الجزء السابع

العامان ١٨٧٤-١٨٧٥م

١

العام ١٨٧٤م، الحبس، نكراسوف
كانت الأشهُر الأولى من عام ١٨٧٤م أشهرًا ثقيلة الوطء. كنا مضطرين للخروج من المنزل لقضاء الأعمال المتعلقة بمجلة «المواطن» في كل الأوقات. كان فيودور ميخايلوفيتش يواصل الجلوس ساعاتٍ طويلة قبيل صدور العدد الجديد في غرفة التصحيح شديدة الحرارة، حتى إنه كان يُصاب بالبرد من حينٍ لآخر، أما سعاله الذي بدأ خفيفًا، فقد تحوَّل إلى سعالٍ شديد وأصبح يُعاني من النهجان، وقد نصحه البروفيسور كوشلاكوف،١ بعد أن زاره زوجي، بالعلاج بالهواء المضغوط. أوصاه كوشلاكوف بالعلاج في مستشفى الدكتور سيمينوف (وكان يقع في شارع جاجارينسكايا)، حيث راح فيودور ميخايلوفيتش يجلس ساعتين تحت الكئوس ثلاث مراتٍ أسبوعيًّا. سرعان ما عاد عليه العلاج — بالهواء المضغوط — بالفائدة الكبيرة، على الرغم من أنه كان يستقطع منه وقتًا كبيرًا، إلى حدِّ أنه كان يفسد عليه يومه: كان عليه أن يستيقظ مبكرًا ليصل في الموعد المُحدد، ثم ينتظر المرضى الذين تأخروا في الحضور، وهؤلاء كانوا يجلسون معه تحت الكئوس وهلمَّ جرًّا. كل ذلك كان يُكدر كثيرًا من صفو زوجي.
ومن الأمور التي زادت آنذاك من عذاب فيودور ميخايلوفيتش، هو أنه يومًا وراء الآخر، لم يعد باستطاعته أن يذهب لقضاء يومي الحبس اللذَين حُكم عليه بهما في العام الماضي بسبب مقالته التي نشرها في «المواطن»،٢ وكان وراء ذلك التزامه بأعمال التحرير، ناهيك عن سوء حالته الصحية. أخيرًا اتفق زوجي مع المحامي كوني وتحدَّد موعد الحبس في النصف الثاني من مارس. وفي الحادي والعشرين من هذا الشهر حضر إلينا ضابط شرطة، وكان فيودور ميخايلوفيتش بانتظاره، وقد ذهبا معًا في البداية إلى المحكمة المحلية. وكان عليَّ أن أتوجَّه بعد ساعتَين إلى قسم الشرطة لأعرف على وجه اليقين في أي مؤسسةٍ سوف ينزل زوجي. وقد علمت أنه سوف يقيم في المخفر الموجود في ميدان سينايا (ميدان العلف وهو الآن معمل المدينة). على الفور ذهبت إلى هناك ومعي حقيبة صغيرة بها بياضات للفراش وبعض اللوازم. كان زمنًا يتَّسِم بالبساطة وسرعان ما سمحوا لي بالدخول إلى زوجي. وقد وجدتُ فيودور ميخايلوفيتش في حالة نفسية طيبة: بدأ يسألني عن الأطفال وما إذا كانوا قد أحسُّوا بالوحشة في غيابه وطلب منِّي أن أُقدم لهم بعض الهدايا وأن أخبرهم أنه مسافر إلى موسكو ليحضر لهم الألعاب التي يُحبونها. وفي المساء أحسستُ أن صبري قد نفد، فذهبت عائدةً مرة أخرى إلى زوجي، بعد أن وضعتُ الطفلَين في الفراش. كان الوقت متأخرًا فلم يسمحوا لي بالدخول ومقابلته، ولكنني أرسلتُ له مع الحارس فطيرة طازجة وخطابًا. كنتُ أشعر بالحزن الشديد لأنني لم أستطع أن أُبادله بعض الحديث، وأن أُطمئنه على الأطفال، حتى إنني وقفتُ أسفل نافذة المخفر (الأخيرة في حارة سباسكي) ورأيتُ زوجي جالسًا إلى المائدة وقد راح يقرأ كتابًا. وقفتُ خمس دقائق ثم نقرتُ بهدوء على النافذة، وعلى الفور قام زوجي ونظر من النافذة. وعندما رآني تبسَّم وبدت على وجهه أمارات المرح وراح يهزُّ رأسه. وفي هذه اللحظة اقترب منِّي الجندي المناوب فاضطررتُ أن أغادر المكان. ذهبتُ إلى أبوللون مايكوف (وكان يسكن غير بعيدٍ في شارع سادوف) وطلبتُ منه أن يزور زوجي غدًا. كان ودودًا للغاية حتى إنه أبلغ فسيفولد سولوفيوف بنبأ حبس زوجي، فسارع هذا لزيارة فيودور ميخايلوفيتش في اليوم التالي.٣ وفي اليوم الثاني ذهبت إلى زوجي مرتَين (ثم عدتُ إليه مرة ثالثة في المساء، وفي هذه المرة كان ينتظرني في النافذة)، أما في اليوم الثالث فقد قابلَنا أنا والأطفال بسرور بالِغ «بابا» الذي عاد «من موسكو»، وفي الطريق عرجنا على أحد المحال لشراء ألعاب للأطفال. عاد فيودور ميخايلوفيتش من الحبس مُغتبطًا وأخبرني أنه قضى يومَين رائعَين. كان رفيقه في الزنزانة أحد أصحاب الحرف، كان يقضي ساعاتٍ طويلة نهارًا نائمًا مما أتاح لزوجي أن يُعيد قراءة «البؤساء» لفيكتور هوجو،٤ وهو من الأعمال التي كان يُقدرها تقديرًا رفيعًا.

رائع أنهم حبسوني، قال زوجي بمرح، وإلَّا لما تمكنتُ مطلقًا من أن أُجدد انطباعاتي القديمة الرائعة عن هذا العمل العظيم.

في بداية عام ١٨٧٤م قرر فيودور ميخايلوفيتش أن يترك نهائيًّا العمل في تحرير مجلة «المواطن» (العدد الأخير باسمه في الخامس عشر من أبريل).٥
من جديد يجتذب العمل الإبداعي الخالص فيودور ميخايلوفيتش. ومن جديدٍ تتولَّد في رأسه أفكار وشخوص جديدة، وها هو يشعر بالحاجة لتجسيدها في رواية جديدة. كان مهمومًا، بطبيعة الحال، بمسألة أين سينشرها٦ في حالة ما إذا كانت «البشير الروسي» قد حصلت بالفعل على مادة لنشرها في العام القادم. وبصفة عامة كان زوجي، فوق ذلك، يشعر بالحرج دائمًا من عرض أعماله. وقد تكاتفت الظروف لتصنع نهايةً سعيدة لهذه المشكلة التي أرَّقتنا.

في صباح أحد أيام شهر أبريل، وفي الساعة الثانية عشرة، أعطتني الخادمة بطاقة تعارُف كُتب عليها «نيكولاي ألكسييفيتش نكراسوف» كنت أعلم أن فيودور ميخايلوفيتش قد ارتدى ملابسه وأنه في سبيله لمغادرة المنزل فورًا، فأسرعتُ بدعوة الضيف إلى غرفة الاستقبال ثم ذهبتُ فسلَّمت البطاقة إلى زوجي. وبعد خمس دقائق دعا فيودور ميخايلوفيتش ضيفَه إلى مكتبه معتذرًا له عن تأخُّره.

كنت مهتمة بشدة لحضور نكراسوف، صديق الشباب، ثم، فيما بعد، عدوه الأدبي. كنت أعلم أن صحيفة «المعاصر»٧ كانت تشتم فيودور ميخايلوفيتش في الستينيات، عندما كانت «الزمن» و«العصر» تصدران، وحتى في السنوات الأخيرة لم ينقطع الهجوم المرير مرةً واحدة في المجلة من جانب ميخايلوفسكي٨ وسكابيتشيفسكي٩ ويليسييف١٠ وغيرهم.١١ كنت على علمٍ أيضًا أن فيودور ميخايلوفيتش منذ عودته من الخارج، لم يلتقِ في أي مكان بنكراسوف ومن ثم فإن زيارة نكراسوف لنا لا بد وأن لها أهمية مُحددة. كان فضولي هائلًا إلى حدِّ أنني حسمتُ أمري وقررتُ الوقوف خلف باب غرفة المكتب المؤدي إلى غرفة الطعام. كانت سعادتي بالغةً عندما سمعت نكراسوف وهو يدعو زوجي للانضمام للعمل معه ويطلب منه روايةً لنشرها في العام القادم في «حوليات الوطن»١٢ ويعرض عليه مائتين وخمسين روبلًا للملزمة، وكان فيودور ميخايلوفيتش يتقاضى آنذاك مائة وخمسين روبلًا.
عندما رأى نكراسوف حالتنا شديدة التواضع فإنه فكر، على الأرجح، أن فيودور ميخايلوفيتش سيكون سعيدًا للغاية لهذه الزيادة في الأجر، وأنه سوف يوافق على الفور. لكن فيودور ميخايلوفيتش قال له، بعد أن شكره على عرضه: نيكولاي ألكسييفيتش، ليس باستطاعتي أن أردَّ عليك بالإيجاب لسببَين: أولًا: يجب على أن أكتب إلى «البشير الروسي» وأن أسألهم إن كانوا بحاجةٍ إلى روايتي؟ فإذا كانت لديهم مادة للعام القادم عندئذٍ أكون حرًّا وأستطيع أن أعدك برواية. لقد عملتُ زمنًا طويلًا في «البشير الروسي»، وكان كاثكوف١٣ يستجيب لمطالبي باهتمامٍ محمود، وسوف يكون من غير اللائق من جانبي أن أتخلَّى عنهم بألَّا أعرض عليهم عملي. وسوف يتضح الأمر في خلال أسبوع أو أسبوعَين. كما أنني أرى أن من الضروري أن أُنبهك، نيكولاي ألكسييفيتش، أنني أتقاضى مبلغًا مُقدمًا من إجمالي أجري، وهذا المُقدَّم يكون في حدود ألفين أو ثلاثة آلاف روبل.

وقد أعلن نكراسوف قبوله التام، ثم أردف زوجي قائلًا: والمسألة الأخرى هي أن أستمع لرأي زوجتي في اقتراحكم. إنها بالبيت الآن وسوف أسألها في الأمر.

خرج فيودور ميخايلوفيتش قادمًا إليَّ.

وهنا وقع أمر مُضحك؛ فعندما جاء زوجي إليَّ أخبرته في لهفة: ولماذا تسألني؟ وافِق يا فيديا، وافِق على الفور.

– أوافق على ماذا؟ سألني بدهشة.

– أوه، يا ربي! على عرض نكراسوف.

– وكيف علمتِ بعرضه؟

– لقد سمعت حديثكما كله، لقد كنت واقفةً وراء الباب.

– إذن كنتِ تتنصتين! ألا تشعرين بالخجل يا آنيتشكا؟ صاح فيودور ميخايلوفيتش بمرارة.

– لا شيء يدعو للخجل! أنت لا تُخفي عنِّي أسرارًا، وعلى أية حال كنتَ ستُخبرني حتمًا بذلك. حسنًا، ما أهمية أن أتنصَّت، إنها أمور تخصُّنا معًا ولا تخصُّ غيرنا.

لم يكن أمام فيودور ميخايلوفيتش إلا أن يصمت أمام منطقي.

بعد أن عاد فيودور ميخايلوفيتش إلى مكتبه قال لنكراسوف: لقد تفاوضتُ مع زوجتي وهي سعيدة للغاية أن روايتي ستظهر في «حوليات الوطن».

يبدو أن نكراسوف لم يكن راضيًا على نحوٍ ما أن الأمر بحاجة إلى موافقتي فقال: لم أكن أتصور إطلاقًا أن زوجتك قد «طوتك تحت جناحها».

– وما وجه العجب هنا؟ أجاب فيودور ميخايلوفيتش مُعترضًا. إننا نعيش معًا في تفاهُم تام، وقد فوَّضتُها في كل شئوني، وأنا أثق في ذكائها ونزعتها العملية. كيف لا أسألها إذن النصيحة في هذا الأمر الذي يُهم كلَينا؟

– حسنًا، نعم، بطبيعة الحال فإنني أفهم … أجاب نكراسوف ثم انحرف بالحديث إلى موضوعٍ آخر. غادرنا نكراسوف بعد حوالي عشرين دقيقة بمشاعر وديةٍ وطلب منه زوجي أن يُحيطه علمًا فور تلقِّيه ردًّا من «البشير الروسي».

وحتى يستوضح فيودور ميخايلوفيتش مسألة الرواية في أسرع وقتٍ مُمكن قرر أن يستعيض عن الكتابة إلى «البشير الروسي» بالسفر إلى موسكو والذهاب مباشرةً إلى هناك في نهاية أبريل. بعد أن استمع كاتكوف إلى عرض نكراسوف، وافق أن يُخصِّص لزوجي نفس السعر، ولكن عندما طلب زوجي منه أن يُعطيه مقدمًا في حدود ألفي روبل، أخبره كاتكوف أنهم قد أنفقوا لتوِّهم مبالِغ طائلة للحصول على أحد الأعمال (رواية «آنَّا كارنينا») وأن هيئة التحرير عاجزة عن توفير أموال في الوقت الحالي. وهكذا ذهبت الرواية إلى نكراسوف.

٢

العام ١٨٧٤م، السفر إلى الخارج
قضى فيودور ميخايلوفيتش شهر مايو مع العائلة في ستاريا روسا، وفي الرابع من يونيو سافر إلى بطرسبورج ليسافر بعدها، بناءً على نصيحة البروفيسور كوشلاكوف، للعلاج في إمْس.١٤ في بطرسبورج راح الأمير ميشيرسكي وأحد أقاربه يقنعان زوجي بالذهاب إلى سودين١٥ بدلًا من إمس. وهي نفس النصيحة التي أعطاها له الدكتور بريتسل١٦ الذي كان يعالجه دائمًا. كان لهذه النصائح المُلحة أثر كبير في ارتباك فيودور ميخايلوفيتش، ومن ثَم قرر أن يطلب النصيحة في برلين من الطبيب البارز هناك البروفيسور فريوريخس،١٧ وما إن وصل إلى برلين حتى توجه إليه على الفور. لم يتجاوز الفحص دقيقتين وضع الطبيب فيهما سماعته على صدره، وبعدها مباشرة أعطاه عنوان الطبيب جوتنتاج في إمس، واقترح أن يتوجه إليه. وقد شعر فيودور ميخايلوفيتش بالامتعاض الشديد نتيجةَ عدم الاهتمام من جانب الطبيب الألماني الشهير، وهو الذي اعتاد على الرعاية الدقيقة من جانب الأطباء الروس.
وصل فيودور ميخايلوفيتش إلى برلين في التاسع من يونيو، ولما كانت جميع البنوك مغلقة، فقد توجه إلى المتحف الملكي ليشاهد أعمال الفنان كاولباخ١٨ الذي كثر الحديث والكتابة عنه. لم تنل أعماله إعجاب فيودور ميخايلوفيتش؛ فقد رأى فيها مجازًا بارزًا لا أكثر.١٩ لكن لوحات المتحف الأخرى، وبخاصة لقدامى الفنانين، تركت أثرًا ممتازًا على زوجي، وقد عبر عن أسفه لأننا لم نشاهد معًا — إبان زيارتنا الأولى لبرلين — هذه الكنوزَ الفنية.
وفي برلين اضطر فيودور ميخايلوفيتش للطواف بالمحلات لشراء شال أسود من الكشمير، مثل الذي اشتراه لي من درزدن؛ بناءً على طلب صاحبة الداتشا التي نقيم بها. وقد نجح فيودور ميخايلوفيتش في إنجاز المهمة التي كُلف بها واشترى شالًا رائعًا وبسعر مناسب نسبيًّا. أنتهز هذه الفرصة لأقول إن لزوجي ذوقًا رفيعًا في اختيار الأشياء، وكانت كل مشترواته خالية من العيوب. قطع فيودور ميخايلوفيتش الطريق من برلين وهو يشاهد، بإعجاب، المناظر الطبيعية الخلابة. وقد كتب لي يقول: «كل ما أراه رائع، لطيف، خيالي. يحتوي المنظر الطبيعي على أجمل ما في الكون، الوهاد، الجبال، القلاع، مدن مثل ماربورج وليمبورج بأبراجها الفاتنة، هذا التناغم المدهش بين الجبال والوديان. أشياء لم أشاهد مثلها من قبل. هكذا استمر الحال حتى وصلت إلى إمس نفسها في صباح يوم صحو، مشمس وحار.٢٠ راح فيودور ميخايلوفيتش بفرح بالغ يصف جمال إمس، هي نفسها التي أصبحت بعد ذلك (نتيجة إحساسه بالسأم والوحدة) مصدرًا لانطباعاته المؤلمة.

