جيمس برنهام١

تتسع المسافة بين النظرية السياسية وتطبيقاتها العملية في بلاد العالم القديم، ولكن هذه المسافة تضيق كثيرًا أو قليلًا في البلاد الأمريكية، فإن النظريات فيها شيء أكثر من مجرد الاقتراح أو الأمنية، فهي إما برنامج يطبقه الداعون إليه في نطاقهم المحدود، ويحاولون تطبيقه على الأثر في نطاق قومي واسع، وإما وصف لحالة واقعة يلخصها الواصفون في قالب المبادئ والنظريات.

وربما نشأ تقدير النظريات على هذا النحو في البلاد الأمريكية من حداثة التجربة السياسية في تلك البلاد، وموافقة الزمن الذي تأسست فيه حكوماتها هناك للزمن الذي تداول فيه العلماء الأوروبيون أحدث النظريات في القرن الثامن عشر.

فقد كانت هذه النظريات في حكم الحقائق المقرَّرة عند تأسيس الجمهورية الأمريكية الأولى، فضمَّنها آباء الجمهورية دستورهم وبياناتهم التي قدموا بها لذلك الدستور، وعملوا بمبادئ فصل السلطات والحق الطبيعي وحقوق الإنسان وسيادة الأمة وتحريم «الضريبة بغير نيابة رقيبة»، كأنهم ينفذون أوامر الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأصبح من اليسير منذ قيام الحكم على هذا الأساس أن توضع النظريات موضع التنفيذ السريع، أو أن يتلقاها الناس كأنها تلخيص الشئون الواقعة التي يجري بها العمل فعلًا في دوائر السياسة والمال.

ومنذ تأسيس الدولة الأمريكية لم تخلُ بلادها من أصحاب دعوات دينية أو سياسية يطبقونها في نطاقهم المحدود، وفي هذا الزمن الذي نعيش فيه حاول القصاص الشيوعي أبتون سنكلير أن يطبق الشيوعية في مستعمرة يسكنها من يدينون برأيه، وأصدر الفيلسوف الفاشي لورنس دنيس كتابه عن «دوافع الحرب والانقلاب» وهو يؤكد فيه أنه يتتبع الواقع الذي سيتم وقوعه بجميع تفصيلاته في أعوام قليلة، فهو لا يدعو إلى ثورة ولا انقلاب، ولكنه يرى بوادر انقلاب يسميه «بانقلاب القصر» آخذ في التمام منذ أعوام، وقد اختار له اسم «انقلاب القصر» تشبيهًا له بالحركات التي كانت تقع في قصور الملك، حيث يذهب أمير ويجيء أمير دون أن يدعو الأمر إلى تحريض على الثورة أو سفك للدماء، وهكذا يعتقد لورنس دنيس أن الحكم في الولايات المتحدة صائر إلى السيطرة الفاشية بغير حاجة إلى هدم بنيان أو زعزعة أركان، إلا أن يسجل الواقع ما أبرمه الواقع، ويعترف الناس بما قد عرفوه فعلًا ولم ينكروه.

وأهم النظريات السياسية التي ظهرت في الولايات المتحدة حديثًا نظرية يَعتقد صاحبها أنها من هذا القبيل، أي أنها وصف للوقائع الحاصلة ونبوءة عن الوقائع التي تحصل تباعًا وتطرد في طريق الحصول، وهذه هي نظرية الانقلاب الفني R. M. التي يدعو إليها جيمس برنهام في كتبه ورسائله وأحاديثه، ومنها كتاب بهذا الاسم وكتاب عن المكيافليين، وكتاب عن الصراع على العالم، وكتاب عن هزيمة الشيوعية المقبلة، وهي من أشهر الكتب السياسية التي يتداولها اليوم مَن يعنون بفلسفة السياسة من الأمريكيين والأوروبيين.

جيمس برنهام صاحب هذه النظرية هو أصغر الفلاسفة السياسيين سنًّا وأحدثهم رأيًا، ولا يزال الساعة في مقتبل العمر يوالي تثبيت رأيه أو تثبيت القول بأنه هو الواقع المقرر الغني عن إطالة العناء في التقرير والإثبات.

