سنة ثلاث وثمانين وماية وألف/١٧٦٩م

فيها في المحرم أخرج علي بك عثمان أغا الوكيل من مصر منفيًّا إلى جهة، الشام، وكذلك أحمد أغا أغات الجوالي وأغات الضربخانة إلى جهة الروم، وكان أحمد أغا أغات الجوالي وأغات الضربخانة إلى جهة الروم، وكان أحمد أغا هذا رجلًا عظيمًا ذا غنية كبيرة وثروة زايدة، فصادره علي بك في ماله وأمره بالخروج من مصر، فأحضر المطر بازية والدلاين والتجار، وأخرج متاعه وذخايره وباعها بسوق المزاد بينهم، فبيع موجوده من أمتعة وثياب وجواهر وتحف وأسلحة وكتب وأشياء نفيسة وهو ينظر إليها ويتحسر، ثم سافر إلى جهة الإسكندرية.

(وفيها) توفي محمد باشا الذي كان بقصر عبد الرحمن كتخدا بشاطئ النيل، ولعله مات مسمومًا، ودفن بالقرافة الصغرى عند مدافن البشوات بالقرب من الإمام الشافعي.

ونزل الحج ودخل إلى مصر مع أمير الحاج خليل بك بلفيا في أمن وأمان، ووصل باشا من طريق البر وطلع الأمراء إلى العادلية لملاقاته، ونصبوا خيامهم ودخل بالموكب، وذلك في شهر صفر.

(وفيها) أخرج علي بك حسن بك رضوان وأتباعه إلى منية وصيف ثم نقل منها إلى المحلة الكبرى فأقام سنين، وفيها أرسل علي بك تجريدة إلى سويلم بن حبيب والهنادي بالبحيرة وباش التجريدة إسماعيل بك، وذلك أن ابن حبيب لما رحل من دجوة، وذهب إلى البحيرة وانضم إلى عرب الهنادي وكان المتولى على كشوفية البحيرة عبد الله بك تابع علي بك، فحاربوه وحاربهم حتى قتل عبد الله بك المذكور في المعركة ونهبوا متاعه ووطاقه، وكان أحمد بك بشناق الجزار لما خرج من مصر هاربًا بعد قتل صالح بك كما تقدم ذهب إلى الروم، فصادف هناك جماعة من الهربانين ومنهم يحيى السكري وعلي أغا المعمار وعلي بك الملط وغيرهم، وزيفوا بسبب المغرضين لعلي بك بدار السلطنة فنزلوا في مركبين إلى درنه فوصلوها متفرقين، فالتي وصلت أولًا بها يحيى السكري وعلى المعمار والملط، فركبوا عندما وصلوا إلى درنه وذهبوا إلى الصعيد، ووصلت المركب الأخرى بعد أيام وبها أحمد بك يشناق، فطلع إلى عند الهنادي فلما وصل إسماعيل بك ومن معه بالتجريدة، فتحاربوا مع الحبايبة والهنادي ومعهم أحمد بك بشناق الجزار ثلاثة أيام، وكان سويلم بن حبيب منعزلًا في خيمة صغيرة عند امرأة بدوية بعيدًا عن المعركة، فذهب بعض العرب وعرف الأمراء بمكانة فكبسوه وقتلوه، وقطعوا رأسه ورفعوها على رمح واشتهر ذلك، فارتفع الحرب من بين الفريقين وتفرق الهنادي وعرب الجزيرة والصوالحة وغيرهم، وراحت كسرة على الجميع ولم يقم لهم قايم من ذلك اليوم، وتغيب أحمد بك بشناق فلم يظهر إلا بعد مدة ببلاد الشام.

(وفيها) تقلد أيوب بك على منصب جرجا، وخرج مسافرًا ومعه عدة كبيرة من العساكر والأجناد، فوصلوا إلى قرب أسيوط فوردت الأخبار باجتماع الأمراء المنافي وتملكهم أسيوط وتحصنهم بها، وكان من أمرهم أنه لما ذهب محمد بك أبو الدهب إلى جهة قبلي لمنابذة شيخ العرب همام كما تقدم، وجرى بينهما الصلح على أن يكون لهمام من حدود برديس، وتم الأمر على ذلك ورجع محمد بك إلى مصر أرسل علي بك يقول له: إني أمضيت ذلك بشرط أن تطرد المصريين الذي عندك، ولا تبقى منهم أحدًا بدايرتك، فجمعهم وأخبرهم بذلك وقال لهم: «اذهبوا إلى أسيوط واملكوها قبل كل شيء، فإن فعلتم ذلك كان لكم بها قوة ومنعة وأنا أمدكم بعد ذلك بالمال والرجال»، فاستصوبوا رأيه وبادروا وذهبوا إلى أسيوط، وكان بها عبد الرحمن كاشف من طرف علي بك وذو الفقار كاشف، وقد كانوا حصنوا البلدة وجهاتها وبنوا كرانك والبوابة وركب عليها المدافع، فتحيل القوم ليلًا وزحفوا إلى البوابة، ومعهم انخاخ وأحطاب جعلوا فيها الكبريت والزيت وأشعلوها وأحرقوا الباب وهجموا على البلدة، فلم يكن له بهم طاقة لكثرتهم، وهم جماعة صالح بك وباقي القاسمية وجماعة الخشاب وجماعة الفلاح وجماعة مناو ويحيى السكري وسليمان الجلفي وحسن كاشف ترك وحسن بك أبو كرش ومحمد بك الماوردي وعبد الرحمان كاشف من خشداشين صالح بك وكان من الشجعان، ومحمد كتخدا الجلفي وعلي بك الملط تابع خليل بيك وجماعة كشكش وغيرهم، ومعهم كبار الهوارة وأهالي الصعيد فملكوا أسيوط وتحصنوا بها وهرب من كان فيها، ووردت الأخبار بذلك إلى علي بك فعين للسفر إبراهيم بك بلفيا ومحمد بك أبو شنب وعلي الطنطاوي ومن كل وجاق جماعة وعساكر ومغاربة، وأرسل إلى خليل بك القاسمي المعروف بالأسيوطي، فأحضره من غزة وطلع هو وإبراهيم بك تابع محمد بك بعساكر أيضًا وعزل الباشا، وأنزله وحبسه ببيت إيواظ بك عند الزير المعلق، ثم سافر محمد بك أبو الذهب ورضوان بك وعدة من الأمراء والصناجق، وضم إليهم ما جمعه وجلبه من العساكر المختلفة الأجناس من دلاة ودروز ومتاولة وشوام وسافر الجميع برًّا وبحرًا حتى وصلوا إلى أيوب بك.

وهو يرسل خلفهم في كل يوم بالأمداد والجبخانات والذخيرة والبقسماط، وذهب الجميع إلى أن وصلوا قرب أسيوط ونصبوا عرضيهم عند جزيرة منقباط منقباد، وتحققوا وصول محمد بك ومن معه وفرحوا بذلك؛ لأنهم كانوا رأوا في زايرجاب الرمل سقوطه في المعركة، ثم أجمعوا رأيهم على أن يدهموهم آخر الليل فركبوا في ساعة معلومة، وسار بهم الدليل في طرق الجبل وقصدوا النزول من محل كذا على ناحية كذا من العرضي فتاه، وضل بهم الدليل حتى تجاوزوا المكان المقصود بنحو ساعتين، وأخذوا جهة العرضي فوجدوه قبيلتهم بذلك المقدار، وعلموا فوات القصد وأن القوم متى علموا حصولهم خلفهم ملكوا البلدة من غير مانع قبل رجوعهم من المكان الذي أتوا منه، فما وسعهم إلا الذهاب إليهم ومصادمتهم على أي وجه كان، فلم يصلوهم إلا بعد طلوع النهار، وتيقظ القوم واستعدوا لهم فالتطموا معهم وهم قليلون بالنسبة إليهم، ووقع الحرب واشتد الجلاد، وبذلوا جهدهم في الحرب، ويصرخ الكثير منهم بقوله: أين محمد بك؟ فبرز إليهم محمد بك أبو شنب وهو يقول: «أنا محمد بك» فقصدوه وقاتلوه، وقاتلهم حتى قتل، وسقط جواد يحيى السكري، فلم يزل يقاتل ويدافع حصة طويلة حتى تكاثروا عليه وقتلوه، وعبد الرحمن كاشف القاسمي يحارب بمدفع يضربه وهو على كتفه، وانجلت الحرب عن هزيمتهم ونصرة المصريين عليهم، وذلك عند جبانة أسيوط، فتشتتوا في الجهات وانضموا إلى كبار الهوارة، وملك المصريون أسيوط ودفنوا القتلى ومحمد بك أبو شنب، واغتم محمد بك أبو الدهب لموته وفرح لوقوع الزايرجة عليه ومفاداته له؛ لأنه كان يعلم ذلك أيضًا، وأقاموا بأسيوط أيامًا، ثم ارتحلوا إلى قبلي بقصد محاربة همام والهوارة، واجتمع كبار الهوارة مع من انضم إليهم من الأمراء المهزومين، فراسل محمد بك أبو الدهب إسماعيل أبو عبد الله وهو ابن عم همام واستماله ومناه وواعده برياسة بلاد الصعيد عوضًا عن شيخ العرب همام حتى ركن إلى قوله وصدق تمويهاته وتقاعس وتثبط عن القتال وخذل طوايفه، ولما بلغ شيخ العرب همام ما حصل ورأى فشل القوم خرج من فرشوط، وبعد عنها مسافة ثلاث أيام ومات مكمودًا مقهورًا. ووصل محمد بك ومن معه إلى فرشوط، فلم يجدوا مانعًا فملكوها ونهبوها وأخذوا جميع ما كان بدواير همام وأقاربه وأتباعه من ذخاير وأموال وغلال، وزالت دولة شيخ العرب همام من بلاد الصعيد من ذلك التاريخ كأنها لم تكن، ورجع الأمراء إلى مصر ومحمد بك أبو الدهب وصحبته درويش ابن شيخ العرب همام، فإنه لما مات أبوه وانكسر ظهر القوم بموته وعلموا أنهم لا نجاح لهم بعده، أشاروا على ابنه بمقابلة محمد بك وانفصلوا عنه وتفرقوا في الجهات، فمنهم من ذهب إلى درنة ومنهم من ذهب إلى الروم ومنهم ذهب إلى الشام وقابل درويش بن همام محمد بك، وحضر صحبته إلى مصر وأسكنه في مكان بالرحبة المقابلة لبيته، وصار يركب ويذهب لزيارة المشاهد ويتفرج على مصر، ويتفرج عليه الناس ويعدون خلفه وأمامه لينظروا ذاته، وكان وجيهًا طويلًا أبيض اللون أسود اللحية جميل الصورة، ثم إن علي بك أعطاه بلاد فرشوط والوقف بشفاعة محمد بك، وذهب إلى وطنه فلم يحسن السير والتدبير، وأخذ أمره في الانحلال وحاله في الاضمحلال وأرسل من طالبه بالأموال والذخاير، فأخذوا ما وجدوه وحضر إلى مصر والتجأ إلى محمد بك فأكرمه وأنزله وبمنزل بجواره، فلم يزل مقيمًا به حتى خرج محمد بك من مصر مغاضبًا لأستاذه فلحق به وسافر إلى الصعيد.

