الفصل السادس

جلسة التحقيق في مُلابسات الوفاة

بعد ذلك بيومَين، وجد السيد فرانسيمري، الذي استُدعي للقيام بمهامِّ المُحلَّف في تلك الممارسة التقليدية القديمة التي تُعرَف بجلسة التحقيق العلَني في ملابسات الوفاة، ليجد نفسه رئيسًا لهيئة مُحلَّفين مكوَّنة من اثني عشر رجلًا من الأفاضل والشُّرفاء في قاعة الطعام القديمة في ماركنمور كورت. كانت تلك القاعة المَهيبة قد أُعِدَّت وجُهِّزت خصِّيصى لهذا الحدث، ولاحظ براكسفيد ببالغ الأسى أنَّ هذه كانت المرة الأولى على الإطلاق التي تُستخدَم فيها القاعة منذ العشاء الفخم الذي استضاف فيه السير أنطوني أصدقاءه وجيرانه بمناسبة بلوغ جاي سنِّ الرشد. كانت غرفة فسيحة جدًّا، ذات طابع باروني في شكلها وكانت في زمنِها تحتضِن الكثير من المناظر المُبهرجة واللافتة. لكنَّها، منذ أن شيَّدها أحد أفراد آل ماركنمور الذي مات منذ أمدٍ بعيد، لم تكتظ قطُّ بأناس كثيرين من مختلف الأطياف والطبقات كما كانت في صباح هذا اليوم الربيعي المُشرِق. فقد كانت تضمُّ مُحلَّفين وشرطيين وشهودًا، وكان تشيلفورد حاضرًا، بصفته مُمثلًا للعائلة، وكان يُوجَد مُحامٍ آخرُ يُمثِّل هاربورو، بالإضافة إلى محامٍ أمام القضاء العالي من لندن لتمثيل وجهة نظر السلطات في القضية، وكان ثمة مسئولون من شتَّى الأطياف، ومراسلون صحفيون من الصحافة المحلية، ومندوبان أو ثلاثة أُرسلوا خِصِّيصى من صُحُف لندن. لكنَّ كل هؤلاء كانوا لا شيء مقارنةً بحشد الحاضرين؛ ذلك الحشد الذي ضم أناسًا من القرية وأناسًا من عائلة عريقة في المقاطعة وأناسًا من قريبٍ ومن بعيد. وهنا ارتأى السيد فرانسيمري وهو يضبط نظارته ذات الإطار الذهبي وينظُر حوله، أنَّ قضية ماركنمور صارت قضيةَ رأي عام بالفعل.

كان بإمكان السيد فرانسيمري في تلك اللحظة أن يقول صدقًا إنَّه وزملاءه المُحلَّفين قد أتَوا لمُتابعة سَير هذا التحقيق المهم بأذهانٍ منفتحة غيرِ مُتحيزة ولا مُطلعة على معلومات خاصة. ففي الساعات الثماني والأربعين (أو الاثنتين والخمسين على وجه التحديد) التي انقضت منذ اكتشاف جثة جاي ماركنمور، لم يتسرَّب أيُّ شيءٍ آخر إلى عامة الناس. وكان قد وقع الكثير من الأحداث. فقد نُشِرَت أعداد هائلة من قوات الشرطة في القرية التي عادة ما كان الهدوء يعمُّها، وكانوا يمشطون الغابة والبلدات وكل المناطق المُحيطة مباشرة بمسرح الجريمة. وكان بليك عاكفًا على إجراء تحرِّيات في كل أنحاء الحيِّ مع اثنين أو ثلاثة من مرءوسين أقلَّ رُتبة منه، ولم يتركوا أيَّ إنسان تقريبًا في أي منطقة جانبية مجاورة لماركنمور دون أن يسألوه عن معلومات تخصُّ القضية.