بعد أن توقف فيودور ميخايلوفيتش في أحد الفنادق، توجه في نفس يوم وصوله إلى الدكتور أورت، حاملًا له خطابًا من الدكتور بريتسل. وقد قام أورت بفحصه فحصًا دقيقًا، وتوصل إلى أنه يعاني نزلة شُعبية عابرة، لكنه أخبره أن المرض جِدُّ خطير، فكلما تطور قلَّت القدرة على التنفس، ووصف له شراب الماء ووعده بالشفاء الأكيد بعد استمرار العلاج لمدة أربعة أسابيع.

وفي اليوم نفسه نجح زوجي، بعد بحث طويل، في العثور على غرفتين في الطابق الثاني في منزل يقع في شارع Haus Blucher رقم ٧ بإيجار اثني عشر طالرًا في الأسبوع. وبالإضافة إلى ذلك ثم الاتفاق مع صاحبة النزل على إضافة طالر ونصف مقابلَ قهوة الصباح والغداء والشاي وعشاء خفيف.
كتب لي فيودور ميخايلوفيتش يصف كيف يقضي وقته بقوله: «أقرأ بوشكين فقط، وتغمرني قراءته بفيض من السعادة؛ كلَّ يوم أجد شيئًا جديدًا.» وفي الخطاب نفسه (٢٨ يونيو) يخبرني زوجي أنه «قابل مساءَ أمسِ للمرة الأولى، في أثناء نزهته، الإمبراطور فيلهلم: طويل القامة، عجوز، مَهيب الطلعة. هنا يقف الجميع (بما فيهم السيدات) يرفعون القبعات وينحنون، أما هو فلا ينحني لأحد، وأحيانًا ما يكتفي بالإشارة بيده. أما قيصرنا فهو، على العكس من ذلك، ينحني للجميع، وهو ما يقدِّره له الألمان تقديرًا رفيعًا. وقد حكى لي بعضهم أن الألمان والروس يسعون جاهدين لأن يوجَدوا في طريقه على نحوٍ ما وأن يتجمعوا أمامه.»٢١
ما إن مر أسبوع واحد حتى بلغ الحنين للأسرة لدى فيودور ميخايلوفيتش مبلغًا كبيرًا، وهو الذي لم يعتَدْ من قبلُ على فراقها، اللهم إلا لفترة قصيرة، وكان بإمكانه عندئذٍ أن يعود إليها سريعًا عند أي ظرف طارئ. ازداد حنينه أيضًا نتيجة لأن خطاباتي لم تكن تَصِله في موعدها، وإنما كانت تصل متأخرة بشكل ملحوظ في غير الموعد الذي كان يتوقعها فيه زوجي. ولمعرفتي بمدى القلق الذي يمكن أن يعانيه، كنت أحمل خطاباتي وأذهب بها بنفسي إلى مكتب البريد، وفي كل مرة أطلب من المدير إرسالها على وجه السرعة. وكنت أحضر إليه لأريه خطابات زوجي التي شكا فيها من تباطؤ مكتب بريد ستاريا روسا في إرسالها، وأرجوه ألا يؤخر مراسلاتنا، لكن جهودي ذهبت سُدًى؛ كانوا يستبقونها في روسا يومين أو ثلاثة، إلى أن علمتُ في ربيع عام ١٨٧٥م فقط سببَ هذا التأخير.٢٢
بعد إقامة دامت ثلاثة أسابيع في Haus Blucher، حيث راحت صاحبة النزل تخطئ في حساباتها، بل وفكرت في نقل زوجي إلى الطابق الأعلى، انتقل زوجي إلى Hotel Ville d’Alger في الرقم ٤-٥، وقد سعد بالإقامة في هاتين الغرفتين للغاية، فقد كانتا تقعان في طابق مرتفع، وكانت لهما شرفة تظل مفتوحةً حتى وقت متأخر من المساء.
وفي إمس كان لفيودور ميخايلوفيتش بضع معارف من الروس. كان يكنُّ لهم شعورًا بالمودة. وقد التقى هناك، على سبيل المثال، بكوبليتسكي٢٣ وشتاكينشنايدر والسيد X والأميرة شاليكوفا،٢٤ التي كان يقابلها عند كاتكوف. وقد ساعدت هذه العجوز الطيبة فيودور ميخايلوفيتش في الصبر على مَلل الوحدة بمعاملتها المرحة الودودة. وأنا ممتنة لها بشدة على هذا الجميل. لقد اشتد السأم بزوجي أيضًا لحرمانه من متعة النزهات الكبيرة التي اعتاد القيام بها (مرتين في اليوم). كان من السخف بالطبع أن يتنزه في حديقة صغيرة وسط جمْعٍ كبير من الناس يتدافعون في سيرهم، وفي الوقت نفسه لم يكن بمقدوره أن يصعد إلى الجبل لسوء حالته الصحية. كان يفكر في قلق كيف سنقضي شتاء هذا العام. نفِد المقدم المالي الضخم الذي أخذناه من نكراسوف: جزء ذهب في سداد الديون العاجلة، والجزء الآخر ذهب في تغطية نفقات رحلة زوجي. لم يكن مقبولًا أن نطلب مبلغًا آخر مقدمًا دون أن نسلم الرجل ولو جزءًا من الرواية. كل هذه الظروف مجتمعةً تركت أثرًا سيئًا على زوجي، لقد توترت أعصابه (وربما كان لشرب الماء أثره في ذلك أيضًا) وذاع صيته بين الناس باعتباره الروسي «السودوي» الذي يتلو على الجميع مواعظه.٢٥ كانت خطاباتي وحكايتي عن الأطفال وكلامهم تهدِّئ من روع زوجي كثيرًا. كتب لي خطابًا مؤرخًا الحادي والعشرين من يوليو، يقول فيه: «إن الطرائف التي تحكيها لي يا آنيا عن الأطفال؛ تجدِّد روحي ببساطة وتُشعِرني أنني بينكم.» وفي نفس الخطاب يذكِّرني فيودور ميخايلوفيتش بنقص في تربية صغارنا، حين يقول: «ليس لديهم أصحاب، صديقات ورفاق، صغار في مثل سِنِّهم.» وفي حقيقة الأمر كان قليل جدًّا مِن بين معارفنا مَن لديهم أطفال في عمر أطفالنا، إلى أن جاء فصل الصيف ووجد أطفالنا أصدقاءَ لهم مِن بين أفراد عائلة الأب يوحنا روميانتسيف.

وعندما كنا نخطط لرحلة فيودور ميخايلوفيتش إلى الخارج في الربيع، رأينا، أنا وزوجي، أنه بانتهاء مرحلة العلاج، عليه أن يذهب ليعيش في مكانٍ ما يكون بمثابة علاج إضافي له، فإذا ما توافرت لنا نقود فليذهب عندئذٍ ويلقي نظرةً على باريس. وقد خطرت ببالي فكرة إرسال خمسين روبلًا لشراء قطعة قماش من الحرير الأسود من باريس، تَلزمني لعمل ثوبِ سهرة للظهور به في بعض المناسبات الضرورية. أثار إرسال النقود دهشة زوجي، ولما كان تحت تأثير إحدى النوبات فقد وبَّخني على ذلك. لكن فكرة تحقيق رغبتي لم تفارقه، وقد طاف بمدينة برلين على العديد من المحالِّ إلى أن أحضر لي قطعةً رائعة من الحرير. وعلى الرغم من أنه عرض مشترواته على موظفي الجمرك، فإن هؤلاء لم يولوا اهتمامًا بها، وأصرُّوا على فحص كل ما لديه من كتب وأوراق، ربما يجدون فيها شيئًا محظورًا.

لم يكن لدى فيودور ميخايلوفيتش ما يكفيه من المال للسفر إلى باريس. وفي الوقت نفسه لم يكن يستطيع أن يقاوم الرغبة المخلصة لديه في أن يزور مرةً أخرى في حياته مقبرة ابنتنا الكبرى سونيا، والتي كانت ذكراها متَّقدةً في قلبه، فذهب إلى جينيف ليزور جبَّانة Plainpalais للأطفال مرتين. ومن هناك أحضر لي بضعة أغصان من شجرة السرو التي نمَت على مدى ست سنوات فوق النصب الذي أقيم فوق قبرها.

وفي العاشر من أغسطس تقريبًا عاد فيودور ميخايلوفيتش إلى روسا، بعد أن قضى يومين أو ثلاثة في بطرسبورج قبيل عودته.

٣

العامان ١٨٧٤–١٨٧٥م … صيف وشتاء في ستاريا روسا
في خطاباته التي أرسلها إليَّ في صيف ١٨٧٤م، يعود فيودور ميخايلوفيتش إلى الفكرة التي كانت تؤرقه دائمًا، حول أننا سنضطر أن نعيش حياةً شاقةً في المستقبل القريب.٢٦ وفي الواقع كان وضعنا يدفعنا أن نفكر أننا سنظل دائمًا نعاني من سوء أحوالنا المادية.

ذكرت من قبلُ أن نكراسوف زارنا في أبريل يطلب من فيودور ميخايلوفيتش أن ينشر روايته الجديدة في «حوليات الوطن» في عام ١٨٧٥م. كان زوجي سعيدًا لإعادة علاقات الصداقة من جديد مع نكراسوف، هذه الموهبة التي كان يقدِّرها، وكنا، كلانا، سعداء أيضًا لأن نكراسوف عرض سعرًا يزيد مائة روبل عما كان زوجي يتقاضاه في «البشير الروسي».

لكن الأمر كان له جانبه الصعب بالنسبة لفيودور ميخايلوفيتش، ﻓ «حوليات الوطن» كانت مجلة تقف في المعسكر المضاد له؛ بالإضافة إلى أنها كانت منذ زمن غير بعيد، إبان قيام زوجي بتحرير مجلتَي «الزمن» و«العصر»، تشنُّ حربًا شعواءَ ضد هاتين المجلتين،٢٧ وكان من بين محرري «الحوليات» عدد من أعداء فيودور ميخايلوفيتش الأدبيين: ميخايلوفسكي، وسكابيتشيفسكي، ويليسييف، وبليشييف جزئيًّا،٢٨،٢٩ وهؤلاء كان بإمكانهم أن يطلبوا من زوجي إدخال تعديلات على روايته لتلائم توجهاتهم. لكن فيودور ميخايلوفيتش لم يكن ليتخلى بحال من الأحوال عن قناعاته الجذرية. بدورها، كان بإمكان «حوليات الوطن» ألا تنشر آراء زوجي المختلفة، وعندئذٍ كان بإمكان فيودور ميخايلوفيتش، عند أول بادرة خلاف، أن يستعيد، بلا شك، روايته، مهما كلفنا الأمر من عواقب وخيمة.
في خطابه المؤرخ ٢٠ من ديسمبر ١٨٧٤م، كتب لي، وقد ساورتْه المخاوف بسبب هذه الأفكار، يقول: «الآن يمكن لنكراسوف أن يضغط عليَّ، إذا ظهر شيء مخالف لتوجهاته … ولكن حتى لو اضطررنا لطلب الصدقة هذا العام، فإنني لن أتنازل عن سطر واحد يعبر عن توجهاتي.٣٠
ما الذي كان علينا أن نفعله في حالة وقوع خلاف بيننا وبين «حوليات الوطن»؟ كانت هذه الفكرة تؤرق كلينا إلى حد كبير. ناهيك عن التفكير فيما إذا اضطررنا لرد المقدم المالي على الفور، وقد أنفقنا جزءًا كبيرًا منه، عندئذٍ سيصبح الدفع الفوري أمرًا بالغ الصعوبة. وفضلًا عن ذلك، كانت هناك فكرة أخرى تُلحُّ علينا؛ وهي من أين لنا أن نحصل على نقود يمكن أن نعيش بها إلى أن ينجح فيودور ميخايلوفيتش أن يؤلف روايته؟ لم يكن أمامنا سوى «البشير الروسي»؛ المجلة الوحيدة آنذاك التي كان من الممكن لزوجي العمل فيها، والتي كانت آراؤها تتفق وآراءه.٣١

وصلت إلى فكرة — من بين أفكار مختلفة نتجنب بها الفشل المتوقع — تقليل نفقات أسرتنا (بقدر المستطاع)، فعلى الرغم من أننا كنا نعيش على نحو متواضع للغاية، فقد كنا ننفق سنويًّا، بخلاف ما نسدده من الديون التي أثقلت كاهلنا — فضلًا عن فوائدها — ما لا يقل عن ثلاثة آلاف روبل، فقد كانت شقتُنا وحدها (وكانت دائمًا شقة متواضعة) تكلِّفُنا ما بين سبعمائة وثمانمائة روبل، تصل إلى ألف بحطب التدفئة.

من هنا خطرت ببالي فكرة أن نقيم في الشتاء في روسا، وبخاصة أننا، أنا وزوجي، قررنا بشكل قاطع أن نعود من جديد في الربيع القادم إلى روسا؛ حيث يستفيد أطفالنا كثيرًا من استحمامهم في مياهها. لقد كانت الإقامة في العاصمة تستمر لمدة ثمانية/تسعة أشهر، يضيع منها شهر ونصف، شهران على الأرجح، ما بين بحث عن شقة ثم تجهيزها. أما الربيع فنقضيه في الاستعداد للرحيل مرةً أخرى. كل هذا الوقت كان من الممكن أن يستغله فيودور ميخايلوفيتش في العمل، وكان يدرك جيدًا إمكانية الانتهاء من الرواية بأقصى سرعة؛ حتى يتمكن من البدء في تحقيق حلمه المنشود، وهو إصدار مجلته المستقلة تحت اسم «مذكرة الكاتب».

كانت أسعار المؤن في ستاريا روسا أرخص من مثيلاتها في بطرسبورج ثلاث مرات، ناهيك عن رخص الشقق فيها، كما أن نفقاتنا الأخرى في روسا كانت أقل بكثير من النفقات الضرورية في العاصمة.

وخلافًا للحسابات المادية، فقد كان قضاء الشتاء بأكمله في هدوء وسلام، والاستمتاع بالحياة العائلية الهانئة، التي كنا نحياها دائمًا في فصل الصيف؛ أمرًا شديد الإغراء بالنسبة إليَّ شخصيًّا، فقد كنا نتذكر هذه الأوقاتَ دائمًا بشعور طيب عندما يَدهَمُنا الشتاء.

قليلًا ما كان فيودور ميخايلوفيتش ينضم إلى الأسرة في فصول الشتاء، حيث كان عليه أن يظهر في مجتمعات بطرسبورج في هذه الآونة، وأن يحضر اجتماعات الجمعية الخيرية السلافية، التي كان عضوًا فيها٣٢ منذ عام ١٨٧٢م.

اضطررت لتحمل مزيد من الأعباء، بينما أبعدت المشاغل فيودور ميخايلوفيتش عني وعن الأطفال، الذين اضطر بدوره لقضاء وقت أقل معهم، وهم الذين كان تَواصلُهم معه يمثل له السعادة الكبرى. كان بقاء الصغار في ستاريا روسيا يجنِّبنا العديد مما يعكر صفو حياتنا العائلية.

