سنة أربع وثمانين وماية وألف/١٧٧٠م

فيها ورد على علي بك الشريف عبد الله من أشراف مكة، وكان من أمره أنه وقع بينه وبين ابن عمه الشريف أحمد أخي الشريف مساعد منازعة في إمارة مكة بعد وفاة الشريف مساعد، فتغلب عليه الشريف أحمد واستقل بالإمارة، وخرج الشريف عبد الله هاربًا وذهب إلى ملك الروم واستنجد به، فكتب مكاتبات لعلي بك بالمعونة والوصية والقيام معه، وحضر إلى مصر بتلك المكاتبات في السنة الماضية، وكان علي بك مشتغلًا بتمهيد القطر المصري ووافق ذلك غرضه الباطنى وهو مطمعه في الاستيلاء على الممالك، فأنزله في مكان وأكرمه ورتب له كفايته، وأقام بمصر حتى تمم أغراضه بالقطر وخلص له قبلي وبحري، وقتل من قتله وأخرج من أخرجه، فالتفت عند ذلك إلى مقاصده البعيدة وأمر بتجهيز الذخاير والإقامات، وعمل البقسماط الكثير حتى ملوا منه المخازن ببولاق ومصر القديمة والقصور البرانية وبيوت الأمراء المنافي الخالية، ثم عبوا ذلك وأرسل مع باقي الاحتياجات واللوازم من الدقيق والسمن والزيت والعسل والسكر والأجبان في البر والبحر، واستكتب أصناف العساكر أتراكًا ومغاربة وشوامًا ومتاولة ودروزًا وحضارمة ويمانية وسودانًا وحبوشًا ودلاة وغير ذلك، وأرسل منهم طوايف في المقدمات والمشاة أنزلوهم من القلزم في المراكب، وصحبتهم الجبخانات والمدافع وآلات الحرب، وخرجت التجريدة في شهر صفر بعد دخول الحجاج في تجمل زايد ومهيا عظيم وسارى عسكرها محمد بك أبو الدهب، وصحبته حسن بك ومصطفى بك وخلافهم.

وفي ثاني وعشرين ربيع الأول وردت الأخبار من الأقطار الحجازية بوقوع حرابة عظيمة بين المصريين، وعرب الينبع وخلافهم من قبايل العربان والأشراف، ووقعت الهزيمة على المذكورين وانتصر عليهم المصريون، وقتل وزير الينبع المتولى من طرف شريف مكة وقتل معه خلايق كثيرة.

وفي تاسع من شهر ربيع الآخر وصل نجاب إلى مصر من الديار الحجازية، وأخبر بدخول محمد بك ومن معه إلى مكة، وانهزام الشريف أحمد وخروجه هاربًا. ونهب المصريون دار الشريف ومن يلوذ به وأخذوا منها أشياء كثيرة من أمتعة وجواهر وأموال لها قدر، وجلس الشريف عبد الله في إمارة مكة، ونزل حسن بك إلى بندر جدة وتولى إمارتها عوضًا عن الباشا الذي تولاها من طرف ملك الروم؛ ووصلت الأخبار والبشائر بذلك وأرسلت إليه الملاقاة بالعقبة وخلافها، فلما ورد الخير بوصوله إلى العقبة خرجت الأمرا إلى بركة الحاج والدار الحمرا لانتظار قدومه، فوصل في أواخر شهر رجب ودخل إلى مصر في ثامنه في موكب عظيم، وأتت إليه العلما والأعيان للسلام وقصدته الشعراء بالقصايد والتهاني.

وفي منتصف رجب المذكور عزل علي بك عبد الرحمن أغا مستحفظان، وقلد عوضه أغا الوالي، وقلد عوض الوالي موسى أغا من أتباعه، وأمر عبد الرحمن أغا بالسفر إلى ناحية غزة وهي أول حركاته إلى جهة الشام، وأمر بقتل سليط شيخ عربان غزة، فلم يزل يتحيل عليه حتى قتله هو وإخوته وأولاده، وكان سليط هذا من العصاة العتاة له سير وأخبار.

