الفصل السادس عشر

كان الوقت صباحًا لَمَّا خرج سالم أفندي من منزل طاهر أفندي، فما ارتفعت الشمس على قامتين أو ثلاث حتى كان حسن أفندي بهجت على باب المنزل يستأذن بالدخول، وفي لحظة كان جالسًا مع طاهر أفندي يتحادثان.

– كيف رأيتَ مصر يا طاهر أفندي؟

– لم يمر عليَّ فيها سوى أسبوعٌ قضيته في إعداد رياش هذا المنزل وأثاثه — كما تعلم — فلم أرَ بعدُ شيئًا من محاسن مصر، ولكن الذي يتراءى لي — من قليلِ ما رأيت — أنها جميلة.

– إنها لَجميلةٌ في فصل الشتاء جدًّا، ولي الأمل الكبير أنك تسر فيها — إن شاء الله.

– أما أن أُسرَّ فيها فأمر لا مشاحة فيه؛ ما دام لي فيها أصدقاء أعزاء، وبعد ذلك لا فرق عندي سواءٌ كان البلد طيبًا أو لم يكن. وكيف شغلك يا حسن أفندي؟

– الفواتحُ حسنةٌ جدًّا — والحمد لله — فقد رافعت مرتين في المحكمة المختلطة، وربحت القضيتين وفي الحال كسبتْ ثقة الناس، والآن عندي عدة قضايا.

– أسأل الله توفيقك، إني أتوقع لك مستقبلًا حسنًا جدًّا، فأهنئك سلفًا.

– أشكر لطفك جدًّا.

– أودُّ أن أستشيرك في أمرٍ قضائيٍّ.

– مُرْ مولاي.

– لقد أخبرتُك أني أعطيت عزيز باشا — إذ كان في باريس — خمسين ألف جنيه؛ لكي ينفقها في سبيل الاستعداد لمشروعنا …

– نعم.

– وأمس سألتُه ماذا تم في المشروع؟ فأجاب جوابًا لا أذكره؛ لأنه لا مفاد له سوى أنه ينوي إنكار المبلغ.

– أخبرتني ذلك إذ التقينا في جنيف، وقلت لي إن لك صكًّا بالمبلغ، ولَمَّا أحببت أن أستفهم عن نص الصك غيرتَ الحديث كأنك لا تريد أن تُطلعني على حقيقة ما تم بينك وبينهُ؛ ولهذا خامرني الريبُ ولم أعد أجسر أن أُباحثك بأمر المشروع إلا حين تُفاتحني به أنت، فهل تريد أن تخبرني الآن ما كتمتَه عني قبلًا؟

– لست أقصد أن أكتم عنك شيئًا يا عزيزي حسن.

– بلى كتمت، وأنا ظننت أنك تريد أن تنبذني من المشروع مغترًّا بترهات عزيز باشا؛ ولذلك عتبت عليك جدًّا كيف أنك بَتَتَّ أمرًا معه وسلمتَه نقودًا من غير أن تُخبرني، والحق أقول لك إني عاتب عليك، ولو أخبرتني لَمنعتُك من أن تسلمَه نقودًا؛ لئلا تصل إلى هذه النتيجة، نتيجة إنكاره. فقل لي: كيف كان الاتفاق بينكما؟

– قال لي عزيز حينئذٍ: إن صعوبة المشروع هي في أَخْذ الامتياز من الحكومة أولًا، وقد خاطبَني بهذا الموضوع بإسهاب، حتى إني اقتنعتُ أنْ أدفع له ذلك المبلغَ الطائل بموجب صكٍّ بيننا.

– هل لك أن تريني الصك؟

– لماذا لا؟

وفي الحال استخرجهُ طاهر أفندي من حقيبتهِ ودفعهُ إلى حسن أفندي، فقرأه حسن كما يأتي تعريبهُ:

بتاريخه أدناه استلمتُ من طاهر أفندي عفت، التاجر في فينا، والتابع للحكومة النمساوية مبلغ ٥٠ ألف جنيه عملة ورق دارجة في باريس ومقبولة في جميع المصاريف؛ لكي أنفقها في مصر في سبيل الاستعدادات اللازمة لنِيل الامتياز بإنشاء ترام كهربائي في القاهرة، ونكون أنا وطاهر أفندي المذكور شريكين في هذا المشروع، وقبل نهاية هذه السنة يجب أن أُقدِّم له حسابًا عن هذا المبلغ، أو أنْ أردَّه، والبيانُ حُرِّرَ في ١٠ أغسطس سنة …

كاتبهُ
عزيز نصري

شهد بذلك خليل مجدي، شهد بذلك الدكتور يوسف رأفت.