بعد أن استقر قراري على العودة لقضاء الشتاء في روسا، عقدت العزم على البحث عن شقة هناك؛ إذ لم يعد من الممكن البقاء شتاءً في الداتشا التي يملكها جرِيبي لأسباب عديدة. لم يكن العثور على شقة رحبة في روسا بالأمر الصعب، كانت الداتشات التي تؤجر مقابل ثلاثمائة/أربعمائة روبل في الموسم تخلو من سكانها في الشتاء؛ ولهذا كان أصحابها يؤجرونها مقابل خمسة عشر/عشرين روبلًا في الشهر. ولكنني لم أكن لأقطع أمرًا دون فيودور ميخايلوفيتش، كان بإمكانه العثور على شقة مناسبة عند مروره ببطرسبورج، ومن ثم يصبح قضاء الشتاء في روسا أمرًا هينًا.

إلى روسا عاد فيودور ميخايلوفيتش في نهاية يوليو، بعد أن قضى في بطرسبورج يومين/ثلاثة، لم ينجح في العثور على شقة، ولم يحاول أن يجدَّ في البحث عنها؛ إذ كان متلهفًا للقاء الأسرة، فعاد أدراجَه إلينا بسرعة.

مضت عدة أيام على عودته، وإذا بنا نعرِّج بالحديث إلى موضوع الشقة الشتوية وعن موعد مغادرتنا روسا، وعندئذٍ قلت بصيغة الاقتراح: حسنًا، وماذا لو بقينا في روسا؟

قوبل اقتراحي برفض قاطع من جانب فيودور ميخايلوفيتش. وكانت حجته في الرفض مفاجِئة، وإن تضمنت في الوقت نفسه إطراءً شديدًا لي. راح زوجي يتحدث عن شعوره بالوحشة في روسا، وكم عانينا من الوحدة طوال الصيف الماضي.

– طوال فصول الشتاء الماضية، قال زوجي: لم تذهبي إلى أي مكان، ولم تُتَحْ لكِ أي فرصة للاستمتاع؛ في هذا الشتاء العمل، والحمد لله، يسير على ما يرام، وستتوفر لنا نقود أكثر، عندئذ يمكن أن تجهزي لنفسك ثيابًا أنيقة، وسوف نغشى معًا المجتمعات. هذا ما قررته بشكل حاسم. سوف تذبلين تمامًا هنا في روسا!

رحت أسعي لإقناع فيودور ميخايلوفيتش أن الشتاء القادم سيكون مليئًا بالعمل، وأن علينا أن نواصل العمل لإنهاء «المراهق»، ومن ثم لا مجال عندي للتفكير في الأناقة أو التسلية.

– هذه أشياءُ لا تلزمني على الإطلاق، إن الهدوء والسكينة العائلية التي لا تعكر صفوها مفاجآت الحياة، التي نعيشها هنا، أهمُّ وأغلى عندي من كل ما عداها.

قلت له إن ما أخشاه فقط هو أن يتسرب إلى نفسه السأمُ في روسا؛ نتيجة ابتعاده عن المجتمع المناسب له. لكن حتى هذا الأمر المحزن يمكن التغلب عليه بأن يسافر مرة/مرتين في الشتاء إلى بطرسبورج، فيلتقي هناك بمعارفه وأصدقائه الأعزاء. وهذه السفريات التي سيقوم بها وحده لن تكلفه الكثير، كما أنها ستمكِّنه من أن يجدد انطباعاته دون أن تأخذه بعيدًا عن اهتماماته الأدبية والفنية. أعددت لزوجي كلَّ أسباب الراحة، المادية وغيرها، كي أُغريَه بقضاء الشتاء هنا في روسا. وقد أُعجب زوجي بالصورة التي رسمتها له لحياة أسرية هانئة مطمئنة، يمكن له أن يتفرغ فيها كليةً لإبداعه. على أن فيودور ميخايلوفيتش ساورَه الشكُّ في إمكانية العثور على شقة دافئة رحبة، عندئذٍ اقترحت على زوجي، في نفس اليوم ونحن نتنزه، أن نذهب معًا إلى روسا لبضعة أيام تكون داتشا الأدميرال ليونتيف٣٣ قد تم إخلاؤها؛ لنُلقي نظرةً عليها، وقد حسمت هذه الزيارة الأمر نهائيًّا، لقد حازت الشقة القائمة في الطابق الأسفل للداتشا إعجاب فيودور ميخايلوفيتش الشديد. كانت داتشا ليونتيف تقع في شارع إيلينسكايا الحيوي، وهي عبارة عن بيت كبير٣٤ من طابقين يؤجَّر (الطابقان العلوي والأرضي) مقابل ثمانمائة روبل في الموسم. كانت شقتنا المختارة مكونةً من ست غرف، كانت لاستخدام صاحب البيت. ويعود إعجاب زوجي بها إلى أن غُرَفها (النوم والمكتب) تفصلها عن النصف الخاص بنا غرفة كبيرة لها أربعة نوافذ. وبفضل ذلك لا يصل ضجيج الأطفال أو ركضهم إلى فيودور ميخايلوفيتش، فلا يقطع عليه عمله أو نومه، بل ويجعل الأطفال على سجيَّتهم (وهو ما كان زوجي حريصًا عليه دائمًا)، وبذلك يستطيعون الصياح وإحداث جلبة كما شاءوا.

تحدثنا على الفور مع السيدة التي تتولى شئون المنزل، وأجَّرنا الشقة في الخامس عشر من مايو من العام التالي، على أن ندفع خمسة عشر روبلًا في الشهر. وحتى لا نُضيع الوقت المخصص للعمل، قررنا الانتقال بسرعة وتهيئة المكان لقضاء الشتاء به.

يحتل شتاء عامَي ١٨٧٤-١٨٧٥م، الذي قضيناه في ستاريا روسا، مكانة رائعة في سجل ذكرياتي. كان الأطفال يتمتعون بصحة جيدة، ولم يضطرونا مرةً واحدة لاستدعاء الطبيب، وهو ما كان يحدث مرارًا عندما كنا نعيش في العاصمة. وكذلك كان الحال بالنسبة لفيودور ميخايلوفيتش الذي تحسنت صحته كثيرًا فظهرت عليه النتائج الإيجابية للعلاج في إمس: قلَّ السعال وأصبح تنفسه أعمق. وبفضل الحياة الهادئة المنظمة وغياب كافة المفاجآت السخيفة (التي كانت تتكرر كثيرًا في بطرسبورج) تحسنت أيضًا أعصاب زوجي، وندَرت نوبات الصرع التي كانت تصيبه، وتراجعت حدتها بشكل ملحوظ، ونتيجة لذلك كان فيودور ميخايلوفيتش نادرًا ما يغضب أو يثور، وكان طيبًا مرحًا ميالًا دائمًا للحديث والثرثرة. لم يكن مرضه المزمن، الذي كان سببًا في وفاته بعد ست سنوات،٣٥ قد تطور بعد، فلم يكن يعاني من ضيق التنفس؛ ولهذا كان يسمح لنفسه أن يجري ويلعب مع الأطفال. ما زلت أتذكر أنا وأطفالي وأصدقاؤنا في ستاريا روسا، كيف كان فيودور ميخايلوفيتش يلعب مع الأطفال في المساء على ألحان الأرغن اليدوي الصغير (البيانولا)٣٦ ثم يروح يرقص المازوركا.٣٧ كان زوجي يحب المازوركا بوجه خاص، وكان يرقصها، إحقاقًا للحق، بشجاعة وحماش شديد وكأنه «بولندي حقيقي»، وقد كان في غاية السعادة عندما أخبرته برأيي ذات مرة.

كانت حياتنا اليومية في ستاريا روسا مقسمة على عدد من الساعات، وقد راعينا ذلك بدقة صارمة. كان زوجي يعمل في الليل ولا يستيقظ قبيل الحادية عشرة. وعندما يخرج من غرفته لتناول القهوة، كان ينادي على الأطفال فيُهرَعون إليه في سرور، ويحكون له كل ما حدث لهم هذا الصباح، وكل ما شاهدوه في نزهتهم. وكان فيودور ميخايلوفيتش يتأملهم في سعادة ويشاركهم حديثهم المفعم بالحيوية والبهجة. لم أشاهد من قبلُ ولا من بعدُ إنسانًا عطوفًا مثل زوجي، بإمكانه أن ينفُذ إلى ما في عقول الأطفال، وقادرًا على تسليتهم بحديثه إليهم. في هذه السويعات كان فيودور ميخايلوفيتش يتحول هو نفسه إلى طفل.

كان فيودور ميخايلوفيتش يدعوني للحضور إلى مكتبه بعد الظهر ليُملي عليَّ ما تسنَّى له كتابته في أثناء الليل. كان عملي مع فيودور ميخايلوفيتش يمثل لي متعةً كبيرة دائمًا، وعن نفسي فقد كنت فخورةً بشدة أنني أساعده وأنني أول من يستمع من القرَّاء إلى الرواية من فم المؤلف.

كان فيودور ميخايلوفيتش يملي عليَّ الرواية عادةً من المخطوطة مباشرة. فإذا لم يكن راضيًا عن عمله أو كان لديه شك فيه، فقد كان يقرأ عليَّ ما كتبه دفعةً واحدة قبل الإملاء. وهنا يتولد لديَّ انطباع أقوى من الإملاء العادي.

٤

الإملاء

وبالمناسبة، سوف أذكر هنا بضع كلمات عن الإملاء.

كان فيودور ميخايلوفيتش يعمل دائمًا بالليل، عندما يسود البيتَ الهدوءُ التام، وعندئذٍ لا يقطع حبلَ أفكاره أيُّ شيء. وكان يملي عليَّ ما كتب من الثانية ظهرًا وحتى الثالثة، وما زلت أتذكر الساعاتِ باعتبارها أسعد ساعات حياتي.

إن الاستماع إلى عمل جديد من شفاه الكاتب الذي أحببته، بهذه النبرات التي يلون بها كلمات أبطاله؛ كان قدرًا سعيدًا بالنسبة إليَّ. كان زوجي يتوجه لي بالسؤال فور أن ينهي إملاءه قائلًا: حسنًا، ما رأيك يا آنيتشكا؟

– رأيي أنها رائعة! بهذا كنت أجيبه. لكن هذه «الرائعة» كانت تعني بالنسبة إلى فيودور ميخايلوفيتش أن المشهد الذي أملاه عليَّ بعد أن نجح في عمله لم يترك لديَّ، ربما، أثرًا خاصًّا. وكان زوجي يولي انطباعاتي الشخصية اهتمامًا كبيرًا. ودائمًا ما كان يحدث على نحوٍ ما أن صفحات الرواية التي تركت لديَّ انطباعًا طيبًا أو كان أثرها محزنًا على نفسي، كانت تترك على غالبية القراء نفس الانطباع؛ الأمر الذي كان يتحقق منه زوجي من خلال أحاديثه مع القراء أو يعرفه من أحكام النقاد.

كنت أسعى أن أكون مخلصة في حديثي، وألا يكون هذا الحديث مجرد مديح أو إعجاب لا أشعر به حقيقة، وكان زوجي يقدِّر إخلاصي تقديرًا رفيعا. بطبيعة الحال لم أكن لأخفي انطباعاتي أحيانًا. أذكر كيف ضحكت عند قراءة أحاديث السيدة خوخلاكوفا أو الجنرال في رواية «الأبله»، وكيف مازحت زوجي بشأن المدعي العام في «الإخوة كارامازوف».

– أوه! خسارة أنك لم تكن مدعيًا عامًّا! إذن لاستطعت بخطابك أن ترسل بريئًا إلى سيبيريا.

– إذن في رأيك أن خطاب المدعي العام قد حقق نجاحًا، سألني فيودور ميخايلوفيتش.

– لقد نجح نجاحًا باهرًا — قلت مؤكدة — ولكن على أي حال يؤسفني أنك لم تكن واحدًا من القضاة! كنت ستصبح جنرالًا، وكنت سأصبح جنرالًا لا ملازمًا ثانيًا متقاعدًا.

عندما كان فيودور ميخايلوفيتش يملي عليَّ خطاب فيتيوكوفيتش،٣٨ ثم توجَّه إليَّ بعده بسؤاله المعتاد: «ما رأيكِ يا آنيتشكا؟» أذكر أنني قلت له: والآن أقول لك لماذا لم تعمل بالمحاماة يا عزيزي! إذن لبرَّأتَ المتهم الحقيقي ولَخرج من القضية ناصعًا كالثلج، أما فيتيوكوفيتش فقد صورته على نحو رائع!

وفي مرة أخرى بكيت. أذكر ذلك عندما أملى عليَّ زوجي مشهد عودة أليوشا مع الأطفال بعد دفن إيليوشتشكا، كنت في حالة شديدة من التوتر، لدرجة أنني كنت أكتب بيدٍ وأمسح عن عينيَّ دموعي باليد الأخرى، وعندما لاحظ فيودور ميخايلوفيتش مدى اضطرابي، اقترب مني وقبَّل رأسي دون أن يقول كلمة واحدة.

كان فيودور ميخايلوفيتش، بصفة عامة، يضعني في صورة مثالية، وكان يرى أنني أفهم رواياته فَهمًا عميقًا أكثر، في ظني، مما كنت أتصور في واقع الأمر. وهكذا كان عليَّ اقتناع أنني أفهم الجانب الفلسفي في رواياته. أذكر أنني، بعد الانتهاء من إملاء أحد فصول رواية «الإخوة كارامازوف»، أجبته على سؤاله التقليدي بقولي: أتعرف، إنني لم أفهم مما أمليته عليَّ (كان الحديث عن المفتش الأعظم) اللهم إلا القليل. أظن أنه لكي أفهم لا بد وأن أملك ذهنية فلسفية خلافًا لما لديَّ.

– مهلًا، قال زوجي، سأقصُّ عليكِ الأمرَ على نحو أكثر وضوحًا. وراح يشرح لي الأمر في عبارات أكثر تحديدًا.

– حسنًا، والآن هل أتضح الأمر؟ سألني زوجي.

– والآن ما يزال غير واضح. مهما كررت، فإنني غير قادرة على الفهم.

– كلا، لقد فهمتِ، لقد عرَفتُ ذلك من خلال أسئلتك التي طرحتِها. وإذا كنتِ لم تتمكني من عرض ما فهمتِه، فإن ذلك مرجعُه عدم قدرتك على الصياغة.

أقول في هذا السياق، إنه كلما امتد بي العمر بكل ما حمله من أحزان، انفتحت أمامي، وعلى نحو أرحب، آفاقُ أعمال زوجي، وكلما رحت أفهمها فَهمًا أعمق.

أتذكر أيضًا، من بين أحداث حياتنا في ستاريا روسا، أن فيودور ميخايلوفيتش قرأ عليَّ فصلًا من رواية، كان قد أنهى كتابته لتوِّه، عن فتاة شنقت نفسها («المراهق»، الجزء الأول، الفصل التاسع).٣٩ وبعد أن انتهى من قراءته نظر إليَّ ثم صاح قائلًا: آنيا، ماذا دهاكِ يا يمامتي، أنتِ شاحبة، هل أنتِ متعبة؟ هل أصابكِ مكروه؟

– إنه أنت الذي أفزعتني! أجبتُه.

– يا إلهي، هل حقًّا كان لهذا الفصل أثر ثقيل عليكِ؟ كم أنا آسف! كم أنا آسف!

