سنة ست وثمانين وماية وألف/١٧٧٢م

فيها في المحرم خرج علي بك إلى جهة البساتين كما تقدم في أواخر العام الماضي، وعمل متاريس ونصب عليها المدافع من البحر إلى الجبل، واجتهد في تشهيل تجريدة وأميرها علي بك الطنطاوي وصحبته باقي الأمراء الذين قلدهم والعسكر، فعدوا في منتصفه لمحاربة محمد بك أبي الدهب وإسماعيل بك ومن معهما وكانوا سايرين يريدون مصر، فتلاقوا معهم عند بياضه قرب المعادي ووقعت بيهم معركة قوية ظهر فيها فضل القاسمية، وخصوصًا أتباع صالح بك وعلي أغا المعمار، ووقعت الهزيمة على عسكر علي بك وساق خلفهم القبالى مسافة، فمانعوا عن أنفسهم وعدوا على دير الطين، وكان علي بك مقيمًا به، فلما حصل ما حصل اشتد القهر بالمذكور وتحير في أمره، وأظهر التجلد وأمر بالاستعداد وترتيب المدافع وأقام إلى آخر النهار، وتفرق عنه غالب عساكره من المغاربة وغيرهم، وحضر محمد بك إلى البر المقابل لعلي بك ونصب صيوانه وخيامه تجاهه، فتفكر علي بك في أمره، وركب عند الغروب وسار إلى جهة مصر، ودخل من باب القرافة وطلع إلى باب العزب فأقام به حصة من الليل، وأشيع بالمدينة أن مراده المحاصرة بالقلعة ثم إنه ركب إلى داره وحمل حموله وأمواله، وخرج من مصر وذهب إلى جهة الشام، وذلك ليلة الخامس والعشرين من شهر المحرم، وصحبته علي بك الطنطاوي وباقي صناجقة ومماليكه وأتباعه وطوايفه، فلما أصبح يوم الخميس سادس عشرينه عدى محمد بك إلى بر مصر، وأقدوا النار في ذلك اليوم في الدير بعدما نهبوه، ودخل محمد بك إلى مصر وصار أميرها، ونادى أصحاب الشرطة على أتباعه أي: أتباع علي بك بأن لا أحد يؤويهم ولا يتاويهم. فكانت مدة غيبته سبعين يومًا، وأرسل عبد الرحمن أغا مستحفظان إلى عبد الله كتخدا الباشا، فذهب إليه بداره وقبض عليه وقطع رأسه ونادى بإبطال المعاملة التي ضربها المذكور بيد رزق النصراني، وهي قروش مفرد ومجوز، وقطع صغار تصرف بعشرة أنصاف قرش، وكان أكثر ما نحاسا وعليها علامة علي بك …

