ذكر من مات في هذه الأعوام من أكابر العلماء وأعاظم الأمراء

مات الشيخ الإمام الفقيه المحدث الشريف السيد/محمد بن محمد البليدى المالكي الأشعري الأندلسي المغربي، حضر دروس الشيخ شمس الدين محمد بن قاسم البقري المقري الشافعي في سنة عشر وماية وألف، ثم على أشياخ الوقت كالشيخ العزيزي والملوي والنفراوي، وتمهر ثم لازم الفقه والحديث بالمشهد الحسيني، فراج أمره واشتهر ذكره وعظمت حلقته وحسن اعتقاد الناس فيه وانكبوا على تقبيل يده وزيارته وخصوصًا تجار المغاربة لعلة الجنسية، فهادوه وواسوه واشتروا له بيتًا بالعطفة المعروفة بدرب الشيشيني، وقسطوا ثمنه على أنفسهم ودفعوه من مالهم، فلم يزل مقبلًا على شأنه ملازمًا على طريقته مواظبًا على إملاء الحديث كصحيح البخارى ومسلم والموطأ والشفاء والشماتل، حتى توفي ليلة التاسع والعشرين من رمضان سنة ست وسبعين وماية وألف.

ومات الأستاذ المعظم ذو المناقب العلية والسجايا المرضية بقية السلف السيد مجد الدين/ محمد أبو هادي بن وفا، ولد سنة إحدى وخمسين وماية وألف، ومات والده وهو طفل فنشأ يتيمًا وخلف عمه في المشيخة والتكلم، وأقبل على العلم والمطالعة والأذكار والأوراد، وولى نقابة الأشراف بمصر في هذه الأثناء فساس فيها أحسن سياسة، وجمع له بين طرفي الرياسة، وكان أبيض وسيمًا ذا مهابة لا يهاب في الله، أمارًا بالمعروف فاعلًا للخير، توفي يوم الخميس خامس ربيع الأول سنة ست وسبعين وصُلي عليه بالأزهر في مشهد عظيم حضره الأكابر والأصاغر، وحمل على الأعناق ودفن بزاويتهم بالقرب من عمه رضي الله عنه وتخلف بعده السيد شهاب الدين أحمد أبو الأمداد.

ومات أيضًا في هذا الشهر والسنة الصدر الأعظم المغفور له محمد باشا المعروف يراغب، وكان معدودًا من أفاضل العلماء وأكابر الحكماء جامعًا للرياستين، حاويًا للفضيلتين، وله تآليف وأبحاث في المعقول والمنقول، والفروع والأصول، وهو الذي حضر إلى مصر واليًا في سنة تسع وخمسين وماية وألف، ووقع له ما وقع مع الخشاب والدمايطة كما تقدم، ورجع إلى الديار الرومية وتولى الصدارة، ثم توفي إلى رحمة الله تعالى في رابع عشرين شهر رمضان سنة ست وسبعين وماية وألف، وكان نقش خاتمه هذا البيت:

بمحمد يرجو الأمان محمد
مما يخاف وفي نوالك راغب

وألف رسالة في العروض غريبة شرحها الشيخ أبو الحسن القلعى المغربي، وله ثلاثة دواوين: تركي وفارسي وعربي، وكان له ذوق صحيح وفهم رجيح يكرم العلماء والوافدين ويباحث أهل العلم بمبتكراته، ومن كلامه في مواجب مصر:

مواجبٌ نزلت من بعد تطويل
كضرطة ربطت في طرف منديل
أو صوت ضفدعة في بركة الفيل

وله في أحد مماليك أمراء مصر، وأجاد:

حكى ذا الرشا المملوك في الحسن يوسفًا
وفيما أدعيه يشهد العين والقلبُ
خلا أن ذاك اغتاله الذئب فريةً
وهذا حقيقًا قد تملكه كلب

وسفينة الراغب المشهورة وما جمع فيها من المسائل والأبحاث والإيرادات الغربية، كبحث الاسم والمسمى والمقولات العشرة والعقول العشرة والحضرات الخمس والمعاد الجسماني وجابرقا وجابرصا وغير ذلك.

ومات الشيخ المجذوب/على الهواري، كان من أرباب الأحوال الصادقين، والأولياء المستغرقين، وأصله من الصعيد وكان يركب الخيول ويروضها ويجيد ركوبها؛ ولذلك لقب بالهواري، ثم أقلع من ذلك وانجذب مرة واحدة، وكان للناس فيه اعتقاد حسن، وحكى عنه الكشف غير واحد، ويدور في الأسواق والناس يتبركون به، مات شهيدًا بالرميلة، أصابته رصاصة من يد رومي فلتة في سنة ست وسبعين وماية وألف، وصلوا عليه بالأزهر وازدحم الناس على جنازته رحمه الله.

ومات الشيخ المسند/عمر بن أحمد بن عقيل الحسيني المكي الشافعي الشهير بالسقاف ابن أخت حافظ الحجاز عبد الله بن سالم البصري، والسقاف لقب جده الأكبر عبد الرحمن من آل باعلوي، ولد بمكة سنة اثنتين وماية وألف، وروى عن خاله المذكور وعن الشيخين العجمي والنخلي والشيخ تاج الدين المفتي وحسين بن عبد الرحمن الخطيب ومحمد عقيلة وإدريس بن أحمد اليماني والشيخ عيد وعبد الوهاب الطنتدائي ومصطفى بن فتح الله الحنفي، وسمع الأولية عاليًا عن الشهاب أحمد البناء بعناية خاله سنة عشر وماية وألف، ومهر وأنجب واشتهر صيته وسمع منه كبار الشيوخ وأجازهم كالشيخ الوالد والشيخ أحمد الجوهري، وعندي إجازته للوالد بخطه، وكذلك أجاز عبد الله بن سالم البصري والشيخ محمد عقيلة ومحمد عقيلة ومحمد حياة السندي وذلك بمكة سنة ثلاث وخمسين، وبه تخرج شيخنا السيد محمد مرتضى في غالب مروياته، وسمعت منه أنه اجتمع به بالمدينة المنورة عند باب الرحمة أحد أبواب الحرم الشريف، وسمع منه وأجازه إجازة عامة، وذلك في سنة ثلاث وستين وماية وألف، ولازمه بمكة سنة أربع وستين وماية وألف، وسمع منه أوائل الكتب الستة وأباح له كتب خاله يراجع فيها ما يحتاج إليه، وسمع من لفظه المسلسل بالعيد بالحرم المكي في صحبة سلالة الصالحين الشيخ عبد الرحمن المشرع وأجازهما، توفي في سنة أربع وسبعين وماية وألف.

ومات العمدة العلامة المفوه النبيه الفقيه الشيخ/محمد العدوي الحنفي، تفقه على كل من الإسقاطي والسيد علي الضرير والشيخ الزيادي وغيرهم، وحضر في المعقول على أشياخ الوقت كالملوي والعماوي وتصدر للإفادة والإقراء، وكان ذا شكيمة وشجاعة نفس وقوة جنان ومكارم أخلاق، توفي في ثالت الحجة سنة خمس وسبعين وماية وألف.

ومات الإمام العلامة الفقيه المتقن الشيخ/محمد بن عبد الوهاب الدلجي الحنفي، وهو ابن خال الوالد، اشتغل بالعلوم والفقه على أشياخ الوقت ودرس وأفتى واقتنى كتبًا نفيسة في الفقه وجميعها بخط حسن، وقابلها وصححها وكتب عليها بخطه الحسن، وكانت جميع كتبه الفقهية وغيرها في غاية الجودة والصحة ويضرب بها المثل ويعتمد عليها إلى الآن، وكان ملازمًا للإفادة والإفتاء والتدريس والنفع على حالة حسنة ودماثة أخلاق وحسن عشرة، ولم يزل حتى توفي في شهر رجب سنة سبع وسبعين وماية وألف.

ومات الفقيه الصالح الخيِّر الدين/حسن بن سلامة الطيبي المالكي نزيل ثغر رشيد، تفقه على شيخه محمد بن عبد الله الزهيري وبه تخرج، وأجازه محمد بن عثمان الصافي البرلسي في طريقة البراهمة، وسيدي أحمد بن قاسم البوني حين ورد ثغر رشيد في الحديث، ودرس بجامع زغلول وأفتى، ودرسه أكبر الدروس، وكان لديه فوايد كثيرة، توفي سنة ست وسبعين وماية وألف.

ومات المفتي الفاضل النبيه زين الدين أبو المعالي/حسن بن على بن على بن منصور بن عامر بن ذياب شمه الفوي الأصل المكي، ينتهى نسبه إلى الولي الكامل سيدي محمد بن زين النحراوي، ومن أمه إلى سيدي إبراهيم البسيوني، ولد بمكة سنة اثنتين وأربعين وماية وألف، وبها نشأ وأخذ العلم عن الشيخ عطا بن أحمد المصري والشيخ أحمد الأشبولي وغيرهما من الواردين بالحرمين، وأتى إلى مصر فحضر دروس الشيخ الحفني وله انتسب، وأجازه في الطريقة البرهامية بلدية الشيخ منصور هدية، وألف وأجاد وكان فصيحًا بليغًا ذكيًّا حاد الذهن جيد القريحة له سعة اطلاع في العلوم الغربية، ونظم رائق مع سرعة الارتجال، وقد جمع كلامه في ديوان، هو على فضله عنوان، ومن مؤلفاته شرح صيغة القطب سيدي إبراهيم الدسوقي، جمع فيه شيئًا كثيرًا من الفوائد، وارتحل إلى الروم ثم عاد إلى مصر وألف كتابًا في مناقب أستاذه الحفني، وله حاشية على شرح شيخ الإسلام على البردة، وحاشية على شرحه على الجزرية، ورسالة في خصوص رواية السوسي عن يحيى اليزيدي عن أبي عمرو ثم نظمها وكتبها، وكتاب الحقايق والإشارات إلى ترقي المقامات، والحلل السندسية على أسرار الدائرة الشاذلية وكشف الرموز الخفية بشرح الهمزية، ووسع الاطلاع على مختصر أبي شجاع، وهو كتاب حافل يبلغ أربعة مجلدات، ومسرة العينين بشرح حزب أبي العينين، وقصة المولد النبوي، ونظم الأزهرية في النحو، وعمل منظومة في تاريخ مصر سماها بالحجج القاهره، وغير ذلك رسايل ومنظومات كثيرة ومناسك الحج كبيرة، وسكن في الآخر بولاق وبها توفي ليلة الجمعة رابع عشرين رمضان سنة ست وسبعين وماية وألف.

ومات الشيخ الإمام الفقيه المحقق الشيخ/خليل بن محمد المغربي الأصل المالكي المصري، أتى والده من المغرب فتدير مصر وولد المترجم بها، نشأ على عفة وصلاح وأقبل على تحصيل المعارف والعلوم، فأدرك منها المروم، وحضر دروس الشيخ الملوي والسيد البليدي وغيرهما من فضلاء الوقت إلى أن استكمل هلال معارفه وأبدر وفاق أقرانه في التحقيقات واشتهر، وكان حسن الإلقاء للعلوم حسن التقرير والتحرير حاد القريحة جيد الذهن إمامًا في المعقولات وحلالًا للمشكلات، وولى خزانة كتب المؤيد مدة فأصلح ما فسد منها ورم ما تشعث، وانتفح به جماعة كثيرون من أهل عصرنا، وله مؤلفات منها شرح المقولات العشر مفيد جدًّا، توفي يوم الخميس خامس عشرين المحرم سنة سبع وسبعين وماية وألف بالري وهو منصرف من الحج.

ومات السيد الأديب الشاعر المفنن/عمر بن علي الفتوشي التونسي ويعرف بابن الوكيل، ورد مصر في سنة أربع وخمسين، فسمع الصحيح على الشيخ الحفني وأجازه في ثاني المحرم منها، ثم توجه إلى الإسكندرية وتديرها مدة، ثم ورد في أثناء أربع وسبعين، وكان ينشد كثيرًا من المقاطيع لنفسه ولغيره، وألف رسالة في الصلاة على النبي ، مزج صيغها بالورد الأعلى للشيخ الأكبر، وتولى نيابة القضاء بالكاملية، وكان إنسانًا حسنًا لطيف المحاورة كثير التودد والمراعاة، بشوش الملتقى مقبلًا على شأنه، توفي في ثاني ذي الحجة سنة خمس وسبعين وماية وألف.

ومات الأستاذ الذاكر الشيخ/محفوظ الفوي تلميذ سيدي محمد بن يوسف عن ورم في رجليه في غرة جمادى الثانية سنة ثمان وسبعين وماية وألف، ودفن يومه قريبًا من مشهد السيدة نفيسة رضي الله عنها.

ومات العالم الفقيه المحدث الأصولي الشيخ/محمد بن يوسف بن عيسى الدنجيهي الشافعي بدمياط في سادس شعبان سنة ثمان وسبعين وماية وألف.

ومات الجناب المكرم الصالح المنفصل عن مشيخة الحرم النبوي/عبد الرحمن أغا في ثامن شوال سنة تسع وسبعين وماية وألف، ودفن بجوار المشهد النفيسي.

ومات الجناب المكرم محب الفقراء والمساكين الأمير إبراهيم أوده باشه غانم فجأة، في ثامن جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وماية وألف، ودفن بمقبرتهم عند السادة المالكية.

ومات أيضًا العمدة الشيخ/عبد الفتاح المرحومي بالأزبكية في تاسع شوال سنة ثمان وسبعين وماية وألف.

ومات الأجل المكرم الحاج/حسن فخر الدين النابلسي عن سن عالية، وكان من أرباب الأموال رابع عشرين جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وماية وألف.