٥

أعود بالحديث إلى عام ١٨٧٤م. فبعد أن كان فيودور ميخايلوفيتش ينهي الإملاء ويتناول إفطاره بصحبتي، كان يقرأ (في هذا الشتاء) «رحلة الراهب بارفيني»٤٠ أو يكتب خطابات في أي وقت، وفي الثالثة والنصف كان يخرج للتنزه في شوارع روسا المقفرة. ودائمًا ما كان يمر في أغلب الأحوال على محل آل بلوتنيكوف٤١ ليشتري المقبلات والحلوى الآتية لتوها من بطرسبورج ولو بكميات صغيرة. كانوا يعرفونه في المحل ويحترمونه، ولم يكن يضايقهم أنه يشتري بما لديه من نقود قليلة، بل كانوا يسارعون فيعرضون عليه أحدث ما وصل إليهم.
في الخامسة كنا نجلس مع الأطفال لتناول طعام الغداء، وكان زوجي دائمًا ما يكون في هذا الوقت في أفضل مزاج له. وكان أول ما يفعله أن يحمل كأسًا من الفودكا للعجوز بروخورفنا، مربية ابننا،٤٢ كان فيودور ميخايلوفيتش يقدمه لها قائلًا: «الفودكا أيتها المربية العزيزة!» كانت تشربها ثم تتناول شيئًا من المقبلات، عبارة عن خبز وملح. كان الغداء يمضي في جو من المرح، بينما يروح الأطفال يثرثرون دون انقطاع، أما نحن فلم نكن نتحدث مطلقًا إبان الغداء في أية موضوعات جادة لا يفهمها الأطفال. بعد انتهاء الغداء وشرب القهوة يظل زوجي جالسًا مع الأطفال حوالَي نصف ساعة أو يقرأ عليهم حكايات كريلوف.٤٣
في السابعة مساء كنا نذهب أنا وفيودور ميخايلوفيتش إلى نزهتنا المسائية، وكنا نمر حتمًا في طريق عودتنا بمكتب البريد،٤٤ حيث يمكن أن نبحث في هذا الوقت عما لنا في البريد القادم من بطرسبورج.

كان ما يصل فيودور ميخايلوفيتش من مراسلات ذا أهمية كبرى؛ ولذلك كنا أحيانًا ما نهرول عائدين إلى البيت في سعادة لنبدأ في قراءة الخطابات والصحف.

كنا نضع أطفالنا في الفراش قرب التاسعة مساء، وكان فيودور ميخايلوفيتش يذهب إليهم حتمًا «متمنيًا لهم أحلامًا سعيدة»، ويقرأ عليهم صلوات «يا أبانا»، «العذراء» ثم دعاءه المفضل: «أتوسل إليكِ يا أم الرب أن تحفظيني في كنفك!»

وفي العاشرة مساءً يعم الهدوء أركان البيت، حين يأوي كلُّ من فيه، حسب تقاليد الريف، إلى فراشه مبكرًا. هنا ينسل فيودور ميخايلوفيتش إلى مكتبه ليقرأ الصحف؛ بينما أركن سعيدةً إلى الهدوء وقد أنهكني الهرج والمرج طوال اليوم؛ فضلًا عن ضجيج الأطفال، فأجلس في غرفتي وأرتب أوراق اللعب التي تعلمتها حتى الرقم ١٢ لرؤية الطالع.

أتذكر بحنين بالغ كيف كان زوجي يأتي إليَّ عدةَ مرات كلَّ مساء ليخبرني عما قرأه في الصحف الأخيرة، أو ليتحدث معي ببساطة في شتى الأمور، ودائمًا ما كان يبدأ في مساعدتي في الانتهاء من ترتيب ورق اللعب، بحيث يكون طالعي حسنًا، والمدهش أنه كان يجد الكروت اللازمة والتي لم أكن ألحظها. كان لعب الورق يكتنفه الغموض والإلهام، ولم أكن لأفوز دون مساعدة زوجي.٤٥ في الساعة الثانية عشر يظهر زوجي عند باب غرفتي، وكان هذا يعني أن عليَّ أن أخلد إلى النوم. كنت أطلب منه أن يسمح لي بدور آخر، كان يوافق فنذهب ونرتب أوراق اللعب معًا. أخيرًا أذهب للنوم ويكون جميع من في البيت قد ناموا، ولا يبقى نشطًا سوى زوجي، فيجلس ليعمل حتى الثالثة/الرابعة بعد منتصف الليل.

مضى النصف الأول من شتائنا في ستاريا روسا (من سبتمبر وحتى مارس) على خير ما يرام، لا أذكر أننا نعِمْنا في أي وقت آخر بمثل هذا الهدوء الذي خلا من أي كدر. صحيح أن الحياة هنا كانت تمر على وتيرة واحدة؛ كل يوم يشبه الآخر، حتى إن هذه الأيام كانت تتصل بعضها ببعض في ذكرياتي، حتى إنه لم يعد بإمكاني أن أتذكر أية أحداث خلال هذه الفترة. على أنني أذكر حادثًا مضحكًا مبكيًا وقع في مطلع الشتاء، قطع لبضعة أيام هدوءنا، وإليكم ما حدث: وصل إلى مسامعي أن التجار تسلموا من سوق مدينة نيجيجورود معاطف قصيرة من فِراء الغنم للكبار والصغار، وقد أخبرت بهذا زوجي، وقد أبدى اهتمامًا شديدًا بذلك، وأخبرني أنه كان لديه في وقتٍ ما معطفًا من فراء الغنم، وأنه يريد شراء واحد منه لفيديا، ذهبنا إلى المحل، وهناك عرضوا علينا عشرات المعاطف تفضُل بعضها بعضًا. اخترنا عددًا منها، وطلبنا أن يرسلوها إلى البيت لقياسها، اخترنا معطفًا أصفر اللون فاتحًا، موشًّى على الصدر والأطراف على نحو رائع، وقد أُعجب به فيودور ميخايلوفيتش للغاية، وقد كان مناسبًا لابننا تمامًا من ناحية المقاس. كان فيديا طفلًا مورَّد الوجه، وكم كان يبدو وسيمًا عندما كان يرتدي هذا المعطف بغطاء الرأس المرتفع، وحول خصره يضع حزامًا أحمر اللون! اشترينا أيضًا معطفًا أنيقًا للفتاة، وكان زوجي يظل يتطلع في الأولاد قبل خروجهم للنزهة، لكن إعجابنا سرعان ما خبا؛ ففي أحد الأيام البائسة لاحظت على الطرف الأمامي للمعطف الأصفر الفاتح بُقعًا دهنية كبيرة؛ فضلًا عن دهون أخرى كانت متراكمة على الجلد. أخذتنا حيرة شديدة، فمن أين للصبي أن يلوث معطفه بالدهن أثناء نزهته؟ ولكن سرعان ما اتضحت الحقيقة، كان لطاهيتنا العجوز زوج شبه أعمى، وكان يجلس لديها في المطبخ منذ الصباح، وبعد أن يتناول إفطاره، ولا يجد تحت يديه فوطة يمسح فيها يديه الملوثتين بالدهن، كان يستخدم المعطف الذي كنا نعلقه في المطبخ ليجف. وقد حاولنا بشتى الوسائل أن نزيل الدهن من المعطف، ولكن البقع كانت تبدو بعد كل تنظيف جديد أكثرَ وضوحًا، وهكذا لم يعُد المعطف الجميل صالحًا على الإطلاق. كنت في حالة شديدة من الغيظ لِما أصاب المعطف من تلف، وبخاصة أنه لم يكن بإمكاننا استبدال آخر جديد به، وكان غضبي أشدَّ على الطاهية، التي لم تكن تحسن تدبير شئون المطبخ، حتى إنني من الحسرة كدت أن أطردها من البيت، هي وزوجها الأخرق، لكن فيودور ميخايلوفيتش وقف إلى جانبهما وأعادني إلى جادة الصواب. وبطبيعة الحال، فسرعان ما طوت الأيام صفحة هذا الحادث المؤسف الصغير.

لما كان إصدار روايتينا «الشياطين» و«الأبله» قد حقق نجاحًا كبيرًا، فقد قررنا، وكنا ما نزال في روسا، إصدارَ «مذكرات من البيت الميت»، التي كانت طبعتها قد نفِدت منذ زمن طويل، وكان باعة الكتب كثيرًا ما يطلبونها. أرسلوا إلينا مسوَّدة الطبع لتصحيحها، بعدها كان عليَّ أن أسافر إلى العاصمة قبيل صدور الرواية؛ حتى أقوم ببيع كمية من النُّسخ (وقد نجحت في ذلك) وتوزيع كمية أخرى، مقابل عمولة، ومراجعة الحسابات مع المطبعة، وما إلى ذلك من أعمال. كنت أرغب كذلك أن أزور أقاربي وأصدقائي، وأن أشتري، بمناسبة أعياد الميلاد، حلوى ولُعبًا لنزين بها شجرة عيد الميلاد التي كنا نود أن نجهزها لأطفالنا، وكذلك لأطفال القس الأب روميانتيف؛ لصلته القوية بأسرتنا.

سافرت في السابع عشر من ديسمبر وعدت في الثالث والعشرين من نفس الشهر. وعند عبر بحيرة إيملين المتجمدة، عانيت من الخوف الشديد:

عدد من العربات التي كانت تسير معًا انحرفت عن الطريق، وقد خاطرنا بالسير في الريح الشديدة، بعد أن هبَّت علينا عاصفة ثلجية، ولحسن الحظ أطلق الحوذية خيولهم، فاتخذت الحيوانات الذكية طرقًا مختلفة، حتى وصلت بنا في النهاية إلى الطريق الممهد.

٦

شتاء عام ١٨٧٤م

كانت الحرائق في ذلك الزمن تنشب في ستاريا روسا على نحو متكرر؛ سواءٌ في فصل الشتاء أو في فصل الصيف. وكان من نتيجتها احتراق شوارع بأكملها. وكان العدد الأكبر من هذه الحرائق يقع ليلًا (في أحد المخابز أو الحمامات). وعندما كان فيودور ميخايلوفيتش يتذكر الحريق الذي أتى على أورنبورج كلها قبل فترة قصيرة، كان يشعر بالخوف الشديد إذا ما نشب حريقٌ هنا أو هناك، وراحوا يدقون الأجراس في أبراج الكنائس، وبخاصة أجراس الكنائس الواقعة بالقرب من بيتنا.

ورغم معرفته بأنني أكون في الأحوال العادية في غاية الهمة والنشاط، لا أهاب شيئًا، فقد كان يعلم أيضًا كيف «أفقد السيطرة على الأمور» في حالة وقوع أي حدث مفاجئ، لأبدأ بعده في ارتكاب تصرفات طائشة. ولذلك كان لدينا دائمًا، إبان إقامتنا في روسا، اتفاق أن يوقظ كلٌّ منا الآخر فور سماعه قرع أجراس الخطر. فما إن يسمع فيودور ميخايلوفيتش صليلها حتى يهزني من كتفي قائلًا: يا آنيا، لا تخافي، هناك حريق في مكانٍ ما، لا تقلقي من فضلك، أما أنا فسأذهب لأستطلع أين يقع الحريق!»

كنت أستيقظ على الفور فأُلبس الأطفال النِّيام جواربَ طويلة وأحذية، وأعُدُّ لهم الملابس الخارجية حتى لا يصابوا بالبرد إذا ما اضطررنا لحملهم خارج المنزل. كنت أخرج ملاءاتٍ كبيرةً فألفُّ في إحداها (بشكل محكم) كلَّ ملابس زوجي، إلى جانب مذكراته ومحفوظاته، وفي الأخرى أضع كل ما هو موجود في الصوان والكومودينو من فساتيني وأشياء الأطفال. كنت أهدأ بعد الانتهاء من كل ذلك وقد علمت أن أهم الأشياء في أمان. في أول الأمر كنت أحمل كل اللفائف إلى مدخل البيت بالقرب من باب الخروج، ولكنني منذ أن تعثر زوجي فيها في العتمة وكاد يقع عند عودته من الخارج بعد أن استطلع الأمر، بدأت في وضعها في الغرف. كثيرًا ما كان فيودور ميخايلوفيتش يهدئ من روعي قائلًا: «إن الحريق على بعد ثلاثة فراسخ.» وأكون وقتها قد أعددت العدة لإنقاذ حاجاتنا. ولكنني كنت أرى أن هذا الكلام لن يقنعني، وأن جمع الأمتعة على هذا النحو هو الذي سوف يبعث في نفسي الطمأنينة. لقد كان زوجي يدفعني عند كل إنذار إلى «حزم الأمتعة»، طالبًا، مع ذلك، سرعةَ إعادتها بعد انقضاء الخطر المزعوم، إلى أماكنها.

أتذكر، عندما انتقلنا في ربيع عام ١٨٧٥م من شقتنا الشتوية في بيت ليونتيف مرةً أخرى إلى داتشا جريبي، أن الحارس قال لي وهو يودعنا: أكثر ما يُشعرني بالأسف أن السيد سيسافر.

– ولماذا؟ سألته وأنا أعرف أن زوجي لا تربطه به علاقة.

– كيف يا سيدتي؟! لقد كان يُهرَع للقرع على باب الحارس ما إن ينشب حريق هنا أو هناك: انهض، هناك حريق في مكانٍ ما! حتى إن رئيس الشرطة قال عني: ليس هناك أحد في المدينة أكثر انضباطًا من حارس الجنرال ليونتيف، فما إن تدق الأجراس حتى يُهرَع واقفًا عند الباب. والآن كيف ستمضي الأمور بدونه؟ وكيف لا آسَفُ سيدتي لفراقه؟!

عندما وصلت إلى المنزل أخبرت زوجي بما قاله الحارس، فضحك وقال: حسنًا، انظري، إن لديَّ فضائل لم يراودني، أنا نفسي، الشكُّ فيها.

سادت حياتنا على منوال منظم، كما استمر العمل في الرواية بنجاح منقطع النظير. كان ذلك أمرًا هامًّا بالنسبة إلينا، وأثناء رحلتنا إلى بطرسبورج التقى فيودور ميخايلوفيتش مع البروفيسور ديمتري كوشلاكوف، الذي نصحه بإلحاح بأن يواصل العلاج، وأن يذهب مرةً أخرى في الربيع إلى إمس، بعد أن لاحظ النتائج الإيجابية للعلاج بالماء في العام الماضي.

في أبريل عام ١٨٧٥م، كان علينا أن نسعي للحصول على جواز سفر للخارج. لم يكن الأمر يشكل مشقة في بطرسبورج؛ ولأننا كنا نعيش في هذا الوقت في روسا، فقد كان على زوجي أن يتسلم جواز سفره من محافظة نوفجورود. ولكي نعرف أي أوراق عليه أن يستوفيها في نوفجورود والمصروفاتِ اللازمة، وما إلى ذلك، ذهبت إلى رئيس الشرطة في ستاريا روسا. آنذاك كان رئيس الشرطة هو العقيد جوتسكي،٤٦ وهو شخص عُرف عنه طيشه، يحب المرور على ملاك الأراضي المجاورين. بعد أن تسلَّم الأوراق، دعاني على الفور إلى مكتبه، أجلسني على مقعد وسألني عن علاقتي بالأمر، وبعد أن قلَّب في درج مكتبه، أعطاني كراسة سميكة ذات غلاف أزرق. فتحتها وقد أدهشني بشدة أن أجد أن تتضمن «قضية الملازم ثانٍ متقاعد فيودور ميخايلوفيتش دستويفسكي، الموجود تحت المراقبة السرية والمقيم في الوقت الحالي مؤقتًا في ستاريا روسا.»٤٧ تصفحت بعض الأوراق٤٨ وابتسمت وأنا أقول: هكذا؟ إذن فنحن تحت رقابتكم الواعية، وأنتم، على الأرجح، تعرفون كل شيء يحدث لدينا؟ هذا ما لم أتوقعه!

– نعم، أنا أعرف كل شيء يحدث في أسرتكم، قال رئيس الشرطة بأهمية بالغة، وأستطيع أن أقول بأنني راضٍ حتى الآن عن زوجك تمامًا.

– هل أستطيع أن أنقل لزوجي مديحكم هذا؟ قلت له ذلك بلهجة ساخرة.

