الجزء العاشر

العام الأخير

١

تجارة الكتب

كان مطلع عام ١٨٨٠م مميزًا بالنسبة لنا، عندما قمنا بافتتاح مشروعنا الجديد: «تجارة الكتب لصاحبها فيودور ميخايلوفيتش دستويفسكي (لسكان المدن الأخرى فقط)».

وعلى الرغم من أن أحوالنا المادية كانت تسير سيرًا حسنًا من عام لآخر، وأننا نجحنا في سداد غالبية ديوننا (الديون التي تراكمت على فيودور ميخايلوفيتش منذ الستينيات)، فإن هذه الأحوال ظلت على حالها من عدم الاستقرار. ها قد أصبحت الحياة أكثر غلاءً وتعقيدًا، ولم ننجح في ادخار قرش واحد أبيض «لليوم الأسود». وقد أخافنا ذلك لأبعد الحدود، وبخاصة أن فيودور ميخايلوفيتش نفسه بات يدرك أن العمل أصبح يشكل صعوبة بالغة عليه يومًا بعد الآخر. في الوقت الذي راح مرضه (الإمفيزيما) يزداد سوءًا؛ الأمر الذي جعلنا نخشى توقف فيودور ميخايلوفيتش عن العمل الأدبي؛ نتيجة تدهور صحته. ومن ثم كنا نود، بسبب هذا الوضع المحزن، لو أننا تمكنا من امتلاك رصيدٍ ما من النقود، أو يكون لنا عملٌ ما جانبي يمكِّننا من توفير هذا الرصيد. على أن مجالات عمل المرأة ما تزال، حتى يومنا هذا، محدودة للغاية، ناهيك عما كانت عليه في تلك الأيام.

فكرت طويلًا في العمل الذي يمكن أن يكون لنا عونًا ولو قليلًا. وبعد تفكير طويل وطلب المشورة من معارفَ نثق في خبرتهم، استقر رأيي على فكرة افتتاح تجارة كتب لسكان المدن الأخرى، وبخاصة أنني نجحت، جزئيًّا، بفضل عدد من الإصدارات التي توليتها، في التعرف على حرفة الكتب. كان للمشروع الذي بدأته ميزتان: الأولى، وهي الأهم بالنسبة لي، أنه لن يجبرني على الابتعاد عن البيت، وأنني أستطيع، كما في السابق، أن أتابع صحة زوجي، وأن أقوم على تربية أطفالي وإدارة الشئون المنزلية. وأما الثانية فتتلخص في أنك إذا أردت أن تفتتح مشروعًا لتجارة الكتب، فلن تكون مضطرًّا لإنفاق أموال على الإطلاق؛ فلا حاجة هناك لاستئجار محل وشراء سلع، وإنما يمكنك، في بداية الأمر، أن تكتفي بشراء الكتب، التي تم إرسال أثمانها عن طريق الاشتراكات. المصروفات الوحيدة تتمثل في دفع «الحقوق التجارية»، وفي استخدام صبي تكون مهمته الذهاب لشراء الكتب وتسجيل الطرود وتسليمها للبريد. وهذا الأمر تبلغ تكاليفه من مائتين وخمسين إلى ثلاثمائة روبل سنويًّا، وهو مبلغ يمكن المخاطرة به، وبطبيعة الحال، يلزم لنجاح العمل نشر إعلانات في الصحف، وقد اعتمدت في المرة الأولى على الإعلانات المطبوعة، التي وزعتها على المشتركين السابقين في «مذكرة الكاتب»، وفي العام التالي قررت أن أوزعها مع تحمل المصاريف مع ناشرة مجلة «أمسيات عائلية».١ إعلان كبير يظهر في مجلة توزع آلاف النسخ، وقد تم إرسال الإعلان في مطلع عام ١٨٨١م، ولكنني لم أكن أملك بعدُ التأثيرَ في حركة البيع.

لم يكن من الممكن، بطبيعة الحال، إلا أن نعول في نجاح مشروعنا على أن ننسُب تجارتنا للكتب إلى اسم فيودور ميخايلوفيتش دستويفسكي. وهكذا كان عليه أن يتقدم إلى «الغرفة التجارية» للحصول على «حقوق البيع» بصفته تاجرًا؛ الأمر الذي ما لبث أن عرَّضه للسخرية من جانب أعدائه في الصحف. لكن هذه السخرية لم تؤثر في كبرياء زوجي قِيدَ أنمُلة؛ إذ إنه بعد أن اندمج في «الصنعة»، استحسن فكرتي وأصبح مثلي مؤمنًا بنجاح مشروعنا.

كانت آمالي في نجاح المشروع معقودة بالدرجة الأولى على افتراض أن المشتركين السابقين في «مذكرة الكاتب» (١٨٧٦-١٨٧٧م)، والذين اعتادوا على العمل الدقيق لزوجي في تحريره للمجلة، بإمكانهم أن يولوا ثقتهم لتجارة الكتب التي يقوم بها نفس الناشر الذي تعاملوا معه من قبل، وفي الحصول على ما يلزمهم من كتب. وقد تحققت آمالي؛ فما إن مر شهران/ثلاثة، حتى تكونت حلقة (من حوالي ثلاثين شخصًا) من المشتركين السابقين في «مذكرة الكاتب»، الذين بدءوا يطلبون كل شهر كتبًا من خلال تجارتنا. أتذكر، على سبيل المثال، أحد الأساقفة من بولتافا، وكان يشتري كل شهر (لمكتبته الخاصة وللهدايا) الكثير من الكتب الثمينة الغالية، من أموال الوقف الكنسي الذي خصصه الأمير ف. م. يليتسكي. أتذكر كذلك أحد المهندسين من مينسك، كان يطلب شراء كتب بمبالغ باهظة، لم يقتصر في طلبها على تخصصه فقط.

على أنه، بالإضافة إلى حلقة المشترين الراسخة التي تشكلت، بدا أن هناك عددًا غير قليل من الشخصيات المستقلة، الذين لاحظوا أن تجارة الكتب قد ظهرت من جديد. بطبيعة الحال كان هناك زبائنُ مملُّون يشتركون في أي صحيفة من أجل أن يوفروا خمسة وعشرين كوبيكًا. على أنه كان هناك أيضًا مشترون أكثر مللًا، كانوا يجبروننا على البحث عن كتب نفِدت من السوق منذ زمن بعيد. وبعد أن يطول بنا البحث الدَّءوب عن طيب خاطر، كنا نضطر لإعادة النقود لهم مرة أخرى.

لم تكن تجارة الكتب تقتطع مني شخصيًّا وقتًا طويلًا، كان عليَّ فقط أن أنظم الكتب، وأن أسجل الطلبات وأكتب الفواتير. وكان الصبي الذي رشحوه لي يعمل من قبلُ في محل للكتب، وكان بيوتر (وهذا اسمه) ماهرًا في التصرف عند شراء الكتب وعند إرسالها، على الرغم من سنوات عمره الخمس عشرة.٢

كان فيودور ميخايلوفيتش في غاية الاهتمام بسير مشروعنا، وكنت أُعِد له في نهاية كل شهر تقريرًا موجزًا بالعائدات والمصروفات في هذا الشأن. عادة ما كانت الأرباح تتراوح ما بين ثمانين إلى تسعين روبلًا عند بداية العام وعند نهايته (وهي مواعيد الاشتراك في الصحف والمجلات) وما بين أربعين إلى خمسين روبلًا في أشهر الصيف. على العموم، فقد بلغ صافي أرباحنا في العام الأول، بعد طرح المصروفات، ثمانمائة روبل وأحد عشر، وقد اعتبرنا، أنا وفيودور ميخايلوفيتش، هذه النتيجة فأْلًا حسنًا للمستقبل.

بداهة، فقد كان من الممكن أن يتسع حجم العمل على نحو أكبر؛ فقد كانت هناك طلبات من المؤسسات التعليمية ومخازن الأرياف لإرسال الكتب إليهم بالآجل. ولما كان الحصول على هذه الكتب يتطلب أموالًا ضخمة، على الرغم من الربح الكبير المتوقع، فقد اضطررنا للاعتذار لهؤلاء الزبائن.

إن تجارة الكتب للمدن الأخرى أمر مربِح للغاية، إذا ما جرت إدارته، بطبيعة الحال، بحرفية ودقة، قد تحولت أمام ناظري ثلاث شركات، بدأت بتجارة صغيرة، لتصبح بعد ثلاثة عقود شركاتٍ محترمةً لبيع الكتب («الإخوة باشماكوف»، بانافيدين، كليوخين)،٣ وأنا على يقين تام أنني لو كنت قد واصلت نشاطي في بيع الكتب، لامتلكت الآن محلًّا لا يقل عن محل «نوفوي فريميا» («العصر الحديث»). لم أواصل هذا العمل لأنني أخذت على عاتقي إصدار الأعمال الكاملة لزوجي، التي أخذت كل جهدي ووقتي.

عندما أعلنت، بعد وفاة فيودور ميخايلوفيتش، عن عزمي إغلاقَ تجارة الكتب، اتصل بي العديد من الشخصيات يطلبون مني أن أنقل إليهم ملكية مشروعي، بل إن بعضهم أعرب عن رغبته في شراء الشركة وعرضوا ألفًا وخمسمائة روبل مقابلها. لكنني لم أوافق؛ إن إدارة تجارة الكتب ترتبط باسم فيودور ميخايلوفيتش دستويفسكي، أمر أختص به أنا وحدي، فقد كنت أدرك مدى جدارة هذه الشركة وسمعتها. يعلم الله كيف سينظر إلى هذا الأمر من سيشتري الشركة أو يأخذها هبة، وهل سيتعرض اسم فيودور ميخايلوفيتش دستويفسكي، العزيز إلى قلبي، إلى الذم أو السخرية، في حالة إدارة الشركة بلا دراية أو دون ضمير.

وهكذا اختفت من الوجود في مطلع شهر مارس ١٨٨١م تجارة كتب فيودور ميخايلوفيتش دستويفسكي.

وبالمناسبة، ما زلت أذكر مشروعي قصير العمر بكل المشاعر الطيبة، وبخاصة، تجاه هذه العلاقات الودية التي ترسخت بين الزبائن وبين الشركة. بعض الأشخاص كانوا يعتقدون بسذاجة أن فيودور ميخايلوفيتش كان يعمل بالفعل ببيع الكتب، وكانوا يكتبون إليه مباشرة، آخرون، وهم يكتبون إلى الشركة، كانوا يطلبون إبلاغ فيودور ميخايلوفيتش مدى السرور البالغ الذي شعروا به إبان قراءتهم رواية «الإخوة كارامازوف»، أو أي عمل آخر من أعماله. وآخرون طلبوا، عند إرسالهم حساباتهم، إبلاغَهم عن أحوال «الكاتب الكبير» الصحية، متمنين له أطيب الأمنيات. كان فيودور ميخايلوفيتش شديد التأثر من قراءته لبعض الخطابات التي تميزت بالبساطة والتعبير عن الفرح، وطلب مني أن أنقُل لهم نيابةً عنه أسمى تحياته وتقديره. كان فيودور ميخايلوفيتش، الذي كثيرًا ما قوبل بالعداوة من جانب أصدقائه من الأدباء والنقاد، يقدر التعبيرات التي تنطوي على سلامة الطوية، والبساطة التي تصل أحيانًا إلى حد السذاجة، والإعجاب بموهبته، والاحترام والإخلاص من أناس لا يعرفهم على الإطلاق، وإنما أناس يعبرون عن تعاطفهم مع نشاطه الفني.

٢

بداية العام ١٨٨٠م، الأمسيات الثقافية
زيارة المعارف
أقول، على وجه العموم، إن عام ١٨٨٠م قد بدأ ونحن في ظروف طيبة؛ ها هي صحة فيودور ميخايلوفيتش تسير، كما يبدو، إلى الأفضل بعد رحلته إلى إمس في العام الماضي (١٨٧٩م)، أما نوبات الصرع فأصبحت تداهمه على نحو أقل. كما أن أطفالنا كانوا يتمتعون بصحة جيدة. وقد حققت رواية «الإخوة كارامازوف» نجاحًا لا شك فيه، وكان فيودور ميخايلوفيتش، وهو الصارم دائمًا في أحكامه تجاه نفسه، راضيا تمامًا عن عدد من فصول الرواية.٤ وقد تحقق مشروعنا الذي كنا نفكر فيه (تجارة الكتب)، وحققت إصدارتنا مبيعات لا بأس بها. إجمالًا، فقد سارت أمورنا سيرًا حسنًا. كل هذه الظروف مجتمعة، كان لها أطيب الأثر على فيودور ميخايلوفيتش، وكانت روحه المعنوية عالية ومزاجه طيبًا ومرحًا.
في مطلع العام كان فيودور ميخايلوفيتش مهتمًّا بالمناقشة المنتظرة لفلاديمير سيرجييفيتش سولوفيوف للحصول على لقب دكتور في الفلسفة، وقد رأى أن حضوره هذا الاحتفال أمر لا بد منه. أنا أيضًا ذهبت بصحبة زوجي حتى أجنِّبه، بالدرجة الأولى، احتمال الإصابة في الزحام بنزلة برد. كانت المناقشة رائعة، وقد نجح سولوفيوف في التصدي لهجوم مناقشيه الجادين والرد عليهم في أثناء سير المناقشة. ظل فيودور ميخايلوفيتش منتظرًا حتى انفض الجمهور ليتمكن من مصافحة صاحب الاحتفال. أظهر سولوفيوف سعادته بوجود فيودور ميخايلوفيتش، الذي، على الرغم من ضعفه، حرَص على الحضور إلى الجامعة؛ ليكون ضمن أصدقائه في هذا اليوم المشهود من حياته.٥
في عام ١٨٨٠م، وعلى الرغم من أن فيودور ميخايلوفيتش بذل جهدًا كبيرًا في رواية «الإخوة كارامازوف»، فقد وافق على حضور عدد من الأمسيات الأدبية لصالح بعضٍ من الهيئات المختلفة. كانت براعة فيودور ميخايلوفيتش في القراءة دائمًا ما تجذب الجمهور، ولم يكن ليتوانى عن الموافقة على المشاركة مهما كانت مشاغله، ما دام صحيحًا معافًى. أذكر أنه قد شارك في الأمسيات التالية منذ بداية العام: في الثاني من فبراير شارك بالقراءة في ثانوية كولومنسكايا النسوية؛ بناءً على طلب من بيوتر فاينبرج.٦ وفي العشرين من مارس قرأ في قاعة مبنى البلدية لصالح أطفال دار الرحمة في سان بطرسبورج، وهناك اختار زوجي «حديث الأب زوسيما مع النساء».٧

وفي اليوم التالي (٢١ مارس) اضطر فيودور ميخايلوفيتش للاشتراك بالقراءة في قاعة الجمعية الخيرية لصالح فصول الدراسات التربوية. وقد اختار زوجي مقطع «حلم راسكو لنيكوف عن الحصان المنهك». كان الانطباع الذي تركته القراءة على الناس بالغ الأثر، وقد شاهدت بعيني رأسي كيف جلس الناس وقد شحبت وجوههم من الفزع، بينما راح بعضهم يبكي. أنا نفسي لم أستطع كبح دموعي. كانت القراءة الأخيرة في الربيع، وكان موضوعها حديث راسكولنيكوف مع مارميلادوف، وجرت في الثامن والعشرين من مارس في مبنى الجمعية الخيرية لصالح جمعية مساعدة طلاب جامعة سان بطرسبورج.