وخلص الإقليم المصري بحري وقبلي إلى علي بك وأتباعه، فشرع في قتل المنافي الذين أخرجهم إلى البنادر، مثل: دمياط ورشيد والإسكندرية والمنصورة، فكان يرسل إليهم ويخنقهم واحدًا بعد واحد، فخنق علي كتخدا الخربطلي برشيد وحمزة بك تابع خليل بك بزفتا، وقتلوا معه سليمان أغا الوالي وإسماعيل بك أبا مدفع بالمنصورة وعثمان بك تابع خليل بك هرب إلى مركب البليك، فحماه وذهب إلى إسلامبول ومات هناك، ونفى أيضًا جماعة وأخرجهم من مصر وفيهم سليمان كتخدا المشهدي وإبراهيم أفندي جمليان.

ومات الباشا المنفصل بالبيت الذي نزل فيه ولحق بمن قبله.

(ومما) اتفق أن علي بك صلى الجمعة في أوايل شهر رمضان بجامع الداردية، فخطب الشيخ عبد ربه ودعا للسلطان ثم دعا لعلي بك، فلما انقضت الصلاة وقام علي بك يريد الانصراف أحضر الخطيب، وكان رجلًا من أهل العلم يغلب عليه البله والصلاح، فقال له: من أمرك بالدعاء باسمى على المنبر أقيل لك: إني سلطان؟ فقال: «نعم أنت سلطان وأنا أدعو لك»، فأظهر الغيظ وأمر بضربه فبطحوه وضربوه بالعصي، فقام بعد ذلك متألمًا من الضرب وركب حمارًا وذهب إلى داره وهو يقول في طريقه: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ»، ثم إن علي بك أرسل إليه في ثاني يوم بدراهم وكسوة استسمحه.

وأما من مات في هذه السنة من العلماء والأمراء

مات الإمام الولي الصالح المعتقد المجذوب العالم العامل الشيخ علي بن حجازي بن محمد البيومي الشافعي الخلوتي، ثم الأحمدي ولد تقريبًا سنة ثمان وماية وألف، حفظ القرآن في صغره وطلب العلم وحضر دروس الأشياخ وسمع الحديث والمسلسلات على عمر بن عبد السلام التطاوني، وتلقن الخلوتية من السيد حسين الدمرداشي العادلي وسلك بها مدة، ثم أخذ طريق الأحمدية عن جماعة ثم حصل له جذب ومالت إليه القلوب، وصار للناس فيه اعتقاد عظيم وانجذبت إليه الأرواح ومشى كثير من الخلق على طريقته وأذكاره، وصار له أتباع ومريدون، وكان يسكن الحسينية ويعقد حلقة للذكر في مسجد الظاهر خارج الحسينية، وكان يقيم به هو وجماعته لقربه من بيته، وكان ذا واردات وفيوضات وأحواله غريبة، وألف كتبًا عديدة منها شرح الجامع الصغير وشرح الحكم لابن عطاء الله السكندري وشرح الإنسان الكامل للجيلي، وله مؤلف في طريق القوم خصوصًا في طريق الخلوتية الدمرداشية، ألفه سنة أربع وأربعين وماية وألف، وشرح الأربعين النووية ورسالة في الحدود وشرح على الصيغة الأحمدية وعلى الصيغة المطلسمة، وله كلام عال في التصوف، وإذا تكلم أفصح في البيان، وأتى بما يبهر الأعيان، وكان يلبس قميصًا أبيض وطاقية بيضاء ويعتم عليها بقطعة شملة حمراء لا يزيد على ذلك شتاءً وصيفًا، وكان لا يخرج من بيته إلا في كل أسبوع مرة لزيارة المشهد الحسيني وهو على بغلة وأتباعه بين يديه وخلفه، يعلنون بالتوحيد والذكر، وربما جلس شهورًا لا يجتمع بأحد من الناس، وكان له كرامات ظاهرة، ولما عقد الذكر بالمشهد الحسيني في كل يوم ثلاثاء، ويأتى بجماعته على الصفة المذكورة ويذكرون في الصحن إلى الضحوه الكبرى إلى ما قبل الظهر، قامت عليه العلماء وأنكروا ما يحصل من التلوث في الجامع من أقدام جماعته، إذ غالبهم كانوا يأتون حفاة ويرفعون أصواتهم بالشدة، وكاد أن يتم لهم منعه بواسطة بعض الأمراء، فانبرى لهم الشيخ الشبراوي وكان شديد الحب في المجاذيب وانتصر له، وقال للباشا والأمرا: «هذا الرجل من كبار العلما والأوليا فلا ينبغى التعرض له»، وحينئذ أمره الشيخ بأن يعقد درسًا بالجامع الأزهر فقرأ في الطيبرسية الأربعين النووية، وحضره غالب العلماء وقرر لهم ما بهر عقولهم فسكتوا عنه وخمدت نار الفتنة.

ومن كلامه في آخر رسالة الخلوتية ما نصه: «فمن منن الله عليَّ وكرمه أني رأيت الشيخ دمرداش في السماء وقال لي: لا تخف في الدنيا ولا في الآخرة، وكنت أرى النبي في الخلوة في المولد، فقال لي في بعض السنين: لا تخف في الدنيا ولا في الآخرة، ورأيته يقول لأبي بكر رضي الله عنه: اسع بنا نطل على زاوية الشيخ دمرداش وجاءا حتى دخلا لي في الخلوة، ووقفا عندي وأنا أقول: «الله الله» وحصل لي في الخولة وهم في رؤية النبي ، فرأيت الشيخ الكبير يقول لي عند ضريحه: «مد يدك إلى النبي فهو حاضر عندي».

ورأيت في خلوة الكردي يعني الشيخ شرف الدين المدفون بالحسينية بين اليقظة والنوم، وأنا جالس فانتبهت فرأيت النور قد ملأ المحل فخرجت منا هائمًا فحاشنى بعض من كان في المحل، فوقفت عند الشيخ ولم أقدر على العود إلى الخلوة من الهيبة إلى آخرة الليل، وتبسم في وجهي مرة وأعطاني خاتمًا، وقال لي: «والذي نفسي بيده في غد يظهر ما كان مني وما كان منك»، وأخذني الشيخ الكردي وأوصلني إلى مكة وأرانيها عيانًا، ودخلت على السيد أحمد البدوي وعنده النبي ، فحكم في وأنا أستغيث بالنبي ، وكان سبب ذلك التردد في نزولي مولده فأغاثني الله بعد ذلك ببركة النبي وكان قبل ألبسني بيده الزي الأحمر مرتين مرة في بركة الحج، ومرة في مقامه داخل الضريح وقال: اذهب إلى الكردي».