وأما من مات في هذه السنة من العظماء

فمات السيد الإمام العلامة الفقيه المحدث الفهامة الحسيب النسيب السيد علي بن موسى بن مصطفى بن محمد بن شمس الدين بن محب الدين بن كريم الدين بن بهاء الدين داود بن سليمان بن شمس الدين بن بهاء الدين داود الكبير بن عبد الحافز بن أبي الوفا محمد البدري بن أبي الحسن على ابن شهاب الدين أحمد بن بهاء الدين داود بن عبد الحافظ بن محمد بن بدر، ساكن وادي النسور ابن يوسف بن بدران بن يعقوب بن مطربن زكي الدين سالم بن محمد بن محمد بن زيد بن حسن بن السيد عريض المرتضى الأكبر ابن الإمام ززيد الشهيد بن الإمام علي زين العابدين ابن السيد الشهيد الإمام الحسين ابن الامام علي بن أبي طالب الحسييني المقدسي الأزهري المصري ويعرف بابن النقيب؛ لأن جدوده تولوا النقابة ببيت المقدس، ولد تقريبًا سنة خمس وعشرين وماية وألف ببيت المقدس وبها نشأ وقرأ القرآن على الشيخ مصطفى الأعرج المصري والشيخ موسى كبيبة على عود ومحمد بن نسيبة الفضلى المكي، وأخذ العلم عن عم أمه صاحب الكرامات حسين العلمي نزيل مدينة اللد وأبي بكر بن أحمد العلمي مفتي القدس والشيخ عبد المعطي الخليلي، ووصل إلى الشام فحضر دروس الشيخ أحمد المتيني والشيخ إسماعيل العجلوني والشيخ عبد الغني النابلسي واجتمع على الشيخ صالح البشيري الآخذ عن الخضر عليه السلام وعامر بن نعيم وأحمد القطناني ومصطفى بن عمرو الدمشقي، وكان من الأبدال وأحمد النحلاوي، وكان من أرباب الكشف ومحمد بن عميرة الدمشقي وعمران الدمشقي وزيد اليعبداوي وخلفه بن علي اليعبداوي ورضوان الزاوي وأحمد الصفدي المجذوب والشيخ مصطفى بن سوار، ودخل حماه فأخذ عن القطب السيد ياسين القادري، وحلب فأخذ بها عن أحمد البني وعبد الرحمن السمان، كلاهما من تلاميذ الشيخ أحمد الكتبي وعن الشيخ محمد بن هلال الرامهداني والشيخ عبد الكريم الشرباتي، وعاد إلى بيت المقدس فاجتمع بالشيخ عبد الغني النابلسي أيضًا وبالسيد مصطفى البكري بحلب حين كان راجعًا من بغداد، فأخذ عنه الطريقة ورغبه في مصر فوردها، وحضر على الشمسي السجيني ومصطفى العزيزي والسيد علي الضرير الحنفي وأحمد مصطفى الصباغ والشهابين الملكي والجوهري والشمس الحفني وأحمد العماوي، وشيخ المذهب سليمان المنصوري، وأجازه سيدي يوسف بن ناصر الدرعي وأحمد العربي وأحمد بن عبد اللطيف زروق وسيد محمد العياشي الأطروش والشيخ ابن الطيب، ورأس في المذهب وتمهر في الفنون ودرس بالمشهد الحسيني في التفسير والفقه والحديث واشتهر أمر وطار صيته، وكان فقيهًا في المذهب بارعًا في معرفة فنونه عارفًا بأصوله وفروعه، يستنبط الأحكام بجودة وذهنه وحسن حافظته، ويكتب على الفتاوي برايق لفظه، وكانت له في النثر طريقة غريبة لا يتكلف في الأسجاع، وإذا سئل عن مسئلة كتب عليها الجواب أحسن من