تجددت أمسيات القراءة الأدبية في خريف ١٨٨٠م. بعد أن استمع فيكتور جايفسكي،٨ رئيس الصندوق الأدبي، إلى كلمة فيودور ميخايلوفيتش في احتفالية بوشكين، أقنعه بالمشاركة بالحضور للقراءة لصالح الصندوق، يوم التاسع عشر من أكتوبر، وهو يوم الاحتفال بيوبيل الليسيه.٩ وبالفعل حضر فيودور ميخايلوفيتش وقرأ مشهدًا من مسرحية «الفارس الفقير» (الفصل الثاني)، ثم قرأ بعده قصيدة «مثل وقت دافئ في الربيع». وعندما راح الجمهور يدعوه لمزيد من القراءة، ألقى قصيدة «النبي»، الأمر الذي أثار حماسًا منقطع النظير لدى الجمهور، حتى إن حوائط جمعية الائتمان، حيث جرى الاحتفال، بدت وكأنها تهتز من أثر التصفيق العاصف. انحنى فيودور ميخايلوفيتش عدة مرات محييًا الحضور، ثم غادر المنصة، لكن الجمهور راح يستدعيه مرة وراء الأخرى، وقد استمر هذا الوضع ما يقرب من عشر دقائق.١٠

ونظرًا للنجاح المدوي لهذه القراءة، فقد قرر فيكتور جايفسكي أن يعيدها بعد أسبوع، أي في السادس والعشرين من أكتوبر بنفس البرنامج ونفس المؤدين. وبفضل رد الفعل السابق، فقد جذبت الأمسية التالية جمهورًا كبيرًا وقف جانب منه في الممرات. وعندما خرج فيودور ميخايلوفيتش إلى المنصة استقبله الجمهور بتصفيق طويل، حتى إن زوجي لم يستطع أن يبدأ قراءته، ثم راح الجمهور يقاطعه بعد كل شطرة بالتصفيق ولم يسمح له بمغادرة المنصة. وقد وصل الحماس ذروته بالحضور عندما أنهى فيودور ميخايلوفيتش قراءة قصيدة «النبي». لقد حدث شيءٌ ما هنا لا يمكن وصفه بالكلام.

ومرة أخرى يذهب فيودور ميخايلوفيتش في الحادي والعشرين من نوفمبر إلى الجمعية الخيرية ليقرأ فيها لصالح الصندوق الأدبي. وفي الجزء الأول من الأمسية، قرأ قصيدة نكراسوف «ظلمة الضلال»، وفي الجزء الثاني، قرأ مقاطع من الجزء الأول من قصيدة جوجول «الأنفس الميتة».١١

في الثلاثين من نوفمبر، أقيمت أمسية في جمعية الائتمان لصالح جمعية مساعدة طلاب جامعة سان بطرسبورج، قرأ فيها فيودور ميخايلوفيتش الفصل المعنون «دفن إيليوشيتشكا» من «الإخوة كارامازوف». كانت القراءة بصوت خفيض، وعلى الرغم من ذلك بلغت من فنيتها أنها مسَّت القلوب مسًّا موجعًا، حتى إنني شاهدت حولي وجوهًا باكية مكلومة، ليس فقط من النساء. قدَّم الطلاب إلى زوجي إكليلًا من الغار، ورافقه جمهور كبير حتى باب البناية. لقد استطاع فيودور ميخايلوفيتش أن يتأكد بنفسه إلى أي حد يحبه الشباب ويقدره. كان إدراك هذا أمرًا عزيزًا على زوجي.

اعتاد الجمهور أن يستقبل فيودور ميخايلوفيتش بكل حفاوة في أمسيات القراءة الأدبية. كان ظهوره على المنصة يثير عاصفة من التصفيق تستمر بضع دقائق. فيودور ميخايلوفيتش يهب في أثنائه واقفًا عن كرسيه فينحني ويشكر الجمهور، الذي لا يني يعطيه الفرصة للقراءة، ثم بعد ذلك يعود ليقاطعه أكثر من مرة بتصفيق يُصمُّ الآذان. نفس الشيء كان يحدث بعد الانتهاء من القراءة، وكان فيودور ميخايلوفيتش يضطر للعودة لتحية الجمهور، بعد مغادرته المنصة، ثلاث أو أربع مرات. بالطبع فإن إعجاب الجمهور بموهبته كان يُسعد فيودور ميخايلوفيتش، الذي كان يشعر برضًا معنوي عظيم. قبيل القراءة، كان فيودور ميخايلوفيتش يخشى ألا يسمع الناس صوته الواهن، وقد لا يسمع صوته إلا الجالسون في الصفوف الأولى، وكانت هذه الفكرة تؤرقه. لكن التوتر العصبي الذي كان يسيطر عليه في هذه الأحوال كان يجعل من صوته، حتى ولو كان ضعيفًا، مدويًا على نحو واضح، وتصبح كل كلمة من كلماته جلية مسموعة في كل أركان القاعة الفسيحة.١٢
هناك حقيقة هامة ينبغي ذكرها هنا؛ لقد كان فيودور ميخايلوفيتش قارئًا من الطراز الأول.١٣
وسواء أكان يقرأ من أعماله أم أعمال كُتَّاب آخرين، فقد تميزت قراءته بإبراز تنوع وخصائص محل عمل من هذه الأعمال. وفي الوقت نفسه فقد كان يقرأ بسلاسة دون أن يلجأ لأي أسلوب من أساليب الخطابة. لقد ترك فيودور ميخايلوفيتش أثرًا مذهلًا على مستمعيه بقراءته (وبخاصة عندما قرأ قصة نيللي من «مذلون مهانون» أو أليوشا كارامازوف وهو يحكي عن إيليوشيتشكا). كنت أشاهد الدموع في عيون الحضور؛ وأنا نفسي كنت أبكي، على الرغم من أنني كنت أحفظ هذه المقاطع عن ظهر قلب. كان فيودور ميخايلوفيتش يرى أن من المفيد أن يبدأ كل قراءاته بتقديم موجز؛ حتى يتسنى فهمها للأشخاص الذين لم يقرءوا النص، أو قرءوه ثم غاب عن ذاكرتهم.١٤
وبالإضافة إلى الأمسيات الأدبية، حرص فيودور ميخايلوفيتش على زيارة معارفه. في شتاء ١٨٧٩-١٨٨٠م زار إيفان بتروفيتش كورنيلوف١٥ المحترم (الراعي السابق لإقليم فنيلينسكي التعليمي)، وقد قابل لديه العديد من العلماء والشخصيات، التي كانت تشغل مكانة رسمية رفيعة. وقد حضر فيودور ميخايلوفيتش الأمسيات التي كانت تقيمها يلينا أندرييفنا شتاكينشنايدر (ابنة المعماري البارز)، وكان عدد من الأدباء البارزين يجتمعون في بيتها أيام الثلاثاء فيقرءون أحيانًا مقاطع من أعماله.١٦ وكانت تنظم أيضًا مسرحيات منزلية؛ أذكر، على سبيل المثال، أنني وزوجي حضرنا في شتاء عام ١٨٨٠م عرض «دون جوان»، وقد أدى الأدوار المسرحية: ص. ف. أفيركييفا١٧ في دور دونا آنَّا. وقد أدت الدور بموهبة فائقة، وقد قام بالأداء أيضًا الشاعر ك. ك. سلوتشايفسكي١٨ ونيكولاي ستراخوف. وقد أدى الأخير دورًا مناسبًا له، حتى إن فيودور ميخايلوفيتش صفق له بشدة، وكان في حالة من المرح الشديد في هذه الأمسية. وقد تعرَّف فيودور ميخايلوفيتش في هذا الشتاء أيضًا على ليديا إيفانوفنا فيسيليتسكايا١٩ في بيت شتاكينشنايدر، وقد اشتهرت ليديا كأديبة بعد ذلك باسم ف. ميكوليتش. أود أن أشير هنا إلى دقة حدس فيودور ميخايلوفيتش؛ فبعد أن تحدث مع هذه الفتاة الشابة مرتين أو ثلاثًا، خمن، على الرغم من حداثة عمرها وارتباكها المفهوم، أنها ستصبح لا مجرد سيدة مجتمع بارزة، وإنما شخصية تمتلك إرهاصات لشيءٍ ما أسمى، طموحًا لمثل أعلى، وعلى الأرجح، موهبة أدبية. لم يخطئ حدس فيودور ميخايلوفيتش؛ وقد تركت مؤلفة «ميموشك» أثرًا بارزًا بأعمالها الأدبية في الأدب الروسي.٢٠

كانت يلينا أندرييفنا شتاكينشنايدر موضع احترام ومحبة فيودور ميخايلوفيتش؛ لطيبتها الدائمة ودماثة خلُقها، التي احتملت بها أمراضها المزمنة، ودون أن تفصح عن شكاواها منها علنًا، وإنما على العكس من ذلك، كانت تشيع البهجة في نفوس الآخرين بحفاوتها وتَرحابها.

كان أدريان أندرييفيتش، الأخ الأصغر ليلينا أندرييفنا، يتمتع بمحبة خاصة بين أفراد عائلة شتاكينشنايدر،٢١ وهو شاب ذكي واسع الأفق، وكان معجبًا بموهبة فيودور ميخايلوفيتش بإخلاص. كان فيودور ميخايلوفيتش دائم التشاور مع محامٍ موهوب مثل أدريان أندرييفيتش بشأن كل الأحداث التي تدور في عالم المحاكم وعن نظُمها. ويَدين فيودور ميخايلوفيتش بمعلوماته في هذا الشأن له، حتى إن كل تفاصيل محاكمة ميتيا كارامازوف كانت من الدقة بحيث إن أي ناقد حقود (وهؤلاء ما أكثرهم) لم يكن ليجد فيها أي خطأ أو هفوة.

كان فيودور ميخايلوفيتش شغوفًا بزيارة قنسطنطين بوبيدونوستسيف؛ الذي كان الحديث معه يمثل متعة ذهنية رفيعة لزوجي، باعتبار الحديث تواصلًا مع عقل راجح، ذي فكر عميق، على الرغم من ميله للشك.

على مدى عامَي ١٨٧٩-١٨٨٠م واظب فيودور ميخايلوفيتش على زيارة الكونتيسة صوفيا أندرييفنا تولستايا أرملة المرحوم الشاعر الكونت ألكسي تولستوي. كانت امرأة شديدة الذكاء، ومثقفة واسعة الاطلاع. كان زوجي يرى أن النقاش معها أمر غاية في الروعة، وكان يبدي دائمًا تعجبه من موهبتها وقدرتها على النفاذ إلى جوهر الأمور وإبداء الرأي في العديد من الأفكار الفلسفية، وهو أمر نادر بين النساء.٢٢

وبالإضافة إلى ما كانت تتمتع به هذه المرأة البارزة من فطنة، كان لها قلب عطوف وإحساس مرهف، وسوف أظل أذكر لها طوال عمري بكل امتنان أنها أدخلت السرور على قلب زوجي ذات يوم.

فذات مرة، وكان فيودور ميخايلوفيتش يتجاذب أطراف الحديث مع الكونتيسة عن قاعة الصور الفنية في درزدن، أعرب عن رأيه في لوحة العذراء السيستينية، وأضاف قائلًا — بالمناسبة، وقد تملكه إحساس بالحزن — إنه لم يستطع إطلاقًا أن يُحضر معه من الخارج صورة فوتوغرافية كبيرة للوحة العذراء، وأن الحصول عليها هنا أمر يكاد يكون مستحيلًا. وعندما ذهب فيودور ميخايلوفيتش إلى إمس، كان يود لو أنه تمكَّن من شراء نسخة من هذه اللوحة، لكنه لم يتمكن من تحقيق رغبته. أنا أيضًا بحثت عن نسخة كبيرة من صورة العذراء في محال الصور المستنسخة في العاصمة دون جدوى. وبعد مرور أسبوعين/ثلاث على هذا الحديث، وذات صباح، وكان فيودور ميخايلوفيتش ما يزال نائمًا، إذا بفلاديمير سولوفيوف يأتي لزيارتنا، وقد حمل معه صندوقًا ضخمًا من الورق المقوى، وإذا بداخل هذا الصندوق صورة فوتوغرافية رائعة لعذراء السيستينية بالحجم الطبيعي، ولكن دون الشخصيات التي تحيط بها.