قال: ورأيت نفسي مرة خارج المدينة وقلت: لا أدخل حتى أعلم رضاه عني والقبول، فأرسل لي إنسانًا بمروحة يروح بها عليَّ ويقول القبول حاصل، ورأيته يقول لي: أنا أحب محادثتك، وأوقفني بين يده وقال لي: «أتعترض على حكم الربوبية، فاستيقظت وأنا أجد أثر ذلك ولم أعرف السبب».

ورأيت بهامش تلك الرسالة ما صورته: ورأيته في آخر رمضان ليله الإثنين سنة سبعة وخمسين وماية وألف في الطبقة التي بجانب الرواق، وهو مسرع في المشي فسعيت خلفه وقلت: «لا تفتني يا رسول الله»، فوقف في فضا واسع فأدركته ووقفت بجانبه وقلت: لمن كان حاضرًا «أنظر إلى لحيته الشريفة وعد ما فيها من الشعرات البيض».

(ومن كراماته) أنه كان يتوب العصاة من قطاع الطريق ويردهم عن حالهم فيصيرون مريدين له، وذا سمعته من الثقات، ومنهم من صار من السالكين، وكان تارة يربطهم بسلسلة عظيمة من حديد في عمدان مسجد الظاهر، وتارة بالطوق في رقبتهم يؤدبهم بما يقتضيه رأيه. وكان إذا ركب ساروا خلفه بالأسلحة والعصي، وكانت عليه مهابة الملوك وإذا ورد المشهد الحسيني يغلبه الوجد في الذكر حتى يصير كالوحش يرى وجهه تارة كالوحش، وتارة كالعجل وتارة كالغزال.

ولما كان بمصر مصطفى باشا مال إليه واعتقد وزاره، فقال له: «إنك ستطلب إلى الصدارة في الوقت الفلاني»، فكان كما قال له الشيخ، فلما ولي الصدارة بعث إلى مصر وبنى له المسجد المعروف به بالحسينية وسبيلًا وكتابًا وقبة، وبداخلها مدفن للشيخ على يد الأمير عثمان أغا وكيل دار السعادة، ولما مات خرجوا بجنازته وصُلي عليه بالأزهر في مشهد عظيم ودفن بالقبر الذي بني له بداخل القبة بالمسجد المذكور.

ومات علامة وقته وأوانه الآخذ من كميت البلاغة بعنانه الولي الصوفي، من صفا فصوفي، الشيخ حسن الشيبيني ثم الفوي، رحل من بلدته فوة إلى الجامع الأزهر فطلب العلم وأخذ عن الشيخ الديربي فجعله ممليًا عليه في الدرس فقيل له في ذلك فقال: هذا عالم ما جاء من بلده حتى قرأ الأشموني والمختصر ونحو ذلك»، وأخبر عن نفسه أنه كان ملازمًا لولي من أوليا الله تعالى، فحين تعلقت نفسه بالمجي إلى الجامع الأزهر توجه مع هذا الولي لزيارة ثغر دمياط، فنام إلى جانبه ليلة فرآه في النوم وقد سقاه لبنًا من إبريق وقال له: «هذا علم النحو وهو أصعب العلوم في الأزهر» قال: ثم انتبهت فقلت له: «يا مولانا الشيخ رأيت كذا وكذا»، فقال لي على الفور: «اسكت أضغاث أحلام»؛ لأن الولي المذكور كان من الملامتية لا يحب أن يظهر لنفسه حالًا، ثم إنه جاور عقيب ذلك. فحين اشتغل بهذا العلم فتح الله عليه في أقرب مدة، ثم اشتغل بالفقه وغيره من أصول ومنطق ومعان وبيان وتفسير وحديث وغير ذلك، حتى فاق على أقرانه وصار علامة زمانه، ثم أخذ عن الشيخ الحفني الطريق، وتلقن الأسماء وسار على حسب سلوكه وسيره وألبسه التاج وأجازه بأخذ العهود والتلقين والتسليك، وصار خليفة محضًا فأدار مجالس الأذكار، ودعا الناس إليها في ساير الأقطار، وفتح الله عليه باب العرفان، حتى صار ينطق بأسرار القرآن ويتكلم في الحقايق، نقل عن الشيخ الحفني أنه ورد عليه منه مكتوب فقال: «الحمد لله الذي في أتباعنا من هو كمحيي الدين بن العربى»، وسمع منه أيضًا أنه يقول في حقه: «الشيخ حسن الشبيني هذا أكبر، أعطاه الله قوة في معرفة أهل العرفان، وأنه أعلم مني بهذا الفن وإذا تكلمت معه فيه، فإنما هي مشاركة وإلا فأنا لا أفهم كفهمه». وناهيك بهذه الشهادة. توفي رحمه الله تعالى في هذه السنة، وخلف ولده السيد أحمد موجود في الأحياء بارك الله فيه، وممن أخذ عنه صاحبنا العمدة العالمة الصالح السيد علي المعروف بزبارة الرشيدي وهو خليفة الخلوتية الآن بثغر رشيد نفع الله به.

ومات الجناب المبجل الفريد الكاتب الماهر المنشئ البليغ المجيد/محمد أفندي ابن إسماعيل السكندري العارف بالألسنة الثلاثة العربية والفارسية والتركية، وكان لديه محاورات ولطايف أدبية، وميل شديد إلى علم اللغة، وبحث عن الأدوات المتعلقة به، ورسايله في الألسن الثلاثة غايه في الفصاحة مع حسن خط ووفور حظ ومهابة عند الأمراء وقبول عند الخواص، ووالده كان إسرائيليًّا فأسلم وحسن إسلامه، وتولى مناصب جليلة بالثغر، وله هناك شهرة فولد هذا هناك وهدبه وأدبه حتى صار إلى ما صار، واستقر بمصر وما زالت له أملاك هناك وقرابة، رأيته يأتي لزيارة الشيخ الوالد وقد اكتهل وتناهى في السن، وأبقى الدهر في زواياه خبايا مستحسنة، ورأيت بخط يده كتاب بهارستان، لمولانا جامي قد أحسن كتابته وأتقن في سياقه، ومجموعًا فيه النوادر من أشعار الألسن الثلاثة، وبالجملة لم يكن في عصره من يدانيه في الفنون التي كان تجمل بها، وقد ذكره، الأديب الشيخ عبد الله الإدكاوي في بضاعة الأريب وأثنى على محاسنه، وكانت بينهما ألفة تامة ومصافاة ومصادقة ومحاورات أدبية، قال فيه: وكتبت لحضرة أخينا المولى الأكرم محمد أفندي ابن المرحوم إسماعيل أغا السكندري رحم الله والده، وأدام لنا فوائده وعوائده، كتاب الفتح القدسي تأليف العماد الكاتب وكتبت بعد إتمامه وحسن ختامه ما نصه:

قد يسر الله سبحانه إتمام هذا الكاتب بل العجب العجاب، بل الروض المستطاب، فكم فيه من فضل ينبي عن فضل، ومن نوع بديع يحمل نور ربيع إلى آخر ما أطال في مدحه إلى أن قال: «وقد كتبته برسم الماجد الكامل والهمام الفاضل ملاذ الأفاضل، ومعاذ الأماثل، ومحل الفواضل ومحط الفضايل، أوحد أهل العصر للإنشاء صياغة، وأبرعهم بالألسن الثلاثة براعة وبلاغة، حتى كأنه المعنى بقول من قال وأحسن في المقال:

إن هز أقلامه يومًا ليعملها
أنساك كل كمي هز عامله
وإن أقر على رق أنامله
أقر بالرق كتاب الأنام له

وهو الآن بمصرنا، أوحد المنشئين بمصرنا، فلا أحد في فنه يماثله، ولا يضاهيه ولا يشاكله، ولا يستطيع يساجله أو يناضله، فلو رأى ما يخبره منشئ هذا الكتاب العماد، لقال: والله هذا الذي عليه الاعتماد، وسلم له القياد، وأذعن لبلاغته وانقاد، ولو أدركه الشيرازيان سعدى وحافظ، لاقتفى كل منهما ما هو به لافظ، ولو سمع بديع إنشائه النامي، الملآ جامي، لقال: ههنا جل مرامي، وأصابة المراي، ولو رام ويس مضاهاة غرره ومحاكاة درره لقيل له: يا ويس ويسك لقد أتعبت نفسك، وكددت وأوهنت حدسك، ولوقفا زركشي أثره لا ستحسن الأفاضل نظمه ونثره، ولو عاصره نفعي، قال: لقد رق بلطايفه طبعي، ولو طلب النابي مجارته لنبا عن مباراته، وأذعن لبراعاته، وبديع عباراته، من هو أخي وصديقي، وعلى الحقيقة هو أشفق من شقيقي، فكم له على من أياد لا أقدر أعددها ولا أحصررها فأسردها، المولى الأمجد، الأكمل الأوحد، من هو كل وصف جميل حرى، حضرة محمد أفندي الإسكندري، فهو الآن أوحد الكتاب، والآتي في صناعة الإنشاء بالعجب العجاب، والمعظم عند أرباب الدولة الكرام، والمخصوص بينهم بالتبجيل والإعظام، والمعول عليه دون ساير الكتاب، والمنظور إليه لسعة دايرته في الآداب، ثم أتبعه بنظم فقال:

