سنة اثنتين وثمانين وماية وألف/١٧٦٨م

(استهل شهر المحرم بيوم الأربعاء) في ثانيه سافرت التجريدة المعينة إلى بحري بسبب الأمراء المتقدم ذكرهم وهم: حسين بك وخليل بك ومن معهم، وقد بذل جهده علي بك حتى شهل أمرها ولوازمها في أسرع وقت، وسافرت في يوم الخميس وأميرها وسر عسكرها محمد بك أبو الدهب، فلما وصلوا إلى ناحية دجوة وجدوهم عدوا إلى منية الخضر فعدوا خلفهم، فوجدوهم ذهبوا إلى طندتا وكرنكوابها، فتبعوهم إلى هناك وأحاطوا بالبلدة من كل جهة ووقع الحرب بينهم في منتصف شهر المحرم، فلم يزل الحرب قايمًا بين الفريقين حتى فرغ ما عندهم من الجبخانة والبارود، فعند ذلك أرسلوا إلى محمد بك وطلبوا منه الأمان فأعطاهم الأمان وارتفع الحرب من بين الفريقين، وكاتبهم محمد بك وخادعهم والتزم لهم بإجراء الصلح بينهم وبين مخدومه علي بك، فانخدعوا له وصدقوه وانحلت عزايمهم واختلفت آراؤهم وسكن الحال تلك الليلة، ثم إن محمد بك أرسل في ثاني يوم إلى حسين بك يستدعيه ليعمل معه مشورة، فحضر عنده بمفرده وصحبته خليل بك السكران تابعه فقط، فلما وصلوا إلى مجلسه ودخلوا إليه فلم يجدوه، فعندنا استقربهما الجلوس دخل عليهما جماعة وقتلوهما، وحضر في إثرهما حسن بك شبكة ولم يعلم ما جرى لسيده، فلما قرب من المكان أحس قلبه بالشر، فأراد الرجوع فعاقه رجل سايس يسمى مرزوق وضربه بنبوت فوقع إلى الأرض، فلحقه بعض الجند واحتز رأسه، فلما علم بذلك خليل بك الكبير ومن معه ذهبوا إلى ضريح سيدي أحمد البدوي والتجأوا إلى قبره، واشتد بهم الخوف وعلموا أنهم لاحقون بإخوانهم، فلما فعلوا ذلك لم يقتلوهم، وأرسل محمد بك يستشير سيده في أمر خليل بك ومن معه، فأمر بنفيه إلى ثغر سكندرية وخنقوه بعد ذلك بها، ورجع محمد بك وصالح بك والتجريدة ودخلوا المدينة من باب النصرفي موكب عظيم، وأمامهم الروس محمولة في صوان من فضة والخدم يقولون: «صلوا على محمد» وصالح بك ظاهر بوجهه الانقباض والتعبيس، وعدتها ستة روس وهي: رأس حسين بك وخليل بك السكران وحسن بك شبكة وحمزة بك وإسماعيل بك أبي مدفع وسليمان أغا الوالي، وذلك يومًا الجمعة سابع عشر المحرم.

(وفي يوم الثلاثاء رابع عشر صفر) حضر نجاب الحج واطمأن الناس، وفي ويوم الجمعة سابع عشره وصل الحجاج بالسلامة ودخلوا المدينة وأمير الحاج خليل بك بلفيه، وسر الناس بسلامة الحجاج، وكانوا يظنون تعبهم بسبب هذه الحركات والوقايع.

(وفي ثامن عشر صفر) أخرج علي بك جملة من الأمراء من مصر، ونفى بعضهم إلى الصعيد وبعضهم إلى الحجاز وأرسل البعض إلى الفيوم، وفيهم محمد كتخدا تابع عبد الله كتخدا وقرا حسن كتخدا وعبد الله كتخدا تابع مصطفى باش اختيار مستحفظان وسليمان جاويش ومحمد كتخدا الجردلي وحسن أفندي الباقرجي، وبعض أوده باشية وعلي جربجي وعلي أفندي الشريف جمليان. (وفيه) صرف علي بك مواجب الجامكية. (وفيه) أرسل علي بك وقبض على أولاد سعد الخادم بضريح سيدي أحمد البدوي وصادرهم وأخذ منهم أموالًا عظيمة لا يقدر قدرها، وأخرجهم من البلد ومنعهم من سكناها ومن خدمة المقام الأحمدي وأرسل الحاج حسن عبد المعطي وقيده بالسدنة عوضًا عن المذكورين، وشرع في بناء الجامع والقبة والسبيل والقيسارية العظيمة، وأبطل منها مظالم أولاد الخادم والهمل والنشالين والحرمية والعيارين وضمان البغايا والخواطي وغير ذلك.

وفي تاسع شهر ربيع الأول حضر قابجي من الديار الرومية بمرسوم وقفطان وسيف لعلي بك من الدولة.

(وفيه) وصلت الأخبار بموت خليل بك الكبير بثغر سكندرية مخنوقًا (وفي يوم السبت ثاني عشره) نزل الباشا إلى بيت علي بك باستدعا، فتغدى عنده وقدم له تقادم وهدايا.

(وفي يوم الأحد ثاني عشر ربيع الآخر) اجتمع الأمراء بمنزل علي بك على العادة، وفيهم صالح بك وقد كان علي بك بيت مع أتباعه على قتل صالح بك، فلما انقضى المجلس وركب صالح بك ركب معه محمد بك وأيوب بك ورضوان بك وأحمد بك بشناق المعروف بالجزار وحسن بك الجداوي وعلي بك الطنطاوي، وأحدق الجميع بصالح بك ومن خلفهم الجند والمماليك والطوايف، فلما وصلوا إلى مضيق الطريق عند المفارق بسويقة عصفور تأخر محمد بك، ومن معه عن صالح بك قليلًا، وأحدث له محمد بك حماقة مع سايسه وسحب سيفه من غمده سريعًا، وضرب صالح بك وسحب الآخرون سيوفهم ما عدا أحمد بك بشناق، وكملوا قتلته ووقع طريحًا على الأرض، ورمح الجماعة الضاربون وطوايفهم إلى القلعة، وعندما رأوا مماليك صالح بك وأتباعه ما نزل بسيدهم خرجوا على وجوههم، ولما استقر الجماعة القاتلون بالقلعة وجلسوا مع بعضهم يتحدثون عاتبوا أحمد بك بشناق في عدم ضربه معهم صالح بك وقالوا له: «لماذا لم تجرد سيفك وتضرب مثلنا؟» قال: «بل ضربت معكم» فكذبوه فقال له بعضهم: «أرنا سيفك» فامتنع وقال: «إن سيفي لا يخرج من غمده لأجل الفرجة»، ثم سكتوا وأخذ في نفسه منهم وعلم أنهم سيخبرون سيدهم بذلك فلا يأمن غايلته، وذلك أن أحمد بك هذا لم يكن مملوك لعلي بك وإنما كان أصله من بلاد بشناق حضر إلى مصر في جملة أتباع على باشا الحكيم، عندما كان واليًا على مصر في سنة تسع وستين وماية وألف، فأقام في خدمته إلى سنة إحدى وسبعين وماية ألف، وتلبس صالح بك بإمارة الحج في ذلك التاريخ، فاستأذن أحمد بك المذكور علي باشا في الحج وأذن له في الحج فحج مع صالح بك وأكرمه وأحبه وألبسه زي المصريين ورجع صحبته، وتنقلت به الأحوال وخدم عند عبد الله بك علي، ثم خدم عند علي بك فأعجبه شجاعته وفروسيته فرقاه في المناصب حتى قلده الصنجقية، وصار من الأمراء المعدودين فلم يزل يراعي منه صالح بك السابقة عليه، فلما عزم علي بك على خيانة صالح بك السابقة وغدره خصصه بالذكر، وأوصاه أن يكون أول ضارب فيه لما علمه فيه من العصبة له، فقبل له: إن أحمد بك أسر ذلك إلى صالح بك وحذره غدر علي بك إياه فلم يصدقه لما بينهما من العهود والأيمان والمواثيق، ولم يحصل منه ما يوجب ذلك ولم يعارضه في شي ولم ينكر عليه فعلًا، فلما اختلى صالح بك بعلي بك أشار إليه بما بلغه، فحلف له علي بك بأن ذلك نفاق من المخبر ولم يعلم من هو، فلما حصل ما حصل ورأى الجزار مراقبة الجماعة له ومناقشتهم له عند استقرارهم بالقلعة، تخيل وداخله الوهم وتحقق في ظنه تجسم القضية، فلما نزلوا من القلعة وانصرفوا إلى منازلهم تفكر تلك الليلة وخرج من مصر وذهب إلى الإسكندرية، وأوصى حريمه بكتمان أمره ما أمكنهم حتى يتباعد عن مصر، فلما تأخر حضوره بمنزل علي بك وركو به سألوا عنه فقيل له: إنه متوعك، فحضر إليه في ثاني يوم محمد بك ليعوده وطلب الدخول إليه فلم يمكنهم منعه، فدخل إلى محل مبيته فلم يجده في فرشه، فسأل عنه حريمه فقالو: «لا نعلم له محلًّا ولم يأذن لأحد بالدخول عليه». وفتشوا عليه فلم يجدوه، وأرسل علي بك عبد الرحمن أغا وأمره بالتفتيش عليه وقتله، فأحاط بالبيت وهو بيت شكربره وفتش عليه في البيت والخطة فلم يجده، وهو قد كان هرب ليلة الواقعة في صورة جزايرلي مغربي وقصقص لحيته وسعى بمفرده إلى شلقان، وسافر إلى بحري ووصل السعاة بخبره لعلي بك بأنه بالأسكندرية، فأرسل بالقبض عليه فوجدوه نزل بالقبطانة واحتمى بها وكان أمره ما كان بعد ذلك كما يأتي، وهو أحمد باشا الجزار الشهير الذكر الذي تملك عكا وتولى الشام وإمارة الحج الشامي وطار صيته في الممالك.

(وفيه) عين علي بك تجريدة على سويلم بن حبيب وعرب الجزيزة، فنزل محمد بك بتجريدة إلى عرب الجزيرة، وأيوب بك إلى سويلم، فلما ذهب أيوب بك إلى دجوة فلم يجد بها أحدًا، وكان سويلم بايتًا في سندنهور وباقي الحبايبة متفرقين في البلاد، فلما وصله الخبر ركب من سندنهور وهرب بمن معه إلى البحيرة، والتجأ إلى الهنادي ونهبوا دوايره ومواشيه، وحضروا بالمنهويات إلى مصر، واحتج عليه بسبب واقعة حسين بك وخليل بك لما أتيا إلى دجوة بعد واقعة الديرس والجراح، وقدم لهم التقادم وساعدهم بالكلف والذبايح ونحو ذلك، والغرض الباطني اجتهاده في إزالة أصحاب المظاهر كاينًا ما كان.

وفي يوم الإثنين تاسع عشره: أمر علي بك بإخراج على كتخدا الخربطلي منفيًّا، وكذلك يوسف كتخدا مملوكه ونفي حسن أفندي درب الشمسي وإخوته إلى السويس ليذهبوا إلى الحجاز، وسليمان كتخدا الجلفي وعثمان كتخدا عزبان المنفوخ، وكان خليل بك السيوطي بالشرقية، فلما سمع بقتل صالح بك هرب إلى غزة.

وفي يوم الأحد خامس جمادى الأولى طلع علي بك إلى القلعة وقلد ثلاثة صناجق من أتباعه وكذلك وجاقلية، وقلد أيوب بك تابعه ولاية جرجا وحسن بك رضوان أمير حج وقلد الوالي.

وفي جمادى الآخرة قلد إسماعيل بك الدفتردارية، وصرف المواجب في ذلك اليوم.

وفي منتصف شهر رجب وصل أغا من الديار الرومية، وعلى يده مرسوم بطلب عسكر للسفر فاجتمعوا بالديوان وقروا المرسوم وكان علي بك أحضر سليمان بك الشابوري من نفيته بناحية المنصورة، وكان منفيًّا هناك من سنة اثنتين وسبعين وماية وألف.

وفي يوم الثلاثاء عملوا الديوان بالقلعة، ولبسوا سليمان بك الشابوري أمير السفر الموجه إلى الروم وأخذوا في تشهيله، وسافر محمد بك أبو الذهب بتجريدة ومعه جملة من الصناجق والمقاتلين لمنابذة شيخ العرب همام، فلما قربوا من بلاه ترددت بينهم الرسل، واصطلحوا معه على أن يكون لشيخ العرب همام من حدود برديس ولا يتعدى حكمه لما بعدها، واتفقوا على ذلك، ثم بلغ شيخ العرب أنه ولد لمحمد بك مولود فأرسل له بالتجاوز عن برديس أيضًا إنعامًا منه للمولود، ورجع محمد بك ومن معه إلى مصر، وفيه قبض علي بك على الشيخ أحمد الكتبي المعروف بالسقط، وضربه علقة قوية وأمر بنفيه إلى قبرص، فلما نزل إلى البحر الرومي ذهب إلى إسلامبول وصاهر حسن أفندي قطة مسكين المنجم وأقام هناك إلى أن مات، وكان المذكور من دهات العالم يسعى في القضايا والدعاوي يحيى الباطل ويبطل الحق بحسن سبكة وتداخله.