الروض جاد به الغمام، وأغزر من الوبل ساعده نوء النعام، ويكتب في الترسل على سجية بادرة، وفكرة على السرعة صادرة، وكان ذا جود وسخاء وكرم ومروة ووفاء، لا يدخل في يده شى من متاع الدنيا إلا وبذله لسائليه وأغدق به على معتفيه. وكان منزله الذي قرب المشهد الحسيني موردًا للآملين، ومحطًّا لرحال الوافدين، مع رغبته في الخيل المنسوبة وحسن معرفته لأنسابها وعزوه لأربابها، وكان اصطبله دائمًا لا يخلو من اثنين أو ثلاثة يركب عليها ويضمرها، ويعتني بأحوالها ويرغب في شرائها لمعرفته بالفروسية ورمي السهام واستعمال السلاح، واللعب بالرماح وغير ذلك. ولما ضاق عليه منزله لكثرة الوفاد عليه ولكثرة ميله إلى ربط الخيول، انتقل إلى منزل واسع بالحسينية في طرف البلد، بناء على أن الأطراف مساكن الأشراف، فسكنه وعمر فيه وفي الزاوية التي قرب بيته، وصرف عليها مالًا كثيرًا، وفي سنة سبع وسبعين وماية وألف استخار الله تعالى في التوجيه إلى دار السلطنة لأمور أوجبت رحلته إليها، منها أنه ركبت عليه الديون وكثر مطالبوها، وضاق صدره من عدم مساعدة الوقت له، وكان إذ ذاك محل تدريسه بالمشهد الحسيني، وعزم عبد الرحمن كتخدا على هدمه وإنشائه على هذه الصورة، ورأى أن هذه البطالة تستمر أشهرًا فوجد فرصة وتوجه إليها، وقرأ دروسًا في الحديق في عدة جوامع، واشتهر هناك بالمحدث وأقبلت عليه الناس أفواجًا للتلقي وأحبت الأمراء وأرباب الدولة وصارت له هناك وجاهة، إلا أنه كان في درسه ينتقل تارة إلى الرد العنيف على أرباب الأموال والأكابر وملوك الزمان، وينسبهم إلى الجور والعدوان، وانحرافهم عن الحق، فوشى به الحاسدون فبرز الأمر بخروجه من البلد وكان قد تزوج هناك فعاد إلى مصر، فلما وصل إلى بولاق ذهب إليه جماعة من الفضلاء واستقبلوه واستقر في منزله، وعاد إلى دروسه في المشهد، وذلك سنة ثلاث وثمانين وماية وألف، ولم يترك عادته المألوفة من إكرام الضيوف، وبذل المعروف، وكان لا يصبر على الجماع وعنده ثلاث نسوة شامية ومصرية ورومية، وإذا خرج إلى الخلاء أو بعض المتنزهات أخذ صحبته من يريدها منهم ونصب لها خيمة وآلة الاغتسال مدة إقامته يومًا أو يومين أو أكثر، واتفق له في آخر أمره أنه ذهب عند محمد بك أبي الدهب، وكان في ضائقه فحادثه الأمير على سيل المباسطة وقال له: «كيف رأيت أهل إسلامبول»، فقال له: يبق بإسلامبول ولا بمصر خير ولا يكرمون إلا شرار الخلق، وأما أهل العلم فإنهم يموتون جوعًا، ففهم الأمير تعريضه وأمر له بماية ألف نصف فضة من الضربخانة فقضى منها بعض ديونه وأنفق باقيها على الفقراء، وعاش بعدها أربعين يومًا وتعلل بخراج أيامًا وأحضروا له رجلًا يهوديًّا، ففصده بمشتر مشرط قيل: إنه مسموم فكان سببًا لموته، وتوفي عصر يوم الأحد سادس شهر شعبان من السنة، وجهز في صبح يوم الإثنين