فعلت أعين الظباء السواجي
بفؤادي فعل العدو المداجي
قلت كفى كفى فقالت أقالتك شراكي فسر لربك ناجي
قلت إني لي النجاة وإني
بك أصبحت موثق الأوداج
يا عيونا أسرن لبي وأسهر
ن جفوني من هدبها في دياجي
بفتور فيكن بالقتل والفتك غدا في القتال نامي الهياج
وفنون به الخلي لقد زا
د افتتانًا وكان صلد المزاج
ولحاظ أمضى فعالًا وأقضى
في الورى من صوارم الحجَّاج
هل سبيل إلى الوصول إلى مو
لاك أو منحة إلى محتاج
قلن نرجو معًا ونمنح مانر
جوه فاقصد بالمدح كهف الراجي
هو نامي العلا محمد المحمود فعلًا بدا كضوء السراج
وهو في فرد الزمان نثرًا ونظمًا
ما قريض الكميت والعجاج
وهو في الخط أوحد فإذا مد
يراعًا في صفحة الأرياج
جاءك الروض مثمرًا ولديه
كل حرف مثل الهزار يناجي
والمعاني التي تعز عن الغير ابتكارًا عفوًا بغير علاج
ذو السنا والسناء والراجة الطلقة بالجود كالحيا الثجاج
حفظ الله ذاته وعلاه
ووقاه شرور كل مناجي
سيدي قد خدمت بالفتح عليا
ك وتنميقه فسرى انزعاجي
فتنزهه في روضه دمت مولى
هو لي عدة إذا عز حاجي
هو نعم الكتاب كم فقرة
فيه لها رونق كدرة تاج
كيف لا والعماد منشيه قد كا
ن له القصد من جميع الفجاج
قد صفا خاطري بما قد حواه
من بديع الإنشاء والإزدواج
وذكا منطقي فرحت أؤرخ
فيح فتح العماد زاد ابتهاجي

(وأهدى) إليه الشيخ عبد الله الإدكاوي رحمهما الله رسالة تصحيفية، وسماها بالمقامة السكندرية، أشار فيها بقوله: «وفيها خل جل شأنه ببيانه» إلى المترجم، والمقامة هذه ومن خطة نقلت: حدثنا خدننا حديثًا جذبنا بحسنه تحسبه للطافته كل طايفة أنه آية قال قال: أمني أمنت حين جيت سكندرية سكن دربه غيم غنم أنسي أنست فيه فئة علت غلت آدابهم، إذا بهم أخلاء أجلاء حكماء حلماء يحلو بحلو بلاغتهم تلاعبهم صفا ضفا سايع سايغ وقتهم، وفيهم خل جل شأنه ببيانه، مهذب مهدب ظرف طرف آدابه أداته عذب غدت تذيع بديع صفائه صفاته، يجلب بحلى مزحه مرحه، فمازجني فما رخيت عنان عيان ناظري بأطرب منه منة وفاه وقاه خلاتي خلاني، وقال: وقاك واجب وأحب لإجلالك لاخلالك ريع أني أبث لك كل بشر يسر للقايك كلفًا بك تيمن بيمن جبين حبيب غرير عزيز بديع يذيع سرى بنيري، جبينيه جننت به سباني شباني بجفن يخفي سحره بت سهران شهران، أهيف أهتف باسمه باسمه أيامه، أن أمه أحد أخذ بلحظ يلحظ بعين تعين بهدبها تهديها لمبتلي، لم ينكث عقده عقده قانص، قابض يبخل بنحل شهدة شهده.

قاتل فاتك أعز أغر
حسنه جيشه كثير كبير
ساحر ساخر تجنب يجني
شايق سايق منير مبير
حبه جنة يحلي بحلي
لينه ليته ببشر يشير
ماثل مايل يجور بجور
تايه نابه بزور يزور
نشره بشره بهاه نهاه
سيره سيرة يجبر يجير
رايق راتق قلاني فكانت
منيتي ميتتي بحور تجور

جاير جايز. حبه حبة. قلبي قليت. عدوه غدوة. شنع يبتغ. معانية معايبه. مشرق مشرف. نزق ترف. تعرقه بعرفه. أوحد أوجد. بسر بشر. جناني حياتي. تلفظه بلفظة. تحيي نحبي. يجيب نجيب. نجني بجني. تفاح نفاح نسم يشم عبيره عنبرة. عربي عزني. غريب عريب. حسنه حسبه. ذاك زال. بلبي بليت. بصدوده بضد وده عاملني عامل. بت استخبره. آس تجبره. على غلب. فكرتي فكري ينمو بنمو بعده بعده. فليت قلبي. بعده بعدة نورده بوردة. مخبأة محياه. لكنه لليه. مطلبي مطلني. ثم نم بوجدي توحدي. وبعدي وتعدي. حسن حبيبي. الحد الحد جسمي حين نمي. همي همت. حين خيب ظني ظبي. راتع رائع. رائغ زائغ. حسني حبشي اللون الكون. يشهد بشهد ثغره. بغرة قمرية قمرته. بلا لاء بها بلاء؛ لأنها تحبس بحسن ضيائها صبابها. نيرة تنزه فتي فني في فيء مغانيها. تزهو بزهو. ظبيها طيبها. فايح قانح. نحوها يحوها ترى ثرى. يطيب بطيب. رياه رباه يجلو بحلو. مرآه مرآة. قلبك فلتك. من. من. عشقه عشقة. عذرية عذرته. حين. جبن. عن غي. حمل جمل. الآثام. الأنام. وقبل أن يقدمها له كتب بظاهرها ما نصه: طرفة ظرفت وهديت هديت لمحمد كم. حمد. خلقة. خلفه. ماجد. ماحد منطقه منطقة. نجوم تحوم حول حوك. يراعته براعته. يبدي بيدي بنانه بيانه. لبيب كتبت برسمه برسمة حالته. جالبة لك كل خير. خير جبر. كسرى كسرت. على علي. محلة مجلة. مدحتى مذ حبب إلى آلت إلي. إغذاذ إعداد. محاسنه مجانيته معاليه مغالبة. وقتي وقيت. عن غب. ذائه ذاته بمن يمن. الحليم الحكيم.

فلما قدمها إليه قلبها وقبلها وأجازها بما جملتها. ثم قرظ عليها من جنسها تقريظًا بديعًا، ملأه بيانًا وبديعًا (وهذا نصه) …

هذه عروس حسن جليت على منصة البراعة، افتضها فارس اليراعة أتحفني بها المولى الوحيد في فنه، والبليغ الذي تكبو جياد هذه الصناعة من حدة ذهنه، من هو لمحاسن البلاغة مالك وحاوي، مولانا الشيخ عبد الله الإدكاوي، فتلقيتها بالراحتين، وفديتها وعوذتها من العين بكل عين، وتطفلت على تقريظها بنوع من فنها فقلت: وإن لم أبلغ مراقي حسنها، تحف تحف بحق لدى لذت بحسنها تحسبها لجودتها كخود بها جلاها حلاها، وسوغها وشوعها بحلى تجلت بغير تغير، صيغه صنعة، ترام برام يعيبها، يعي بها صنفها صنعها فاضل فاصل أريب، أربت بلاغاته بلا غاية، تنور بنور تأدية ناديه، بقيت تفتن معاينة معانيه.

وقد كتب عليها جملة من أفاضل العصر كما تقدم بعض ذلك في تراجمهم، وبالجملة فإن المترجم كان أوحد عصره ووحيد مصره لم يدانيه في مجموعة الفضايل أحد، ولم يزل حميد المسعى جميل السيرة بهيًّا وقورًا مهيبًا عند الأمرا والوزرا، حتى وافاه الحمام في يوم الجمعة حادي عشر المحرم من السنة.

