الفصل الرابع

الزحام المروري عبر المدن

علمنا من الفصل السابق أن كل شيء يتم على الوجه الأمثل في عالم الأسواق المثالية. كما علمنا أنها أسواق تتسم بالفعالية التامة، والنتائج الخالية من العيوب على جميع الأصعدة فيما عدا مسألة توزيعها للثروة. وعلمنا أيضًا أننا يمكننا إصلاح أي خلل في توزيع الثروة مقدمًا عن طريق نظرية «بدء السباق قبل الآخرين»، وكذلك حل جميع المشكلات على الفور أو على الأقل تلك المتعلقة بتوزيع السلع والخدمات.

هذه أمور يُسرُّ المرء عند سماعها، ولكن لماذا إذن قضيت ساعتين عالقًا في زحام المرور وأنا في طريقي إلى عملي هذا الصباح؟ فحركة المرور البطيئة — حتى إن كل سيارة تكاد تلتصق بالسيارة التي أمامها — بمنزلة إهدار أحمق للوقت. وأي من قادة هذه السيارات كان من الممكن أن يصل إلى وسط مدينة واشنطن في خمس عشرة دقيقة فقط لو كان قد استقل حافلة أو شارك الركوب مع شخص آخر في سيارته للاستفادة من حارات الطريق المخصصة للسيارات التي يركب فيها أكثر من شخص والتي لا تعاني أي زحام مروري. فأين الأسواق المثالية إذن؟ والإجابة الواضحة هي أنه بالطبع لا توجد سوق مثالية على الإطلاق وليس فقط فيما يخص قيادة السيارات في الشوارع. أما ما هو أقل وضوحًا فهو أنه يمكن لهذه السوق المثالية أن توجد على أرض الواقع.

والنظم الاقتصادية التي تسير دون توقف مفاجئ بوصفها أسواقًا مثالية أو كاملة لا تعتبر نظمًا واقعية أو جاذبة للاهتمام. ومع ذلك، ونظرًا لأن الأسواق المثالية توفر مثل هذا المقياس الواضح، يجد علماء الاقتصاد قدرًا كبيرًا من السهولة في البدء من نقطة هذه الأسواق ومحاولة العثور على حلول لما هو خطأ بدلًا من البدء من نقطة الصفر ومحاولة العثور على حلول لما هو صواب. وسوف تقودنا هذه الطريقة في التفكير فيما يتعلق بالعالم إلى علاج لمشكلة الزحام المروري عبر المدن.

(١) هنا مكمن الخطأ

الأصل أنني رجل سعيد ولكن تشوب حياتي بعض الأمور التي تثير ثائرتي وأتمنى أن تتغير. أتمنى مثلًا أن لو كنت غير مضطر لتحديث برمجيات جهاز الحاسب الآلي الخاص بي كل عامين بتكلفة ضخمة. وأتمنى أن أستطيع الاعتماد على الأطباء في أن يصفوا لي الدواء المناسب عندما أكون مريضًا. وأتمنى ألا تكون شوارع واشنطن مسدودة بالزحام المروري وممتلئة بالتلوث.

هذه الشكاوى الشخصية الثلاث، وإن كانت شائعة، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالنقاط الثلاث التي تخفق فيها الأسواق في أن تكون مثالًا رفيعًا من المثالية والكمال كتلك السوق التي تحدثنا عنها في الفصل الثالث. فكما رأينا في الفصل الثاني، تخفق الأسواق في العمل بكفاءة عندما تواجه قوة الندرة. وهذه هي إحدى المشكلات التي يواجهها المرء عند شراء برمجيات الحاسب الآلي؛ لأنه سوق تسيطر عليه شركة واحدة، ألا وهي مايكروسوفت Microsoft التي تتمتع بقوة هائلة تمكنها من وضع أسعار مرتفعة لمنتجاتها. كما تخفق الأسواق أيضًا إذا كان هناك نقص في المعلومات لدى بعض متخذي القرار. فعندما أذهب إلى الطبيب لا أكون متأكدًا إن كان سيصف لي العلاج السليم أم لا، وفي الوقت نفسه لا يجد هو أي داع لأن يضع في حسبانه ثمن العلاج الذي سيصفه، وفي الوقت نفسه أيضًا فإن شركة التأمين بالطبع لديها من الدوافع ما يجعلها تعرض عن دفع ثمن هذا العلاج دون أن تعرف حقيقة الموقف. (سنعالج قضية الرعاية الصحية في الفصل الخامس.) وأخيرًا، فإن الأسواق تخفق في العمل بكفاءة إذا كانت القرارات التي يتخذها بعض الناس تؤثر على آخرين يشاهدون ما يحدث دون التدخل في هذه القرارات، مثل: عندما يقوم سائق بشراء البنزين من محطة وقود، فهذا يعود بالنفع على كل من السائق ومحطة الوقود، ولكنه سيضر باقي الناس بما فيهم باقي السائقين الذين سيتنفسون رغمًا عنهم غاز أول أكسيد الكربون الناجم عن احتراق هذا الوقود.
وهذه المشكلات الثلاث تسمى «إخفاقات السوق» market failures: وهي قوة الندرة التي تحدثنا عنها في الفصلين الأول والثاني، ونقص المعلومات الذي سنتحدث عنه في الفصل الخامس، والموضوع الذي سنتناوله في هذا الفصل وهو القرارات التي تؤثر أثارًا جانبية على من يقفون منها موقف المتفرج. يطلق علماء الاقتصاد على هذا الأثر الجانبي اسم «الأثر الخارجي» externality لأنه قرار يمتد أثره إلى خارج دائرة المعنيين به مثل قرار شراء الوقود. فسواء كان بسبب قوة الندرة، أو نقص المعلومات، أو الآثار الخارجية؛ فستصبح الأزمات وشيكة الحدوث عندما يخفق الاقتصاد في العمل بالكفاءة التي يتوقعها «عالم الصدق» المثالي.

(٢) كيف يؤثر قائدو السيارات على باقي الناس

تمتلئ شوارع كل المدن الكبيرة في العالم مثل واشنطن العاصمة وطوكيو وأطلانطا ولوس أنجلوس وبانكوك وغيرها بالسيارات والحافلات والشاحنات التي تعكر صفو المارة الأبرياء. فهي تلحق بالهواء تلوثًا شديدًا. صحيح أن ما تعانيه لندن الآن من تلوث هواء حاد لا يساوي في حدته «التعفن الكبير» Great Stink الذي أصاب لندن في خمسينيات القرن التاسع عشر عندما مات عشرات الآلاف بعد إصابتهم بمرض الكوليرا، ولكن لا يجب الاستهانة أبدًا بتلوث الهواء الذي يحدثه المرور والذي يتسبب في موت الآلاف بسبب رغبة البعض في قيادة السيارات. فهناك حوالي سبعة آلاف حالة وفاة مبكرة سنويًّا بسبب التلوث الناجم عن عوادم السيارات في بريطانيا، أي بنسبة تزيد قليلًا عن واحد في العشرة آلاف من السكان، وتقدر الوكالة الأمريكية لحماية البيئة EPA حدوث خمسة عشر ألف حالة وفاة مبكرة في الولايات المتحدة بسبب المادة الجُسيمية التي تنبعث من مصادر مثل محركات الديزل. وفي المناطق الحضرية مثل لندن تجد أن تكلفة الفترات التي يقضيها قائدو السيارات في انتظار انفراج الحركة المرورية أسوأ كثيرًا إذا نظرت إلى عدد الساعات المنفقة في الجلوس بالسيارة أثناء الزحام المروري على أنها تمثل إلى حد ما خسارة هائلة لوقت كان يمكن أن ينفق لإنجاز أمور ممتعة ومثمرة في الحياة. ثم هناك الضوضاء والحوادث وما يسمى «تأثير الحاجز» Barrier Effect، أي التأخر والإزعاج الذي تتسبب فيه حركة المرور لمن لا يركبون السيارات، وكلها أمور توهن عزيمة الناس — ولاسيما الأطفال — من السير حتى المدرسة، أو إلى المتاجر القريبة أو حتى لمقابلة رفقائهم في الشارع.

الناس ليسوا حمقى: فحقًّا توجد بالتأكيد فائدة تعود على كل من يذهب إلى مكان ما مستخدمًا سيارة، إلا أن هذه الفائدة تأتي على حساب كل المحيطين بهم مثل قائدي السيارات الآخرين المحبوسين وسط الزحام المروري، والآباء والأمهات الذين يخشون ترك أطفالهم يمشون إلى المدرسة، والمشاة الذي يجازفون بحياتهم باندفاعهم بسرعة لعبور الطريق لأنهم ضجروا من انتظار تغير ضوء إشارة المرور، وموظفي المكاتب المتصببين عرقًا الذين لا يقدرون على فتح نوافذ مكاتبهم بسبب ضجيج المرور في الخارج.

ونظرًا لأن كل قائد سيارة يتسبب في تعاسة الآخرين، فلا يمكن للسوق الحرة أن تقدم حلًّا لمشكلة المرور. وتعتبر التأثيرات الخارجية الناتجة عن التكدس المروري والتلوث بمنزلة انحراف كبير عن «عالم الصدق» الذي يجعل كل فعل يرجع إلى سلوك أناني يصب في الصالح العام. فأنا على نحو أناني أشتري الملابس الداخلية لأنني أحتاجها، ولكنني بهذا الفعل الأناني أقوم بتوجيه الموارد إلى أيادي أصحاب مصانع الملابس الداخلية دون أن أسبب الضرر لأي فرد آخر. كما يبحث عمال صناعة النسيج في الصين، حيث صنعت الملابس الداخلية، على نحو أناني عن وظائف أفضل، في حين يبحث أصحاب هذه المصانع على نحو أناني عن الموظفين المهرة. وهكذا فكل ما سبق صب في مصلحة الجميع: فالسلع يتم تصنيعها فقط إذا وُجد راغبون في شرائها، ويتم تصنيعها فقط بواسطة أفضل العناصر للقيام بهذه المهمة. وبالتالي تسهم الدوافع الذاتية في أن تعم المصلحة على الجميع.

أما سائقو السيارات، فوضعهم مختلف، فهم لا يقدمون للمجتمع تعويضًا عن التكلفة التي ابتلوا بها المجتمع بأسره. فعندما أشتري الملابس الداخلية، يعوض المال الذي أدفعه كل تكاليف صناعة هذه الملابس وبيعها لي. أما عندما أقود سيارتي فإنني لا أحتاج حتى إلى التفكير في التكلفة التي فرضتها على المجتمع بأسره أثناء انتفاعي بالقيادة في طرق بلا رسوم.

(٣) الأنواع المختلفة للأسعار: الحدية والمتوسطة

ليس من العدل القول بأن قائدي السيارات يمكنهم استخدام الطرق هكذا دون مقابل، ففي المملكة المتحدة، لا يجوز لأي شخص أن يقود سيارته أو حتى يوقفها في الطرق العامة ما لم يكن يدفع ما يسمونه «رسوم استخدام المركبات بالطرق العامة» Vehicle Excise Duty، وهي ضريبة سنوية باهظة، مماثلة لضريبة تفرضها بعض الولايات في الولايات المتحدة الأمريكية. كما تُفرض الضرائب المرتفعة على البنزين ووقود الديزل بما يكفي لأن يتسبب في سخط كبير. ففي خريف عام ٢٠٠٠م على سبيل المثال، حالت سلسلة من الاحتجاجات على أسعار الوقود المرتفعة دون وصول الوقود إلى محطات الوقود التابعة للدولة مما أصاب بريطانيا بالشلل التام. وجدير بالذكر أنه في بريطانيا يصل إجمالي ما يدفعه أصحاب السيارات من ضرائب استهلاك وقود وضرائب على السيارات إلى ٢٠ مليار جنيه إسترليني سنويًّا؛ ويقترب هذا الرقم من ١٠٠ مليار دولار في الولايات المتحدة. وليس السؤال هنا «هل دفع هؤلاء السائقون المقدار الكافي؟» وإنما السؤال الصحيح يجب أن يكون «هل يدفعون للحصول على الخدمات المناسبة» الإجابة لا.
ثمة مفهومان مختلفان للسعر في هذه المسألة، والتفريق بينهما مهم. فمتوسط السعر الذي يدفعه صاحب السيارة لكي يسير بسيارته عبر المدينة لمرة واحدة كبير جدًّا إذا ما كان يدفع رسوم الرخصة السنوية، أما إذا قاد سيارته في رحلة أخرى عبر المدينة فإن السعر ينخفض لأن الرحلة لن تحتاج إلى الكثير من الوقود ولا تُفرض أي رسوم إضافية على أصحاب السيارات لقيامهم برحلات إضافية؛ فبمجرد دفع الرسوم التي تمنحك الحق في قيادة السيارة في الشارع في البداية لن يخفضوا لك الضريبة إذا كنت لا تكثر من قيادة السيارة. لذا يمكن لأي صاحب سيارة أن يقود سيارته متى شاء طالما أن ذلك لن يزيد بنسًا واحدًا على فاتورة الضرائب. وهذا هو الفرق بين متوسط السعر وبين التكلفة الحدية marginal cost وهي تكلفة الرحلة الإضافية.