وفيه زاد اهتمام علي بك بالتحرك على جهة الشام واستكثر من جميع طوايف العسكر، وعمل البقسماط والبارود والذخاير والمون وآلات الحرب، وأمر بسفر تجريدة وأميرها إسماعيل بك وصحبته علي بك الطنطاوي وعلي بك الحبشي، فبرزوا إلى جهة العادلية وخرجوا بما معهم من طوايف العسكر والمماليك والأحمال والمطابخ والجبخانات والعربات والضوية، وقرب الماء الكثيرة على الجمال، والكرارات والمطابخ والطبول والزمور والنقاقير وغير ذلك، فلما تكامل خروجهم أقاموا بالعادلية أيامًا حتى قضوا لوازمهم وارتحلوا وسافروا إلى جهة الشام.

وفي حادي عشرينه برزت تجريدة أخرى وعليها سليمان بك وعمر كاشف وجملة كثيرة من العساكر، فنزلوا من طريق البحر على دمياط.

وفي عاشر شهر القعدة وردت أخبار من جهة الشام، وأشيع وقوع حرابات بينهم وبين حكام الشام وأولاد العظم.

وفي منتصفه خرجت تجريدة أخرى وسافرت على طريق البر على النسق السابق.

(وفي سابع عشر) طلب علي بك حسن أغا تابع الوكيل والروزنامجي وباش قلفة وإسماعيل أغا الزعيم وآخرين، وصادرهم في نحو أربعماية كيس بعد ما عوقوهم أيامًا. وفي أواخره عمل علي بك دراهم على القرى وقرر على كل بلد ماية ريال وثلاثة ريال حق طريق؛ فضجت الناس من ذلك، وطلب من النصارى والقبط ماية ألف ريال، ومن اليهود أربعين ألفًا وقبضت جميعها في أسرع وقت.

ذكر من مات في هذه السنة (١١٨٤هـ/١٧٧٠م)

مات الشيخ العمدة الفاضل الكامل الأديب الماهر الناظم الناثر الشيخ عبد الله بن سلامة الإدكاوي المصري الشافعي الشهير بالمؤذن، ولد بإدكو وهي قرية قرب رشيد سنة أربع وماية وألف كما أخبر من لفظه، بها حفظ القرآن وورد إلى مصر، فحضر دروس علماء مصر وأدرك الطبقة الأولى، واشتهر بفن الأدب وانضوى إلى فخر الأدباء في عصره السيد علي أفندي برهان زاده نقيب السادة الأشراف، فأنزله عنده في إكرام واحتفل به وكفاه المؤنة من كل وجه، وصار يعاطيه كؤوس الآداب، ويصافيه بمطارحة أشهى من ارتشاف الرضاب، وحج بصحبته بيت الله الحرام، وزار قبر نبيه عليه الصلاة والسلام، وذلك سنة سبع وأربعين وماية وألف، وعاد إلى مصر وأقبل على تحصيل الفنون الأدبية، فنظم ونثر ومهر وبهر، ورحل إلى رشيد وفوة والإسكندرية مرارًا، واجتمع على أعيان كل منها وطارحهم ومدحهم، وفي سنة تسع وثمانين رأيت من نظمه بيتين بخطه في جدار جامع ابن نصر بفوه تاريخ كتابتها سنة خمس وأربعين، وبعد وفاة السيد النقيب تزوج وصار صاحب عيال وتنقلت به الأحوال، وصار يتأسف على ما سلف من عيشة الماضي في ظل ذلك السيد قدس سره، فلجأ إلى أستاذ عصره الشيخ الشبراوي ولازمه واعتنى به وصار لا ينفك عنه ومدحه بغرر قصايده، فحصلت له العناية والإعانة، وواساه بما حصلت به الكفاية والصيانه، وله تصانيف كلها غرر، ونظم نظامه عقود الدرر، فمنها الدرة الفريدة والمنح الربانية في تفسير آيات الحكم العرفانية، والقصيدة اللازردية في مدح خير البرية، ألفها لعلي باشا الحكيم، ومختصر شرح بانت سعاد للسيوطي، والفوايح الجنانية في المدايح الرضوانية، جمع فيها أشعار المادحين للمذكور، ثم أورد في خاتمها ماله من الأمداح فيه نظمًا ونثرًا، وهداية المنهومين في كذب المنجمين، والنزهة الزهية بتضمين الرحبية، نقلها من الفرايض إلى الغزل، وعقود الدرر في أوزان الأبحر الستة عشر، التزم في كل بيت منها الاقتباسات الشريفة، والدر الثمين في محاسن التضمين، وبضاعة الأريب في شعر الغريب، وذيلها بذيل يحكي دمية القصر، وله المقامة التصحيفية والمقامة القمرية في المجون، وله تخميس بانت سعاد وصدرها بخطبة بديعة وجعلها تأليفًا مستقلًّا. وديوانه المشهور على حروف التهجي وغير ذلك. وقد كتب بخطه الفايق كثيرًا من الكتب الكبار ودواوين الأشعار، وكمل عدة أشياء من غرايب الأسفار رأيت من ذلك كثيرًا، وقاعدة خطه بين أهل مصر مشهورة لا تخفى، ورأيت مما كتب كثيرًا، فمن الدواوين: ديوان حسان رضي الله عنه رأيته بخطه وقد أبدع في تنميقه وكتب على حواشيه شرح الألفاظ الغريبة، ونزهة الألباب، الجامع لفنون الآداب، وله مطارحات لطيفة مع شعراء عصره، والواردين على مصر، ولم يزل على حاله حتى صار أوحد زمانه، وفريد عصره وأوانه، ولما توفي الأستاذ الحفني اضمحل حاله، ولعب بلباله، واعترته الأمراض ونضب روض عزه وغاض، وتعلل مدة أيام، حتى وافاه الحمام، في نهار الخميس خامس جمادى الأولى من السنة، وأخرج بصباحه، وصُلي عليه بالأزهر، ودفن بالمجاورين قرب تربة الشيخ الحفني، ومما اخترته من شعره قوله متوسلًا بالنبي :