ومات الأمير الأجل المحترم صاحب الخيرات والمحبب إلى الصالحات/على بن عبد الله مولى بشير أغا دار السعادة، ولي وكالة دار السعادة فباشر فيها بحشمة وافرة وشهامة باهرة، وفيه يقول الشيخ عبد الله الإدكاوي:

أقبل الحظ والهناء السنيُّ
ولنا أحسن الزمان المسي
وأتت دولة السرور فأهلًا
بك من دولة حباها العلي
لعلي المقام والفعل والاسم ومن جل فكره الألمعي
والمهام الغمام بأسًا وجودًا
والذي شاع ذكره المرضي
فأبشر ابشر بدولة لك فيها
ما به يا رئيس يهنى الوليُّ
بحلاها حلاك سلطاننا الأعظم عثمانُ الأمجد الأفضلي
دمت فيها مهنَّأ البال مأمو
نًا لك الله حافظ والنبيُّ
لك تاريخها حلا يا همام
أنت نعم الوكيل فاسعد عليّ

وكان منزله مورد الوافدين من الآفاق، مظهر التجليات الأشراق، مع ميله إلى الفنون الغريبة، وكماله في البدايع العجيبة، من حسن الخط وجودة الرمي وإتقان الفروسية، ومدحته الشعراء وأحبته العلماء، وألقت إليه الرياسة قيادها، فأصلح ما وهن من أركانها وأزال فسادها، ولقد عزل عن منصبه ولم يأفل بدر كماله، واستمر ناموس حشمته باقيًا على حاله، واقتنى كتبًا نفيسة وكان سموحا بإعارتها، وكان عنده من جملتها البرهان القاطع للتبريزي في اللغة الفارسية على هيئة القاموس، وسفينة الراغب وهي مجموعة جامعة للفوايد الغريبة، ومنها كشف الظنون في أسماء الكتب والفنون لمصطفى خليفة وهو كتاب عجيب، توفي يوم الإثنين ثامن عشر شهر صفر سنة ستة وسبعين وماية وألف، وصُلي عليه بسبيل المؤمنين ودفن بالقرافة بالقرب من الإمام الشافعي، ولم يخلف بعده مثله في المروءة والكرم رحمه الله تعالى، وقد رثاه الشعراء بمراث كثيرة.

ومات الإمام العلامة والمدقق الفهامة الشيخ يوسف شقيق الأستاذ شمس الدين الحفني، أخذ العلم عن مشايخ عصره مشاركًا لأخيه، وتلقى عن أخيه ولازمه ودرس وأفاد وأفتى وألف ونظم الشعر الفايق الرايق، وله ديوان شعر مشهور، وكتب حاشية عظيمة على الأشموني وهي مشهورة يتنافس فيها الفضلاء، وحاشية على مختصر السعد وعلى شرح الخزرجية لشيخ الإسلام، وحاشية على جمع الجوامع لم تكمل، وحاشية على الناصر وابن قاسم، وشرح شرح الأزهرية لمؤلفها، وشرح على شرح السعد لعقايد النسفي، وحاشية الخيالي عليه وعلى مُلا حنفي في آداب البحث وغير ذلك، وله مقامتان وقصايد طنانة مذكورة في المدايح الرضوانية وغيرها، توفي في شهر صفر سنة ثمان وسبعين وماية وألف.

ومات الإمام الفصيح المفرد الأديب الماهر الناظم الناثر الشيخ علي بن أبي الخير بن علي المرحومي الشافعي خطيب جامع الحبشلي، ومن آثاره تشطير الأبيات الثلاثة للشيخ علي جبريل في مدح الأمير رضوان كتخدا الجلفي وهي:

(وأبيك ما رضوان إلا آية)
من أمه نال المنى في الحال
ملك الأنام بعزه وبجوده
(شهدت بذاك شهامة الأفعال)
(يهب المواهب جمة بسماحة)
من غير تعريض له بسؤال
وتراه يغني بالعطاء مؤملًا
(مترافعًا عن منة وملال)
(حتى يصير المعدمون برفده)
يسعى لثروتهم مريد نوال
ويراهم زادوا افتخارًا إذ غدوا
(مترفعين على ذوي الأموال)

وهو ممن كتب على بديعية علي بن تاج القلعي، ومن كلامه يخاطب به الشيخ العيدروس:

ما يقول البليغ إن رام مدحًا
في زكي مقدس عيدروسي؟
نسل طه ونجل بنت عتيق
فهو والله تاج رأس الرؤوس

توفي ليلة الجمعة سادس ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وماية وألف.

ومات الإمام العلامة السيد/إبراهيم بن محمد أبي السعود بن على بن على الحسيني الحنفي، ولد بمصر وقرأ الكثير على والده وبه تخرج في الفنون ومهر في الفقه وأنجب، وغاص في معرفة فروع المذهب، وكانت فتاويه في حياة والده مسددة معروفة، ويده الطولى في حل الإشكالات العقيمة مذكورة موصوفه، رحل في صحبة والده إلى المنصورة فمدحها القاضي عبد الله بن مرعي المكي، وأثنى عليهما بما هو مثبت في ترجمته، ولو عاش المترجم لتم به جمال المذهب. توفي يوم ألاحد سابع عشر جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وماية وألف.

ومات الفقيه الزاهد الورع العالم المسلك الشيخ/محمد بن عيسى بن يوسف الدمياطي الشافعي، أخذ المعقول عن السيد علي الضرير والشيخ العزيزي والشيخ إبراهيم الفيومي، والفقه أيضًا عنهما وعن الشيخ العياشي والشيخ الملوي والحفني وطبقتهم، واجتمع بالسيد مصطفى البكري وأخذ عنه طريقة الخلوتية ولقنه الأسماء بشروطها، وألف حاشية على المنهج ونسبها لشيخه السيد مصطفى العزيزي، وله حاشية على الأخضري في المنطق وحاشية على السنوسية وغير ذلك. توفي في ثامن رمضان سنة ثمان وسبعين وماية وألف، وكانت جنازته حافلة وصُلي عليه بالأزهر ودفن ببستان المجاورين، وبنوا على قبره سقيفة يجتمع تحتها تلامذته في صبح يوم الجمعة يقرءون عنده القرآان، ويذكرون واستمروا على ذلك مدة سنين.

ومات الإمام العلامة الناسك الشيخ/أحمد بن محمد السحيمي الشافعي نزيل قلعة الجبل، حضر دروس الأشياخ ولازم الشيخ عيسى البراوي وبه انتفع، وتصدر للتدريس بجامع سيدي ساريه وأحيا الله به تلك البقعة، وانتفع به الناس جيلًا بعد جيل وعمر بالقرب من منزله زاوية وحفر ساقية بذل عليها بعض الأمراء بإشارته مالًا حفيلًا فنبع الماء وعد ذلك من كراماته، فإنهم كانوا قبل ذلك يتعبون من قلة الماء كثيرًا، وشغل الناس بالذكر والعلم والمراقبة، وصنف التصانيف المفيدة في علم التوحيد والفقه مقبولة بين أيدى الناس، منها حاشية على الشيخ عبد السلام على الجوهرة وجعله متنًا وشرحه مزجًا وهي غاية في بابها، وله حال مع الله وتؤثر عنه كرامات اعتنى بعض أصحابه بجمعها، واشتهر بينهم أنه كان يعرف الاسم الأعظم، وبالجملة فلم يكن في عصره من يدانيه في الصلاح والخير وحسن السلوك على قدم السلف، توفي في ثامن شعبان سنة ثمان وسبعين وماية وألف ودفن بباب الوزير.

ومات الإمام العلامة شمس الدين أبو عبد الله/محمد بن أحمد بن صالح بن أحمد بن علي بن الأستاذ أبي السعود الجارحي الشافعي، ويقال له: السعودي نسبة إلى جده المذكور، حضر دروس الشيخ مصطفى العزيزي وغيره من فضلاء الوقت. وكان إمامًا محققًا له باع في العلوم، وكان مسكنه في باب الحديد أحد أبواب مصر، وحضر السيد البليدي في تفسير البيضاوي، وكان الشيخ يعتمده في أكثر ما يقول ويعترف بفضله ويحسن الثناء عليه، توفي في شعبان سنة تسع وسبعين وماية وألف.

ومات السيد الأجل المتحرم فخر أعيان الأشراف المعتبرين السيد/محمد بن حسين الحسيني العادلي الدمرداشي، ولد بمصر قبل القرن بقليل وأدرك الشيوخ وتمول وأثرى وصار له صيت وجاه، وكان بيته بالأزبكية ويرد عليه العلماء والفضلاء، وكان وحيدًا في شأنه وكلمته مقبولة عند الأمراء والأكابر، ولما تولى الشيخ أبو هادي الوفاتي رحمه الله تعالى كان يتردد إلى مجلسه كثيرًا. توفي سنة ثمان وسبعين وماية وألف.

ومات الشيخ الفاضل الناسك الكاتب الماهر البليغ/سليمان بن عبد الله الرومي الأصل المصري، مولى المرحوم علي بك الدمياطي، جود الخط على حسن أفندي الضيائي وأنجب وتميز فيه وأجيز، وكتب بخطه الفايق كثيرًا من الرسايل والأحزاب والأوراد، وكانت له خلوة بالمدرسة السليمانية لاجتماع الأحباب، وكان حسن المذاكرة لطيف الشمايل حلو المفاكهة يحفظ كثيرًا من الأناشيد والمناسبات، توفي سنة تسع وسبعين وماية وألف.

ومات السيد العالم الأديب الماهر الناظم الناثر/محمد بن رضوان السيوطي الشهير بابن الصلاحي، ولد بأسيوط على رأس الأربعين ونشأ هناك وأمه شريفة من بيت شهير هناك، ولما ترعرع ورد مصر وحصل العلوم وحضر دروس الشيخ محمد الحفني ولازمه، وانتسب إليه فلاحظته أنواره ولبسته أسراره، ومال إلى فن الأدب فأخذ منه بالحظ الأوفر، وخطه في غاية الجودة والصحة، وكتب نسخة من القاموس وهي في غاية الحسن والإتقان والضبط، وله شعر عذب يغوص فيه على غرايب المعاني، وربما يبتكر ما لم يسبق إليه، وقد أجازه الشيخ الحفني بما نصه: «نحمدك يا عليم يا فتاح، يا ذا المن بالعلم والصلاح، ونصلي ونسلم على أقوى سند، وعلى آله وصحبه معادن الفضل والمدد، أما بعد فإن المولى العلامة الرحلة الفهامة الحاذق الأديب، واللوذعي الأريب، مولانا الشيخ محمد الصلاحي السيوطي قد حاز من التحلي بقرايد المسايل العلية أوفر نصيب، بفهم ثاقب وإدراك مصيب، فكان أهلًا للانتظام في سلك الأعلام، باجازته كما هو سنن أئمة الإسلام، فأجزته بما تضمنته هذه الوريقات من العلوم العقلية والنقلية المتلقاة عن الأثبات، وبساير ما تجوز لي روايته، أو تثبت لديَّ درايته، موصيًا له بتقوى الله التي هي أقوى سبيل النجاة، وألا ينساني من صالح دعواته، في أويقات توجهاته، نفعه الله ونفع به، ونظمه في عقد أهل قربه، وأفضل الصلاة والسلام، على أكمل رسل السلام، وعلى آله أئمة الهدى، وصحبه نجوم الاقتدا». كتبه محمد بن سالم الحفناوي الشافعي ثامن جمادى الثانية سنة ثمان وسبعين وماية وألف. وللمترجم مقامة بديعة متضمنة مدح رسول الله ، وذيلها بقصيدة سماها الدرة البحرية، والقلادة النحرية، وهي طويلة تزيذ على الثمانين بيتًا ومن غرر أشعاره قوله:

هات لي قهوة الشفا من شفاهك
واسقنيها على فخامة جاهك
عاطنيها يا أوحد العصر لطفًا
وبديع المثال في أشباهك
يا غزالًا لو صوِّر البدرُ شخصًا
ليضاهيك في البها لم يضاهك
عاطنيها ولم تدع لم حراكا
لست أقوى على كمال انتباهك
هاتها والرخاخ في غفلات
لا تدعهم فيفتكموا في شياهك

وقد شطرها الشيخ قاسم الأديب بما هو في ترجمته. وله أيضًا:

حث نجب الكئوس قبل الصباح
واسقني من يديك صرف الراح
واحد لي حادي المطي إليها
في غدو مبادرًا أو رواح
لا تدعني بدون شربي فهميّ
منك في الاغتباق والاصطباح
خمرة تجعل الخلي شجيًّا
فهي مثل الغذاء للأرواح
عاطنيها من بين آس وبان
وشقيق ونرجس وأقاح
عاطنيها من بين إخوان صدق
قد تواصوا على التقى والصلاح
عاطنيها من كف بدر يطيع الكاس
في أمرها أو يعصي اللواحي
ذي طباع كريمة بين أعطا
ف بما تشتهي النفوس شحاح
كلما اهتزت الشمول بعطفيه
أغار الهوي على الأرواح
صاح خل الصحاة حقًّا وصح لي
لحمى الدنِّ إنني غير صاح
وادعني دعوة المشوق فإني
قد دعاني من قبل داعي الفلاح
قد دعاني لمولد السيد الكا
مل غوث الورى أبي الأفراح
قد دعاني لموسم الجود والفضل
وعرس الندى وعيد السماح
مولد السيد الذي تنهض الناس
إليه بل للمنى والنجاح
عين آل النبي كنز الأماني
وأندى الأنام أبطن راح
قد دعاني فقلت: أهلًا ولو أسعى
على العين أو متون الرماح
ما دعاني إلا وكلي مجيب
لدعاه على اختلاف رياح
قلت: لكن عليه عادة بر
ليس لي إن تأخرت من براح
يقتضي الشوق أن أطير إليه
وبسوء الأحوال قص جناحي
لا قلوص تقل رجلي وأفرا
س اشتياقي قد أصبحت في جماح
قال: فاقصد حمى خليفته الحفني
وانزل به بغير جناح
قلت: أنصفتني وهل لي في غير
حماه من راحة واطراح
من حمى يسهل العسير لديه
ومقام سهل النوال مباح
كم أياد من جوده وصلتني
جوهريات فائقات صحاح
ما قصدت الحمى وأشفقت أني
خارج بالسؤال للإلحاح
فعطاياه كالكئوس فلا يحتاج
في نيلها إلى الإفصاح
أرتجي أنه إذا قصد السير
لذاك الحمى وتلك النواحي
ولديه أتباعه الكل أن يذ
كر فيهم محمد بن الصلاحي
سيدي هذه العلاقة فاعذر
نهب شوق أحشاؤه في جراح
أنت حكمت في كاسك فاحكم
بتغاض عن سوء فرط اقتراحي
دمت في نعمة الرضا ما توالت
مدى الدهر بالمسا والصباح

قلت: ومطلع هذه القصيدة مأخوذ من مطلع قصيدة خمرية للشريف أحمد بن مسعود الحسني أحد أشراف مكة وهي: «حث قبل الصباح نجب الكئوس» إلا أنه قدم وأخر.