لكنَّ أولئك الذين أجرَوا كل هذه التحريات التزموا صمتًا تامًّا غير مألوف طوال إجرائها، وباستثناء أفراد الشرطة، لم يكن أيٌّ من الحاضرين في قاعة الطعام الكبيرة، التي تحوَّلَت آنذاك إلى محكمة، لديه أدنى فكرة عما يوشِك أن يتكشَّف. ومع ذلك، كان ثمَّة شيءٌ واحد معروف. فالسيدة تريزيرو لم تكُن قد اكتفت باتهام جون هاربورو أمام الأخ وأخته والرجال الذين كانوا مُجتمِعين قبل يومَين في غرفة الجلوس النهارية. بل اتهمته مُجددًا أمام قسِّ الأبرشية وأهل القرية وأناسٍ آخرين، وصار معروفًا تمامًا لدى الكثيرين أنَّها مُتيقنة تمامًا من أنَّ هاربورو قد قتل جاي ماركنمور. لذا كانت مَحطَّ اهتمامٍ كبير بطبيعة الحال بينما كانت جالسة بالقُرب من الطاولات الكبيرة المُتراصَّة في منتصف القاعة، مُرتدية ثيابَ حِداد شديدة السواد، ذات طابعٍ دراميٍّ مُبالغٍ فيه بعض الشيء. ولم تكن وحدَها؛ فمع أنَّ حفلها المنزلي كان قد انفض في يوم المأساة، بقي اثنان من أصدقائها معها: امرأة في منتصف العمر ذات مكانةٍ اجتماعية راقية تُدعى السيدة هاميلتون، ورجل وَسِيم يبدو بصحة جيدة في الخمسين من عمره يُدعى البارون فون إيكهاردشتاين، وكان يُقال إنه من كبار رجال المال والاستثمار الأوروبيين. كان الاثنان جالسَين على جانبَي السيدة تريزيرو، وعلى مسافةٍ قصيرة منهم، كان هاربورو جالسًا في تجهُّم، رابط الجأش، بجوار مُحاميه السيد ووكينشو.

مرَّ السيد فرانسيمري ورفاقه المُحلَّفون الأحد عشر تلقائيًّا بالمُقدمات الكئيبة المعتادة، والمُهمة البشعة المُتمثلة في مشاهدة الجثة. ثم استمعوا باحترامٍ للتعليقات الاستهلالية التي ألقاها قاضي التحقيق في ملابسات الوفاة، مُدرِكين طوال الوقت أنَّ هذا ما هو إلا مجرد روتين؛ فالشيء الحقيقي الذي كان جديرًا بالاهتمام هو أقوال الشهود. وفجأة، اختتم القاضي تعليقاته دون سابق إنذار، وبدأ المُحلَّفون والمُتفرِّجون التركيز على المرحلة الحقيقية؛ ألا وهي سماع ما يُمكن أن يُقال ويُسهِم، بطريقةٍ أو بأُخرى، في كشف غموض اللُّغز الأهم على الإطلاق: مَن قتل جاي ماركنمور؟

لم تُسفِر مراحل التحقيق الأولى إلَّا عن القليل من المعلومات الجديدة أو المُثيرة. فتعرَّف هاري ماركنمور على الجثة باعتبارها جثة أخيه الأكبر، جاي، قائلًا إن عمره كان خمسة وثلاثين عامًا. ولم يكن يعرف ما إذا كان جاي مُتزوجًا أم لا. فقد ترك جاي ماركنمور كورت قبل سبع سنوات، ولم ترَه عائلته أو تسمع عنه شيئًا قط منذ ذلك الحين، إلَّا في الليلة السابقة للجريمة، التي ظهر فيها فجأة. ثم سرد هاري تفاصيلَ الزيارة القصيرة، وقال إنَّ أخاه غادر المنزل في حوالي الساعة العاشرة والنصف. وأضاف أنَّ أخاه تحدَّث عن ارتباطه بموعدٍ ما في الجوار، وذكر أنَّ العشاء سيكون جاهزًا في انتظاره في المكان الذي كان مُتجهًا إليه. ولم يكن لدى هاري أدنى فكرة بخصوص المكان الذي ذهب إليه جاي بعدئذٍ. وذكر أنَّ أخاه لم يَعُد إلى ماركنمور كورت، ولم يرَه أي أحدٍ من أهل البيت مُجددًا حتى نُقِل جثمانه إليه في الصباح الباكر من اليوم التالي.