يا رب بالهادي الشفيع محمد
من قد بدا هذا الوجود لأجله
وبآله الأمجاد ثم بصحبة الـ
أخيار يا مغني الورى من فضله
كن لي معينًا في معادي واكفني
هم المعاش وما أرى من ثقله
واستر بفضلك زلتي واعفر بعد
لك سيئتي واشف الحشا من غله

(وله):

سل الله ذا المن العظيم ولا تسل
سواه فإن الله يعطيك ما تبغي
ومهما تنل ما رمته يا أخا الحجا
من الأمل المطلوب فاقنع ولا تَبغي

وله في آل البيت وفيه اقتباس:

آل طه يا أُولي كلِّ هُدى
نزل القرآن في تطهيركم
نوركم يجلو دجا كل عنا
انظرونا نقتبس من نوركم
ومن غرر صنايعه النوع المخترع المسمى بوسع الاطلاع، وقد قسمه إلى أربعة أقسام:
  • الأول: أن يكون أول كل كلمة أولًا لأختها (وفيه قوله):
    بهي بدا بالوصل
    بزورته بانت بلابل باله
  • الثان: حرف عاطل وحرف منقوط سوى القافية (وفيه قوله):
    جميل بديع جل ذاتًا بهيه
    به زدت حبًّا فاتك بمجاله
  • الثالث: كلمة منقوطة وكلمة عاطلة ويسمى الأخيف (وفيه قوله):
    جُنِنْتُ ولوعًا في هواه، شُغفت، كم
    فُتِنت عساه يُجتنَى لكماله
  • الرابع: جميع الكلمات منقوطة (فيه قوله):
    شفيق شقيق شنب شفَى
    بغنج، بجفن شفَّنى بنباله

له فيما لا يستحيل بالانعكاس بانعكاس قولنا لم يَنْعَكِسْ:

الْغ مَنْ نمّ فمن نم غلا

وله فيه أيضًا:

ارع لخل إن أسا
وأس إن الخلّ عرا
ارث لمن مل قلا
والق لمن ملَّ ثرا
ارم عدوًّا ذا حمًا
وامحُ أذًا ودع مِرا

وله فيه أيضًا:

صديقي في الأنام حليف حلم
عليه الجهل حتمًا لا يُحُومُ
منته تنم لهجو ذا
م إذ وجهل مئنته تنم

وله في وسع الاطلاع، وهو أن الحرف الذي تختم به الكلمة تبتدأ به الكلمة التي بعدها إلى آخر قوله:

تأمَّل لما أبداه هذا المُهفهف
فريد دلالٍ لا انفصال لحسنه
هناي يؤاتي يومَ مَولاي يسعفُ
حبيب بهي يوم مَلقَاه هَنني
يمينًا إذا ألقاه همِّي يكشف
به هام مثلي يا أخلاء آية
تمنوا إذا أموا الحمى يتعطف
وكم ملكوه هائمين نفوسهم
مرامُهُمُ منهم هباتٌ تؤلف
رشا أتمنَّى يصطفيني يودني
يواصلني يومًا إذا اتلهّفُ
فينعم متعوب برته همومُه
هيامي ينادي يا ميلحًا أتعطف
فزاد دلالًا إذ ذكرت تعطفًا
أظلمًا إذا أصبحت تسخو وتسْعفُ