وفي سابع عشره حصلت قلقة من جهة والى مصر محمد باشا، وكان أراد أن يحدث حركة ضد علي بك فوشى به كتخداه عبد الله بك إلى علي بك فأصبحوا وملكوا الأبواب والرميلة والمحجر وحوالى القلعة وأمروه بالنزول، فنزل من باب الميدان إلى بيت أحمد بك كشك وأجلسوا عنده الحرسجية.

(وفي يوم الأحد غرة شعبان) تقلد علي بك قايممقامية عوضًا عن الباشا.

(وفي يوم الخميس) أرسل علي بك عبد الرحمن أغا مستحفظان إلى رجل من الأجناد يسمى إسماعيل أغا من القاسمية وأمره بقتله، وكان إسماعيل هذا منفيًّا جهة بحري وحضر إلى مصر قبل ذلك، وأقام ببيته جهة الصليبة وكان مشهورًا بالشجاعة والفروسية والإقدام، فلما وصل الأغا حذا بيته وطلبه، ونظر إلى الأغا واقفًا بأتباعه ينتظره علم أنه يطلبه ليقتله كغيره؛ لأنه تقدم قتله لأناس كثيرة على هذا النسق بأمرة علي بك، فامتنع من النزول وغلق بابه ولم يكن عنده أحد سوى زوجته، وهي أيضًا جارية تركية وعمر بندقيته وقرابينته وضرب عليهم فلم يستطيعوا العبور إليه من الباب، وصارت زوجته تعمر له وهو يضرب حتى قتل منهم أناسًا وانجرح كذلك، واستمر على ذلك يومين وهو يحارب وحده، وتكاثروا عليه وقتلوا من أتباعه وهو ممتنع عليهم إلى أن فرغ منه البارود والرصاص ونادوه بالأمان فصدقهم، ونزل من الدرج فوقف له شخص وضربه وهو نازل من الدرج وتكاثروا عليه وقتلوه وقطعوا راسه ظلمًا، رحمه الله تعالى.

(وفي تاسع عشرة) صرفت المواجب على الناس والفقراء.

(وفي ثامن عشرينه) خرج موكب السفر الموجه إلى الروم في تجمل زائد.

(وفي عاشر رمضان) قبض علي بك على المعلم إسحق اليهودي معلم الديوان ببولاق، وأخذ منه أربعين وألف محبوب ذهب وضربه حتى مات، وكذلك صادر أناسًا كثيرة في أموالهم من التجار مثل العشوبي والكهن وغيرهما، وهو الذي ابتدع المصادرات وسلب الأموال من مبادى ظهوره، واقتدى به من بعده.

(وفي شوال) هيأ علي بك هدية حافلةً وخيولًا مصرية جيادًا وأرسلها إلى إسلامبول للسلطان ورجال الدولة، وكان المتسفر بذلك إبراهيم أغا سراج باشا وكتب مكاتبات إلى الدولة ورجالها، والتمس من الشيخ الوالد أن يكتب له أيضًا مكاتبات لما يعتقده من قبول كلامه وإشارته عندهم، ومضمون ذلك الشكوى من عثمان بك ابن العظم والي الشام، وطلب عزله عنها بسبب انضمام بعض المصريين المطرودين إليه ومعاونته لهم، وطلب منه أن يرسل الشيخ عبد الرحمن العريشي ومحمد أفندي البرلى، فسافروا مع الهدية وغرضه بذلك وضع قدمه بالقطر الشامي أيضًا.

(وفي ثاني عشر ذي العقدة) رسم بنفي جماعة من الأمرا أيضًا، وفيهم إبراهيم أغا الساعي اختيار متفرقة وإسماعيل أفندي جاويشان وخليل أغاباش جاويشان جمليان وباشجاويش تفكجيان ومحمد أفندي جراكسة ورضوان بك تابع حسن بك رضوان والزعفراني، فأرسل منهم إلى دمياط ورشيد واسكندرية وقبلي، وأخذ منهم دراهم قبل خروجهم واستولى على بلادهم وفرقها في أتباعه، وكانت هذه طريقته فيمن يخرجه، يستصفي أموالهم أولًا ثم يخرجهم ويأخذ بلادهم وأقطاعهم فيفرقها على مماليكه وأتباعه، الذين يؤمرهم في مكانهم، ونفى أيضًا إبراهيم كتخدا جدك وابنه محمد إلى رشيد وكان إبراهيم هذا كتخدا. ثم عزله وولاه الحسبة فلما نفاه ولي مكانه في الحسبة مصطفى أغا، والله أعلم.

وأما من مات في هذه السنة من المشايخ والأعيان

(مات) الإمام الفقيه المحدث الأصولي المتكلم شيخ الإسلام وعمدة الأنام، الشيخ أحمد بن الحسن بن عبد الكريم بن محمد بن يوسف بن كريم الدين الكريمي الخالدي الشافعي الأزهري الشهير بالجوهري، وإنما قيل له: الجوهري؛ لأن والده كان يبيع الجوهر فعرف به، ولد بمصر سنة ست وتسعين وألف، واشتغل بالعلم وجد في تحصيله حتى فاق أهل عصره، ودرس بالأزهر وأفتى نحو ستين سنة، مشايخه كثيرون منهم الشهاب أحمد بن الفقيه ورضوان الطوخي إمام الجامع الأزهر والشيخ منصور المنوفي والشهاب أحمد الخليلي والشيخ عبد ربه الديوي والشيخ عبد الروف البشبيشي والشيخ محمد أبو العز العجمي والشيخ محمد الإطفيحي والشيخ عبد الجواد المحلي الشافعيون، والشيخ محمد السجلماسي والشيخ أحمد النفراوي والشيخ سليمان الحصيني والشيخ عبد الله الكنكسي والشيخ محمد الصغير الورزازي وابن زكري والشيخ أحمد الهشتوكي والشيخ سليمان الشبرخيتي والسيد عبد القادر المغربي ومحمد القسطنطيني ومحمد النشرتي المالكيون، ورحل إلى الحرمين في سنة عشرين وماية وألف فسمع من البصري والنخلي في سنة أربع وعشرين وماية وألف، ثم في سنة ثلاثين وماية وألف، وحمل في هذه الرحلات علومًا جمة، وأجازه مولاي الطيب ابن مولاي عبد الله الشريف الحسيني وجعله خليفة بمصر، وله شيوخ كثيرون غير من ذكرت، وقد وجدت في بعض إجازاته تفصيل ما سمعه من شيوخه ما نصه:

على البصري والنخلي أوايل الكتب الستة والإجازة العامة مع حديث الرحمة بشرطه. وعلى الإطفيحي بعض كتب الفقه والحديث والتصوف والإجازة العامة. وعلي السجلماسي في سنة ست وعشرين وماية وألف الكبرى للسنوسي، ومختصره المنطقي وشرحه وبعض تلخيص القزويني وأول البخاري إلى كتاب الغسل وبعض الحكم العطانية وأجازه. وعلى ابن زكري أوايل الستة وأجازه. وعلى الكنكسي الصحيح بطرفيه وشرح العقايد للسعد وعقايد السنوسي وشروحها وشرح التسهيل لابن مالك إلى آخره، وشروح الألفيه للمكودي والمطول بتمامة وشرح التلخيص، وعلى الهشتوكي الإجازة بسائرها. وعلى النفراوي شرح التلخيص مرارًا وشرح ألفية المصطلح وشرح الورقات. وعلى الديوي شرح المنهج لشيخ الإسلام مرارًا وشرح التحرير وشرح ألفية ابن الهايم، وشرح التلخيص وشرح ابن عقيل على الألفية وشرح الجزرية. وعلى المنوفي جمع الجوامع وشرحه للمحلي وشرح التلخيص. وعلى ابن الفقيه شرح التحرير وشرح الخطيب مرارًا وشرح العقايد النسفية وشرح التلخيص والخبيصي. وعلى الطوخي شرح الخطيب وابن قاسم مرارًا وشرح الجوهرة لعبد السلام. وعلى الخليفي البخاري وشرح التلخيص والأشموني والمصام وشرح الورقات. وعلى الحصيني شرح الكبرى للسنوسي بتمامة وعلى الشبرخيتي شرح الرحبية وشرح الآجرومية وغيرهما. وعلى الورزازي شرح الكبرى بتمامة. مرارًا وشرح الصغرى وشرح مختصر السنوسي والتفسير وغيره. وعلى البشيشي المنهج مرارًا وجمع الجوامع مرارًا والتلخيص، وألفيه المصطلح والشمايل وشرح التحرير لزكريا وغيره.

هذا نص ما وجدته بخطه، واجتمع بالقطب سيدي أحمد بن ناصر فأجازه لفظًا وكتابة، وممن أجازه أبو المواهب البكري وأحمد البناء وأبو السعود الدنجيهي وعبد الحي الشرنبلالي ومحمد بن عبد الرحمن المليجي. وفي الحرمين عمر بن عبد الكريم الخلخالي حضر دروسه وسمع منه المسلسل بالأولية بشرطه. وتوجه بآخره إلى الحرمين بأهله وعياله وألقى الدروس، وانتفع به الواردون ثم عاد إلى مصر فانجمع عن الناس، وانقطع في منزله يزار ويتبرك به وله تآليف منها منقذة العبيد عن ربقة التقليد في التوحيد، وحاشية على عبد السلام، ورسالة في الأولية وأخرى في حياة الأنبياء في قبورهم وأخرى في الغرانيق وغيرها.

وكانت وفاته وقت الغروب يوم الأربعاء ثامن جمادى الأولى من السنة، وجهز بصباحه وصُلي عليه بالجامع الأزهر بمشهد حافل ودفن بالزواية القادرية داخل درب شمس الدولة، رحمه الله. ورثاه نادرة العصر العلامة الشيخ مصطفى بن أحمد الصاوي بهذه القصيدة الفريدة، وهي:

يا دهر ما لك بالمكاره تجتري
ولفقد أرباب المكارم تحتري
تغتال منا ماجدًا مع ماجد
طابت طبايعه بطيب المنصر
تردي الكريم ابن الكريم وما ترى
حقًّا لعهد الماهر المتبصر
إن أصبح المولى عزيز عشيرة
أمسيته في ذل ذل أحقر
يغدو كريم النفس وهو مقدم
فيروح في هون به متقهقر
وإذا حلت بالصفو حالة حاله
مررتها بنغيص عيش أكدر
لو كنت ترعى في الأفاضل حقهم
أبقيت مجمع شملهم في الأعصر
من لي يسعدني لدهر معتد
الغدر شيمته خون مفترى معروف ذكر
في فقد كهف الفضل مجد أولي النهى
في الورى لم ينكر
حاوي الفضايل والفواضل والتقى
والجود والمجد الأصيل المفخر
هو درة الغواض والبحر الذي
أمواجه قذفت بدر الجوهر
هو عروة وثقى بها اعتصم الورى
عند انقطع حبال ورد الأبهر
بدر أضاء على الأماجد كلها
حتى على البدر المنير المسفر
وسما فخر لا تمد لها يد
إلا وطول علاه قال لها: اقصري
ذو معهد أما مواضي فكره
إن ضارعتها الشهب قالت: تحتري
في قاب قوس المجد حط رحاله
ومشى على مريخه والمشتري وعمت عنص٥٣٧
حاطت بصيرته بكل فضيلة
الإدراك عين المبصر
إن تختبره في العلوم وجدته
قال الأدلة عن عيان المخبر
فبفقهه في الدين ثم بشعره
ينسيك أم الرافعي والبحتري
أن رمته في الحزم قال مسددًا
أو رمت توحيدًا وجدت الأشعري
أو رمت نحوًا أو بلاغة زهده
سعد زمان وسيبويه والسري
قد صح إسناد الرواة حديثه
أهل الثبات ذوي المقام الأكبر
يروي الصحيح من الصحيح فما به
ضعف ولا وهن ولا من يزدري
وغدا بنطق كماله يبدي لنا
عين النتيجة ضمن شكل أنور
عجب لشمس معارف قد أنزلت
بنجومها في ذا التراب الأقفر
ليت المنون الذي ألم بروحه
أفنى بني الدنيا وأبقى ذا السري
سقيا لرمس ضمه وبل الرضا
غيث الهنا وكف السحاب الممطر
حق لعين قطفت من زهرة
تبكي عليه غزير دمع أزفر
ونخط فوق الخد من أقلامها
تحبير حزن في طروس الأسطر
لكن صبرًا للقضاء وتصبرًا
ليكون للإنسان حسن المأجر
فالصبر عند الصدمة الأولى رضا
ما حيله المحتال إن لم يصبر؟
من حيث إن لنا هنالك أسوة
بالسالفين وبالنبي الأطهر
صلي عليه إلهه مع آله
والصحب أصحاب المقام الأظهر
ما مصطفى الصاوي قال مؤرخًا
بشرى لحور العين حب الجوهري