ولكي تفهم سبب أهمية هذا الفارق، دعنا نتحول إلى المشروبات الكحولية. فعندما كنت طالبًا بالجامعة، كان من عادة الأندية والجماعات بالجامعة إقامة حفلات ضخمة تجد فيها بعض الناس لا يشربون الخمور على الإطلاق، بينما أغلب الحضور يشربون حتى الثمالة. وكان السبب في هذا وجود نوعين من التذاكر: تذكرة «كحولية» تدفع مقدمًا وتسمح لك بتناول الخمور كيفما تشاء، لنقُل إن سعرها كان عشرة جنيات إسترلينية على سبيل المثال (أي ما يعادل نحو خمسة عشر دولارًا آنذاك). أما النوع الآخر من التذاكر فكان أرخص بكثير، ولكنه لم يكن يسمح إلا بالوقوف في أحد الأركان وتناول عصير برتقال سيئ الطعم بينما يزداد الإزعاج الذي يتسبب فيه شاربو الخمر أكثر وأكثر. وكان حضور مثل هذه الحفلات وشرب كوبين من البيرة مكلفًا للغاية ولهذا كان معظم الناس يفضل إما تحقيق أقصى استفادة من قيمة التذكرة الكحولية بتناول كمية غير محدودة من الشراب، وإما التخلي عن تناول المشروبات الكحولية تمامًا. وبالطبع كانت الفوضى هي النتيجة بالرغم من شعور البعض أنها كانت حفلات جيدة.

وعندما شعرت الجامعة أن السُكر يتسبب في الفوضى، قررت التعامل مع هذا الأمر في الحفل التالي عن طريق رفع سعر تذكرة المشروبات الكحولية إلى عشرين جنيهًا (حوالي ثلاثين دولارًا آنذاك). ولكن بالرغم من اختيار البعض الاكتفاء بعصير البرتقال أو عدم حضور الحفل على الإطلاق، قرر معظم شاربي الخمر أنه لا مغزى من الحفل دون شراب. وبالتالي كانوا يفرغون على مضض ما في محافظهم مقابل التذاكر الباهظة، وفي وقت لاحق من الحفل كان الكثيرون منهم يفرغون ما في أمعائهم.

يبدو أن القائمين على الأمر في الجامعة لم يفهموا المشكلة كما ينبغي. فكل ما فهموه هو أن الطلاب كانوا يفرطون في الشراب، وظنوا على نحو صحيح أن الحل قد يكون في رفع سعر تناول المشروبات الكحولية. والمسألة هي أن هناك طرق مختلفة لوصف سعر تناول المشروبات الكحولية، فهناك سعر أن تكون شارب خمر وهو عشرة جنيهات. وهناك متوسط السعر لكأس الخمر وهو خمسون بنسًا للطالب العادي الذي سيشرب عشرين كأسًا. ثم هناك التكلفة «الحدية» وهي صفر. فبمجرد أن تدفع قيمة التذكرة مقدمًا، يمكنك أن تستمر في الشرب.

سؤال: لو كنت أنت المسئول عن هذا الأمر في الجامعة، فهل ستحل المشكلة عن طريق: (أ) زيادة سعر التذكرة المدفوعة مقدمًا؟ أم (ب) تقديم نوع أفضل من عصير البرتقال؟ أم (ج) إلغاء التذكرة المدفوعة مقدمًا وتطالب الأعضاء بسعر ما يتناولونه من شراب؟

ربما سيكون تقديم نوع أفضل من عصير البرتقال حلًّا لطيفًا، ولكن المخبر الاقتصادي السري سيختار الطريقة رقم (ج).

لنعود الآن إلى الاختناق المروري، فإذا أردت أن تقدم المشورة لوزير النقل والمواصلات ربما يجدر بك أن تجري له تلك المقارنة بحفل الجامعة الذي ذكرناه. أما الآن، فليس لدى قائدي السيارات إلا خياران، إما دفع رسوم باهظة مقدمًا والقيادة متى يشاءون؛ وإما التخلي عن القيادة تمامًا. فهذا الخيار الثاني أشبه بخيار «عصير البرتقال» في الحفل، والذي سيدفعهم إلى ركوب الدراجات في المقابل أو استخدام المواصلات العامة أو المشي (على الرغم من أنه في حفل الجامعة كلما زاد عدد من يختارون الخيار الأول، يصبح الخيار الثاني أقل جاذبية.)

ربما سيكون من المفيد أيضًا أن تقترح عليه بعض الخيارات المتعلقة بتغيير السياسة المتبعة: (أ) كأن يزيد رسوم القيادة المدفوعة مقدمًا؛ أو (ب) أن يقدم مثلًا «عصير برتقال» أفضل (أي المزيد من الحافلات، وتحسين القطارات، وطرق للدرجات، وأماكن لعبور المشاة)؛ أو (ج) أن يلغي الرسوم المدفوعة مقدمًا ويطالبهم بضريبة كل مرة يقودون فيها سياراتهم.

من المتوقع أن يؤدي الخياران الأول، والثاني إلى تقليل اختناق المرور بقدر ما، وربما بقدر كبير. ولكن الخيار (ج) هو الذي سيتعامل مع سبب المشكلة. فقائدو السيارات لا يعيشون في «عالم الصدق»؛ فهم لا يدفعون ثمن التكلفة الحقيقية لتصرفاتهم ومن ضمنها «التأثيرات الخارجية» أو الآثار الجانبية التي تؤثر على المارة. ويحاول الخيار (ج) أن يجعلهم يدفعون تلك التكلفة؛ ربما يمكننا تسميتها «ضريبة التأثير الخارجي» Externality charge.

وعندئذ يُعرض على كل قائد سيارة نفس الخيارين اللذين واجههما طلاب الجامعة في حفلاتهم، إما دفع مبلغ كبير من المال مقابل كمية غير محدودة من الشراب، أو عدم دفع أي شيء والحصول على لا شيء في المقابل. أي أنه ليس هناك حل وسط.

فالطلبة في حفلات الجامعة لم يشعروا بالسعادة لحقيقة أن المشروبات تقدم بسعر خمسين بنسًا (أقل من دولار) في المتوسط، وإنما شعروا بالسعادة لحقيقة أنهم سيحصلون دائمًا على المشروب التالي مجانًا. بالمثل، ليس السبب في زحام المرور حقيقة أن الضرائب على قيادة السيارات في الرحلة خمسين سنتًا في المتوسط ولكنه لحقيقة أن الرحلة التالية ستكون مجانية دائمًا.

لا يجب أن ننشغل كثيرًا بالمبلغ الذي يدفعه قائدو السيارات في المتوسط، فبالتأكيد متوسط المبلغ الذي يدفعه أي شخص كضريبة يعد أمرًا مهمًّا بالنسبة لتوزيع الثروة، ولكن بالرغم من أهمية التوزيع إلا أنه ليس له تأثير كبير على ازدحام الشوارع بالسيارات أو تلوث المدن.

أما ما يهم كثيرًا فيما يتعلق بمسألة اختناقات المرور فهو التكلفة الحدية التي يتحملها قائدو السيارات؛ أو بعبارة أخرى التكلفة التي يتحملها قائدو السيارات لقيادة السيارة مرة أخرى. فالسيارات في النهاية ليست هي التي تحدث التلوث الشديد أو اختناق المرور وإنما «قيادتها» هي المشكلة. فالجامعات ستشجع على تناول الشراب بكميات معقولة إذا طالبت الطلاب بسعر كل مشروب يتناولونه. بالمثل، ستشجع وزارة النقل والمواصلات على القيادة بطريقة معقولة إذا جعلت قائدي السيارات يدفعون كل مرة يقودون فيها سياراتهم.

(٤) يجب أن يعكس السعر حجم الضرر

حسنًا فقد أفرطت في تبسيط الأمور كعادتي. ففي معظم الدول الأوروبية، يدفع قائدو السيارات ضريبة على كل ميل في صورة ضريبة باهظة على الوقود. ولكن لا تتلاءم تلك الضريبة مع التكلفة التي يفرضها قائدو السيارات بعضهم على بعض، أو على غيرهم من البشر. فالناس في المناطق الريفية يدفعون الضرائب (فتراهم يدفعون ما بين ربع وثلث جنيه إسترليني للجازولين وهو السعر الذي يدفعه الناس في المناطق الحضرية)، ولكن ساعات الذروة التي يسببها الذاهبون في رحلاتهم يوميًّا (في مدن مثل لندن أو نيويورك أو باريس) هي السبب في اختناقات المرور الشديدة وتلوث الهواء الشديد والضوضاء. ومع ذلك فنفس هذه الرحلات في الساعات المبكرة من الصباح لا تتسبب في الزحام المروري وإن كانت تستمر في إحداث مشاكل التلوث والضوضاء. فأنت إذا قدت سيارتك في رحلة بين منزلين في ألاسكا لن تتسبب في أي اختناق مروري، والضوضاء التي ستتسبب فيها لن تسمعها سوى حيوانات الرنة الشاردة. أما الضرر الناجم عن عادم السيارة فسيقل للغاية لأن معظم العوادم ستتبدد في الهواء بشكل غير مؤذ. فإذا كانت الفكرة هي مطالبة قائدي السيارات بتكلفة ما يسببونه من ضرر، فسيتعين على من يقودون في ساعات الذروة بنيويورك الدفع أكثر لأنهم يلحقون كثيرًا من الضرر بالآخرين. ومهما كانت تكلفة التأثير الخارجي externality التي سيبدو أنها مناسبة، فلا بد أن تختلف باختلاف الزمان والمكان إذا كانت ستعكس الحقيقة.
ليس الهدف من فكرة فرض ضريبة للتأثير الخارجي هو تثبيط الناس عن القيام بأفعال قد تضر بالآخرين؛ وإنما الهدف منها هو أن يضعوا في الحسبان الضرر الذي يسببونه للآخرين. إليك هذا المثال غير المألوف: إذا ذهبت إلى جبال بلو ريدج Blue Ridge في فيرجينيا سيرًا على الأقدام، فسيكون من الأفضل أن لو كنت قادرًا على التمتع بجمال المكان في شيء من العزلة، وسأنزعج قليلًا من رؤية الممرات تعج بأناس آخرين. فقد يزعجني وجودهم، ولكن لن يكون من المنطقي أن نمنعهم من رحلاتهم؛ وذلك لأنها تمنحهم الكثير من المتعة وتسبب لي القليل جدًّا من الضرر.