ثم أدلى هوبز، عامل الحرث بالمزرعة، بأقواله بشأن العثور على الجثة، التي كان قد تعرَّف هويةَ صاحبها في الحال، وسرد تفاصيل ما فعلَه للحصول على المساعدة. وقال إنه لم يرَ أحدًا في هذا الجزء من الروابي، ولم يلحظ أيَّ شيء مُريب بالقُرب من مسرح الجريمة.

ثم أدلى شرطي القرية بأقواله عن عمليات البحث التي أُجريت في الأنحاء المُحيطة بمنخفض ماركنمور هولو، وقال إنهم لم يجدوا أي علامة على نشوب أي شجار، ولا آثار أقدام، وقال إنَّ العُشب المحيط بالمكان كان أشبهَ بالأسلاك النحيلة جدًّا، وكان كثيفًا مُتلاصقًا، ومرنًا للغاية؛ فالمنطقة لم تشهد أي أمطار مؤخرًا، وفشلت حتى أدق الفحوصات التي أُجريت عن كثَب في العثور على أي شيءٍ شبيه بآثار كهذه. ولم يُعثَر على أي سلاح من أي نوع بالقُرب من مكان الجريمة، ولا في الشجيرات السفلية المجاورة له. وأدلى هذا الشاهد أيضًا بأقواله بشأن الفحص الذي أجري لثياب المُتوفى، حين نُقِلت الجثة إلى ماركنمور كورت. فقال إنهم عثروا فيها على مبلغٍ كبير من المال في صورة أوراق نقدية وعملات ذهبية وفضية. كذا كانت هناك ساعة ذهبية وسلسلة ومدلاة. وعُثِر كذلك على ثلاثة خواتم، كان منها اثنان مُرصَّعان بالألماس. كما عُثر على مُتعلقات صغيرة متنوعة: علبة سيجار فضية وعلبة ثقاب فضية وما إلى ذلك، وحافظتَي جيب. وقد صارت كل هذه الأشياء في حيازة الشرطة. وقال إنه كان مُتيقنًا، حين أحضره الشاهد السابق إلى ماركنمور هولو، من أنَّ الجثة لم يُعبَث بها إطلاقًا، وأنَّ الملابس والمُتعلقات المختلفة التي ذكرها للتوِّ لم تُمَس. وبناء على هذه الحقائق، فضلًا عن حقيقة أنَّ القتيل كان بحوزته مبلغ كبير من المال، قال الشرطي إنه استنتج فورًا أنَّ جريمة القتل لم تُرتكَب بدافع السرقة.

حظِيَت شهادة طبيب الشرطة باهتمامٍ أكبر. فقال إنَّ الساعة كانت حوالي السابعة إلا ثلثًا صباحًا حين وصل رُفقة قائد شرطة المنطقة والمُحقق الرقيب بليك إلى ماركنمور هولو. وذكر أنَّه أدرك في الحال آنذاك أنَّ جاي ماركنمور قد مات رميًا بالرصاص، مُضيفًا أنه استنتج حينئذٍ أنَّ وقت الوفاة كان قبل ذلك الوقت بمُدة تتراوَح بين ساعتَين وثلاث، وكانت أقربَ إلى ثلاث ساعات منها إلى ساعتَين. وقد ظلَّ رأيه بعدئذٍ كما هو؛ إذ حدَّد أنَّ وقت الوفاة الفعلي كان في حوالي الرابعة صباحًا. وذكر أنَّ الوفاة وقعت في الحال. وأضاف أنَّه تيقَّن عند تشريح الجثة لاحِقًا من أنَّ الرصاصة — التي عَرَضَها أمام الحاضرين — والتي يظنُّها أُطلِقت من مسدس من مسافةٍ قريبة، اخترقت الرأس من عند الصدغ الأيمن ومرَّت عبر الدماغ في اتجاهٍ مُنحنٍ إلى الأسفل واستقرَّت في النهاية في العضلات الواقعة أسفل الأذن اليُسرى بقليل.