ورثاه الشيخ عبد الله الإدكاوي بقصيدة بيت تاريخها:

مقعد الصدق قد أعدوه حالًا
للملي المجد الجوهري

(ومات) الإمام العالم العلامة الحبر الفهامة الفقيه الدراكة الأصوالي النحوي شيخ الإسلام وعمدة ذوي الأفهام الشيخ عيسى بن محمد الزيبري البراوي الشافعي الأزهري، ورد الجامع الأزهر وهو صغير فقرأ العلم على مشايخ وقته وتفقه على الشيخ مصطفى العزيزي وابن الفقيه، وحضر دروس الملوي والجوهري والشبراوي، وأنجب وشهد له بالفضل أهل عصره، وقرأ الدروس في الفقه وأحدقت به الطلبة، واتسعت حلقته واشتهر بحفظ الفروع الفقهيه حتى لقب بالشافعي الصغير لكثرة استحضاره في الفقه وجودة تقريره، وانتفع به طلبة العصر طبقة بعد طبقة وصاروا مدرسين، وروى الحديث عن الشيخ محمد الدفري، وكان حسن الاعتقاد في الشيخ عبد الوهاب العفيفي وفي ساير الصلحاء، وله مؤلفات مقبولة منها حاشية على شرح الجوهرة في التوحيد، وشرح على الجامع الصغير للسيوطي في مجلد، يذكر في كل حديث ما يتعلق بالفقه خاصة، ولا زال يملي ويفيد ويدرس ويعيد حتى توفي سحر ليلة الإثنين رابع رجب، وجهز في صباحه وصُلِّي عليه بالأزهر بمشهد حافل ودفن بالمجاورين وبني على قبره مزار ومقام، واستقر مكانه في التصدر تدريس ابنه العلامة الشيخ أحمد، ولازم حضوره تلامذة أبيه، رحمه الله.

ومات الأمام العلامة الفقيه، واللوذعي الذكي النبيه، عمدة المحققين ومفتي المسلمين الشيخ حسن بن نور الدين المقدسي الحنفي الأزهري، تفقه على شيخ وقته الشيخ سليمان المنصوري والشيخ محمد عبد العزيز الزيادي وحضر دروس الشيخ مصطفى العزيزي والسيد على الضرير والملوي والجوهرى والحفني والبليدى وغيرهم، ودرس بالجامع الأزهر في حياة شيوخه ولما بنى الأمير عثمان كتخدا مسجده بالأزبكية جعله خطيبًا وإمامًا به، وسكن في منزل قرب الجامع وراج أمره، ولما شغر فتوى الحنفية بموت الشيخ سليمان المنصوري جعل شيخ الحنفية، بعناية عبد الرحمن كتخدا وكان له به ألفه، ثم ابتنى منزلًا نفيسًا مشرفًا على بركة الأزبكية بمساعدة بعض الأمراء، واشتهر أمره ودرس بعدة أماكن كالصرغتمشية المشروطة لشيخ الحنفية والمدرسة المحمودية والشيخ مطهر وغيرها، وألف متنًا في فقه المذهب ذكر فيه الراجح من الأقوال، واقتنى كتبًا نفيسة بديعة الأمثال، وكان عنده ذوق وألفة ولطافة وأخلاق مهذبة، ومن كلامه ما كتبه على رسالة ألمعية للشيخ العيدروس:

لمعت بوارق ألمعية
تفتر عن سر المعيه
تهدي إلى الحق المبين
وتوضح السبل الخفيه
نور الشريف ابن الشر
يف ابن السراة الألمعيه
العيدروس العابد الر
حمن ذي المنح الجليه

توفي يوم الجمعة ثامن عشر جمادى الآخرة من السنة.

مات الإمام العلامة أحد أذكياء العصر ونجباء الدهر الشيخ محمد بن بدر الدين الشافعي سبط الشمس الشرنبابلي، ولد قبل القرن بقليل وأجازه جده وحضر بنفسه على شيوخ وقته، كالشيخ عبد ربه الديوي والشيخ مصطفى العزيزي وسيدي عبد الله الكنكسي والسيد علي الحنفي والشيخ الملوي في آخرين، وباحث وناضل وألف وأفاد، وله سليقه في الشعر جيدة وكلامه موجود بين أيدي الناس، وله ميل لعلم اللغة ومعرفة بالأنساب، غير أنه كان كثير الوقيعة في الشيخ محيى الدين ابن عربي، قدس الله سره، وألف عدة رسايل في الرد عليه وكان يباحث بعض أهل العلم فيما يتعلق بذلك فينصحونه، ويمنعونه من الكلام في ذلك فيعترف تارة وينكر أخرى ولا يثبت على اعترافه، وبلغني أنه ألف مرة رسالة في الرد عليه في ليلة من الليالي ونام، فاحترق منزله بالنار واحترقت تلك الرسالة من جملة ما احترق من الكتب، ومع ذلك فلم يرجع عما كان عليه من التعصب، وربما تعصب لمذهبه فيتكلم في بعض مسايل مع الحنفية، ويرتب عليها أسئلة ويغض عنهم، ولما كان عليه مما ذكر لم يخل حاله عن ضيق وهيئته عن رثائة، وأنشد بيتين سمعتهما من الشيخ محمد ابن الشيخ محمد الدفري، رحمه الله قال:

زمان كل حب فيه خب
وطعم الخل خل ولو يذاق
له سوق بضاعته نفاق
فنافق فالنفاق له نَفَاق

(ومن قوله):

أنا في حماكم يا كرام وإن أكن
أذنبت ذنبًا فالكريم غفور
حاشى حماكم أن يضام نزيله
وندى يديكم في الورى مشهور

وله في تاريخ وفاة شيخ القراء المقام الشافعي الشيخ عمر الدعوجي.

نعت النعاة كبير قراء له
فضل فقلت مؤرخًا لمن اعتبر
ليموت إحسان الدعوة بموته
ويموت كيد الكبر بعدك يا عمر
(وله) رسالة سماها تحرير مباحث في تعلق القدرة بالحوادث، وهذا نصها بعد البسملة:

الحمد لله حق حمده، وصلى الله وسلم على من لا نبي من بعده (أما بعد)، فقد طال الخلاف وانتشر في تعلق القدرة الأزلية بالأمور الاغتبارية، فمن قايل: بالتعلق ومن قايل: بنفيه، وأقول: هذ المسيلة وإن انتشر الخلاف فيها تنبني على خلاف آخر، وهو أن الحادث لا بد وأن يكون موجودًا أو هو أعم من ذلك، والعموم هو معتقدنا تبعًا لمحققي أئمتنا، وعليه فالاعتقاد الذي ينبغي التعويل عليه عموم تعلق القدرة بالحوادث جميعها، موجودها بالوجود الحقيقي وموجودها بالوجود المجازي، ويؤيده أن الاحوال الحادثة لم تدخل في عبارة القوم مع أن مرادهم عموم التعلق لها قطعًا، غايته أن عبارتهم إما مبنية على الغالب المتفق عليه أو مؤوله بأن يراد بالموجود الثابت، فيعم الأحوال الحادثة بناء على ثبوتها أو يراد به الموجود حقيقة أو مجازًا فيشمل ما ذكر، كالأمور الاعتبارية فإنها موجوده باعتبار المعتبر، ولا بد لها من موجد وإن كان ذلك مسمى الإيجاد مجازًا لا حقيقة، لما تقرر أنها من جملة الحوادث، وأن اسم الحادث يشملها فدخلت حينئذ في القاعدة الكلية، أعني كل حادث لا بد له من محدث المسلمة المرضية، ويؤيد اعتبار بقية الموجودات ما صرحوا به من أن الموجودات أربعة: وجود في الأعيان وهو الوجود الحقيقي، ووجود في الأذهان وهو الوجود المجازي، ووجود في العبارة ووجود في الرقم وهما مجازيان أيضًا، يعني أن إطلاق اسم الوجود على ما عدا الأول على طريق المشابهة بين الوجود الحقيقي بينها، وذلك أمارة الاحتياج إلى الموجد، وأنه يوجد بالايحاد الحقيقي تارة وبالمجازي أخرى، لا يقال: إنه معدوم في نفس الأمر، وإن أطلق عليه اسم الوجود تنزيلًا كما هو شأن المجاز من صحة النفي فيه حقيقة؛ لأنا نقول: إن تلك المشابهة التي اقتضت تنزيله منزلة الموجود رقته من حضيض العدم المحض إلى ذروة مقابلة، فوجب التعلق والإيجاد، لكن على سبيل المجاز أيضًا لا على سبيل الحقيقة، وإلا لزم مجازيه المتعلق دون المتعلق، وذلك لا يعقل، نعم لا محذور في تسليم أن التعلق بإثباته حقيقي؛ لأنه ليس المجاز فيه، لكن هل ذلك الإثبات في نفس الأمر أو في اعتبار المعتبر أو فيهما يأتي بما فيه؟ وبالجملة فالتعلق له وجه وجيه، ومما يؤيده أيضًا أن العبد ينسب الفعل له، ويضاف إليه وإن كان إيجاده له مجازيًّا أي: شرعًا وإلا فهو حقيقة لغوية بحيث يطلق عليه اسم الموجود مجازًا، فنسبة الأشياء الموجدة بالوجود المجازي إلى الفاعل الحقيقي أولى وأحرى، وأيضًا لو سيل المنكر إضافتها إليه من الذي حصل هذه الأشياء في ذهن المعتبر حتى حصلت؟ لم يسعه إنكار النسبة إليه تعالى فإنه يقر بنسبتها إلى المعتبر، فكيف لا يقر بنسبتها إلى الفاعل الحقيقي جلا وعلا؟ وإن كان التأثير ثابتًا في الإعدام ففي الوجود والاعتبارات من باب أولى، وقد سألت شيخنا وقدوتنا إلى الله تعالى سيدي أحمد الملوي عن هذه المسلة فقال: «الخلاف فيها ثابت لا شبهة فيه، غير أن الأدب إضافتها إلى الله تعالى ونقله عن المحققين فانظره، لكن أورد عليه أن صفات الأفعال عندنا أمور اعتبارية، وهي عبارة عن تعلق القدرة التنجيزي الحادت فيلزم أن يحتاج التعلق إلى تعلق وهكذا فيتسلسل وهو محال، وأجيب على تسليم أنها عين التعلق بأنه لا محذور فيه بالنسبة للأمور الاعتبارية؛ لأنها تنقطع بانقطاع الاعتبار، فلم يكن التسلسل فيها حقيقيًّا حتى يمتنع، نعم يرد لو قلنا: بأنها ثابتة في نفس الأمر مع قطع النظر عن اعتبار المعتبر بأن يراد بنفس الأمر ما هو أعم من الخارج، وهو أن يكون الثبوت فيه ثبوت الشيء في نفسه بقطع النظر عن تعقل العاقل وذهن الذاهن كأبوة زيد لعمرو مثلًا، فإنها ثابتة اعتبرها معتبر أم لا فاعلمه.

على أن الاشكال وارد في التعلقات وإن لم نسلم أنها هي صفات الأفعال، وجوابه ما مر مع ما يرد عليه لو قلنا: بثبوبتها في نفس الأمر، إلا أن يمنع امتناع التسلسل في الأمور الغير الحقيقية؛ لكونها لم تكن من الخارج ولكن منع هذا المنع أحق، وهو عند المحققين أدق، فافهمه غير ملتفت إلى الرجال فإنه بالحق تعرف لا أنه بها يتعرف.

بقي أن الخلاف في هذ المسيلة يكاد أن يكون لفظيًّا، فإن أحدًا لا ينكر عموم تعلق القدرة بالحوادث، وإنما الخلاف هل هذه الأشياء هي الحوادث فتكون من متعلق القدرة أم لا؟

إن بنينا على أن الحادث لا بد وأن يكون موجودًا ويؤيده ما رجحوه في مقابلة أن القديم لا بد وأن يكون موجودًا نفينا التعلق وإلا أثبتناه، وإنما اختلف الترجيح في المسألتين وهو اعتبار الوجود في القديم دون الحادث، لما قام عندهم لسيما مراعة الأدب الذي عرفته من الإضافة إلى جناب الحضرة القدسية، فإن مراعاة ذلك الجناب هو الصواب وإليه المرجع والمآب.

انتهت الرسالة المذكورة.