وقد أخبرني فلاديمير سيرجييفيتش، الذي كان صديقًا مقربًا من الكونتيسة تولستايا، أنها تبادلت بعض الرسائل مع معارفها في درزدن، وهؤلاء أرسلوا إليها هذه الصورة الفوتوغرافية، وقد طلبت الكونتيسة من فيودور ميخايلوفيتش أن يقبلها منها «للذكرى الطيبة». حدث ذلك في منتصف أكتوبر ١٨٧٩م، وقد وصلت إلى فكرة وضع إطار لها على الفور؛ لتُدخل السرور على قلب فيودور ميخايلوفيتش يوم عيد ميلاده، في الثلاثين من أكتوبر. وقد أخبرت سولوفيوف بفكرتي، وقد استحسنها، وقد سارعت بعمل إطار لها حتى لا تتعرض للتلف. طلبت من فلاديمير سولوفيوف أن ينقل إلى الأميرة امتناني القلبي لفكرتها الرائعة، وفي الوقت نفسه نبهتها إلى أن فيودور ميخايلوفيتش لن يرى هديتها قبل موعد الاحتفال بعيد ميلاده، وهو ما حدث بالفعل؛ ففي عشية الثلاثين من أكتوبر، تسلمت الصورة في إطار من خشب البلوط الداكن المنقوش، ملفوفة في غلاف، ومعها مسمار لتثبيته في الحائط، فوق الأريكة (سرير فيودور ميخايلوفيتش) حيث ينعكس الضوء عليها هناك بشكل أفضل، فيبرز خصائص هذه الرائعة الفنية Chef-d’oeuvr.

وفي صباح يوم الاحتفال بعيدنا العائلي، عندما خرج فيودور ميخايلوفيتش ليشرب الشاي في غرفة المائدة، سارعت بوضع الصورة في مكانها. وبعد تبادل التهاني المرحة مع الأطفال، توجهنا معًا إلى غرفة المكتب، وكم كانت دهشة فيودور ميخايلوفيتش وابتهاجه، عندما التقت عيناه بالعذراء التي كان يحبها حبًّا شديدًا! «أين استطعت العثور عليها، آنيا؟» سألني فيودور ميخايلوفيتش معتقدًا أنني اشتريتها، وعندما شرحت له أنها هدية من الكونتيسة تولستايا، شعرت أن هذه اللفتة مسَّت شغاف قلبه. وفي اليوم نفسه ذهب ليعبر لها عن شكره وامتنانه. كم من مرة وجدته في العام الأخير من حياته واقفًا أمام هذه اللوحة الرائعة في حالة من الخشوع العميق، حتى إنه لم يكن ليلحظ دخولي. وحتى لا أقطع عليه نشوته الروحية، كنت أغادر الغرفة في هدوء. كان امتناني للكونتيسة تولستايا مفهومًا، فقد أعطت زوجي بهديتها إمكانية الإفصاح عن مشاعر البهجة والتأثر العميق أمام وجه العذراء! هذه الصورة تمثل كنزًا من كنوزنا العائلية، وهي محفوظة لدى ابني.

كان فيودور ميخايلوفيتش يحب زيارة الكونتيسة صوفيا تولستايا لأن لديها أيضًا عائلة لطيفة تحيطها، ابنة أختها، صوفيا بتروفنا خيتروفو، وهي امرأة شابة بَشوشة، وأطفالها الثلاثة: ولدان وفتاة رائعة. كان هؤلاء الأطفال في سن أطفالنا، وقد قمنا بتعريفهم بعضهم ببعض، وقد تصادقا؛ الأمر الذي أسعد فيودور ميخايلوفيتش.

التقى فيودور ميخايلوفيتش لدى الكونتيسة صوفيا تولستايا بالعديد من سيدات المجتمع الراقي: الكونتيسة ألكسندرا أندرييفنا تولستايا٢٣ (وهي تمت بصلة قرابة للكونت ليف تولستوي)،٢٤ يليزافيتا ألكسييفنا ناريشكينا،٢٥ الكونتيسة آنَّا يجوريفنا كوماروفسكايا،٢٦ يوليا فيودوروفنا أباظة،٢٧ الكونتيسة فولكونسكايا، يوليا فانيليارسكايا،٢٨ المغنية لأفروفسكايا، كونتيسة تسيرتيليفايا٢٩،٣٠ وغيرهن. كن جميعهن يتعاملن مع فيودور ميخايلوفيتش بإكبار ومودة كبيرة، وبعضهن كن من المعجبات بموهبته، ورغم أن فيودور ميخايلوفيتش كان ينفعل دائمًا عند دخوله في جدل أدبي وسياسي في مجتمع الرجال، فقد كان يقدر دائمًا التحفظ والرقة التي تميز النساء في محاوراتهن.
ومن الشخصيات التي كان فيودور ميخايلوفيتش يميل إلى تبادل الحديث معهن، واللائي كان يزورهن أحيانًا، أذكر هنا الكونتيسة يليزافيتا نيكولايفنا جايدن، ممثلة جمعية جيورجينسكي. كان ميخايلوفيتش يكنُّ لها احترامًا صادقًا على نشاطها الخيري الدءوب وأفكارها السامية. كما كان يحب زيارة يوليا دينيسوفنا زاسيتسكايا٣١ (ابنة الفدائي دينيس دافيدوف)، وكان دائمًا ما يدخل معها في جدل شديد، وإن كان وديًّا، بشأن معتقداتها الدينية. نادرًا ما كان فيودور ميخايلوفيتش يقوم بزيارة آنَّا بافلوفنا فيلوسوفوفا،٣٢ وكان يقدِّر نشاطها الحيوي، وكان يقول إن لديها «قلبًا ذكيًّا».٣٣

أقول، بالمناسبة، إن فيودور ميخايلوفيتش كان له كثير من الأصدقاء من النساء، اللائي كنَّ يأتمنَّه على أسرارهن وشكوكهن عن طيب خاطر، وكنَّ يطلبن منه النصح، ولم يكن ليرد لهن طلبًا. على العكس، كان يولي اهتمامًا وديًّا خالصًا لاهتماماتهن، ويبدي آراءه بشأنها بكل صدق، مخاطرًا أحيانًا بإغضابهن بهذه الآراء. ولكنهن، وقد وضعت ثقتهن فيه، كنَّ يدركن بحساسية فائقة، أن من النادر أن يجد الإنسان الذي يفهم أعماق المرأة ومعاناتها، على النحو الذي يتفهم، بل ويتنبأ به، فيودور ميخايلوفيتش.

٣

السفر إلى موسكو للاشتراك في الاحتفال ببوشكين
في مارس عام ١٨٨٠م انتشرت الشائعات في الأوساط الأدبية بشأن الانتهاء من إقامة تمثال لبوشكين في موسكو، وأنه سيفتتح في الربيع. وأن من المفترض أن يزاح الستار عن التمثال في احتفال مَهيب. وقد أثار الحدث المنتظر اهتمام مثقفينا بشكل كبير، وأعد الكثير منهم عُدَّته للسفر لحضور هذا الاحتفال. وقد تأسست في موسكو لجنة خاصة لافتتاح التمثال، وقد قررت جمعية محبي الأدب الروسي التابعة لجامعة موسكو الإمبراطورية الاحتفالَ بافتتاح التمثال بعقد اجتماعات جماهيرية. كان رئيس الجمعية هو س. يورييف،٣٤ وقد أرسل إلى الأدباء البارزين دعوات لحضور الاحتفال.٣٥ وقد تسلم فيودور ميخايلوفيتش، مثل باقي الأدباء، دعوة للحضور. وقد تضمنت الدعوة اقتراحًا له، ولغيره، أن يلقي خطابًا في افتتاح الاحتفال، إذا رغب في ذلك، يكون مكرسًا لذكرى بوشكين. كان فيودور ميخايلوفيتش يشعر بالقلق إزاء الآراء المتضاربة التي شاعت في العاصمة، بشأن هذه الخطب سيلقيها ممثلو الحزبَين الفكريَّين الموجودَين آنذاك: أنصار النزعة السلافية، وأنصار النزعة الغربية. وقد أعلن أنه إذا لم يعوقه المرض، فإنه سيذهب حتمًا إلى موسكو ويلقي خطابه عن بوشكين، هذا الخطاب الذي ظل سنواتٍ عديدةً في عقله وقلبه. وفي هذا الصدد أعرب فيودور ميخايلوفيتش عن رغبته في أن أذهب بصحبته. بالطبع كنت سعيدة للغاية للذهاب إلى موسكو لأشاهد هذا الاحتفال الاستثنائي؛ فضلًا عن أن أكون إلى جوار فيودور ميخايلوفيتش في هذه الأيام، التي توقعت أن تنتابه فيها المخاوف.

كان أمرًا محزنًا بالنسبة إليَّ، ومؤسفًا بالنسبة إلى فيودور ميخايلوفيتش، ألا تتحقق رحلتنا المشتركة. فعندما رحنا ندرس كيف سندبر أمر هذه الرحلة، وصلنا في النهاية إلى اقتناع بأنها رحلة صعبة المنال. فبعد وفاة ابننا أليوشا كان فيودور ميخايلوفيتش، الذي كان يعامل الأطفال بحب بالغ، أصبح أكثر وسوسةً فيما يخص حياة وصحة الأطفال؛ ومن ثَم كان من المستحيل أن نفكر في الذهاب معًا ونترك أمر رعاية الأطفال للمربية. كان من المحتم عندئذٍ أن نصطحبهم معنا. على أنه لما كانت الرحلة والإقامة في موسكو لا يمكن أن تستغرق أقل من أسبوع، فإن إقامتنا مع الأطفال في فندق جيد (إضافة إلى نفقات السفر إلى موسكو والعودة) لا بد وأنها ستكلفنا ما لا يقل عن ثلاثمائة روبل. علاوة على ذلك، فإن مثل هذه الاحتفالات كانت تتطلب أن أظهر فيها بملابسَ زاهية، فإذا لم تكن ملابس فاخرة، فتكون محترمةً على أية حال، وهو ما سيزيد من تكلفة الرحلة. وزيادة في نكايتنا، فقد كان هناك سوء فَهمٍ ما بشأن حساباتنا مع «البشير الروسي»، وكان الحصول على نقود من هيئة التحرير تكتنفه بعض الصعوبات. باختصار، توصلنا أنا وزوجي، بعد تفكير طويل وتردد، أن عليَّ أن أتنازل عن هذه الفكرة التي فتنَتْني بالسفر إلى موسكو لحضور الاحتفال. أود أن أقول إنني ظللت طوال عمري أرى أن عدم حضوري هذا الانتصار المدوي الذي حققه زوجي العزيز في عيد بوشكين؛ هو خسارة فادحة لا تعوَّض.

وحتى يتمكن من أن تتاح له الفرصة في الهدوء والحرية في التفكير في كتابة خطابه في ذكرى بوشكين، أراد فيودور ميخايلوفيتش أن يذهب مبكرًا إلى ستاريا روسا، وفي أوائل شهر مايو الْتأم شمل الأسرة بالفعل في الداتشا.

وفي أبريل من عام ١٨٨٠م، راح أصدقاء فيودور ميخايلوفيتش يخبرونه أن مجلة «البشير الأوروبي» قد نشرت مقالًا لبافل أنينكوف تحت عنوان «عشر سنوات رائعة»، تعرَّض فيه الكاتب بالحديث عن دستويفسكي. اهتم فيودور ميخايلوفيتش اهتمامًا بالغًا بالمقال، وطلب مني أن أحصل من المكتبة على عدد أبريل من المجلة. وقد نجحت في الحصول عليه من معارفي قبيل سفرنا إلى روسا مباشرة، وقد أخذنا العدد معنا إلى هناك. ما إن قرأ زوجي المقال حتى استشاط غضبًا؛ يتحدث أنينكوف في مذكراته عن أن دستويفسكي كان يقدِّر موهبته الأدبية على نحو مبالغ فيه، حتى إنه بدا كما لو كان يطلب أن يتم الاحتفاء بشكل خاص بروايته الأولى «الفقراء». وهذا الطلب كان مطبوعًا على هيئة «هامش» في جوانب الصفحات. استاء زوجي بشدة من هذه الفرية، وعلى الفور أسرع بالكتابة إلى سوفورين٣٦ طالبًا منه أن يعلن في «نوفوي فريميا» («العصر الحديث») على لسانه، أن شيئًا مما نشر في «البشير الأوروبي» في مقال أنينكوف عن مسألة «الهامش»؛ لم يحدث، ولا يمكن أن يحدث. كان العديد من أتراب فيودور ميخايلوفيتش (أبولون مايكوف على سبيل المثال)، الذين تذكروا تلك الفترة، يشعرون هم أيضًا بالاستياء الشديد من جرَّاء هذا المقال الذي كتبه أنينكوف، وقد كتب سوفورين، بناءً على خطاب فيودور ميخايلوفيتش وشهادات معاصريه، ملاحظتين عبقريتين بخصوص «الهامش» (في الثاني والسادس عشر من مايو ١٨٨٠م) ونشرهما في «العصر الحديث».
وردًّا على تكذيب فيودور ميخايلوفيتش، كتب أنينكوف في …٣٧ أن خطأً قد وقع، وأن طلب «الهامش» يخص عملًا آخر لفيودور ميخايلوفيتش يسمى «حكاية بليسميسلوف» (وهو عمل لم يُكتب على الإطلاق). لقد أثارت الفِريةُ التي أطلقها أنينكوف غضب زوجي، إلى حد أنه قرر أن يتجاهله، إذا ما حدث وقابله في عيد بوشكين، وأنه لن يمد يده لمصافحته إذا ما اقترب منه.٣٨

تحدد يوم الخامس والعشرين من مايو موعدًا لافتتاح تمثال بوشكين، لكن فيودور ميخايلوفيتش قرر الذهاب قبل الموعد بثلاثة أيام؛ حتى لا يضطر للتعجل في الحصول على البطاقات اللازمة لحضوره في كافة الاجتماعات الاحتفالية؛ وفضلًا عن أنه كان زميلًا لرئيس الجمعية الخيرية السلافية، كان فيودور ميخايلوفيتش يُعَد ممثلًا لهذه الجمعية في الاحتفال، وعليه أن يقوم بطلب أكاليل الزهور لوضعها على التمثال.