وُلد في شيكاغو سنة (١٩٠٥) وتعلَّم في أمريكا وإنجلترا، وأعجبته الشيوعية الماركسية في مبدأ الأمر فبشَّر بها واشترك في مساعيها، وجاء زمن من الأزمان كان معدودًا فيه من أقوى أنصار تروتسكي بين الشبان الأمريكيين المتعلمين، ثم قادته دراسته العلمية والاجتماعية إلى الشك في مبادئ الشيوعية ومبادئ الاشتراكية على إطلاقها والإيمان بأن نظام رأس المال ونظام الشيوعية كلاهما غير صالح للبقاء في الأحوال الإنسانية التي تمخض عنها العصر الأخير.

وقد ظل عضوًا عاملًا في القسم الفلسفي بجامعة نيويورك منذ سنة ١٩٣٣، واشتغل خلال هذه السنين بالحركة الشيوعية في دوائر الصحافة ونقابات العمال، وما زالت آراؤه تتطور مع الدراسة والخبرة حتى انتهى إلى الجزم برفض الشيوعية على سُنة ماركس ولنين وعلى سُنة ستالين وتروتسكي، ثم الجزم بأن الشيوعية ورأس المال معًا صائران إلى الزوال، وأن نظامًا جديدًا سيخلفهما عما قريب؛ ليستقر به سلطان الطبقة التي تقبض الآن على أزمَّة الإنتاج وهي طبقة المديرين الفنيين.

يقول برنهام إن العالَم سيرى عهدًا بغير «نظام رأس المال» كما رأى من قبل عهودًا لم يكن فيها لهذا النظام وجود.

ويستدل على اقتراب أجل هذا النظام بدلائل كثيرة ملموسة في أحوال العالم الحاضرة: منها بطالة الملايين من العمال والصناع مما يُثبت أن نظام رأس المال قد فشل وأخفق في تدبير الثروة الإنسانية أو تدبير القوى الإنسانية المعطلة بين يديه.

ومنها: عجز رأس المال عن توظيف ماله في الجهات التي تعوَّد استغلالها على أسلوب المستعمرين في القرن التاسع عشر.

ومنها: تَزعزُع القواعد الفكرية والاقتصادية التي كانت لازمة أو كانت مصاحبة لدولة رأس المال، فقد كان إطلاق الأعمال لازمًا لأصحاب رءوس الأموال تمكينًا لهم من إرسال أموالهم في التجارة والصناعة بغير رقابة من الحكومة، وكان مذهب «دعه في طريقه» Laissez Faire هو شعار الدولة كلها؛ لأنه أنسب شعار للسياسة والاقتصاد في إبان سلطان رأس المال.

ومنها: نشوء طبقة أخرى تستولي على آلة الصناعة والاقتصاد غير الطبقة التي يتألف منها أصحاب رءوس الأموال.

ومنها: عجز هذا النظام عن حل النقائض التي تواجهه كل يوم، ولا تزال مواجهة له بطبيعة تكوينه وتكوين المجتمعات الحديثة، وأقوى علامات هذا العجز أن تضطر الحكومات إلى تقييد الإنتاج والإشراف على تنظيم المرافق العامة والحد من الأرباح وإحلال نظام «الرسم والتقدير» Planning محل نظام الإباحة والإطلاق.

•••

لكن زوال رأس المال لا يفيد، في رأي برنهام أن الشيوعية الماركسية أو الاشتراكية على العموم هي البديل الوحيد من ذلك النظام الزائل.

فسيزول رأس المال ولا تحل محله الشيوعية ولا الاشتراكية التي تتلخص جميعًا في دعوة واحدة: وهي إقامة مجتمع بغير طبقات.

•••

إن القول بانقضاء رأس المال شيء، والقول بأن الشيوعية البديل الوحيد الذي يخلفه شيء آخر، فليس في بوادر الأحوال ولا في التجارب القومية أو العالمية ما يشير إلى اتجاه الحضارة الإنسانية في هذه الوجهة، وقد تشير التجارب على عكس ذلك إلى اتجاه مناقض لذلك الاتجاه.