ولما اطلع عليها الأستاذ الحفني كتب عليها ما نصه بعد البسملة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وعترته وحزبه (وأما بعد)، فقد قلدت عاطل جيد الفهم بفرايد فوايد النفع الأعم المحلاة بمحاسنها صدور تلك الطروس، والمهنأة بنفايس أسرار بدايعها النفوس، كيف ومبديها واسطة عقد النبلا، ونتيجة أعيان الحذاق البلغا الفضلا، سباق ذوي التحقيق، وفواق سباق فرسان التدقيق، المنادية ألسن الحقايق لإظهار فضلة من له الحق دعا الألمعي:

الذي يظن بك الظن
كأن قد رأى وقد سمعا
وقد وجدت في حاشيه السكتاني ما يؤيد هذا العارف الغارف الداني حيث قال:

المراد بوجود الممكن ثبوته من إطلاق الأخص على الأعم مجازًا قرينته تعليق التأثير على الوصف المناسب وهو الإمكان، وذلك يشعر بعليته، وإذا كانت العلة هي الإمكان وهو موجود في كل الممكنات، ولم يكن فرق بين الحال وغيرها، فالمراد بالوجود ما هو أعم، انتهى، المراد بالأحوال في كونها من متعلقات القدرة وقد صرح بذلك شيخنا وقدوتنا وعمدتنا الشهاب الملوي في شرح منظومته الأشعرية وعبارته «وسابعها قدرة، وهي صفة قديمة تصلح لأن يؤثر بها مولانا في ثبوت الجايز، ولم أقل في إيجاد لإدخال الوجه والاعتبارات وإدخال الأحوال على القول بها، فإن القدرة تتعلق بها؛ لأنها من الممكنات». انتهى.

لكن التسلسل الذي أورده هذا العلامة على ما بناه لم يظهر لنا جواب عنه، فما دام واردًا أشكل ما ذكره هؤلاء الأعلام ولا سيما وقد صرح السكتاني وعبد الحكيم بخلافه، فلعل الله أن يفتح بالجواب. كتبه محمد الحفناوي مصليًا مسلمًا على النبي وآله وسائر الأصحاب.

ولما عاد إلى المترجم كتب تحته ما نصه:

وقد فتح الله بالجواب على مؤلفه أضعف الطلاب فأقول: ما صرح به السُّكتاني وعبد الحكيم صرح به كثير، ولسنا ننازع في ثبوت القول الآخر الذي صرح به هؤلاء كما نازع المخالف في ثبوت ما قلناه فضلًا عن راجحيته، وقد أوردنا هذا الأشكال معترفين بقوته على هذا الذي وقع في ترجيحه من المحققين، وقد علمت أن إيراده لا يتوجه إلا على تقدير إرادة الثبوت في نفس الأمر، لا في اعتبار المعتبر فيجوز أن يلتزم مقتضاه، ويقال: بعدم المتعلق حينئذ لكونه في نفسه عدمًا صرفًا لا حظ له في الوجود بخلافه في اعتبار المعتبر، فافترقا، ويكون جمعًا بين القولين، فمن قال: بمخلوقيته نظر إلى وجوده في الأذهان، ومن نفى نظر إلى فقده في الأعيان، وليس الأؤل مبنيًّا على القول بالصورة وأنها عرض كما زعمه المخالف لاتفاق الجميع على حصول شيء في الذهن، وإنما وقع الخلاف هل يسمى موجودًا نظرًا لثبوته فيه أم لا لفقده في الخارج؟ وقد وقع اختيار الأيمة أنه يسمى بذلك مجازًا فاعرفه. انتهى.

توفي المترجم في المحرم افتتاح السنة وصُلي عليه بالأزهر ودفن بالقرافة عند جده، لأمه، رحمه الله تعالى.

ومات الجناب الأمجد والملاذ الأوحد حامل لواء علم المجد وناشره، وجالب متاع الفضل وتاجره، السيد أحمد بن إسماعيل بن محمد أبو الأمداد سبط بني الوفا، والده وجده من أمراء مصر، وكذا أخوه لأبيه محمد، وكل منهم قد تولى الإمارة، والمترجم أمه هي ابنة الأستاذ سيدي عبد الخالق بن وفا، ولد بمصر ونشأ في حجر أبويه في عفاف وحشمة وأبهة، أحبه الناس لمكان جده لأمه المشار إليه مع جذب فيه وصلاح، وتولى نقابة السادة الأشراف سنة ثمان وستين وماية وألف، وسار فيهم سيرة مرضية وقد مدحه الشيخ عبد الله الإدكاري بأبيات وفيها لزوم ما لا يلزم:

قالوا نقابة مصر أودى كفؤها
وتسربلت بحدادها واستخفت
فأجبت كلا بل لها الكفء الذي
رتب العلا بفخاره قد حفت
هو ذو المحامد أحمد من ذاته
جمل الفضائل والكمال استوفت
لما دعاها أذعنت واستبشرت
وأتته طائعة ولم تتلفت
وتبرجت فلذاك قلنا: أرخوا
أدبًا لأحمدها النقابة زفت

ثم بعد وفاة السيد أبي هادي بن وفا تولى الخلافة الوفائية، وذلك في سنة ست وسبعين وماية وألف، وقد أرخه الشيخ المذكور بقصيدة وهي هذه:

قيل لي هل مدحت آل علي
من بهم يكتسي الأديب الشرافه
آل بيت الوفاء من خصصوا
بالمجد والفخر والتقى والأنافه
قلت ما قدر مدحتي لكرام
بهم تأمن الأنام المخافه
غير أني لفرعهم أحمد المجـ
ـد سأجلو بمنطقي أوصافه
هو بيت الأفضال شمس المعالي
أوحد الفضل جامع للطافه
منه أضحى دست الخلافة من صد
ر خليًّا وما دروا إسعافه
قال أعلى الجدود في الحال هاتوا
نجلنا أحمد الذكي العرافه
قدموه فقلت في الحال: أرخ
جده قد أولاه ركن الخلافه

ولما تقلد ذلك نزل عن النقابة للسيد محمد أفندي الصديقي وقنع بخلافة بيتهم. وكان إنسانًا حسنًا بهيًّا ذا تؤدة ووقار وفيه قابلية لإدراك الأمور الدقيقة والأعمال الرياضية، وهو الذي حمل الشيخ مصطفى الخياط الفلكي على حساب حركة الكواكب الثابتة وأطوالها وعروضها ودرجات ممرها ومطالعها لما بعد الرصد الجديد إلى تاريخ وقته، وهي من مآثره مسترة المنفعة لمدة من السنين، واقتنى كثيرًا من الآلات الهندسية والأدوات الرسمية رغب فيها وحصلها بالأثمان الغالية، وهو الذي أنشأ المكان اللطيف المرتفع بدارهم المجاور للقاعة الكبيرة المعروفة بأم الأفراح المطل على الشارع المسلوك وما به من الرواشن المطلة على حوش المنزل، والطريق و مابه من الخزاين والخورنقات والرفارف والشرفات والرفوف الدقيقة الصنعة وغير ذلك، وهو الذي كنى الفقير بأبي العزم، وذلك في سنة سبع وسبعين وماية وألف، برحاب أجدادهم يوم المولد النبوي المعتاد، وتوفي في سابع المحرم سنة تاريخه وصُلي عليه بالجامع الأزهر بمشهد حافل، ودفن بتربة أجدادهم، نفعنا الله بهم وأمدنا من إمدادهم، وتولى الخلافة بعده مسك ختامهم ومهبط وحي أسرارهم، نادرة الدهر، وغرة وجه العصر، الإمام لعلامة، واللوذعي الفهامة، من مصابيح فضله مشارق الأنوار، السيد شمس الدين محمد أبو الأنوار.

بحر من الفضل الغزير خضمه
طامي العباب وما به من ساحل

نسأل الله لحضرته طول البقا، ودوام العز والارتقا، آمين.

ومات الإمام العلامة الفقية النبيه شيخ الإسلام، وعمدة الأنام، الشيخ عبد الرءوف بن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد السجيني الشافعي الأزهري شيخ الأزهر وكنيته أبو الجود، أخذ عن عمه الشمس السجيني ولازمه وبه تخرج، وبعد وفاته درس في المنهج موضعه، وتولى مشيخة الأزهر بعد الشيخ الحفني وسار فيها بشهامة وصارمة إلا أنه لم تطل مدته، وتوفي رابع عشر شوال وصُلي عليه بالأزهر ودفن بجوار عمه بأعلى البستان. واتفق أنه وقعت له حادثة قبل ولايته على مشيخة الجامع بمدة، وهي التي كانت سببًا لاشتهار ذكره بمصر، وذلك أن شخصًا من تجار خان الخليلي تشاجر مع رجل خادم فضربه ذلك الخادم وفر من أمامه، فتبعه هو وآخرون من أبناء جنسه فدخل إلى بيت الشيخ المترجم، فدخل خلفه، ضربه برصاصة فأصابت شخصًا من أقارب الشيخ يسمى السيد أحمد فمات، وهرب الضارب فطلبوه فامتنع عليهم، وتعصب معه أهل خطته وأبناء جنسه، قام الشيخ عبد الرءوف وجمع المشايخ والقاضي، وحضر إليهم جماعة من أمراء الوجاقلية وانضم إليهم الكثير من العامة، وثارت فتنة أغلق الناس فيها الأسواق والحوانيت واعتصم أهل خان الخليلي بدايرتهم وأحاط الناس بهم من كل جهة، وحضر أهل بولاق وأهل مصر القديمة وقتل بين الفريقين عدة أشخاص، واستمر الحال على ذلك أسبوعًا، ثم حضر علي بك أيضًا وذلك في مبادي أمره قبل خروجه منفيًّا واجتمعوا بالمحكمة الكبرى، وامتلا حوش القاضي بالغوغاء والعامة وانحط الأمر على الصلح وانقض الجمع ونؤدي في صبحها بالأمان وفتح الحوانيت والبيع والشراء وسكن الحال.

ومات الشيخ الصالح الخير الجواد أحمد بن صلاح الدين الدنجيهي الدمياطي شيخ المتبولية والناظر على أوقافها، وكان رجلًا ريسًا محتشمًا صاحب إحسان وبر ومكارم أخلاق، وكان ظلًّا ظليلًا على الثغر يأوي إليه الواردون فيكرمهم ويواجههم بالطلاقة والبشر التام مع الإعانة والإنعام، ومنزلة مجمع للأحباب ومورد لائتناس الأصحاب، توفي يوم السبت ثاني عشر ذي الحجة عن ثمانين سنة تقريبًا.

ومات الإمام الفاضل أحد المتصدرين بجامع ابن طولون الشيخ أحمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عامر العطشي الفيومي الشافعي، كان له معرفة في الفقه والمعقول والأدب، بلغني أنه كان يخبر عن نفسه أنه يحفظ اثني عشر ألف بيت من شواهد العربية وغيرها، وأدرك الأشياخ المتقدمين وأخذ عنهم، وكان إنسانًا حسنًا منور الوجه والشيبة، ولديه فوايد ونوادر، مات في سادس جمادى الثانية عن نيف وثمانين سنة تقريبًا، غفر الله له.

مات الأمير خليل بك القازدغلي، أصله من مماليك إبراهيم كتخدا القازدغلي، وتقلد الإمارة والصنجقية بعد موت سيده وبعد قتل حسين بك المعروف بالصابونجي، وظهر شأنه في أيام علي بك الغزاوي وتقلد الدفتردارية، ولما سافر علي بك أميرًا بالحج في سنى ثلاثة وسبعين جعله وكيلًا عنه في رياسة البلد ومشيختها، وحصل ما حصل من تعصبهم على علي بيك وهروبه إلى غزة كما تقدم وتقلبت الأحوال، فلما نفي علي بك جن في المرة الثانية كان هو المتعين للإمارة مع مشاركة حسين بك كشكش، فلما وصل علي بك وصالح بك على الصورة المتقدمة هرب المترجم مع حسين بك وباقي جماعتهم إلى جهة الشام ورجعوا في صورة هايلة، وجرد عليهم علي بك وكانت الغلبة لهم على المصريين فلم يجسروا على الهجوم كما فعل علي بك وصالح بك، فلو قدر الله لهم ذلك كان هو الرأي، فجهز علي بك على الفور تجريدة عظيمة وعليهم محمد بك أبو الدهب وخشداشينه، فخرجوا إليهم وعدوا خلفهم ولحقوهم إلى طندتا طنطا الحالية، فحاصروهم بها وحصل ما حصل من قتل حسين بك ومن معه، والتجأ المترجم إلى ضريح سيدي أحمد البدوي فلم يقتلوه إكرامًا لصاحب الضريح، وأرسل محمد بك يخبر مخدومه ويستشيره في أمره، فأرسل إليه بتأمينه وإرساله إلى ثغر اسكندرية، ثم أرسل بقتله فقتلوه بالثغر خنقًا ودفن هناك، وكان أميرًا جليلًا ذا عقل ورياسة، وأما الظلم فهو قدر مشترك في الجميع.

