواعيد الامتحان، وأن يجعلها في الشتاء لا في الصيف، وقلت: إنني اقترحت ذلك على وزير المعارف المصرية منذ سنتين، والحر في مصر يقتل أعصاب الشبان، فكيف ترونه يصنع بشبان العراق؟ إن الحر في مصر يحمل الطلبة على قتل أنفسهم عند الرسوب في الامتحان، وهو في العراق يحمل الطلبة على قتل أساتذتهم وقتل أنفسهم كما وقع للطالب الذي قتل نفسه بعد أن ضرب أستاذين.

وعندئذ قال الدكتور الجمالي إنه يدعو إلى هذا الرأي منذ سنتين.

وجاء كبير الأطباء فأخبرنا أن الدكتور سيف قد لا يعيش.

وانصرفنا منزعجين، وحملني الأستاذ طه الراوي في سيارته إلى وزارة المعارف وأخذ يعاتبني على ذنب جنيته، وهو أني اعتذرت عن مواصلة العمل بدار المعلمين العالية في العام المقبل بدون أخذ رأيه، ثم قال: لقد قضيت يومين وأنا مبلبل الخواطر بسبب فراقك، ولم أكن أعلم أن الدنيا ستفجعني بما هو أشد من فراقك، وأخذ يبكي بكاء أليمًا.

وشرعت أواسي الأستاذ طه الراوي كما واسيت الأستاذ محمود عزمي.

فمن أنا في دنياي؟! وماذا عندي من العافية حتى أواسي المجروحين والمحزونين؟ وهل رأى الناس قبلي إنسانًا يحترف الطب وهو عليل؟

ثم ذهبت إلى المستشفى الملكي لأعود الدكتور عزمي فرأيت من المحرم أن يدخل إنسان عليه، فرجعت إلى منزلي وأنا مفطور القلب محزون.

ما تغديت ولا تعشيت في ذلك اليوم، وطرق بابي طارق ومعه خطاب ينتظر جوابًا، فقرأت الخطاب مرة ومرتين ومرات، ولم أفهم غرض الكاتب، وكذلك فهمت أن التجلد لم يمنع من أن يهد الحزن بنياني.

أما بعد، فقد تكون لهذه الفاجعة عقابيل.

ولكن من واجبي نحو وطني أن أعلن جهرة أن هذه الفاجعة لا يجب أن تفسد ما بين مصر والعراق من الصلات الثقافية.

فالطالب الجاني كان مريضًا، وقد ضعفت أعصابه تحت تأثير المرض والقيظ، فجنى ما جنى وهو غير مسئول، ثم قتل نفسه بعد ذلك.

أشهد صادقًا أن مصر لها في قلوب أهل العراق أجمل مكان.

وأشهد صادقًا أني لم أر من أهل العراق غير الجميل.

وأشهد صادقًا أن حكومة العراق وجمهور أهل بغداد عزونا في هذه الفاجعة أجمل عزاء.

وأشهد صادقًا أن العراقيين إخوان أعزاء لا يضمرون لنا غير الحب والعطف والوداد.

ودموع الأستاذ طه الراوي، وجزع معالي الأستاذ الشبيبي وحزن فخامة السيد جميل المدفعي رئيس الوزراء، هي الشاهد على صدق ما أقول إن أهل العراق يعيشون منذ أجيال في مآتم وأحزان.

فما الذي يمنع من أن تمتزج دموعنا بدموعهم؟

لنا في العراق شهيد؟ وهو كذلك، فنحن والعراقيون إخوان، مالقيني إنسان بعد هذه الفاجعة في بغداد إلا قال: «ما عسى أن يقول فينا المصريون؟»

فكنت أجيب: لن يقول المصريون فيكم شيئًا يا أهل العراق، فتلك أقدار قضت بما قضت، ولا يثور على الأقدار إلا غافل أو مخبول.

أيها العراقيون

إن همومكم من همومنا، وأحزانكم من أحزاننا، وقد شاء الله أن يجمع بيننا وبينكم رباط من الحزن والدمع، وهو رباط وثيق، وقد تفردت مصر بأن يكون لها في أرضكم شهيد، فارعوا هذا العهد فهو أصدق العهود.

أيها العراقيون

ثقوا تمام الثقة بأننا نحبكم، ونعطف عليكم، ونتمنى لكم الخير والعافية.

ثقوا بأن مصر لا يؤذيها أن يموت في عاصمتكم أحد أبنائها الأوفياء.

ثقوا بأن مصر يسرها ويرضيها أن يقال إنها اتصلت بكم بسبب من الدماء.

أيها العراقيون

هل تذكرون قول شاعركم المتنبي؟

فإن يكن الفعل الذي ساء واحدًا
فأفعاله اللائي سررن ألوف

إن ذكرتم هذا البيت فنحن نذكر أنكم إن كنتم أسأتم إلى واحد فقد أحسنتم إلى ألوف، وما أسأتم إلى أحد منا، وإنما أساء شاب مسكين بكينا عليه حين رأينا أهله يصرخون ويولولون.

إن من الجريمة أن تنسب هذه الجريمة إلى أهل العراق.

هي جريمة فردية يسأل عنها جانيها المسكين الذي قتل نفسه بلا ترفق، هي سحابة صيف سيعقبها الصحو والصفاء.

أيها العراقيون

لقد ساءني أن تنزعج صحافتكم وأنديتكم على سمعتكم القومية، فاسمحوا لي بأن أعتذر عنكم وأن أصرح بأن لله حكمة في مستور الغيوب.

وقانا الله وإياكم شر الفتن، وهدانا جميعًا إلى سواء السبيل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