– إن هذا الصك غير صريح يا طاهر أفندي؛ يحتمل التأويل.

– يجب أن يكون كذلك؛ لأن الأموال التي يدفعها إنما هي رشوات فلا يُمكن تعيين وجوه الإنفاق في الصك.

– إذن كيف تطلب منهُ حسابًا؟

– أطلب منهُ حسابًا سريًّا.

– تعني: أن كلًّا منكما يثق بأمانة الآخر؛ أي أنك أنت تثق بصحة الحساب الذي يقدِّمه لك وهو يثق بأنك تسلم بصحة حسابه.

– كذا، كذا.

– إذن ما فائدة هذا الصك ما دامت الثقة متبادلة؟

– أَلَا آخذ صكًّا بمبلغ كبير كهذا؟

– ولكن هذا الصك لا يُفيد؛ لأنه في وسعه أن يقدِّم لك حسابًا غيرَ حقيقيٍّ ما دمت مستعدًّا أن تَقبل منه كل حساب يقدمه.

فضحك طاهر أفندي، وقال: لا بأس، أرجو منك أن ترسل إليه كتابًا موصًى عليه في البريد بإمضائك، باعتبار أنك محام موكَّل من قِبَلي، وتطلب منه أن يقدم لنا: إما صورة الحساب، أو المبلغ.

– أؤكد لك أنه يقدم حسابًا بالمبلغ كله على الاستعدادات التي لزمت للمشروع، وربما قدمها لك بموجب وصولات.

– بل أظن أنه يُجاوب أنه دفع لي المبلغ، وبعد ذلك لا يستطيع أن يَعدل عن هذا الجواب، ويقدم حسابًا ملفقًا — كما تظن.

– عجيبٌ كيف يجسر أن يُجيب هذا الجواب والصك لم يزل بإمضائه وإمضاء الشهود عليهِ.

– لا بأس، اكتب له — كما قلت لك — وسنرى ماذا يجاوب؟ وثَمَّ نفعل ما نراه موافقًا، ويكفي أن تقول له: «نرجو منكم أن تقدموا حسابًا عن الخمسين ألف جنيه التي أخذتموها بموجب صك وشهود؛ لكي تنفقوها في سبيل الاستعدادات لمشروع الترامواي، أو أن تردوها قبل نهاية هذا العام.»

– يستحيل إلا أن يقدم حسابًا ملفَّقًا، وإني أؤكد لك يا طاهر أفندي أن عزيز باشا بلع الخمسين ألف جنيه، ومن الصعب تحصيلُها منه.

– لا بأس اكتب له، وسنرى.

فتململ حسن من إصرار طاهر أفندي، الذي استدل منه على جهالة ومكابَرة وعناد في غير محله، ولكنه أذعن مكرَهًا ممتعضًا ووعد أن يكتب، قائلًا: سأفعل ما تريد ونرى النتيجة. والآن دعنا نتحدث قليلًا في موضوع مشروعنا المهم.

– متى يُمكننا أن نقابل حمد بك، الذي هو واسطة المسألة؟

– غدًا — إن شاء الله.

– هل مهدتَ السبيل إلى ذلك؟

– فهم المسألة مبدئيًّا، وقد توسمتُ من محادثته خيرًا.

– هل يمكن لهذا الرجل أن يضمن لنا النجاح؟

– لي أمل وطيد أنه يستطيع.

– عجيب، من أين لهذا الإنسان كل هذا النفوذ؟

– له علائقُ مهمةٌ جدًّا مع كبار رجال الحكومة، وليس في وسع أحدٍ سواه أن يفيدنا شيئًا.

– إذن نزوره في منزله.

– بالطبع، ولا بدَّ أن يكون الحديثُ ابتدائيًّا في أول الأمر؛ لكي نرى ماذا تكون مطاليبُه.

– تظننا نستطيع أن نرضيه ونرضي غيره؟

– لا أدري الآن، على أننا غير مضطرين أن نرضيهم كل الإرضاء بالنقود فقط، بل يمكنا أن ندفع لهم بعض الترضية نقودًا وبعضها أسهمًا، متى أنشأنا الشركة.

– عليك إذن أن تهيئ صورة الطلب وتقريرًا بالمشروع حسبما استفدت من دراسته في أوروبا.

– إني لا أكف عن الاشتغال بهذه المهمة في كل فرصة موافقة.

– على الله الاتكالُ.

– إلى الغد إذن.

– إلى الغد — إن شاء الله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