مات أيضًا الأمير حسين بك كشكش القازدغلي، وهو أيضًا من مماليك إبراهيم كتخدا وهو أحد من تأمر في حياة أستاذه، وكان بطلًا شجاعًا مقدامًا مشهورًا بالفروسية، وتقلد إمارة الحج أربع مرات آخرها سنة ست وسبعين وماية وألف، ورجع أوايل سنة سبع وسبعين، ووقع له مع العرب ما تقدم الإلماع به في الحوادث السابقة، وأخافهم وهابوه حتى كانوا يخوفون بذكره أطفالهم، وكذلك عربان الأقاليم المصرية، وكان أسمر جهوري الصوت عظيم اللحية يخالطها الشيب، يميل طبعه إلى الحظ والخلاعة، وإذا لم يجد من يمازحه في حال ركوبه وسيره مازح سواسه وخدمه وضاحكهم، وسمعته مرة يقول لبعضهم مثلًا سايرًا ونحو ذلك، وكان له ابن يسمى فيض الله كريم العين فكان يكنى به ويقولون له: أبو فيض الله، مات بعده بمدة. قتل المترجم طندتا وأتى برأسه إلى مصر كما تقدم ودفن هناك وقبره ظاهر مشهور، ودفن أيضًا معه مملوكه حسن بك شبكة وخليل بك السكران وكانا أيضًا يشبهان سيدهما في الشجاعة والخلاعة.

ومات الأمير الكبير الشهير صالح بك القاسمي وأصله مملوك مصطفى بك المعروف بالقرد، ولما مات سيده تقلد الإمارة عوضه، وجيش عليه خشداشينه واشتهر ذكره، وتقلد إمارة الحج في سنة اثنتين وسبعين وماية وألف كما تقدم في ولاية على باشا الحكيم، وسار أحسن سير ولبسته الرياسة والإمارة والتزم ببلاد أسياده وإقطاعاتهم القبلية هو وخشداشينه وأتباعهم، وصار لهم نماء عظيم وامتزجوا بهوارة الصعيد وطباعهم ولغتهم، ووكله شيخ العرب همام في أموره بمصر، وأنشأ داره العظيمة المواجهة للكبش بالمقطم، ولم يكن لها نظير بمصر، ولما نما أمر علي بك ونفي عبد الرحمن كتخدا إلى السويس، كان المترجم هو المتسفر عليه، وأرسل خلفه فرمانًا بنفيه إلى غزة، ثم نقل منها إلى رشيد ثم ذهب من هناك إلى الصعيد من ناحية البحيرة، وأقام بالمنية وتحصن بها وجرى ما جرى من توجيه المحاربين إليه وخروج علي بك منفيًّا وذهابه إلى قبلي، وانضمامه إلى المذكور كما تقدم بعد الأيمان والعهود والمواثيق وحضوره معه إلى مصر على الصورة المذكورة آنفًا، وقد ركن إليه وصدق مواثيقه ولم يخرج عن مزاجه ولا ما يأمر به مثقال ذرة، وباشر قتال حسين بك كشكش وخليل بك ومن معهما مع محمد بك كما ذكر آنفًا، كل ذلك في مرضاة علي بك وحسن ظنه فيه ووفائه بعهده إلى أن غدر به وخانه وقتله كما ذكر، وخرجت عشيرته وأتباعه من مصر على وجوههم، منهم من ذهب إلى الصعيد ومنهم من ذهب إلى جهة بحري. وكان أميرًا جليلًا مهيبًا لين العريكة يميل بطبعه إلى الخير ويكره الظلم، سليم الصدر ليس فيه حقد، ولا يتطلع لما في أيدي الناس والفلاحين، ويغلق ما عليه وعلى أتباعه وخشداشينه من المال والغلال الميرية كيلًا وعينًا سنة بسنة، وقورًا محتشما كثير الحيا، وكانت إحدى ثناياه مقلوعة فإذا تكلم مع أحد جعل طرف سبابته على فمه؛ ليسترها حياءً من ظهورها حتى صار ذلك عادة له، ولما بلغ شيخ العرب همام موته اغتم عليه غمًّا شديدًا، وكان يحبه محبة أكيدة وجعله وكيله في جميع مهماته وتعلقاته بمصر، ويسدد له ما عليه من الأموال الميرية والغلال، ولما قتل الأمير صالح بك أقام مرميًّا تجاه الفرن الذي هناك حصة، ثم أخذوه في تابوت إلى داره وغلوه وكفنوه ودفنون بالقرافة، رحمه الله تعالى.

مات وحيد دهره في المفاخر، وفريد عصره في المآثر، نخبة السلالة الهاشمية، طراز العصابة المصطفوية، السيد جعفر بن محمد البيتي السقاف باعلوي الحسيني أديب جزيرة الحجاز، ولد بمكة وبها أخذ عن النخلي والبصري وأجيز بالتدريس فدرس وأفاد، واجتمع إذ ذاك بالسيد عبد الرحمن العيدروس وكل منهما أخذ عن صاحبه، وتنقلت به الأحوال فولى كتابة الينبع ثم وزارة المدينة، وصار إمامًا في الأدب يشار إليه بالبنان، وكلامه العذب يتناقله الركبان، وله ديوان شعر جمعه لنفسه فمن ذلك قوله:

حيي بكاسك لي مع نسمة السحر
وسلسلي الراح من نحري إلى سحري
حيي براحك يا روحي على جسدي
فديك بالنفس يا سمعي ويا بصري
هبي بشمسك في ظل الشباب وفي
ظل الغصون وفي ظل من الشعر
هبي وشقي قميص الفي من قُبل
فالراح شقت قميص الليل من دبر
ووسطي بيننا في الشرب واسطة
من كأس ثغرك هذا الطيب العطر
خداك والروض أزهار مضاعفة
وذي الدراري وذي الكاسات كالدرر
ناهيك من جودة التجنيس بينهما
ما أطيب الشرب بين الزهر والزهر
صفي قنانيك حول الكاس راكعة
وحيعلي وأقيمي الوِتر بالوَتَر
دنياك معشوقة والخمر ريقتها
يا ضيعة العمر بين السكر والسكر
ردي عهودك لي كي أشتكي حزني
إلى ربيعي ما كابدت في صغري

ومنها في التخلص:

والجاهلية شتى في فروعهم
وأصلهم واحد من أول الفطر
كل يميل إليه ما يناسبه
وليس ذاك بموقوف على البشر
ميلي لأسماء إسماعيل أوجبه
منه الجناس وأمر غامض النظر
وألفة من ألست بيننا سبقت
ولم ألمها وقد جاءت على قدر
فحب سلمى وأسما زايل عرض
والجوهر الفرد إسماعيل وهو حري

وهي طويلة، ومن شعره في المجون ما أرسل به إلى بعض أصحابه منها:

يا ابن ودي وصديقي
حال ما تقرا البطاقة
البس العمة واحضر
ولا يكن عندك عاقة
واركب الأدهم واركض
وأعطه منك الطلاقة
واكتم الأمر وبادر
غفلة دون الرفاقه
كمل الوفقُ الثلاثي
ولنا نحوك شاقه
فلدينا كأس راح
واصطباح واعتباقه
ومليح أخجل الأغصان لينًا ورشاقة
ومليح يشتهي للبوس إن شئت اعتناقه
يبخس الآيار بالكيل ويستثني وثاقه
كلما اشتقت إلى البر
جاس حليت نطاقه
من ورا يعطي وقدا
م محبًّا وعياقه
ونديم في المعاصي
خارج من ألف طاقة

وهي طويلة (وله من أخرى):

قد خلينا أمس لكن
بقيت عندي خبله
فاسقنا واشرب إلى أن
نبق في المجلس مثله
ما يلذ السكر حتى
يمضغ السكران نعله
ويرى البغلة ديكًا
ويظن الفيل نمله
اسمع القسيس قد دق
لشرب الراح طبله
غفلة الواشي اغتنمها
لا تكن عندك غفله
إن تأخرت قليلًا
كتبت سبعون زله
خل عني قام زيد
قعدت هند وعبله
ضربت تضرب ضربًا
كل ذاك الصرف عله
حرت في يعقوب والرمي متى أعرف رمله

(ومن شعره):

سلم لمن رقاه حظ كما
يسلِّم الفرزان للبيدق
فطاوع الصانع ثم انطبع
بكل ما شكل في الريزق

(وله):

فضلك رزق زايد فوق ما
ترزقه مع ساير الخلق
لأنه لا بد من بلغة
ثم الحجا رزق على رزق

(وله):

تجاوز عن مرام النطق مني
أراني ما يطاوعني لساني
أخافك أولًا إن قلت صدقًا
وإن أكذب أخاف الله ثاني
فأسكت مطرقًا حتى أرجح
مقالًا معك فيه صلاح شأني
فلا تنكر جمودي إن رقصي
على مقدار تحريك الزمان
يصد المرء يومًا عن حديثي
فتدخلني البلادة والتواني
ويقبل لاستماع القول خلي
فأصدع بالبراعة والبيان

(وله):

تحرك لحفظ الشيء عندك مرة
فإن أنت لمن تفعل تحركت أربعًا
ومن تك قد جربته فحمدته
فعض عليه بالنواحذ أجمعا
ولا تتحول عن أخ قد عرفته
لآخر ما جربته تندما معًا
وما الناس إلا كالدواء فبعضه
شفيّ وكفى والبعض اذى وأوجعا
ودارِ عدوًّا والصديق لنفعه
فمن لم يدارِ المشط ضر وقطعا

(وله):

كل امرئ شاوره في صنعته
لا تسأل الخياط عن بحر الخشب
وقلد الحاضر في الأمر الذي
قد غاب عنك فهو أدرى وأطب

(وله):

جميع أمور اضبطها بحزم
وقدم ربط أقربها ذهابًا
وباب الشرع لا تتركه تلجأ
إليه أو لأضيق منه بابا
وكل قضية تخشى عليها
فأودعها شهودك والكتابا

(وقال في سليم بعمل التبديل):

تقول أضناني الغزال الألعس
يحفظه رب للسما ويحرس
عواذلي إن بسلوى وسوسوا
لي مركز في السقم ثوب يلبس

(وقال في هلال بعمل الاشتراك والقلب وغيره):

واستفهموني عن مليح ذاته
كالبدر بل صورته مرآته
فالنصف في استفهامه أداته
ولا تدور آخر آهيناته

(وفي ناصح بعمل التأليف والتشبيه وغيره):

ألبسني هجرانه ثوب السقم
وصد عن عين الكرى فما ألم
وراح يقرا في الضحى ثم ألم
فصح سقمي بعد نون والقلم

في سمسم بعمل الحساب:

قيدني على هواه وربط
ثم نأى عن المزار وشحط
صحف في كتاب عهدي ونقط
كان ودادًا فتعالى فهبط

(في حصان بعمل القلب وغيره):

أهواه سحار اللحاظ والرنا
أهيف يرزي قده على القنا
أفناني السقم ويا نعم الفنا
مذ نهنه الناصح فيه فانثنى

(في أسماء بعمل التشبيه والترادف):

سألته عن اسمه حين ورد
فقال: ذا جميعه لمن قصد
فاستخرج الحية من بطن الأسد
وحطها في ذيله من غير حد

(في مسجد بعمل الترادف):

قامته كالسمهري قامت
على دمى تبيحه ودامت
وعينه راومتها فرامت
كمثل عين قد غفت فنامت

(في غزال يعمل الإسقاط والكناية والإدخال):

قامته السرا وأسياف المقل
غزوان شنا الحرب في سرح الأجل
صاما عن الراحة في نيل الأمل
وانتعلا من الحفا خف جمل

(في إبره بعمل التحليل):

قد واصلت كل المنى مضناها
وانهض الشيخ إلى لقاها
فيا لها من سجدة في طيه
حين أبى قدامها وراها

(في غمام بعمل الكناية والإدخال):

غلامك الهايم يا ذا الرشا
أجزعه الواشي بما عنه وشا
عسى بما تدركه فينعشا
فؤاده إن الغلام عطشا

(وقال فيما اصطلحوا عليه في التشبيه):

وكل ما استدار مثل الخال
وكوكب وقطرة لآلي
للنقط مثل اللام للعذار
وقس بذا ما شاع باشتهار
كحية وقامة وكالعصا
لألف تريدها مخصصًا
وثم فن اللغز والمعمى
لخصت من واجبه الأهما

(وقال معارضًا قصيدة فتح الله النحاس):

