غزوة المصطلق

سمِّن كلبك يأكلك!

عبد الله بن أُبَي بن سلول

يا منصور، أمِت، أمِت.

صيحة الفزع المُرعِبة التي دوَّت على ماء «المريسيع» فجأة ودون سوابق أو مُمهِّدات، بمضارب «بني المصطلق»، ليهبط عليهم الرسول برجاله في جمادى الآخرة من عام ستة للهجرة، فتأخذهم الفجأة وتشلهم الصعقة، فما يُفيقوا إلا على قتلاهم وأسراهم وسباياهم وأموالهم ونَعمهم، تُجمَع بيد السيد المُنتصِر.١
وبين السبايا وقفت بنت السادة الرافلة في النعيم، زوجة مسافع بن صفوان المصطلقي (جويرية بنت الحارث) سيد المصطلق، تنتظر دورها،٢ فتقع في سهم جندي مسلم هو مُجرَّد نفر اسمه قيس بن الشماس؛ ومن ثَم تحكي لنا جويرية وهي ترى ما آلت إليه، باحثة عن مخرج يُلائم مكانتها:
رأيت قبل قدوم النبي بثلاث ليالٍ، كأن القمر يسير من يثرب، حتى وقع في حجري، فكرهت أن أُخبِر بها أحدًا من الناس، حتى قدم رسول الله فلما سُبِينا، رجوت الرؤيا.٣

ولتحقيق الرؤيا، ساوَمت آسرها ثابت بن قيس، على أن تدفع له فداءها عن نفسها ويُطلِّقها حرة، بموجب مُكاتَبة على العتق بذلك، وهي تعلم يقينًا أنها أسيرة لا تملك مالًا تشتري به نفسها، ولا تعلم حتى إن هي اشترت نفسها أين تذهب بعد أن ذهب قومها قتلًا وأسرًا؛ ومن ثَم قرَّرت أن تختبر الرؤيا، فذهبت إلى النبي لتطلب منه إعانتها في مُكاتَبتها!

وهنا تقول لنا أم المؤمنين السيدة عائشة الغيور:

فوالله ما إن رأيتها على باب حجرتي، فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت.

أما ماذا رأت السيدة عائشة رضي الله عنها؟ فهو ما تُوضِّحه في قولها:
كانت امرأة حلوة ملاحة.
لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه.
ويشرح لنا السهيلي شارح السيرة المعنى لكلمة «ملاحة» في قول أم المؤمنين بقوله:
الملاح أبلغ من المليح.
والملحة هي البياض.
وملاحة في العينين.
وقال الأصمعي:
الملاحة في الفم.
وقول عائشة … من الغيرة عليه والعلم بموقع الجمال منه .
ونُتابِع الحدث وهو يتحرك، فنرى جويرية الأسيرة تدخل على النبي لتقول:
يا رسول الله،
أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، سيد قومه،
وقد أصابني من البلاء ما لم يخفَ عليك،
فوقعت في السهم لثابت بن الشماس،
فكاتبته على نفسي،
فجئت أستعينك في كتابتي.

وهنا يتطلع سيد الخلق، العارف بمواطن الجمال والملاحة، ويملأ عينَيه منها، ليُعقِّب السهيلي على ذلك التطلع الطويل بقوله: «أما نظره عليه السلام لجويرية، حتى عرف من حسنها ما عرف، فإنما ذلك لأنها كانت امرأة مملوكة، ولو كانت حرة، ما ملأ عينه منها؛ لأنه لا يكره النظر إلى الإماء، ويجوز أن يكون نظر إليها؛ لأنه نوى نكاحها، كما نظر إلى المرأة التي قالت له إني وهبت نفسي لك. وقد ثبت عنه عليه السلام الرخصة في النظر إلى المرأة، عند إرادة نكاحها.»