سأله قاضي التحقيق: «هل كان من المُمكن أن يكون هو مَن أصاب نفسه بهذا الجرح؟»

أجاب الشاهد: «بالطبع.»

«ولكن في هذه الحالة، كان من المُفترَض العثور على السلاح بالقُرب من متناول يده؟»

«في هذه الحالة، أتوقَّع أننا كنَّا سنجِده ما زال مُمسكًا بالسلاح. فالمُرجَّح في مثل هذه الحالة أنَّ الرجل الذي يُطلِق الرصاص على نفسه يكون مُمسكًا مسدسه بقبضةٍ شديدة الإحكام في أثناء ذلك، وأنَّ أصابعه تُشدِّد قبضتها حين تُؤتي الرصاصة مفعولها.»

«ونظرًا إلى عدم وجود مُسدس بالقُرب منه، استنتجتُ أن هذه جريمة قتل؟»

«أجل، جريمة قتل!»

«هل توصَّلتَ إلى أي استنتاج بشأن الكيفية التي نُفِّذَت بها؟»

«أجل. أظن أنَّ القاتل والضحية كانا يسيران جنبًا إلى جنب، مُنهمكَين في محادثة عن قُرب على الأرجح، وكان الضحية على اليسار. وأظن أنَّ القاتل رفع يدَه اليُمنى عبر جسده فجأةً وهي مُمسكة بالمُسدس، وأطلق الرصاصة على الضحية من مسافة قريبة حرفيًّا، فيما كان الضحية غيرَ مُدرِك إطلاقًا بأنَّه على وشك التعرُّض لاعتداء. ومن المُؤكَّد أنَّ فوهة المسدس وُضِعت بالقُرب من الصدغ؛ إذ كان جِلد الصدغ والشعر الرقيق المُحيط به مُحترقَين.»

فالتفت قاضي التحقيق إلى هيئة المُحلَّفين.

وقال: «تُشرق الشمس حاليًّا في حوالي الساعة الخامسة إلا عشر دقائق. إذن، فمن المُفترض أن الضوء كان مُنتشرًا بدرجةٍ كبيرة بعض الشيء في الساعة الرابعة. وهذه نقطة مهمة أيها السادة. يجب أن تضعوها في الحسبان، في ظلِّ ما سمعتموه للتو.»

لم يكن أيٌّ من المُحامين لديه أسئلة ليطرحها على طبيب الشرطة، فعاد إلى مقعده، ودارت مداولة هامسة بين قاضي التحقيق وأحد موظفيه المُساعدين. ثم حانت اللحظة التي كانت المحكمة المكتظة تنتظِرها بلهفةٍ مكبوتة.

«السيدة فيرونيكا تريزيرو!»

قامت السيدة تريزيرو من بين صديقيها اللَّذين كانا يدعمانها، وسارت رويدًا إلى مقصورة الشهود. بدا واضحًا أنَّها كانت مُدرَّبة جيدًا على ما ستفعله؛ إذ خلعت القفاز عن يدِها اليُمنى ورفعت عنها حجابها السَّميك. وبعدما أخذت الكتاب المُقدَّس بيدِها التي خلعت عنها القفاز، ردَّدت كلمات القَسَم بصوتٍ خفيض، والتفتت بوجهٍ شديد الشحوب لكنه هادئ تمامًا إلى قاضي التحقيق، الذي انحنى نحوَها بتعبيرٍ ينمُّ عن مُراعاةٍ ممزوجة بالتعاطف. ووسط صمتٍ مطبِق، بدأ أسئلته التمهيدية.