(وله في النوع المسمى بالعود):

دلالة بولاة الحب زاد فلو
قد عاد بالقرب يا صحبي شفى سقمي
دلاله زاد صحبي
بالقرب زاد دلاله
وصاله طبَّ لبي لو يعود عسى
بالوصل يحسم دائي بل يصون دمي
وصاله طب دائي
عسى يعود وصاله
نباله قد أبادت عاشقيه فكم
عادت بهم نافذات العود فانتقم
نباله نافذات
فكم أصابت نباله
قتاله في الرعايا لا يطاق فلا
تهزا فقد عاد جدًّا ذاك فاعتصم
قتاله في الرعايا
فلا يطاق قتاله

وله في بناء مسجد الشيخ مطهر بيت تأريخ:

إنما يعمر المساجد من آ
من بالله موقنًا بالمفاز

(وله تشطير ذالية ظافر الحداد):

لو كان بالصبر الجميل ملاذ
ما ضل عنه هجوعه ولذاذه
خلا ولولا برق ثغر جبينه
ما سح وابل جفنه ورذاذه

إلى آخرها وله من قصيدة يمدح بها بعض أمراء مصر، ويهنيه بعام أربع وستين فيها تاريخ، كل مصراع منه تاريخ على حدته، ومنقوط المصراعين تاريخ ومهملهما تاريخ، ومنقوط الأول مع مهمل الثاني تاريخ وبالعكس، فالجملة ستة تواريخ في البيت الواحد مطلعها:

سلوه عن جفني ما أرقه
وخاطري المشغوف من شوقه

«وبيت التاريخ»:

عام بكم فرقد إشراقه
بسوحكم راق فما أشرقه

(وله):

وافى المحب إليكم يرجو اللقا
كم مرة فأبى قضاء الله
فلئن منتم بالتلاقي مرة
ألبستموه حلة المتباهي

وكان في مجلس وفيه أعيان الكتاب من الخطاطين، فطلب منه وصفهم فقال:

انظر لمجلس ذا الكتاب تلقهم
مثل النجوم التي يسري بها الساري
قد أحرزوا قصب الأرقام واقتطفوا
جنى حروف لقد زينت بأسفار
ما منهم من يرى يومًا يراعته
إلا وقيل له ما أحكم الباري

(وله مؤرخًا عذار محبوب):

يا رعى الله دهر أنس تقضى
بك يا أيها الظريف الشمايل
حيث ورد الخدود زاه نضير
مثمر بالجمال يا غصن مايل
ولَّى الدهر ما سعيت مطيع
مسعدات بكوره والأصايل
إن أقل آمرًا أجاب وحظى
بتمليك في حلى السعد رافل
مذ تبدى مسلسلًا آس خديـ
ـك وأمسى لماء وردك ناهل
مل عني ظنًّا بأني سالٍ
مع أن الحشا بحبك ذاهل
قال ما ملت عنك لكن ما لا
تشتهيه بدا فما أنت فاعل؟
ليت يا منيتي خدودك أضحت
جنة تجذب الحشا بسلاسل
قال إيه شبه عذاري وأرخ؟
قلت مسك للورد قد جاء سايل

«وله وهو منقول من معنى فارسي»:

شكا لي أهل الكيف شهر الصيام إذ
أتى ودم الأجفان قد سفحوه
فقلت لهم يا قوم إن جاء نحوكم
يطالبكم بالصوم فيه كلوه

(وله أيضًا):

جلس الرقيب حذاء آ
س الخد في الوجه البديع
فكأنه برد العجو
ز مقابل فصل الربيع

(وله مستعطفًا):

يا سيدي بقديم ود بيننا
بحديثنا الممزوج بالسراء
بسميك الكرار قصر مد هـ
ـذا الصد واحفظ صحبتي وإخائي
فالصبر عني قد نأى والشوق
مني قد دنا وتشتت آرائي
وجفاك قد هد القوى ونواك قد
أضنى الحشا وعلى يديك شفائي
ووحق ما لاقيته أنا ذلك الـ
ـخل الوفي وإن أطلت جفائي
والذنب ذنبي فاعف عني سيدي
فالعفو شأن السادة الكرماء

(وله):

ليت شعري ماذا تقولون في حب مغزيّ بكم لا ينام؟

(وله في المواعظ):