ومات الأستاذ العارف سيدي علي بن العربي بن علي بن العربي الفارسي المصري الشهير بالسقاط، ولد بفاس وقرأ على والده، وعلى العلامة محمد بن أحمد بن العربي بن الحاج الفاسي، سمع منه الأحياء جميعًا بقراءة ولد عمه النبيه الكاتب أبي عبد الله محمد بن الطيب بن محمد بن علي السقاط، وعلى ولده أبي العباس أحمد بن محمد العربي بن الحاج، وعلى سيدي محمد بن عبد السلام البناني، كتب العربية والمعقول والبيان، ولما ورد مصر حاجًّا لازمه فقرأ عليه لفظه من الصحيح إلى الزكاة والشمايل بطرفيه بالجامع الأزهر، وكثيرًا من المسلسلات والكتب التي تضمنتها فهرست ابن غازي، قراءة بحث وتفهيم، وأجازه حينئذ بأواسط جمادى الثانية سنة ثلاث وأربعين وماية وألف، وجاور بمكة فسمع على البصري الصحيح كاملًا ومسلمًا بفوت، وجميع الموطأ رواية يحيى بن يحيى، وذلك خلف المقام المالكي عند باب إبراهيم وأجازه، وعلى النخلي أوايل الكتب الستة وأجازه، وعاد إلى مصر فقرأ على الشيخ إبراهيم الفيومي أوايل البخاري، وعلى أحمد بن أحمد الغرقاوي وأجازه، وعلى عمر بن عبد السلام التطاوني جميع الصحيح وقطعة من البيضاوي بجامع الغوري سنة ست وثلاثين وماية وألف، وجميع المنح البادية في الأسانيد العالية، وأضافه على الأسودين وشابكه وصافحه وناوله السبحة وأجازه بساير المسلسلات، وعلى محمد القسطنطيني رسالة ابن أبي زيد برواق المغاربة، وعلى محمد بن زكري شرحه على الحكم بجامع الغوري؛ وعلى سيدي محمد الزرقاني كتاب الموطأ من باب العتق إلى آخره وأجازه به يوم ختمه، وذلك ثامن شعبان سنة ثلاث عشرة ومائة وألف، وروى حديث الرحمة عن سيدي السيد مصطفى البكري في سنة ستين وماية وألف، وأجازه ابن الميت في العموم، واجتمع به شيخنا السيد مرتضى في منزل السيد على المقدسي، وكان قد أتى إليه لمقابلة المنح البادية على نسخته وشاركهما في المقابلة، وأحبه وباسطه وشافهه بالأجازه العامة وكان إنسانًا مستأنسًا بالوحدة منجمعًا عن الناس للانفراد غامضًا مخفيًّا، ولا زال كذلك حتى توفي في أواخر جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين وماية وألف، ودفن بالزواية بالقرب من الفحامين.

ومات الجناب الأجل والكهف الأظل الجليل المعظم، والملاذ المفخم، الأصيلي الملكي ملجأ الفقرا والأمرا ومحط رحال الفضلا والكبرا شيخ العرب الأمير شرف الدولة همام بن يوسف بن أحمد بن محمد بن همام بن صبيح بن سيبيه الهواري، عظيم بلاد الصعيد، ومن كان خيره وبره يعم القريب والبعيد، وقد جمع فيه من الكمال ما ليس فيه لغيره مثال، تنزل بحرم سعادته قوافل الأسفار، وتلقى عنده عصى التسيار، وأخباره غنية عن البيان، مسطرة في صحف الإمكان، منها أنه إذا نزل بساحته الوفود والضيفان تلقاهم الخدم، وأنزلوهم في أماكن معدة لأمثالهم وأحضروا لهم الاحتياجات واللوازم من السكر وشمع العسل والأواني وغير ذلك، ثم مرتب الأطعمة في الغذا والعشا والفطور في الصباح والمربيات والحلوى مدة إقامتهم لمن يعرف ومن لا يعرف، فإن أقاموا على ذلك شهورًا لا يختل نظامهم ولا ينقص راتبهم، وإلا قضوا أشغالهم على أتم مرادهم وزادهم إكرامًا وانصرفوا شاكرين، وإن كان الوافد ممن يرتجي البر والإحسان أكرمه وأعطاه، وبلغه أضعاف ما يترجاه، ومن الناس من كان يذهب إليه في كل سنة ويرجع بكفاية عامه وهذا شأنه في كل من كان من الناس، وأما إذا كان الوافد عليه من أهل الفضايل أو ذوي البيوت قابله بمزيد الاحترام، وحياه بجزيل الإنعام، وكان ينعم بالجواري والعبيد والسكر والغلال والتمر والسمن والعسل، وإذا ورد عليه إنسان ورآه مرة وغاب عنه سنين ثم نظره وخاطبه عرفه وتذكره، ولا ينساه، وحاله فيما ذكر من الضيفان. والوافدين والمسترفدين أمر مستمر على الدوام لا ينقطع أبدًا، وكان الفراشون والخدم يهيئون أمر الفطور من طلوع الفجر فلا يفرغون من ذلك إلا صحوة النهار، ثم يشرعون في أمر الغدا من الضحوة الكبرى إلى قريب العصر، ثم يبتدون في أمر العشا فلا يفرغون من ذلك إلا بعد العشا وهكذا، وعنده من الجواري والسراري والمماليك والعبيد شيء كثير، ويطلب في كل سنة دفتر الإرقاء ويسأل عن مقدار من مات منهم فإن وجده خمسماية أو أربعماية استبشر، وانشرح وإن وجده ثلثماية أو أقل أو نحو ذلك اغتم وانقبض خاطره، ورأى أن ربنا كانت في أعظم من ذلك، وكان له برسم زراعة قصب السكر وشركه فقط اثنا عشر ألف ثور، وهذا بخلاف المعد للحرث ودراس الغلال والسواقي والطواحين والجواميس والأبقار الحلابة وغير ذلك، وأما شون الغلال وحواصل السكر والتمر بأنواعه والعجوة شيء لا يعد ولا يحد وكان الإنسان الغريب إذ رأى شون الغلال من البعد ظنها مزارع مرتفعة لطول مكث الغلال وكثرتها، فينزل عليها ماء المطر ويختلط بالتراب فتنبت وتصير خضراء كأنها مزرعة وكان عنده الأجناد والقرانصه وأكثرهم من بقايا القاسمية انضموا إليه وانتسبوا له، وهم عدة وافرة وتزوجوا وتوالدوا وتخلقوا بأخلاق تلك البلاد ولغاتهم، وله دواوين وعدة كتبة من الأقباط والمستوفيين والمحاسبين لا يبطل شغلهم ولا حسابهم ولا كتابتهم ليلًا ونهارًا، ويجلس معهم حصة من الليل إلى الثلث الأخير بمجلسه الداخل يحاسب ويملي ويأمر بكتابة مراسيم ومكاتبات لا يعزب عن فكره شيء قل ولا جل، ثم يدخل إلى الحريم فينام حصة لطيفة ثم يقوم إلى الصلاة، وإذا جلس مجلسًا عامًّا وضع بجانبه فنجانًا فيه قطنة وماء ورد، فإذا قرب منه بعض الأجلاف وتحادثوا معه وانصرفوا مسح بتلك القطنة عينيه وشمها بأنفه حذار من رائحتهم وصنانهم، وكان له صلات وإغداقات وغلال يرسلها للعملاء وأرباب المظاهر بمصر في كل سنة، وكان ظلًّا ظليلًا بأرض مصر، ولما ارتحل لزيارته شيخنا السيد محمد مرتضى وعرف فضله أكرمه إكرامًا كثيرًا وأنعم عليه بغلال وسكر وجوار وعبيد، وكذلك كان فعله مع أمثاله من أهل العلم والمزايا، ولم يزل هذا شأنه حتى ظهر أمر علي بك وحصل ما تقدم شرحه من وقايعه مع خشداشينه، وذهابه إلى الصعيد وصلحه مع صالح بك وانضمامه إليه، وكان المترجم صديقًا لصالح بك وعشيرته، فأمدهما بالمال والرجال مرعاة لسعي صالح بك حتى تم لهما الأمر وغدر علي بك بصالح بك وخرجت رجاله وأتباعه إلى الصعيد، وأعلموه بما أوقعه بهم فاغتم على فقد صالح بك غمًّا شديدًا وحمله ذلك على أن أشار عليهم بذهابهم إلى أسيوط وتملكهم إياها فإنها باب الصعيد، فذهبوا إليها مع جملة المنافي من مصر والمطرودين كما تقدم وأمدهم شيخ العرب المترجم حتى ملكوها، وأخرجوا من كان بها واستوحش منه علي بك بسبب ذلك وتابع إرسال التجاريد وقدر الله بخذلان القبالي ورجوعهم إلى قبلي على تلك الصورة، فعند ذلك علم همام أنه لم يبق مطلوبًا لهم سواه وخصوصًا مع ما وقع من فشل كبار الهوارة وأقاربه ونفاقهم عليه، فلم يسعه إلا الارتحال من فرشوط وتركها بما فيها من الخيرات وذهب إلى جهة إسنا، فمات في ثامن شعبان من السنة ودفن في بلدة تسمى قمولة فقضي عليه بها رحمه الله، وخلف من الأولاد الذكور ثلاثة وهم درويش وشاهين وعبد الكريم، ولما مات انكسرت نفوس الأمراء، ثم إن أكابر الهوارة قدموا ابنه درويشًا لكونه أكبر إخوته، وأشاروا عليه بمقابلة محمد بك ففعل، وأما الأمرا فمنهم من أخذ أمانًا من محمد بك وقابله وانضم إليه، ومنهم من ذهب إلى ناحية درنة ونزل البحر وسافر إلى الشام والروم، ومنهم من انزوى إلى الهوارة بالصعيد، وحضر درويش صحبة محمد بك إلى مصر وقابل علي بك وأعطاه بلاد فرشوط ورجع مكرمًا إلى بلاده فلم يحسن السير ولم يفلح، وأول ما بدأ في أحكامه أنه صار يقبض على خدم أبيه وأتباعه، ويعاقبهم ويسلب أموالهم وقبض على رجل يسمى زعيتر وكيل البصل المرتب لمطابخ أبيه، فأخذ منه أموالًا عظيمة في عدة أيام على مرار، أخذ منه في دفعة من الدفعات من جنس الذهب البندقي أربعين ألفًا وكذلك من يصنع البرد للجواري السود والعبيد، وذلك خلاف وكلا الغلال والأقصاب والسكر والسمن والعسل والتمر والشمع والزيت والبن والشركا في المزارع، ووصلت أخباره بذلك إلى علي بك فعين عليه أحمد كتخدا، وسافر إليه بعدة من الأجناد والمماليك وطالبه بالأموال حتى قبض منه مقادير عظيمة، ورجع بها إلى مخدومه واقتدى به بعد ذلك محمد بك في أيام إمارته، وأخذ منه جملة وكذلك أتباعه من بعده حتى أخرجوا ما في دورهم من المتاع والأواني والنحاس قناطير مقنطرة، ثم تتبعوا الحفر لأجل استخراج الخبايا حتى هدموا الدور والمجالس ونبشوها وأخربوها. وحضر درويش المذكور. بآخرة إلى مصر جاليًا عن وطنه ولم يزل بها حتى مات كآحاد الناس، واستمر شاهين وعبد الكريم يزرعان بأرض الوقف أسوة المزارعين ويتعيشون حتى ماتا، فأما شاهين فقتله مراد بك في سنة أربع عشرة ومايتين وألف أيام الفرنسيس لأمور نقمها عليه، وخلف ولدًا يدعى محمدًا، وأما عبد الكريم فإنه مات على فراشه قريبًا من ذلك التاريخ وترك ولدًا يدعى همامًا دون البلوغ يوصف وبالنجابة حسبما نقل إلينا من السفار، وكاتبني وكاتبته في بعض المقتضيات، ورأيت ابن عمه محمدًا المذكور حين أتى إلى مصر بعد ذهاب الفرنسيس وتردد عندي مرارًا، وسبحان من يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

