الفصل الثالث والعشرون

كانت غرفة زينب الحقيرة محاذية لغرفة أخرى صغيرة تنام فيها إحدى الخادمات وبين الغرفتين جدار رقيق من نوع البغدادلي، وفي أعلاه نافذة صغيرة، ولما كان عزيز باشا يفاوض زينب أو هي بالأحرى تفاوضه المفاوضة المار ذكرها، كان يوسف مرقص السفرجي مختبئًا في تلك الغرفة — وقد عرف القارئ فيما سبق أن سالم أفندي رحيم الذي زار طاهر أفندي عفت زيارة سرية سعى إلى تعيين يوسف مرقص هذا في خدمة عزيز باشا؛ ليكون جاسوسًا سريًّا — فهذا الشاب كان في ذلك المساء مختبئًا في الغرفة المذكورة يتسمع كل ما دار بين عزيز وزينب، وإذ كان يعرف الإفرنسية فَهِمَ أيضًا بعضَ الجُمَل التي تكلما فيها، وفهم قرارهما الأخير على أن زينب اشترت طلاقها بنصف ثروتها.

ولما خرج عزيز باشا من عند زينب وكان الخدم لا يزالون في الدار السفلى يتعشون ويهرجون خرج أيضًا يوسف من مخبئه من حيث لا يدري به أحد وذهب توًّا إلى سالم أفندي رحيم وأخبره بكل إيجاز ما كان في ذلك المساء، كما اعتاد أن يخبره فيما مضى بأهم ما يجرى في بيت عزيز باشا.

ولما كانت الساعة الثالثة بعد نصف الليل كان يوسف مرقص ينشق البواب قطنًا مبلولًا بالكلوروفورم (البنج) حتى خدَّر أعصابه ولم يعد يصحو لطارق، وعند ذلك فتح يوسف الباب فدخل رجل مشتمل بشملة (أو قُلْ: ملثم بلثام) وكان يوسف يصعد أمامه في السلم ويمشي من رواق إلى رحبة حتى وصلوا إلى أمام غرفة زينب، وكان الكل نيامًا والرحبة التي لدى غرفة زينب مضاءَة بمصباح ضئيل النور، فنقر الرجل الملثم على الباب — ولا يخفى على القارئ أن زينب كانت خفيفة النوم جدًّا وأكثر الليالي متأرقة — فلما سمعت النقر على الباب أفاقت وقالت: «مَنْ» فأجاب: «أنا» فنهضت ودنت من الباب وقالت: «من أنت، أعزيز؟»

– كَلَّا، بل مخلصك من جور عزيز وغدره.

فوقفت زينب بعيدة عن الباب نحو متر — وكانت تسمع خفقان قلبها — فأدرك الملثم أنها في قلق، فأردف كلامه بكلام آخرَ قائلًا بصوت خافت وفمه قرب ثقب القفل: لا تنذعري يا زينب، ما أتيت لكي أدخل عليكِ، لا تفتحي لي إذا كنتِ موجسة مني شرًّا ولكن اسمعي لي كلمة واحدة فقط.

فلم تجب زينب بل بقيت في مكانها ثابتة لا تتحرك، وبعد بضع ثوانٍ نقر على الباب ثانية، وقال: زينب، أسامعة أنتِ ما أقول؟

فتقدمت إلى الباب وقالت بصوت خافت: من أنت؟

– أنا مخلص لكِ فاسمعي ما أقول.

– ويلاه.

– لا تخافي يا زينب، سكِّني روعك، اسمعي كلمة وعودي إلى سريرك مطمئنة، هل وعدتِ عزيز باشا زوجك أن تهبيه نصف ثروتك لكي يطلقك وتتخلصي من عذاباته.

– من أنت يا هذا؟

– لا يهمك أن تعرفي من أنا وإنما يهمكِ أن تعرفي الطريق المؤدي إلى خلاصك.

– قل لي: من أنت أولًا، وكيف دخلت الدار؟

– لا تهتمي أن تعرفيني من أنا يا زينب، ولا كيف دخلتُ؟ وإنما أقول لك: لا تتنازلي عن شيء من ثروتك لعزيز باشا البتة، ولسوف يضطر أن يطلقك مجانًا.