ليت شعري إذا دنا يا رفاقي
أجلي ثم هيئوا لي ترابي
واغتدوا بي إلى محل به صحـ
ـبي جفوني وليس يرجى إياني
هل إذا غربلوا التراب أيلقوا
ذرة من عظمي فيا لمصابي
ويح هذي الدنيا التي تحرق الأكبا
دَ قد مزقت بلحدي إهابي
وبذاك القفر اغتديت رهينًا
ليس لي من زاد ولا من ركاب
فإذا رمت يا دغستان تدري
شفوة من سعادة في المآب
فانظره ما خطت يمينك في لو
حك لما تأتي غدًا للحساب

(وقال لأمر اقتضى):

وعصبة سوء تجافيتهم
ونزهت نفسي عن دائهم
لحاني قوم على تركهم
وقالوا ألست من أكفائهم؟
فقلت لهم عذرنا واضح
على ترك ساحة أحيائهم
فنحن نعيش بأقلامنا
وهم عائشون بأقفائهم

(وقال في الرد على المنجمين):

الله يعلم ما يكون وما به
تسري الرياح وما له يجري الفلك
فدع المنجم في ضلالته وما
ينبيك عنه ففي مقالته أفك
واحذر تصدقه فتهلك جاهلًا
يا مدعي الإيمان فيمن قد هلك
علم الإله محجب إلا على
من يرتضيه من رسول أو ملك
هذا اعتقادي والذي ألقى به
ربي لأسلك ناجيًا مع من سلك
ثم الصلاة على النبي وآله
والصحب ما انشق الضياء من الحلك

وأنشده بعض أدباء الروم تاريخًا بالتركية يخرج منه ستة تواريخ، وزعم أن شعراء العرب لا يحسنون مثل ذلك فعمل تلك الليلة قوله وهو أول ما عمل من هذا النوع:

عام جديد بالهنا مقبل
وكل خير ذكره يؤثر
أتى لنا أهلًا وسهلًا به
ربي أنلنا فيه ما يجبر
قال لي الوقت وقد راق من
منهله المورد والمصدر
صفه بمدح رائق لائق
فهو بما تمدحه يشهر
على لساني قلت: أرخته
في بيت شعر حسن يذكر
إبان عامي روحه يثمر
ووعد مثلي نوره يبهر

فكل مصراع تاريخ، ومهمل المصراع الأول مع مهمل الثاني تاريخ، ومنقوط الأول مع منقوط الثاني تاريخ، ومهمل الأول مع منقوط الثاني تاريخ، وعكسه فليعلم.

وله تشطير على لامية ابن الوردي مشهور. وله في الزهديات:

الله ربي لا شريك له ولا
ند ولا ضد ولا أعوان
يقضي ويفعل ما يشاء كماله
سبحانه في كل يوم شان

(وله تخميس بيتي الرقمتين):

وحوراء النواظر أسهرتني
ليالي هجرها بل حيرتني
ومذ حصل الوفاء وبشرتني
رأت قمر السماء فأذكرتني
ليالي وصلها بالرقمتين
وأبدت لي شمائلها الفواتن
ووجهًا نيرًا للبدر فاتن
وقال لي وخوفي صار آمن:
كلانا ناظر قمرًا ولكن
رأيت بعينها ورأت بعيني

وقال:

لم أقل: قد نام حظي إنما
نام أهل الحظ في وقت انتباهه
لكن الله تعالى قادر
في بقائي في توليه وجاهه

وقال في تضمين المصراع الأخير الفارسي:

وخود من بنات الفرس ألقت
محبتها لهيبًا في حشائي
وقد ملكتها رقي وحلت
محل السر مني والوفاء
تعاملني بما يسبي فؤادي
وتمنحني سرورًا باللقاء
سطا فينا النوى فأتيتها كي
أمتع ناظري قبل التنائي
وقالت لي وقد أذرفت دموعًا
على الخد المكلل بالبهاء
بألفاظ تحاكي عقد در
جه بودي كرنبودي آشنائي

وله قصيدة ليس فيها حرف منقوط من أسفل منها:

كلمت محاسنه فتاها
وسمت تفاخر من عداها
رشا لواحظه غدت
فتاكة أو ما كفاها؟

وله أخرى ليس فيها حرف منقوط من أعلى منها:

يا مليجًا يهوى دوامًا صدودي
لم؟ يا باهي الجمال الوحيد
أحرام لو ميلوك لوصل
لمحب يرى الوصال كعيد؟