رأى البق من كل الجهات فراعه
فلا تنكروا إعراضه وامتناعه
ولا تسألوني كيف بت فإنني
لقيت عذابًا لا أطيق دفاعه
نزلنا بمرسى ينبع البحر مرة
على غير رأي ما علمنا طباعه
نقارع من جند البعوض كتايبًا
وفرسان ناموس عدمنا قراعه
فلو عاينت عيناك ميدان ركضه
رأيت جريء القلب فيه شجاعه
وجندًا من الفيران في البيت كمنا
متى وجدوا خرقًا أحبوا اتساعه
ومن حط شيئًا في جراب وبطة
فما رام عند الفأر إلا ضياعه
وسربة قمل تنبري إثر سربة
خفاقًا إلى مص الدماء سراعه
ينازعها البرغوث لحمي فليته
رضى بتلافي واكتفينا نزاعه
فلو يجد الملسوع من عظم مابه
من الضخر درعًا لاستخار ادراعه
قرب قميص كان شرًّا من العرى
إذا ضمه الملتاع زاد التياعه
كأني وصي للبراغيث قايمًا
أقيت له أيتامه وجياعه
إذا شبع الملعون مج دمًا على
ثيابي فلا أحيا الإله شباعه
فما رشنا بالدم إلا لسانه
ولم ترعيني مكره وخداعه
سلوا عن دمي ساري البعوض فإنني
علمت يقينًا أنه قد أضاعه
فلله جلد صار بالحك أجربًا
أخاف عليه يا فلان انقشاعه
وعظم سلاق قد تولع بالخصا
وحر أذاب الجسم ثم أماعه
ونتن كنيف كلما هان عرفه
أحاط به واشي الهوى فأذاعه
بخار كنيف ربما جلب العمى
وسبب للآتي إليه الصراعه
فلو كان يجدي المرء تجديع أنفه
لود الذي يأتي الكنيف اجتداعه
لو كان قطع الأكل والشرب نافعًا
لآثر بين العالمين انقطاعه
وكم قد أكلنا نملة وذبابة
وفارًا بلعنا أذنه وكراعه
وماء زلاع صار معجون علة
شربناه كرها وادخرنا زلاعه
وباء وسقم لا محالة كله
ونرجو من الله العظيم ارتفاعه
فلا تعذلوا المسكين إن عيل صبره
وأظهر من جور الزمان انفجاعه
فقد مارس الأهوال في أرض ينبع
ووطأ فوق الغانيات اضطجاعه
ذرعت العنا فيه يمينًا ويسرة
وصيرت صبري والتأسي ذراعه وكشف ص٥٦٧
فأعدلني طول المقام
عن وجه اصطباري قناعه
إذا رنم الناموس حولي أعلني
وصدع قلبي بالسجوع وراعه
وإن مص من دمي وطار تبعته
إليّ فأنت منه أرجي ارتجاعه
عدمت غناء مثل أنغام سجعه
فما كان أشنى سجعه وابتداعه
ضعيف قوى لا يستقر من الأذى
وأضعف منه من يرجي اصطناعه
وقد نفدت في دفعه كل حيلة
ولو كنت بالحسنى طلبت اندفاعه
فيا لأصيحابي اقتلوني ومالكًا
فقد مد نحوي مفسد البق ورعاعه
وأصبحت في دار المشقة والعنا
أخالط أوغاد الورى ورعاعه
وكلبًا من الأعراب يعوي كأنه
يريد إذا لاقى الأمين ابتلاعه
فلو صاح فوق الصخر خر لوقته
وأبصرت من ذاك الصياع انصداعه
براه إله الخلق للناس نقمة
وقد من الصخر الأصم طباعه
فلا رحم الرحمن أرضًا يحلها
وباعد عنا بالسنين انتجاعه
ومن كل جبار عنيد يرى الورى
عبيدًا لديه والبقاع بقاعه
شقي عصى الرحمن في كل أمره
ومال إلى شيطانه وأطاعه
فقل لرعاة الوقت: إن نعاجكم
أتاح لها ريب الزمان سباعه
فهل لكم في لم شمل الذي بقى
برأي بديع تحسنون ابتداعه؟
وإلا فإن الأمر لله كله
ولا رأى في خرق يريد اتساعه
سلونا عن الدنيا فكل نعيمها
متاع غور لا يديم متاعه
وما أعتضت من كوني أديبًا وفاضلًا
لدى الناس إلا قوله وسماعه
ومن كان يرجو في الأمانة مغنمًا
فخلوا له أوضاعه وخراعه
وقولوا له: هذاك ينبع حاضر
لمن رام يبلو ضره وانتفاعه
فكم كاتب أفنى اليراع كتابة
ومل وألقى في اليراع كتابه
وكم بدوي داسه فوق بطنه
ومزق ما بين الأنام رقاعه
ومن جاءكم منا مع الليل شاردًا
فذاك لهول واقع فيه راعه
ومن يمتنع عن خدمة مثل هذه
فلا تنكروا إعراضه وامتناعه
فما يكسب الكيال إلا غباره
ولا الكاتب المسكين إلا صداعه

(ومن إنشائه) هذه المراسلة: إن أبدع براعة يستهل بها الوداد، ويدبج محاسنها كمال الاتحاد، وأجلى مذهب تسرع إلى معقله الهمم، وأحلى مشرب يكرع من منهله القلم، عرائس تحيات تزفها مواشط النسيم، وتحفها أتراب التكريم والتسليم بختام من مسك ومزاج من تسنيم، فتسفر بها أسفار المحبة، مع سفير أكيد الصحبة، محمولة على موضع الأخلاص، تالية لمقدم مزيد الاختصاص، شعر:

قرنتهن تحيات يعززها
مني السلام ووتر الحمد يشفعها
تؤم مرتبع الآمال منتجع الإ
فضال بل مشرق النعمى ومطلعها
مختار رأي العلا من راقبت قدرا
به العناية حتى جل موقعها
فقيل: ذلك فضل الله من به
ونعمة الله يدري أين موضعها

ولا جرام فقصاياه إلى الحكم موجهات، وأنواع أجناس وضعه مختلطات، وعلى وحدة الصانع تدل المصنوعات، ومولانا المشار إليه أو حدى من انطوى فيه العالم الأكبر، وانتشرت به آية الفضل المطوي المضمر، فهو في الأسلوب الحكيم إقليم التعاليم. وفي ديوان الأدب لسان العرب، وفي عدل الميزان الحجة والبرهان والسلم إلى الإيقان، ولوجوه الأعيان مرآة الزمان، والقرآن الأوسط وفي الأقران، نكتة العقل الأول ومشرعه، ونهاية كمال الطبع ومطلعه، (شعر):

يا له من صحيح نعتي حديثًا
بحر فضل يرويه ابن معين
رافع الوضع فهو فاعل فعل
أظهرته الأقدار في التكوين
معدن حل فيه جوهر علم
ليس في سر غيبه بظنين
مثل ما كانت والأهرام مبني لكل معنى مصون
يتدلى طورًا وطورًا تراه
يتعالى على اختلاف الشئون
ماجد منطقي يقصر عنه
ليس قدر الميزان كالموزرن
وإلى ها هنا وصلنا إلى النعت ومن فوق ذاك علم اليقين
لا خلاه الجميل يبقى ولا زا
لت علاه الذرا ليوم الدين

(وبعد) فالموجب من المخلص لهذا التعهد، والمقتضي لمزيد التودد، هو ميل الروحانية إلى المناسب، وتألف الطبيعة بالملازم المتناسب، ولا غرو فإني لمزيد الاشتياق، وطباق بديع الاتفاق، شعر:

خلقتُ الوفا لو رددت إلى الصبا
لفارقت شَيْبي موجع القلب باكيا

ومع ذلك فعلامات الأسباب في منهاج البيان، وتلخيص هذا النظام، تذكرة لتشحيذ الأذهان، وموجز ذلك على قانون العادة، للشفاء بثمرة الإفادة، شعر:

نبض اشتياقي شاهق متواتر
عظيم ونبض الإذكار سريع
لو حركات الكيف والأين نحوكم
وباقي مقولات الوداد جميع

وتلك نسبة تصديقها إذعان، ولازم نتيجتها برهان، وتلخيص مطولها بيان، وما زلنا نسأل معتل النسيم عن صحة الخبر، ونقنع العين بشياف الأثر، ونرجو مع ذلك رفع أداة الانفصال، وحمل قضية الود على موجبة الاتصال، وإن سأل المولى عن القايم بوظيفة الأدعية، ورواتب الأثنية، فما زالت شعاب أكفه تستمطر غيوث الإحسان، ومقاليد دعائه تستفتح أبواب الامتنان من المنان، ولا سيما في أوقات مظنة القبول، وتحقق بلوغ السول في حضرة الرسول، فهو يُرسخ ذلك في سجلات الحسنات، ويؤيده في تسطير الباقيات الصالحات، شعر:

وهذا دعاء لو سكت كفيته؛
لأني سألت الله فيك وقد فعل

فإذا ليس ذلك إلا من جهة واجب الإخاء، وملازمة فرض شروط الوفاء، فها أنا أعقد ألوية الثناء بذات الرقاع، وأبث طلايع السؤال عن المخلص في نفسه، لكشف لبسه، مع إخوان زمانه وأبناء جنسه، شعر:

فعبدكم مخلص الوداد لكم
يبات بالذكر ثاني اثنين
فنسخة الحال مَتْنُها جمل
وشرحها في شواهد العين

وقد سبقتم إلى ذلك بالنظر، وليس كالخُبر الخَبر، إلا أن يكون اللباس، قد أوجب الالتباس، وأضاع القياس، فأطفأ النبراس، وهدم الأساس، وجمعنا مع آحاد الناس، فلا غرو فطالما حاولت الإيقاع، وتوخيت موافقة الأوضاع، ونظرت في تخت الحسبان لطريقة الاجتماع، شعر:

ولما أبي الإنتاج شكلًا مناسبًا
تولده الأقدار في الخط والرمي
وقفت أغني للأصم مغردًا
وأرقص في ليل الجهالة للعُمي

فالمدلي بالطبع لا يستغني عن الجمع، ويعرض عن الرسالة البحث إلى علم الوضع، وإذا كان الأدب في النفوس، فالحقيقة من وراء المحسوس، وعلى اختلاف الشئون، يجمل بي أن أكون. شعر:

يومًا يمان إذا لاقيتُ ذا يمن
وإن لقيت معديًّا فعدناني

فليس الرشيد إلا المتوكل، والا الراضي على القدر إلا الموفق المتجمل، والطائع مأمون العواقب، والمنصور بالعز ليس له غالب، فلا أعلم من التصريف إلا باب المطاوعة، والانفعال، ولا أجهل هذا الأدب إلا التنازع بين الأفعال، والخوض في مجمع الأمثال وعقم الاشكال، وما عسى أن أفعل، وإلى أي مرام أتوصل، إذا نازعت في قول الأول. شعر:

فاقبل من الدهر ما أتاك به
من قر عينًا بعيشه نفعه

ثم إذا قلبت ظهر المجن على الزمن، فقلت: إن حاطب ليل، جامع بين الحشف وسوء الكيل، وقد تشوش ذهنه في التصريف، وماله عن النكرت من التعيرف، حتى صرف ما لا ينصرف، وصرف الكامل عن دائرة المؤتلف، وقفا بالمحن سناد الإشباع، وأردف له ذلك مع شهر الامتناع، فقصيته معدولة عن الكرام محصلة للئام، خارج بعضها عن النظام، مولودة لغير تمام، فمن لي بمن أقضي عليه بكتاب الضمانات، وحكومة الكفالات، ومسائل العقل والديات، لاسترجاع ما فات، ما لا يومأ إليه ولا يشار. شعر:

سبحان من وضع الأشياء موضعها
وفرق العز والإذلال تفريقا

والعجب في شيء ظهر أمره، وخفي سره، فالمتعرض حينئد كالمتأمل المستفيد، وأنى له التناوش من مكان بعيد، بل أكون كالماء فأتبع السهول، وأراقب القسمة حتى تعول، ولا أتبرم ولا أقول:

إلى الله أشكو أن في النفس بحاجة
تمرُّ بها الأيام وهي كما هيا
ولكنني راض بأن أحمل الهوى
وأخلص منه لا عليَّ ولا ليَا

وربما يقال: إني نقضت وضوء الأدب، وتعديت ميقات النسب، ولم أحرم بالتجريد من دناءة المكتسب، ولا سجدت للسهو عن حقوق الحسب.

من تردى برداء
لم يرثه من أبيه
سوف يأتيه زمان
يتمنى الموت فيه

فعلى ذلك إن ثبتت الجنحة، فالمحنة في تلك المحنة، وشر ما يلجئك إلى مخيسة عرقوب، ولا سيما وقد ضعف الطالب والمطلوب.