«سيدة تريزيرو، أعتقد أنك كنتِ تعرفين السيد جاي ماركنمور الراحل؟»

«أجل.»

«كنتِ تعرفينه جيدًا، إن جاز القول؟»

«نعم، جيدًا جدًّا … في الماضي!»

«منذ متى تعرفينه؟»

«أعرفه منذ أن جاء والدي إلى ماركنمور، قسًّا لهذه الأبرشية، حين كنتُ فتاةً في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة، إلى أن رحل جاي عن هذا البيت منذ نحو سبع سنوات.»

«كم كان عمرك آنذاك يا سيدة تريزيرو؟»

«اثنين وعشرين عامًا.»

«إذن فمعرفتك به في تلك الفترة استمرَّت حوالي أربع أو خمس سنوات؟»

«تقريبًا.»

«كُنتِ الآنسة فيرونيكا لايتون حينئذٍ؟»

«نعم.»

«أظنك قد تزوَّجتِ الكولونيل الراحل تريزيرو بعد رحيل السيد جاي عن الديار مباشرة؛ منذ حوالي سبع سنوات؟»

«نعم.»

«وسافرتِ مع زوجك إلى الهند؟»

«أجل.»

«ولم تعودي من الهند، حيث مات الكولونيل تريزيرو العام الماضي، إلا منذ وقتٍ قريب، على ما أظن؟»

«وقت قريب جدًّا.»

وهنا انحنى قاضي التحقيق قليلًا إلى الأمام من مكتبه، ورأى السيد فرانسيمري أنَّ هذه علامة أكيدة على أنَّ أسئلته تقترِب من مرحلةٍ شديدة الخصوصية.

«والآن. هل رأيتِ جاي ماركنمور أيَّ مرة خلال هذه السنوات السبع يا سيدة تريزيرو؟»

«إطلاقًا!»

«هل سمعتِ منه أي شيء؟»

«إطلاقًا! ولا عنه!»

«أي أنَّك لم ترَيه ولم تسمعي شيئًا منه ولا عنه طوال سبع سنوات. متى رأيتِه مُجددًا بعد هذه الفترة؟»

«مساء يوم الإثنين الماضي؛ أي منذ يومين أو ثلاثة.»

«التقيتِه لأول مرة منذ سبع سنوات؟»

«نعم، لأول مرة منذ سبع سنوات.»

«هلَّا تُخبرينني كيف حدث هذا اللقاء؟»

عقدت السيدة تريزيرو يدَيها على حافة مقصورة الشهود، ووزَّعَت نظرات خاطفة بين قاضي التحقيق والمُحلَّفين الاثني عشر بالتناوب. كانت قد استعادت لون بشرتها الطبيعي بحلول ذلك الوقت، وكانت عيناها قد بدأتا تتألَّقان، وبَدَت تريزيرو كأنما بدأت تشعُر باهتمامٍ استثنائي بمُجريات التحقيق.

قالت بنبرة هادئة متوازنة: «على النحو التالي. في مساء يوم الإثنين، بعد العشاء، احتجت إلى توجيه بعض الأوامر إلى بيرتون، الحُوذي الذي يعمل لديَّ. وبينما كان يهمُّ بالانصراف، ذكر أنه رأى السيد جاي ماركنمور للتو، وقال إنه قد رآه مُتجهًا إلى ماركنمور كورت. ظننتُ أنَّ بيرتون كان مُخطئًا بالتأكيد، لكنه كان مُتيقنًا، وبالطبع كنتُ أعلم أنَّه يعرف السيد جاي منذ الصبا. لذا …»

وهنا سكتت السيدة تريزيرو. وبدأت تنقُر بأصابعها على حافة المقصورة الموجودة أمامها، ونظرت إلى قاضي التحقيق وهيئة المُحلَّفين بتعبير ينمُّ عن قدْر من الحرج.