تحتاج المطالبة بضريبة للتأثيرات الخارجية أن نحقق التوازن بين المتعة والضرر؛ فيجب أن تعكس الضريبة تكلفة التأثير الخارجي … تكلفته فقط وليس أكثر. ويجب أن نهدف لأن نخلق لأنفسنا عالمًا يشعر فيه الناس بالحرية في ممارسة الأعمال التي يستمتعون بها، حتى وإن كانت تسبب قليلًا من الإزعاج للآخرين، ولكنه أيضًا عالم نمتنع جميعًا فيه عن إلحاق الأذى أو الضرر بالآخرين إذا كان منع هذا الضرر يتطلب جهدًا ضئيلًا. لقد اكتشفنا معًا في الفصل الثالث أن الأسواق المثالية تحقق مثل هذا العالم، أو على الأقل داخل مجال عمل تلك الأسواق. فالأسواق المثالية لن تجعلك تبتسم في وجه عابر للطريق، أو أن تبر والديك، ولكنها ستجعلك متأكدًا أنك ستحصل على الكابوتشينو إذا، وإذا فقط، كنت مستعدًا لدفع أكثر من التكلفة الحقيقية، أي التكلفة التي تضم تكلفة الوقت والجهد لكل من النادلة، ومزارعي البن، وأصحاب شركات المقاهي، والمصنعين لآلات صنع القهوة وما إلى ذلك. بعبارة أخرى، الأسواق المثالية تسمح لك بالشعور بحرية التصرف فقط إذا كانت المتعة التي تحصل عليها تفوق العناء الذي وقع لتحصل على تلك المتعة.

يفسر هذا السببَ وراء شعور علماء الاقتصاد بالراحة عندما تعمل الأسواق على النحو الأمثل. ولكن يجدر بنا الاحتراس من العديد من إخفاقات الأسواق. كيف تتأكد إذن عندما تقرر ما إذا كنت ستقود سيارتك عبر المدينة أم لا أن النفع الذي سيعود عليك يفوق التكلفة التي أوقعتها على الآخرين؟ لا داعي للقلق حيال ذلك فكل من التكلفة والمنافع تعد جزءًا لا يتجزأ من تعاملات السوق الفعالة. لذلك، فإذا كان سوق تكرير النفط وسوق بيع البنزين من الأسواق المثالية (وهما ليسا بعيدين عن هذا الوصف بعكس الاعتقاد الشائع)، فإن السعر الذي يباع به البنزين يعبر تمامًا عن العناء الذي وقع ليتم تكريره وتوزيعه على محطات الوقود. أما أنا فلن أشتري البنزين إلا إذا كان النفع الذي سأحصل عليه يفوق العناء الذي تطلبه الأمر ليتم تكريره وتوزيعه.

أما إذا كان هناك ما يجب أن نقلق حياله، فهو التكلفة والمنافع التي لا تدخل ضمن تعاملات السوق، فالتلوث الناتج عن البنزين يتسبب في التسمم محليًّا والاحتباس الحراري عالميًّا، كما أن غالبية ضرر التلوث الذي يحدث عندما أحرق كمية ضخمة من البنزين لن يقع على شركة النفط. وإنما الخدعة هي محاولة محاكاة الأسواق المثالية بجعل قائدي السيارات يدفعون كل ما تتسبب فيه تصرفاتهم من تكلفة، فمثلما تحملوا التكلفة التي فرضتها شركة النفط في السوق، يتعين عليهم أيضًا تحمل تكلفة ما يسببونه من تأثير خارجي قبل كل شيء. فتكلفة التأثير الخارجي هي التكلفة التي تقع على الآخرين والتي لا يتحملها صاحب السيارة ولا شركة النفط.

أصبح لدينا الآن جميع العناصر المتعلقة بفرض ضريبة للتأثير الخارجي. وأصبحنا الآن على علم أنه ربما توجد تكاليف ومنافع للقرارات الفردية أو لتعاملات السوق تؤثر على الآخرين على نحو غير مباشر. ومن ثم قد يتسبب في خلق حالة من اللافعالية (بمعنى: يمكن أن نتصرف على نحو أفضل بأن نسبب النفع لفرد واحد على الأقل، ولا نسبب أي ضرر لأي فرد.) كما علمنا أيضًا أننا إذا أردنا تغيير سلوكنا لتصحيح حالة اللافعالية، فسنظل في حاجة لتغيير الأسعار الحدية، وليس متوسط الأسعار. ثالثًا: لا يجب أن نقلق حيال التكلفة التي ترتبط بتعاملات سوق يعمل على نحو جيد، وإنما يجب أن نقلق حيال تكلفة التأثير الخارجي التي دائمًا ما يتم إهمالها. رابعًا: يجب أن يعكس نظام التسعير الحدي تكاليف التأثير الخارجي بدقة. فلا يكفي أن نمنع أي سلوك لا يروق لنا فحسب، ولكن بدلًا من ذلك، يجب أن نركز على الحالات التي يحصل فيها الفرد الفاعل على قليل من النفع، لكنه يتسبب في إلحاق كثير من الضرر بالآخرين.

(٥) اعتراضان على فرض ضريبة للتأثير الخارجي

نظرًا لأن ضريبة للتأثير الخارجي في حقيقتها ضريبة حكومية، فلا تسلم من الخلاف الذي تتعرض له دائمًا الضرائب الحكومية. فالمطالبة بضريبة تأثيرات خارجية دائمًا ما يتم انتقادها من ناحيتين أخلاقيتين متضادتين.

كم ينفق الناس على الوقود؟

الاعتراض الأول يفيد أن ضريبة التأثير الخارجي externality charge ضريبة غير عادلة تستهدف مجموعة من المستضعفين. ضع في اعتبارك فكرة فرض الضريبة على قائدي السيارات لقيادتهم في أوقات الازدحام المروري. وفي ذلك السياق، يرى المنحازون إلى قائدي السيارات أنهم يدفعون ما يكفي، وليس من العدل أن تفرض سعرًا على قائدي السيارات المساكين الذين لا يقودون في ساعات الذروة. ويأتي الاعتراض الثاني ممن يعارضون بشدة النشاط الذي ستفرض الضريبة عليه قائلين أنه بعد فرض الضريبة سيظل الأغنياء قادرون على فعل ما يحلو لهم من الأمور غير المرغوب فيها. وفي مسألة الازدحام المروري يزعم المعارضون لقيادة السيارات أنه من المشين أن يتمكن قائدو السيارات الأغنياء من القيادة متى شاءوا لتتسبب سياراتهم في إلحاق الضرر بالبيئة.

هل يتم فرض ضريبة التأثير الخارجي بطريقة غير عادلة؟ فهذه الضريبة لا يتم فرضها على الفقراء بعينهم، وإنما على الأنشطة التي يقوم بها الناس طواعية، فإذا قررت أن تتوقف عن إلحاق الضرر بالآخرين، لن تصبح مضطرًا لدفع ضريبة التأثير الخارجي، صحيح أن الأغنياء يمكنهم تحمل نفقات قيادة السيارات على نحو يفوق الفقراء ولكن هذا الأمر يتماثل في صحته مع القول بأن الأغنياء يمكنهم تحمل نفقة الغذاء أكثر من الفقراء، الأمر الذي قد يعد غير عادل، ولكنك إذا قبلت نظام الأسعار على السلع التقليدية مثل الطعام، فلماذا لا تقبله على مساحة الطريق أو الهواء النظيف؟ ربما ستقول لأن الغذاء والملبس والمسكن لا يمكننا الحصول عليها مجانًا، أو لأنها سلع سريعًا ما تنفد. ولكننا لا نجد مكانًا خاليًّا نسير فيه؛ لأننا نستخدم الطرق مجانًا.

ولمّا كان الأغنياء يقودون السيارات أكثر من الفقراء، فإن ضريبة التأثير الخارجي تقوم غالبًا بإعادة توزيع الدخل في الاتجاه المرغوب فيه. وفيما يخص مسألة فرض ضريبة على الازدحام المروري نجد الحقيقة صارخة: ففي المملكة المتحدة لا يقود الفقراء السيارات، بل يركبون الدراجات أو يمشون أو يركبون الحافلات. فالعُشر الأفقر من السكان ينفق تقريبًا أقل سبعة مرات على الوقود من العُشر الأكثر ثراء، كنسبة من دخولهم التي تقل بكثير عن دخول الأغنياء. أما الإنفاق الإجمالي للعُشر الأكثر ثراء على الوقود فهو يزيد بحوالي ثلاثين مرة على الأقل من إنفاق العُشر الأشد فقرًا. أي أن ضريبة الزحام المروري congestion charge لا تحسن الفعالية فحسب، وإنما تعيد توزيع المال بزيادتها الضرائب المحصلة من الأغنياء.

سيسعد ما سبق مؤيدي ضريبة الزحام المروري في بريطانيا، ولكنه لن يكون ذا فائدة في الولايات المتحدة التي لا يزال يقود فيها الفقراء السيارات بكثرة، وبالتالي يضطرون إلى دفع الضرائب الضخمة التي يستقطعونها كنسبة مئوية من دخولهم. ولكن هذه المسألة لا ينبغي أن تمثل اعتراضًا غير مقبول لأن الضريبة يمكن تصميمها بحيث لا تعيد توزيع الدخل كثيرًا. وفيما يخص الطرق، يمكن للحكومة أن تلغي رسوم استخدام المركبات بالطرق العامة، وهي الضريبة الضخمة التي يتم دفعها مقدمًا، ثم البدء في فرض ضريبة زحام عليك في كل مرة تقود فيها سيارتك. سيظهر هذا فائدة فعالية ضريبة الزحام دون أن يكون لها تأثير كبير على توزيع الدخل. ومن الممكن تحييد الكثير من جوانب إعادة توزيع الدخل التي تسببت فيها ضريبة التأثيرات الخارجية وفي الوقت نفسه تحافظ على تأثيراتها التي تساعد على زيادة الفعالية. يعد هذا أحد أشكال الضريبة ذات القيمة الثابتة التي تفرض على تايجر وودز التي تحدثنا عنها في الفصل الثالث: إذ يمكننا استخدام الضرائب ذات القيمة الثابتة لإعادة توزيع الدخل دون الإخلال بالفعالية.

وبعد أن صدوا هجمة من يتحدثون عن إعادة توزيع الدخل، يبقى رأي آخر على علماء الاقتصاد مواجهته ألا وهو الرأي المتحمس لضرورة فرض ضريبة تأثير خارجي من منطلق الحفاظ على البيئة. فليس كل متحمس لقضايا البيئة معارضًا لضرائب التلوث والزحام، وإن كان البعض يعارضونها؛ والسبب هو أنهم يشعرون أن التلوث يجب أن يتم تجريمه قانونيًّا بشكل عام، بدلًا من أن يكون محظورًا على الفقراء ومباحًا للأغنياء. فلماذا يسمح للأغنياء بإحداث التلوث؟ فهناك بعض جماعات الضغط التي تحتج بشكل عام على ضريبة التأثير الخارجي لأنها تسمح للأفراد بالدفع، ومن ثم الاستمرار في القيام بالأفعال البغيضة.

قد تذهب أحد الردود المتحيزة إلى رأي هذه الجماعات إلى أن الأغنياء لا يسببون التلوث على سبيل المزاح. معلوم أنهم الأكثر مقدرة على دفع ضريبة الزحام، ولكنهم لن يغضوا الطرف عنها. ربما سيحرصون أكثر على الذهاب إلى المتجر بالسيارة مرة واحدة بدلًا من مرتين، أو حتى قد يفضلون المشي إلى المتجر القريب بدلًا من القيادة إلى مكان آخر بعيد. فضريبة التأثير الخارجي تجعل البدائل الأخرى تبدو أكثر جاذبية لكل من الأغنياء والفقراء.