ما محوج نفسه إلى سبب
إلا لأمر يئول للسبب
تلجي الضرورات في الأمور إلى
سلوك ما لا يليق بالأدب

وإن أكن قد خالفت الأكياس، وتخلفت مع الناس، وصبحت الرضا لتهجمى آل العباس، فإن الماء في بابه، مفوض إلى رأي المبتلى به والدخيل في دائه، أعلم بدوائه عند فقد أطبائه، وهل هم في معنانا إلا الكرام، ومساعدة الأيام؟ وهبني كفلت نتيجة الدهر، ودمية القصر في أبناء العصر، وقلدتها قلائد العقيان، وعقود الجمان، مفصلة بجواهر النصوص ومعادن الفصوص، وأقطعتها رياض زهر الآداب وغياض آداب الكتاب، وأسكنتها علالي المقامات وعلوم الطبقات، وتهذيب الرياضات وسير الفتوحات، إلى إدراك الممكنات، ثم قلت: أين بغية الحفاظ، وابن جلا وخطيب عكاظ (شعر):

لو علم الحي اليمانون أنني
إذا قلت: أما بعد أني خطيبها

فمن لي بمن يميز بين الضدين، ويقدم الجمعة على الإثنين، ويميل إلى الكشكول علن كتاب العين، وإن فضل لذلك أرباب، أو كان في الجعبة نشاب، فالمعاصرة حجاب، والتفاخر سور له باب، فما بقي إلا التشاغل بالسلوان، وبكاء العيون لوفيات الأعيان، ومراقبة المطالع لنصبات الطوالع، وبلوغ المقاصد من تلك المراصد، فقديمًا قيل: من طلب شيئًا قبل الوقت، لم يجن من ثمرات أمانيه إلا المقت، (شعر):

دعها سماوية تأتي على قدر
لا تعترضها برأي منك تنخرم

فمن الخسران جهل الأوزان، ومساعدة الأبدان قبل معرفة البحران، فربما كان في أسطرلاب السعادة، ما يخالف العادة، ويبلغ الحسنى وزيادة؛ هذا والمطلوب من المولي تعهدنا بالذكر، وحضورنا عند الفكر، فلعلنا نصادف قدرًا به ليل الحظ يقمر؛ وفجر الإقبال يسفر، وربما طلعت من مشرقكم شموسه وأقماره، ووضح لذي عينين صبحه ونهاره، فلنا في الغيب آمال، وفي كنانة الأدعية سهام ونبال، ومن حسن الفال، حاسب ورمال، وبميدان جميل الظن مدار ومجال، وإلى عالم السر جواب وسؤال، وفي فتح القدير مستند ورجال، وعلى ضوء مشكاة المصابيح تقرأ نسخة الحال، فإن في عياضها شفاء؛ وفي خلاصتها وفاء، وفي كنز الكافى معادن، وعلى وجوه التفويض تلوح المحاسن، ومن دخل حرمه كان آمن (شعر):

تلك رؤيا قصصتها لك فانظر
لي فيها التأويل والتعبيرا
وعرضنا فلزات حظ غبيط
وأفضنا لرأيك التدبيرا
ولك الأمر فيه حلا وعقدا
ربما عاد ثابتًا إكسيرا
صح قلب العيان فيه وأضحى
جابر قلبه به مكسورا
ثم قلنا للكيميا: سلام
قد كفينا التصعيد والتقطيرا
وفرغنا ننظم الدر من معـ
ـنى مساعيك غُدوة وبكورا
واشتغلنا مع المحبين نتلو
لك فرقان مدحة وزبورا
فنساقي من تلك كأسًا دهاقًا
كان فينا مزاجها كافورا
شيمًا لو تجسمت منك كانت
هي للناس جنة وحريرا
معدنًا تلقط المسامع منه
حين تلقيه لؤلؤا منثورا
وبديعًا من العلا ما نظرنا
لمراعاته هناك نظيرا
وإذا ما رأيت ثم من المجـ
ـد مقامًا رأيت ملكًا كبيرا
أبدًا في مواكب الفخر تستعـ
ـبد كسرى الملوك أو سابورا
غفر الله سيئآت زمان
ساء قدمًا وعاد منك بشيرا
مثل يعقوب وابنه ثم لما
جاءه ارتد بالقميص بصيرا
وتولى جزاءه الله عنا
إنه كان سميه مشكورا
يا لإنسان رفعة أنت فينا
يرجع الطرف إن رآك حبرا
بيت حبي ما زال فيك مدى الد
هو دوامًا مشيدًا معمورا
نقشبندي الولاء فيك ملامي
مولوي السير باطنًا وظهورا
وودادي أبو يزيد وأقصى
طوره طورًا طور سيناء طورا
فتقبل إليك حور معان
قد سكن الألفاظ مني قصورا
وكميت من القريض كميت
دونه جر في الرهان جريرا
ملكًا في خلافة الشعر جا بالنـ
ـثر معه مصاحبًا ووزيرا
وابق واسلم كما تشاء المعالي
تبق ذكرى خير وتفنى الدهورا
أبدًا كلما خصصت بمدح
وسعى نحوك القريض سفيرا

(وكتب إلى عبد الرحمن السيوري) أهدي جزيل سلام ألذ من الوصال في طيف الخيال، وأحلى من الإقبال بالآمال، وأحب من الإتحاف بالإسعاف، وأعذب من الورود على حياض الوعود، وأعشق إلى الطالب، من حصول المآرب، وأكرم من الغمام، بإهداء جزيل السلام، أريجًا يكمه الزهر في أكمامه ويلمه الجيد في نظامه، ويجعله الرحيق من ختامه، والثغر الشنيب تحت لثامه، نودعه النرجس في جفونه، ونلقنه الحمام في سجعه على غصونه، فيحمله النسيم على متونه بجميع فنونه، إلى حضرة إنسان العين بالكامل، ورأس أدب الكاتب في صدور المحافل، ومن سحب البلاغة على سحبان، وجر على المجرة سرادق العز والإمكان، وسيط النسب إلى الأدب، وطراز الفخر على جبهة الدهر، المخصوص بخالص الود وأكيد المحبة، على مراد الوفاء بشروط الصحبة، المكرم الأجل عبد الرحمن بن مصطفى السيوري، أطال الله عمر سعادته، وخلد دولة سيادته (شعر):

بعد فالشوق إن تسأل فإن له
شواهدًا وسؤالي منك أصدقها
وإن في البعد ما ينسى الأخوة
والتسآل عنك بلا شك يحققها
فكيف أنت وكيف الحال دمت على
ما كنت من شكر نعمى فيك ترزقها
سوى المودة فيما بيننا فلقد
رأيت منك يد السلوى تمزقها
وذاك مع طول عهد بالإخاء مضى
عمر الصداقة حتى شاب مفرقها

فإن لم يكن إلا الملال، فلا جدال، وإن أوجب ذلك لذة الجديد: فحرمة العتيق لا تبيد، أو كانت القسوة عن شهوة فالاعتراض يرد الإعراض، وإن كان الترك بلا سبب، فهو من العجب (شعر):

وإن أحلت على حظي اعتذارك لي
خرجت عن عهدة التعنيف والعتب

ولكن أين الفضايل؟ وكيف تلاشت الفواضل؟ تحمل التحمل وأجمل عن الإزماع التجمل، وتقاصر الطول والتطول، حتى وكلت غيرك من الأنام، في إهداء السلام، وجاءني بشير المواعيد، على بريد، فملت إلى النفس أبشرها، وعلى الفرش أنشرها، وإلى الزلاع أنظفها، وعلى الفقاع أصففها، واشتغلت باللحية أسرحها، وأهل الحارة أفرحها، ثم ذكرت وصول الحبوب في الغبش، فعبيت الخيش وقلت: ربما يصل التمر في العصر، ويا ترى تلك البضاعة تسعها القاعة؟ أم لا بد من توسعة الضيق، لتلك الصناديق، وكيف نعين الزبون، لاقتراض العربون، وتسليم الجماله، إذا وصلت تلك الرسالة، ثم أنشدت وأنا أدور ما بين الدور. (شعر):

لا بشرى لجيراني
مع الأصحاب والأهل
فقد جاد لنا المولى
محل الجود والفضل
ولا بد لأصحابي
من الإنعام والبذل
لهم منى مدى الأيام فضل الزاد والأكل
وكل يكتسي مني
على الهيئة والشكل
من الفرو إلى الجوخة للعمة والنعل
وأيضًا خلعة أعطى
من الرأس إلى الرجل
إلى السرج إلى الرحل
إلى القتب إلى الجل
فسجل يا غلام الخير خيراتي على الكل
وناد الأهل والجيرا
ن وابعث نحوهم رسلي
وخاطبهم إذا اجتمعوا
بدق الزير والطبل
وقل: هذي مضايفنا
وهذي قدرنا تغلي
من اللحم إلى الرز
إلى السمن إلى البقل
وأنواع من المشوي والمغلي والمقلي
وأجناس من الزريا
ج بالمشمش والخل
ولا تخرج بأضيافي
إلى الشمس من الظل
وأما النقد فالحاضر عامود وفندقلي
ومن يطلب زنجرنا
ه إن شاء بزنجرلي
فدعني ألبس التا
ج بهذا المجلس الحفل
وإن كنت تنحنحت
انا يا عبد نعم لي
تراني مقصد الحاجا
ت لا بعدي ولا قبلي
تراني أقتل الأقرا
ن يوم الحرب من مثلي
وإن كنت تريد الحر
ب هذي الخيل يا خلي
فقل ما شئت في قولي
وقل ما شئت في فعلي
وإن كنت توضأت
على قصد الثنا صلي
وصف جودي وصف عودي
وصف سيفي وصف نصلي
فهذا الحبس ملآن
من الأعداء كالنمل
وهذا الخير مطروح
على الطرقات والسبل
بصيتي سارت الركبا
ن من وعر إلى سهل
هنيئي اليوم بالأموا
ل قد أصبحت درهم لي

ثم أخذت الإبريق، وملت عن الطريق، واستكت واغتسلت، وتوضأت واكتحلت، وتنحنحت وسعلت، وخرجت ودخلت، ثم ملت إلى الصندوق وألقيت القاووق، ولبست الزربفت، من فوق التفت، وتدرعت بالسمور، وجلست على تخت التيمور، ثم خلعت على العتالين، وقدمت أجرة المخزنين سبع سنين، ثم إني كررت المخبرة، وطالعت الورقة بالمنظرة، فإذا السكر المكرر قد تسطر، وإذا البن المحزوم، ولطايف الملبوس والمشموم، وتأملت في هامش الكتاب، فإذا جراب وفيه الوعد بكل نفيس، وفي ضمن الجميع كيس، وفيه المنة بمفاتيح قارون، ومقاليد القلاع والحصون، والوعد بطلسم الأهرام، وكتاب العهد على اليمن والشام، ولم أجد العهد على الصين، ولا فارس ولا قزوين، وأرض الدروب وفلسطين، فحصل لي العجب العجاب، وقمت إلى الجراب، بعد إغلاق الباب، وقد أذكيت المصباح، وفتشت إلى الصباح، وإذا كتابان قد كتبا بالزعفران، وضمها بالعبير، ولفا في حرير، في الأول ملك خرسان، وتقليد الشحر وعُمان، إلى إقليم السودان، وما وراء النهر وعبادان إلى جزيرة العرب، وغوطة دمشق وحلب، ولم يزل ينعم وعدًا، ويهب، ويجيء بالعجب، وفي ذيل المنشور، وتمام المسطور، تفضل بالأقاليم وأنعم بتاج العز والتكريم، فسجدت لكرمه، وشكرته على نعمه (شعر):

ثم رتبت دفترًا للمطايا
وقسمت البلاد بين الأخلا
قلت: ذاك الصديق أعطيه صنعًا
في بني حمير الكرام الأجلا
وعلى فارس صديق وأرض الروم
ثان والهند أوليه خلا
حاصل الأمر أن كل محب
لي على قدر حظه يتولى
وأنا في السحاب بيتي وتختي
كل يوم إلى السما يتعلى
واقترضنا في الحال ألفين دينار
انقضى بها هناك شغلا
واشترينا خمسين عبدًا خصيًّا
منهم نصف ذاك إلا أقلا
واستعرنا لهم ثلاثين قاوو
قا على رأسهم وللرجل نعلا
ثم ناديتهم وقلت: هلموا
فادخلوا هذه الطوالة قبلا
كل شخص منكم حمارًا ينقي
ثم شيخ العبيد يركب بغلا
وخذوا ذا السلاح سيفًا ورمحًا
ودروعًا تسمو وقوسًا ونبلا
واعرضوا نفسكم علي فإني
أشتهي العبد في السلاح المحلى
واقعدوا عند بابنا ثم قولوا
يوم الحمول أهلًا وسهلا
ثم إني فكرت إن أصبح الخير علينا ماذا نقدم فعلا
قلت: حط القماش والبن في
المجلس واجعل باقي التفاريق سفلا
ثم هذا المكان يحمل حملين
وهذا المكان يحمل حملا
هذه صفة نحط عليها المسك أم هذه بذلك أولى
هذه للزباد تحمل قرنًا
وهذه يا فلان تحمل رطلا
يا ترى تحمل المخازن عثرًا
من هذا يا فضل السيوري أم لا؟
يا ترى يغبشون أم تطلع الشمس عليهم أم ما يجيئون أصلا؟
اضربوا مندلًا لنا يا ثقاتي
ربما يحصل المنا ولعلا
دخنوا دخنة التهاطيل قولوا
يا طهاطيل طهطهيلات طهلا
ألوحًا ألوحًا ططاطيل طيطا
طوطيا طوطيا طلاطل طلا
هات لي يا غلام زايرجة الرمل عساني منه أخرج شكلا
إن ترى في الطريق غير المطايا
تتهادى فحبذا الرمل رملا