سألها القاضي بنبرةٍ صريحة جامدة: «ماذا حدث، إذا سمحتِ؟»

فتابعت السيدة تريزيرو الحديث فجأة قائلة: «حسنًا، أردتُ أن ألتقي جاي!» وأردفت قائلة: «وهكذا ارتديتُ معطفًا فوق ثوب السهرة — ليس آنذاك بالضبط ولكن بعد بعض الوقت، في حوالي الساعة العاشرة والنصف، على ما أظن — وركضتُ عبر المُتنزَّه إلى ماركنمور كورت؛ إذ يُوجَد هناك طريق مختصر. ثم أتيتُ إلى هنا، حيث رأيت براكسفيلد كبير الخَدَم، وفالنسيا ماركنمور. قُلت لفالنسيا إنني سمعتُ أنَّ جاي قد عاد إلى البيت. فقالت لي إنه قد رحل. وحينئذٍ ظننتُ أنه ربما، حين سمع أنني أسكن بيت الأرملة، قد ذهب إلى هناك ليلتقِيَني؛ لذا انصرفتُ وأنا أظن أنني قد أجده ينتظرُني هناك.»

«وهل وجدتِه؟»

«لا، لكني … قابلتُه. كان قد ذهب إلى بيتي وهمَّ بالانصراف. وقابلته عند البوابة الخارجية.»

«وماذا حدث بعدئذٍ؟»

«عاد معي إلى بيتي.»

«أظنكِ كنتِ تُقيمين حفلًا منزليًّا يا سيدة تريزيرو؟»

«نعم.»

«أكان حفلًا كبيرًا؟»

«كانوا ثمانية أفراد، إجمالًا.»

«هل قدَّمتِ السيد جاي ماركنمور إلى ضيوفك حين اصطحبتِه إلى الداخل؟»

«كلَّا، لم أفعل. كان بعضهم يلعَب البريدج، وكان البعض الآخر يلعب البلياردو. فلم يرَ أيَّ أحدٍ منهم.»

«وإلى أين ذهبتما، داخل بيتك؟»

«صعدْنا إلى مخدعي.»

فانحنى قاضي التحقيق مقتربًا منها أكثر.

وقال: «سمعنا — من السير هاري ماركنمور — أنَّ أخاه تحدَّث عن موعدٍ ما، ورحل على عَجَل للَّحاق به؟ الآن، هل كان هذا الموعد معكِ؟»

«كلَّا … كلَّا ألبتة!»

«هل ذكر أيَّ موعدٍ أثناء حديثه معكِ؟»

«نعم، اكتفى بالقول إنَّه مُرتبط بموعدٍ في الجوار.»

«في الجوار؟ هل قال شيئًا عن هوية مَن كان سيقابله أو أين سيقابله؟»

«كلَّا، لم يقُل. اكتفى فقط بذكرِ أمرِ الموعد ذكرًا عابرًا. ولم أسأله عنه.»

«و… كم من الوقت بقي معكِ في بيت الأرملة؟»

تردَّدتِ السيدة تريزيرو، وكان واضحًا أنَّ تردُّدها لم يكن لعدَم يقين من الإجابة.

قال لها قاضي التحقيق: «هذا السؤال في غاية الأهمية.»

فأجابت السيدة تريزيرو قائلة: «حسنًا، لقد بقي حتى الساعة الثانية عشرة إلَّا ربعًا.»

«أي إنه بقي معكِ حوالي ساعة؟»

«حوالي ساعة، نعم.»

«كنتما وحدَكما … طوال هذا الوقت؟»

«نعم.»

«هل رآه أيٌّ من ضيوفك — أو أيٌّ من خدمك — عند مجيئه أو انصرافه؟»

«لم يرَه أحد. لقد دخلتُ معه البيت من بابٍ جانبي دائمًا ما أحمِل مفتاحه بحَوزتي. وصعدنا مباشرة إلى مخدعي. وأخرجتُه من البيت بالطريقة نفسها. كلَّا، لم يرَه أحد.»