– كيف ذلك ومتى؟

– قريبًا — إن شاء الله — تتخلصين من هذا العذاب.

– بأي الطرق؟

– ستعرفين كل شيء في حينه، تشددي ولا تستسلمي له.

– أخاف من قساوته وتعذيبه.

– لا يقدر أن يعذبك أكثر مما يفعل الآن فتحملي كما تحملتِ فيما مضى على أمل الفرج القريب.

– كيف أثق بقولك؟

– مهما كنت خائنًا لك فلا أكون كزوجك.

– صدقت.

– إذن عودي إلى سريركِ مطمئنة.

وعند ذلك عاد الملثم يخطو في الرحبة خطًى خفيفة لا يسمعها إلا المستيقظ.

وكانت زينب تشعر بابتعاده وقبل أن يتوارى شعرتْ بقوة غير معتادة في يدها حملتْها على أن تفتح الباب في الحال، وإذ ذاك أبصرتْه قافلًا، فنادتْه قائلة: «هست» فالتفت فأومأت إليه فدنا فراعها منظره فأقفلتْ، فوقف في وسط الرحبة ففتحت الباب قدر قبضة فدنا حتى صار على قيد باع فراعها ما تقلده من السلاح وكان حينذاك يقول لها: «عودي إلى مرقدك بسلام.»

فأقفلت الباب مرتاعة، وهي تفكر أَفِي حلم هي أم في يقظة؟ وجعلتْ تسائل نفسها: من يا ترى هذا؟ وما بغيته، وكيف دخل؟ ولما هدأ روعها شعرتْ بائتناس بمفاوضتهِ وارتاحت إلى قوله مع أن أمره حَيَّرَها، وعزمت على أن تخلف بوعدها لعزيز باشا في اليوم التالي.

أما الملثم فعاد من حيث أتى ويوسف أقفل الباب وراءه والبواب يغط غير دارٍ بما كان، والخدم وسائر أهل المنزل كلهم نيامٌ لم يشعروا بشيء مما حدث.

ولما نهض عزيز باشا في الصباح من نومه جاءَ إلى غرفة زينب باشَّ الوجه، وقال لها: ألم تزالي مصممة على أن تتخلصي من هذا السجن بما وعدتِ أن تفعليه؟

فهزت رأسها هزة رحوية وهي مقطبة الجبين وقالت: كلَّا.

فبُهت عزيز باشا وانقلبتْ بشاشته إلى عبوسة وقال: لماذا؟

– لأني لا أود أن أضيع ثروتي جزافًا.

– إذن عدلتِ عن الطلاق؟

– عدلت.

– تبقين في هذا البيت خادمة؟

– لا تكون ابنة حمدي باشا رفعت خادمة، بل أميرة تتمتع بريع أملاكها.

– ماذا جدَّ حتى أخلفتِ بوعدك؟

– كنت مجنونةً لَمَّا وعدت، والآن عاد إليَّ رشدي فعلمتُ أن ضياع مالي بين يديك ذنب مني لا يغتفر.

– أراكِ تتكلمين بكل قحة!

– بل بكل حق.

فلطمها على وجهها وقال: قومي هَيِّئِي القهوة والفطور حالًا؛ لنرى بنت رفعت باشا أخادمةٌ هي أم أميرة؟

– أفعل ما تقول، لا لأني خادمة؛ بل لأني ضعيفة وأنت قويٌّ، وقد قوَّيت عليَّ كل الخدم بحيث لم يبقَ لي فيهم نصيرٌ وراحم، بل إن شرَّكَ حملك على أن توغر عليَّ صدر عمي وزوجته حتى إنهما لا يريدان أن يسمعا لي شكوًى، بل حرمْتني زيارتهما، فأسأل الله أن ينصفني منك وهو قدير.

– ستندمين على عنادك هذا، وسأريك كيف أنفذ بغيتي هذه بالرغم منك؟ وعند ذلك عاد عزيز إلى غرفته وقامت زينب لتلبي أمره صاغرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