ومن غرر قصايده قوله:

نقلوا أكاذيب السلو لهاجري
سفهًا وما خطر السلو بخاطري
يا ليتهم علموا بأسراري التي
أودعتها يوم النوى بسرايري
لله وقفتنا بجرعاء الحمى
والنجم مرصود لسهد الساهر
نملي أحاديث الغرام فنجتلي
منها سرور مسامع وخواطر
وندير كاسات الوداع مديدة
في شق أطواق وشق مرائر
وسوابق العبرات من دمعي ومن
شعري كعقد لآلىء وجواهر
أدعو سراة الظاعنين كأنما
أرجو الوصال من الغزال النافر
من كل بدر دجى وغصن أراكة
في عز آساد وذل جآذر
يعطي طلا ألفاظه ولحاظه
في كأس مخمور وكأس مسامر
لله أيام سلفن بوصله
والدهر ممتثل لأمر الآمر
إن فاتني طيب الزمان به فلي
عوض بطيب حديث عبد القادر
مولى نراه نتقيه مهابة
من حسن آثار وطيب مآثر
يرضيك من أخلاقه وخلاقه
برياض آداب وكنز مفاخر
وفضايل زينت بحسن فواضل
ومحاسن راقت لعين الناظر
الله أكبر إن آية فخره
كبرى وراثة كابر عن كابر
مولاي لم أخطر مديحك خطرًا
إلا لأنك ثابت في الخاطر
فاقبل هديت هدية من شاعر
إن اقتراح الشعر منع الشاعر
ما قصر العبد الصلاحي وزنها
إلا لفهم عن جنابك قاصر

وله أيضًا:

اسقنا من يديك قهوة بن
وأدرها ممزوجة برضابك
لا تحكم سوى كئوسك فينا
أنت كفء ونحن من خطابك

وله أيضًا:

اتخذ ساقيًا وإن تعدم الرا
ح فمن ريقه الشهي أدرها
وإذا لم تجد لساق سبيلًا
فاطرحها هملًا لا تعتصرها

وله أيضًا:

بالأشرفية شادن
ظبى الكناس له الفدى
يهدي السراة جبينه
فجبينه صبح الهدى
في عطفه هيف الصبا
وبلحظه سبل الردى
لولا الحياء وما أرا
قب من مراقبة العدا
لتساقطت بخدوده
قُبَلى مساقطة الندى

وله أيضًا:

جاء داعي الحبيب يدعو لوصلي
في محل شدت على الماء ورقه
فتعثرت من سروري وما وا
فيت حتى مضى وأومض برقه

وله أيضًا:

ربيع هذا الروض قد شاقنا
بمنظر زاه وعرف ندى
لما كسته الشمس حاكى لنا
زمردًا موه بالعسجد

وله يخاطب بعض إخوانه:

ما غاض هذا الروض من مانه
وصار للأنداء مستمطرا
إلا وقد أنبت إحسانكم
فيه ربيعًا بالندى مثمرا

وله أيضًا:

أفدي بروحي ذلك الغالي الذي
وافي فأحيا رسم جسمي البالي
عانقته فشممت غالية الشذا
منه فيا لله شم الغالي

وله أيضًا:

سرينا وأعطاف النسين تهزنا
تدير من الصهبا حديثَ شجون
فخفنا عيون الحاسدين؛ لأننا
سرينا من الأزهار فوق عيون

ووجدت بخطه ما نصه وقلت اختراعًا لهذا المعنى ولا أعلم أني سبقت إليه:

جزى الله أنفاس النسيم فإنها
لتعلم سرًّا في النفوس لطيفا
أسرت إلى الأغصان عند قدومنا
حديثًا فمدت للسلام كفوفا
وهزت سرورًا بالتداني معاطفًا
وأهدت لنا منها شذًا وقطوفا

وله أيضًا في الاكتفاء وقد أحسن:

بالله سلا عن حال قلبي وسلا
إن كان صبا إلى سواكم وسلا
والبعد كوى الحشا بنار وسلا
يا نار كوني اليوم بردًا وسلا

وله أيضًا:

الليل إما يطلع ليل صبحا
والصبح إما يطلب صبح صلحا
إن كان مع الصباح يأتي فرج
يا عين تسهدي وبيتي فرحا

وله أيضًا:

ألقاك وفي حشاشتي الأشواق
بدرًا شخصت لحسنه الأحداق
لا يسعدني إليك إلا كتبي
يا غصن أما تروقك الأوراق؟

وله أيضًا:

خدي لخيول أدمعي ميدان
والشوق رجال عزمه فرسان
يا من وقدت لحربهم نيران
مهلًا فلكم بفكرتي ديوان

وكتب إلى بعض الإخوان وقد أهدى إليه منديلًا:

يا كاملًا أحيت مكارمه الندى
فغدا لأمراض القلوب طبيبًا
وردت هديتك التي كانت لنا
كقميص يوسف إذ أتى يعقوبا
منديل سرك حين جاء مبشرًا
بالود سر خواطرًا وقلوبا
كانت دموعي للنوى مسفوحة
فحفظت فيه مدمعًا مسكوبا
أودعته درًّا وعنه مسامعي
منكم وصون الدر ليس عجيبا
لكن تعلمت الندى فوهبت بعض
أحبتي مما وهبت نصيبا
لا زال ربعك بالمكارم آهلًا
وربيع كفك بالنوال خصيبا

وله أيضًا:

رب شخص يظن فينا قبيحًا
لو تروَّى رأى القبيح شعاره
قيل لي: ما له سوى الرجم بالغيب
سبيل فقلت: بل بالحجاره

وله أيضًا:

لقد حركت نفسي إلى ذلك الحمى
منازل تمت لي بهن مناره
أنفسي مهلًا ليس بالسعي يبتغى
مكارم أخلاق بهن مكاره

وله مطرزًا باسم أحمد:

أمانًا قد أضر بنا الجفاء
فقد فعلت لحاظك ما تشاءُ
حلا فيك الغرام لكل صب
وحبك ما لأوله انتهاءُ
ملوك العاشقين لديك جند
وأنت لشمس دولتهم ضياءُ
دموعهم قد نسكبت لكي ما
تظلك من سحائبها سماءُ

وله أيضًا في ألثغ:

وألثغ حلو الثغر من بقلبة
فنمت به أصداغه وهي واوات
فقلت: أما للحرب عندك غاية؟
فقال: ذؤاباتي لحربك غايات

وله أيضًا:

مذ أتى منكم بشير يحاكي
بلبل الروض معربًا ألحانه
هزنا الشوق للصبوح صباحا
فسبقناكم لباب الحانة

وله أيضًا:

بنفسي نحو يا سيوف لحاظه
غدت عمدتي في الفعل وهي ضعاف
يضاف إليه كل معنى وإنه
على عزة الإدلال ليس يضاف

وله أيضًا:

مذ لاح في المرآة فاتن شكله
وجلا بوجهيه لنا قمرين
صح افتنان العاشقين فإنه
حاز الوجاهة وهو ذو وجهين

وله أيضًا هذه القصيدة الغراء:

بثا عن النائي الغريب
جملًا من الخبر العجيب
واستوقف الركبان ما
بين الأراكة والكثيب
واستنشد القلب الذي
قد ضاع من بين القلوب
سلبته يوم الدوحتين طليعة لرشا الربيب
وسرت به نحو الخيام
يد الصبا ويد الجنوب
ترنو الهوادج عن صفا
شمس تميل إلى الغروب
والبدر يظهر من خلال
السجف في مرأى عجيب
والرق يخفق والأزاهر
مثل قلبي في وجيب
يا حادي العيس التى
سارت على قلبي الجنيب
علل عليل هوى فعهدك ما تقادم بالطبيب
أنفاسه الحراء لا
تهدي بمدمعه السكوب
كالخال يرتع في النعيم ويشتكي حر اللهيب
يصبو لمعتل النسيم ويستريح إلى الهبوب
إني وإن شطَّ النوى
وقف على حب الحبيب
كابدت ما كابدت من
شق المرائر والجيوب
وعلمت كيف تقوم أسواق المعارك والحروب
ولقيت دون البيض وقع السمر بالصدر الرحيب
من كل ريم جائل
في برد جردته النشيب
يحكي الغزالة في الترفع والغزالة في الوثوب
ألحاظه ترويك ديوان الحماسة عن حبيب
وقعات أسهمه تركن جميع جسمي في ندوب
وقف السقام على الورى
ولمهجتي أوفى نصيب
لو أغرق الشعراء فيه لأخروا وزن النسيب
أسفي على عنفو عمر
مر في عيش حديث أسرار الغيوب
حي المسرة في دنو
والمساءة في هروب
حيث الشبيبة لم تشب
بتراب تغيير المشبيب
عمر وفي دهري به
فعجبت من صدق الكذوب
كم ليلة عانقت فيها
قامة الغصن الرطيب
في معهد ما فض عنه الأنس إلا ختم طيب
والزهر يضحك من بكاء
الطل بالثغر الشنيب
والريح تكتب في الغدير حديث أسرار الغيوب
والطير تقرأ والغصون
تهز أعطاف الطروب
والورق تصدح في الغصون
بصوت محزون كئيب
في رنة الشادي وهينمة القطا والعندليب
عجماء تعرب في السؤال
وتستجيب بلا مجيب
والليل أرسل ذيله
رصدًا على أعلى القضيب
يحكي الشعور كأنه
يروي الفروع عن الخطيب
فجعلت وردي ورد خد
وافر منه نصيبي
أدنو وأحشائي من الحدثان في شك مريب
لولا الرقيب ظفرت من
لقياه بالفرج القريب
وكشفت من وصلي به
ما قد ألم من الكروب
بعد الحبيب أخف عندي
من مواقيت الرقيب
دار يكون بها عدوي
لا أحب بها حبيبي
إن الشواء على النوى
من بعض حرمان الأديب
من يخطب العلياء هان
عليه ترويع الخطوب
يا دهر ويحك كيف قابلت
المناقب بالسلوب
ورفعت كل مؤخر
وخفضت مقدار الحبيب
حسبي الفضايل والعلا
والفضل ليس من العيوب
حسنات مثلي من حلاك
وليس ذنبك من ذنوبي
ما حلت الآذان إلا
حلية الفطن اللبيب
لو أنصف الرامي لبان
العذر في خطا المصيب
إن كان جهد الدهر صرف
تقود عمري في المغيب
فابن الصلاحي غريب
لا ملام على الغريب

وله أيضًا:

حدثا عن حديث شوق قديم
يا زمان الحمى وربع سيوط
كلما قلت ربع أسيوط يدنو
صك وجه الرجا بكف قنوط

وله:

يهواه قلبي ولكن
للنفس عنه أكف
وقد يغص بماء
تنازعته الأكفُّ

وله:

وكان لي الشعر في طاعة
فلما عجزت عصتني القوافي
فهل لي بهذا الجفا سيدي
توافي لعل القوافي توافي

وله:

أللشعر سعر فاستامه
واقرض للدهر منه قريضا
وليس قصاراي لكنني
لأجل الخليل عشقت العروضا

وله أيضًا وقد أبدع:

لم أشرب الخمر على ريبة
وإنما دمعي لها يحكي
ذاب الحشا حتى جرى من فمي
فها أنا أشرب ما أبكي

وله أيضًا:

لا منى في هواه من لو رآه
كان يفدي بالعين ذاك الخليلا
رب متع به عيان عيوني
وأدمعه في صحة والخلي لا

وله:

ولم أنس لما ودعتني ودمعها
يترجم عن مكنون ما في فؤادها
فقلت لها: هل فيك بلغة راحل
فأنت منى نفسي وفيك مرادها؟
فكادت وحق الله لولا رقيبها
تزودني من عينها بسوادها

وله:

عادني من أحب ليلًا وأهدى
لي من الزهر وردة صفراء
قلت: أهديت لون سقمي فلو أهديت
ورد الشفاه كان شفاء

وله:

الحسن مال والوصال زكاته
من جاد بالمزكاة أثمر ماله
فأنعم بوصل منك يا بدر الدجى
فالحسن أقرب ما يكون زواله
إن كان معروف فهذا وقته
حاشا الكريم أن يرد مقاله

وله:

يا للرجال لألحاظ قد اتخذت
من سحر بابل أحداقًا وأهدابا
وما كفى عينها النجلاءَ من كحل
حتى رمت بسهام الكحل ألبابا
يرنو بها رشأ يختال عن ميل
فكلما فتكت يزداد إعجابا
من يستطيع مقيلًا عن مصارعها
وطرفها قد غدا للقلب جذابا
تلك الشهادة فاشهد في حيازتها
ولا تطع عاذلًا لا زال كذابا