في الثاني والعشرين من مايو سافر فيودور ميخايلوفيتش، وقد ذهبت بصحبة الأطفال لنودعه عند محطة القطار. أذكر بكل حنان صادق، كيف تحدث إليَّ زوجي الغالي عند الوداع قائلًا: عزيزتي المسكينة آنيا، إذن لم يحالفك الحظ في السفر! يا للأسف! يا للحزن! لقد كنت أحلم أن تكوني معي!

أجبت وقد انفطر قلبي من الحزن للفراق، والأهم، كان قلقي الشديد على صحته ومعنوياته: إذن، ليس مقدرًا لنا، ولكن عليك في المقابل أن تزيل مخاوفي؛ أن تكتب لي حتمًا كل يوم بكل التفاصيل؛ حتى أتمكن من معرفة كل شيء يحدث لك، وإلا سوف أعاني قلقًا لا نهاية له. هل تعدني أن تكتب؟

– أعدك، أعدك. قال فيودور ميخايلوفيتش، سأكتب لكِ كل يوم. ولأنه إنسان صادق الوعد، فقد أوفى بوعده وراح يكتب لي لا خطابًا واحدًا، وإنما أحيانًا خطابين في اليوم الواحد؛ حرصًا منه أن يجنبني شدةَ القلق عليه، وكذلك، وكعادته، أن يشركني في كل انطباعاته.

عندما افترقنا، كنت أظن أن غياب فيودور ميخايلوفيتش لن يستمر أكثر من أسبوع: ليلتا سفر إلى موسكو والعودة، وخمسة أيام للاحتفال، كان على فيودور ميخايلوفيتش أن يشارك بحضوره فيه. وقد وعدني زوجي أنه لن يتأخر في موسكو يومًا واحدًا. لكن الذي حدث أن فيودور ميخايلوفيتش عاد بعد اثنين وعشرين يومًا، بدلًا من أن يقضي هناك أسبوعًا واحدًا. وأستطيع أن أقول إن الأسابيع الثلاثة التي غابها كانت زمنًا للعذاب والقلق والخوف بالنسبة لي.

ينبغي أن أذكر هنا أنه في نهاية عام ١٨٧٩م، وبعد عودته من إمس، قام زوجي بزيارة لابن عمي، الطبيب ميخائيل نيكولايفيتش سنيتكين، وطلب منه أن يفحص صدره ليعرف إن كان العلاج في إمس قد أحرز نجاحًا ما، كان قريبي طبيبًا للأطفال، لكنه على الرغم من ذلك، كان خبيرًا أيضًا في الأمراض الصدرية، وكان فيودور ميخايلوفيتش يُوليه ثقته بصفته طبيبًا، وكان يحبه بصفته إنسانًا طيبًا وذكيًّا. بالطبع فقد طمأن ابن عمي فيودور ميخايلوفيتش (كما يفعل كل طبيب)، وأكد له أن الشتاء سيمر عليه على نحو رائع، وأنه لا ينبغي عليه أن يخشى على صحته من أي شيء؛ بشرط أن يلزم الحيطة. على أن الطبيب اعترف لي، وهو يجيب على أسئلتي الملحة، أن المرض قد حقق نجاحًا منذرًا بالسوء، وأن الإمفيزيما (تمدد أوردة الرئة) في وضعها الحالي يمكن أن تمثل تهديدًا على حياته. وقد شرح لي أن الأوعية الدقيقة للرئة أصبحت من الرقة والهشاشة، بحيث أصبحت تنبئ بإمكانية انفجارها نتيجة لأي توتر بدني؛ ولهذا فقد نصحه بألا يقوم بأي حركة حادة، وألا ينقل أو يرفع أشياءَ ثقيلة، وعمومًا فقد نصحنا بأن نجنب فيودور ميخايلوفيتش أي نوع من أنواع الأفعال، سواءٌ السارُّ منها أو المحزن.

الحقيقة أن الطبيب قد طمأنني بقوله أن انفجار هذه الشرايين لا يؤدي دائمًا إلى الموت، حيث تتكون أحيانًا ما يعرف باسم «الانسداد»؛ وهو عبارة عن جلطة لا تسمح بفقدان الدم بشكل شديد. لا يمكن تصور على أي نحو كنت خائفة وكيف أصبحت أتابع باهتمام صحة زوجي.

ولكي لا أترك فيودور ميخايلوفيتش وحيدًا في زيارته لبعض العائلات، حيث كان من الممكن أن يلتقي هناك بأناس مزعجين أحيانًا، أو يدخل في نقاشات تفسد عليه مزاجه، رحت أشكو له ما أعانيه من ملل في البيت، وأعربت له عن رغبتي في الخروج إلى المجتمع. كان فيودور ميخايلوفيتش يشفق عليَّ لقلة زياراتي، وقد أسعده قراري، ومن ثم بدأت في مرافقته في اجتماعاته مع معارفه وفي أمسياته الأدبية شتاء عام ١٨٧٩م وعام ١٨٨٠م كله؛ وقد أعددت لنفسي ثوبًا أنيقًا للخروج من الحرير الأسود، واقتنيت دبوسين ملونين أكد لي زوجي أنهما يناسباني تمامًا.

وفي الأمسيات والاجتماعات كنت اضطر للجوء إلى الحيلة لكي أجنب فيودور ميخايلوفيتش اللقاءاتِ والمناقشات السمجة؛ فعلى سبيل المثال، كنت أطلب من ربة البيت أن تُجلس فيودور ميخايلوفيتش على مقعد السهرة بعيدًا عن شخصٍ ما أو سيدةٍ ما، مستخدمة حجةً ما، أو أنادي على فيودور ميخايلوفيتش إذا رأيت أنه بدأ في الانفعال أو احتد في النقاش. باختصار، كنت منتبهة دائمًا. ونتيجة لهذا الخروج إلى المجتمع، كان نصيبي من الاستمتاع قليلًا للغاية.

وهكذا، عندما كنت على هذا الحال من الاضطراب والقلق البالغَين على صحة زوجي، إذا بنا نفترق بعضنا عن بعض ولمدة اثنين وعشرين يومًا، لا لمدة أسبوع كما كنا نعتقد. يا إلهي! كم من الألم عانيته طوال هذه الفترة! وبخاصة وأنا أرى من خلال الخطابات، أن عودة فيودور ميخايلوفيتش تبتعد أكثر فأكثر. كنت على يقين أن هذا الكم من الاضطراب والقلق الذي راح يتزايد لديه، لا بد وأن ينتهي بنوبة صرع، إن لم تكن نوبتين، وبخاصة أن نوبات الصرع كانت قد توقفت منذ زمن بعيد، وكان من الممكن توقع حدوثها السريع. وهنا راحت أسوأ الهواجس الكئيبة تنتابني هاجسًا وراء الآخر. كانت فكرة أن فيودور ميخايلوفيتش قد داهمته نوبة الصرع، وأنه، وقبل أن يسترد وعيه تمامًا، راح يبحث عني في الفندق،٣٩ وأنهم سوف يعاملونه باعتباره مجنونًا ثم يشهِّرون به في موسكو، وأن أحدًا لن يُوليَه اهتمامًا أو يهدئ من روعه بعد النوبة، وقد يثيرونه فيدفعونه لارتكاب عمل طائش، كل هذه الأفكار والهواجس راحت تعذبني بلا توقف، ولم أصل ولو مرة واحدة إلى اتخاذ قرار بالسفر إلى موسكو لأعيش إلى جواره، دون أن أظهر للناس، وإنما لرعاية فيودور ميخايلوفيتش. ولكنني لم أستطع أن اتخذ هذا القرار لعلمي أنه سيصاب بالذعر لتركي الأطفال في رعاية المربية. وقد طلبت من أصدقائي في موسكو، أن يُبرِقوا إليَّ على الفور، في حالة إذا ما انتابت فيودور ميخايلوفيتش نوبة، وعندئذٍ سوف أسافر إليه في أول قطار. مرت أيام وأيام، وتأجَّل افتتاح التمثال، وازدادت الظروف السيئة التي أحاطت بفيودور ميخايلوفيتش (استنادًا إلى خطاباته)،٤٠ ومعها ازدادت معاناتي النفسية. والآن، وبعد مرور زمن طويل على هذا الأمر، لا أستطيع أن أتذكر هذا الزمن دون إحساس بالمرارة.

هناك «مشهد» يعود إلى هذا الزمن، مشهد لم يكن يستحق التسجيل، لولا أن فيودور ميخايلوفيتش ذكره في خطابه، الذي كتبه مباشرة بعد عودته من الاجتماع، الذي استقبل فيه جمهور موسكو بحماس شديد فيودور ميخايلوفيتش في ذكرى بوشكين، وقدَّروه تقديرًا رفيعًا. إنني أتحدث هنا عن شراء «مُهْر».

كان ابننا الكبير، فيديا، يحب الخيل بشدة، وحيث إنه كان يقضي أشهر الصيف في ستاريا روسا، فقد كنا نخشى عليه دائمًا أن تصدمه الخيول، فعندما كان يبلغ من العمر عامين أو ثلاثة، كان ينفلت أحيانًا عن يدَي مربيته، ويجري نحو أي حصان غريب ويحتضنه من ساقه. ولحسن الحظ، كانت الخيول في روسا خيولًا قروية، اعتادت أن يدور الأطفال حولها، ولهذا كانت الأمور تمر بسلام. وعندما اشتد عود الطفل، راح يطلب شراء حصان حقيقي. وقد وعده فيودور ميخايلوفيتش بأن يحقق طلبه، ولكن لم تسمح الظروف بذلك. في عام ١٨٨٠م اشتريت مُهرًا بمحض الصدفة، وقد ندمت على ذلك فيما بعدُ ندمًا شديدًا. حدث ذلك على النحو التالي:

ذات يوم ذهبت إلى سوق المدينة في الصباح المبكر ومعي الأطفال. وعندما كنا نسير على كورنيش نهر بيريريتيتسا، مرت بجوارها عربة مسرعة، جلس فيها فلاح مُنتَشٍ بعضَ الشيء من أثر الخمر. وخلف العربة كان هناك مُهر يجري برشاقة لافتة، تارة يسبق الحصان، وتارة يتخلف عنه. رحنا نتأمل المُهر، وعندما قال لي ابني إن هذا هو المهر الذي يحب أن يقتنيه. عندما وصلنا إلى الميدان بعد ربع ساعة، وقد لاحظنا أن هناك جمعًا من الفلاحين يقفون بالقرب من الحصان والمهر، وقد راحوا يتجادلون حول أمرٍ ما، اقتربنا واستمعنا فعرفنا أن الفلاح المخمور يبيع المهر «دون سرج»، ويطلب مقابله أربعة روبلات. ظهر مشترون بالفعل، ولكن نظرًا لرجاء ابني وشفقة مني على المهر أن يقتلوه، عرضت ستة روبلات ليصبح ملكي. لم أكن على دراية بالخيل أو بشئون الزراعة، وما إن غادر صاحب المهر المكان مسرعًا «ليتناول شرابًا منعشًا»، حتى بدأت في سؤال الفلاحين عما إذا كان المهر سيعيش عندي دون أمه. وقد تعددت الإجابات: البعض أكد أنه لن يعيش، والبعض الآخر نصحوني بأنواع الغذاء التي عليَّ أن أقدمها له، وقالوا إنه سيكون لديَّ حصان جيد لو أحسنت رعايته. على أي حال، لم يعد هناك مجال للتردد. وهكذا عدنا وراء العربة إلى البيت، وإلى جانبنا راح المهر يجري. أبلغت زوجي في نفس اليوم بقصة الشراء، وقد تصادف أنْ وصل خطابي إليه في نفس اليوم الذي ألقى فيه خطابه الشهير، الذي قوبل بحماس شديد من جانب كل الموجودين في الاجتماع! بعد أن قرأ فيودور ميخايلوفيتش خطابي، وبتأثير مشاعر الحماس التي أحاطته، ذيَّل خطابه إليَّ بكلمة «قُبلاتي إلى المهر.»٤١ إلى هذا الحد كان يشعر بالحاجة إلى أن يغمر الجميع بمشاعره الفياضة، وأن يهَبَ الذين أساءوا إليه إحساس المحبة والفرح!