فالأهداف التي ترمي إليها الشيوعية — كما هو معلوم — هي إنشاء مجتمع عالمي بغير طبقات يسيطر عليه العمال.

والتجربة الكبرى التي حصلت في روسيا قد أسفرت عن طبقة حاكمة جديدة تستأثر بالنصيب الأوفر من أرباح الأيدي العاملة، ويتبين من الإحصاءات المعول عليها أن نحو أحد عشر في المائة من السكان يستولون على خمسين في المائة من موارد الدولة، وهي نسبة أعلى من نسبة الأرباح التي تستولي عليها الطبقة العليا في الولايات المتحدة؛ إذ لا يستولي العشر الأعلى من السكان في الولايات المتحدة على أكثر من خمسة وثلاثين في المائة من مواردها.

ولم يحدث قط حتى الساعة أن الطبقة العاملة سيطرت على مصنع واحد في البلاد الروسية من أقصاها إلى أقصاها، وهذه حالة يَعترف بها الزعماء من عهد لنين، ولا يرون لهم محيصًا عنها في تطبيقاتها العملية، فهم يعترفون اليوم بأن سيطرة العمال على الصناعة وموارد الإنتاج إن هي إلا «صيحة حرب» تَجمَع الصفوف ليس إلا، وتظل كذلك فترة من الزمن لا يدركون منتهاها، بل يعترفون — وعلى رأسهم لنين — بأن الكلمة العليا في المصنع ينبغي أن تُترك للمدير الذي يحكم فيه بأمره، ولا يتأتى أن تدار أداة الصناعة بغير هذه «الدكتاتورية» المطلقة.

وقد اختل حساب كارل ماركس في مسألة من أهم المسائل التي بنى عليها تقديراته ونبوءاته وهي مسألة القضاء على أصحاب الأموال باستيلاء العمال على المصانع وإدارتها لحسابهم، واستيلاء الجند على الأسلحة واستخدامها في مقاومة القادة والرؤساء.

فقبل مائة سنة — في أيام كارل ماركس — كانت الآلات الصناعية من البساطة بحيث يستطاع أن تدار بأيدي العمال، وكانت الأسلحة على مثل هذه البساطة بالقياس إلى خبرة الجندي وذكائه، أما اليوم فقد أصبحت خبرة المهندس لازمة كل اللزوم لتناوُل الأدوات الدقيقة، وتحصيل العلم الضروري لتنظيمها في جملة حركاتها، وأصبحت الخبرة الفنية التي يتدرب عليها المهندس العسكري أعظم وأدق من أن تُسلِّم مقادها للجندي أو للثائر الذي لم يتدرب على استخدام الأسلحة المختلفة بالأساليب الفنية.

ومن هنا نشأت طبقة غير طبقة أصحاب الأموال وغير طبقة الصناع والعمال تُشرف على أدوات الإنتاج، ولا يتأتى الاستغناء عنها في المجتمع القائم على الصناعات الكبرى.

وهذه هي طبقة المديرين الفنيين Managers الذين حذقوا أسرار الصناعة أو حذقوا أساليب تنظيمها وتصريفها وترويج مصنوعاتها، وهم بين مهندس وعالِم طبيعي وخبير بتسيير العمل في المكاتب أو نشر الدعوة أو استطلاع حاجات الجماهير وأهوائها المهيمنة على أشكال السلع وأغراضها، فلا غنى لمجتمع من المجتمعات عن هذه الطبقة في العصر الحديث؛ لأنها تسيطر تمام السيطرة على أدوات الإنتاج ومحدثات الاختراع التي يتعذر استخدامها عامًا بعد عام على غير الخبير المختص بالهندسة أو بالصناعة أو بالتدبير والتنظيم.

ومن الواجب تصحيح الخطأ الذي يسبق إلى بعض الأوهام كلما قيل: إن طبقة من الطبقات قد أجْلَت غيرها من مراكز النفوذ في مجتمع من المجتمعات.