«أي أنكِ أخرجتِ جاي ماركنمور من بيتك بنفسك في الثانية عشرة إلا ربعًا. هل لاحظتِ الاتجاه الذي سلكه حين غادر؟»

«نعم. في الواقع، لقد سِرتُ معه عبر الممرِّ الخاص للبيت حتى وصلْنا إلى بوابة الدخول. لقد سار عبر الطريق الرئيسي، صوب القرية.»

«وبعدئذٍ، لم تريه مرةً أُخرى؟»

هزَّت السيدة تريزيرو رأسها، وظَن مَن كانوا حولها للحظة أنها على وشك الانفجار في البكاء. لكنها تمالَكَت نفسَها فجأة، وتجلَّت في عينيها نظرةٌ شبه مُتحدِّية وهي تجيب عن السؤال الأخير.

«لم أرَه مرة أخرى، حتى رأيتُه البارحة ميتًا … مقتولًا!»

رجع قاضي التحقيق إلى الوراء في كرسيه؛ إذ كان واضحًا أنَّه حصل على ما كان يريد معرفته بالأخص، وكانت النظرة الخاطفة التي رمق بها هيئة المُحلَّفين تهدف بوضوح إلى تذكيرهم بأنهم صاروا الآن يعرفون أنَّ جاي ماركنمور، من الساعة العاشرة والنصف إلى الساعة الثانية عشرة إلا ربعًا من ليلة وفاته، كان مع السيدة تريزيرو وحدَهُما في مَخدعِها، دون أن يدري أي أحد بذلك. ثم التفت من هيئة المُحلَّفين إلى المُحامين، الذين كانوا جالسين إلى طاولة أسفل مكتبه المرتفع.

فنهض المحامي الموكَّل من سلطات الشرطة على قدمَيه رويدًا، والتفت إلى الشاهدة.

قال بنبرة هادئة شِبه اعتذارية: «أعتقد أنه من المعروف جيدًا جدًّا يا سيدة تريزيرو أنَّ الكثيرين كانوا يسعون إلى خطبتك قبل أن تتزوَّجي زوجك الراحل.»

أجابت السيدة تريزيرو دون تردُّد: «نعم!» وأضافت قائلة: «وإن كنتُ لا أعرف ما تقصده بعبارة «من المعروف جيدًا.» لكن ذلك صحيح بالتأكيد.»

«هل كان السيد جاي ماركنمور واحدًا منهم؟»

«نعم.»

«وهل كان مُفضَّلًا بالذات على الآخرين؟»

«حسنًا … نعم، على ما أظن.»

«وكان من المُحتمَل يومًا ما أن تتزوَّجا، في الواقع؟»

«كان كِلانا مُغرمًا جدًّا بالآخر بكل تأكيد.»

«سنتجاوز ذلك مؤقتًا؛ فهو لم يُسفِر عن أي شيءٍ آنذاك. تزوَّجتِ الكولونيل تريزيرو. لكنَّك، على ما أظن، ظللتِ مُحتفظةً ببعضٍ من مشاعرك القديمة تجاهَ جاي ماركنمور.»

تردَّدت السيدة تريزيرو. وحين تحدَّثت مرةً أخرى، كانت نبرة صوتها أخفض.

فقالت: «لم … لم أكن أعرف ذلك حتى … حتى التقيتُه مُجددًا منذ ليلتَين.»

«لكن، هل أدركتِ ذلك آنذاك؟»

«نعم، على ما أظن. فقد كنتُ سعيدة جدًّا برؤيته.»

«وأظنه كان سعيدًا جدًّا بلقائك مُجددًا؟»

«نعم، كان كذلك بالفعل.»

«والآن يا سيدة تريزيرو، من أجل صالح العدالة، نريد الوصول إلى الحقيقة. حين كنتِ أنتِ وجاي ماركنمور وحدَكما في بيتك، مساء يوم الإثنين، هل طلب منك الزواج؟»

«نعم، طلب ذلك.»

«وماذا كان ردُّك؟»

أجابت السيدة تريزيرو قائلة: «وعدتُه بأن أتزوَّجَه.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