والأمر الأكثر أهمية في هذا السياق هو أنه لا يجب علينا الخلط بين صرامة تنظيم التأثيرات الخارجية قانونيًّا وبين طريقة تنظيمها. فضريبة الزحام يمكن أن تبلغ دولارًا واحدًا يوميًّا، أو عشرة دولارات يوميًّا، أو ألف دولار يوميًّا. أما ما نعرفه، فهو أنه مهما كانت قرارات المجتمع عن مدى خطورة التأثير الخارجي، فإن فرض ضريبة له تعد من أكثر الطرق فعالية لمعالجة هذه المشكلة. ويمكن أن تكون ضريبة الزحام، على سبيل المثال، إذا صممت جيدًا أكثر الطرق فعالية لتحقيق أي خفض محدد في استخدام الطريق. أما مسألة القدر المرغوب من الخفض فهو سؤال مفتوح للمناقشة، بينما نجد أن ضريبة الزحام تحقق الغرض المنشود منها بغض النظر عن إجابة هذا السؤال.

وثمة بدائل لضريبة الزحام التي لم تصل إلى حد منع قيادة السيارات تمامًا. أما المشكلة، فهي أن تلك البدائل لا تنجح هي الأخرى. فمثلًا، يمكن للحكومة أن تعطي لكل صاحب سيارة بطاقة تسمح له بالقيادة مسافة ٢٠ ميلًا أسبوعيًّا. ولكن ستتسبب تلك الخطة على الفور في أن يرغب بعض الناس، معظمهم من الفقراء، في بيع تلك البطاقات إلى أناس آخرين، معظمهم من الأغنياء، فالفقراء يفضلون الحصول على النقود، والأغنياء يفضلون الحق في القيادة. ومتى سمحت الحكومة بالاتجار بتلك البطاقات، فستكون ببساطة قد فرضت ضريبة زحام بطريقة أخرى، وربما بطريقة أقل فعالية بصورة طفيفة نظرًا لما ستسببه تلك التجارة من مشاحنات. (فالثمن سيكون أي قيمة سوقية يحددها السوق لهذه البطاقات). وإذا منعت الحكومة المتاجرة بتلك البطاقات، فستوصف الخطة باللافعالية بشكل واضح لأن الراغبين في المتاجرة سيُمنعون من ذلك.

أما البدائل الأخرى مثل رسوم انتظار السيارات المرتفعة، فتعد أقل فعالية، وبالرغم من صعوبة شرح ذلك بإيجاز إلا أنني سأعطيك مثالًا. فقد يمكن أن تثني رسوم انتظار السيارات العالية بعض قائدي السيارات عن القيادة؛ ولكن كيف ذلك والعلاقة بين القيادة وانتظار السيارات ليست مباشرة؟ فبعض قائدي السيارات يقضون وقتًا إضافيًّا في الشوارع باحثين عن مكان خالٍ للانتظار بسياراتهم. فإذا رغبت الحكومة في إثناء قائدي السيارات عن القيادة بتحميلهم بعض التكاليف، فمن الأفضل أن تطلبها منهم مباشرة وتنفق العائد في عمل آخر مفيد.

سوف تشكو بعض جماعات الضغط من أن ضريبة التأثير الخارجي ليست صارمة بما يكفي، في حين أن هناك آخرين يشكون أنها قاسية للغاية. ويذهب دفاع علماء الاقتصاد في هذا الصدد إلى أن ضريبة التأثير الخارجي أكثر الطرق الصارمة فعالية. وهكذا يمكن لعالم الاقتصاد في أي أمر آخر أن يقترح بديلًا، باستخدام ضريبة التأثير الخارجي، التي ستعود بالنفع على بعض الناس ولا تسبب الضرر لأحد.

(٦) كم تساوي حياتك؟

يوضح الجزء السابق أن مستوى أي ضريبة تأثير خارجي يمكن أن يثير جدلًا واسعًا. أما بالنسبة للمخبر الاقتصادي السري، الذي يسعى لإعادة خلق «عالم الصدق». فضريبة التأثير الخارجي المثالية تعكس كل التكاليف، التكاليف الخارجية الحقيقية «فقط».

ويستحق الأمر التفكير فيما يجب أن يكون عليه النظام المثالي للتأثيرات الخارجية التي تتسبب فيها قيادة السيارات. فأي شخص تتسبب سيارته في انبعاث ملوثات تدمر البيئة المحيطة يجب أن يدفع ضريبة مقابل التلوث الذي سببه إذا كان يقود سيارته في منطقة ذات كثافة سكانية عالية. كما سيكون هناك نوع آخر من الضرائب على انبعاث ثاني أكسيد الكربون كل مرة تتم فيها القيادة؛ لأن هذا يسهم في تغير المناخ، بغض النظر عن مكان هذا الانبعاث على سطح الكرة الأرضية. وفي كلا الحالتين، فثمن الرحلة سوف يعتمد أيضًا على مدى نظافة عادم المركبة. سيدفع قائدو السيارات رسومًا إضافية عند قيادتهم في الأماكن المزدحمة في ساعات الذروة. أما الحافلات القديمة التي تنبعث منها أسوأَ أنواع الملوثات، فسيتم فرض ضرائب باهظة عليها، الأمر الذي سيدفعها إلى تجديد محركاتها. كما يجب فرض ضريبة أيضًا على المركبات الثقيلة التي تسير على الجسور والطرق الضعيفة. كما سيتم فرض ضريبة على السيارات الرياضية الضخمة لوجود احتمال كبير في تسببها في حوادث يقتل فيها المستخدمون الآخرون للطريق.

هل يعني هذا أننا يجب أن نعيد فرض «ضريبة الرفاهية» luxury tax على المركبات باهظة الثمن؟ لا، على الإطلاق، فمثل هذا النوع من الضريبة كان له أثر عكسي على البيئة لأنه كان يشجع الناس على التمسك بالسيارات القديمة الأكثر تلويثًا، فالسيارات القديمة الرخيصة تصدر عوادمها غازات أكثر تلويثًا بكثير من السيارات الحديثة الفارهة. فقد يتم فرض الضريبة الباهظة على السيارات الرياضية الضخمة لأنها غير فعالة فيما يخص الوقود، ولأن أوزانها وأطوالها تشكل خطرًا على المركبات الأخرى، ولكن ليس لأنها سيارات باهظة الثمن. والهدف هو تشجيع الناس على قيادة سيارات أصغر، وأخف وزنًا، وأكثر فعالية، وليس تشجيعهم على قيادة مركبات أرخص.

قد تبدو هذه وجهة نظر معقدة، فهل يمكنها أن تنجح؟ من السهل تخيل أن كل سيارة بها جهاز حاسب آلي صغير متصل بنظام عالمي لتحديد المواقع للكشف عن أماكن الزحام، كما سيراقب ذلك الحاسب الآلي أيضًا عادم المركبة لينير عدادًا على اللوحة الأمامية للسيارة بالسعر الذي وصلت إليه الضريبة، وربما سينير أيضًا بالإرشادات المفيدة للسائق مثل: «رحلتك هذه تكلفك الآن تسعة سنتات في الدقيقة يا «تيم»، ألا تعلم أنك يمكن أن تخفض ذلك المبلغ بمقدار النصف إذا ضبطت محركك؟»

قد نصل إلى هذا المستوى من التكنولوجيا في يوم من الأيام بل إن هناك قدرًا كبيرًا منها يتوافر بالفعل، ولكن تبقى مشكلة أخرى ألا وهي معرفة التكلفة الحقيقية للتأثير الخارجي. فقد يمكن للحاسب الآلي أن يقيس الزحام والتلوث، ولكن ما تكلفة ضياع وقت الآخرين التي يتسبب فيها زحام المرور؟ وما تكلفة تسميم الناس بالمواد الجسيمية والبنزين؟ للتأثيرات الخارجية تكلفة وفوائد حقيقية من الصعوبة الشديدة قياسها، مثل: الوقت والصحة والهدوء وربما الموت أحيانًا.

لتوضيح ذلك ربما يكون من المفيد التركيز على المثال المحدد المتعلق بتسعير التأثيرات الخارجية التي تتسبب فيها قيادة السيارات. معلوم أنه من الصعب قياس الحقائق المادية، مثل: مدى ما يمكن أن يصيب الطريق من تلف إذا سارت مركبة أخرى على الطريق، أو كم الضوضاء الذي ستحدثه، أو عدد الحوادث، وكم التأخر عن الوصول الذي ستتعرض له المركبات الأخرى، وكم التلوث، وكم الأضرار الصحية التي سيتسبب فيها التلوث. وفي الوقت نفسه سيكون من الصعب أيضًا قياس النتائج النفسية مثل: كم سيبالي الناس بأنواع الضرر المختلفة كتلوث الهواء والضوضاء والتأخير عن الوصول في الموعد والتوتر العصبي، وحتى المرض والموت. ناهيك عن أن لكل فرد رؤية مختلفة فيما يخص هذه الأمور.

والتخلي عن مواجهة تلك المشكلات من الأمور المغرية للغاية. وبالتأكيد ليس من الممكن تحديد قيمة معينة للضوضاء أو التأخير، وبالتأكيد يبدو من المستحيل تحديد قيمة معينة لحياة الإنسان. ولكننا سنضحك على أنفسنا إذا ظننا أننا يمكننا الانسحاب وعدم اتخاذ هذه القرارات. فكل سياسة تتبناها الحكومة، وكل خيار فردي تتخذه أنت، يحمل في طياته تقييمًا أجري تجاه ذلك الأمر حتى وإن لم يستطع أحد الاعتراف بقراراته الخاطئة ولو حتى أمام نفسه.

فنحن كأفراد نتخذ دائمًا قرارات تهم بيئتنا المحيطة ووقتنا والحياة التي نعيشها. فإذا دفعت مزيدًا من المال مقابل المعيشة في شقة أو في غرفة في فندق بعيدًا عن الضوضاء، فإنك قد قدرت ضمنيًّا قيمة الهدوء والسكينة. وإذا قررت انتظار الحافلة بدلًا من إيقاف سيارة أجرة، فقد قدرت ضمنيًّا قيمة وقتك، وإذا قررت ألا تزعج نفسك بشراء جهاز إنذار حريق في منزلك، تكون قد وفرت الوقت والتكلفة مقابل رفع احتمال تعرضك للموت. ومع ذلك، فعندما تتخذ أيًّا من هذه القرارات، فإنك لا تصارح أحدًا، ولا حتى نفسك، بالسعر الذي حددته للهدوء أو للوقت أو للحياة. وتتخذ الحكومة أيضًا قرارات تعكس إلى أي مدى تساوي حياة المواطنين عندها. فهل يجب على الحكومة أن تقوم بتركيب لافتات مرور إضافية أو أن تنفق مزيدًا من الأموال على شراء كاميرات لرصد السرعة في الشوارع، أو أن تقوم بتحسين الرعاية الصحية، أو أن تمول أبحاث مرض السرطان؟ أو ألَّا تفعل أيًّا من تلك الأمور وتخفض الضرائب في المقابل، أو أن تقوم بتحسين التعليم بالجامعات، أو الاعتناء بتجميل المحميات الطبيعية الوطنية؟ فمثل تلك القرارات يجب أن تؤخذ، وبمجرد أن تؤخذ تجد معها افتراضات بشأن قيم شخصية ومن ضمنها قيمة حياة الإنسان. أما تقدير ضريبة للتأثير الخارجي، فهو أمر عسير؛ لأنها إذا حُددت كما ينبغي، فسيتطلب الأمر تبريرًا وشرحًا لكل تلك الافتراضات. أما تركها هكذا دون تبرير أو شرح فسيتركنا تحت رحمة الانجراف العشوائي للعملية السياسية في أحسن الأحوال، وفي أسوئها سيتركنا خانعين لرغبات جماعات المصالح الخاصة.

