الفصل السادس والعشرون

بعد بضعة أيام لتلك الخيبة التي لحقتْ بعزيز باشا وأخيه اجتمعا في قاعة الاستقبال في منتصف الليل — إذ كان الخدم نيامًا — وكان الخواجه ديمتري ألكسيوس وكيل دائرتِهما موجودًا معهما، فدار بينهم الحديث الآتي:

قال ديمتري: فهمتُ أشياء كثيرة لم نكن نعرفها من قبل وأهمُّها؛ أولًا أن ما سمعناه عن حب نعيمة لحسن حقيقيٌّ لا ريب فيه، وثانيًا أن حسين باشا لم يؤخر عقد الزواج لمجرد أن ابنته غير راضية؛ بل لأن طاهر أفندي أقنعه بأن لحسن أفندي مستقبلًا عظيمًا من جراء المشروع الذي يسعيان فيه، وثالثًا أن المشروع أصبح في حكم المقرَّر؛ لأن حمد بك فَضْل، الذي هو اليد العاملة وصاحب النفوذ الأول في استمناح الامتياز يُحب عائدة الفتاة التي عند طاهر أفندي حبًّا مبرحًا، ويقال: إن في نيته أن يتزوجها، ويرجح أن تحقيق أمنية حسن وطاهر مترتِّبٌ على هذا الحب؛ أي أن حمد بك يبذل الجهد الجهيد في نيل الامتياز بالمشروع؛ إكرامًا لخاطر طاهر أفندي وسواد عينَي عائدة.

فقال عزيز باشا: هذا ما كنت أُلاحظه، وقد قدَّرْته وخمنته، فصحَّت كل تخميناتي …

فقال خليل بك أخوه: إذن علينا خطرٌ من نجاح حسن.

فقال عزيز باشا: بلا ريب، أكد أن نجاح حسن ينيله يد نعيمة وثروتها؛ لأن أباها متى رأى أن الذي تُحبه ابنته لا يقل نفوذًا ولا وجاهة ولا غنًى عن طالب يدها الذي لا تحبه، متى رأى ذلك فبالطبع يُزوجها مَن تحب.

فقال خليل: هَبْ أنه ينجح، وصار في غنًى وجاه ونفوذ، فهل يغض حسين باشا نظره عن مسألة الأصل وشرف الأسرة؟

– دع هذا الوهم، لم يعد اليوم أحدٌ يعبأ بمسألة الأصل، إنما أصلُ الفتى ما قد حَصَّلَ، فإذا فاز حسنٌ بأمانيه لا نقدر أن نركن إلى أعباء حسين باشا بالأصل، ولا نثق تمام الثقة من استمرار مَيْله إلينا، ولا سيما إذا كان هذان الأمران؛ الأول إذا أصرتْ نعيمة على حُبِّ حسن، وحينئذٍ تُصر مفتخرة بمحامد حبيبها على رفضك، والثاني إذا عرف حسين باشا أننا أصبحْنا على شفا الإفلاس. هذه هي الحقيقةُ أقولُها فيما بيننا؛ لكيلا نكون مغرورين بأنفسنا.

فقال ديمتري: هذا هو الكلام الحق بعينه، وكنت أَوَدُّ أن أقوله لكما فأشكر الله أنكما تعرفانه والآن ماذا تريان؟

فقال عزيز باشا: لا بد من أمرين معًا؛ الأول إحباطُ مساعي حسن كلها؛ لكيلا يبقى لنعيمة حُجة بحبه، ولا يكون فيه من المحامد ما يستميل حسين باشا إليه، والثاني أن يكون في يدنا قوةٌ مالية نستطيع بها تنفيذ مآربنا؛ لأننا بلا مال لا نقدر أن نقاوم أحدًا ولا نفوز بأمر.

فقال خليل: وما العمل إذن للحصول على هذين الأمرين؟

فقال ديمتري: أما الأمر الأول؛ أي إحباط مشروع حسن، فيتم بإزالة حب حمد بك لعائدة؛ لأن حمد بك لا يساعد في إعطاء الامتياز إلا إكرامًا لها؛ ولولاها لَما كان يساعد في مشروع عظيم كهذا إلا برشوة عظيمة له ولأعوانه، والرشوة لمشروع كهذا المشروع تستنفد ثروة عظيمة.

فقال عزيز باشا: ذلك هو الصواب، فما الطريقة إذن لإزالة هذا الحب؟

فقال ديمتري: ما من طريقة مضمونة سهلة؛ لأن حمدًا يحبها حبًّا شديدًا — على ما فهمت — ويكاد يستسلم بكليته لطاهر أفندي لأجلها.

فقال عزيز باشا: عندي طريقة مضمونة.

– ما هي؟

– أن تنقضي حياة هذه الفتاة.

فقال ديمتري: لعل هذه هي الطريقة المُثلى، وقد افتكرت بها؛ لأن الفتاة مريضةٌ الآن والدكتور يوسف بك رأفت يعالجها فإذا أمكن أن ندس السم لها في بعض الأدوية أفلحنا وكانت التبعةُ على سوانا.

فقال عزيز باشا: إذا كان ذلك ممكنًا فُزْنا لا محالة، وماذا يكون لو فقد العالم فتاة أو ألف فتاة؟

فقال ديمتري: ولا شيء.

– أَمَا افتكرتَ بطريقةٍ لدس السم يا خواجه ديمتري؟

– افتكرت، وأظن أن الطريقة التي افتكرت بها سهلةٌ وناجحة.