– نعم. أرجوكم أن تخبروه أنه يتصرف على نحو رائع، وأنني أعوِّل على أنه لن يسبب لي في المستقبل أي متاعب.٤٩

بعد وصولي للمنزل أخبرت فيودور ميخايلوفيتش بما قاله رئيس الشرطة وأنا أضحك من فكرة أن رجلًا كزوجي يمكن أن توكل مهمة مراقبته لرجل شرطة غبي. لكن فيودور ميخايلوفيتش استمع إلى الخبر الذي نقلته إليه على مضض، قائلًا: كم غضُّوا البصر عن أناس سيئي السمعة، أما أنا فيرتابون فيَّ ويراقبونني! أنا الرجل المخلص بقلبه وأفكاره للقيصر وللوطن.

بفضل ثرثرة رئيس الشرطة تكشَّف وضع أحزاننا بشدة، لكن السبب الذي لم نكن نستطيع تفسيره تحديدًا من قبل؛ وهو لماذا لم تكن خطاباتي التي كنت أرسلها إلى فيودور ميخايلوفيتش من ستاريا روسا إلى إمس؛ لم تكن ترسل مكلفًا إليه في نفس اليوم عندما كنت أسلمها إلى مكتب البريد؟ وإنما كانت تُحتجز لسببٍ ما في المكتب يومًا أو يومين. وهو ما كان يحدث أيضًا مع خطابات فيودور ميخايلوفيتش المرسلة من إمس إلى روسا. وفي الوقت المناسب يسبب له قلقًا شديدًا؛ بالإضافة إلى أنه كان وراء وقوعه في نوبات الصرع، وهو ما يتضح، على سبيل المثال، من خطابه لي المؤرخ ٢٨ يوليو ١٨٧٤م.٥٠ الآن اتضح أن خطاباتنا كانت تراقَب، وكان إرسالها يتوقف على نظرة رئيس الشرطة الذي كان كثيرًا ما يتغيب يومًا أو يومين في مركز الإقليم.
هذه الرقابة التي كانت تتم على مراسلاتي مع زوجي على يد هذه الإدارة أو غيرها (وربما على كل مراسلاتنا الأخرى)، استمرت أيضًا في السنوات التي تلت ذلك، وسبَّبت لزوجي ولي غصة في نفوسنا، لكن التخلص من هذا الموقف الحرج كان أمرًا مستحيلًا. ولم يحاول فيودور ميخايلوفيتش نفسُه أن يثير مسألة رفع رقابة الشرطة عنه، وبخاصة أن شخصياتٍ مطَّلعةً أكدت لنا أنه ما دام يسمحون له أن يكون محررًا وناشرًا لمجلة «مذكرة الكاتب»، فلا شك أن الرقابة السرية على نشاطه قد رُفعت. على أن الرقابة استمرت، مع هذا، حتى عام ١٨٨٠م، عندما تسنى لفيودور ميخايلوفيتش أن يتحدث مع إحدى الشخصيات الرفيعة عن هذا الأمر إبان الاحتفال ببوشكين، وقد أصدر هذا الشخص تعليماته التي بفضلها رُفعت الرقابة السرية.٥١

٧

العام ١٨٧٦م، السفر إلى بطرسبرج وإمس

في مطلع شهر فبراير، اضطر فيودور ميخايلوفيتش للسفر إلى بطرسبورج ليقضي بها أسبوعين. كان الهدف الرئيسي لهذه الرحلة هو ضرورة مقابلة نكراسوف، والاتفاق معه على المواعيد التالية لنشر الرواية. كان من الضروري أيضًا له التشاور مع البروفيسور كوشلاكوف؛ إذ كان زوجي يعتزم السفر إلى إمس في هذا العام؛ لكي يعزز النجاح الكبير الذي صادف العلاج هناك في العام الماضي.

في اليوم التالي لوصولنا إلى العاصمة بصحبة زوجي، وقع حادث مؤسف جعله يشعر بالخوف، فقد جرى استدعاؤه لمقابلة رئيس الشرطة، لكن زوجي فشِل في الاستيقاظ والذهاب في الموعد المحدد (الساعة التاسعة صباحًا)، وعندما وصل لم يجد أحدًا بانتظاره، فاضطر للعودة مرةً ثانية بعد الظهر. اتضح أن السبب وراء استدعاء زوجي هو أن لديه جواز سفر مؤقتًّا، وقد طلبوا منه تقديم جواز سفر دائم، وهو ما لم يكن يملكه. وقد أثبت فيودور ميخايلوفيتش لمساعد رئيس الشرطة أنه يعيش بجواز سفر مؤقت منذ عام ١٨٥٩م، وأنه يحصل على أساسه على جواز سفر للخارج، وأن أحدًا لم يطلب منه إطلاقًا جوازًا آخر. إليكم ما جاء بخطابه المؤرخ السابع من فبراير ١٨٧٥م:

«راح مساعد رئيس الشرطة أيضًا يجادلني: لن نعطيك جواز سفر، إننا ملزَمون بالحفاظ على القوانين.

– وما الذي عليَّ أن أفعله؟

– أحضر لنا جوازًا دائمًا.

– ومن أين لي الحصول عليه؟

– ليس من شأننا؟

– حسنًا، هذه حماقة؛ أن يعامَل «الكاتب»، في شعبنا هذا، بهذه الاستهانة. في النهاية أقول لك إن في بطرسبورج عشرين ألفًا دون جواز. وها أنتم تحتجزون شخصية مشهورة وكأنه صعلوك.

– نعلم هذا يا سيد، نعلم جيدًا أنك رجل مشهور في روسيا كلها، لكننا ملتزمون بالقانون. على أية حال، لماذا القلق؟ سنعطيك غدًا شهادة، أليس الأمر سيان بالنسبة لك؟

– تبًّا، إذن لماذا لم تقل لي ذلك من البداية وأضعت الوقت في الجدل.»٥٢

انتهى الأمر باحتجاز جواز زوجي حتى موعد سفره، ثم أعادوه إليه دون أن يستبدلوا به آخر جديدًا، وإنما سببوا له المزيد من هموم كان في غنًى عنها.

في الخطابين المؤرخين السادس٥٣ والتاسع من فبراير، أخبرني زوجي بشعور بالرضا عن لقائه الودي بنكراسوف، الذي عبر له عن سعادته البالغة عند قراءته نهاية الجزء الأول من رواية «المراهق»: «جلست طوال الليل أقرأ، وقد استغرقتُ في القراءة على نحو لم أكن لأسمح لنفسي به؛ وأنا عجوز معتل الصحة.» «يا له من موضوع مبتكَر يا صديقي العزيز!» (أكثر ما أعجب به نكراسوف كان المشهد الأخير مع ليزا) «في سنواتنا هذه لا توجد مثل هذه الطزاجة عند أي كاتب. لا يوجد عند ليف تولستوي في روايته الأخيرة سوى تكرار لما قرأته له من قبل، بل إن القديم كان أفضل. وقد رأى في مشهد الانتحار «قمة الكمال»، تصوري، لقد أُعجب أيضًا بالفصلين الأوَّلين. يقول نكراسوف: «أضعف ما في روايتك هو الفصل الثامن، هنا كثير من الأحداث الظاهرية.» أليس على حق؟ عندما كنت أعيد قراءة المسودة لم أعجب، أنا نفسي، بالفصل الثامن تحديدًا، وحذفت منه مقاطعَ كثيرة.»٥٤
بعد عودتنا إلى روسا قصَّ عليَّ زوجي العديد من الأحاديث التي دارت بينه وبين نكراسوف، وقد اقتنعت أن تجديد العلاقات الودية مع صديق الشباب كان أمرًا عزيزًا على قلبه. بينما تركت لقاءات أخرى له مع بعض الشخصيات الأدبية آنذاك انطباعاتٍ أقلَّ أثرًا.٥٥ على العموم فقد قضى زوجي أسبوعين في العاصمة في حالة من الاضطراب والإجهاد الكبيرَين، وقد شعر بسعادة لا توصف عندما عاد إلى أسرته ووجدنا جميعًا أصحاءَ سالمين.

وفي نهاية شهر مايو اضطر فيودور ميخايلوفيتش للسفر مرة أخرة إلى بطرسبورج لعدة أيام، ومنها للخارج. في هذه المرة لم يكن متحمسًا للسفر إلى إمْس، وقد بذلت جهدًا كبيرًا لأقنعه ألا يفوِّت الصيف دون علاج. كان سبب إحجامه يعود إلى أنه تركني ولستُ أفضلَ ما يُرام صحيًّا (كنت حاملًا)، وإلى جانب الحنين المعتاد للأسرة فقد عانى زوجي قلقًا بالغًا بسببي.

وقد وقعت حادثة (في نهاية فترة علاج زوجي) أنذرتني بخطر كبير: في الثالث والعشرين من يونيو تسلمت خطابًا من بطرسبورج أخبروني فيه أن صحيفة «وقائع سان بطرسبورج» نشرت خبرًا يفيد أن فيودور ميخايلوفيتش مريض بشدة. لم أصدق ما ورد في الخطاب، ولكنني أسرعت بالذهاب إلى مكتبة «مينيرالني فودي» بحثًا عن صحف المساء، فوجدت في العدد ١٥٩ من الصحيفة المذكورة الملحوظة التالية:

«علمنا أن كاتبنا الشهير فيودور ميخايلوفيتش دستويفسكي مريض بشدة.» يمكنكم تصور كيف يمكن أن تؤثر مثل هذه الأخبار عليَّ. خطر ببالي على الفور أن من الأرجح أن تكون نوبة صرع مزدوجة قد داهمت فيودور ميخايلوفيتش، ومثل هذه النوبات دائمًا ما يكون لها تأثير بالغ السوء عليه. وقد تكون صدمة عصبية أو ربما أي شيء فظيع آخر. ذهبت إلى مكتب البريد في حالة من اليأس التام لأرسل برقية إلى زوجي، ورحت بعدها أستعد للسفر إليه، بعد أن اتخذت قرارًا بترك الأطفال في رعاية الأب روميانتسيف وزوجته. وقد حاولا إثنائي عن السفر إلى زوجي، ولكنني لم أكن قادرة على أن أتحمل فكرة أن زوجي العزيز مريض للغاية وقد يموت وأنا لست بجانبه. ولحسن الحظ فقد تسلمت ردًّا مطَمْئنًا في حوالي الساعة السادسة. ما زلت أتذكر بمشاعر الخوف ما الذي كان من الممكن أن يحدث لو أنني سافرت وأنا «حامل» وعلى هذه الحالة من القلق الشديد. الحقيقة أن الله قد أنقذنا من كارثة!

لم أنجح في معرفة من الذي أبلغ الصحف هذا الخبرَ الذي لم يكن له أساس من الصحة، والذي تسبَّب في الساعات العصيبة التي قضيناها أنا وزوجي.

ولكن، وبالإضافة إلى قلقلي على الأطفال وخوفي على حملي، فقد كانت هناك فكرة ما لبِثتْ تعذب فيودور ميخايلوفيتش؛ وهي أنه لا يتقدم في عمله وأنه غير قادر على تسليم «المراهق» في الموعد المحدد. في خطابه المؤرخ الثالث عشر من يونيو، كتب فيودور ميخايلوفيتش قائلًا: إن أكثر ما يعذبني هو ألا تحقق الرواية نجاحًا، حتى الآن أجلس وأتعذب ويساورني الشك وليست لديَّ القوة أن أبدأ. لا، ليس بهذه الطريقة تُكتب رواية أدبية، ليس بالعصا، بل أن يكون لدى الكاتب الوقت والإرادة. ولكن، يخيل لي، أنني في النهاية سرعان ما سأجلس لأبدع عملًا حقيقيًّا، لكن، إلى أين سيقودني الأمر! ما دمت أعيش في هذا السأم فقد أفسد «الفكرة» ذاتها.٥٦

ومن بين المشكلات التي كانت تؤرق فيودور ميخايلوفيتش أيضًا مشكلة استئجار شقة شتوية. وعلى الرغم من أننا كنا نعيش على نحو جيد في روسا، ولكن إقامتنا فيها شتاءً آخرَ كان أمرًا صعبًا، وبخاصة نتيجة لأنه في بداية العام التالي (١٨٧٦م) قرر فيودور ميخايلوفيتش أن يشرع في العمل في مجلة «مذكرة الكاتب» التي كان يفكر في إصدارها منذ زمن بعيد. كان الأمر يتلخص في هل يبدأ البحث عن شقة أثناء مروره ببطرسبورج بعد عودته من الخارج، أم تسافر الأسرة إلى العاصمة، وبعد أن نستقر جميعًا في أحد الفنادق نبدأ في البحث عن شقة نقيم فيها؟ كلٌّ من هذه الحلول كان له مَصاعبه، أما أنا فكنت أميل إلى فكرة الذهاب إلى بطرسبورج بنفسي في توقيت عودة زوجي لنقوم معًا بالبحث عن شقة. وقد اعترض زوجي بحسم على هذا الحل؛ آخذًا في اعتباره حالتي الصحيةَ آنذاك. وقد قررنا في النهاية أن يبقى فيودور ميخايلوفيتش يومين/ثلاثة في بطرسبورج، فإذا لم يُسعده الحظ في العثور خلال هذه الفترة على شقة مناسبة فَعليه بالعودة إلى روسا.

العام ١٨٧٥م، الفأر الصغير

طوال إقامتنا في ستاريا روسا كان مزاج فيودور ميخايلوفيتش دائمًا لطيفًا ومرحًا، وهو ما يشهد عليه، على سبيل المثال، مزاحُه معي.

ذات يوم من أيام ربيع عام ١٨٧٥م غادر فيودور ميخايلوفيتش فراشه صباحًا وقد ارتسم العُبوس على وجهه. أحسست بالقلق فسألته عن صحته.

– بصحة جيدة — أجاب فيودور ميخايلوفيتش — ولكن وقع لي حادث مزعج؛ لقد اتضح أن هناك فأرًا صغيرًا في فراشي، لقد استيقظت بعد أن شعرت أن شيئًا ما جرى على قدمي، أزحت الملاءة فرأيت فأرًا صغيرًا. وقد شعرت بالاشمئزاز! قالها فيودور ميخايلوفيتش وقد عبَّرت قسِماتُ وجهه عن نفور شديد، وأردف قائلًا: لعل من الضروري أن نبحث عنه في الفراش!

– نعم، حتمًا. أجبته.

ذهب فيودور ميخايلوفيتش إلى غرفة المائدة ليتناول قهوته؛ بينما ناديت على الخادمة والطاهية ورحنا معًا نفتش الفراش، أزحنا الملاءة واللحاف والمخدات، استبدلنا البياضات ولم نعثر على شيء، رحنا نقلب الكراسي ونُبعد الأرفف عن الحوائط حتى نعثر على جحر الفأر.

عندما سمع فيودور ميخايلوفيتش الجلبة التي أحدثناها بدا في النداء عليَّ، ولما لم أستجب أرسل إليَّ أحد الأطفال، أجبته أنني سآتي إليه فور انتهائي من تنظيم الغرفة. عندئذٍ طلب مني فيودور ميخايلوفيتش بإصرار أن أذهب إليه في غرفة المائدة. وعلى الفور ذهبت إليه وعندها سألني بنفس النفور السابق: حسنًا، هل وجدتم الفأر الصغير؟

– أين نجده؟! لقد هرب. الغريب في الأمر أن غرفة النوم ليس بها أيُّ منفذ، بداهةً فقد تسلل من المدخل.

– أول أبريل، أنيتشكا، أول أبريل! أجاب فيودور ميخايلوفيتش وقد أضاءت وجهه الطيبَ ابتسامة حنون مرحة. اتضح أن زوجي تذكر أن من الشائع في أول أبريل أن يلجأ الناس إلى عمل خدعة، فأراد أن يسخر مني، وكنت قد صدقت الأمر وقد نسيت تمامًا تاريخ اليوم. بالطبع ضحكنا كثيرًا، وقد اعتدنا أن يدبر كلٌّ منا للآخر خدعة «أول أبريل» وكان أطفالنا يشاركون فيها.