ويُعد أحد أفضل الطرق لتقدير تلك القيم الشخصية هو النظر فيما يقوم الناس به من أفعال في الواقع. فهناك نظرية اقترحها أحد علماء الاقتصاد تسمى «التفضيلات المكشوفة» revealed preferences، التي تكشف تفضيلات الناس عن طريق القرارات التي يتخذونها كمستهلكين. فقد تشتري التفاح في الوقت الذي كنت تقدر فيه على دفع ثمن الكمثرى، وبالتالي فأنت فضلت التفاح على الكمثرى. أما بالنسبة لعالم اقتصاد، فإن التفضيلات لا يجري استنتاجها فحسب وإنما يجري تعريفها في الحقيقة عن طريق هذه الخيارات. فمن السهل استنتاج أن الناس مستهلكون يُحّكمون المنطق عندما يتعلق الأمر بعوامل ملموسة بقدر ضئيل وحتى عندما يتعلق الأمر بصحتهم وأمنهم. فإذا كنت غير مستعد لدفع خمسة دولارات لسيارة أجرة وتوفير عشرين دقيقة، فسيستنتج المخبر الاقتصادي أنك تفضل إنفاق الدولارات الخمسة في سلعة أخرى. وهذا ليس استنتاجًا مُبالغًا فيه وإن كان البعض يرى أنه مثير للجدل. كما سيستنتج أيضًا أن الهدوء والسكون يستحقان بالنسبة لك إنفاق خمسة عشر دولارًا إضافية أسبوعيًّا وفقًا لما تدفعه للسيارة الأجرة. وعندما يلاحظ أنك ليس لديك إنذار حريق في منزلك، فسيستنتج أيضًا أنك غير مستعد لقضاء ساعة من وقتك ودفع عشرين دولارًا لتقلل احتمال موتك بنسبة واحد في المليون.

وهناك مصدران مهمان من المعلومات عن مفضلات الناس، ألا وهما: أسعار المنازل، والرواتب. فأسعار المنازل تحتوي على معلومات مدمجة بها فيما يتعلق بالقيمة التي يحددها الناس لشتى جوانب الحياة: كالمتاجر، والمساحات الخضراء، وانخفاض نسبة الجريمة، والهدوء، وشعاع الشمس الذي يدخل من النافذة في الصباح، وهكذا. يمكن قياس بعض تلك الأمور بدقة: فمثلًا سعر منزلين متطابقين يقع أحدهما أمام الآخر في نفس الشارع؛ سيعكس مدى تفضيل المشترين للمنزل المواجه لأشعة الشمس. كذلك يمكن للرواتب أن تعكس المعلومات إذا كان هناك فرق في الرواتب بين وظيفتين متشابهتين في المهارات المطلوبة، ولكن تختلف مخاطر كل منهما.

ولكن ثمة عيوب لهذه الطريقة: فماذا إذا كان كل من هذا الهدوء والسكون تجده في آن واحد في شارع مغلق في نهايته، يُعد بمنزلة مكان آمن ليلعب فيه أطفالك، كما سيكون منعزلًا وبالتالي سيوفر لك في فاتورة التدفئة؟ فكم بالضبط من الخمسة عشر دولارًا أسبوعيًّا تدفعه مقابل الحصول على مكان هادئ؟ ماذا إذا كانت الوظيفة في منصة النفط ذات الراتب المرتفع ولكن مخاطرها كبيرة تتطلب منك ألا تشرب الخمر طوال ستة أسابيع وأن تقضي عطلات نهاية الأسبوع كلها دون مغادرة محل العمل؟ ربما لا يكون للراتب أي علاقة بالمخاطر وإنما له علاقة بالإزعاج الذي تسببه مثل هذه الوظيفة. سيغدو من الصعب دائمًا التعرف بسهولة على هذه العوامل المختلفة، ومن المستحيل أن تعرف قدر النجاح الذي حققته في مهمتك. ولكن إذا تزود خبراء الاقتصاد بالمعلومات الكافية يمكنهم أن يحصلوا على ما يصفونه بأنه محاولة جيدة.

والمشكلة الثانية هي أنك عندما تشتري جهاز إنذار الحرائق، ربما تكون ظننت أنه سيقلل احتمال موتك بنسبة واحد في الخمسين مليونًا، بدلًا من واحدًا في المليون. لهذا وقبل أن تتعجل الوصول لاستنتاجات فيما يتعلق بالقيمة التي تساويها حياتك بالنسبة لك، نحتاج بالفعل لأن نعرف حقيقة الكيفية التي ظننت بها أن جهاز إنذار الحريق سينقذ حياتك، وإدراك أنك وعلى نحو رشيد قد لا تعبأ بإنفاق قدر كبير من الوقت لمعرفة ذلك.

ونظرًا لأن تلك الطرق مثيرة للجدل وتفتقر إلى المثالية، فهي تعكس افتراضية مهمة في علم الاقتصاد، ألا وهي: أنه لا أحد سيهتم بشأنك مثلما تهتم أنت.

(٧) فجوتان مختلفتان في معلوماتنا

إن وضع سعر لضريبة التأثير الخارجي لا يعتمد على المعلومات المشكوك في صحتها فيما يتعلق بالقدر الحقيقي لأهمية الحد من التأثيرات الخارجية بالنسبة لنا مثل: الضوضاء، والحوادث، والزحام. ولكن ليست هذه هي الفجوة الوحيدة في معلوماتنا؛ فنحن لا نعرف أيضًا أرخص السبل للحد من الضوضاء، والحوادث، والتلوث، والزحام. ويأتي وضع سعر لضريبة التأثير الخارجي ليحاول سد هذه الفجوة الثانية.

فلا يعد فرض ضريبة تأثير خارجي أسوأ من أي سياسة أخرى عندما يتعلق الأمر بمواجهة النوع الأول من المعلومات المشكوك في صحتها. أما الآن فنعرف أن أي سياسة — سواء كانت سياسة لسنِّ قوانين، أو لتحديد أسعار، أو سياسة للإدارة، أو الضريبة، أو مبدأ «عدم تدخل الحكومة في المسائل الاقتصادية» laissez-faire — تحتوي على افتراضات ضمنية أو صريحة عن الدليل العلمي للتأثيرات الخارجية مثل التلوث، والزحام، والمفضلات الفردية للأفراد لما يفعلونه بأوقاتهم، وراحتهم، وصحتهم. ويكمن نجاح كل سياسة في دقة هذه الافتراضات.

والميزة الحقيقية لضرائب التأثيرات الخارجية هي أنها تسد الفجوة الثانية في معلوماتنا، ومع ذلك لا يمكن لأحد أن يعرف أرخص الطرق لحل مشكلاتنا الخاصة بزحام المرور، ولكن ضريبة التأثير الخارجي تأتي بالتلوث والزحام وباقي المشكلات إلى عالم الصدق الذي تخلقه لنا الأسواق. وطالما اضطر الناس إلى مواجهة الحقيقة، أو على الأقل تقدير ما تتسبب فيه تصرفاتهم من تكلفة، فإنهم سيجدون طريقة يقللون بها تلك التكلفة. وكلما مُنح هؤلاء الناس فترة أطول لإظهار ردود أفعالهم، تصبح هذه الردود أكثر ابتكارًا وإثارة للدهشة كما سنرى معًا في الصفحات المقبلة.

(٨) تأثير نيو أورلينز

إذا زرت يومًا مدينة نيو أورلينز New Orleans سترى كيف استجاب الناس بشدة للإشارات السعرية. تتمتع هذه المدينة بطراز معماري فريد من نوعه — منازل «سنام الجمل» — الذي ابتُكر لتجنب الضرائب وسأخبرك كيف: في أواخر القرن التاسع عشر، كانت تفرض الضرائب على المنازل بناءً على عدد الطوابق في الواجهة، ومن هنا جاء تصميم سنام الجمل بطابق واحد في الواجهة، وأكثر من طابق فوق سطح المنزل من الخلف. لا ننكر أن المباني شكلها جميل على ذلك النحو، ولكن لو كان هذا التصميم عمليًّا لنفذته سائر المدن الأخرى. توجد قصة شبيهة في بريطانيا المليئة بالمنازل المظلمة استجابة للسياسة التي فرضت في الفترة بين عامي ١٦٩٦ و١٨٥١ حيث كانت الضرائب تفرض بناء على عدد النوافذ في كل منزل.

يعتقد المؤيدون لضريبة الزحام أن إقناع الناس بإيجاد وسيلة لتقليل قيادتهم للسيارات أسهل من إقناعهم ببناء منازلهم بطريقة معمارية مبتكرة وإن كانت غير مناسبة للسكنى. وأفادت توقعاتهم أن المجتمع لن يتغير على المدى القصير، أما على المدى البعيد، فذهبوا إلى أن المجتمع سيصبح مكانًا نستطيع فيه قيادة سياراتنا بطريقة أكثر أمنًا وسلاسة.

يمكن لضريبة الزحام أن تغير جميع القرارات غير الهامة التي نتخذها كل أسبوع، مثل: هل من الأفضل أن نقود سياراتنا إلى المتجر، أم نستقل الحافلة، أم نمشي إلى المتجر القريب، أم نشتري الطعام عن طريق الإنترنت؟ ولكن هذه الضريبة تقيس أيضًا القرارات الهامة. ففي كل عام، يغير واحد من كل ثلاثة وظيفته، ويغير واحد من كل سبعة مكان إقامته؛ وكل مرة يحدث هذا، توجد فرصة سانحة لإعادة النظر في خيارات السفر في ضوء ضريبة الزحام.

وهذا أيضًا له تأثير الدومينو حيث إن التغيرات في السلوك تدعم بعضها بعضًا. فمثلًا إذا زاد عدد الركاب الذين يركبون الحافلات، فستزيد المساحات الخالية في الشوارع، وستتحرك الحافلات بسرعة أكبر … وبالتالي ستدار بتكلفة معقولة في كثير من الأحيان. وإذا زاد عدد الناس الذين يتشاركون الركوب في سيارات مستأجرة، فسيمكن لكل واحد منهم العثور بسرعة على شخص آخر يسلك نفس طريقه. وإذا زاد عدد الناس الذين يحاولون توفير ضريبة الزحام عن طريق العمل من المنزل يومين أسبوعيًّا أو الذهاب إلى العمل في أوقات مختلفة من النهار، فستجد الشركات طرقًا لتوفر لهم سبل الراحة. وقد يحاول بعض الناس الانتقال للعيش في منازل بجوار عملهم، أو قد تنتقل الشركات إلى أماكن ريفية لتسمح للعاملين بها بالذهاب منها وإليها دون دفع ضريبة زحام مرتفعة.

وباختصار، نحن لا نعرف. فالجانب الجذاب في ضريبة التأثير الخارجي هو أنها تواجه المشكلة إلا أنها لا تقدم أية افتراضات بشأن الحل. فضريبة الزحام تعطي إشارة لقائدي السيارات مفادها: عندما تقود سيارتك في المدينة في ساعة الذروة، تكون قد فرضت تكلفة على كل من حولك. ويصبح لدى قائدي السيارات خياران: إما أن يدفعوا لهم تعويضًا، أو أن يجدوا طريقة لتجنب فرض تلك التكلفة على من حولهم. وهناك العديد والعديد من السبل التي يمكن من خلالها تجنب تلك التكلفة، ويمكن للسوق أن تقدم البراعة التي يمكنها الكشف عن هذه السبل. فعندما لا توجد التأثيرات الخارجية، تضع الأسواق في اعتبارها تلقائيًّا تلك التكلفة، وتوفر الدوافع للمتسببين فيها لتقليلها. أما عندما توجد التأثيرات الخارجية، فلا يرى السوق تلك التكلفة، ولكن الأنظمة مثل ضريبة التأثير الخارجي هي التي تقدم الإشارة المفقودة لوجود تكلفة.