وصُلي عليه بالأزهر في مشهد حافل، ودفن بمقبرة باب النصر على أكمة هناك، ولما مات أحضر له الناس من الأعيان عدة أكفان، وكل منهم يريد أن لا يوضع إلا في كفنه فأخذ من كل كفن قطعة وكفنوه في مجموع ذلك جبرًا لخواطرهم، وأعطى الأمير محمد بك لأخيه مولانا السيد بدر الدين، عندما أخبره بموته خمسماية ريال لتجهيزه ولوازمه، وجلس مكانه في الدار أخوه السيد بدر المذكور، وتصدر مكانه لإملاء درس الحديث النبوي بمسجد المشهد الحسيني، وأقبلت عليه الناس والأعيان، ومشى على قدم أخيه وسار سيرًا حسنًا وجرى على نسقه وطبيعته في مكارم الأخلاق، وإطعام الطعام وإكرام الضيفان والتردد إلى الأعيان والأمراء، والسعي في حوايج الناس والتصدي لأهل حارته وخطته في دعاويهم وفصل خصوماتهم، وصلحهم والذب عنهم ومدافعة المتعدي عليهم ولو من الأمراء والحكام في شكاويهم وتشاجرهم وقضاياهم حتى صار مرجعًا وملجأً لهم في أمورهم ومقاصدهم، وصار له وجاهة ومنزلة في قلوبهم ويخشون جانبة وصولته عليهم، ثم إنه هدم الزاوية وما بجانبها وأنشأها مسجدًا نفيسًا لطيفًا وعمل به منبرًا وخطبة، ورتب به إمامًا وخطيبًا وخادمًا، وجعل بجانبه ميضأة ومصلى لطيفة يسلك إليهما من باب مستقل وبها كراسي راحة، وأنشأ بجانب المسجد دار نفيسة وانتقل إليها بعياله، وترك الدار التي كانت سكنه مع أخيه؛ لأنها كانت بالأجرة، وبنى لأخيه ضريحًا بداخل ذلك المسجد ونقله إليه وذلك سنة خمس ومايتين وألف، فلما كانت الحوادث في سنة ثلاث عشرة ومايتين وألف واستيلاء الفرنسيين على الديار المصرية، وقيام سكان الجهة الشرقية من أهل البلد وهي القومة الأولى التي قتل فيها دبوي قايمقام تحركت في السيد بدر الدين المذكور الحمية وجمع جموعه من أهل الحسينية والجهات البراني، وانتبذ لمحاربة الإفرنج ومقاتلهم وبذل جهده في ذلك، فما ظهر الإفرنج على المسلمين لم يسع المذكور الإقامة، وخرج فارًّا إلى جهة البلاد الشامية وبيت المقدس، وفحص عنه الإفرنج وبثوا خلفه الجواسيس فلم يدركوه، فعند ذلك نهبوا داره وهدموا منها طرفًا وكمل تخريبها أوباش الناحية، وخربوا المسجد وصارت في ضمن الأماكن التي خربها الفرنسي بهدم ما حول السور من الأبنية، ثم في الواقعة الكبيرة الثانية عندما حضر الوزير والعساكر الرومية ورجعوا بعد نقض الصلح بدون طايل كما يأتي تفصيل ذلك، فلما حضروا ثانيًا بمعونة الإنكليز وتم الأمر وسافر الفرنسيس إلا بلادهم ورجع المذكور إلى مصر، وشاهد ما حصل لداره ومسجده من التخريب أخذ في أسباب تعميرها وتجديدهما حتى أعادهما أحسن مما كانا عليه قبل ذلك، وسكن بها حتى أعادهما أحسن مما كانا عليه قبل ذلك، وسكن بها وهو الآن بتاريخ كتابة هذا المجموع سنة عشرين ومايتين والف ١٨٠٥ قاطن بها وحله مجمع شمل المحبين، ومحط رجال القاصدين بارك الله فيه.