وله أيضًا وقد أحسن فيه:

ذكر الغضى فحنت عليه ضلوعه
صب سقت وادي العقيق دموعه
لولا الهوى والنأي يصدع شمله
ما كان ريب الحادثات يروعه
يبكي الفريق وما استحق فراقهم
من داء طرف بان عنه هجوعه
وحشا تَقَسمة الغرام فحزنه
عندي وفي تلك الركاب جميعه
قلب يقلبه الأسى فكأنه
بيت العروض اعتاده تقطيعه
واهًا لهذاك الزمان ومن له
من مسمع ومن البعيد رجوعه
زمن يود الصب أن لو يشتري
ما بان منه بعمره ويبيعه
حيث الأماني ملكه والدهر لا
يعصيه والأصل الأبي يطيعه
لو كان ينجح سيل أدمعه على
أيامه سالت وسال نجيعه
حيا ألحيا ذاك الحمى من مربع
أربى رباه ومشتهاي ربوعه
مع شادن لولا مسارقة المها
لحظية فاق على الغزال صنيعه
فتان معسول الرضاب فديته
لو كان يرقى في الهوى ملسوعه
قاس يرى ذلي لعز مكانه
ومن العجايب أن تعز منوعه
فقضيت منه لبانة الشوق الذي
وقف الفؤاد على الشجون ولوعه
فمضت وأومض برق خلبها وهل
يبقى المنا والنائبات تضيعه؟
واليوم أقنع باذكار حديثه
إن كان يغني المستهام قنوعه
وبحب آل البيت أصل مكارم
الأخلاق أفضل من سما ينبوعه
يحلو التغزل والصبابة والهوى
والحب ما بالقرب فاح مضيعه
لي منهم الغصن الذي طابت أصول
كماله فسمت عليه فروعه
حسن المحيا من يؤمل مجده
قد تم في ذاك الجمال طلوعه
من قام ينصب نفسه فإذا به
نحو الكمال قد انتهى مرفوعه
السيد الحسن العلي بن العلي
من لم يفته من العلا مجموعه
يا ابن النبي إليك شرح صبابتي
يحلو بذكرك سيدي توقيعه
شكوى أسير هوى ومطلق عبرة
ذل الخضوع إليك منه شفيعه
ماضره وهواك من محموله
إن كان يرفع في الهوى موضوعه
فبحق جدك خل عن حد الهوى
إن كان ينفع في هواك خضوعه
وانظر إلى قلب صريع نكاية
من غير طرفك لا يفيق صريعه
وحشًا تصدع من مكابدة الأسى
لولا الهنا ما ناله تصديعه
واعطف عليه فقد تمزق قلبه
أيدي سبا فعسى يرم خليعه
وأدر على الأوقات صهباء الصفا
فالدهر أينع زهره وربيعه
ما شأن عصر أنت واحد حسنه
أن لا يتيه على الزمان ربيعه
وإليكها من مدنف ملك الغرام
جمعيه مذ بان عنه جموعه
حاك الصلاحي وشيها فطرازها
تكميله قد زانه ترصيعه
ضمنت معانيها البيان فكلها
ببت تلاعب بالعقول بديعه
فاقبل وما ضاق الفضا إلا ومن
نفثات سحرك يستمد وسيعه
لا زال يخدم باب سُدّتك التي
حلت من المجد العزيز رفيعه

ومن غرر قصائده ما مدح به شيخه الشمس الحفني قدس سره وقد أجاد:

لهذا المحيا طلعة الشمس تسجد
ومن ذكره دوح الثنا يتأود
وألسنة الأكوان كالورق كلها
بذكراه بين الخافقين تغرد
محيا عليه للقبول طلاقة
يزين حلالها حلى مجد وسودد
محيا إمام بيض الله وجهه
فوجه مشانيه من الخزي أسود
إمام الهدى الراقي إلى ذروة العلا
إلى رتبة عنها الثوابت تقعد
إمام له في المجد فخر مؤثل
وفي رتبة العلياء عز مؤيد
إمام حماه الله من كف لامس
كذاك الثريا ليس تدركها اليد
أمعراجه السامي ينال فيرتقي
وليس سواء سيد ومسود
فما شئت قل فيه فأنت مصدق
مزاياه تقضي والمحاسن تشهد
مزايا يهز الغصن أعطافه لها
ويثني عليه الكون طرأ ويحمد
وأيد يباري الريح وكف أكفها
عليها ازدحام فهي للناس مورد
وفضل أقر الناس — وهو شهادة
له — أنه في حلبة الفضل أوحد
فيا لدروس كم بها حي دارس
من الدين يجيبه بها ويجدد
دروس يرى فيها ابن إدريس راحة
ويصفر منها من يغار ويحسد
فليس لأم الشافعي قرابة
سواء ولا صنو له بعد يولد
فيا فاتحًا عين العمى ليرى بها
معايب غض الطرف إنك أرمد
ويا منكرًا سعي الإمام ووقته
أبعد وقد قال المؤذن: أشهد؟
أبعد ثناء الكون والكون ناطق
يوافيه من عز المناقب تجحد؟
ويا من يسوم الأسد بالسوء خل عن
مجالك هذا اليوم حتفك أو غد
أخا العزم كم ذا أنت تتهم في السرى
إلى غيره تبغي النجاح وننجد
وفي بابه العافون من كل وجهة
يطوفون في أرجائه فهو مسجد
ونجم الثريا ثابت في رحابه
ومن دونه في مقعد الصدق فرقد
وبشر روى عن وجهه البشر والرضا
وعن رأيه المحمود يروى مسدد
نصحتك لا تنزل بغير مقامه
فليس سواه في الحوادث يقصد
فيا ناصر الدين الحنيفي ظاهرًا
بباطن سرٍّ سر فأنت المؤيد
وقم سيدي بالعزم في نصر ديننا
وجد لي بحسن الرأي فالسعي أحمد
ألا إن بيتًا أنت عامر ربعه
وأنت إمام الكون فهو المشيد
أمولاي إن الناس إما مبغض
إليك فيشقى أو محب فيسعد
وهل يبتغي الإسلام والدين والتقى
وبغضك يا مولاي قلب موحد؟
أمولاي شكوى من زمان عهدته
تغير من حال له كنت أعهدك
فما بال ربع العلم أصبح دارسًا
وما بال شمس الأنس وهو مبدد؟
وما لي أرى غيم الجهلة مطبقًا
فيبرقنا من غير قطر ويرعد؟
أينهر سحبان البلاغة بأقل
ويصبح بالإعياء قس يهدد؟
فيها لهف نفسي من عناء وحسرة
ويا نار هم بين جنبي توقد
ويا زفرة قد أولعت بحشاشتي
فتكمن في جسمي الهموم وتصعد
من أجلك يومي مثل ليلي في الأسى
فدهري وطرفي أسود ومسهد
وليس أخو مجد طريف وتالد
كمن في ذراعيه سقاء ومزود
أمولاي هذي سنة الله لم تزل
على ألسن الأعلام تروي وتسند
ولو كان للإنصاف والحق مهيع
يرام فيحيى أو طريقًا فيقصد
لكان لذي القلب المصان تبصر
فيبلو به صرف الصروف وينقد
ولكنها الأقدار تأتي بضد ما
يحاول فهو المخطئ المتعمد
أمولى يهنيك الرقي إلى العلا
برغم المساوي والفخار المؤبد
ويا قلم السعد الذي هو لم يزل
يوقع في إسعادكم ويجود
أمولاي ما بال الرعاع تفرقوا
وكانوا بأطواق الولاء تقلدوا
لئن غضبوا فالله راض ولم يزل
يعينك بالنصر المبين ويمدد
لقد كشف الخذلان مكتوم سرهم
وأخطأهم منك الولا والتودد
وما شئت إلا الحق في السخط والرضا
وذكرك في الحالين إياك نعبد
فإن كنت لم تغضب فلله غيرة
عليك وحرب نارها ليس تخمد
لقد رغمت آنافهم وتصدعت
قلوب من الشحناء منهم وأكبد
ولو أنصفوا كانت لهم من نفوسهم
زواجر تهدي للصواب وترشد
فترضيك منا أنفس نشأت على
رضاك ولا يثني هواها المعقد
وحبك نفديه بكل علاقة
وبالنفس بل بالعين فهو مؤكد
وأصحابك الغر السراة همُ همُ
فكلهم مولى كريم ممجد
بقيت بقاء الدهر إنك سيدي
بآثارك الحسناء فينا مخلد
ودونك بكرًا بنت فكر أجادها
يرجي نداك ابن الصلاحي محمد
أحبت بها داعي القوافي ومهرها
قبولي ولي من راحتيك تعود
فدع سيدي حسان مدحك بالذي
يحاول من مدح وذم يعربد
فكلني إلى ما شئته من بديهة
فإني بما أرضيك أنشي وأنشد
وهبني زَرُورا من نداك فإنني
لأرمد من داء الأسى وهي إمد
بجدك طه من شرفت بحبه
وطاب له من جاهه لك محتد
عليه من الآل الكرام تحية
تنالك منها رحمة ليس تنفد
مدى الدهر ما قال الصلاحي مؤرخًا
هو العز هامن أجله دحض العدو

(وله أيضًا):

أحنُّ لأيام الهوى وعذابها
أليم وما عهدي لها بقديم
وإن كان شعري ضاع فيه فإن لي
بقايا ومعنى الفكر غير عقيم

(وله أيضًا):

هواكم قد تحكم في فؤادي
وحملني الصبابة والسقاما
وما زرتم ولا هبت رياح
عسى يشفي تنشقها الزكاما

(وله أيضًا):

إن رمت تصحب شخصًا
وليس من أقرانك
فانظر له واختبره
وزنه في ميزانك
فنقص من لك يعزى
لمقتضي نقصانك

(وله أيضًا):

يا حسنا قد غدت بضاعته
حلية أهل الكمال والفضل
بابوجكم معجب لناظره
لكنه ضيق عن الرِّجْل
فأبدلوا ضيقه لنا سعة
وعاملونا بقسمة العدل
وعندنا لاجتماعكم شغف
فشرفوا دارنا بلا مهل

وقال مشطرًا:

ويوم أنس به اقتنصنا
ظبيًا تهاب الأسود قنصه
طاب به الوقت فانتهزنا
من الزمان الخئون فرصه
في روضة زانها ربيع
كمل صوب السحاب نقصه
نسيمها مذ حكى شذاها
به غدت للعقول نقصه

وله:

هذه الدار والعوارض حالت
عن وصولي فأخضر العيش أغبر
وعهود الحبيب كيف استحالت
ليتها كالخدود لم تتعذر

(وقال ارتجالا في مجلس أنس حفَّت به الأحباب من ذوي الألباب):

شاق طرف السرور ظرف الربيع
فتملى بحسن تلك الربوع
ما ترى الزهر ضاحكا لبكاء الطل
من در قطره بالدموع؟
وغصون الرياض تخلع أثوا
ب التداني على النديّ الخليع
فأنسنا بجمع إخوان صدق
زان طبع الوفاء قدر الجميع
صالحي أرح فؤادك والبس
من بشير اللقا قميص الرجوع

ثم أنشد في المجلس ارتجالًا:

إلى القبة الفيحاء سرنا فسرنا
ربيع المنى من غر طلعتها الغرا
أنسنا بها من كل بدر ولا نرى
عجيبًا طلوع البدر في القبة الخضرا

ثم أنشد عند التهيؤ للقيام من ذلك المجلس:

يا نهار السرور كيف اختلسنا
فيك أنسًا كأنما هو شك
قد أنسنا في فتحه بالتداني
ودهانا ختامه وهو مسك

وله أيضًا:

قد كنت أهجو الرقيب حينًا
لأنه يرصد الحبيبا
والآن لما نوى التجافي
عشقت من أجله الرقيبا

وله:

يظن سلوى حين شاهد أدمعي
تحلى بدر تربه وترائبه
وحقك ما شابت هواي وقد جرت
دموعي من عصر الشبيبة شائبه

(وله أيضًا):

إن أذنب الدهر بتقديمه
من ليس يدري قيمة الشعر
فبسط إحسانك يا سيدي
ما زال يمحو زلة الدهر

(وله):

أشرت لها في قبلة ورقيبها
شهيدٌ وغيم الأفق قد غيب الشما
فقالت بعينيها تشير إلى السما
فيا حسن معناها الذي سلب الحسا

ومن غرر قصائده التي أبدع فيها وأجاد وأشار فيها بالمدح لشيخه الشمس الحفني قدس الله سره وهي هذه:

مل بي فقد وقَدَ الهجير
إني بظلك مستجير
وأرح مطيك يا سمير
فلقد أضر بها المسير
هذا الحمى فارصد إذا
ما استأنس الظبي النفور
واطرق كناس الغيد حيث
ينام راعيه الغيور
وأمط ستائره فذلك
حين تنفتح الخدور
واسأل من الظبيات عن
عهد تضن به الصدور
واحفظ فؤادك أن تصيب
عيونهم فهن حور
من كل غانية يلوح
بوجهها القمر المنير
تختال في مرح الشباب
فيخجل الغصن النضير
تسعى فيقعدها روادفها
وتنهضها الخصور
سكرى رأت كسر القلوب
فصار ناظرها الكسير
فعلت بسحر جفونها
ما ليس تفعله الخمور
خَنُثَتْ معاطف قدها
لكن لواحظها ذكور
الله أكبر من نشاط
جفونها وبها فتور
يا صاح إن جُزْتَ الخيام
وللظباء بها ظهور
قل للبخيلة بالزيارة
ما لطيفك لا يزور؟
لم أنس إذا وافي البشير
يلوح في فمه السرور
إذ أقبلت ريح القبول
بها وأدبرت الدبور
فضممتها وبمهجتي
من حر أشواقى سعير
فعتوذت بالروض من
شر بأنفاسي يطير
روض تعلق بالمجرة
من جوانبه نهور
تبدو به زهر الزهور؛
لأنه فلك يدور
ضحكت ثغور زهوره
فبكى لها النوء المطير
وحنت نواعره وحننت
وهي من غيظ تفور
ذكرت قديم عهودها
فانهلَّ مدمعها النمير
يا طيب أنفاس الربيع
ففي تنفسها عبير
والجو مجمرة عليها
من ضبابتها بخور
وافت به رود بأسراري
لها طرف خبير
وسعت على طرق الجداول
والنسيم لها سفير
وطروس قامتها عليها
من ضفائرها سطور
يا طيب ما تملي الشعور
وحسن ما نقل الغدير
ما ذاك إلا فرع ليل
قد تبلج فيه نور
والورق ساجعة لها
من كل ناحية سمير
عجماء تعرب عن ضمائرنا
وليس لها ضمير
والريح تعتنق الغصون
بها فتعتبق الزهور
وبدت شموس الراح تحملها
الكواكب والبدور
فقضيتُ منها ما قضيت
وكان لي ولها أمور
هذا كلامي الحلو أهدته
إلى فمي الثغور
وضممتها عند الوداع
وكل أنفاسي زفير
وبكت عيون السحب حين
تساقط الدمع الغزير
نحنا معا فتحلت الأغصان
منا والنحور
وسرت وقد لاقيت منها
ما يطيش له الصبور
صبري ما لاقيت إذ
رضيت به كل يسير
رعيا لذياك الحمى
والطرف مبتهج قرير
ولمعهد حصباؤه
درر وتربته ذرور
قد لح بالقلب الغرور
وذلك الطرف الغرير
ومرور أيام الصبا
من دونها العيش المرير
أنَّى يروج العمور
الأيام تنهب والشهور
كم أنجد الساري وكم
تهم الهموم به تغور
من لي بدهر لا يساعد
فاليسير به عسير
أرجو انتصافًا من زمان
صار عادله يجور
وحوادث قد آن في
كبدي لأسهمها خطور
لكن بجاه إمام هذا
العصر لي فيها نصير
مولى ترفع قدره
فله أناملنا تشير
ملأ النواظر منه إجلالًا وليس له نظير
وحماه ينفك الأسير
به ويستغني الفقير
وندى أياديه شهير والقليل به كثير
منن تذل لها الرقاب
ولا يقوم بها الشكور
يا من به تُهدى السراة؛
لأنه علم منير
طالت لخدمتك القوافي
والزمان بها قصير
وجرت لنحو حماك آمالي
وأنت بها جدير
وقصور مدحك ليس في
فهمي لرفعتها بصور
خذها على شرط الصيارف
إن ناقدها يصير
جاءت تعارض بالبيان
وسيف حجتها شهير
يحيا بصحتها العليل
وما لأصر بها كسور
حلفت بكامل بحرها
أن لا تطاولها بحور
حسنت بمدحكم كما
تاريخها حسن نضير
ما في تأخر عصرها
قد يحرز القصب الأخير

(وله):

عجبت له كيف أمسى الغبي
برؤياه وهو مليء غنى
وأحرم منه على فاقتي
ولكن كم معدن مع دني

(وله):

ذكرتك لا أني نطقت وإنما
ذكرتك في نفسي فكنت سميرها
ذكرتك في روض تبسم عن شذا
وقد فتحت كف النسيم زهورها
ذكرتك والكاسات تختال بالطلا
وحب لنفسي أن تكون مديرها
ذكرتك والأطيار تنطق عن هوى
كأنك قد آويت منها ضميرها
فلا خير في أرض إذا لم تكن بها
سميرًا ولا في روضة لن تزورها

(وله):

يا معير الرماح والبدر والظبى
انعطافًا وبهجةً والتفاتا
أنت لو لم يكن محياك روضًا
لم يكن ريقك الشهي نباتا

(وله):

أفدي بروحي عذارًا لست ألثمة
إلا بثغر الأماني أو فم الغزل
يا قوم إني محب أشعريُّ هوى
فكيف خالط قلبي وهو معتزلي

وكتب إلى صاحبنا السيد حسن البدري العوضي قوله:

يا بدر بعدك لم آنس بطيب كرى
ولم أجد حسنًا إلا على مضض
إذا تطاول ليل الهجر أنشديا
بدري وإن غاب كاس صحت بالعوضي

وكتب إلى أعجوبة زمانه قاسم الأديب ما نصه:

يا ذا الأديب الذي أنسنا
به فأيامنا مواسم
لله ما فيك من مزايا
ثغور أزهارها بواسم
إذا ترفعت في خطوط
حق لها طاعة المراسم
وإن توخيت فهم معنى
عَنَتْ إلى فهمك الطلاسم
وإن تصرفت في بديع
فالذوق موطن وأنت قاسم

(فأعاده الجواب وقال):

أفديك مولاي من بليغ
طابت بألفاظه جراحي
دخلت بحرًا من المعاني
قاموسه جاد بالصحاح
إن كنتُ عن دركها ونيَّا
فالعفو يا صاحب السماح
أو كان فهمي به فساد
فأنت يا سيدي صلاحي

ومن غرر قصايده ما مدح به رسول الله والتزم الألف في أول كل كلمة وهي:

أسال أسيل الخد أرواحنا القتلى
أسى أصله إغراء ألحاظه الكحلا
أغر أغار الغادة الرود أنه
أعار اللآلي الغر أجيادها العطلا
أطال المدى أنكى الأسى أعجز الأسى
أطل المها أسنى المدى ألف المطلا
أغار استطال استفرس افترس اجترا
أصاب استباح استأصل احتكم السؤلا
أشاكي إليه الحر أبغي استراحة
أوقد أشلاء الحشا الحطب الجزلا
أغالطه البلوى أخاف اتهامه
أأنهي إليه الشوق أم أطلب الوصلا؟
أطارحه الشكوى إذا استل أسهمًا
إلا إنه أقسى الأنام إذا استلا
أجل إنني أسلمت أحشائي البلا
ألست إلى ألحاظه أنسب الفعلا؟
أراه إذا اختل الحجا اختلب الحشا
إليه أو استل القنا استلب العقلا
أبى القلب أن أسلوه أو أدع الهوى
أبان العذول العدل أو أوسع العذلا
إذا آية النمل العذاري أشكلت
أصول الجمال استنسخ النظر الشكلا
إليه التياع المغرم الصب إنه
أمالته أهوى إذا اعتلت اعتلا
إذا ابتسم البرق الحجازي إخالني
أعير السحاب الجون أجفاني الشكلا
أخاطب أطلال الربا أستحثها
أسى البيت إلا أنني أقتضي أن لا
أرى الأمل الأدنى أبي أن أناله
أيستسهل الصعب الذي استصعب السهلا
أخوض المنايا أبتغي أدرك المنى
اذا اختطب النبل الفتى احتطب النبلا
إلى الصعدة السمراء أستوقف الحشا
إن انتصب البيض السنان أو النصلا
ألا أيها الانسان أنت الذي ازدرت
أسود الشرى أهداب أجفانك الكسلى
ألا أيها القالي أمالي أدمعي
أما أنت أسندت إلى الإملا؟
إليك أسير الشوق أقلقه الهوى
إداوة أسنى الصبر إفراغها البذلا
أبحت السهام القلب أو حبه أسى
أأجريت أجفاني أعاملتها الهملا؟
أذاب التهاب الوجد أسطر أضلعي
اذا استحكم التبريج أضعف أو أبلى
أصاح اتئد إني أحذرك الردى
أما أغرت الآرام أعينها النجلا؟
أبى الله أن ألقى الظبا أمن الظبا
إذا ألف الإعزاز أم أنف الذلا
أسير أمام العاشقين أدلهم
إلى الطرق إلا أنني أسلك المثلى
أنافس أبناء النسيب إجادة
أطالبهم أن ألحق النسب الأعلى
أروم امتداح المصطفى أشرف الورى
اذا اختلف المداح امدحه أولى
إمام الهدى المولى الذي اخترق العلا
أجل الورى أهلًا وأعلاهم أصلا
أمين المعالي أشرف الرسل الذي
اليه انتهى التقديم إذ أخبر الرسلا
أبان الهدى أحيا الندى أعلن الندا
أباد العدا أردى الردى أخصب المحلا
اليه انتهى الصفح الجميل الذي أبى
أعاديه إذ أبدى أبو الحكم الجهلا
أضاع افتخار الجاهلية أنهم
أطاعوا الهوى إذ أغضبوا الحكم العدلا
أباح البلا أم القرى استامها الردى
اليه اختصاصًا أشبه الحرم الحلا
أحل العروضين الأمان اجتباهما
أجل الأماني أمن الأمة الهولا
أراد أذاه المشركون إهانة
أهينوا اذا امتدوا إليه اليد الشلا
أذاقهم السبي استسامهم الجلا
أباحهم الأموال إذ آثروا البخلا
أعارهم الخوف المضر أراعهم
اذا استسلم العليا انتحوا الطرق السفلى
أصر العدو البغي أرداه أيهم
أسر إليه الغل ألبسه الغلا
أما آية القرآن أعجزت الورى
إلى آية العرب انتظامهم اختلا
إذا انتسخ الأديان أجمع آية
أينكر أمر الضوء أن أذهب الظلا؟
أتته الوفود استغرق الكل أمنه
أفاض الندى اأرضاهم احتمل الكلا
أيا أطيب الكل الذي آل آله
اليه انتسابًا أنت أزكى الورى أصلا
أما أنت أندى العالمين أياديًا؟
أما أخجلت أدنى أناملك الوبلا؟
أياد أعارت أيدي السحب النديّ
أمستبعد أن اغرق الوابل الطلا
أيا أشرف الأبناء أنت الذي أتى
إليه الهدى أنت الذي أوضح السبلا
إليك انتهى أسنى الخصال التي ازدهت
أفانيها أنت الذي ألف الشملا
أتاك الفقير ابن الصلاحي آملًا
أعنه أغثه أغنه أبلغ السؤلا
إليك اشتكى الوزر الذي أوهن القوى
أقله أقله إنه استثقل الحملا
أمولاي أنت العون أرجوك إن أكن
أسأتُ ادخرت المدح أستمطر الفضلا
أناديك أستجري الندى أرتجي الرضا
أناجيك أستجدي إلى العقد الحلا
أجرني أجرني أكرم الخلق إنني
أضفتك ارتاد الغنى أكرم النزلا
أتيت الحمى أستغفر الله آثمًا
آلا أيهذا المستجير اخلع النعلا
إلهي اقبل المدح اغفر المزح إنني
أرى الجد إلا أنني أخلط الهزلا
إله الورى ارزقني القبول اقبل الدعا
أقلني العثار افرج أزل أزمتي الجلى
إلهي أفض أزكى الصلاة أمدها
أجل السلام استنهلا المورد الأحلى
إلى المصطفى الهادي إلى أنجم الهدى
الى الآل أهل الفضل ألحقهم النسلا
الى الخلفاء الراشدين الألى اقتفوا
إلى السيرة الحسنا الألى آثروا العدلا
إلى التابعين الكل أتباعهم إلى
أئمتنا القوم الألى احتفظوا النقلا
إلى المؤمنين الصالحين أولي الوفا
إلى السادة الأمداد امددهم الكلا
أمولى البرايا أحسن الختم إنني
أؤرخ أرجو أطهر الشرف الأعلى

وله أيضًا:

زكمت في ليلة التداني
وقد زها ثغرها الأقاحي
جوزيت لما غدوت فيها
مشمتًا عاطس الصباح

وله أيضًا:

ومهفهف لما بدا
يختال في حلل الخفر
يسبي بطرف ناعس
قد زانه ذاك الحور
ناديته صل مغرمًا
فأجابني أهلًا ومر

وله في مليح بعين:

لقد غاب عني قوم من قد هويته
فقلت: لعمري ما أصيب بعسين
ولكنه أهدى الملاحة للورى
فجاد على كل الملاح بعين

(وله) قد اتخذ صاحبه الأديب حسين بن أحمد المكي مسطرة عدة سطورها ست عشر سطرًا، فكتب عليها:

ومسطرة في رقة الجسم قد حكت
نحولي من عشقي وعد ضلوعي
أسود من شعري سطور طروسها
وأبكي فأمحوه بقطر دموعي

وله:

أهوى عليًّا ولكني بليت به
من فاتن عجزت في وصفه حيلي
يقول لي لحظه: إن رمت قبلته
أخطأت تقتل يا هذا بسيف علي

وله:

أهوى بربع الأشرفية شادنًا
أحيت محاسنه الجمال اليوسفي
ما لاح لي دينار وجنته الزهى
ألا دهشت بنقد ذاك الأشرفي

وله ارتجالًا وهو في مجلس إخوان:

لله يوم قطعنا فيه زهر مني
والأنس قلدنا منه بطوق منن
وقد تجلى عروس الروض في حلل
من الربيع وحيانا بوجه حسن

فأنشد بعض من في المجلس:

لله يوم زها بجمع
من كل مولى به نجاحي
وأنسنا تم حين وافي
مبشر السعد بالصلاحي

(وله) مهنئًا بشهر رمضان وأرسله إلى صاحبه السيد حسن البدري:

أمولى المعالي الذي قد بنى
بناء السناء بحسن الثنا
ومن وجهه وندى كفه
هو المجتلي وهو المجتني
ومن حبه في فؤادي ثوى
ومن هو من أضلعي المنحني
إذا كان لي في الورى سيد
فأنت وما العبد إلا أنا
أتيت أهني بشهر الصيام
وأرخته رمضان الهنا