عندما أعلنت لندن عن منطقة يُطبق فيها ضريبة زحام في مطلع عام ٢٠٠٣م (كانت الضريبة تبلغ حوالي ٥ جنيهات إسترلينية يوميًّا أي تقريبًا ٩ دولارات لقيادة السيارة إلى وسط المدينة)، جاءت ردود أفعال الناس أسرع كثيرًا مما توقع النقاد. فبعد عام واحد، قلت السيارات على الطريق بمقدار الثلث، وزادت شعبية وسائل النقل المعفاة من هذه الضريبة؛ وزاد ركوب الحافلات بنسبة ١٥٪، وزاد ركوب الدراجات البخارية بنسبة ٢٠٪، وزاد ركوب الدراجات الهوائية بنسبة ٣٠٪. أما قائدو السيارات الذين لم يعودوا يدخلون إلى المنطقة الخاضعة للضريبة فقد اختاروا مجموعة من الحلول: لجأ ربعهم إلى الدوران حول المنطقة الخاضعة للضريبة، واتجه ٥٥٪ منهم إلى ركوب المواصلات العامة، واستخدم ٢٠٪ منهم البدائل مثل الدراجات، أو ركوب السيارات المشتركة، أو العمل بضعة أيام في الأسبوع من المنزل. وبينما تراجع عدد رحلات السيارات، تراجعت معه — وعلى نحو أكبر — نسبة التأخر بسبب الزحام، مما يعني أن ضريبة الزحام سمحت بأن تُستخدم الشوارع بطريقة أكثر فعالية. وبينما أصبح لدى الناس مزيد من الوقت لكي يكيفوا أنفسهم مع ضريبة الزحام، فإن تكلفة التعامل على نحو فعال مع التأثير الخارجي ستنخفض أكثر.

(٩) محاربة التلوث بالضريبة المنخفضة

عندما قررت وكالة حماية البيئة EPA في الولايات المتحدة الحد من الأمطار الحامضية في تسعينيات القرن العشرين، اكتشفت كيف يمكن لضريبة تأثير خارجي منخفضة أن تكافح التلوث. فقد أرادت وكالة حماية البيئة أن تقلل من تلوث الهواء بالكبريت الذي ينبعث من محطات الطاقة. وكان يبدو معقولًا أن تقليل انبعاث ذلك العنصر بعض الشيء سيكون له فعالية، ولكن كما نعلم فإن تقليل التلوث له تكاليف كما له منافع. لهذا لم يكن المسئولون متأكدين من الضريبة المناسبة التي يجب فرضها لتقليل التلوث.

والمشكلة هي أن المتسببين في التلوث سيكذبون على المسئولين فيما يتعلق بالتكلفة الحقيقية لتقليل أو التخلص من التلوث. وفي النهاية، فحتى تنفس البشر يطلق الملوثات حيث ينتج عنه ثاني أكسيد الكربون. ولكن من الصعب أن يطالبنا المسئولون يومًا أن نتوقف عن التنفس للحد من التلوث. إذن فأي نوع من التلوث يجب تقليله؟ وكيف؟ هل عن طريق اللجوء إلى وسائل مختلفة لتوليد الطاقة؟ أم بتقليل استهلاك الطاقة؟ أم عن طريق وسيلة أخرى؟ فقط اسأل المتسببين في التلوث وسيخبرونك جميعًا أن تقليلهم للتلوث يشبه التوقف عن التنفس، فسيكون من المكلف جدًّا إيقافه، ولهذا فيجب أن يقوم بالتغيير شخص آخر.

ولكن إيجاد الحقيقة ليس صعبًا للغاية، حيث يمكن للمسئولين معرفة تكلفة تقليل التلوث إما عن طريق مطالبة الناس بتغيير سلوكياتهم، أو مطالبتهم بدفع ضريبة. فليس عليهم سوى معرفة القرار الذي سيتخذونه. وبعبارة أخرى الحكم على الناس وفقًا لأفعالهم.

وبالفعل حاولت وكالة حماية البيئة اتباع هذه الطريقة مع انبعاثات غاز الكبريت. فأقامت مزادًا لبيع حق إطلاق الكبريت الذي يسبب الأمطار الحامضية، يتم فيه منح الملوثين حصصًا من تصاريح إطلاق ذلك الغاز، بحيث يمكنهم إما شراء مزيد من التصاريح من المزاد، أو تقليل التلوث بالتوقف عن العمل، أو تركيب أجهزة تنظيف غاز الكبريت، أو استخدام فحم أكثر نظافة. فعندما حاولت وكالة حماية البيئة أن تطلب منهم تركيب أجهزة تنظيف الغاز، رفض مولدو الطاقة زاعمين أن تركيب مثل تلك الأجهزة أمر مكلف للغاية، كما مارسوا ضغوطًا لإيقاف هذا القانون الإجباري. قدرت وكالة حماية البيئة أن تكلفة تقليل انبعاث ثاني أكسيد الكبريت بمقدار طن واحد ستبلغ ما بين ٢٥٠ دولار إلى ٧٠٠ دولار، وقد ترتفع إلى أن تصل إلى ١٥٠٠ دولار. ولكن عندما أجرت وكالة حماية البيئة المزاد عام ١٩٩٣، قام عدد قليل جدًّا من الشركات المتسببة في التلوث بتقديم عطاءات مرتفعة، كانت الشركات تبالغ في تكاليفها. وبحلول عام ١٩٩٦ انخفضت أسعار التصاريح إلى ٧٠ دولارًا للطن، ولكن حتى مع ذلك السعر ظلت العديد من الشركات المتسببة في التلوث تشتري الفحم النظيف أو تركب أجهزة تنظيف الغاز بدلًا من شراء تصريح للاستمرار في تلويث البيئة.

واكتشف المسئولون أن التخلص من ثاني أكسيد الكبريت كان رخيصًا إلى درجة أن عدد من كانوا مستعدين لأن يدفعوا الكثير من أجل الحصول على حق الاستمرار في إطلاقه كان قليلًا. وفي نهاية المطاف، كانت الجماعات الطلابية البيئية هي الوحيدة المستعدة لدفع أسعار التصاريح المرتفعة، إذ كانت تشتري تصريحًا واحدًا في محاولة للفوز بخمس عشرة دقيقة من الشهرة. أما الرائع في هذا المزاد، فلم يكن في تقليل ملوثات الكبريت — فقد كان من الممكن سن قانون يفرض ذلك — وإنما أنه جعل المسئولين يكتشفون التكلفة «الحقيقية» لأجهزة تنظيف الغاز. فلقد شكلت الأساس لتشريعات تالية: وهكذا أفاد المزاد في تجنب وضع القوانين عن جهل ووضعها في ظل المعرفة الكاملة بالتكلفة (المعقولة). ومثال على ذلك تايوان التي تقع شمال شرق الصين، والتي بدأت بالفعل في تنفيذ خطة مشابهة.

يُعنى الآن علماء الاقتصاد بتنفيذ نفس نوع المزاد لبيع تصاريح إطلاق غازات ثاني أكسيد الكربون على أمل تقليل تأثيرات تغير المناخ، وثمة جدال واسع حول تكلفة ذلك. وفي حقيقة الأمر فإن مزادًا لبيع تصاريح استخراج النفط والفحم والغاز الطبيعي، سرعان ما سيخبرنا عن حقيقة تلك التكلفة. يمكن أن يبدأ المزاد تدريجيًّا: ففي عام ٢٠٠٧م يُجرى المزاد على تصاريح استخراج نفس أعداد الأطنان من الكربون التي استُخرجت عام ٢٠٠٦م. ويتطلب ذلك أن ينمو الاقتصاد دون أن تنمو معه الغازات الملوثة المنبعثة. فإذا كنا سنصدق العديد من حماة البيئة، فلن يبيع المزاد كل التصاريح لأن إجراءات الفعالية الأساسية للطاقة لا تتكلف شيئًا كما سنعرف معًا بعد قليل.

لذلك، وخلال السنوات القليلة المقبلة ستجرى المزادات على عدد أقل من التصاريح. فربما ستنخفض انبعاثات الكربون أسرع من عدد التصاريح؛ لأن المزايدين سيشترون التصاريح ويدخرونها. ولن يسبب هذا مشكلة؛ فسيتم إطلاق الملوثات في كل الأحوال ولكن إطلاقها فقط سيتأخر بعض الشيء. أما إذا اتضح أن التصاريح باهظة الثمن، فسنكون قد حصلنا على المعلومة من مصدر موثوق به. ويمكننا التساؤل عما إذا كانت تكاليف تغير المناخ أكثر من تكلفة تقليل إطلاق الغازات الملوثة. ولكن يعتقد العديد من علماء الاقتصاد أن تصاريح إطلاق الكربون، مثل تصاريح إطلاق الكبريت في كاليفورنيا سرعان ما ستكشف أن تكلفة عملية التخلص من الكربون أرخص مما توقعنا، وسنتساءل عن السبب وراء تأخرنا في البدء في هذه العملية.

(١٠) هل تحظى البيئة بأهمية كبيرة كي تصبح قضية أخلاقية؟

«كيف أتيت إلى هنا اليوم؟»

«معذرة؟»

أصابتني الدهشة أثناء دخولي لحلقة نقاشية نظمتها إحدى الجمعيات الخيرية لحماية البيئة عندما أخذ أحد أعضائها من الشباب المتحمسين يعذبني بهذه الأسئلة حتى قبل دخولي من باب ردهة المحاضرة.

«كيف أتيت إلى هنا اليوم؟ نحتاج أن نعرف الإجابة من أجل برنامجنا لتعويض انبعاثات الكربون».

«ما برنامج تعويض انبعاثات الكربون هذا؟»

«نريد أن نجعل جميع اجتماعاتنا متعادلة الكربون بحيث نسأل كل من يحضر هذه المحاضرة عن المسافة التي قطعها ووسيلة النقل التي استقلها، ثم نقوم بحساب كمية ثاني أكسيد الكربون التي انبعثت، ونغرس الأشجار لكي نعوض هذا الانبعاث.»

وهنا يكاد يكشف المخبر الاقتصادي عن وجهه، فقلت له: «الآن فهمت. في هذه الحالة إذن لقد جئت من أستراليا بسفينة بخارية تعمل بفحم الإنتراسيت.»

«معذرة … كيف تتهجى الإنتراسيت؟»

«إنه نوع من أنواع الفحم، قذر للغاية، كمية هائلة من الكبريت، أوه!»

هنا أعطته زوجة المخبر الاقتصادي دفعة قوية في ضلعه: «تجاهله، لقد قدنا نحن الاثنان الدراجات إلى هنا.»

«حقًّا!»

وبغض النظر عن كون هذه القصة مثالًا جيدًا عن الكيفية التي يمكن أن يثير بها أسلوب مخبر الاقتصاد الإزعاج، أما هذه القصة الحقيقية فأتمنى أن تثير بعض الأسئلة. مثل لماذا تنظم إحدى الجماعات الخيرية لحماية البيئة اجتماعًا لتعويض انبعاثات غاز الكربون؟ والإجابة الواضحة هي «حتى تجري اجتماعها دون المساهمة في تغير المناخ». وهذا حقيقي، ولكنها إجابة مضللة. فقد كان المخبر الاقتصادي بداخلي يبحث عن أمور من منظور الفعالية. فإذا كان غرس الأشجار وسيلة جيدة للحد من مشكلة تغير المناخ، لماذا لا ننسى أمر الاجتماع ونذهب لغرس أكبر كمية ممكنة من الأشجار؟ (في تلك الحالة يجب أن يقول الجميع إنهم أتوا إلى الاجتماع بالباخرة.) أما إذا كانت زيادة الوعي هي المسألة المهمة، فلماذا لا ننسى أمر الأشجار ونعقد مزيدًا من الاجتماعات؟

بعبارة أخرى، لماذا تكون «متعادلًا كربونيًا» بينما يمكنك أن تكون «أفضل كربونيًا»، وخاصة أن الاجتماع لم يكن متعادل البنزين، أو متعادل الرصاص، أو متعادل الجسيمات، أو متعادل الأوزون، أو متعادل الكبريت، أو متعادل الزحام، أو متعادل الضوضاء، أو متعادل الحوادث؟ فبدلًا من التفكير في ما إذا كنت ستقوم بتحسين البيئة بطريقة مباشرة (بغرس الأشجار)، أو بطريقة غير مباشرة (بتشجيع المناقشات)؛ كانت الجمعية الخيرية تبذل طاقة هائلة لكي تظل «متعادلة» على نحو دقيق، ولكنها لم تكن متعادلة على نحو دقيق فيما يخص جميع التأثيرات الخارجية، ولا حتى بعض السموم البيئية، وإنما كانت تحافظ على تعادلها مع نوع واحد من الملوثات: ألا وهو ثاني أكسيد الكربون. بل وكانت تفعل ذلك علانية.