ومات الفقيه المفنن الشيخ/علي بن شمس الدين محمد بن زهران علي الشافعي الرشيدي الشهير بالخضري، ولد بالثغر سنة أربع وعشرين وأمه آمنه بنت الحاج عامر بن أحمد العراقي، وأمها صالحة بنت الشريف الحاج علي زعيتر أحد أعيان التجار برشيد، حفظ المترجم الزبد والخلاصة وسبيل السعادة والمنهج إلى الديات، والجزرية والجوهرة، وسمع على الشيخ يوسف القشاشي الجزرية وابن عقيل والقطر، وعلى الشيخ عبد الله بن مرعي الشافعي. في شوال سنة إحدى وأربعين جمع الجوامع والمنهج، وألقى منه دروسًا بحضرته ومختصر السعد واللقاني على جوهرته، وشرح ابنه عبد السلام والمناوي على الشمايل والبخاري وابن حجر على الأربعين والمواهب، وعلى شمس محمد بن عمر الزهيري معظم البخاري دراية والمواهب وابن عقيل والأشموني على الخلاصة، وجمع الجوامع والمنصف على أم البراهين، ونصف النفراوي على الرسالة والبيضاوي إلى قوله تعالى: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ فكلمه بعد موته.

وفي سنة ثمان وثلاثين وفد على الثغر الشيخ عطية الأجهوري، فقرأ عليه العصام في الاستعارات مع الحفيد وعلى الشيخ محمد الإدكاوي شرح السيوطي على الخلاصة والشنشوري على الرحبية والتحرير لشيخ الإسلام، ثم قدم الجامع الأزهر سنة ثلاث وأربعين فجاور ثلاث سنوات فسمع على الشيخ مصطفى العزيزي شرح المنهج مرتين والخطيب والشمايل، وأجازه بالإفتاء والتدريس في رجب سنة ست وأربعين، وكان به بارًّا رحيمًا شفوقًا. بمنزلة الوالد حتى بعد الوفاة، وجرب له معه وقائع كثيرة تدل على حسن توجهه له دون غيره من الطلبة، وسمع على السيد علي الحنفي الضرير الأشموني، وجمع الجوامع والمغني، وبعض المنفرجة، والقسطلاني على البخاري، وتصريف العزي. وعلى الشمس محمد الدلجي المغني كله قراءة بحث، والخطيب وجمع الجوامع، وعلى الشيخ علي قايتباي الخطيب فقط، وعلى الشيخ الحفني الخطيب والمنهج وجمع الجوامع والأشموني ومختصر السعد، ألفية المصطلح ومعراج الغيطي، وعلى أخيه الشيخ يوسف الأشموني والمختصر ورسالة الوضع، وعلى الشيخ عطية الأجهوري المنهج والمختصر والسلم، وعلى أحمد الشبراملسي الشافعي المختصر والتحرير وبعض العصام ومنظومة في أقسام الحديث الضعيف، وعلى الشيخ محمد السجيني الشمائل ومواضع من المنهج، وأجازه الشيخ الشبراوي بالكتب الستة بعد أن سمع عليه بعضًا منها، ورجع عن فتواه مرتين في وقفين، وعلى الشيخ أحمد بن سابق الزعبلي المنهج كله مرتين وعلى الشيخ أحمد المكودي كبرى السنوسي وبعض مختصره دارية، وعلى الشيخ محمد المنور التلمساني شيخ المكودي المذكور أم البراهين دراية، وعلى الشيخ أحمد العماوي المالكي بعض سنن أبي داودو جمع الجوامع والمغني والأزهرية، ولما رجع إلى الثغر لازم الشيخ شمس الدين الفوِّي خطيب جامع المجلي، فسرد عليه معظم متن الزبد والمنهج وشرحه والشنشوري ومتن العباب وهو الذي عرفه به وبطريق تركيب الفتاوي أسئلة وأجوبة، وكان يقول: لا بد للمبتلي بالإفتاء من العباب لوضوحه واستيعابه، وأجازه الشيخ شلبي البرلسي والشيخ عبد الدايم بن أحمد المالكي وأحمد بن قاسم الوني، وله مؤلفات جليلة منها: شرح لقطة العلجان وحاشية على شرح الأربعين النووية للشبشيري أجاد فيها كل الإجادة، وقد رأيت كلًّا منها بالثغر عند ولده السيد أحمد، توفي في خامس عشرين شعبان من السنة.

(ومات) الشاب الصالح، والنجيب الأريب الفالح العلامة المستعد النبيه الذكي، الشيخ/ محمد بن عبد الواحد بن عبد الخالق البناني، أبوه وجده وعمه من أعيان التجار والثروة بمصر، نشأ في عفة وصلاح، حفظ القرآن والمتون وحبب إليه طلب العلم فتقشف لذلك وتجرد، ولازم الحضور والطلب، ودأب واجتهد في التحصيل وسهر الليل، وكان له حافظة جيدة وفهم حاد وقوة استعدادية وقابلية، فأدرك في الزمن اليسير ما لم يدركه غيره في الزمن الكثير، لازم شيخنا الشيخ محمد الجناجي المعروف بالشافعي ملازمة كلية، وتلقى عنه غالب تحصيله في الفقه والمعقول والمنطق والاستعارات والمعاني والبيان والفرايض والحساب وشباك ابن الهائم وغير ذلك، وحضر دروس الشيخ الصعيدي والدردير وغيرهم حتى مهر وأنجب ودرس، واشتهر بالفضل وعمل الختوم، وحضره أشياخ العصر، وشهدوا بفضله وغزارة علمه، وانتظم في عداد أكابر المحصلين والمفيدين والمستفيدين، ولم يزل هذا حاله حتى وافاه الحمام، انمحق بدره عند التمام، ومات مطعونًا في هذه السنة وهو مقتبل الشبيبة لم يجاوز الثلاثين عوضه الله الجنة، وهو ابن عم الإمام العلامة الشيخ مصطفى بن محمد بن عبد الخالق من أعيان العلماء المشاهير بمصر الآن بارك الله فيه.