مرت الأيام الأولى على خيرِ ما يرام، كان المهر يشرب في اليوم خمس قصعات من اللبن، كان مرِحًا وراح يجري مع الأطفال مثل كلب أليف، لكن الأمور ساءت بعد ذلك. وقد وجد فيودور ميخايلوفيتش، وكان على دراية بأحوال الخيل، أن المهر «مكتئب»، وأرسل في طلب البيطري، الذي أعطانا بعض النصائح، ولكنها جاءت متأخرة؛ لأن المهر لفَظ أنفاسه الأخيرة بعد ثلاثة أسابيع. أصيب الأطفال بالحزن، أما أنا فلم أستطع أن أسامح نفسي لشرائي مهرًا. صحيح أنه كان سيلقى نفس المصير لو أنه ذهب إلى مالك آخر، لكنني لم أشعر بالذنب آنذاك كما أشعر به الآن.

٤

عودة فيودور ميخايلوفيتش من موسكو
أخيرًا جاء اليوم السعيد، بعد أن انتهت عذاباتي. في الثالث عشر من يونيو عاد فيودور ميخايلوفيتش إلى ستاريا روسا، في حال من السعادة والحيوية لم أعهده عليها من زمن طويل. لم تقع له في موسكو نوبة واحدة من نوبات الصرع، بل إنه كان يشعر بالنشاط طوال الوقت بفضل التوتر العصبي. لم يتوقف عن الحكي عن الأحداث التي شاهدها والتي شارك فيها في موسكو، كما لم أتوقف بدوري عن طرح كل أنواع الأسئلة. كم من أمور شيقة ذكرها لم أجد مثيلًا لها فيما بعدُ فيما ذكره الآخرون بشأن عيد بوشكين! لقد استطاع فيودور ميخايلوفيتش، على نحو شديد الخصوصية، أن يتذكر ما لاحظه في فترة قصيرة. حكى لي، بالمناسبة، من الاجتماع الثاني والأخير (الذي كان ختامًا لكل احتفالات بوشكين)، مرهَقًا للغاية، سعيدًا على نحو لا يوصف بمأدبة الوداع التي أقامها له جمهور موسكو.٤٢ جلس يلتقط أنفاسه منهَكَ القوى، ثم غادر المكان في ساعة متأخرة من الليل، متوجهًا مرة أخرى إلى تمثال بوشكين. كان الليل دافئًا وقد خلت الشوارع تمامًا من المارَّة. وفي ميدان ستراستنايا اقترب من التمثال ورفع إكليل الغار الذي وضعه في اجتماع الصباح، بعد أن ألقى خطابه، ليعيد وضعه أسفل تمثال «أستاذه العظيم»، ثم ليجثو أمامه على الأرض.
لقد تجمع كل شيء هنا ليهَبَ فيودور ميخايلوفيتش «دقائق من السعادة العظمى»، على حد تعبيره: فرحه الصادق بفكرة أن روسيا أدركت وقدَّرت، أخيرًا، المغزى الرفيع لعبقرية بوشكين، وأقامت له تمثالًا في «قلب روسيا»، في موسكو؛ وعي الناس بأنه (دستويفسكي. المترجم) العاشق لشاعر الشعب العظيم منذ شبابه الأول، استطاع بخطابه أن يعيد للشاعر اعتباره. وفي النهاية، فرحته الطاغية بإعجاب الجمهور بموهبته الشخصية وتصفيقهم المدوي له. كان فيودور ميخايلوفيتش، وهو يقص عليَّ انطباعاته عن تلك الأيام، يبدو كما لو كان يعيش هذه الأيام التي لا تُنسى مرة أخرى.٤٣
حكي لي فيودور ميخايلوفيتش أيضًا أن أفضل مصور فوتوغرافي في موسكو آنذاك؛ الفنان بانوف،٤٤ قد حضر إليه طالبًا منه أن يسمح له بتصويره. ولما كان زوجي متعجلًا في مغادرة موسكو، فقد ذهب مع بانوف على الفور لالتقاط الصورة كسبًا للوقت. لقد عكست الصورة التي أخذها له الفنان كلَّ الانطباعات التي تركتْها على وجه زوجي أحداثُ الأمس المشهودة، وفي رأيي أن هذه الصورة التي نجح الفنان في التقاطها، هي واحدة من أنجح الصور التي أخذت لفيودور ميخايلوفيتش، من بين الصور المتنوعة التي التُقطت له (بفضل تغير المزاج فيها). في هذه الصورة تعرفت على هذا التعبير الذي رأيته مرارًا على وجه فيودور ميخايلوفيتش أثناء معايشته دقائقَ من السعادة والسرور.٤٥
ولكن، وبعد مرور عشرة أيام، إذا بالحالة النفسية لفيودور ميخايلوفيتش تتغير بحدة؛ وكان المسئول عن ذلك هو تلك التعليقات التي نشرتها الصحف، التي كان يطالعها يوميًّا في مكتبة مينيرالني فودي. انهارت على فيودور ميخايلوفيتش جبال من اتهامات الصحف والمجلات ومن أكاذيبها وافتراءاتها وحتى شتائمها. هؤلاء الذين يمثلون الأوساط الأدبية، الذين أصاخوا، هم أنفسهم، السمع بفرح شديد إليه وهو يلقي خطابه عن بوشكين، وكانوا في حالة من الذهول إلى درجة أنهم اندفعوا يصفقون بحرارة، وراحوا يشدون على يديه بقوة. وفجأة، وكما لو أنهم ثابوا إلى رشدهم من أثر التنويم المغناطيسي، إذا بهم ينهالون على الخطاب بالشتائم وإهانة كاتبه. إن من يقرأ التعليقات التي كُتبت آنذاك على خطاب بوشكين، سوف يغضب من جرَّاء الوقاحة وعدم اللياقة التي عومل بها فيودور ميخايلوفيتش من جانب أولئك الذين كتبوها، ناسين أنهم كالوا الإهانات في مقالاتهم لشخص صاحب موهبة كبيرة، ظل يعمل على مدى ثلاثين عامًا في مجال اختاره لنفسه، شخص استحق احترام وحب عشرات الآلاف من القرَّاء الروس.٤٦
ينبغي القول إن هذه الهجمات غير اللائقة أحزنت فيودور ميخايلوفيتش وأشعرته بالإهانة، وقد أحس بسببهم بإحباط شديد، حتى إن نوبتَي الصرع، اللتين تنبأت بهما، واللتين تأخر وقوعهما، ظلتا تحومان في رأسه لمدة أسبوعين كاملين. وفي خطابه إلى أوريست ميلر المؤرخ السادس والعشرين أغسطس٤٧ ١٨٨٠م، كتب فيودور ميخايلوفيتش قائلًا: «انظر ماذا حدث لي من كل صحافتنا تقريبًا، بسبب كلمتي التي ألقيتها في موسكو! كأنني ارتكبت سرقة، أو مارست احتيالًا، أو اقتحمت بنكًا من البنوك! حتى يوخانتسيف٤٨ لم يكن ليتعرض لهذا التشهير الذي تعرضت له.»٤٩

لقد كان على فيودور ميخايلوفيتش أن يتحمل الكثير والكثير من المصاعب من جانب الإخوة في الوسط الأدبي!

على أن فيودور ميخايلوفيتش لم يرَ في نفسه إنسانًا مهزومًا، وحيث إنه لم يكن يملك القدرة على الرد على كل هذا الهجوم الكاسح، فقد قرر أن يرد على شخص يمكن اعتباره جديرًا بأن يكون ندًّا له إذا دخل معه في جدال أدبي، وهو تحديدًا ألكسندر جرادوفسكي،٥٠ البروفيسور بجامعة سان بطرسبورج، الذي كتب مقالًا بعنوان «الأحلام والواقع» (مجلة «جولوس» (الصوت)، ١٨٨٠م، العدد ١٧٤).٥١ نشر فيودور ميخايلوفيتش ردَّه في العدد الوحيد من «مذكرة الكاتب»، الذي في عام ١٨٨٠م، ونشر فيه أيضًا خطابه عن بوشكين، الذي نُشِر في البداية في «وقائع موسكو»، والذي طلب الجمهور بشدة إعادة نشره. ولكي أتمكن من نشر هذا العدد اضطررت للسفر إلى العاصمة لمدة ثلاثة أيام. وقد نال عدد «المذكرة» الذي نشرت فيه مقالة «بوشكين» والرد العنيف على جرادوفسكي نجاحًا هائلًا. وقد تمكنت من بيع ستة آلاف نسخة من العدد قبل نزولها للأسواق، ومن ثم كان عليَّ أن أصدر طبعة ثانية منه نفِدت كلها في الخريف.

وبعد أن رد فيودور ميخايلوفيتش على النقاد، شعر بالهدوء بعض الشيء وشرع في الانتهاء من رواية «الإخوة كارامازوف». كان قد تبقَّى له الجزء الرابع من الرواية، ويبلغ حجمها حوالي عشرين ملزمة، وكان من الضروري الانتهاء منها قبل حلول شهر أكتوبر؛ حيث إننا كنا ننتوي إصدار الرواية في طبعة كاملة. وحتى يتسنى توفير مناخ مناسب للعمل، بقينا في ستاريا روسا حتى نهاية سبتمبر؛ الأمر الذي لم نندم عليه على أية حال؛ لأن الخريف كان رائعًا.

بعد عودتنا إلى بطرسبورج، تسنى لفيودور ميخايلوفيتش أن يشارك بالقراءة في عدد من الأمسيات الأدبية.٥٢ وقد أقنع فيكتور بافلوفيتش جايفسكي، الذي شغل منصب رئيس الصندوق الأدبي آنذاك، والذي حضر الاحتفال ببوشكين واستمع في إحدى الأمسيات إلى قراءة فيودور ميخايلوفيتش لقصيدة «النبي» لبوشكين، أقنع زوجي بأن يعيد قراءتها في الأمسية الأدبية التي ستقام لصالح الصندوق، في العيد السنوي لمدرسة الليسيه، الموافق التاسع عشر من أكتوبر. كانت القراءة انتصارًا حقيقيًّا لفيودور ميخايلوفيتش، لقد بدا أن حوائط قاعة جمعية الائتمان راحت ترتجُّ من التصفيق، بعد أن أنهى فيودور ميخايلوفيتش قراءة القصيدة. ينبغي الاعتراف بأنها كانت حقًّا قراءةً فنية رفيعة المستوى، تركت في نفوس المستمعين انطباعًا لا يُمحى. وقد تسنى لي أن ألتقي بأناس من بين الجمهور الذي حضر الأمسية، بعد مرور عشرين عامًا، تذكروا جميعهم كيف نجح فيودور ميخايلوفيتش في قراءة هذه القصيدة العبقرية على نحو مدهش. وفي كل أمسيات القراءة التالية تقريبًا، على مدى عام ١٨٨٠م، كان الجمهور يطلب حتمًا أن يقرأ عليه فيودور ميخايلوفيتش قصيدة «النبي». وقد دفع النجاح العظيم للقراءة الأدبية، التي جرت في التاسع عشر من أكتوبر عام ١٨٨٠م، بفضل مشاركة فيودور ميخايلوفيتش في المقام الأول؛ دفع رئيس الصندوق الأدبي أن يقرر إعادة نفس القراءة بعد أسبوع، في السادس والعشرين من أكتوبر. وفي هذه المرة وصل التصفيق الذي حيَّا به الجمهور فيودور ميخايلوفيتش ذروته، لقد راح الجمهور يستدعيه بالتصفيق صائحًا «برافو» طالبًا منه أن يعيد قراءة قصيدة «النبي»، ثم انتظره على الدرج مصفقًا له، وهو يودعه إلى مدخل البناية. كان الحماس في هذه المرة هائلًا، وقد تأثر فيودور ميخايلوفيتش من أعماقه بهذا الشكل من أشكال التعبير القوي عن الفرح من جمهور عادةً ما يبدو باردًا.
في الحادي والعشرين من نوفمبر٥٣ ١٨٨٠م، نظم الصندوق الأدبي أمسية أدبية شارك فيها فيودور ميخايلوفيتش أيضًا. ثم توالت القراءة لصالح طلاب جامعة بطرسبورج في الثلاثين من نوفمبر، ثم لصالح جمعية مساعدة طلاب جامعة بطرسبورج، في الرابع عشر من ديسمبر، وأخيرًا لصالح ملجأ القديسة كسينيا في بيت الكونتيسة مينجرين، في الثاني والعشرين من ديسمبر. وفي هذه القراءة الأخيرة، تمت دعوة فيودور ميخايلوفيتش في الاستراحة إلى إحدى الغرف الداخلية، بناءً على رغبة الإمبراطورة ماريا فيودورفنا،٥٤،٥٥ وقد عبرت عن شكرها لفيودور ميخايلوفيتش على مشاركته في القراءة، وبادلته أطراف الحديث لفترة طويلة.

كان الاشتراك في القراءات الأدبية أمرًا مشوقًا وهامًّا للغاية بالنسبة إلى فيودور ميخايلوفيتش، وكان التصفيق المدوي المصاحب لقراءته عزيزًا على نفسه وسببًا من أسباب سعادته، ولكنها، للأسف، كانت تثير اضطرابه وتستنفد منه جهدًا كبيرًا لم يكن يملك منه إلا القليل.

في فصول الشتاء الأخيرة كان شبابنا العَطوف يولي فيودور ميخايلوفيتش بصفة خاصة محبةً شديدة، وكان يتلقى بشكل دائم بطاقات تكريم لحضور حفلات الموسيقى والباليه، التي كانت تقام في المؤسسات التعليمية العليا. كان فيودور ميخايلوفيتش محاطًا دائمًا في هذه الحفلات بالناس. كان الشباب يسير خلفه في جماعات، ملقين عليه بالأسئلة، وكان يجيب عليها وكأنه يلقي بالخطب. وأحيانًا ما كان يدخل معهم في جدل، فيستمعون إلى ردوده بحب استطلاع شديد. هذا التواصل الحي مع الشباب، الذي أحبه قدر موهبته، كان أمرًا جذابًا لفيودور ميخايلوفيتش. وكان يعود بعد هذه المحاورات بحماس متجدد ليقص عليَّ، رغم شعوره بالتعب الجسماني، تلك التفاصيلَ التي كانت تضفي على أحاديثه دائمًا متعة فائقة.