فإذا قال المؤرخ: إن طبقة أصحاب الأموال والمصانع قد أجْلَت فرسان الإقطاع عن مراكز نفوذهم واستولت عليها، فهو لا يعني بالبداهة أن هذه الطبقة قد جمعت صفوفها، وزحفت على الفرسان في معاقلهم فأخذت عليهم موثقًا بالطاعة والتسليم.

وإذا قيل اليوم: إن طبقة المديرين تُزحزح أصحاب الأموال عن مراكز نفوذهم، فليس المقصود بذلك أنها تغلبهم في مصارعة أو حومة قتال ولو من قبيل المجاز، وإنما المقصود بهذه العبارات أن المجتمع قد أصبح ولا غنى له عن رأي هذه الطبقة في تصريف المرافق العامة، ولا حاجة بعد ذلك إلى تنازع النفوذ بسلاح غير سلاح الواقع الذي لا حيلة فيه للغالب ولا للمغلوب.

يقول برنهام: إن العلامات النفسية أحق شيء أن يسمى علامات الساعة في هذه الشئون.

فنحن إذا التفتنا إلى أية طائفة من علية القوم في زماننا هذا وجدنا عوارض الحيرة والشك وفقدان الثقة بادية عليها شائعة في خطواتها ومساعيها، وما من قطب من أقطاب المصارف والشركات وما إليها ترى عليه اليوم أمارات النظر إلى المستقبل في صدق وهمة واطمئنان إلى مصائر الأمور كما يتمخض عنها الغد المجهول، إلا طبقة واحدة من هذه العلية المختارة، وهي طبقة المديرين الفنيين وخبراء الصناعة وما إليها، فإنهم مطمئنون إلى أعمالهم مؤمنون — من حيث يشعرون أو لا يشعرون — بأنها هي الأعمال التي لا غنى عنها في عاجل ولا آجل، وأنها لا تتوقف على رضا أصحاب الأموال، ولا على رضا الصناع والعمال.

ومن الإحصاءات التي يعول عليها برنهام يثبت لديه أن أصحاب الأموال قد أوشكوا أن ينفضوا أيديهم عن العمل المباشر في المصانع والشركات، وأنهم تركوها للمديرين والخبراء يعالجون مشكلاتها بما يعنُّ لهم من مطالب الساعة، وقنعوا بحضور الجلسات السنوية أو الدورية في مجالس الإدارة التي تَقصر مهمتها على المراجعة العامة، وقد تكون مراجعة اسمية في معظم الأحيان.

وسيمعن أصحاب الأموال في التخلي، ويمعن المديرون في التمكن، ويمعن المجتمع في تنظيم مطالب المعيشة ومطالب التجارة إلى أن يصبح تثمير المال في الأرباح الفردية صورة لا حقيقة لها في الحياة الاقتصادية، وتدار المصانع والمتاجر على حساب المرافق العامة التي ترسمها الدولة، فلا يملك أصحاب الأموال شيئًا من الحرية في التثمير والاستغلال.

ويسأل برنهام: ما هو مصير الديمقراطية مع النظام الجديد؟ فيسرع في الجواب إلى التفرقة بين الحرية الشعبية والديمقراطية، ويُسلِّم أن النظام الذي يسميه نظام «الطبقة الفنية» يكتنفه بعض الغموض، ولكنه يرى أنه يقترن بالحرية على وجه جديد؛ لأن الديمقراطية في رأيه مقترنة بنظام رأس المال، وليست الديمقراطية مرادفة لمعنى «حق الحرية» حيثما استمتع به الإنسان في الحال والاستقبال.