وكان ما توقَّعته جويرية الحسناء، التي تعرف قدر حسنها، وقدَّمت لها الأقدار تحقيق رؤياها، حين قال لها النبي بعد تأمُّله الطويل:
فهل لك في خير من ذلك؟
قالت: وما هو يا رسول الله؟
قال: أقضي عنك كتابك وأتزوجك.
قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت.
وهنا تُعقِّب السيدة عائشة رضي الله عنها: «وخرج الخبر إلى الناس؛ أن رسول الله قد تزوَّج جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، فقال الناس: أصهار رسول الله . وأرسلوا ما بأيديهم. قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها.٤
ويقول ابن سيد الناس: «وكان الإبل ألفَي بعير، والشاة خمسة آلاف شاة، وكان السبي مائتَي بيت.»٥
وبينما كان حسن جويرية وملاحتها يُحِل على أهلها بركة وسلامًا، لتُزَف إلى سيد الخلق في زيجة جديدة، عكَّر صفو العُرس حدث جديد أحدثه عبد الله بن أبي بن سلول، مع نفر من أتباعه ممن تنعتهم كتب الأخبار بالمنافقين، وهو ما يأتينا خبره في عدد من الروايات؛ أولها ما رواه بن هشام في قوله: إنه بينما المسلمون يتزاحمون على ماء المريسيع «وردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجير له من غفار يقال له جهجهاه بن مسعود، يقود فرسه، فازدحم جهجهاه، وسنان بن وبر الجهني حليف بن عوف من الخزرج على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار. وصرخ جهجهاه: يا معشر المهاجرين. فغضب عبد الله بن أبي بن سلول، وعنده رهط من قومه، فقال:
أوَقد فعلوها؟
قد نافرونا وكاثرونا،
والله ما عُدنا وجلابيب قريش إلا كما قال الأول:
سمِّن كلبك يأكلك.
أما والله لئن رجعنا المدينة،
ليُخرِجن الأعز منها الأذل.
ثم أقبل على من حضره من قومه، فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم؛ أحللتموهم بلادكم، قاسمتموهم أموالكم. أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم، لتحوَّلوا إلى غير دياركم.»٦
ويسمع الصبي «زيد بن أرقم» ما بدر من ابن سلول، وما أفصحت عنه شفتاه من مكنون صدره، ليهرع من فوره إلى النبي يهمس له بما قال ابن سلول، ويسمع الأنصار همس الصبي، فينبرون دفاعًا عن رجلهم المُقدَّم: «يا رسول الله، عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل.» حدبًا على ابن سلول ودفعًا عنه.٧
وتحتد بعمر أعصابه وتأخذه الغضبة أخذًا فيقول للنبي وهو يُرعِد: مُر عباد بن بشر فليقتله. ليُنافِس عمر ولد عبد الله بن سلول الذي يحمل اسم أبيه «عبد الله»، فيهرع إلى مجلس النبي يقول: «إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت لا بد فاعلًا، فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه.»٨
ولكن حكمة سيد الخلق أفصح وأنصع وأكرم، فتنفرج شفتا رسول الله عن قوله:
فكيف يا عمر إذا تحدث الناس:
أن محمدًا يقتل أصحابه؟
ويلتفت إلى «عبد الله بن سلول» الابن ويقول له بكل حب أبوي ورحمة نبوية:
لا،
بل نترفق به،
ونُحسِن صحبته ما بقي معنا.٩

وهي الحكمة والرحمة البليغة، التي كانت ردًّا غير مُنتظَر، وضع ابن سلول في موقف شديد الهزال أمام قومه، ليعقب الشعور بالفزع والرعب شعور المهانة والتدني والخجل، وهي المشاعر التي دفعته يسعى للنبي ليحلف له بأغلظ الأيمان، بأنه ما قال ما قال ولا تكلَّم به.