في مطلع شهر ديسمبر من عام ١٨٨٠م صدرت رواية «الإخوة كارامازوف» في طبعة كاملة، بلغ عدد نسخها ألف نسخة. وقد أحرزت هذه الطبعة نجاحًا كبيرًا على الفور. وخلال بضعة أيام اشترى القراء نصف الكمية. بالطبع، فقد تأكد فيودور ميخايلوفيتش من هذا الاهتمام الذي أثارته روايته الجديدة. كان من الممكن وصْف هذا الأمر بالحدث السارِّ الأخير في حياته المترعة بكل أنواع المصائب والنكبات.

١  مع صوفيا سيرجييفنا كاشيبيريفا.
٢  كان ذلك هو بيوتر جريجوريفتش كوزنتيسوف، الذي أصبح فيما بعدُ من أشهر تجار الكتب في ليننجراد، وقد ترك مذكراته عن عمله صبيًّا لدى محل كتب ف. م. دستويفسكي. انظر: ب. ج. كوزنيتسوف، «العمل عند دستويفسكي». مجلة «كنيجنايا تورجوفليا» («تجارة الكتب»)، ١٩٦٤م، العدد ٥، ص٤٠-٤١.
٣  «الإخوة باشماكوف»، بانا فيدين، كليوخين: تجار كتب في بطرسبورج.
٤  أرفق دستويفسكي بالفصل الذي أتمه من رواية «الإخوة كارامازوف» خطابًا إلى محرر «البشير الروسي» ن. أ. لوبيموف، في الثلاثين من يناير ١٨٧٩م، جاء فيه: «لا أدري أي عيب في الفصل الثالث، الذي أرسله إليك، بل، على العكس تمامًا، أظن أن التوفيق قد حالفني في كتابته (أرجو أن يتسع صدرك لهذا التباهي الصغير؛ لعلك تذكر مقولة القديس بولص: «لم أجد من يمدحني، فمدحت نفسي»)» (الخطابات، المجلد الرابع، ص٤٦).
٥  دافع فلاديمير سولوفيوف عن طريق أطروحته للدكتوراه «نقد الأفكار المجردة»، في السادس من أبريل ١٨٨٠م في جامعة بطرسبورج.
٦  بيوتر إيسايفيتش فاينبرج (١٨٣١–١٩٠٨م): شاعر ومترجم. زميل دستويفسكي في الصندوق الأدبي.
٧  لا أستطيع ألا أحكي عن هذا الحادث الغريب، الذي وقع معي في الأمسية الأدبية التي جرت في العشرين من مارس ١٨٨٠م، كانت قاعة مبنى البلدية مكتظة بجمهور جاء إلي الأمسية في أبهى ثياب، وكان أغلبهم من الرجال. عندما تفحصت هذا الجمع، أدهشني أمر وحيد تحديدًا: أن غالبية وجوه فيودور ميخايلوفيتش بذلك، وقد تعجب لهذه الظاهرة الغريبة. لكن الأمر اتضح، عندما طُلِب من المشاركين وزوجاتهم أن يحضُروا، في وقت الاستراحة، إلى قاعة جانبية. وهناك صُفَّت على الموائد الكبيرة المزهريات وزجاجات الشمبانيا والفاكهة والحلوى، وقام منظمو الأمسية — محافظ المدينة، إيفان إيليتش جلازونوف، وزوجته السيدة جلازونوفا، راعية دار الرحمة — باستضافة المغنين والأدباء بحفاوة وتَرحاب شديدَين، وقد حضر الأمسية، بطبيعة الحال، تجارُ وبائعو محل جوستيني دفور الشهير، الذين لبَّوا الدعوة إلى الأمسية باعتبارهم من المؤسسة الراعية للمناسبة. ولما كنت قد أنفقت بضعة أيام أطوف بكل أنحاء محل جوستيني دفور؛ بحثًا عن أقمشة زاهية الألوان، جميلة الرسوم، لزوم ملابس الأولاد الصيفية، ولهذا تذكرت وجوه البائعين فبدت لي الآن معروفة. كنت في غاية السرور؛ لأن الأمر الذي بدا لي في البداية مرضًا ما غير معروف؛ قد اتضح لي الآن ببساطة (ملاحظة لآنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا).
٨  فيكتور بافلوفيتش جايفسكي (١٨٢٦–١٨٨٨م): محامٍ، مؤرخ أدبي ومفهرس. أحد مؤسسي الصندوق الأدبي ورئيسه لسنوات طويلة.
٩  الليسيه: مدرسة متميزة في روسيا القيصرية، كان يدرس بها أبناء النبلاء ورجال البلاط، ومنهم الشاعر ألكسندر بوشكين، والأعمال التي قرأها دستويفسكي في هذه المناسبة، من أعمال هذا الشاعر. (المترجم)
١٠  عن كلمة دستويفسكي التي ألقاها في التاسع عشر من أكتوبر ١٨٨٠م، انظر: «اليوميات والمذكرات (١٨٥٤–١٨٨٦م)» ي. أ. شتاكينشنايدر (موسكو، ليننجراد، ١٩٣٤م).
١١  «الأنفس الميتة» (الجزء الأول، ١٨٤٢م). رواية/قصيدة حسب تصنيف نيكولاي جوجول (١٨٠٩–١٨٥٢م)، وقد أحرق مخطوطة الجزء الثاني منها في عام ١٨٥٢م. (المترجم)
١٢  من اللافت للانتباه أن دستويفسكي نفسه، بشهادة معاصريه من الأدباء، كان يتحدث كثيرًا عن الطابع الفريد المميز لقراءاته الأدبية بقوله: «أتُراني أقرأ بصوتي؟! إنما أنا أقرأ بأعصابي!» (أ. موشين، الجديد عن الكتاب العظام … الطبعة الثانية، سان بطرسبورج، ١٩٠٨م، ٧٣).
١٣  وحتى لا يكون حديثي دون سند، سأورد هنا كلمات سميون أفانا سيفيتش فينجيروف عن الانطباع الذي تركه فيودور ميخايلوفيتش في نفسه. «كان من نصيبي أن أنال هذه السعادة الكبرى بالاستماع إليه (دستويفسكي) وهو يقرأ في إحدى الأمسيات التي نظمها الصندوق الأدبي عام ١٨٧٩م … ليس هناك ندٌّ له كقارئ. يمكن أن نسمي دستويفسكي «قارئًا» لأنه لا يوجد على الإطلاق تعريف لهذا الرجل، الذي يخرج إلى المنصة ليقرأ روايته وقد ارتدى معطفًا أسود. في هذه الأمسية نفسها، التي استمعت فيها إلى دستويفسكي، قرأ تورجينيف وسالتيكوف؛ شيدرين وجريجوروفيتش وبولونسكي وألكسي بوتيخين. وباستثناء سالتيكوف، الذي قرأ على نحو رديء، وبولونسكي، الذي قرأ بنبرة احتفالية غنائية للغاية، فقد قرأ الآخرون على نحو جيد. ولكن الأمر، تحديدًا، لم يكن سوى مجرد قراءة. أما دستويفسكي فكانت قراءته تنبُّئية بكل معنى الكلمة. قرأ بصوت رقيق — لكنه واضح وثاقب، وعلى نحو مؤثر يصعب وصفه — واحدًا من أروع فصول «الإخوة كارامازوف» — «اعترافات قلب حار» — حيث يحكي ميتيا كارامازوف كيف جاءت إليه كاتيرينا إيفانوفنا تطلب منه نقودًا لتعطيها لأبيه. وإلى وقتنا هذا لم أشاهد مطلقًا صمتًا مطبقًا مثل هذا الصمت الذي ساد القاعة، وقد اندمج الحضور، البالغ عددهم ما يزيد عن ألف شخص، اندماجًا تامًّا بأرواحهم، رغم اختلاف أمزجتهم، وكأنهم توحدوا في شخص واحد. وعندما كان الآخرون يقرءون لم يكونوا ليفقدوا «ذواتهم»، وإن تعاملوا، على نحو أو آخر، مع ما استمعوا إليه، كلٌّ على طريقته. وحتى القراءة الرائعة لتورجينيف، بالاشتراك مع سافينا، لم تصعد بالجمهور إلى ذرًى عالية. أما عندما يقرأ دستويفسكي، فالمستمع، مثله مثل قارئ رواياته الكابوسية العبقرية، يفقد «ذاته» تمامًا ويصبح أسيرًا بكل كيانه لسلطان التنويم المغناطيسي لهذا العجوز النحيل، رث الهيئة، ذي النظرة الثاقبة الحادة النافذة المشتعلة بنيران غامضة، تشبه، على الأرجح، هذا البريق الذي كان يتأجج يومًا ما في عيون البابا أفاكوم.» (صحيفة «ريتش» («الخطاب») ٢٥ أبريل ١٩١٥م) (ملاحظة لآنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا).
١٤  يحكي س. أ. فينجيروف عن إحدى الأمسيات الأدبية التي أقيمت يومَي التاسع والسادس عشر من مارس ١٨٧٦م في قاعدة الجمعية الخيرية أن تورجينيف قرأ في الأمسية الأولى قصة «العمدة»، وفي الثانية «الذئب»، وفيها قرأ أيضًا مقطعًا من كوميديا «القروية الساذجة» بصحبة م. ج. سافينا. (انظر: «الصوت»، ١٨٧٩م، ١١ مارس، العدد ٧٠؛ ٨ مارس، رقم ٧٧؛ كتاب «تورجينيف وسافينا»، براج، ١٩١٣م، ص٦٨-٦٩، ٨٠).
١٥  إيفان بتروفيتش كورنيلوف (١٨١١–١٩٠١م): جامع للمخطوطات والكتب القديمة، وقد انعقدت أواصر الصداقة بينه وبين دستويفسكي في نهاية السبعينيات.
١٦  انظر: ي. أ. شتاكينشنايدر، اليوميات والمذكرات (١٨٥٤–١٨٨٦م)، موسكو، ليننجراد، ١٩٣٤م.
١٧  صوفيا فيكتورفنا أفيركييفا (١٨٤٠م– ما بعد ١٩١٧م): ممثلة.
١٨  قنسطنطين قنسطنطينوفيتش سلوتشايفسكي (١٨٣٧–١٩٠٤م): شاعر، وناشر، وناقد، ومحرر مجلة «برافيتلستفيني فيسنيك» («بشير الحكومة»).
١٩  فيسيليتسكايا، ليديا إيفانوفنا (الاسم الأدبي «ميكوليتش») (١٨٥٧–١٩٣٦م): كاتبة.
٢٠  تركت ل. إ. فيسيليتسكايا مذكراتها عن تعرُّفها بدستويفسكي ولقاءاتها معه. ف. ميكوليتش، لقاء من الشهرة، موسكو، ١٩٠٣م. وقد تضمن كتابها «لقاءات مع الكتاب»، ليننجراد، ١٩٢٩م، هذه المذكرات.
٢١  أدريان أندرييفيتش شتاكينشنايدر (١٨٤١–؟) محامٍ، ابن المعماري شتاكينشنايدر.
٢٢  نظَّمت صوفيا أندرييفنا تولستايا صالونا أدبيًّا في بيتها، كان من بين المترددين عليه كلٌّ من جونتشاروف وتورجينيف وفلاديمير سولوفيوف، وكان دستويفسكي يكنُّ لصوفيا أندرييفنا احترامًا كبيرًا ومشاعرَ ودية خالصة، وهو ما يؤكد خطابه إليها، المؤرخ ١٣ يونيو ١٨٨٠م (الخطابات، المجلد الرابع، ١٧٤). تكتب لوبوف فيودوروفنا دستويفسكايا في كتابها “Dostojewski, geschildert von seiner tochter” في الفصل المعنون «صالون الأميرة تولستايا»: «كان صالون الأميرة تولستايا أرملة الكاتب ألكسي تولستوي، من بين أكثر الصالونات الأدبية شهرةً في بطرسبورج، التي كان دستويفسكي يحرص على حضورها في السنوات الأخيرة من حياته. وتؤكد ابنة الكاتب (لوبوف دستويفسكايا) أن دستويفسكي ذكر أن تولستايا، في رأيه، كانت تمتلك بصيرة نافذة «حادة كالصلب». وبعد أن استقر المقام الأخير بالأميرة تولستايا في بطرسبورج، راحت تستقبل في بيتها كل أصدقاء زوجها القدامى من الشعراء والكتاب، وكانت تسعى في الوقت نفسه لعقد صداقات أدبية جديدة. وبعد أن قابلت أبي سارعت بدعوته، وكانت تكنُّ له كل مشاعر الود والاحترام. تناول أبي في بيتها طعام الغداء أكثر من مرة، وكان يزورها مساء، وقد وافق على قراءة بعض فصول من «الإخوة كارامازوف» في صالونها قبيل نشرها. وسرعان ما اعتاد على زيارة الأميرة تولستايا في أوقات نزهاتها ليتبادل معها آخر الأخبار. وعلى الرغم من بعض مشاعر الغيرة التي كانت تنتاب أمي، إلا أنها كانت توافق أن يقوم زوجها أحيانًا بزيارة الأميرة، التي كانت قد تخطت آنذاك العمرَ الذي كان يجعل منها موضوعًا للإغراء. كانت الأميرة ترتدي دائمًا ملابس سوداء وتضرب على رأسها خمار الأرامل، الذي كان يغطي شعرًا كساه اللون الأبيض؛ وقد صفَّفته على نحو يتسم بالبساطة الشديدة، وكانت الأميرة تسعى لأن يُعجب الناس بعقلها الراجح ومعاملتها الودية. كانت قليلًا ما تغادر بيتها، وإن فعلت فلا تتجاوز دائمًا الرابعة مساء، وهو الوقت التي تكون مستعدة فيه لدعوة دستويفسكي على قدح من الشاي. كانت الأميرة امرأة مثقفة للغاية، تُكثر القراءة باللغات الأوروبية كلٍّ، وكثيرًا ما لفتت انتباه أبي إلى مقالةٍ ما على قدر من الأهمية من بين المقالات التي ظهرت في أوروبا. كان دستويفسكي ينفق وقتًا طويلًا في كتابة رواياته، وبطبيعة الحال لم يكن بمقدوره أن يقرأ كثيرًا كما كان يحب (…) كانت النبرة الودية المهذبة، التي كانت تسود صالون الأميرة، من الأمور المحببة، التي كانت تفتقر إليها الصالونات الأدبية الأخرى المبتذلة (…) كان أبي يفضل الرفاهية والرقي المحتشم الذي كان يميز صالون تولستايا.»