ثم ملت بإنساني، إلى المكتوب الثاني، وإذا علم استخارج الطلاسم وخبر الملاحم، والتوصل إلى فتح الأهرام، في ثلاثة أيام، ومعرفة ذات العماد، في أي البلاد، والإتيان بعرش بلقيس، بتدبير المغناطيس، وفيه استخدام الكواكب، ومعرفة كل غايب، وبيان علم الروحانيات، ودعوات العليات، وضبط الدقايق الفلكيات، وملكوت الأرض والسموات، وأنه يكشف لنا رموز الكيمياء، ويعلم طرايق الزايرجات والسيمياء، ويدل على بير الملكين ببابل، ويستخرج علوم الأوايل، ويعزم على الوحش فيجلبها، وعلى الجبال فيقلبها، وعلى الغمام فينزله، وعلى الريح فيحوله، وعلى النجوم فينثرها. وعلى القبور فيبعثرها، وإن الجميع يصل على الفور، وفي هذا الدور، وأن ينتف لحية المكذب، قبل أن يجرب، ويقص سبال المنكر، وإن لم يؤمن بما يخبر، فقلت: آمنت بما قاله سبحان من أعطاه ذا الاقتدار أستغفر الله السيوري ما يعرف يا أخوان قول الفشار، ثم شرعت أعبي الخيل والخول، وأجيش بجميع الدول، للقاء ذاك الأمل، ولم نزل نبث الطلايع، ونتوقع الطالع، إلى أن أتى الأبد على لبد، ولم يصل أحد فثارت الفتنة بين الجنود، لتأخر الوعود، ووقعت البسطامية والبسوس، لحصاد النفوس، وتقصفت الأسنة، وتقطعت الأعنة، وتثلمت السيوف، وتماوجت الصفوف، وسال جيحون والفرات، بدم الأموات.

وما زالت القتلى تمج دماءها
بدجلة حتى ماء دجلة أشكل

ولم يبق أحد من الجيشين، إلا صلى على وعدك ركعتين، ورجع بخفي حنين، ثم إنا احتلنا في إطفاء نار الفتنة، بطلب هدنة، إلى أن يصل إليك الكتاب، ويرجع الجواب، وقد أمرنا السفير إذا وقف بين يديك أن يقرأ عليك:

قل للخليل الذي أنهى لحضرته
خلاصة الود من سرى ومن علني
ومن مدى الدهر أدعو في سلامته
من الردى وهي من قصدي ومن شجني
يا ذا الذي وعد المعروف ثم مضى
لذاك عمر الأماني والزمان فني
ومن على مذهب الحسبان ملكنا
كنوز قارون من مصر إلى عدن
إن كان عندك محض الوعد تحسبه
أصلًا من الجود أو فرعًا من المنن
فعد بحنطة بولاق وقل معها
مع ساحل البن غابات من التتن
وافرض بأنك قد قلدتني عملًا
بالهند أجبي صنوف الخز والقطن
وولني ساحل البحرين أجلبه
بسوق سعدك بازارًا بلا ثمن
وجد بإيوان كسرى والخورنق والـ
قصر المشيد وملك الشام واليمن
واعقد لي التاج رغمًا منك واجعلني
على طوايف ذي القرنين في المدن
وقل وهبتك ما في الأرض من نعم
باللحم والجلد والأصواف واللبن
ولا تكن خشية إلانفاق مقتصرًا
ما دام كنزل من وعد فأنت غني
لله وعدك منذ عامين أنشدني
أنا المعيد فاسمع بي ولا ترني
خذ مني علومي ولا تركن إلى عملي
ولا يغرنك مني خضرة الدمن
فقلت أجري عند الله أطلبه
حولين يا وعد تسقيني وتطمعني
من العجايب أبديت الشجاعة في
وعدي وعدتُ أكلت الخبز بالجبن
مبالغات من الأقوال تسمعها
لو كن في البحر ريحًا طرن بالسفن
يا ذا الذي جاد في الأحلام لي كرمًا
يهنيك أني قد استغنيت من أذني
فلا تكن تقطع التشريف عني في
كتاب ودك لي في لفظك الحسن
حتى أفوز بملك الأرض منك ولا
أرضى بأني في غمدان ذي يزن
وخذ ثوابك وعدا مثل وعدك لي
هذا بذاك ولا عتب على الزمن
(وكتب) إلى الشيخ عمر الحلبي على لسان تلميذ له:

أهدي جزيل سلام ما زال دايرًا بمركزه محيطه، وواقفًا على مركبه بسيطه، سلامًا أنظم به الدراري والدرر، وأنثر به المنثور والزهر، وأستخدم له بهرام والقمر، سلامًا منشورة ألويته على عمود الصباح، موعدة سرية همته بظفر الافتتاح، سلامًا تشير إليه الثريا بكفها والجوزاء بشنفها والزهرة بطرفها والدقايق بلطفها عند كشفها، سلامًا تتلقاه الشعرى العبور للعبور، ويقوم له زيد الوداد بالمرصاد فيعرض عليه شقيق رمحه، والمعلي قدحه، وابن جلا عمامته، ومرجف لأمته، جامعًا بين الجد والهزل، والإرفال والرمل، مخصوصًا به حضرة محيط مركزي بعنايته، وهيكل سرى بحمايته، نكتة الفلك، وروحانية الملك؛ ونفحة القدوس، المشرقة على النفوس، الفايز بفصوص الحقايق، وكنوز الدقايق، والحايز معاني الإشارات، في أبواب الفتوحات الشارب من العين بكشكوله والملقى عصا السير في ساحة وصوله، ركن ذا الفضل وإسطقصه وجنس نوع الكرم ونفسه، شيخي وأستاذي الشيخ عمر، لا معدولًا عنا لقاطع، غير منصرف عن المقتضي بالمانع، آمين، وبعد التقرب بنوافل الأدعية، والتحبب برواتب الأثنية، صدورًا عن فؤاد قايمة زواياه في الوداد، مستقيم خط هواه في كمال الاتحاد، غير منقسم جذره الأصم عن العذال، ولا مجتمعة له ضروب اللوزم في مثال، فهو لا ينكسر إلى السواد فيتخصص، ولا يختلط فلزه بالأغيار فيتمحص، من مخلص يطرح الألف، ويأخذ الواحد بالكف، ويستخرج مجهول الأغيار، وينفض التغيير بقلم الغبار، حتى يحصل له بالجبر المقابلة، في مديح ذوي الإمعان والمحاوله، فيأخذ هناك ارتفاع الشمس، بأسطرلاب تهذيب النفس، ويترقى في درج المعاني، باطراح التواني وطرح الثوالث والثواني، وما ذاك إلا لإضافتي لعلمكم بعلمكم، وشربي من كرمكم بكرمكم، وتمييزي في هذه الحال، ببدل الاشتمال، ولا سيما بعد وصولي ما أشاء إلى جهتي وصح به أملي عن الخروج من جدولي ولي ولي، فلا زال كيدي أهل الفضل واسع البذل بسيط النوال، وافر مديد الكمال، متداركي إلى مداركي، وسايري في سايري ومفيقي من سكر تلفيقي إلى توفيقي، ومحرري بضبطي من خبطي في خلطي، ورفيقي في تشويقي إلى تحقيقي يرحل بي إلى المختصر عن المطول، وينزل بي عن المعاهد في البديع الأول.

(وقال):

وخمرة من معان
حلت دنان الحروف
جلت كدورات حسي
حتى تلاشى كثيفي
ولا عجيب لصفوي؛
لأن ذا الروح صوفي

(وله عفا الله عنه):

لعمرك أنت كتاب الكمال
بآياته يظهر المضمر
وشعري عنوان ما قد حواه
وفيه انطوى العالم الأكبر

(ومن التحميضات):

قل لأشياعي الذي صحبوني
ثم راحوا من بعد معتزليه
ولأنصاري الذي خذلوني
واستعاضوا سواي أنصاريه
عفتمو نصف أمرد كوسجيًّا
وانفردتم بمذهب الموصليه
لا تظنوا في عفتي هي ما هي
أنا قلدت مذهب الباحيه
أي ذنب جنيت حتى استرقتم
نفسكم للمقيل وقت العشيه
واحد راح من زقاق القشاشي
يتمشى في هيئة مخفيه
ورجال من البرابيخ جاءوا
ورجال من تحت جدر التكيه
واحد حامل كتابًا يوري
أنه ساير إلى الكُتبيه
وأخ قال قد شربت دواء
وأريد الإسهال في العنبريه
وصديق سألته أين تبغي
فلوى رأسه وقال قضيه
قد نذرت الصيام شهرًا ولاء
وشرطت الإفطار بالعدسيه
لا تخبث نفسي بذكر الكوازي
واللوازي والوزة المحشيه
أنا لا أشتهي الكباب ولا الرز
ولا زرباج ولا اللبنيه
قد زهدنا في كل ما تشتهيـ
ـه النفس حتى الدجاجة المقليه
عفت كل الطعام قلت فما المو
جب قال اللحقوق بالصوفيه
وأتى آخر فقلت سلام
فسعى مسرعًا ورد التحية
ووراه شخص يجر خروفًا
حاملًا تحت كمة مطبقيه
قلت ما لحال قال قد شرد العبـ
ـد بشالي والفرو والفرجيه
قلت قد مر عبدكم بطعام
وشراب من قبلكم من هنيه
قال عبدي ياقوت قلت نعم
قال لقد بعته نهار الضحيه
اسم هذا الماس قبحه الله وأيري في است أمه الزنجيه
ثم ولى عجلان قلت انتظرني
أطلب العبد معك للتربيه

(في المطبوخ وعمله):

أنا أولى بالجري منك؛ لأني
ما طعمت الغدا وبطني خليه
قال أقعد بالله ربك أقعد
بالنبي باليهود بالعيسويه
ما يفوت العبيد وهو قريب
حول نخل الإمام والكركيه
ثم إني سألت عن واقع الحا
ل وتلك القضية المخفيه
فإذا أنتم كما قد ذكرنا
لا وفا لا حيًّا ولا عصبية

(وقال من أرجوزته الطبية):

ومفردات من مركب اضبط
أصولها والحب لا تفرط
أو معدنا والصمغ أو ما مثله
فافعل بكل ما اقتضاه فعله
ما قيل في القانون من أفراده
ولاحظ الطبيب في مراده
ثم إذا خص بماء أو شراب
يحل فيه الصمغ نقعًا ويذاب
واحضر لديك عسلًا مصفَّى
مثليه إن كان الدواء صيفا
وفي الشتا ثلاثة أمزج أحسنه
مع ما نقعت فوق نار لينه
وبعد عقد ذر فوقه الدوا
في الأرض واضربه لمزج واستوا
وارفعه في الفضة أو صينيّا
ولا يكون ظرفها بليا
في غير منحل هناك يعرف
إلا الزجاج طبعه يجفف

(فى عمل الأقراص):

وإن يكن أقراص أو حب أضف
مسحوقها في الصمغ محلولًا وصف
إلا إذا كان بها الصبر فلا
حاجة في الصمغ فخده بدلا
وحبب أو قرص مع المسح من ال
أدهان من دهن مناسب حصل
ثم تجفف بالغًا في الظل
مخافة التعفين بعد البل
فإن ذي الرطوبة الغريبه
تعفن الشيء ولا عجيبه
قوة الأقراص تبقى أربعًا
سنين لا غير بها قد قطعا

(في المطبوخ وعمله):

وإن يكن مطبوخ عدل وزنه
ولين النار لتبدي حسنه
واطبخه حتى يتهرا واحذر
من فيتمونهم أو إلا يكثر
كمثل ذا الطل غدا في وصفه
ضف الدوا عليه ثم صفه
ونق أخشابًا لكل واغسل
بما طبيخ أذخر واستأصل

(في السفوف):

وفي السفوف المزج بعد السحق
وراع ما يعطى له من حق

(في التحميص):

وحمص القابض من بزر ولا
تدق بزر قطنة فيقتلا
واحم لذاك خزفًا أو حجرًا
وانزل وقلب فيه ذاك البزرا

(فى الدق والسحق):

وإن جمعت أهليلجات اسقها
سمنًا وحمصه وثم دقها
وجود الغسل لكحل وانقه
وسقه بالماء حال سحقه
وروقنه بعد ذا وبدل
ماء وجفف في تمام العمل

إلى آخر ما قال، وله غير ذلك مدايح وقصايد وغزليات وتخميسات ومراسلات كلها غرر محشوة بالبلاغة، تدل على غزارة علمه وسعة إطلاعه، توفي بهذه السنة بالمدينة المنورة رحمه الله تعالى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