(ومات) الفقيه الفاضل المحقق الشيخ/أحمد بن أحمد الحمامي الشافعي الأزهري، ولد بمصر واشتغل بالعلم من صغره ومال بكليته إليه وحبب إليه مجالسة أهله، فلازم الشيخ عيسى البراوي حتى مهر وتفقه عليه، وحضر دروس الشمس الحفني والشيخ علي الصعيدي وغيرهما، وأجازوه، وحج في سنة خمس وثمانين مرافقًا لشيخنا الشيخ مصطفى الطائي ورجعا إلى مصر وتصدر للتدريس والإفتاء في حياة شيوخه، ودرس وأفاد وكان أكثر ملازمته لزاوية الشيخ الخضيرى، ويقرأ درسًا بالصرغمتشيه وانتفع به جماعة، وله حاشية على الشيخ عبد السلام مفيدة، وأخرى على الجامع الصغير للسيوطي لم تتم، وكان ذا صلاح وورع وخشية من الله وسكون ووقار، توفي يوم الأربعاء تاسع ربيع الأول من السنة، ودفن ثاني يوم بمشهد عظيم بالقرب من السادة المالكية.

ومات الإمام الصوفي العارف المعمر الشيخ/علي بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد القدوس ابن القطب شمس الدين محمد الشناوي الروحي الأحمدى المعروف ببندق، ولد قبل القرن وأخذ عن عميه محمد العالم وعلي المصري، وهما عن عمهما الشمس محمد بن عبد القدوس الشهير بالدناطي عن ابن عمه الشهاب الخامي، ومسكنهم بمحلة روح قرب طنطا، وهو شيخ مشايخ الأحمدية في عصره، وانتهت إليه الرياسة في زمنه، وعاش كثيرًا حتى جاوز الماية ممتعًا بالحواس، وكان له خلوة في سطح منزله ولها كوة مستقبلة طندتاء، بين يديها فضاء واسع يرى منها آثار طندتاء طنطا وهو مستقبل القبلة في حال جلوسه ونومه ونظره إلى تلك الكوة، وأخبرني أولاده أنه هكذا هو مستمر على هذه الطريقة من مدة طويلة، وتوفي في أوايل جمادى الأول من السنة، واجتمع بمشهده غالب أهل البلاد من المشايخ والأعيان والصلحاء من الآفاق، والسيد محمد مجاهد الأحمدي، والشيخ محمد الموجه، والسيد أحمد تقي الدين وغيرهم، ودفن عند أسلافه بمحلة روح.

(ومات) الأمير/خليل بك ابن إبراهيم بك بلفيا، تقلد الإمارة والصنجقية بعد موت والده وفتح بيتهم وأحيا مآثرهم، وكان أهلًا للإمارة ومحلًّا للرياسة، وتقلد إمارة الحج في سنة إحدى وثمانين ورجع في أمن وسخا، وطلع أيضًا في هذه السنة، ومات بالحجاز ورجع بالحج أخوه عبد الرحمن أغا بلفيا.

(ومات) الأجل المكرم الريس/محمد تابع المرحوم محمد أوده باشه طبال مستحفظان ميسو الجداوي، وهو زوج الجدة أم المرحوم الوالد تزوج بها بعد موت الجد في سنة أربع عشرة وماية ألف، وقطن بها ببندر جدة وأولدها حسينًا ومحمد، وتوفي سنة أربع وخمسين عن ولديه المذكورين وأخيهما محمود من أبيهما وعتقائه ومنهم المترجم، فرباه ابن سيده وهو العم حسين، فأنجب وعانى التجارة ورئاسة المراكب الكبار ببحر القلزم، حتى صار من أعيان النواخيذ الكبار، واشتهر صيته وذكره وكثر ماله وبنى دارًا بمصر بجوار المدارس الصالحية، واشترى المماليك والعبيد والجواري وصار له دار بمصر وبجدة، ولم يزل حتى توفي بالشام وهو راجع إلى مصر ووصل نعيه في سابع عشرين ربيع الثاني رحمه الله.

(ومات) الخواجا الصالح المعمر الحاج/محمد بن عبد العزيز البنداري، وكان إنسانًا حسنًا وهو الذي عمر العمارة والمساكن بطندتا واشتهرت به، توفي في غرة ربيع أول بعد تعلل رحمه الله تعالى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