٢٣  ألكسندرا أندرييفنا تولستايا (١٨١٧–١٩٠٤م): ابنة عمة الكاتب الكونت ليف تولستوي.
٢٤  يضم كتاب: «متحف تولستوي»، الجزء الأول، «مراسلات ليف تولستوي وألكسندرا تولستايا، ١٨٥٧–١٩٠٣م». سان بطرسبورج، ١٩١١م، مذكرات ألكسندرا تولستايا عن لقاءاتهما بدستويفسكي، وكانت ألكسندرا تولستايا قد قامت بتعريف دستويفسكي قبيل وفاته بنظرات ورؤى ليف تولستوي الجديدة، وسمحت له أن يطَّلع على خطاباته، وكانت ألكسندرا تولستايا قد اقتربت منه أكثر في هذه الفترة.
٢٥  يليزافيتا ألكسييفنا ناريشكينا (١٨٤٠م–بعد ١٩١٠م): كونتيسة، اشتهرت بأعمالها الخيرية.
٢٦  آنَّا يجوريفنا كوماروفسكايا (١٨٣١–١٩٠٦م): وصيفة في بلاط الكونتيسة العظيمة ألكسندرا يوسيبوفنا، أرملة الأمير العظيم قنسطنطين نيكولايفيتش.
٢٧  يوليا فيودورفنا أباظة (١٨٣٠–١٩١٥م): كاتبة، مغنية، مؤلفة موسيقى، مديرة ملجأ أطفال السجناء. صاحبة صالون موسيقي تردد عليه تشايكوفسكي وروبنشتاين. زوجة وزير المالية أ. أباظة.
٢٨  يوليا فيودوروفنا فانيليارسكايا: كونتيسة، كاتبة، زوجة نيكولاي سافيتش، سيناتور وعضو مجلس الدولة ورئيس الإدارة العليا للبريد، كان رقيبًا على الإصدار الأخير «لمذكرة الكاتب».
٢٩  لم يولِ كُتاب سيرة دستويفسكي حتى الآن أي اهتمام لذكر اسم لافروفسكي ضمن أصدقائه من الكتَّاب في السنوات الأخيرة من حياته. بينما يدور الحديث عن المغنية الروسية البارزة يليزافيتا أندرييفنا لافروفسكايا، التي كانت تحظى بشهرة نادرة في دوائر المثقفين الروس المهتمين بالفن. وقد أثنى على موهبتها: إيفان تورجينيف وبيوتر تشايكوفسكي، الذي رأى في ليزافيتا لافروفسكايا واحدةً من أعظم ممثلي مدرسة الغناء الروسي (انظر: بيوتر إيليتش تشايكوفسكي، مقالات وملاحظات موسيقية، موسكو، ١٨٩٨م)؛ وقد أهداها ست أغانٍ عاطفية (١٨٧٥م) ورباعية غنائية باسم «الليل» (١٨٩٣م)، وتحتفظ مكتبة لينين بخطاب لافروفسكايا إلى دستويفسكي، عبرت فيه عن امتنانها لصورته التي أهداها إياها ومعها خطابه عن بوشكين و«مذكرة الكاتب».
٣٠  يليزافيتا أندرييفنا لافروفسكايا (١٨٤٥–١٩١٩م): كونتيسة، مغنية روسية.
٣١  يوليا دينيسوفنا زاسيتسكايا (؟–١٨٨٢م): كاتبة ومترجمة.
٣٢  آنَّا بافلوفنا فيلوسوفوفا (١٨٣٧–١٩١٢م): شخصية اجتماعية، مشاركة في الحركة النسائية.
٣٣  تمثل العلاقات الودية التي قامت بين أ. ب. فيلوسوفوفا باعتبارها شخصية اجتماعية بارزة وبين دستويفسكي، الذي كانت ترى فيه «معلمها الأخلاقي العزيز» أهمية مؤكدة (انظر مذكرات فيلوسوفوفا في كتاب: دستويفسكي في مذكرات معاصريه، الجزء الثاني، ص٣٢٢–٣٢٤). كانت فيلوسوفوفا في السبعينيات من المعارضين للنظام، وكانت تحتفظ في شقتها بمراجع محظورة، وهناك افتراض أنها أوت فيرًا زاسوليتش سرًّا في بيتها بعد محاكمتها. كتبت فيلوسوفوفا إلى زوجها، المدعي العسكري العام، تقول: «إنني أكره حكومتنا الحالية (…) إنها عصابة من المجرمين الذين يسوقون روسيا إلى الهلاك.» (في كتاب «ذكريات أ. ب. فيلوسوفوفا»، الجزء الأول، براج، ١٩١٥، ص٣٢٦). كان دستويفسكي يكنُّ لفيلوسوفوفا احترامًا كبيرًا، وقد كتب عن «قلبها الرائع الذكي» (الخطابات، المجلد الرابع، ص٦٦-٦٧). واستنادًا إلى رواية ابنتها، م. ف. كامينيتسكايا، فقد أصاب دستويفسكي الخوف والاضطراب، عندما علم بإمكانية اعتقال فيلوسوفوفا (انظر: دستويفسكي في مذكرات معاصريه، الجزء الثاني، ص٣٢٦).
٣٤  سيرجي أندرييفيتش يورييف (١٨٢١–١٨٨٨م): ناقد أدبي ومترجم، محرر وناشر مجلتَي «بسييدا» («المحاورة») (١٨٧١-١٨٧٢م)، «روسكايا ميسل» («الفكر الروسي») (١٨٨٠–١٨٨٥م)، رئيس جمعية محبي الأدب الروسي منذ عام ١٨٧٨م.
٣٥  من بين أكثر الكتَّاب شهرة، الذين أُرسلت إليهم الدعوة لحضور احتفالات بوشكين في موسكو ولم يحضروا: سالتيكوف شيدرين وإيفان جونتشاروف وليف تولستوي. وفي خطابه المؤرخ الثامن من مايو ١٨٨٠م إلى س. أ. يورييف شرح سالتيكوف شيديرين أسباب تخلُّفه عن الذهاب إلى موسكو متعللًا بالمرض، على أن تصريحاته المتأخرة عن الاحتفال ببوشكين تؤكد أن المرض لم يكن ليمنعه من الذهاب والمشاركة في الاحتفال ببوشكين من قريب أو بعيد. الواقع أن سالتيكوف شيدرين لم يكن راضيًا؛ لأن القوى الديمقراطية لم تكن هي التي قامت على تنظيم الاحتفال. وفي الخامس والعشرين من يونيو ١٨٨٠م، كتب إلى أستروفسكي يقول: «لقد أثار الاحتفال ببوشكين لديَّ قدرًا من سوء الفهم.» يبدو أن تورجينيف الذكي ودستويفسكي المجنون استطاعا أن يسرقا احتفال بوشكين لصالحهما.» م. ي. سالتيكوف شيدرين، الأعمال الكاملة، الجزء التاسع عشر، موسكو، ١٩٣٩م، ١٥٨. أما ليف تولستوي الذي لحق به تورجينيف خصوصًا إلى ياسنايا بوليانا، فقد رفض أيضًا المشاركة في احتفالات بوشكين. ووَفقًا لما ذكره ك. م. ستانكوفيتش فإن «هذا الرفض أمر منطقي للغاية. لقد صرح الكونت تولستوي أكثر من مرة أن أدبنا ليس سوى تزجية لطيفة للوقت بالنسبة إلى القادرين، أما الشعب فالأمر سيان بالنسبة له، سواء وُجد بوشكين أم لم يُوجد» («ديلو»، ١٨٨٠م، العدد ٧، ص١٠٧).
٣٦  ألكسي سيرجييفيتش سوفورين (١٨٣٤–١٩١٢م): صحفي وناشر؛ بدأ في إصدار صحيفة «العصر الحديث» منذ عام ١٨٧٥م؛ تعرَّف على دستويفسكي في عام ١٨٧٥م، ومنذ هذا التاريخ توطدت صداقتهما.
٣٧  فقرة مفقودة في المخطوطة.
٣٨  عن هذا المشهد تحدث إ. إ. بانايف في «المعاصر» دون أن يذكر اسم دستويفسكي (١٨٥٥م، العدد ١٢، ص٢٣٥). وقد كتب ب. ف. أنينكوف مرة ثانية عن ذلك في عدد أبريل من «البشير الأوروبي» عام ١٨٨٠م. وقد اعترض عليه أ. س. سوفورين في «العصر الحديث» (١٨٨٠م، ٤ أبريل و٢ مايو) بعد أن أخبره أن «الفقراء» نشرت في «المنتخب البطرسبورجي» دون «حواشٍ». وفي الرد الذي نشرته هيئة تحرير «البشير الأوروبي» على حجج «العصر الحديث» (لا على أنينكوف، كما كتبت آنَّا جريجوريفنا؛ كان في الخارج) في عددها الصادر في مايو عام ١٨٨٠م، أجابت أن الحديث يدور لا على «الفقراء»، وإنما عن «قصة بليتميسليكوف» التي سيكتبها دستويفسكي لنشرها في المنتخب الذي فكر في إصداره بيلينسكي تحت عنوان «ليفيافان». وفي حقيقة الأمر لم تكن هناك أي قصة لدى دستويفسكي باسم «قصة بليتميسليكوف» كما أكدت ذلك «العصر الجديد» في مقالها المنشور في الخامس من مايو ١٨٨٠م، وإنما كانت هناك قصتان مخصصتان من أجل «ليفيافان» هما «الفودان الحليقان» و«قصة عن المكاتب المحطمة». وفي خطابه المؤرخ ٤ مايو ١٨٨٠م يكتب دستويفسكي إلى سوفورين مرة أخرى طلبًا بشأن «الحواشي» (الخطابات، المجلد الرابع، ص١٤٣). وفي الثامن عشر من مايو (وليس السادس عشر كما أشير في المذكرات) ١٨٨٠م، ظهر في «العصر الحديث» إعلان باسم دستويفسكي يقول: «بطلب ف. م. دستويفسكي، الموجود حاليًّا في ستاريا روسا للعلاج، أن نعلن على لسانه أنه لا صحة لما نشره أنينكوف في «البشير الأوروبي» بشأن «الحواشي»، ولا يمكن أن يكون قد حدث أو يحدث مثل هذا الأمر …»
٣٩  كان فيودور ميخايلوفيتش يأتي إليَّ دائمًا بعد نوبة الصرع، ولم يكن قد استرد وعيه تمامًا؛ إذ كان يعاني في هذه اللحظات من فزع غامض. فكان وجود وجه قريب منه يهدئ من روعه (ملاحظة لآنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا).
٤٠  انظر: الخطابات، المجلد الرابع، ص١٥٢–١٦٥. في خطابه المؤرخ الخامس والعشرين من مايو ١٨٨٠م، يكتب دستويفسكي إلى آنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا، بعد أن قرر السفر إلى بطرسبورج في السابع والعشرين من مايو قائلًا: «أجلس الآن وأنا في أشد حالات الضيق والارتباك؛ فمن ناحية، فإن سعيي وراء زيادة تأثيري في بطرسبورج، فضلًا عن موسكو، يعني الكثير بالنسبة إليَّ. ومن ناحية أخرى فراقي عنك؛ حيرتي بخصوص كارامازوف، ناهيك عن النفقات المالية وما إلى ذلك!» (الخطابات، المجلد الرابع، ص١٥١).
٤١  انظر: خطاب دستويفسكي إلى آنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا المؤرخ الثامن من يونيو ١٨٨٠م (الخطابات، المجلد الرابع، ص١٧٢).
٤٢  كان من المقرر في البداية أن يتم الاحتفال بذكرى بوشكين في يوم ذكرى ميلاده في السادس والعشرين من مايو ١٨٨٠م، لكن الموعد تأجل بسبب وفاة الإمبراطور. وقد قامت جمعية محبي الأدب الروسي بتنظيم الاحتفال الذي استمر أربعة أيام في الخامس من يونيو ١٨٨٠م، أقيم حفل استقبال للوفود أشرفت عليه اللجنة المنوط بها إقامة التمثال، وألقى فيه ي. ك. جروت تقريره. وفي السادس من يونيو جرت في موسكو في ميدان تفيرسكايا مراسم افتتاح التمثال، واختُتم اليوم بقراءة الخُطب، وفي الثامن من يونيو، عُقد الاجتماع الختامي الذي ألقى فيه دستويفسكي خطابه عن بوشكين. عن احتفالات بوشكين انظر الكتاب الخاص الذي أشرف على إصداره ف. بولجاكوف تحت عنوان «باقة من الزهور عند تمثال بوشكين» (سان بطرسبورج، ١٨٨٠م).