– وما هي؟

– هي أن نُراقب خادمَ طاهر أفندي عائدًا من الأجزاخانة بالدواء فيقابله مبعوثٌ من قِبَلِنا في الطريق فيطلب إليه أن يذهب في رسالة قصيرة المسافة، ويوهمه أنها ضرورية جدًّا، ويغره بالنقود، ويأخذ منه الدواء وديعة عنده ريثما يعود، وفي غيابه يدس سمًّا في الدواء، وحينئذٍ يجب أن يكون المبعوث مزودًا بحبوب سامة مختلفة الحجم وببرشام سام أيضًا وبقليل من محلول الزرنيخ، فإن كان الدواء حبوبًا فتح العلبة وأبدل بضع حبات بما معهُ، وإن كان برشامًا فعل كذلك أيضًا، وإن كان محلولًا فتح الزجاجة وأفرغ منها قليلًا وملأها من السائل الزرنيخي القوي الذي معه.

– ولكن إذا كانت الزجاجة أو العلبة مختومة فماذا يفعل؟

– يفك الختم فليس في ذلك ما يدعو إلى المظنة والارتياب؛ لأن الإجزائية لا يختمون كل أواني الأدوية التي تصدر من عندهم، والخادم لا يعلم إن كانت مختومة وقد فُضَّ ختمها؛ لأنه تناولها ملفوفة بورقة ولم يفتحها.

– فكرة حسنة، ولكن من يقوم بهذه المهمة؟

فزم ديمتري شفتيه كأنه يقول: لا أدري، فقال عزيز باشا: لا أحد سواك يتقن تمثيل هذا الدور يا مسيو ديمتري.

– أمثله إكرامًا لخاطركم ولكن …

– ولكن ماذا؟ لك جزاؤك، متى خدمتنا مجانًا يا مسيو ديمتري؟ أما صرت ذا ثروة من مالنا.

– لا أنكر؛ ولذلك لا أتأخر عن خدمتكم فَقَرُّوا عينًا، إني أتولى تمثيل هذا الدور.

– ونحن لا نتأخر عن مكافأتِك إذا نجحت فيه، ونجحنا نحن في مشروع آخر.

– أي مشروع؟

– قلنا إن الأمر الثاني يجب أن يكون في أيدينا مالٌ نستطيع أن ننفذ به مآربنا، وأنت تعلم يا خواجه ديمتري أنني أصبحت على شفا الإفلاس بسبب خسائر البورصة التي لحقت بي.

– ألا يمكن أن تنجح في الاستيلاء على شيء من أملاك زينب هانم فترهنه؟ ألا تزال مصرة على صيانة أملاكها منك؟

فتنهَّد عزيز باشا، وقال: أف، لست أنت غريبًا يا مسيو ديمتري، إن المرأة كَرَّهَتْني بالنساء، ولم أرَ امرأة مثلها لا تَستأمن زوجها؛ فقد رأتْني في كرب من جراء حالتي المالية وعرفتْ أني في ضيق مالي شديد، ومع ذلك لم تَشَأْ أن تُسعفني بشيءٍ من ثروتها الطائلة؛ لكي أنتعش وأسلك بين الرجال مسلك البطل المحنك في الحرب العالمية، وأنت تعلم أن المال ملح الرجال بل قوتهم الحقيقية، أي امرأة غنية ترى زوجها يشقى لفراغ يديه من المال ولا تنجده، أَمَّا هذه المرأة فترى أني أكاد أذوب غمًّا؛ لضعف قوتي المالية، ومع ذلك تضن عليَّ بفدان من أطيانها.

– إنها لَسيئةُ النية على ما يلوح لي يا عزيز باشا.

– خبيثة، صرت أكرهها كرهي لإبليس، ولولا أملي بأن أنتفع بشيء من ثروتها لطَلَّقْتُها، فقال خليل بك: أما من وسيلة لاختلاس شيء من ثروتها؟

فقال ديمتري: إذا قَلَّت الحيل والوسائل فلا أنجح من الإكراه.

فقال عزيز باشا: أنستطيع أن نُكرهها على إيهاب أو بيع قسم من أملاكها؟

– لماذا لا؟ اكتب حجة بعزبة من عزبها، ثم نستدعي علي أفندي حامد ومحمد أفندي حفيظ، ونتهددها أن تمضي الحجة بالرغم منها وأنا وحامد وحفيظ نشهد عليها، فقال خليل بك: وهل تظن أن علي حامد ومحمد حفيظ يشهدان؟

فقال عزيز باشا: لماذا لا يشهدان؟ لا ريب أن اللذين أمكننا أن نستخدمهما في قتل كارولين يُمكننا أن نستخدمهما في هذه المهمة، أما أصبحا ذوي ثروة طائلة من فضلنا فعليهما أن يَخْدُمانا هذه الخدمة.

فقال ديمتري: ولهما جزاؤهما.

– بالطبع.

– إذن ندبر هذا الأمر أيضًا.

– نعم نعم، ولكن كيف تستصوب أن نفعل ذلك يا ديمتري وأين؟

– نكتب الحجة قانونية، وأنت تحتال عليها، وتأتي بها إلى مكتب الدائرة ليلًا لغرض من الأغراض، وهناك تتهددها وتضطرها أن تمضي الحجة ونشهد عليها.

– ولماذا لا يكون ذلك في البيت؟

– لأننا نخاف أن بعض الخدم يلاحظون أننا نُرغمها على أمر لا تريده، فيكونون شهودًا علينا، فالأفضل أن نبتعد عن الناس؛ لكي يكون عملنا هذا سريًّا لا نُمسك به؛ وإلا كنا تحت خطر قضية جنائية.

– صدقت.

– فإذن علينا أن نستعد الاستعدادات الكافية للأمرين معًا؛ أولًا تسميم عائدة، والثاني إرغام زينب هانم على التنازُل عن قسم من ثروتها.

– نعم نعم، وعليك الاتكال ولك الجزاء الحسن — إن شاء الله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