وكتب إليه أيضًا:

أيا حسنًا وهو للعسر يسر
ومن هو في مبسم الدهر ثغر
أتى رمضان وفي رمضان
يصح لمنكسر الحب جبر
فما لك تختار هجر المحب الذي
لا يليق به منك هجر
إذا قلت: أرخ وللصائم أعذر
فإني أؤرخ ما الصوم عذر
فأرسل جوابًا به أستريح
وعجل فللشوق في الصدر جمر

وكتب إليه أيضًا وقد أرسله بجواب:

جوابك قد جاءني يسخر
بفضل خطابي الذي يسحر
أتى رافلًا في بديع الحلي
يبشر حينًا ويستبشر
فأطمعني لفظه في الوفا
وأطربني خمره المسكر
ولكنه قد غدا قاصرًا
ومثلك والله لا يعذر
فإن لم يجبني بما أرتضي
أؤرخ جوابك لا يظهر

وكتب إليه أيضًا:

وفي كتابك بالبيان مموَّها
وأراه في شرع الهوى مردودا
دعوى العواذل منك ليس بحجة
باب التلاقي لم يكن مسدودا
هذي طريق الوصل غير مخوفة
والحر أولى أن يرى مقصودا
فدع الأسنة في صدودك والقنا
واجعل جوابي سعيك المحمودا

وله أيضًا:

لا خير في ريح الشمال فإنها
حملتكم وغدت بروحي رائحة
وإذا تنفست الصبا من نحوكم
أهدت شذًا ولكل ريح رائحة

(وله تشطير بيت ذكر في أول كتاب المواهب):

كل إليه بكله مشتاق
وعليه من رقبائه أحداق

فقال:

كل إليه بكله مشتاق
أبدًا وقد عبثت به الأشواق
من أين يمكنه الوصول إلى الحمى
وعليه من رقبائه أحداق

ولما وقف عليه السيد العيدروس كتب:

كل إليه بكله مشتاق
ولقيده من حبه إطلاق
فهو الذي من شوقه دخل الحمى
وعليه من رقبائه أحداق

(وله وقد كتب على ظهر سفينة):

سفينة قد جرب فيها بحور هوى
وعادة السفن أن تجري على الماء
حوت هوى فغدت بالشعر ناطقة
وحركت نغمًا يحلو على النائي

وله أيضًا:

سفينة قد جرت فيها بحور هوى
وعادة البحر أن تجرى به السفن
يهز فيها الهوى القصور كل شج
من كل روض معان زانه فنن

وله أيضًا:

يا سفين الغرام أنت نجاتي
من هوى لا يقر منه القرار
لا تغيبي عني إلى مستغير
إن شرط الحبيب لا يستعار

(وله مخاطبًا صاحبه حسين بن أحمد المكي):

يا حسينًا علق القلب به
خاطبًا صفو وداد وولا
لا تقل «لا» في جوابي كرمًا
يا حسينًا أنا أخشى كرب لا

(فأعاد الجواب ما نصه):

سيدي قلبي بدا الشوق به
فعسى ترضون رقى في الملا
إنني عبد إليكم راغب
وبكم أمري على الكل علا
أن عذري واضح مولاي جد
لعبيد راجف من قول لا
لا تخل أني ألقاك بلا
لا ومن قد جاء فينا مرسلا

وللمترجم كلام كثير وصوته جهير، وفيما نقلته كفاية، توجه بآخر أمره إلى بلده، وبه توفي سنة ثمانين وماية وألف، رحمه الله.

ومات الإمام الصوفي العارف الناسك الشيخ محمد سعيد بن أبي بكر بن عبد الرحيم بن مهنا الحسيني البغدادي، وله بمحلة أبي النجيب من بغداد، وبها نشأ وأخذ عن الشيخ عبد العزيز بن أحمد الرحبي وحسن بن مصطفى القادري في آخرين، وحج وقطن المدينة مدة وأجازه الشيخ محمد حيوه السندي والشيخ حسن الكوراني، ورد مصر سنة إحدى وسبعين وماية وألف، فنزل بقصر الشوك قرب المشهد الحسيني وكان له في كلام القوم عرفان إلى الغاية يورده على طريقة غريبة، بحيث يرسخ في ذهن السامع ويلتذ به، وكان يذهب لزيارته الأجلاء من الأشياخ مثل شيخنا السيد علي المقدسي والسيد محمد مرتضى والشيخ العفيفي، وبالجملة فكان من أعاجيب دهره وكان الشيخ العفيفي ينوه بشأنه ويقول في حقه: «إنه من رجال الحضرة وإنه ممن يرى النبي عيانًا» وتوجه إلى الديار الرومية ثم عاد إلى المدينة، ثم ورد أيضًا إلى مصر بعد ذلك ونزل قرب الجامع الأزهر، ثم توجه إلى الديار الرومية وقطن بها، وظهرت له هناك الكرامات وطار صيته وعلت كلمته، وصار له أتباع ومريدون ولم يزل هناك على حالة حسنة حتى وافاه الأجل المحتوم في أواخر الثمانين، وخلف ولده من بعده، رحمه الله تعالى وسامحه.

ومات الفقيه الصالح العلامة الفرضي الحيسوبي الشيخ/أحمد بن أحمد السنبلاوي الشافعي الأزهري الشهير برزة، كان إمامًا عالمًا مواظبًا على تدريس الفقه والمعقول بالجامع الأزهر وكان يحترف بيع الكتب وله حانوت بسوق الكتبيين مع الصلاح والورع والديانة، ملازمًا على قراءة ابن قاسم بالأزهر كل يوم بعد الظهر، أخذ عن الأشياخ المتقدمين وانتفع به الطلبة وكان إنسانًا حسنًا بهي الشكل عظيم اللحية منور الشيبة معتنيًا بشأنه مقبلًا على ربه. توفي سنة ثمانين وماية وألف.

ومات الأجل المكرم الفاضل النبيه النجيب الفقيه/حسن أفندي ابن حسن الضيائى المصري المجود المكتب، ولد كما وجد بخطه سنة اثنتين وتسعين وألف في منتصف جمادى الثانية، واشتغل بالعلم على أعيان عصره، واشتغل بالخط وجوده على مشايخ هذا الفن في طريقتي الحمدية وابن الصايغ أما الطريقة الحمدية فعلى سليمان الشاكري والجزايري وصالح الحمامي، وأما طريقة ابن الصايغ فعلى الشيخ محمد بن عبد المعطي السملاوي، فالشاكري والحمامي جودًا على عمر أفندي … وهو على درويش علي، وهو على خالد أفندي، وهو على درويش محمد شيخ المشايخ حمد الله بن بير علي المعروف بابن الشيخ الأماسي، وأما السملاوي فجود على محمد بن محمد بن عمار، وهو على والده، وهو على يحيى المرصفي، وهو على إسماعيل المكتب، وهو على محمد الوسيمي، وهو على أبي الفضل الأعرج، وهو على ابن الصايغ بسنده، وكان شيخًا مهيبًا بهي الشكل منور الشيبة شديد الانجماع عن الناس، وله معرفة في علم الموسيقا والأوزان والعروض، وكان يعاشر الشيخ محمد الطائي كثيرًا ويذاكره في العلوم والمعارف، ويكتب غالب تقاريره على ما يكتبه بيده من الرسايل والمرقعات، وقد أجاز في الخط لأناس كثيرًا ويجتمع في مجالس الكتبة مع صرامة وشهامة وعزة نفس، واتفق يومًا أنه طلب إلى مجلسهم في يوم جمعهم لإجازة، فامتنع عن الحضور وعز ذلك على الجمهور، فقال الشيخ عبد الله الإدكاوي وكان إذ ذاك حاضرًا في جملتهم:

وناد قد حوى أقمار تم
من الكتاب زادوا في البهاء
بهم قد زاد نورًا وابتهاجًا
فلا يحتاج فيه إلى الضيائي

(ثم قال بضده في المجلس):

لئن غدا مجلس الكتاب ليس به المولى
الضيائي من في خطه بهرا
فالشمس مع بعدها منها الضياء لقد
عم الورى فهو شمس غاب أو حضرا

توفي في منتصف ذي الحجة سنة ثمانين وماية وألف.

ومات الإمام العالم العلامة أحد العلماء الأذكياء وأفراد الدهر البحاث في المعضلات، الفتاح للمقفلات، الشيخ/عبد الكريم بن علي المسيري الشافعي المعروف بالزيات لملازمته شيخه سليمان الزيات، حضر دروس فضلاء الوقت، وانضوى إلى الشيخ سليمان الزيات ولازمه حتى صار معيدًا لدروسه، ومهر وأنجب وتضلع في الفنون ودرس وأملى وكان أوحد زمانه في المعقولات، ولازم آخرًا دروس الشيخ الحفني وتلقن منه العهد، ثم أرسله الشيخ إلى بلاد الصعيد؛ لأنه جاه كتاب من أحد مشايخ الهوارة ممن يعتقد في الشيخ بأن يرسل إليهم أحد تلامذته ينفع الناس بالناحية، فكان هو المعين لهذا المهم فألبسه وأجازه، ولما وصل إلى ساحل بهجورة تلقته الناس بالقبول التام، وعُيّن له منزل واسع وحشم وخدم، وأقطعوا له جانبًا من الأرض ليزرعها فقطن بالبهجورة، واعتنى به أميرها شيخ العرب إسماعيل بن عبد الله، فدرَّس وأفتى وقطع العهود، وأقام مجلس الذكر وراج أمره وراش جناحه ونفع وشفع وأثرى جدًّا وتملك عقارات ومواشي وعبيدًا وزروعات، ثم تقلبت الأحوال بالصعيد وأوذي المترجم وأخذ ما بيده من الأراضي وزحزحت حاله، فأتى إلى مصر فلم يجد من يعينه لوفاة شيخه، ثم عاد ولم يحصل على طائل، وما زال بالبهجورة حتى مات في أواخر سنة إحدى وثمانين وماية وألف.

ومات الإمام العلامة المتقن المعمر مسند الوقت وشيخ الشيوخ الشيخ/أحمد بن عبد الفتاح بن يوسف بن عمر المجيرى الملوي الشافعي الأزهري، ولد كما أخبر من لفظه في فجر يوم الخميس ثاني شهر رمضان سنة ثمان وثمانين وألف، وأمه آمنة بنت عامر بن حسن بن حسن بن علي بن سيف الدين بن سليمان بن صالح بن القطب علي المغراوي الحسنى، اعتنى من صغره بالعلوم عناية كبيرة وأخذ عن الكبار من أولي الإسناد، وألحق الأحفاد بالأجداد، فمن شيوخه الشهاب أحمد بن الفقيه والشيخ منصور المنوفي والشيخ عبد الرءوف البشبيشي والشيخ محمد بن منصور الإطفيحي والشهاب الخليفي والشيخ عيد النمرسي والشيخ عبد الوهاب الطندتاوي وأبو العز محمد بن العجمي والشيخ عبد ربه الديوي والشيخ رضوان الطوخي، والشيخ عبد الجواد المحلي وخاله أبو جابر علي بن عامر الإيتاوي. وأبو الفيض علي بن إبراهيم البوتيجي وأبو الأنس محمد بن عبد الرحمن المليجي هؤلاء من الشافعية، ومن المالكية محمد بن عبد الرحمن بن أحمد الورزازي والشيخ محمد الزرقاني والشيخ عمر بن عبد السلام التطاوني والشيخ أحمد الهشتوكي والشيخ محمد بن عبد الله السجلماسي والشيخ أحمد النفراوي والشيخ عبد الله الكنكسي وابن أبي ذكري وسليمان الحصيني والشبرخيتي، ومن الحنفية السيد علي بن علي الحسني الضرير الشهير باسكندر. ورحل إلى الحرمين سنة اثنتين وعشرين وماية وألف فسمع على البصري والنخلي الأولية وأوايل الكتب الستة وأجازاه الشيخ محمد طاهر الكوراني، وأجازه الشيخ إدريس اليماني وملأ الياسي الكوراني ودخل تحت إجازة الشيخ ابراهيم الكوراني في العموم، وعاد إلى مصر وهو إمام وقته المشار إليه في حل المشكلات المعوَّل عليه في المعقولات والمنقولات، اقرأ المنهج مرارًا وكذا غالب الكتب، وانتفع به الناس طبقة بعد طبقة وجيلًا بعد جيل، وكان تحريره أقوى من تقريره. وله رضي الله عنه مؤلفات كثيرة منها شرحان على متن السلم كبير وصغير، وشرحان كذلك على السمرقندية، وشرح على الياسمينية، وشرح الآجرومية ونظم النسب وشرحها، وشرح عقيدة الغمري وعقود الدرر على شرح ديباجة المختصر، أتمه بالمشهد الحسيني سنة ثلاث وعشرين ونظم الموجهات وشرحها وتعريب رسالة ملأ عصام في المجاز، ومجموع صيغ صلوات على النبي ، ومؤلفاته مشهورة مقبولة متداولة بأيدي الطلبة ويدرسها الأشياخ، وتعلل مدة وانقطع لذلك في منزله وهو ملقى على الفراش ومع ذلك يقرأ عليه في كل يوم في أوقات مختلقة أنواع العلوم، وترد عليه الناس من الآفاق ويقرءون عليه، ويستجيزونه فيجيزهم ويملي عليهم ويفيدهم، ومنهم من يأتيه للزيارة والتبرك وطلب الدعاء فيمدهم بأنفاسه ويدعو لهم، وكان ممتع الحواس. وأقام على هذه الحالة نحو الثلاثين سنة حتى توفي في منتصف شهر ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وماية وألف ومن نظمه رضي الله عنه:

كم كل كهف له يرد كساه بها
لذكم له لاذكم بل لف سما كملا
كالشكل الأول كم بدر كوى سلما
كم كان كل بدير للوداد كلا
كم لاح بدر لليل سام كم كلما
سرت له بضروب الشكل فاكتملا

وأخبرني شيخنا الشيخ محمد المالكي المعروف بابن الست أنه تولى القطبانية سنة قبل موته، ودفن بالمشهد الحسيني في موضع أعد له، ورثاه الشيخ عبد الله الإدكاوي بقصيدة بيت تاريخها:

رحم الله العالم الرباني
علم لاح أحمد الملواني

ومات الشيخ الامام الصالح/عبد الحي بن الحسن بن زين العابدين الحسيني البهنسي المالكي نزيل بولاق، ولد بالبهنسا سنة ثلاث وثمانين وألف، وقدم إلى مصر فأخذ عن الشيخ خليل اللقاني والشيخ محمد النشرتي والشيخ محمد الرزقاني والشيخ محمد الإطفيحي والشيخ محمد الغمري والشيخ عبد الله الكنكسي والشيخ محمد بن يوسف والشيخ محمد الخرشي، وحج سنة ثلاث وعشرة وماية وألف فأخذ عن البصري والنخلي وأجازه السيد محمد التهامي بالطريقة الشاذلية، والسيد محمد بن علي العلوي في مصر الأحمدية، والشيخ محمد شويخ في الشناوية، وحضر دروس المحدث الشيخ علي الطولوني ودرس بالجامع الخطيري ببولاق وأفاد الطلبة وكان شيخًا بهيًّا معمرًا منور الشيبة منجمعًا عن الناس زاهدًا قانعًا بالكفاف. توفي ليلة الإثنين حادي عشري شعبان سنة إحدى وثمانين وماية وألف بمنزله ببولاق وصُلي عليه بالجامع الكبير في مشهد حافل، وحمل على الأعناق إلى مدافن الخلفا قرب مشهد السيدة نفيسة، فدفن بها رحمه الله.