ومن وجهة نظر متعاطفة يمكن القول بأن الجمعية الخيرية كانت تهدف إلى أن تكون بمنزلة «قدوة حسنة»، هذا إذا كان التصرف بحماقة يعتبر قدوة حسنة، أما من وجهة نظر غير متعاطفة فإن الجمعية كانت منغمسة في سلوك أخلاقي زائف.

قد تجعل هذه الفقرة المنطقية علماء الاقتصاد يبدون مهتمين أكثر بمصالحهم الخاصة، ولكنها تعد بمنزلة إيضاح مهم لنقطة أشمل. فاستعراض تلك الجمعية البيئية للأخلاقيات يمكن أن يكون مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بحقيقة أن السياسات العامة لا توضح التكلفة البيئية لمعظم أفعالنا. وإذا أوضحتها، فسيحاول المدافعون عن حماية البيئة الدفاع عن رأيهم من وجهة نظر اقتصادية؛ وسوف نرى الكثير من الشعارات الأخلاقية في المناقشات البيئية، أما البيئة نفسها فيجب أن يتم التعامل معها بطريقة أكثر فعالية.

في عالم تعد فيه المحافظة على البيئة مجرد قضية أخلاقية، لا يستطيع المهتمون بالبيئة أنفسهم تحديد تأثير القرارات اليومية على البيئة. فأيهما أسوأ: حفاضات الأطفال التي يتم التخلص منها (التي تتجمع وتملأ مقالب القمامة)، أم الحفاضات القابلة للغسل (عندما يتم استخدام الكهرباء وما ينتج عن الغسيل من مركبات عضوية ملوثة)؟ فحتى لو كنت تتحلى بأعظم إرادة في العالم، ستواجه صعوبة في اتخاذ القرار الصحيح.

والأهم من ذلك، أن مشكلة الحفاضات — مثلها في ذلك مثل أي قضية بيئية، سواء أكانت كبيرة أم صغيرة، فلن يتم حلها بواسطة قلة قليلة ممن يجادلون ولا يستطيعون حسم أيهما التصرف الأخلاقي الفردي الأنسب. وبينما تفتقر القلة المحبة للبيئة إلى الإشارات الصحيحة فيما يتعلق بالدمار البيئي للعمل بموجبها، فإن أغلبية الناس لن يزعجوا أنفسهم حتى إذا فهموا المشاكل البيئية. وفي الحقيقة فإن كلًّا من المعلومات والدوافع ضروريتان، وكما تناولنا في الفصل الثالث، فإن الأسواق يمكن أن توفرهما.

لطالما كان علماء الاقتصاد في طليعة من يعنون بتحليل المشاكل البيئية، وهذه الصعوبة المزدوجة هي السبب وراء تأييدهم فكرة فرض ضرائب التأثيرات الخارجية. معلوم أن علماء الاقتصاد يهتمون بالبيئة إلا أنهم يحلمون أيضًا بألا تقتصر القضية على مجال للسلوكيات الأخلاقية الزائفة فحسب، وإنما تصير قضية منصهرة في الأسواق وعالم الصدق الذي سيمدنا بكل من المعلومات والدوافع الضرورية لإقناع عوام الناس بالتصرف بقدر من المسئولية تجاه البيئة. ففي مثل ذلك العالم، سيصبح لدينا جميعًا إشارات واضحة عن تكاليف أفعالنا وذلك بسعر السوق. فقد يتم فرض الضرائب على صناعة اللدائن لأنها لا تتحلل عضويًا، لتتجمع وتملأ مقالب القمامة عن آخرها. فستثني هذه الضريبة الناس عن استخدام العلب والأكياس البلاستيكية، وبطانات الحفاضات البلاستيكية، التي يتم التخلص منها. وسيستخدم الناس البلاستيك باهظ الثمن فقط إذا كان استعماله يستحق دفع التكلفة الإضافية — ربما سيفلح ذلك في حالة الحفاضات، ولكنه قد لا يفلح في حالة العلب البلاستيكية. وسيتم فرض ضريبة لتوليد الكهرباء التي تسهم في تغير المناخ هي الأخرى، الأمر الذي سيزيد من أسعار الكهرباء إلا إذا كان بإمكاننا تطوير وقود أنظف في احتراقه، حتى يصبح لدى من يغسلون الحفاضات ليعيدوا استعمالها وكذلك جميع الناس الآخرين؛ دافع لشراء مزيد من الغسالات الكهربائية وخفض استهلاك الطاقة بشكل عام.

وبدلًا من القلق إزاء ما تصنعه قراراتنا من تأثير على البيئة، نكون قد أصبحنا أكثر وعيًا بأننا إذا أصبحنا مستعدين لدفع ضريبة التأثير الخارجي على منتج مثل حفاضات الأطفال؛ فسنعوض بذلك الآخرين عن الضرر الذي نسببه لهم، وفي نفس الوقت سنكون واثقين أن ذلك الضرر أقل مما يصيبنا نحن من إزعاج. حتى إننا قد نكتشف أن هناك طرقًا أسهل للحفاظ على البيئة دون التصرف بطريقة مزعجة فيما يخص الحفاضات، فهي تزعجنا بالفعل بما يكفي.

(١١) التأثيرات الخارجية الإيجابية

لقد تحدثنا كثيرًا عما يسميه علماء الاقتصاد ﺑ «التأثيرات الخارجية السلبية»، وهي الآثار الجانبية الكريهة لتصرفات الناس التي لا يتم فرض أية ضرائب عليها.

فبمجرد أن تبدأ في التفكير في «التأثير الخارجي السلبي»، ستدرك على الفور أنه ليس كل التأثيرات الخارجية سلبية، فهناك أيضًا تأثيرات إيجابية، ألا وهي الآثار الجانبية «الجيدة» للأفعال التي يقوم بها الناس ولا يثابون نظير قيامهم بها. فعلى سبيل المثال، إذا قام أبراهام بطلاء واجهة منزله وتنسيق حديقته، فسيبدو الشارع بأكمله في صورة أفضل، ولكن لن يفكر أحد في أن يدفع لذلك الشخص مقابل الطلاء ومقص التشذيب. وإذا افتتحت بليندا مقهى جذابًا على رصيف الطريق، فستبدو الشوارع مكانًا لطيفًا للتريض، ولكن سيكون لدى زبائنها الاستعداد للدفع من أجل متعتهم فقط، وليس للدفع مقابل المتعة التي يحصل عليها المارة أيضًا. وإذا قرر كريج أن يُطعِّم طفله ضد الحصبة والتهاب الغدة النكفية والحصبة الألمانية، فسيعني هذا تقليل احتمال عدوى الأطفال الآخرين بتلك الأمراض، ولكن لن يسع الحكومة إلا أن تستمر في تشجيع كريج على القيام بذلك.

ستبدو جميع «التأثيرات الخارجية الإيجابية» مقبولة ولطيفة إلى أن تعرف أن أبراهام قد يقرر أنه لا داعي لتكبد عناء طلاء منزله، وأن بيلندا تخشى الإفلاس ولن تفتتح المقهى، وأن كريج قد يقرر أنه يبالغ في القلق بشأن الآثار الجانبية المحتملة للتطعيم وأن الأمر لا يحتاج لأن يصطحب ابنه إلى الطبيب. فقد كان كل أفراد المجتمع سيستفيدون إذا استمر هؤلاء الأشخاص فيما كانوا ينوون فعله، ولكن قرر كل منهم بعد تفكير وبعد أخذ كل شيء في الاعتبار أن الأمر لا يستحق العناء. تمامًا مثلما قد تؤدي التأثيرات الخارجية السلبية إلى الكثير من التلوث أو الزحام، ستتركنا التأثيرات الخارجية الإيجابية بقدر أقل من التطعيم، وبجيران قذرين، وبندرة في المقاهي الجذابة. وبينما تحظى التأثيرات الخارجية السلبية بكل الاهتمام، فربما تكون التأثيرات الخارجية الإيجابية أكثر أهمية: فالعديد من الأمور التي تجعل حياتنا أفضل إنما تتوقف على التأثيرات الخارجية التي لا يتم توفيرها بشكل كافٍ: مثل الخلو من الأمراض، والأمانة في الحياة العامة، والجيران الممتلئين طاقة وحماسة، والابتكار التكنولوجي.

وبمجرد أن ندرك أهمية التأثيرات الخارجية الإيجابية، يظهر لنا الحل جليًّا، ألا وهو نفس السياسات التي نتبعها لمعالجة التأثيرات الخارجية السلبية: فبدلًا من ضريبة التأثير الخارجي، ندعم التأثير الخارجي. فالتطعيم على سبيل المثال تدعمه الحكومة أو منظمات الرعاية الصحية. والبحث العلمي أيضًا يحظى في كثير من الأحيان بجزء كبير من تمويل الحكومة. ولكننا نحتاج أيضًا لأن نكون واقعيين بشأن الحد الذي يمكن أن نصل إليه في هذا السياق، لأنه على الرغم من أن كلًّا من ضريبة التأثيرات الخارجية ودعمها يبدوان كحلول رائعة للتأثيرات الخارجية، إلا أنهما يمكن أن يُحدثا في الوقت نفسه مشاكل غير متوقعة.

(١٢) الكثير من شيء طيب؟

حل التأثيرات الخارجية بدون تدخل الحكومة

متى لا يعتبر التأثير الخارجي تأثيرًا خارجيًّا؟ إليك هذا المثال: قد أشكو أن الشجرة في حديقة جاري تدمر سور حديقتي، ولكن إذا كانت الشجرة تزعجني بالفعل يمكنني أن أدفع له المال لكي يتركني أقطعها. وإذا رفض ذلك العرض فسأستنتج أنه يحصل على متعة من وجود الشجرة تفوق انزعاجي منها، وبالتالي يجب أن تبقى الشجرة مكانها، أو ربما يمنحني القانون الحق في إجبار جاري على قطع الشجرة، ولكن في تلك الحالة، قد يدفع لي المال كي لا أمارس ذلك الحق، وأنفق بعض ذلك المال في إصلاح سور حديقتي. فلو كان القرار بيدي، لكنت حصلت على المال، ولو كان القرار بيده، لحصل هو على المال. ولكن في كلتا الحالتين ستبقى الشجرة في مكانها إذا كانت قيمتها تساوي أكثر بالنسبة له، وسيتم قطعها إذا كانت تزعجني بشكل أكبر.

فالتأثيرات الخارجية لا تكون تأثيرات خارجية إذا كان يمكن للأفراد الجلوس معًا والتفاوض. تذكر أنها تسمى «تأثيرات خارجية» لأنها تخرج عن تعاملات السوق. ولكن لا يزال لبعضها إمكانية دخول السوق بسهولة.

ونظرًا لأن القطاع الخاص يفلح جيدًا في التعامل مع تلك التأثيرات الخارجية الزائفة، فإذا تدخلت الحكومة بفرض ضريبة التأثير الخارجي، فسنجد أنفسنا «نعالج مشكلة» التأثير الخارجي مرتين. ولن يحقق هذا النتيجة المرجوة، وكأننا لم نحل المشكلة على الإطلاق: فبدلًا من التلوث الكبير الذي تتسبب فيه مولدات الطاقة، نبالغ في التكلفة ونفرط في التعويض عندما نغلق كل ثلاجاتنا ونطفئ أعمدة النور بالشوارع ونذهب إلى المطاعم كل مساء سيرًا في الظلام.