•••

وفي تقدير برنهام أن نصيب الشعب من الحرية في النظام الجديد لا يقل عن نصيبه منها في ظل الديمقراطية، فما كانت الديمقراطية قط حكمًا شعبيًّا إذا أريد بالحكم الشعبي أن يختار كل فرد من أفراد الشعب حكامه ووكلاءه، ورأي برنهام كرأي موسكا في قيام جميع الحكومات على قاعدة واحدة، وهي قاعدة «القلة تحكم الكثرة» على الدوام، سواء جرى الحكم على أساس الانتخاب أو على غير أساس الانتخاب، وغاية ما يحدث بعد مصير الحكم إلى الطبقة الفنية أن الصيغ والعناوين التي يترنم بها الشعب ويتخذها شعارًا له في السياسة تتغير وتتجدد على نحو آخر، فتحل قداسة الدولة أو الأمة أو السلالة محل قداسة الحرية الفردية، وتحل الجهود المشتركة محل الحوافز الشخصية، وتحل كلمات النظام والرسم والترتيب محل كلمات العمل المطلق والرخص الحرة وما إليها، ويستغني الناس عن الحرية التي كانت لازمة في ظل الديمقراطية فلا يطلبونها، وفرقٌ بين الاستغناء عن حرية من الحريات وبين فقدها أو تقيدها بسلطان القانون.

والظاهر من الطور الصناعي الذي انتهى إليه العالَم في العصر الحاضر: أن مسألة الإنتاج قد أصبحت مسألة عالمية لا يتسنى على الإطلاق تنظيمها وتعميم النفع منها مع كثرة الحدود بين الأمم وكثرة المكوس والعوائق التي تعترض الإنتاج العالمي من جراء تَعدُّد الحكومات وتَعدُّد الخطط الاقتصادية، فلا بد إذن من نظام عالمي أو من حكومة عالمية، وهذه هي النتيجة المحتومة للتنظيم الفني الذي يكفل المنفعة العظمى من تدبير الصناعة، وتصريف المصنوعات، والتوفيق بين مقادير الخامات ومطالب الأسواق.

فهل من الميسور تأسيس حكومة عالمية تتولى تدبير شئون الأمم جميعًا، وتجمع أعنة السيادة كلها في أقل عدد مستطاع من الأيدي والرءوس؟!

إن الحوائل دون هذا الغرض كثيرة، ومنها: اختلاف الأجناس، والتقاليد الوطنية، وصعوبة الاعتماد على جيش واحد لتوطيد سلطان الدولة العالمية، ولكن برنهام يعتقد أن تدبير الأمر مستطاع بالاتفاق بين الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى ريثما تتهيأ الأحوال التي تسمح بتوحيد الحكم أو توحيد القواعد الاقتصادية بين أمم العالم، وما دام هذا هو المصير الذي لا محيد عنه، فسوف تنجم الحيلة من هنا أو هناك لتوجيه الخطى إلى هذه الوجهة ما بقي للحضارة حظ من البقاء.

ويحرص برنهام على التمييز بين مذاهب الدعوة ومذاهب البحث والاستقراء في مسائل السياسة.

فمذاهب الدعوة يراد بها الإقناع باختيار نظام معين، ومذاهب البحث والاستقراء تلتزم أمانة العلم فيما تقرره، وتأخذ نفسها بوصف ما هو واقع أو ما سيقع بالقياس إلى التجارب الماضية والحاضرة.

ومذهب برنهام — في اعتقاده — من المذاهب العلمية التي يراد بها تقرير الواقع، ولا يراد بها التبشير والتأثير على الجماهير، وهو يسوق الأمثلة على صحة استقرائه من قيام النظام الشيوعي في روسيا، وقيام النظام النازي في ألمانيا، وقيام التوزيع الجديد New Deal في الولايات المتحدة، وقيام خطط الرسم والتنظيم في شئون الصناعة والتجارة في العالم كله منذ نشوب الحرب العالمية إلى اللحظة الحاضرة.

فكل هذه التجارب — كما يراها برنهام — هي عوارض التحول إلى حكم الطبقة الفنية أو إلى الطور الجديد من أطوار الحكم والسياسة.

فليس مذهب كارل ماركس هو الذي يُطبَّق في روسيا؛ بل هو نظام الطبقة الفنية، وليست فلسفة النازية هي التي نفذت في ألمانيا على عهد هتلر، ولكنها هي المحاولة في طريق الحكم الفني مع القضاء على نظام رأس المال، وليس التوزيع الجديد في الولايات المتحدة برنامجًا مرتبطًا بشخص الرئيس روزفلت كما خُيِّل إلى بعض نقاده، ولكنه هو حكم الضرورة الذي أوجب عليه أن يلجأ إلى «توزيعه الجديد» ويوجب الاستمرار فيه على مَن خلفوه وسيخلفونه.