٨

العام ١٨٧٥م، ميلاد ليوشا
العودة إلى بطرسبورج

عاد فيودور ميخايلوفيتش من إمس إلى بطرسبورج في السادس من يوليو، فقضى في المدينة يومين/ثلاثة، ولما كان من الصعب عليه في هذه الفترة القصيرة أن يعثر على شقة مناسبة، فقد ترك البحث، بعد أن شاهد عددًا من الشقق، وعاد أدراجَه إلى روسا. كان متشوقًا للغاية للعودة إلى أحضان الأسرة. وبعد أن أمعنَّا النظر والتدبير قررنا البقاء في روسا إلى أن يصل العضو المنتظر إضافتُه لأسرتنا، ناهيك عن أن السادة كبار السن، الذين كانوا يَهيمون حبًّا بأطفالنا، أقنعونا بعدم سفرهم في منتصف فصل الصيف.

وافق فيودور ميخايلوفيتش على البقاء بارتياح مستغرب؛ لأن ذلك كان سيسمح له بالعمل في هدوء على إتمام روايته قبيل وبعد أن أضع طفلي، دون أن يتخلى عن تعاوني معه. كان العمل يتطلب قدرًا كبيرًا من الجهد حتى يتسنى لزوجي عند وصوله إلى بطرسبورج أن يطلب من نكراسوف نقودًا مقابل رواية «المراهق». وكانت النقود ضرورية لنا لأقصى حد لكي نبدأ بها حياتنا في العاصمة.

سار كل شيء على ما يرام. كان فيودور ميخايلوفيتش يشعر أن قد تعافى تمامًا، وقد راح الأطفال يكبَرون وتتحسن صحتهم، وحتى أنا شعرت، بعد عودة زوجي، أن كل مخاوفي، التي كانت تنتابني قبل الوضع باحتمال موتي، قد اختفت جميعها تمامًا. وهكذا مضت أحوالنا في هذا الشهر هادئة لا يعكر صفوَها شيء. وفي العاشر من أغسطس وهبنا الله غلامًا سميناه ألكسي.٥٧ كلانا كان سعيدًا إلى حد لا يوصف، مسرورًا بمجيء أليوشا للدنيا (وبخاصة أنه كان بصحة لا بأس بها)، وبفضل ذلك استعدت عافيتي سريعًا واستطعت أن أساعد زوجي مرةً أخرى بأعمال الاختزال.

جو لطيف ساد شهرَ أغسطس بأكمله حل بعده شهر سبتمبر بأيامه المعروفة «بالصيف الهندي»، عجيبة بدفئها وهدوئها، على أننا قررنا السفر في حوالي الخامس عشر من الشهر خوفًا من تقلب الجو. كان الطريق أمامنا شاقًّا، فالسفن لم تكن تصل إلى المدينة بسبب انخفاض المياه في نهر بوليستا، ومن ثَم كانت تقف في بحيرة إيلمين في مواجهة قرية أوستريكا، على بُعد ثمانية عشر فرسخًا من روسا. وذات صباح رائع دافئ خرجنا من البيت في طابور طويل: في المقدمة جلس فيودور ميخايلوفيتش مع الطفلين في عربة مسقوفة؛ بينما جلست أنا والرضيع والمربية في العربة الثانية، وفي الثالثة جلست الطاهية فوق جبل من الصناديق والأجولة والصرر. سِرنا في جو يسوده المرح على صليل أجراس الخيول، وكان فيودور ميخايلوفيتش يوقفها لكي يطمئن على أحوالي ويخبرني أنه في غاية السعادة مع الأطفال.

وصلنا إلى أوستريكا بعد حوالي ساعتين ونصف، وهنا صادفَنا أمرٌ لم نعمل له حسابًا؛ لقد وصلت السفينة بالأمس، وبعد أن أخذت عددًا كبيرًا من المسافرين، قرر القبطان أن العدد الراغب في السفر سيكون قليلًا اليوم؛ ولهذا وعد بالمجيء في الغد. أُسقِط في أيدينا. كان علينا أن نقضي يومًا بطوله هنا. هُرعت إلينا رباتُ بيوت من بيتين/ثلاثة يدعوننا للمبيت لديهن. اخترنا أكثرها نظافةً لتنتقل العائلة كلها إليه، سألت صاحبة البيت كم تأخذ أجرًا على المبيت، فأجابت بأريحية شديدة: «لا عليك يا سيدتي، لن نأخذ أكثر مما يجب، وأنت لن تهضمينا حقنا شيئًا.»

اتضح لنا أن الغرفة متوسطة الاتساع بها سرير كبير، يمكن وضع الأطفال فيه بالعرض. قررت أن أقرِّب بعض الكراسي إلى بعض وأنام عليها، أما فيودور ميخايلوفيتش فنام على أريكة قديمة ذكَّره مظهرها بطفولته. بينما ذهبت الفتيات (الطاهية والخادمة) للنوم في مخزن العلف.

وحيث إننا سافرنا ومعنا كل ما نملكه، حاملين معنا أيضًا موادَّ غذائية، فقد ذهبت الطاهية على الفور لإعداد طعام الغداء، بينما توجهنا نحن للنزهة، فمددنا عددًا من الأربطة على الأرض فوق تل يُطلُّ على البحيرة وجلسنا نستجم. كان وليدنا بصحبتنا وقد استغرق في النوم في هذا الهواء الطلق. قضينا يومًا رائعًا، كان فيودور ميخايلوفيتش مسرورًا للغاية يلعب مع الأطفال ويدخل معهم في سباق للجري. وكنت مبتهجة لأننا نجحنا أن نجعل جزءًا من رحلتنا الطويلة على هذا النحو من السعادة. تناولنا طعام الغداء، وسرعان ما هبط الظلام لنعود ونهجع في أسرَّتنا مبكرًا.

في الصباح، في حوالي الثامنة، أخبرونا أن دخان السفينة يتراءى عن بُعد، وبعد حوالي ساعة ونصف سوف تصل إلى أوستريكا. بدأنا نجمع أمتعتنا ونُلبس الأطفال ما يناسب الطريق، ثم ذهبت لدفع أجرة المسكن. اختفت صاحبة البيت ليظهر بدلًا منها ابنها، يبدو من مظهره أنه شخص مولع بشرب الفودكا. كان الحساب مكتوبًا بخط رديء، وبلغت قيمته أربعة عشر روبلًا وبضع كوبيكات، منها روبلان ثمن دجاجة، واثنان ثمن اللبن وعشرة للمبيت. غضبت بشدة ورحت أجادله في الحساب، لكن ابن صاحبة البيت لم يتراجع وهدَّدنا بأنه سوف يحتجز حقائبنا إذا لم ندفع المبلغ كله. بالطبع اضطررنا للدفع ولكنني لم أتمالك نفسي ووصفته «باللص».

في هذه الأثناء كانت السفينة قد اقتربت وتوقفت على مسافة نصف فرسخ من الشاطئ، ومن ثَم كان علينا أن نستقلَّ قاربًا لنصل إليها. ولكن عندما نزلنا إلى الشاطئ نفسه تبين أن القوارب تقف على مسافة بضع خطوات من البر، وكان البسطاء يخوضون في المياه إليها بعد أن خلعوا أحذيتهم. أما نحن فقد حملتنا على ظهورهن نسوةٌ أشداء. لكُم أن تتخيلوا مدى الخوف والقلق الذي شعرنا به أنا وزوجي على الأطفال. حملوا زوجي أولًا وقد وضع على يديه الأطفال وقد راحوا يصرخون ويبكون من الخوف. ثم حملوني بعده وأخيرًا حملوا الرضيع. جلست في القارب وقد انتابني الخوف وأنا أفكر كيف سنصعد إلى السفينة على السلم ومعنا الأطفال! لكن كل شيء تم على ما يرام؛ أرسل القبطان واحدًا من بحَّارته ليستقبلنا، وقد قام بحمل الأطفال كلهم. في هذه الأثناء وصلت أمتعتنا عبر قارب يقوده ابن صاحبة البيت.

كان النهار بديعًا. انعكس سطح بحيرة إيلمين بلون الفيروز لتذكرنا بالبحيرات السويسرية. لم يكن هناك أدنى اهتزاز، وقد جلسنا ساعات السفر الأربع جالسين على السطح.

وصلنا إلى نوفجورود في حوالي الساعة الثالثة. وعلى الفور توجهنا أنا وفيودور ميخايلوفيتش والأطفال إلى محطة السكك الحديدية. بينما تولى الحوذية إنزال أمتعتنا مع أمتعة باقي الركاب، وبعد ساعة أحضروا الأمتعة، ولما لم أكن أثق في فطنة الخادمة فقد ذهبت بنفسي لمراجعتها، كانت لدينا حقيبتان جلديتان كبيرتان، إحداهما سوداء والأخرى صفراء، وبعض الحقائب الصغيرة، وقد هدأ خاطري عندما شاهدتهم جميعًا.

مر اليومُ بسرعة كبيرة، وفي حوالي الساعة السابعة جاء إليَّ الحارس وأخبرني أن من الأفضل لي أن أعطيه التذاكر مقدمًا، وأن أتسلم الحقائب قبل أن يزدحم المسافرون للحصول على أمتعتهم. وافقت واشتريت التذاكر، وبعد أن عدت أشرت للحارس إلى حقيبتين كبيرتين واثنتين أخريين يجب تسليمهما. وفجأةً، ولشدة دهشتي، قال لي الحارس، مشيرًا إلى الحقيبة السوداء: «سيدتي، هذه ليست حقيبتك، لقد سلمتها لتوي لحفظها لمسافر آخر.»

– كيف ليست حقيبتي؟ مستحيل! صرخت واندفعت أفحص الحقيبة. وا أسفاه! على الرغم من أنها بنفس شكل ومقاس حقيبتنا (من المؤكد أنه قد تم شراؤها أيضًا من مخزن جوستيني دفور بعشرة روبلات)، ولكنها، دون أدنى شك، حقيبة شخص آخر، مكتوب على سطحها الحرفان الأوَّلان من اسم صاحبها بخط يكاد ينمحي.

– يا إلهي، إذن أين توجد حقيبتنا في هذه الحالة؟ ابحث عنها، قلت للحارس، لكنه أجاب بأنه لا توجد حقيبة سوداء أخرى هنا. وقعت في هاوية اليأس، فالحقيبة الضائعة أشياء تمثل أهمية كبرى لفيودور ميخايلوفيتش؛ ملابسه الخارجية وبياضات، والأهم من ذلك كله مخطوطات رواية «المراهق»، التي ينبغي على زوجي أن يحملها غدًا إلى «حوليات الوطن» ويتسلم مكافأته المالية عنها، والتي نحن في أمسِّ الحاجة إليها، وعلى هذا فقد ضاع جهده على مدى الشهرين الأخيرين، ومن المستحيل إعادة كتابتها مرة أخرى، إذ إن المسودات التي كتبها فيودور ميخايلوفيتش موجودة أيضًا في الحقيبة، وبدونها يصبح عاجزًا تمامًا، وعليه أن يضع، مضطرًّا، خطةً جديدة للرواية. هكذا تخيلت حجم الكارثة التي حلت بنا. هرولت دون أن أشعر وقد غمرني الحزن إلى الصالة التي كان ينتظرني فيها فيودور ميخايلوفيتش مع الأطفال. عندما رأى وجهي وقد علاه الكدر، فزع زوجي خشيةَ أن يكون مكروهًا قد أصاب المولود الذي كان بصحبة المربية في غرفة السيدات. ما كدت ألتقط أنفاسي حتى رحت أقصُّ عليه ما حدث.

كانت صدمة عنيفة لفيودور ميخايلوفيتش حتى إن وجهه قد شحب، وغمغم قائلًا: حقًّا! إنها كارثة ثقيلة. ما الذي علينا أن نفعله الآن؟

– أتعرف؟ تذكرت فجأةً، إنه هذا الوقح ابن صاحبة البيت لم يضع الحقيبة على الباخرة؛ نكاية فيَّ لأنني وصفته باللص.

– لعلكِ على حق — وافقني على ذلك فيودور ميخايلوفيتش — ولكن، تعرفين أن علينا ألا نتوقف عن البحث عن الحقيبة، يجب أن نحاول، مستحيل أن تكون قد اختفت. إليكِ ما ينبغي أن نفعله: تذهبين إلى بطرسبورج مع الأطفال (كان النزول في فندق هنا بصحبة الأطفال والخادمة أمرًا مستحيلًا؛ إذ لم يكن معنا ما يكفي من مال)، وأنا سأبقى هنا، وغدًا أذهب إلى ليرخي٥٨ (محافظ نوفجورود، وكان صديقًا لفيودور ميخايلوفيتش)، فأطلب منه أن يرسل معي شرطيًّا، وغدًا أذهب مباشرة إلى أوستريكا. فإذا كان صاحب البيت احتجز الحقيبة لديه، فسوف يسلمها لنا على الأرجح خوفًا من إجراء تفتيش. حسنًا، وأنتِ هدِّئي من روعك بالله عليكِ! اذهبي فاغتسلي بالماء البارد، ثم عودي إلينا بأسرعِ ما يمكن!

ذهبت وقد بلغ بي اليأس حدًّا كبيرًا. رحت ألوم نفسي على العصبية التي وقعت، وعلى أنني لم أعتنِ اعتناءً كافيًا بأعزِّ ما لدينا، وعلى أنه بسبب عدم متابعتي لأمتعتنا ضاع جهد شهرين بذله زوجي! «لكنني نظرت وكنت على يقين أنها حقيبتنا! هكذا حدثت نفسي. وهل كان من الضروري أن تقع هذه المصادفة فيحدث هذا التشابه مع حقائبنا!» وقفت في صالة الحقائب مستندةً إلى إحدى القوائم، وفجأةً برقت في رأسي فكرة أنه ماذا لو أن الحقيبة ما تزال على رصيف الباخرة؟ في هذه الحالة لا بد أنهم أخذوها بطبيعة الحال وأخفوها. ماذا لو ذهبت للسؤال عنها هناك؟ توجهت إلى الحارس بالسؤال إن كان بإمكانه الذهاب إلى الرصيف والاستعلام إن كانت هناك حقيبة وأن يحضرها إلينا، فإذا لم يعطوها له فليخبرهم أن أصحابها سيأتون غدًا لاستلامها. أجابني الحارس أنه لا يستطيع مغادرة المكان لأنه منوط بالوردية. عندئذٍ، ودون أن أطيل التفكير، قررت الذَّهاب بنفسي إلى الرصيف. خرجت من المحطة، وجدت عند البوابة حوذيِّين فصرخت قائلة: «من يأخذني إلى رصيف السفن، ذهابًا وعودة؟ أعطيه روبلًا ونصف.» أحدهما أجاب أنه مشغول، والآخر، وهو شاب يبلغ من العمر تسعة عشر عامًا، وافق. قفزت في العربة وانطلقنا. كانت الساعة حوالي الثامنة مساءً وكان الظلام قد حل بدرجة كبيرة. عندما كنا نسير عبر شوارع المدينة، لم يكن ينتابني أي خوف؛ لوجود أعمدة الإضاءة والمشاة. ولكننا ما إن عبرنا جسر فولخوفسكي وانحرفنا يمينًا، بالقرب من عدد من العنابر الطويلة، حتى راح قلبي يدق بشدة: هنا، في الظلام، في عمق العنابر، بدا أن هناك أناسًا مختبئين، حتى إن صعلوكين منهم راحوا هناك يركضون وراءنا. عندئذٍ قام الفتى بهمز الحصان ودفعه حتى إنه انطلق كأنه الطير. وصلنا بعد عشر دقائق إلى الرصيف. قفزت من العربة وعدوت عبر الجسر الصغير نحو المكتب الأمامي. كان المكان هناك مظلمًا بداهة، كان الحارس نائمًا. رحت أدق الحائط بكل قوتي، ثم الحائط الآخر، ثم النافذة. في البداية صِحتُ بأعلى صوتي: «أيها الحارس، افتح بسرعة!» بعد خمس دقائق وكنت قد يئست من نجاحي وأردت أن أعود إلى الحوذي، إذا بسعال رجل عجوز يدوي فجأة، ثم تلاه صوت يقول: «من يدق؟ ماذا تريدين؟» افتح يا جدي بسرعة! — صِحْت، بعد أن قررت بناءً على الصوت، أني أتحدث إلى شيخ عجوز — لقد تركنا لديكم حقيبة سوداء كبيرة، وقد قدِمنا لأخذها. «موجودة» أجاب الصوت. «أخرِجها إذن بسرعة!» «اقترِب، أجاب العجوز ثم دفع في الحائط الجانبي بحاجز خشبي (يسلمون الأمتعة عبرَه للمكتب بالأمتعة) وألقى على الرصيف بحقيبتي السوداء. يمكنكم أن تتصوروا سعادتي الغامرة في هذه اللحظة!