ومات الجناب الكبير والمقدام الشهير من سرت بذكره الركبان، وطار صيته بكل ما كان، الفارس الضرغام النجيب، شيخ العرب سويلم بن حبيب، من أكابر عظماء مشايخ العرب بالقليوبية ومسكنهم دجوة على شاطئ البحر النيل، وهو كبير نصف سعد مثل أبيه حبيب بن أحمد، وليس لهم أصل مذكور في قبايل العرب، وإنما اشتهروا بالفروسية والشجاعة، وحبيب هذا أصله من شطب قرية قريبة من أسيوط، ولما مات حبيب خلف ولديه سالمًا وسويلمًا، وكان سالم أكبر من أخيه وهو الذي تولى الرياسة بعد أبيه واشتهر بالفروسية وعظم أمره وطار صيته، وكثرت جنوده وفرسانه ورجاله وخيوله، وأطاعته جميع المقادم وكبار القبايل ونفذت كلمته فيهم، وعظمت صولته عليهم وامتثلوا أمره ونهيه ولا يفعلون شيئًا بدون إشارته ومشورته، وصار له خفارة البرين الشرقي والغربي من ابتداء بولاق إلى رشيد ودمياط، وكان هو وفرسه مقومًا على انفراده بألف خيال، وكان ظهور حبيب هذا في أوايل القرن، واتفق له ولابنه سالم هذا وقايع وأمور مع إسماعيل بك إيواظ وغيره لا بأس بذكر بعضها في ترجمته، منها أن في سنة خمس وعشرين وماية وألف أرسل حبب ولده سالمًا إلى خيول الأمير إسماعيل بك ابن إيواظ، وهجم عليها بالمربع وجم معارفها وأذنابها، وتركها وذهب ولم يأخذ منها شيئًا وذلك بإغراء بعض الناس مثل قيطاس بك وخلافه، وكانت الخيول بالغيط جهة القليوبية، وحضر أمير أخور وأخبر مخدومه فاغتاظ لذلك وعزم على الركوب عليه، فلاطفه يوسف بك الجزار حتى سكن غيظه ثم أحضر حسنًا أبا دفية زعيم مصر سابقًا من القاسمية مشهور بالشجاعة وجعلوه قايممقام الأمانة، فسافر بجبخانة ومدفعين وصحبته طوايف ورجال، وأمره بأن يطلب شرحبيب وإن قدر على قتله فليفعل، وكتب مكاتبات للنواحي بأن يكونوا مطيعين للمذكور فلم يزل حتى نزل في غيط برسيم عند ساقية خراب، وعمل هناك متراسًا ووضع المدفعين وغطاهما بلباد وأقام رصد خيالة بالطرق، وإذا بسالم بن حبيب ركب في عبيده ورجاله متوجهين إلى الجزيرة، فنزل بطريقة بغيط الأوسية فحضر الخيالة الرصد إلى الأمير حسن أبي دفية وأخبروه، فركب برجاله وأبقى عند المدافع عشرة من السجمانية وأوصاهم بأنهم إذا انهزموا من القوم، فإنهم يرمون بالمدفعين سواء ففعلوا ذلك ما لاقاهم ورمى منهم رجالًا، ووقع منهم أيضًا عند رمي المدافع والرصاص ثلاثة عشر خيالًا، وأخذوا منهم نحو ستى قلايع ورجع سالم بن حبيب بمن بقي من طايفته إلى أبيه وعرفه بما وقع له مع الأمير حسن أبي دفية، فأرسل إلى عرب الجزيرة، فأحضر منهم فرسانًا كثيرة وكذلك من إقليم المنوفية، وركب الجميع قاصدين مناوشته، ووصلته أخبار ذلك فركب بمن معه وفعل كالأول، وركب مبحرًا وانعطف عليهم وحاربهم فرمى منهم فرسانًا، فانهزموا أمامه فوقف مكانه فرجعت عليه العرب والعبيد، فانهزم أمامهم فرمحوا خلفه طمعًا منهم حتى وصل المدافع، فرموا بهم وأتبعوهم بطلق الرصاص فولوا هاربين، وسقط من عرب الجزيرة وغيرها عدة فرسان، وأخذوا منهم خيولًا وسلاحًا، وحضرت نساؤهم ورفعوا القتلى ورجع سالم إلى أبيه وعرفه بما جرى عليهم من حرقهم، وقتل فرسانهم فأرسل حبيب إلى قيطاس بك يقول له: إنك أغريتنا بابن إيواظ وتولد من ذلك أنه وجه علينا قايممقامه وحرقنا بالنار وقتل منا أجاويد، فأرسل إليه مكاتبة خطابًا للقصاصين بمعاونته ومساعدته، فحضر إليه منهم عدة فرسان ضاربي نار وجمع إليه عربان الجزيرة وخيالة كثيرة من المنوفية، وركب حبيب وأولاده وجموعه إلى جسر الناحية، ونزل هناك وأرسل أولاده بخيول يطلبون شر أبي دفية وإذا ركب عليهم انهزموا أمامه حتى يصلوا إلى محل رباطهم بالجسر، ففعلوا ذلك إلى أن وصلوا إلى الجسر فضربت القناصة بنادقهم طلقًا واحدًا، فرموا نحو ثلاثين جنديًّا من الكبار، والذي ما أصيب في بدنه أصيب حصانه وردت عليهم الخيول، وانهزم الأمير حسن أبو دفية بمن بقي معه إلى دار الأوسية، فأخذت العرب الخيول الشاردة وغزوا الغز ورموعم في مقطع من الجسر، وأرسل العبيد أتوا بالجراريف وجرفوا عليهم التراب من غير غسل ولا تكفين، ورجع إلى بلده وخلص ثأره وزيادة، وحضرت الأجناد إلى مصر، وأخبروا الصنجق بما وقع لهم مع حبيب وأولاده، فعزل الأمير حسن أبا دفية من قايممقامية وولى خلافه، وأخذ فرمانًا بضرب حبيب وأولاده، وركب عليهم من البر والبحر. ووصلت النذيرة إلى حبيب، فرمى مدافع أبي دفية في البحر ووضع النحاس في أشناف وألقاها أيضًا في البحر، وقيل: إن حبيب قبل هذه الواقعة بأيام أحضر ستة قناديل وعمرها بعدما عاير فتايلها ووزنها بالميزان عيارًا واحدًا، وكتب على كل قنديل باسمه واسم أخيه وأولاده واسم ابن إيواظ وأسرجها دفعة واحدة، فانطفأ الذي باسمه واسم أخيه وأولاده واسم ابن إيواظ، وأسرجها دفعة واحدة فانطفأ الذي باسمه أولًا، ثم انطفأ قنديل ابن إيواظ ثم قناديل أخيه وأولاده شيئًا بعد شيء، فقال: أنا أموت في دولة ابن إيواظ. ولما وصل إليه الخبر بحركة ابن إيواظ وركوبه عليه، فركب بأخيه وأولاده وخرجوا هاربين، ووصل ابن إيواظ إلى دجوة ورمحوا على دواويرهم ورموا الرصاص، وكانت المراكب وصلت إلى البر الغربي تجاه دجوة ورسوا هناك وموعدهم سماع البنادق، فعند ذلك عدوا إلى البر الشرقي وطلعوا إليه، فأمر ابن إيواظ بهدم دواوير الحبايبة فهدموها بالقزم والفوس، وأنشأ كفرًا بعيدًا عن البحر بساقية وحوض دواب وجامع وميضة وطاحونين وجمع أهل البلد، فعمروا مساكنهم في الكفر وسموه كفر الغلية، ورجع الأمير إسماعيل بك إلى مصر وأخذ الغز والأجناد أبقارًا وعجولًا وأغنامًا وجواميس وأمتعةً وفرشًا وأخشابًا شيئًا كثيرًا، ووسقوه في المراكب وحضروا به من البر أيضًا إلى مصر، وكتب مكاتبات إلى ساير القبايل من العربان بتحذيرهم من قبولهم حبيبًا وأولاده، وأن لا ينجمع عليه أحد ولا يؤويه، فلم يسعهم إلا أنهم ذهبوا عند عرب غزة، فأكرموهم ولم يزل بها حتى مات، وحضر سالم ابنه بعد ذلك إلى قليوب ببيت الشواربي شيخ الناحية سرًّا، وأخذ له مكاتبة من إبراهيم بك أبي شنب خطابًا إلى ابن وافى المغربي بأن يوطن أولاد حبيب عنده حتى يأخذ لهم إجازة من أستاذهم، فأرسل أحضر عمه وأخاه سويلمًا وعدوا إلى الجبل الغربي وساروا عند ابن وافي شيخ المغاربة، فرحب بهم وضرب لهم بيوت شعر وأقاموا بها إلى سنة ثلاثين وماية وألف، فمات إبراهيم بك أبو شنب وكان يواسي أولاد حبيب، ويرسل لهم وصولات بغلال يأخذونها من بلاده القبلية، فلما مات في الفصل، ضاقت معيشتهم، فحضر سالم بن حبيب من عند ابن وافي خفية، وذلك قبل طلوع ابن إيواظ بالحج سنة إحدى وثلاثين ودخل بيت السيد محمد دمرداش، وسلم عليه وعرفه بنفسه فرحب به وشكا له حال غربته، وبات عنده تلك الليلة وأخذه في الصباح إلى ابن إيواظ، فدخل عليه وقبل يده ووقف، فقال السيد محمد للصنجق: «عرفت هذا الذي قبل يدك؟» قال: لا، قال: هذا الذي جم أذناب خيولك، قال: سالم قال: لبيك قال: أتيت بيتي ولم تخف، قال له: نعم أتيت بكفني إما أن تنتقم وإما أن تعفو، فإننا ضقنا من الغربة وها أنا بين يديك فقال له: مرحبًا بك أحضر أهلك وعيالك وعمر في الكفر واتق الله تعالى وعليكم الأمان، وأمر له بكسوة وشال، وكتب له أمانًا وأرسل به عبده، وركب سالم وذهب عند إبراهيم الشواربي بقليوب، فأقام عنده حتى وصل العبد بالأمان إلى عمه وأخيه في بني سويف، فحملوا وركبوا وساروا إلى قليوب ونزلوا بدار أوسيه الكفر حتى بنوا لهم دواوير وأماكن ومساكن، وأتتهم العربية ومشايخ البلاد ومقادمها للسلام والهدايا والتقادم، فأقام على ذلك حتى تولى محمد علي بك بن إسماعيل بك أمير الحاج، فأخذ منه إجازة بعمار البلد الذي على البحر، وشرع في تعمير الدور العظيمة والبساتين والسواقي والمعاصر والجوامع، وذلك سنة أربع وثلاثين وماية وألف، واستقام حال سالك واشتهر ذكره وعظم صيته، واستولى على خفارة البرين ونفذت كلمته بالبلاد البحرية من بولاق إلى البغازين، وصارت المراكب والرؤساء تحت حكمه، وضرب عليهم الضرايب والعوايد الشهرية والسنوية، وأنشأ الدواير الواسعة والبستان الكبير بشاطئ النيل، وكان عظيمًا جدًّا وعليه عدة سواق وغرس به أصناف النخيل والأشجار المتنوعة، فكانت ثماره وفاكهته وعنبه تجتنى بطول السنة، وأحضرها لها الخولة من الشام ورشيد وغير ذلك، ولما وقعت الوقايع بين ذي الفقار بك ومحمد بك جركس المتقدم ذكرها، وحضر جركس بمن معه من اللموم إلى قرب المنشية، وخرجت إليه عساكر مصر وأرسلوا إلى سالم بن حبيب، فجمع العربان وحضر بفرسانه وعبيده إلى ناحية الشيمي وحارب مع الأجناد المصرية حتى قتل سليمان بك في المعركة، وولى جركس ورجعت التجريدة وتبعه سالم بن حبيب والأسباهية وذهبوا خلفه فعدى الشرق فعدوا خلفه، وطلعت تجريدة أخرى من مصر فتلاقوا معهم وتحاربوا مع محمد بك جركس، فكانت بينهم وقعة عظيمة فكانت الهزيمة على جركس وحصل ما حصل من وقوع جركس في الروبة وموته، ودفنوه بناحية شرونه كما تقدم، ورجع سالم بن حبيب بما غنمه في تلك الوقايع إلى بلده، واشتهر أمره واشترى السراري البيض، ولم يزل حتى توفي سنة إحدى وخمسين وماية وألف، وخلف ولدًا يسمى عليًّا اشتهر أيضًا بالفروسية والنجابة والشجاعة، ولما مات سالم ترأس عوضه أخوه سويلم في مشيخة نصف سعد، فسار بشهامة واشتهر ذكره، وعظم صيته، في الإقليم المصري زيادة عن أخيه سالم، ووسع الدواوير والجالس، ولما سافر الأمير عثمان بك الفقاري بالحج ورجع سنة إحدى وخمسين المذكورة، فأرسل هدية إلى سويلم المذكور وأرسل له الآخر التقادم، ثم إن الأمير عثمان بك تغير خاطره على سويلم لسبب من الأسباب، فركب عليه على حين غفلة ليلًا وتعالى به الدليل ونزل على دجوة طلوع الشمس، وكان الجاسوس سبق إليهم وعرفهم بركوب الصنجق عليهم. فخرجوا من الدور ووقفوا على ظهور خيولهم بالغيط بعيدًا عن البلد، فلما حضر الصنجق ورمح على دورهم ورمى الطوايف بالرصاص فلم يجدوا أحدًا، فلم يتعرض لهم بشي ومنع الغز والطوائف عن أخذ بشي، وبلغ خبر ركوب الصنجق عمر بك رضوان وإبراهيم بك فركبا خلفة حتى وصلا إليه، وسلما عليه فعرفهما أنه لم يجدهم بالبلد، فركب عمر بك، وأخذ صحبته مملوكين فقط وسار نحو الغيط فرآهم واقفين على ظهور الخيل، فلما عاينوه وعرفوه نزلوا عن الخيل وسلموا عليه، فقال لهم: لأي شيء تهربون من أستاذكم؟ وعرفهم أنه أتى بقصد النزهة وأحضر صحبته علي بن سالم فقابل به الأمير وقبل يده، ورجع إلى دواره وأحضر أشياء كثيرة من أنواع المآكل حتى اكتفى الجميع، وعزموا عليهم تلك الليلة، فبات الصنجق وباقي الأمراء وذبح لهم أغنامًا كثيرة وعجلين جاموس وتعشى الجميع، وأخرجوا لهم في الصباح شيئًا كثيرًا من أنواع الفطورات، ثم قدم لهم خيولًا صافنات وركبوا ورجعوا إلى منازلهم.