ومتى تداعى نظام رأس المال فتلك علامة على التطور الطبيعي الذي لا يرجع إلى الوراء، وسينقضي عهد الشيوعية في روسيا وفي غيرها فلا يلزم من زواله أن تعود الأمم إلى نظام رأس المال كما كانت قبل التجربة الشيوعية، وإنما تبطل التجربة الشيوعية لتعقبها ولاية المديرين الفنيين حيثما وجدت الصناعة الكبرى، فإن لم توجد فالبلاد التي تخلو منها تظل معلَّقة بدولاب من دواليب الأمم الصناعية الكبرى إلى أن تتمالك قواها، وتتمكن من الوقوف على قدميها.

هذه هي النتيجة العملية التي فصلها برنهام في كتبه المتعددة، وأهمها هو كتابه الذي ألَّفه في أوائل أيام الحرب العالمية، وسمَّاه الانقلاب الفني Managerial Revolution، ففي هذا الكتاب خلاصة مذهبه كله بتفصيل كافٍ لبيان مواطن القوة والنقص فيه، إلا أنه أضاف إليه بعض الحواشي والتعليقات في خلال كلامه عن فلاسفة الحكم الذين سماهم بالمكيافيليين؛ لأنهم جميعًا يجعلون للحكم صورتين تختلف الظاهرة منها عن الباطنة، ولا تنطبق الدعوى فيهما على الحقيقة الواقعة.

ففي ختام هذه الكتاب يوجه برنهام ثلاثة أسئلة وهي: هل يمكن الوصول إلى مقررات علمية في شئون السياسة؟ وهل يتيسر تعويد الجماهير أن تتصرف في أعمالها السياسية وفاقًا للعلم أو لمقتضيات المعقول؟ وهل يتيسر للحاكمين اتباع قواعد العِلم في حكم الرعايا؟

وجوابه عن السؤال الأول «نعم»؛ لأن استقصاء الوقائع والمقابلة بينها وردها إلى أهم أسبابها المتواترة واستخلاص النتائج منها هو كل ما يلزم لإنشاء «علم السياسة» والوصول إلى المقررات العلمية في مسائلها ولو على وجه التقريب، وهذه المباحث كلها ميسورة لمن يعكف على دراستها، وللذين يتابعون درسها لنقد عيوب الدراسات الأولى منها.

أما جوابه عن السؤال الثاني: فهو نفي هذا الاحتمال؛ لأن الدرس العملي لا يتاح للألوف والملايين في حالات الطلب والغضب والتشيع والتعصب، وما شابه هذه الحالات التي لا تخلو منها جمهرة الرعايا في وقت من الأوقات.

وقد أجاب عن السؤال الثالث بترجيح إمكانه؛ لأن توزيع العمل بين العلماء والفنيين يتيح لهم أن يعتمدوا على طائفة منهم تتفرغ للبحث، وتملك المعلومات الكافية للتقدير الصحيح، ولا سيما التقدير الذي تدار على أساسه مصانع ومعامل تُوازن بين ما تطلبه وبين ما هو مطلوب منها في مختلف المواسم والمناسبات.

ولعل الطبقة الفنية التي تُشرف على أدوات الإنتاج ستتولى الحكم، وهي أقدر على صد الأغنياء، وكبح الجماهير من حكومات رأس المال؛ لأن الأغنياء هم الذين يسيطرون على تلك الحكومات، وجمهرة العمال قادرة على تهديدهم في مصالحهم بالإضراب والاعتصاب والهجوم على المصانع أملًا في إدارتها لحسابهم كما يمنيهم زعماء الشيوعيين، وهذا خلاف ما يجري عليه العمل في حكومات الفنيين؛ لأنهم لا يملكون شيئًا غير الخبرة التي لا ينتزعها منهم المهدِّدون من الفريقين.

على أن الذين يقرون برنهام على اعتقاده في «علم السياسة» يخالفونه في سهولة التطبيق الصحيح، والمهم في السياسة هو التطبيق.

١  James Burnham.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