ولكن كيف نحصل على هذا النوع من «جرعة العلاج الزائدة» للتأثيرات الخارجية؟ عندما ذكرت أن أبراهام قام بطلاء واجهة منزله، ذكرت عفويًّا أن جيرانه لم يعوضوه بمبلغ مقابل هذا الطلاء، ولكن هذا هو المتعارف عليه في الواقع. فمن الشائع عند ملاك العقارات أنهم يشترون الطلاء للمستأجر لدعم التأثير الخارجي الإيجابي: فإذا أعاد المستأجر الطلاء، سيحظى بشقة أجمل، ولكنه سيسهل على مالك الشقة أيضًا مهمة تأجيرها لشخص آخر في المستقبل. فإذا وضعنا في الاعتبار النفع الذي سيعود على كل من المالك والمستأجر، نجد أن طلاء الشقة أمر مفيد لكلا الطرفين، ولكن إذا لم يدفع المالك للمستأجر قيمة الطلاء، فقد يقرر المستأجر أن الأمر لا يستحق العناء، أما إذا وفر المالك للمستأجر الطلاء فسيتشارك معه بذلك في التكلفة كما سيتمتع بالفائدة أيضًا. وهكذا نجد ما بدا في تلك الحالة على أنه تأثير خارجي قد أصبح «تأثيرًا داخليًّا» بسبب التفاوض على تحمل التكلفة.

ولكن ماذا لو كانت الحكومة تفكر في تقديم دعم للتأثيرات الخارجية الإيجابية؟ تخيل أن بعض الخبراء بالحكومة اعتقدوا خطأ أنه متى تم تأجير أي شقة، فنادرًا ما سيجري الملاك والمستأجرون التجديدات بها، وسيتركونها في حالة يرثى لها. وأن الأمر لا يستحق العناء بالنسبة للمستأجر أو للمالك للقيام كثيرًا بعمل التجديدات، ولكن متى وضع كل منهما مصلحة الآخر في اعتباره، فسيتفقان على القيام بها. وعندما ترى الحكومة ذلك التأثير الخارجي الإيجابي تبدأ في توزيع دعم التأثير الخارجي بقيمة ٥٠٠ دولار للمستأجر الذي قام بتجديد شقته. (فإذا لم تَرُقْ لك تلك الفكرة، فتذكر أن الحكومات تمنح بالتأكيد الدعم من أجل تحسين فعالية استخدام الطاقة في المنازل، التي تؤدي إلى تأثيرات خارجية إيجابية.)

تخيل أن الجهد المبذول لتغيير ديكورات الشقة يتكلف ٣٠٠ دولار كقيمة معيشة أفضل للمستأجر، ويساوي ٥٠٠ دولار كقيمة إيجارية أعلى في المستقبل للمالك، ولكنها تتكلف ١٠٠٠ دولار. فلقد حددت الحكومة التأثير الخارجي بدقة: ٥٠٠ دولار فائدة (الإيجارات المرتفعة) لمالك الشقة التي لا يضعها المستأجر في الاعتبار. ولكن لاحظ أنه لما كان حاصل جمع ٣٠٠ دولار و٥٠٠ دولار يساوي أقل من ١٠٠٠ دولار، فإن الدعم ليس كافيًا لإقناع المستأجر بالقيام بالتجديدات، كما أنها لا يجب أن تصبح كافية لأن التجديدات تسبب كثيرًا من العناء لكل من المالك والمستأجر أكثر مما تستحق لكليهما.

لسوء الحظ، يكون لدى المستأجر من الدوافع ما يجعله يأخذ الدعم البالغ ٥٠٠ دولار ويطلب أيضًا من المالك أن يسهم بمبلغ آخر، لنقل ٣٥٠ دولارًا على سبيل المثال. وبالتالي فقد استفاد المستأجر وتمتع بالتجديدات البالغة قيمتها ١٠٠٠ دولار مقابل ١٥٠ دولارًا فقط — لأن ٨٥٪ من المبلغ دفعها المالك والحكومة — والتي تساوي قيمتها بالنسبة له ٣٠٠ دولار. كما أن المالك قد استفاد أيضًا لأنه دفع ٣٥٠ دولارًا مقابل تجديدات تساوي قيمتها بالنسبة له ٥٠٠ دولار. ولكن لم يكن ينبغي أن تحدث التجديدات مطلقًا؛ ففي النهاية لقد أنفقت الحكومة ٥٠٠ دولار ولكنها استطاعت أن تجعل كلًّا من المستأجر والمالك أفضل حالًا بمبلغ ١٥٠ دولارًا فقط: وهي ليست بالطريقة الفعالة تمامًا لإنفاق المال.

لماذا تحدث المشكلة إذن؟ لأن التعامل مع التأثير الخارجي الإيجابي قد حدث مرتين، مرة عندما قامت الحكومة بتقديم الدعم، ومرة أخرى في عملية المفاوضة. فكل حل منهما على حدة يمثل طريقة فعالة للمجتمع لمعالجة التأثيرات الخارجية، ويصل إلى النتيجة الصحيحة والتي هي في هذه الحالة أن التأثير الخارجي ليس كبيرًا بما يكفي ليبرر أعمال التجديدات. أما الحلان معًا فيعنيان أن هناك إفراطًا في دعم التأثير الخارجي. وقد يحدث نفس الشيء مع التأثيرات الخارجية السلبية أيضًا، فإذا فرضت الحكومة الضرائب على جاري لاستخدامه آلة جز الحشائش التي تعمل بالغاز وتطلق الغازات الملوثة، وعرضتُ عليه بدوري أن أدفع له المال ليتخلص منها لأنني أكره رائحتها والضوضاء التي تبعثها، فإن كلًّا من عرضي له وفرض الحكومة ضريبة عليه قد يقنعه بالتخلص من هذا الوحش، بالرغم من المتعة والراحة التي تمده بها تلك الآلة، والتي تفوق أي ضرر تلحقه بالآخرين.

ومع ذلك، فإن الكثير من التأثيرات الخارجية لها آثار حقيقية بالفعل، فبعيدًا عن أسوار حدائقنا الجميلة (حتى وإن كانت مكسورة) أو شققنا غير المطلية، لا يزال لدينا الشوارع المكتظة بالزحام. فاختناق المرور لا يمكن حله بسهولة بالجلوس لاحتساء فنجان من القهوة وعقد اتفاق، فهناك العديد من الناس المعنيين بهذا الأمر، مما يجعل تفعيل الاتفاق أمرًا مستحيلًا، وسيكون هناك دائمًا ما يدفع الكثيرين إلى تجنب المفاوضات باهظة التكاليف وإن كانوا يتمنون التمتع بالمنافع مجانًا.

يمكن أن تصبح ضريبة التأثير الخارجي التي تفرضها الحكومة ملائمة إلى حد بعيد في المواقف التي قد لا يفلح فيها التفاوض بشأن أحد التأثيرات الخارجية، كما في حالة الضوضاء التي تسببها طائرة تطير على ارتفاع منخفض. فكلما زاد احتمال جلوس الناس على مائدة التفاوض وإيجاد حل للمشكلة، زاد احتمال إفساد كل شيء بتدخل الحكومة:
  • أولا: لأن الحكومات قد تسيطر عليها جماعات المصالح التي لا تهدف دائمًا إلى الصالح العام.
  • ثانيًا: بسبب مشكلة «جرعة العلاج الزائدة». وأخيرًا لأن الناس يعلمون الحقيقة فيما يتعلق بتكاليفهم ومنافعهم أكثر من أي حكومة. فتسعير التأثير الخارجي يفلح جيدًا مع مشاكل مثل الزحام وتغير المناخ، الذي لا يفلح فيه أي تفاوض بين الأفراد على الإطلاق. ففي المواقف الأضيق نطاقًا لا بد أن نسأل ما إذا كانت الأدوية التي تفرضها الحكومة أسوأ من المرض ذاته.

(١٣) خاتمة: ماذا يتناول علم الاقتصاد بالضبط؟

لقد اقترح هذا الفصل طرقًا لمعالجة بعض المشاكل الكبرى في مجتمعنا: مثل التلوث، والزحام، والتشاجر مع جيراننا. لقد تعلمنا أن أيًّا من فرض ضريبة التأثيرات الخارجية على النفايات أو القيادة في الأماكن المزدحمة، أو تقديم الدعم للأبحاث العلمية، أو التطعيمات؛ تعد أكثر الطرق فعالية لمعالجة العديد من المشكلات التي يترك السوق حلها إلى جانب واحد من أطراف هذه المشكلات. فضريبة التأثير الخارجي تعطي الناس كلًّا من المعلومات التي تمكنهم من اتخاذ القرار الصحيح والدوافع التي تجعلهم يفعلون ذلك. فهذا النوع من الضرائب لا يجيب تلقائيًّا عن السؤال عما ينبغي أن تكون عليه العملية التنظيمية من صرامة، أو ما ينبغي تنظيمه قانونيًّا، ولكن بمجرد أن تعرف العملية السياسة رغبة المواطنين، توفر أرخص الطرق للإجابة على مثل هذه الأسئلة.

ومع ذلك، فإنك في معظم الأحيان تسمع شكوى من يسمون بالخبراء من أن الضرائب على القيادة، أو على التلوث قد تكون ضارة بالاقتصاد. يبدو هذا مثيرًا للقلق. ولكن ما المقصود «بالاقتصاد»؟ فإذا قضيت بعض الوقت لمشاهدة قناة بلومبيرج Bloomberg الاقتصادية، أو قراءة صحيفة وول ستريت جورنال Wall Street Journal فقد يصل لك الانطباع الخاطئ أن «الاقتصاد» هو مجموعة من الإحصاءات المملة تحمل أسماء مثل «إجمالي الناتج المحلي» الذي يقيس التكلفة الإجمالية لكل ما ينتجه الاقتصاد في عام واحد. فمثلًا، قد يضيف فنجان إضافي من الكابوتشينو قيمةَ ٢,٥٥ دولار إلى إجمالي الناتج المحلي، أو قيمةً أقل قليلًا إذا كانت بعض المكونات قد استوردت من الخارج.

وإذا ظننت أن هذا هو «الاقتصاد»، فقد يكون الخبراء على حق، فقد تقلل ضريبة مثل ضريبة التلوث من رقم مثل رقم إجمالي الناتج المحلي، ولكن من يهتم؟ بالتأكيد ليس علماء الاقتصاد، فنحن نعرف أن إجمالي الناتج المحلي يقيس العديد من التعاملات الضارة (مثل: بيع الأسلحة، أو بناء المنشآت بمواد رديئة وما يعقب ذلك من تصليحات باهظة التكاليف، وكذلك تكلفة الرحلات اليومية إلى العمل) ويتجاهل العديد من الأمور المهمة، مثل: رعاية أطفالك، أو الذهاب في نزهة جبلية.

فالعديد من فروع علم الاقتصاد ليست ذات صلة وثيقة بإجمالي الناتج المحلي. فعلم الاقتصاد يتناول من يحصل على ماذا ولماذا. فالهواء النظيف، وحركة تدفق المرور السلسة، يمثلان جزءًا من «الاقتصاد» وفقًا لهذا المعنى. فمن المحتمل أن ضريبة الزحام قد تزيد من إجمالي الناتج المحلي لأن الناس سيصلون بعدها إلى العمل بطريقة أسرع وينتجون أكثر، وستنخفض الأسعار في المتاجر بسبب التوزيع الأكثر فعالية. ولكن أغلب الظن أن ضريبة الزحام ستقلل من إجمالي الناتج المحلي. وهذا في الواقع لا يشكل أدنى فرق، فنحن متأكدون أن هذه الضريبة ستجعلنا أفضل حالًا إذ ستتاح أمامنا العديد من الخيارات بشأن سؤال: أين نذهب؟ وسؤال: ماذا نفعل؟ فالحياة تحفل بأمور غير تلك التي يجري قياسها في دفاتر الحسابات، وحتى علماء الاقتصاد يعرفون ذلك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