ولما هرب إبراهيم بك قطامش في أيام راغب محمد باشا، وكان سويلم مركونًا عليه فجمع سويلم عرب بلي وضرب ناحية شبرا المعدية، فوصل الخبر إلى إبراهيم جاويش القازدغلي فأخذ فرمانًا بضرب ناحية دجوة والخروج من حق أولاد حبيب، فعين عليهم ثلاثة صناجق؛ هم عثمان بك أبو سيف وأحمد بك كشك وآخر، ووصلتهم النذيرة بذلك فوزعوا دبشهم وحريمهم في البلاد، وركبوا خيولهم ونزلوا في الغيط ونزلت لهم التجريدة، ومعهم الجبخانة والمحاربون وهجموا على البلد فوجدوها خالية، ولما رأى الحبايبة كثرة التجريدة فوسعوا وذهبوا إلى ناحية الجبل الشرقي، وأرسل إبراهيم جاويش إلى عثمان بك أبي سيف أمير التجريدة بأنه ينادي في البلاد عليهم، ولم يدع أحدًا منهم ينزل الريف، فركب عثمان بك وطاف بالبلاد يتجسس عليهم، وظفر لهم بقومانية وذخيرة ذاهبة إليهم من الريف على الجمال، فحجزها وأخذها وذلك مرتين، ورجع عثمان بك ومن معه إلى مصر وصحبتهم ما وجدوه للحبايبة في البلاد من مواش، وسكر وعسل وأخشاب، وهدموا جانبًا من بيوتهم وكان علي بن سالم لم يذهب مع سويلم إلى الجبل بل أخذ عياله وذهب عند أولاد فودة، فلما سمع بالتقريط على أصحاب الدرك، فأتى إلى مصر ودخل إلى بيت إبراهيم جاويش وعرفه بنفسه وطلب منه الأمان، فعفا عنه بشرط أن لا يقرب دجوة ويسكن في أي بلد شاء يزرع مثل الناس، ثم إن سويلمًا ومن معه أرسلوا إلى حسين بك الخشاب بأن يأخذ لهم أمانًا من إبراهيم جاويش ففعل، وقبل شفاعة حسين بك بشرط إبطال حماية المراكب وأذية بلاد الناس، ويكفيهم الخفارة التي أخذوها بالقوة، واستخلص لهم المواشي التي كان جمعها عثمان بك أبو سيف، واستقر سويلم كما كان بدجوة، وبنى له دوارًا عظيمًا ومقاعد مرتفعة شاهقة في العلو يحمل سقوفها عدة أعمدة، وعليها بوايك مقوصرة ترى من مسافة بعيدة في البر والبحر، وبها عدة مجالس ومخادع ولواوين وفسحات علوية وسفلية وجميعه مفروش بالبلاط الكدان، وبنى بداخل ذلك الدوار مسجدًا ومصلى وبداخل حوش الدوار مساطب ومضايف لأجناس الناس الأفاقية وغيرهم، وبنى تحت ذلك الدوار بشاطئ النيل رصيفًا متينًا ومساطب يجلس عليها في بعض الأوقات، وأنشأ عدة مراكب تسمى الخرجات، ولها شرافات وقلوع عظيمة وعليها رجال غلاظ أشداد فإذا مرت بهم سفينة صاعدة أو حادرة صرخ عليها أوليك الرجال قايلين: البر، فإن امتثلوا وحضروا أخذوا منهم ما أحبوه من حمل السفينة وبضايع التجار، وإن تلكأوا في الحضور قاطعوا عليهم بالخرجات في أسرع وقت وأحضروهم صاغرين، وأخذوا منهم أضعاف ما كان يؤخذ منهم أضعاف ما كان يؤخذ منهم لو حضروا طايعين من أول الأمر، وكان له قواعد وأغراض وركايز وأناس من الأمرا وأعوانهم بمصر يراسلهم ويهاديهم، فيذبون عنه ولا يسمعون فيه شكوى. وله عدة من العبيد السود النجارية الفرسان ملازمين له مع كل واحد حرمدان، مقلد به ملآن بالدنانير الذهب، وكان لا يبيت في داره ويأتى في الغالب بعد الثلث الأخير، فيدخل إلى حريمه حصة ثم يخرج بعد الفجر فيعمل ديوانًا، ويحضر بين يديه عدة من الكتبة ويتقدم إليه أرباب الحاجات ما بين مشايخ بلاد وأجناد وملتزمين وعرب وفلاحين وغير ذلك، والجميع وقوف بين يديه. والكتاب يكتبون الأوراق والمراسلات إلى النواحي، وغالب بلاد القليوبية والشرقية تحت حمايته وحماية أقاربه وأولاده، ولهم فيها الشركا والزروع والدواوير الواسعة المعروفة بهم والمميزة عن غيرها بالعظم والضخامة، ولا يقدر ملتزم ولا قايممقام على تنفيذ أمر مع ملاحيه إلا بإشارته أو بإشارة من البلد في حمايته من أقاربه؛ وكذلك مشايخ البلاد مع أستاذيهم وكان لهم طرايق وأوضاع في الملابس والمطاعم، فيقول الناس: «سرج حبايبي وشال حبايبي ومركوب حبايبي» إلى ذلك وكان مع شدة مراسه وقوة بأسه يكرم الضيفان، ويحب العلماء وأرباب الفضايل ويأنس إليهم ويتكلم معهم في المسايل ويواسيهم ويهاديهم وخصوصًا أرباب المظاهر، واتفق أن الشيخ عبد الله الشبراوي أضافه فقدم له جملًا، ولم يزل على ما ذكرنا حتى جرد عليهم علي بك، وهرب سويلم إلى البحيرة في السنة الماضية، ثم جرد عليه في هذه السنة وعلى الهنادي، وقتل شيخ العرب سويلم وخمسة وأربعون شخصًا من الحبايبة وأتوا برأسه وعلقت بالرميلة ثلاثة أيام، وبقي من أولادهم خمسة وهم: سيد وأحمد وسالم ومحمد وأحمد فنزلوا على حكم إسماعيل بك إلى محمد بك، فكلم علي بك في ذلك وترضى خاطره فأمنهم بشرط أن لا يسكنوا محلهم ولا يكون لهم ذكر، وشتت قبيلتهم إلى أن عمرهم مراد بك تابع محمد بك أبي الدهب، وترأس عليهم شيخ العرب أحمد بن علي بن سويلم ولكن دون الحالة الأولى بكثير، ومن غير صولة ولا مقارشة ولا تعد ولا خفارة، وكان إنسانًا حسنًا وجيهًا محتشمًا مقتصرًا على حاله وشأنه ملازمًا على قراءة الأوراد والمذاكرة، ويحب أهل الفضل والصلاح ليتبرك بهم وبدعائهم، وترددنا عليه وتردد إلينا بمصر كثيرًا وبلونا منه خيرًا وحسن عشرة، وكان معه أخوه شيخ العرب محمد على مثل حاله ويزيد عنه الإنجماع عن الناس لغير ما يعنيه ويعانيه في خاصة نفسه، وكان أبوهما على نزل بقليوب بدار فيحاء، وكان حسن الخلق والخلق وله حشم وأتباع كثيرة وله هيبة عندهم، وكان طيب السيرة فصيحًا مفوهًا في حفظه أشعار ونوادر ولديه معرفة، وكان يفهم المعنى ويحقق الألفاظ، ويطالع الكتب ومقامات الحريري ونحو ذلك.