وكي تتم معالجة الأمر على وجه السرعة، لقمع دعوى الجاهلية، وإيقاف أي طارئ جانبي قد يحدث بين أنصاري ومُهاجِر هنا أو هناك، وما قد يجره أي حدث جانبي من تفكُّك في الجبهة الإسلامية؛ أمر النبي القائد الفذ وزيره عمر بن الخطاب أن يُؤذِّن في الناس بالرحيل الفوري على عجل ودون إبطاء، في ساعة هجير شديد القيظ، ويحكي ابن إسحاق:
فلما استقل رسول الله وسار، لقيه أسد بن حضير، فحيَّاه تحية النبوة وسلَّم عليه، وقال: يا نبي الله، والله لقد رحت في ساعة مُنكَرة ما كنت تروح في مثلها. فقال رسول الله : أوَما بلغك ما قال صاحبكم؟ قال: وأي صاحب يا رسول الله؟ … يا رسول الله ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليُتوِّجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكًا.
ثم مشى رسول الله بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مسًّا من الأرض، فوقعوا نيامًا.
ويُعقِّب ابن إسحاق على تلك القسوة من القائد على رجاله، بقوله: «وإنما فعل رسول الله ذلك؛ ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبد الله بن سلول.»١٠
أما إجابة الرسول الحكيمة لعبد الله بن سلول الابن، ولعمر بن الخطاب، فسرعان ما آتت ثمارها فيما يُخبِرنا ابن هشام عن ابن سلول: «فجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث، كان قومه هم الذين يُعاتِبونه ويُعنِّفونه، فقال رسول الله لعمر، حين بلغه ذلك من شأنهم: كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يومَ قلت لي أقتله، لأرعدت له أنوف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته.»١١
ولم يكن حدث ابن سلول المُعكِّر الوحيد لصفو العُرس الجديد؛ فالصبي زيد بن أرقم الذي مدحه النبي وكرَّمه لما حمل إليه مقالة ابن سلول، وأمسكه من أذنه وقال : «هذا الذي أوفى الله بأذنه.» وجد له دورًا، فعاد يهمس للنبي أنه «سمع رجلًا من المنافقين يقول ورسول الله يخطب فيهم: «لئن كان هذا صادقًا، لنحن شر من الحمير.» فيرد عليه الصبي: «فهو والله صادق، وأنت شر من الحمار.»١٢
ويتعالى التشكيك في نبوة النبي من بعض رجاله، فيما يرويه البيهقي:
وفُقِدت راحلة رسول الله من بين الإبل، فسعى لها الرجال يلتمسونها، فقال رجل من المنافقين كان في رفقة الأنصار: أين يسعى هؤلاء؟ قال أصحابه: يلتمسون راحلة رسول الله ضلَّت. فقال المنافق: ألا يُخبِره الله بمكان راحلته؟ فأنكر عليه أصحابه ما قال، وقالوا: قاتلك الله، نافقت.١٣

أما أشد المُنكَرات من أحداث مُعكِّرة، صاحبت غزوة المصطلق، وعكَّرت عُرس النبي بجويرية، ما جاء بحدث الإفك عن أم المؤمنين الغيور وهي تصحب زوجها في زفة عُرسه، لتلوك الألسن عنها بالفحشاء وترميها بالشاب صفوان بن المعطل في القصة المعروفة التي أتى بها عصبة من الأفَّاكين، حيث حسمت السماء الأمر بتدخُّلها بالوحي الصادق، الذي برَّأ أم المؤمنين مما أتى به أهل الإفك والبهتان.

١  ابن هشام: السيرة في كتاب السهيلي، سبق ذكره، مج٤، ص٨، ٦.
٢  نفسه: ص١٩.
٣  البيهقي: دلائل، سبق ذكره، ج٤، ص٥٠.
٤  ابن هشام: السيرة في كتاب السهيلي، سبق ذكره. انظر معه شرح السهيلي، مج٤، ص٨، ٩، ١٨، ١٩.
٥  ابن سيد الناس: عيون، سبق ذكره، ج٢، ص١٢٤.
٦  ابن هشام: السيرة في كتاب السهيلي، سبق ذكره، ج٤، ص٧.
٧  الموضع نفسه.
٨  نفسه: ص٨.
٩  الموضع نفسه.
١٠  نفسه: ص٧، ٨.
١١  نفسه: ص٧.
١٢  البيهقي: دلائل، سبق ذكره، ج٤، ص٥٧.
١٣  نفسه: ص٥٩.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