ومات الشيخ إمام السنة ومقتدي الأمة/عبد الخالق بن أبي بكر بن الزين بن الصديق بن الزين بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن أبي القاسم النمري الأشعري المزجاجي الزبيدي الحنفي من بيت العلم والتصوف، جده الأعلى محمد بن محمد بن أبي القاسم صاحب الشيخ إسماعيل الجبرتي قطب اليمن وحفيده عبد الرحمن بن محمد خليفة جده في التسليك والتربية، وهو الذي تديَّر زبيد بأهله وعياله وكان قبل بالمزجاجة وهي قرية أسفل زبيد خربت الآن، ولد المترجم سنة ألف وماية بزبيد وحفظ القرآن وبعض المتون، ولما ترعرع أخذ عن الإمام المسند الشيخ علاء الدين المزجاجي والسيد يحيى بن عمر الأهدل والمسند عبد الفتاح بن إسماعيل الخاص والشيخ علي المرحومي نزيل مخا، وأجازه من مكة الشيخ حسن العجمي بعناية والده وبعناية قريبه الشيخ علي بن علي المزجاجي نزيل مكة، ووفد إلى الحرمين فأخذ بمكة عن الشيخ محمد عقيلة، روى عنه الكتب الستة وحمل عنه المسلسلات بشرطها وألبسه وحكمه، وحضر على الشيخ عبد الكريم اللاهوري في الفقه والأصول وكان يحثه على قراءة الأخسكيتي ويقول: «لا يستغني عنه طالب»، وحضر دروس الشيخ عبد المنعم بن تاج الدين القلعي ومحمد بن حسن العجمي ومحمد سعيد التنبكتي، وبالمدينة عن الشيخ محمد طاهر الكردي سمع منه أوايل الكتب الستة والشيخ محمد حياة السندي لازمه في سماع الكتب الستة، وعاد إلى زبيد فأقبل على التدريس والإفادة، وسمع عليه شيخنا السيد محمد مرتصى الصحيحين وسنن النسائي كله بقراءته عليه في عين الرضا موضع بالنخل خارج زبيد كان يمكث فيه أيام خراف النخل، والكنز والمنار كلاهما للنسفي ومسلسلات شيخه ابن عقلية وهي خمسة وأربعون مسلسلًا، وسمع عليه أيضًا المسلسل بيوم العيد ولازم درسه العامة والخاصة، وألبسه الخرقة ونقبه وحكمه بعد أن صحبه وتأدب به، وبه تخرج شيخنا المذكور كذا ذكر في ترجمته قال. وفي آخر توجه حياته إلى الحرمين، فمات بمكة في ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وماية وألف.

ومات الشيخ الإمام الثبت العلامة الفقيه المحدث الشيخ/عمر بن علي بن يحيى بن مصطفى الطحلاوي المالكي الأزهري، تفقه على الشيخ سالم النفراوي وحضر دروس الشيخ منصور المنوفي والشهاب ابن الفقيه والشيخ محمد الصغير الورزازي والشيخ أحمد الملوي والشبراوي والبليدي، وسمع الحديث عن الشهابين أحمد البابلي والشيخ أحمد العماوي وأبي الحسن علي بن أحمد الحريشي الفاسي، وتمهر في الفنون ودرس بالجامع الأزهر وبالمشهد الحسيني واشتهر أمره وطار صيته وأشير إليه بالتقدم في العلوم، وتوجه إلى دار السلطنة في مهم اقتضى لأمراء مصر فقوبل بالإجابة، وألقى هناك دروسًا في الحديث في آيا صوفية، وتلقى عنه أكابر العلماء هناك في ذلك الوقت وصرف معززًا مقضيًا حوايجه، وذلك في سنة سبع وأربعين وماية وألف، ولما تتم عثمان كتخدا القازدغلي بناء مسجده بالأزبكية في تلك السنة تعين المترجم للتدريس فيه وذلك قبل سفره إلى الديار الرومية، وكان مشهورًا في حسن التقرير وعذوبة البيان وجودة الإلقاء، وأقرأ الموطأ وغيره بالمشهد الحسيني، وأفاد وأجاز الأشياخ، وكان يطلع في كل يوم جمعة إلى المرحوم حمزة باشا مرة، فيسمع عليه الحديق وكان للناس فيه اعتقاد حسن وعليه هيبة ووقار وسكون ولكلامه وقع في القلوب. توفي ليلة الخميس حادي عشر صفر سنة إحدى وثمانين وماية وألف، وصُلي عليه بصباحه في الأزهر في مشهد حافل ودفن بالمجاورين، رحمه الله.

ومات الوجيه الصالح الشيخ/عبد الوهاب بن زين الدين بن عبد الوهاب بن نور الدين بن بايزيد بن أحمد بن القطب شمس الدين بن أبي المفاخر محمد بن داود الشربيني الشافعي، وهو أحد الإخوة الثلاثة وهو أكبرهم، تولى النظر والمشيخة بمقام جده بعد أبيه فسار فيها سيرًا مليحًا وأحيا المآثر بعدما اندرست وعمر الزاوية، وأكرم الوافدين وأقام حلقة الذكر كل يوم وليلة بالمسجد، ويغدق على المنشدين، وورد مصر مرارًا منها صحبة والده، ومنها بعد وفاته وألف باسمه شيخنا السيد مرتضى رسالة في الطريقة الأوسية سماها (عقيلة الأتراب في سند الطريقة والأحزاب)، وفي آخره أتى إلى مصر لمقتضٍ، ومرض نحو ثلاثة أيام. وتوفي ليلة الأحد غرة ذي القعدة سنة إحدى وثمانين وماية وألف، وغسل وكفن وذهبوا به إلى بلده فدفنوه عند أسلافه.

ومات الشيخ الإمام العلامة الهمام أوحد أهل زمانه علمًا وعمل، ومن أدرك ما لم تدركه الأول المشهود له بالكمال والتحقيق، والمجمع على تقدمه في كل فريق شمس الملة والدين/محمد بن سالم الحفناوي الشافعي الخلوتي وهو شريف حسيني من جهة أم أبيه وهي السيدة ترك ابنة السيد سالم بن محمد بن علي بن عبد الكريم ابن السيد برطع المدفون ببركة الحاج، وينتهي نسبه إلى الإمام الحسين رضي الله عنه، وكان والده مستوفيًا عند بعض الأمراء بمصر، وكان على غاية من العفاف ولد على رأس الماية ببلده حفنا بالقصر قرية من أعمال بلبيس وبها نشأ، والنسبة إليها حفناوي وحفني وحفنوي، وغلبت عليه النسبة حتى صار لا يذكر إلا بها، وقرأ بها القرآن إلى سورة الشعراء، ثم حجزه أبوه بإشارة الشيخ عبد الرءوف البشبيشي وعمره أربع عشرة سنة بالقاهرة فكمل حفظ القرآن ثم اشتغل بحفظ المتون، فحفظ ألفيه ابن مالك والسلم والجوهرة والرحبية وأبا شجاع وغير ذلك، وأخذ العلم عن علماء عصره، واجتهد ولازم دروسهم حتى تمهر وأقرأ ودرَّس وأفاد في حياة أشياخه وأجازوه بالإفتاء والتدريس فأقرأ الكتب الدقيقة كالأشموني وجمع الجوامع والمهج ومختصر السعد وغير ذلك من كتب الفقه والمنطق والأصول والحديث والكلام عام اثنتين وعشرين، وأشياخه الذين أخذ عنهم وتخرج عليهم الشيخ أحمد الخليفي والشيخ محمد الديربي والشيخ عبد الرءوف البشبيشي والشيخ أحمد الملوي والشيخ محمد السجاعى والشيخ يوسف الملوي والشيخ عبده الديوي والشيخ محمد الصغير، ومن أجل شيوخه الذين تخرج بالسند عنهم الشيخ محمد البديري الدمياطي الشهير بابن الميت، أخذ عنه التفسير والحديث والمسندات والمسلسلات والإحياء للامام الغزالي، وصحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه والموطأ، ومسند الشافعي والمعجم الكبير للطبراني والمعجم الأوسط والصغير له أيضًا وصحيح ابن حبان والمستدرك للنيسابوري والحلية للحافظ أبي نعيم وغير ذلك، وشهد له معاصروه بالتقدم في العلوم، وحين جلس للإفادة لازمه جل طلبة العلم ومن بهم يسمو المعقول والمنقول وكان إذ ذاك في شدة من ضيق العيش والنفقة، فاشترى دواة وأقلامًا وأوراقًا واشتغل بنسخ الكتب فشق عليه ذلك خوفًا من انقطاعه عن العلم، فبينما هو في بعض الدروس إذ جاءه رجل وانتظره حتى فرغ من الدرس فقال له: «يا سيدي أريد أن أكلمك كلمتين»، وأشار إلى مكان قريب فسار معه حتى انتهيا إلى المدرسة العينية فدخلالها ثم جلسا، فأخرج الرجل محرمة ملآنةً بالدراهم وقال له: «يا سيدي فلان يسلم عليك وقد بعث لك معي بهذه الدراهم ويريد أن يحظى بقبولها»، فأخذها منه وفتحها وملا كفه من الدراهم وأراد إعطاءها لحاملها، فامتنع وحلف لا يأخذ منها شيئًا ثم فارقه ذلك الرجل، وذهب الشيخ إلى البيت وكسر الأقلام والدواة، فأقبلت عليه الدنيا من حينئذ، وكان يتردد إلى زاوية سيدي شاهين الخلوتي بسفح الجبل ويمكث فيها الليالي متحنثًا، وأقبل على العلم وعقد الدروس وختم الختوم بحضرة جمع العلماء، وأقرأ المنهاج مرات وكتب عليه، وكذلك جمع الجوامع والأشموني ومختصر السعد وحاشية حفيده عليه كتب عليها وقرأها غير مرة، وكان الشيخ العلامة مصطفى العزيزي إذا رفع إليه سؤال يرسله إليه، واشتغل بعلم العروض حتى برع فيه وعانى النظم والنثر وتخرج عليه غالب أهل عصره وطبقته، ومن دونهم كأخيه العلامة الشيخ يوسف والشيخ إسماعيل الغنيمي صاحب التآليف البديعة والتحريرات الرفيعة، المتوفى سنة إحدى وستين وشيخ الشيوخ الشيخ علي العدوي والشيخ محمد الغيلاني والشيخ محمد الزهار نزيل المحلة الكبرى وغيرهم، كما هو في تراجم المذكورين منهم، وكان على مجالسه هيبة ووقار ولا يسأله أحد لمهابته وجلالته، ولم يعان التأليف لاشتغاله بالإلقاء والإقراء، فمن تآليفه المشهورة حاشية على شرح رسالة العضد للسعد وعلى الشنشوري في الفرايض وعلى شرح الهمزية لابن حجر وعلى مختصر السعد وعلى شرح السمرقندي للياسمينية في الجبر والمقابلة، وله تصانيف أخرى مشهورة، وكان كريم الطبع جدًّا وليس للدنيا عنده قدر ولا قيمة، جميل السجايا مهيب الشكل عظيم اللحية أبيضها كأن على وجهه قنديلًا من النور، وكان كريم العين على إحداهما نقطة وأكثر الناس لا يعلمون ذلك لجلالته ومهابته، وكان في الحلم على جانب عظيم، ومن مكارم أخلاقه إصغاؤه لكلام كل متكلم، ولو من الخزعبلات مع انبساطه إليه وإظهار المحبة ولو أطال عليه، ومن رآه مدعيًا شيئًا سلم له في دعواه، ومن مكارم أخلاقه أنه لو سأل إنسانًا أعز حاجة عليه أعطاها له كاينة ما كانت، ويجد لذلك أنسًا وانشراحًا، ولا يعلق أمله بشيء من الدنيا، وله صدقات وصلات خفية وظاهرة، وكان راتب بيته من الخبز في كل يوم نحو الإردب والطاحون دايمة الدوران، وكذلك دق البن وشربات السكر ولا ينقطع ورود الواردين ليلًا ونهارًا، ويجتمع على مائدته الأربعون والخمسون والستون، ويصرف على بيوت أتباعه والمنتسبين اليه، وشاع ذكرع في أقطار الأرض، وأقبل عليه الوافدون بالطول والعرض، وهادته الملوك، وقصده الأمير والصعلوك، فكل من طلب شيئًا من أمور الدنيا أو الآخرة وجده، وكان رزقه فيضًا إلهيًّا، وذكر الشيخ حسن شمه في كتابه الذي ألفه في نسب الأستاذ ومناقبه قال: «كنت مع الشيخ يومًا في منتزه فجلست في ناحية أكتب في المقامة التي وضعتها في مدحه المسماة (بفيض المغني بمدح الحفني)، وجعلتها مشتملة على سائر الفنون الشعرية التي هي النسب والموشح والدوبيت والزجل، وكان وكان والقوما والحماق والمواليا بأنواعه الثلاثة القرقيا والبليق والمكفر، وعلى نبذة من الموشحات والمحسنات البديعية كالمعطلات والحية والرقطاء ووسع الاطلاع، وحسن الصنيع والمشجر والجناس واللغز والمعمي والمصحف والقلب ونوعي الاقتباس، وكنت إذ ذاك في فن المواليا فعملت مواليًا قرقيًّا وهو:

قالوا تحب المدمس؟ قلت: بالزيت الحار
والعيش الأبيض تحبه؟ قلت: والكشكار
قالوا تحب المطبق قلت: بالقنطار
قالوا اش تقول في الخضاري؟ قلت: عقلي طار

فقال لي: أنت فيم تكتب؟ فأخبرته وأنشدته المواليا فضحك وقال لي ممازحًا: أنا لا أحبه بالزيت الحار وإنما أحبه بالسمن وأنشد:

قالوا تحب المدمس؟ قلت: بالمسلي
والبيض مشوي تحبه؟ قلت: والمقلي

قال: وقد شرحت هذا المواليا بلسان القوم شرحًا لطيفًا، ثم قال لي: أحدتك حدوته بالزيت ملتوته حلفت ما اكلها حتى يجي التاجر والتاجر فوق السطوح، والسطوح عاوز سلم والسلم عند النجار والنجار عاوز مسمار، والمسمار عند الحداد والحداد عاوز بيضه والبيضة في بطن الفرخة، والفرخة عاوزة قمحه والقمحه في الأجران والأجران عاوزه الدراس تدرى ما معنى هذه؟ قلت: لا أعلم إلا ما علمتني (فقال: أحدتك حدوته بالزيت ملتوتة) يعني: السر الإلهي والسلاف الأحمدي الأواهي الممزوج براح القرب والتقريب المدار من يد الحبيب (حلفت ما آكلها) أي: أتناولها فإن المقصد لا يتم بلا وسيلة والسالك قبل كل شيء يحصل دليله (حتى يجي التاجر) أي: المسلك العامر، والمراد به المرشد الكامل والمربي الواصل (والتاجر فوق السطوح) يتلقى معارج الروح لا يذهب ولا يروح بل إليه يراح وبه تنتعش الأرواح (والسطوح عاوز سلم) يتوصل به إليه. حيث إن المدار عليه إذ لا يمكن صعود بلا معراج، ولو أمكن لفعل بالأولى صاحب المعراج (والسلم عند النجار) أي: له صاحب مخصوص لإقامته ومركب يركبه من آلته هو النجار، وهو الأستاذ الكامل المسلك الواصل (والنجار عاوز مسمار) يثبت به سلم القرب والوصول كي يوصل لمنازل الحصول (والمسمار عند الحداد) صانعه المخصوص به، المقيم ببحبوح سربة (والحداد عاوز بيضة) إذ لا يكون شيء بلا شيء، والغالي لا يفرط فيه حي، ومن عمل عملًا وأتم أمره استحق على عمله الأجرة (والبيضة في بطن الفرخة)، فمن أرادها فلينصب فخه فإنها مخبوءة في صدفها ومنفردة عن صنفها (والفرخة عاوزه قمحة)؛ كي تتنفس بها فتنفخ نفخة لتلقي ما في جوفها، وذلك من ذعرتها وخوفها (والقمحة في الأجران)؛ لأنها ظرفها والعنان (والأجران عاوزة الدراس) ودراسها ليس إلا الجد والاجتهاد لمن أراد أن يرتع في رياض الإسعاد، فكل هذه درجات للسالك يصعدها، ومسافة لسيره يقطعها، وثم خواص طويت لهم السبل كلها، ونالوا كل ما راموا من مشتهى، انتهى، فانظر رحمك الله هذا المزح الذي هو حقيقة الجد.

(ومما سمع من إنشاده في الدياجي موشح الدلنجاوي):

يا هلالا قد بدا لي
من ورا الحجب
في جلابيب الكمال
ما دروا صحبي
إن قلبًا منك خالي
ليس بالقلب
وفؤادًا عنك سالي
واجب السلب

(ثم أنشد مواليًا):

بحياة يا ليل قوامك وصوم الحر
تحجز لنا الفجر دافوت الرفاقة حر
لما يجي الفجر يصبح ركبهم منجر
ازداد لوعة ولا عمري بقيت أنسر

(وكرره ثم أنشد):

أأظما وأنت العذب في كل منهل؟
وأظلم في الدنيا وأنت نصيري؟
خبير بضعفي راحم لشكيتي
وقدير على تيسير كل عسير
عار على راعي الحمى وهو في الحمى
إذا ضاع في البيدا عقال بعير

(وأنشد أيضًا):

إن وجدت أو جرت أو صديت أو جافيت
أو حلت أو ملت أو واصلت أو وافيت
أنت الحبيب الذي في القلب قد حليت
ونا على العهد ما خنتك ولا اختليت

(ثم أنشد):

يا من إذا قلت: يا كل المني صل صال
صلني بمن خلق الإنسان من صلصال
إذا تذكرت ريقًا باردًا سلسال
وقلت: يا دمع عيني بالدما سلْ سال

(قال) الشيخ حسن: قلت له: ما أبلغ بيت السبعينية:

خطرات النسيم تجرح خديه
ولمس الحرير يدمي بنائه

(فقال) لي: أبلغ منه قوله:

توهمه قلبي فأصبح خده
وفيه مكان الوهم من نظري أثر
ومر بفكري جسمه فجرحته
ولم أر جسمًا قط يجرحه الفكر

(وقال): وسمعته كثيرًا ما ينشد في الدياجي:

خل الغرام لصب دمعه دمه
حيران توجده الذكرى وتعدمه
واسمع له بعلاقات علقن به
لو أطلعت عليها كنت ترجمه

(قال) وسمعته مرة ينشد:

لو فتشوا قلبي لألفوا به
سطرين قد خطأ بلا كاتب
العلم والتوحيد في جانب
وحب آل البيت في جانب

(وأنشد مرة أيضًا):

خبز وماء وظل
هم النعيم الأجل
جحدت نعمة ربي
إن قلت: إني مقل

(وقال) لي مرة: كان عندنا شاعر يدعي النظم ومعرفته، فطارحني فيه يومًا فقلت له: أكتب ما حضرني ونظمت بيتين وهما:

بحار شوقي بأمواج الهوى عبثت
ومزقت حبل وصلي في مجاريها
وحرمت مقلتي طيب الكرى شغفا
بشادن قد سبى ريم الفلا تيها

(وقال): فأذعن الشاعر بفضله وعجب من قوة استحضاره. ودخل الشيخ المنوفي على الشيخ الخليفي وهو جالس عنده متشفعًا في جماعة متجاهرين بالمعاصي، وكان الشيخ الخليفي قد طردهم وغضب عليهم، فسأله المنوفي في الرضا عنهم فقال له: «إذا كنت أرضى عنهم فإن الله لا يرضى كما قال في كتابه العزيز»، فقال الأستاذ الحفني قد حضرني بيتان فقيل له: ما هما؟ فقال:

أتطلبون رضائي الآن عن نفر
قلوبهم بنفاق لم تزل مرضى
تجاهروا بقبيح الفسق لا ربحوا
إن كنت أرضى فإن الله لا يرضى

وقال من بحر الهزج:

رعاك الله يا قلبي
إذا ما ملت للقلب
ولا بُلغت يا واشي
لما في طيه سلبي
فمهلًا يا خلي مهلًا
فديني في الهوى حبي

وقد شطر هذه الأبيات مولانا السيد البكري الصديقي وخمسها وشطرها غير واحد غيره، وقال عام رحلته إلى بيت المقدس لزيارة السيد الصديقي مادحًا جنابه بقصيدة من بحر المجتث:

يا مبتغي أن يحيا
برشف كأس الحميا
وسالكًا نهج قوم
شاموا جمال المحيا
ساموا لربح المعالي
طابوا مماتًا ومحيا
واستنشقوا طيب عرف
أحيا المعنّى وحيا
اخرج عن النفس والزم
بابًا كريمًا عليَّا
وقم بسدة فضل
بها الكمال تهيَّا
وطف بكعبة خير
وأجملن منك سعيا
تراك فزت بقرب
وحزت سرًّا وفيًّا
من حضرة قد تسامت
ذرا المعالي رقيّا
قد اصطفاها لسر
ثم ارتضاها سميّا
محمدي مقام
نال المقام السنيا
أجل، من يتصدى
للناس يمنح هديا
سبط الحسين وصنو
خالي من اللهو أعيا
يا ابن الرفيق بغار
وابن العتيق فهيّا
لابن رهين صروف
عما يروم نئيّا
فوجهن لنحوي
قلبًا به الميت يحيا
وقل: محمدنا اشرب
منا شرابًا صفيّا
حسيبكم من سواكم
أمسى غريبًا عريّا
صلى وسلم ربي
على الرسول المحيا
والآل ما قال صب
يا مبتغي أن يحيا

وكان لاشتغاله بالالقاء والإقراء للعلم لا يعاني النظم كثيرًا، وله مواليًا من المكفر، المواليا على ثلاثة أقسام قرقيا وبليق ومكفر، فالقرقيا ما اشتمل على الهزل، والبليق ما اشتمل على الغزل، والمكفر بكسر الفاء ما اشتمل على المواعظ، (فمن ذلك قوله):

يا مبتغى طرق أهل الله والتسليك
دع عنك أهل الهوى تسلم من التشكيك
إن أذكروني لرد المعترض يكفيك
فاجعل سلاف الجلالة دايمًا في فيك

وقوله:

بالله يا قلب دع عنك الهوى واسلم
من كل ميل ووافي عهدهم اسلم
والزم حمى سادة من أمهم يسلم
واسلك سبيل التقى يوم اللقا تسلم

وقوله:

حرك جواد الهمم واسلك طريق الحق
واصحب معك زاد أهل المعرفة والحق
ولا تمل للسوى تحرق بنار الفرق
وادخل جنان التقى تظفر بثاني فرق

وله من البليق:

خطر عليّا غزالي مر ما اتكلم
فوق جفونه وقلبي والحشا كلمْ
إيش كان يضره إذا بالراس لي سلم
حتى أسر مهجتي لولا السلام سلمْ

(ومن) مراسلاته لبعض تلامذته: أما بعد إهداء سلام بسر الحب نام تام للحبيب الصفي، ومن بالعهد وفي، السري الأسعد، أحمدنا الأحمد جملّنا الله وإياه بلباس التقوى، وثبتنا وإياه على التمسك بسبب الوصول الأقوى، فقد وصلت الرسايل، المنبثة بحفظ الوسايل، المشعرة بالصفا، والقيام على قدم الوفا، والذي به نوصيك، وبسره الخفي نوافيك، أن تدوم منتبهًا لتحرك النفس، في كل حركة ونفس، خصوصًا عند إقبال العباد، وطلبهم الفايدة والإرشاد، فإنها ولو للمعمرين بالمرصاد، فلا ينبغي ان يغمد عنها سيف الجهاد، ومن زاد عليك إقباله، وتوجهت إليك بالصدق آماله، فاصرف قلبك إليه، وعول في التربية عليه، ومن عنك بهواه صد، بعد أخذك عليه وثيق العهد، فدعه ولا تشغل به البال، وأنشده قول أستاذنا لمن عن طريقنا قد مال:

ألم تدر أنا من قلانا سفاهة
تركناه غب الوصل يعمى بصده
ومن صد عنا حسبه الصد والجفا
وأن الردى أصماه من بعد بعده
ومن فاتنا يكفيه أنا نفوته
وأنا نكافيه على ترك حمده
وأنا غدًا لما نعد محبنا
وأتباعنا لسنانهُم بعده

ومن أردت زجره للتربية وإرشاده، فليكن ذلك عند الانفراد إذ هو أرجى لإسعاده، ولا تزجر بضرب ولا نهر بين الناس: فإن ذلك ربما أوقع المريد في الباس، ولا تلتفت لمن أعرض، ولا لمن يصحبك بإحسان، والأدب واللطف محمودان، والغلطة والحقد موبقان، فاطرح القال والقيل، واصفح الصفح الجميل، ولك ولكل من أخذ عنك أو أحبك منا ومن أهل سلسلة طريقنا ما سرك، فأبشر إن عملت بما أشرنا بكل خير، ومزيد الفتح والمسير في السير، وللشيخ رضي الله عنه مناقب ومكاشفات وكرامات وبشارات وخوارق عادات يطول شرحها، ذكرها الشيخ حسن المكي المعروف بشمه في كتابه الذي جمعه في خصوص الأستاذ، وكذلك العلامة الشيخ محمد الدمنهوري المعروف بالهلباوي له مؤلف في مناقب الشيخ ومدايحه وغير ذلك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١