ومات الأمير المبجل علي كتخدا مستحفظان الخربطلي، وهو من مماليك أحمد كتخدا الخربطلي. الذي جدد جامع الفاكهاني الذي بخط العقادين، وصرف عليه من ماله ماية كيس وذلك في سنة ثمان وأربعين وماية وألف، وأصله من أبناء الفايز بالله الفاطمي، وكان إتمامه في حادي عشر شوال من السنة المذكورة، وكان المباشر على عمارته عثمان جلبي شيخ طايفة العقادين الرومي، وفي تلك السنة ألبس مملوكه المترجم على أوده باشه الضلمة وجعله ناظرًا ووصيًّا، ومات سيده في واقعة محمد بك الدفتردار في جملة الأحد عشر أميرًا المتقدم بيانهم، وعمل جاويش في الباب ثم عمل كتخدا، واشتهر ذكره بعد انقضاء دولة عثمان بك الفقاري، واستقلال إبراهيم كتخدا ورضوان كتخدا الجلفي بإمارة مصر، وزوج ابنته لعلي بك الغزاوي وعمل لها فرحًا عظيمًا ببركة الرطلي عدة أيام كانت من مقترحات مصر، وبعد انقضاء أيام الفرح زفت العروس في زفة عظيمة اجتمع العالم من الرجال والنساء والصبيان للفرجة عليها، ودخل بها علي بك المذكور وولد منها حسن جلبي المشهور، وأنشأ علي كتخدا المترجم داره العظيمة برأس عطفة خشقدم جهة الباطلية وداره المطلة على بركة الرطلي، والقصر على الخليج الناصري والقباب المعروفة به وغير ذلك، ونفاه علي بك إلى جهة قبلي كما تقدم، فلما ذهب علي بك إلى قبلي صالحه وانضوى إليه وكان هو السفير بينه وبين صالح بك في الصلح، وبذل جهده في ذلك هو وخليل بك الأسيوطي حتى أتموه على الوجه المتقدم، وحضر صحبة علي بك إلى مصر وسكن بداره، وأقبلت عليه الناس وقصدوه في الدعاوي والشكاوي، وأمن جانب علي بك واعتقد صداقته، وظن أنه قلده منته فلم يلبث إلا أيامًا وأخرجه منفيَّا إلى رشيد، ثم أرسل من خنقه هناك، وكان أميرًا جليلًا وجيهًا جميل الصورة واسع العينين أبيض اللحية ضخمًا مهاب الشكل بهي الطلعة، ودفن هناك.

ومات الأمير محمد بك أبو شنب، وهو من مماليك علي بك، وقتل في معركة أسيوط كما تقدم، ودفن هناك، وكان من الشجعان المعروفين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