– يا شيخ، أحضِر الشنطة إلى الحوذي وسوف أعطيك ثمن الفودكا. توجهت إليه بهذا الطلب، لكنه إما لم يسمعني وإما خشي رطوبة المساء، ولكنه أعاد الحاجز الخشبي إلى مكانه، ليسود المكان الصمت المطبق الذي كان عليه من قبل. حملت الحقيبة فوجدتها ثقيلة للغاية يصل وزنها إلى أربعة بودات.٥٩ أسرعت أبحث عن الفتى الحوذي لكنه رفض وضْعها على مقعده قائلًا: «انظري بنفسك، المكان ضيق للغاية، كيف لي أن أضعها إلى جواري وأقود الحصان!» أُسقط في يدي! عدت من جديد مسرعة، أمسكت الحقيبة من مقبضها وجررتها وأنا أتوقف لالتقاط أنفاسي خطوةً بعد خطوة، ولسوء الحظ كان الجسر طويلًا. على أني نجحت في النهاية أن أصل. نزل الحوذي من العربة ووضع الحقيبة في المسافة بين مقعده والمقعد الخلفي، أما أنا فقد جلست فوقها بنفسي، وقد عقدت العزم ألا أتنازل عنها حتى ولو هاجمنا «الأوباش». راح الحوذي يهمز حصانه فانطلقنا بسرعة البرق، لنمر عبر طريقنا بأشخاص راحوا ينادون علينا، وبعد خمس عشرة دقيقةً وصلنا إلى الميدان التجاري. المكان هنا أكثر أمانًا. وعند هذه اللحظة انتعش سائقنا وبدأ يحكي عن الخوف الذي انتابه: «أردت أن أعود أدراجي، ولكن خشيت أن أترككِ وحدكِ. فقد جاءني اثنان من «الأوباش» وسألاني عن الأمر فقلت لهم إنني أحضرت رجلًا، وعندما سمعوا صياحك مع شخصٍ ما انصرفوا.»

رجوت الفتى أن يسرع في العودة، فقد كنت أدرك كم من الوقت مضى منذ مغادرتنا المحطة، وأن فيودور ميخايلوفيتش لا بد وأنه يفتقدني بشدة الآن. وقد اتضح أن زوجي، عندما وجد أنني لم أرجع، ذهب إلى استراحة السيدات، ولما لم يجدني هناك بعد أن تركت الأطفال وأليوشا للمربية، ذهب للبحث عني. ظل زوجي يسأل الحراس لعل أحدًا منهم قد رآني، فأجابه أحدهم أن السيدة استأجرت حوذيًّا اتجه بها ناحيةَ هذا الجانب من المدينة. كان فيودور ميخايلوفيتش قلقًا، لا يعرف إلى أين توجهتُ في هذه الساعة المتأخرة، وحتى يتمكن من لقائي، خرج إلى سقيفة الباب. وعندما رأيته عن بُعد صِحت: ها أنا ذا فيودور ميخايلوفيتش! جئت ومعي الحقيبة!

لحسن الحظ أن المكان أمام بوابة محطة السكك الحديدية لم يكن مضاءً بشكل مناسب، وإلا شاهد الناس سيدة محترمة لا تجلس على المقعد المخصص للجلوس في عربة وإنما فوق حقيبة، ويا له من منظر غير لائق بالمرة!

عندما قصصت على فيودور ميخايلوفيتش مغامراتي كلها أصابه الذعرُ ووصفني بالجنون.

– يا إلهي! يا إلهي! صاح زوجي، فكِّري في مدى الخطر الذي تعرضتِ له! الأمر أن الأوباش عندما رأوا حوذيًّا معه امرأة في عربته أسرعوا وراءكِ، وكان باستطاعتهم أن يهجموا عليكِ فينهبوكِ ويشوهوكِ ويقتلوكِ! فكِّري، ما الذي كان سيحدث لنا! سيحدث لي! سيحدث للأطفال! آه يا آنيا، إن اندفاعك هذا سيقودك للهلاك!

كان فيودور ميخايلوفيتش يرى أن اندفاعي، أو، كما يقال، ميلي لاتخاذ قرار خاطف في ثانية واحدة ووضْعَه موضع التنفيذ، دون إمعان التفكير فيما يترتب عليه من نتائج؛ هو أكبر عيوبي، وقد أشار إلى ذلك في بعض خطاباته إليَّ.

شيئًا فشيئًا عاد فيودور ميخايلوفيتش إلى هدوئه، وفي نفس الليلة عدنا إلى بطرسبورج سالمين.

أقدم هذا المشهد كنموذج للمصاعب والكروب التي صادفتنا في تلك الأزمان البعيدة، لمجرد سفرنا إلى بلد قريب نسبيًّا؛ مثل ستاريا روسا.