٤٣  عن انطباعاته المباشرة عن خطاب بوشكين كتب دستويفسكي إلى آنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا في الثامن من يونيو ١٨٨٠م، كما كتب إلى س. أ. تولستايا في الثالث عشر من يونيو (الخطابات، المجلد الرابع، ص١٧١-١٧٢؛ ١٧٤-١٧٥). وقد تم حفظ وتوثيق العديد من ذكريات المعاصرين عن الخطاب الذي ألقاه دستويفسكي عن بوشكين؛ على سبيل المثال: ن. ن. ستراخوف، «مذكرات عن دستويفسكي»، السيرة، ٣٠٨–٣١٢؛ أ. بارسوكوفا، «رسالة حول خطاب بوشكين لدستويفسكي»، في كتاب: زفينيا (الروابط)، الجزء الأول، موسكو، ليننجراد، ١٩٣٢م؛ د. لوبيموف، «من المذكرات»؛ «قضايا الأدب»، ١٩٦١م، العدد ٧؛ أ. أمفيتياتروف، «ما زلت أسمع خطاب دستويفسكي حتى الآن». «ليتيراتورنيا روسيا»، ١٩٦٥م، الثاني من يونيو.
٤٤  ميخائيل ميخايلوفيتش بانوف (١٨٣٦–١٨٩٧م): مصور فوتوغرافي من موسكو صوَّر دستويفسكي في التاسع من يونيو عام ١٨٨٠م، بعد خطابه عن بوشكين.
٤٥  عن الصورة الفوتوغرافية التي التقطها م. م. بانوف، والمحفوظة في بيت بوشكين (المتحف الأدبي)، كتب إ. ن. كرامسكوي: «في السنوات الأخيرة راح وجهه (دستويفسكي) يبدو أكثر أهميةً وعمقًا وتراجيدية، وللأسف الشديد، لا توجد صورة له في الفترة الأخيرة من حياته يمكن أن تعادل في قيمتها الفنية الصورة التي رسمها له بيروف. ولحسن الحظ فقد تم إدراك هذا النقص، بمحض الصدفة، بفضل التصوير الفوتوغرافي. وقد التقط المصور بانوف من موسكو هذه الصورة تحديدًا. كان من الممكن أن تكون صورة بانوف غير ذات أهمية، من الناحية التقنية، غير ذات قيمة، فبانوف التقط من قبلُ صورًا أفضل بكثير، من هذه الناحية، من صورة دستويفسكي. لكن ما يميز هذه الصورة هو ما تحويه من قوة التعبير، ويمكن، استنادًا إليها، الحكمُ على مدى ما أضيف إلى وجه دستويفسكي من معانٍ وأفكار عميقة. على أية حال فإنه من النادر أن تعطي الصور الفوتوغرافية مجمل ما يحتوي عليه الوجه الإنساني، أما في صورة بانوف فهناك استثناء سعيد ونادر. يمكننا أن نخمن أنه في حالتنا هذه فقد تجلَّت تلك اللحظة التي عاشها دستويفسكي، لحظة الاحتفال ببوشكين في موسكو (لتأتي دعمًا للصورة)، فقد التُقطت الصورة بعد خطابه الشهير عن قيمة بوشكين» (إ. ن. كرامسكوي؛ حياته، مراسلاته ومقالات فنية ونقدية، ١٨٣٧–١٨٨٧م، سان بطرسبورج، ١٨٨٨م، ص٦٦٩).
٤٦  كان لخطاب دستويفسكي عن بوشكين بإجماع آراء المعاصرين أثرٌ لا يُمحى على المستمعين؛ الأمر الذي أسهمت فيه إلى حد كبيرٍ القراءةُ الرائعة لدستويفسكي نفسه ثم فكرته المفضلة التي تتلخص في أنه من أجل أن يصل الروسي الحائر المتردد إلى الهدوء والسكينة ينبغي أن تحقَّق السعادة الإنسانية العالمية الشاملة. وقد كتب جليب أوسبينسكي في مقالته «عيد بوشكين»، يقول: «لقد أصاب الذهول الاهتمام العام، وقد أخذته الدهشة من الفكرة التي تم التعبير عنها برشاقة حول فطرة الإنسان الروسي المجبولة على الحزن من أجل آلام الآخرين» (ج. إ. أوسبنسكي، الأعمال الكاملة، الجزء السادس، موسكو، ١٩٥٣م، ص٤٢٥). على أنه عندما تم نشر خطاب دستويفسكي في «وقائع موسكو» (١٨٨٠م، ١٣ يونيو)، وغيرها من الصحف والمجلات، تم بعد ذلك نشر الخطاب مع إيضاحات لصاحبه ورده على أ. د. جرادوفسكي في «مذكرة الكاتب»، توالت ردود الأفعال المتضاربة، فقد استنكر نقاد من المعسكر الليبرالي والديمقراطي انقطاع الصلة بين الأفكار المثالية لدستويفسكي والحياة الروسية المعاصرة؛ فضلًا عن الطابع المجرد لمبدأ «الإنسانية الشاملة» الذي أعلنه. وقد لقيت دعوة دستويفسكي للاستكانة والتمسك بالدين اعتراضًا خاصًّا من جانب الكتاب والصحفيين التقدميين. ويضم الثبت البيبلوجرافي الذي أعده ف. إ. ميجوف (سان بطرسبورج، ١٨٨٥م)، كافة المقالات التي نُشرت بشأن افتتاح تمثال بوشكين في موسكو عام ١٨٨٠م بما فيها ردود الأفعال على خطاب دستويفسكي، وقد جُمعت هذه المقالات في كتاب زاموتين، ص٢٨٧–٣٢١.
٤٧  «جورنال جورنالوف» («مجلة المجلات»)، ١٩١٥م، العدد الثاني (ملاحظة لآنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا).
٤٨  بطل إحدى قضايا البنوك (ملاحظة لآنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا).
٤٩  الخطابات، المجلد الرابع، ص١٩٧. ك. ن. يوخانتسيف، موظف مفوض من وزارة المالية، حُكم عليه في الفترة من ٢٣ إلى ٢٥ يناير ١٨٧٩م من قبَل دائرة بطرسبورج القضائية بالسجن؛ لإهداره أموالًا طائلًا تخص هيئة التسليف الزراعي (أ. ف. كوني، خطب قضائية، ١٨٦٨–١٨٨٨م، سان بطرسبورج، ١٩٠٥م، ص٤٤٧–٤٦٥).
٥٠  ألكسندر ديمترييفيتش جرادوفسكي (١٨٤١–١٨٨٩م): أستاذ القانون العام بجامعة بطرسبورج، كاتب وناقد.
٥١  أشار البروفيسور ألكسندر ديمترييفيتش جرادوفسكي، البروفيسور الروسي الشهير في القانون الدولي بجامعة بطرسبورج، إلى «ملحوظتين» في خطاب دستويفسكي: تقييم بوشكين باعتباره شاعر الشعب، وفي الوقت نفسه تقديمه لتعريف موجز للإيمان من وجهة نظره الشخصية باعتباره «صاحب الخطاب». ويعترف الناقد بقدرة دستويفسكي على النفاذ بعمق في جوهر شعر بوشكين، لكنه يؤكد في الوقت نفسه على أن دستويفسكي «لم يقدم شرحًا وافيًا لشخصيات بوشكين عندما تناولها بالتحليل؛ وذلك لأنه ربط هذه الشخصيات تحديدًا، لا بالحركة الأدبية اللاحقة، وإنما ربطها بشكل استثنائي مع وجهة نظره، والتي كان يشوبها كثير من جوانب الضعف.» لقد تعرض أ. د. جرادوفسكي «لأكثر النقاط أهمية» عندما تناول «اختلافه» مع دستويفسكي، فعندما يطلب (دستويفسكي) الاستسلام أمام حقيقة الشعب، أمام المثُل العليا للشعب، فإنه يقبل هذه «الحقيقة»، وهذه المثُل وكأنها شيءٌ ما جاهز، شيء راسخ وأبدي. ونحن نسمح لأنفسنا أن نقول له: الأمر ليس كذلك. إن المثل الاجتماعية لشعبنا ما تزال في طور التكوين والتطور. وعلى الشعب أن يعمل كثيرًا لكي يكون جديرًا بأن يكون شعبًا عظيمًا. فما يزال هناك الكثير (…) من بقايا أزمنة العبودية مغروسة فيه، لكي يستطيع أن يطلب لنفسه الفضيلة، وفوق ذلك، أن يدَّعي توجه أوروبا بأسْرها نحو الطريق الحق، على النحو الذي تنبأ به دستويفسكي … «ويعترض الناقد على دستويفسكي بقوله: إنه بدلًا من تعظيمه لرسالة الشعب الروسي إلى حدِّ أن يلعب هذا الشعب دور الخالق «للانسجام النهائي»، فقد كان من الأفضل له أن يقول «للضالين» المعاصرين و«للشعب» نفسه سواءً بسواء: اخضعوا لمطالب المواطنة الاجتماعية، التي حصلتم عليها، والحمد لله، بفضل إصلاحات بطرس (الأكبر، المترجم) …» («الصوت»، ١٨٨٠م، العدد ١٧٤).
وفي رده على أ. د. جرادوفسكي في «مذكرة الكاتب» («الإصدار الوحيد الذي ظهر في عام ١٨٨٠م، أغسطس»)، اعترض دستويفسكي بشدة على هذا المنهج الليبرالي الذي اتخذه البروفيسور، بعد أن سخِر من «رؤيته ذات النزعة الغربية للشعب، الذي هو في رأي دستويفسكي، استنار منذ زمن بعيد، عندما اعتنق جوهر المسيح وتعاليمه» (دستويفسكي، ١٩٢٦–١٩٣٠م، الجزء الثاني عشر، ص٣٩٢). وقد وقف النقد الديمقراطي في هذه المبادرة الجدلية من جانب دستويفسكي ضد جرادوفسكي موقفًا معاديًا للأفكار الأرثوذوكسية التي نادى بها الكاتب (انظر: ن. ك. ميخايلوفسكي، ليتيراتورني زاميتكي «(ملاحظات أدبية) ١٨٨٠م»، حوليات الوطن، ١٨٨٠م، العدد ٩).
٥٢  فيما بعد تعيد آنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا جزئيًّا ما ذكرته قبل ذلك في الفصل ٢، بداية العام ١٨٨٠م، الأمسيات الثقافية، زيارة المعارف.
٥٣  قرأ فيها فيودور ميخايلوفيتش مقطعًا من «الأنفس الميتة» (ملاحظة لآنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا).
٥٤  الإمبراطورة ماريا فيودوروفنا: زوجة القيصر ألكسندر الثالث.
٥٥  زلة قلم؛ لم تكن ماريا فيودوروفنا في هذا الوقت هي الإمبراطورة، تصف لوبوف دستويفسكايا في كتابها “Dostojewski, geschildert von seiner tochter” (München, 1920. s. 263-264)، في الفصل المعنون «صالون الأميرة تولستايا»، اللقاء الأول بالإمبراطورة الروسية القادمة: «بعد أن أنهى دستويفسكي قراءته، توجهت ماريا فيودوروفنا إلى السيدات اللائي قُمن على تنظيم الأمسية وأخبرتهن برغبتها في التحدث معه (دستويفسكي)، وعلى الفور أسرعن لتلبية طلبها. بداهة لم تكن النسوة على قدر كبير من الذكاء. كن يعلمن أن دستويفسكي رجل يميل بطبعة إلى الحذر والريبة، ومن ثم خشين أن يرفض طلب الأميرة، فقررن أن يدفعن به للمقابلة بشيء من الدهاء؛ اقتربن من أبي وقلن له، وقد علا وجوهَهن تعبيرٌ غامض، إن «شخصية على قدر كبير من الأهمية» تود لو تحدثت إليه عن قراءته.»
– «وما شأن هذه الشخصية الهامة؟» سألهن دستويفسكي مندهشًا.
– «سترى بنفسك … إنها جذابة للغاية … هيا معنا بسرعة!» هكذا أجابت النساء الشابات؛ وقد أحطن به ضاحكات ودفعن به معهن إلى صالون صغير. وبعد أن أدخلنه أغلقن الباب خلفه. كان دستويفسكي في دهشة من هذا السلوك الغامض. صالون صغير يلفه ضوء خافت صادر عن مصباح صغير، أسدلت الستائر على نوافذه، وإلى مائدة صغيرة جلست امرأة على نحو يفيض بالتواضع. لم يكن أبي في تلك الفترة من حياته يلتقي سوى بنساء تخطَّين سن الشباب. ألقى بالتحية على المرأة المجهولة كما اعتاد أن يلقي بها على أيٍّ من السيدات اللائي كان يقابلهن في صالونات معارفه، وحيث إنه ظن أن فتاتين عابثتين سمحن لأنفسهن أن يضللنه، فقد غادر الصالون من الباب المواجه. لا شك أن دستويفسكي كان على علم بوجود الأميرة في الأمسية، لكنه ظن أنها غادرت المكان، ولعله يكون قد نسي وجودها تمامًا بسبب شروده المعتاد. وبعد مرور ربع ساعة هُرِعت إليه النساء الشابات، اللائي كن قد أوصلْنه إلى باب الصالون الصغير.
سألنه بفضول: «ماذا قالت لك؟ ماذا قالت لك؟»
– «من هي؟» سألهن في دهشة.
– «من هي؟ الأميرة! بالطبع!»
– «الأميرة؟ وأين هي؟ لم أرها …»
قام س. ف. بيلوف بنشر فصل «صالون الأميرة تولستايا» باللغة الروسية للمرة الأولى في الجزء الخاص من «التراث الأدبي» المكرس لدستويفسكي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