١  ديمتري إيفانوفيتش كوشلاكوف (١٨٣٥–١٨٩١م): أستاذ بالأكاديمية الطبية للجراحة، طبيب أمراض باطنية، تولَّى علاج دستويفسكي.
٢  انظر ملاحظاتي السابقة في هذا الشأن (ملاحظة لآنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا).
٣  مذكرات فسيفولد سولوفيوف عن فيودور ميخايلوفيتش دستويفسكي «البشير التاريخي»، ١٨٨١م، أبريل (ملاحظة لآنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا).
  اقتباس غير دقيق. عن هذا الأمر كتب فسيفولد سولوفيوف في عدد مارس (العدد ٣) من مجلة «البشير التاريخي» عام ١٨٨١م، ص٦١٤.
٤  فيكتور هوجو (١٨٠٢–١٨٥٥م): روائي فرنسي كبير.
٥  في أبريل عام ١٨٧٤م توقَّف دستويفسكي عن العمل باعتباره مُحررًا لمجلة «المواطن»، ولكنه في الواقع كان يمارس منذ نهاية عام ١٨٧٣م بعض المهام الشكلية فقط كمُحرر، وهو ما أخبر به م. بوجودين في خطابه له المؤرَّخ الثاني عشر من نوفمبر ١٨٧٣م: «… أقوم بإعداد العدد، أقرأ المقالات، أُنقحها ولكنني نادرًا ما أكتب، هذا هو كل عملي. أما ما يتعلق بباقي الأعمال، فإنني لا أملك حيالها تفسيرًا» (الخطابات، المجلد الرابع، ص٣٠٢).
٦  يدور الحديث هنا عن رواية «المراهق».
٧  المعاصر («سوفريمينيك»): مجلة دورية صدرت في بطرسبورج في الفترة من ١٨٣٦م وحتى ١٨٤٦م، أسسها الشاعر ألكسندر بوشكين، وبعد وفاته أعاد إصدارها مجموعة من أصدقائه وعلي رأسهم جوكوفسكي. في عام ١٨٣٨م انتقلت إلى بليتنيف الذي نقل حقوق إصدارها في عام ١٨٤٦م إلى نكراسوف. (المترجم)
٨  نيكولاي قنسطنطينوفيتش ميخايلوفسكي (١٨٤٢–١٩٠٤م): عالم اجتماع وكاتب وناقد أدبي، مُنظِّر للنزعة الشعبية. عمل بمجلة «حوليات الوطن» منذ عام ١٨٦٨م، ثم عضوًا بهيئة تحريرها.
٩  ألكسندر ميخايلوفيتش سكابيتشيفسكي (١٨٣٨–١٩١٠م): مؤرخ للأدب وناقد، عمل بمجلة «حوليات الوطن» منذ عام ١٨٦٨م.
١٠  جريجوري زخاروفيتش يليسييف (١٨٢١–١٨٩١م): كاتب وصحفي. عمل بمجلة «المعاصر»، ثم عمل محررًا بصحيفة «الشرارة» («إيسكرا») منذ عام ١٨٦٨م، عضو هيئة تحرير «حوليات الوطن».
١١  يدور الحديث هنا عن «حوليات الوطن»؛ إذ إن «المعاصر» كانت قد توقفت عن الصدور في عام ١٨٦٦م. وعن صداقته بنكراسوف في الأربعينيات، وعن «الذكرى الخالدة» للقاء الأول بينهما، يحكي دستويفسكي في «مذكرة الكاتب» عن عام ١٨٧٧م (دستويفسكي، ١٩٢٦–١٩٣٠م، ص٢٩–٣٢؛ انظر أيضًا مذكرات ديمتري جريجورفيتش في كتاب: دستويفسكي في مذكرات مُعاصريه، الجزء الأول، ص١٣٢-١٣٣). ولكن سرعان ما دبَّ الخلاف بينهما، ويرجع السبب في ذلك بشكل أساسي إلى تحول موقف بيلينسكي وحلقته من دستويفسكي (انظر في هذا السياق مذكرات أفدوتيا بانايفا في كتاب: دستويفسكي في مذكرات مُعاصريه، الجزء الأول)، على أنهما لم يَعبُرا هذا الخلاف الذي دبَّ بينهما. وفي مجلة «الزمن»، التي أصدرها الأخوان دستويفسكي، ظهرت مقالتان لنكراسوف («أطفال الفلاحين» و«وفاة بروكليس»). وفي بداية صدور «الزمن»، عندما كان توجُّهها يميل إلى نزعة «أنصار الأرض» على نحوٍ مُبهم، لم يكن نكراسوف وحده الذي كتب فيها رسالته الساخرة بعنوان «نشيد الزمن»، وإنما شارك بالكتابة فيها أيضًا نشيرنيشيفسكي إلى جانب آخرين شاركوا هم أيضًا عن طيب خاطر بالكتابة في هذه المجلة الجديدة. وفيما بعد اشتدَّ الصراع الفكري بين مجلة «الزمن» (التي تحولت فيما بعد إلى «المعاصر»)، وذلك بفضل انضمام الكاتب نافد الصبر، صاحب المزاج القتالي نيكولاي ستراخوف إلى هيئة تحرير المعاصر، ومعه أبوللون جريجورييف من جانب، ثم انضمام سالتيكوف شيدرين، صاحب القلم الحاد الذي لا يلين، إلى المجلة لتزداد نبرة المجلة حدةً على نحوٍ ملحوظ، وخاصة بعد وفاة دوبروليويوف ونفي تشيرنيشيفسكي. ولم يكن من الممكن ألا ينعكس ذلك كله على تراجُع العلاقة بين نكراسوف ودستويفسكي، على أنها لم تُصبح على الإطلاق علاقة عدائية. وحتى عندما ألقى دستويفسكي باللائمة على نكراسوف لاتخاذه منحًى «رسميًّا» في شِعره وسخر من قصيدته «النساء الروسيات»، فقد أفصح في الوقت نفسه عن تعاطُفه معه باعتباره واحدًا «من أكثر شعرائنا حماسًا واكتئابًا و«معاناة».» (دستويفسكي، ١٩٢٦–١٩٣٠م، المجلد الحادي عشر، ص٢٣). تضع آنَّا جريجوريفنا كلًّا من ن. ميخايلوفسكي، أ. سكايتشيفسكي، ج. يليسييف، موظفي مجلة «حوليات الوطن» في عِداد الكارهين لدستويفسكي بصراحةٍ تامة ودون إثبات، وكانت تقصد تطابُق تقاليد «حوليات الوطن» و«المعاصر». في الوقت نفسه فإن سكابيتشيفسكي ويليسييف لم يكتبا شيئًا في «حوليات الوطن» عن دستويفسكي، عدا بعض الإشارات العابرة، أما ميخايلوفيسكي فهو صاحب المقالة الوحيدة الموضوعية والمتزنة التي كُتبت عن رواية «الشياطين» («حوليات الوطن»، ١٨٧٣م، العدد ٢). وعن الجدل الذي دار بين «المعاصر» من جانب، ومجلتي «الزمن» و«العصر» من جانب آخر، انظر «مذكرات عن ف. م. دستويفسكي» (السيرة، ص٢٧٥-٢٧٦)؛ س. بورشيفسكي، شيدرين ودستويفسكي. قصة صراعهما الفكري، موسكو، ١٩٥٦م؛ أ. جورالنيك، دستويفسكي والصراع الجمالي الأدبي في الستينيات. في منتخب «إبداع دستويفسكي»، موسكو، ١٩٥٦م.
١٢  حوليات الوطن (١٨٣٩–١٨٨٤م): مجلة شهرية صدرت في بطرسبورج، أصدرها كرايفسكي حتى عام ١٨٦٨م، ثم جاء بعده نكراسوف وسالتيكوف شيدرين ويليسييف. وتولَّى بيلينسكي قسم النقد في الفترة من ١٨٣٩م إلى ١٨٤٦م. رأس نكراسوف تحريرها من ١٨٦٨م إلى ١٨٧٧م مواصلًا تقاليد «المعاصر». (المترجم)
١٣  ميخائيل نيكيفوروفيتش كاثكوف (١٨١٨–١٨٨٧م): ناقد، كاتب، ناشر مجلة «البشير الروسي» وصحيفة «الوقائع الموسكوفية».
١٤  إمس (Ems): مدينة في ألمانيا. (المترجم)
١٥  سودين: مدينة في ألمانيا. (المترجم)
١٦  ياكوف بوجدانوفيتش فون بريتسل (١٨٤٢–١٩١٨م): طبيب أسرة دستويفسكي منذ عام ١٨٧٠م. أول من استدعته زوجة دستويفسكي عند احتضاره في ٢٦ يناير ١٨٨١م. وقد كتب مذكراته عن الكاتب وضمَّنها تفاصيلَ عن صحته والساعات الأخيرة في حياته. (المترجم)
١٧  فريدريخ تيودور فريوريخس (١٨١٩–١٨٨٥م): أستاذ وطبيب الأمراض الباطنية. استقبل دستويفسكي في برلين عام ١٨٧٤م.
١٨  فيلهم كاولباخ (١٨٠٥–١٨٧٤م): فنان ألماني.
١٩  خطابه إليَّ المؤرخ ٢٥ يوليو ١٨٧٤م (ملاحظة لآنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا).
  الخطابات، المجلد الثالث، ص١٠٢. الأرجح أن مقالة دستويفسكي «مجاز بارد» كانت تخص بالنقد لوحتَي ف. كاولباخ: «معارك الهن» و«سقوط أورشليم» اللتين كانتا تزينان مدخل متحف برلين الملكي.
٢٠  المصدر السابق (ملاحظة لآنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا).
  الخطابات، المجلد الثالث، ص١٠٣.
٢١  الخطابات، المجلد الثالث، ص١٠٨، ١١٠.
٢٢  انظر: الفصل ٦ من الباب السابع.
٢٣  ميخائيل يفستافيفيتش كوبليتسكي (١٨٢١–١٨٧٥م): مؤرخ مسرحي وعالم في الموسيقى.
٢٤  ناتاليا بتروفنا شاليكوفا (الاسم المستعار «ي. ناريسكايا») (١٨١٥–١٨٧٨م): كاتبة؛ تعرفت على دستويفسكي في فيسبادن عام ١٨٥٦م.
٢٥  خطاب زوجي إليَّ المؤرخ ٢١ يوليو ١٨٧٤م (ملاحظة لآنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا).
  الخطابات، المجلد الثالث، ص١٢٧.
٢٦  الخطابات التي أرسلها لي في الفترة من ٢٤ يونيو إلى ١٤ يوليو وغيرها (ملاحظة لآنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا).
  الخطابات، المجلد الثالث، ص١١٤، ١٣١.
٢٧  كانت هيئة تحرير مجلة «المعاصر» التي أسسها نكراسوف هي التي تدير الجدل مع مجلتَي «الزمن» و«العصر»، بعد أن أصبح نكراسوف رئيسًا لتحرير «حوليات الوطن»؛ اعتبارًا من عام ١٨٦٨م، بينما العدد الأخير من «العصر» في عام ١٨٦٥م.
٢٨  ألكسي نيكولايفيتش بليشييف (١٨٢٥–١٨٩٣م): عضو في حلقة بيتراشيفسكي، شاعر وناقد.
٢٩  انظر: [الجزء السابع، العامان ١٨٧٥-١٨٧٤م، التعليق رقم ١١]. ليس من قبيل المصادفة أن كتبت آنَّا جريجوريفنا: «وبليشييف جزئيًّا»، لعلمها، بداهة، أنه وعلى الرغم من الاختلاف الفكري بين دستويفسكي وبليشييف (وقد شغل الأخير في عام ١٨٧٤م منصب سكرتير «حوليات الوطن») فقد استمرت علاقتهما الشخصية وديةً تمامًا، والتي تعود إلى الأربعينيات عندما كانا عضوين في جماعة بتراشيفسكي. انظر في هذا السياق التقديم الذي كتبه ل. س. بوستيلنيك لخطابات أ. ن. بليشييف إلى دستويفسكي. في كتاب «الأرشيف الأدبي»، الجزء السادس، موسكو، ليننجراد، ١٩٦١م، ص٢٥٢–٢٥٥. وعن العلاقة بين دستويفسكي وبليشييف انظر أيضًا: مقالة ف. ل. كوماروفيتش «شباب دستويفسكي»، مجلة «الماضي»، ١٩٢٤م، العدد ٢٣، ص٣–٤٣.
٣٠  الخطابات، المجلد الثالث، ص١٤٥.
٣١  يدحض ظهور «المراهق» في مجلة «حوليات الوطن» الراديكالية، والتي يحررها شيدرين ونكراسوف؛ يدحض بشكل عمليٍّ رأيَ آنَّا جريجوريفنا في هذا الخصوص. كان دستويفسكي متعاطفًا في السبعينيات مع التوجه السياسي «للبشير الروسي»، ومع المقالات التي ينشرها كاتكوف. على أن العلاقة بين كاتكوف ودستويفسكي كانت تتعرض مرارًا للتوتر والبرود. وقد صاحب ظهورَ «الجريمة والعقاب» و«الشياطين و«الإخوة كارامازوف» في «البشير الروسي» كثيرٌ من الخلافات الجادة بينهما. وعلى صعيد آخر، فإن الخلافات الأيديولوجية الجوهرية مع توجُّه «حوليات الوطن»، لم تمنع دستويفسكي من الشعور بالتعاطف العميق مع نكراسوف، الذي كان يرى فيه صديقًا قديمًا وشاعرًا عظيمًا.
٣٢  انظر: [الجزء السادس، العامان ١٨٧٢-١٨٧٣م، التعليق رقم ٤١].
٣٣  يفتيخي إيفانوفيتش ليونتيف (؟–١٨٩٢م): عاش دستويفسكي في بيته في ستاريا روسا عامَي ١٨٧٤-١٨٧٥م.
٣٤  لا يزال هذا البيت قائمًا على حاله حتى اليوم (ملاحظة لآنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا).
٣٥  تمدد أوعية الرئة. (المترجم)
٣٦  اشتراه فيودور ميخايلوفيتش بنفسه للأطفال، والآن يلعب به أحفاده (ملاحظة لآنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا).
٣٧  المازوركا: رقصة بولندية. (المترجم)
٣٨  فيتيوكوفيتش: محامي ديمتري كارامازوف في رواية «الإخوة كارامازوف». وقد أفرد دستويفسكي ثلاثة فصول لخطابه. يمكن للقارئ الاطلاع على هذا الخطاب البليغ في ترجمة د. سامي الدروبي للرواية الصادرة عن دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، المجلد الثالث، الجزء الرابع، الباب الثاني عشر. (المترجم)
٣٩  كان لهذا الفصل أثر هائل على نكراسوف، وهو ما ذكره لي زوجي في خطابه المؤرخ التاسع من فبراير ١٨٧٥م (ملاحظة لآنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا).
  الخطابات، المجلد الثالث. انظر: الباب السابع، الفصل ٧.
٤٠  الأب بارفيني (بيوتر جاييف قبل الانخراط في سلك الرهبنة)، مؤلف المذكرات الشهيرة المعروفة باسم «قصة رحلة الأب بارفيني إلى روسيا ومولدافيا وتركيا والأراضي المقدسة»، تعرَّف دستويفسكي على هذا الكتاب، الذي أشاد به سالتيكوف شيدرين وأنينكوف وتورجينيف، إبان وجوده في سيميبالاتينسك، وقد ترك الوصف الشاعري والبساطة الآسِرة، التي قدَّم بها الأب بارفيني رحلاته عن الشرق، أثرًا عميقًا على دستويفسكي. يؤكد ستراخوف (انظر: «السيرة» ص٢٩٨) أن دستويفسكي اصطحب معه في عام ١٨٦٧م عند سفره إلى الخارج كتاب «رحلات الأب بارفيني»، وقد استفاد مما به من مفردات وتعبيرات استخدمها على لسان ماكار إيفانوفيتش في رواية «الأبله». وفي خطابه إلى ن. أ. لوبيموف المؤرخ السابع من أغسطس ١٨٧٩م، أشار دستويفسكي في سياق حديثه عن «الإخوة كارامازوف» إلى الكتاب السادس من الرواية تحت عنوان «عن الكتابة المقدسة في حياة الأب زوسيما» في قوله: «هذا الفصل رائع وشاعري، النموذج الأصلي هنا مأخوذ من بعض تعاليم تيخون زادونسكي، أما بساطة العرض فهي من كتاب رحلات الأب بارفيني» (الخطابات، المجلد الرابع، ص٩٢). عن التأثير الذي تركه بارفيني على إبداع دستويفسكي، انظر العمل المتميز الذي كتبه ر. ف. بليتنيف: “Dostojevski und der Hieromonach Parfenij.” “Zeitschtift für slavische Philologie,” Band xiv, Heft 1-2, 1937, s. 30–46.
٤١  ورد وصفه في رواية «الإخوة كارامازوف»، حيث ذهب ميتيا كارامازوف إلى هذا المحل لشراء هدايا توجَّه بها إلى موكروي (ملاحظة لآنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا).
٤٢  كان فيودور ميخايلوفيتش يقدِّر بروخورفنا تقديرًا كبيرًا؛ لحبها لطفلنا، وكان زوجي يذكرها أحيانًا في خطاباته إليَّ، «وقد صورها في رواية «الإخوة كارامازوف» في شخصية العجوز، التي كانت تُخرج الصدقات على روح ابنها الحي، الذي لم تكن تصلها منه أنباء، وكان فيودور ميخايلوفيتش قد نصحها بذلك وتنبأ لها أنها ستتلقى خطابات في القريب العاجل، وهو ما حدث بالفعل (ملاحظة لآنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا).
٤٣  إيفان أندرييفيتش كريلوف (١٧٦٩–١٧٤٤م): كاتب قصص وحكايات روسي. أصدر مجلات ساخرة. كتب في الفترة من ١٨٠٩م إلى ١٨٤٣م ما يزيد عن مائتَي حكاية. أطلق جوجول على حكاياته اسم «كتاب حكمة الشعب». (المترجم)
٤٤  في هذا الزمن كانت القطارات تصل إلى مدينة نوفجورود القريبة، ومن هناك يقطع البريد ثمانين فرسخًا (وأربعين أخرى عبر البحيرة) على الخيول، ومن ثَم كنا نتسلم الصحف من سعاة البريد في اليوم التالي فقط، ولذلك كنا نذهب بأنفسنا إلى مكتب البريد لنتسلم الصحف في يوم صدورها (ملاحظة لآنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا).
٤٥  بمناسبة الورق: في ذلك المجتمع (وبخاصة المجتمع الأدبي)، الذي تربى في وسطه فيودور ميخايلوفيتش، لم يكن لعب الورق أمرًا معتادًا. وعلى امتداد حياتنا معًا، والتي استمرت أربعة عشر عامًا، لم يلعب زوجي الورق سوى مرة واحدة، عندما كان في ضيافة أقاربنا، وعلى الرغم من أنه كان قد انقطع عن اللعب لمدة تزيد عن عشر سنوات، فقد لعب على نحو رائع، بل إنه كسب بضعة روبلات شعر بسببها بالخجل (ملاحظة لآنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا).
٤٦  إدوارد ميخايلوفيتش جوتسكي دانيلوفيتش (؟–١٨٩٥م): عقيد، جنرال فيما بعد. رئيس شرطة ستاريا روسا. المسئول عن الرقابة السرية لدستويفسكي باعتباره عضوًا سابقًا في جماعة بتراشيفسكي.
٤٧  تم نشر المواد الخاصة بقضية الرقابة السرية على دستويفسكي إبان وجوده في ستاريا روسا في كتاب أ. ز. جافورونكوف وس. ف. بيلوف، «قضية الملازم ثانٍ متقاعد فيودور ميخايلوفيتش دستويفسكي»، مجلة «روسكايا ليتيراتورا» (الأدب الروسي)، ١٩٦٣م، العدد ٤.
٤٨  انظر ترجمتنا لما ورد في هذا الكراس الأزرق المنشورة بمجلة ضاد، الصادرة عن اتحاد كتاب مصر، تحت عنوان: اختفاء دستويفسكي، العدد الرابع، السنة الأولى، يونيو ٢٠٠٦م، ص٦٣–٧٠.
٤٩  ورد في تقرير جوتسكي عن دستويفسكي ما يلى: «يعيش حياته بوعي كامل، حتى إنه يسعى للسير في أقل الطرق ازدحامًا، يعمل يوميًّا في الليل، يواصل العمل في غرفته على مكتبه حتى الرابعة صباحًا …» (المترجم)
٥٠  الخطابات، المجلد الثالث، ص١٣١.
٥١  تؤكد ف. س. نيتشايفا أن آنَّا دستويفسكايا على خطأ هنا؛ فقد رُفعت الرقابة السرية عن دستويفسكي منذ صيف عام ١٨٧٥م، وهو الأمر الذي لم يكن دستويفسكي على علم به حتى عام ١٨٨٠م، ففي ربيع عام ١٨٨٠م قدَّم دستويفسكي التماسًا إلى الأمير العظيم قنسطنطين نيكولايفيتش لرفع الرقابة عنه، وذلك عن طريق «شخصية هامة»، هي الكاتب أ. أ. كيرييف، الذي كان يعمل في معية الأمير، وقد تم إبلاغ دستويفسكي بعدها أن الرقابة مرفوعة عنه بالفعل منذ عام ١٨٧٥م (انظر: ف. س. نيتشايفا، متى رفعت الرقابة السرية عن دستويفكي. «الأدب الروسي»، ١٩٦٤م، العدد الثاني).
٥٢  الخطابات، المجلد الثالث، ص١٤٩.
٥٣  الخطابات، المجلد الثالث، ص١٤٧.
٥٤  الخطابات، المجلد الثالث، ص١٥١–١٥٢.
٥٥  في خطابه إلى آنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا المؤرخ الثاني عشر من فبراير ١٨٧٥م، يشير دستويفسكي صراحةً إلى الخلاف الذي وقع بينه وبين أبولون مايكوف ونيكولاي ستراخوف بسبب نشر «المراهق» في «حوليات الوطن» الذي يرأس تحريرَها نكراسوف. (انظر: الخطابات، المجلد الثالث، ص١٥٥). كان أبولون نيكولايفيتش مايكوف صديقًا مقربًا من دستويفسكي منذ النصف الثاني من الأربعينيات، كما كان مقربًا أيضًا منذ هذا التاريخ من جماعة بتراشيفسكي. وكان مايكوف تحديدًا محل ثقة دستويفسكي فيما يخص معلوماته السرية عن الاستعدادات الجارية لقلب الحكومة، كما قص عليه عن عزمه هو ونفر من أعضاء جماعة بتراشيفسكي: سبيشنيف، مودفينوف، ومومبيللى، وفيلييوف وميليوتين، الانفصال عن هذه الجماعة، و«تكوين جمعية خاصة بهم تمتلك مطبعة سرية (…) بهدف القيام بانقلاب في روسيا» (انظر «الأرشيف التاريخي»، ١٩٥٦م، الجزء الثالث، ص٢٢٤-٢٢٥؛ انظر كذلك خطاب أبولون مايكوف إلى البروفيسور ب. أ. فسكوفاتوف. دستويفسكي، الجزء الأول، ص٢٦٦–٢٧١).
وقد عادت العلاقات الودية بين دستويفسكي ومايكوف سيرتها الأولى في الخمسينيات والستينيات. زد على ذلك أن دستويفسكي، كما أشار بحق أ. س. دولينين، «راح في نهاية النصف الأول من الستينيات يعيد النظر في أفكاره التي اقتربت أكثر من النزعة السلافية، ومن ثَم فقد كان عليه أن يتواصل مرة أخرى مع مايكوف، الذي كان قد مر بنفس مراحل التطور قبل ذلك بعدة أعوام (في نهاية الخمسينيات). (الخطابات، المجلد الأول، ص٥١٩). وفي النصف الثاني فقط من السبعينيات، عندما جرى نشر «المراهق» في «حوليات الوطن»، عاد الفتور ليخيم على العلاقة بين دستويفسكي ومايكوف وبخاصة بعد رد دستويفسكي على سؤال ألقاه أحدهم عليه إبان غداء أقامه بعض الأساتذة والأدباء في الثالث عشر من مارس ١٨٧٩م؛ تكريمًا لتورجينيف بقوله: «لماذا أنت الوحيد الذي ينشر في «البشير الروسي»؟» وقد أجاب دستويفسكي على الفور: «لأنهم يدفعون أكثر وبأمانة ومقدمًا.» وفي نفس اليوم كتب مايكوف خطاب احتجاج إلى دستويفسكي تساءل فيه بحدة قائلا: «لقد انتظرت أن تقول، باعتبارك شخصًا مستقلًّا، ونظرًا لتعاطفك مع كاتكوف واحترامك له، ولاتفاقك معه في العديد من الآراء الأساسية (…) العديد من الآراء الأساسية لكنك ابتعدت دون أن تقول لماذا، هل تنشر عند كاتكوف بسبب النقود؟» (دستويفكي، المجلد الثاني، ص٣٦٤). عن ستراخوف انظر الباب الثاني عشر من هذا الكتاب (الفصل (٢)، رَدِّي على ستراخوف) وكذلك [الجزء الثاني عشر، ما بعد موت فيودور ميخايلوفيتش، التعليق رقم ٣٨].
٥٦  الخطابات، المجلد الثالث، ص١٨٠.
٥٧  تيمنًا بالقديس ألكسي، وكان من الأولياء الذين أحبهم فيودور ميخايلوفيتش، ولهذا أطلق اسمه على مولوده، على الرغم من أحدًا في عائلتنا لم يكن يحمل هذا الاسم (ملاحظة لآنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا).
٥٨  إدوارد فاسيليفيتش ليرخي (١٨٢٧–١٨٨٩م): سيناتور، محافظ نوفجورود في الفترة من ١٨٦٤م إلى ١٨٨٢م.
٥٩  البود: وحدة وزن زِنتها ١٦٫٣٨ كيلوجرامًا. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