وله نظم البحور على ترتيبها في الدوائر بأسمائها:

أطلت مدير الهجر فابسط لوافر
الوداد بقرب كامل وارث مالكي
وكن هزجًا أو ارجز بوصلي وارملن
سريع انسراح يا خفيف المسالك
وضارع إذا رمت اقتضاب حسودنا
لتجتثه أصلًا وقارب ودارك

وله في التضمينات نبذه صغيرة جمعها على حروف المعجم للمرحوم الشيخ محمد سعيد السمان الدمشقي، حين قدم مصر واجتمع به سنة اثنتين وسبعين وماية وألف، منها على حرف الألف:

قال لي من هويت يا ذا المعالي
إن تكن تشتهي حصول لقائي
صف كلامي وحسن نطقي بديها
قلت حسن الكلام نصف الوفاء

(وعلى حرف الباء):

أفدي حبيبًا سباني
وقد حباني قربه
عاتبته قال دعني
فالعتب نصف المسبَّه

(وعلى حرف التاء):

قلت للشادن المليح وقد حل
بخديه ما رماه بقوت
نبت الشعر فوق خديـ
ـك وهذا والله نصف الموت

(وعلى حرف الشين):

قلت للمسرف المبذر دبر
أمر دنياك تدركن خير عيشه
إن ساداتنا الأفاضل قالوا
إن حسن التدبير نصف المعيشه

وقال في تفضيل القديم على الجديد والجديد على القديم:

كن للمعاصر خير ناصر
كم للأوائل في مفاخر
لا تحفرن جديدهم
كم في جديدهم جواهر
ودع التعصب للأوا
نل يافتى أو للأواخر
من كان منهم مبدعًا
فاعقد عليه من الخناصر

وقال يمدح الشمس الحفني قدس الله سره:

في كل شارقة طرفي أردده
في روضة أنف من وجهك الحسن
يا بهجة العصر يا منهاج كل علا
يا محيي الدين بالآثار والسنين
فأحمد الله إذ بالحب قربني
من قلبك النير الصافي من الدرن
وأرتجي منه بعد الحب ما بقيت
روحي تردد مني داخل البدن
آمين قل سيدي كي يستجاب دعا
راج بقاءك ياعلامة الزمن

فلما سمعه الممدوح ووعاه، قال بلفظه المبين: آمين اللهم آمين.

وقال مخمسًا أبيات ابن منجك المشهورة:

طاف بالراح مشتهانا المدلل
ينثني مثل بانة تتميل
قلت مذ زمزم الكئوس وأقبل
نتفداك ساقيًا قد كساك الـ
ـحسن من فرقك المضيء لساقك
في معانيك حار فكري ووصفي
فلأي الصفات أبدى وأخفى
وعجيب من حيث تبدو لطرفي
تشرق الشمس من يديك ومن فيـ
ـك الثريا والبدر من أطواقك

وقال مضمنًا وقد بلغ عمره سبعين من السنين:

قد شبت مولاي والسبعون قد كملت
قلا تنلني في جسمي الضعيف أذى
وإنني لك عبد فاقض لي كرمًا
بالعتق يا سيدي إن الملوك إذا

وله مضمنًا:

قالوا: تغربت يا هذا فقلت لهم
دعوا ملامي فإني غير مستمع
إذ تغربت والدينار يصحبني
لم أدر ما غربة الأوطان وهو معي

وله في المجون مضمنًا:

ورب صغير من بني الترك جاءني
وفي خده ورد تشوق كمائمه
فساومته وصلًا ولاطفت خلقه
إلى أن دنا نحوي ولانت شكائمه
فلما رأى توقاه خائفًا
كما يتوقى ريض الخيل حازمه

وقال أيضًا من هذا النوع:

أقول وقد طالت يدي من هويت
ويا طالما قد مال عني بالقبض
أيا عطفةً للصب يا فاتر المها
فأدرك مطلوبي ومال إلى الأرض
ولكنه لما رأى الأير راعه
وقال وبرق الشوق يزداد في الومض
بحقك لا تدخله فيَّ جميعه
حنانيك بعض الشر أهون من بعض

وقال مضمنًا:

بقبله جاد حبي
وكان مني يفر
فقلت يا قلب أبشر
فأول الغيث قطر

وله تقريظ بديع على شرح رسالة اسم الجنس والعلم لسيدنا الشيخ السادات حفظه الله تعالى، والمتن للشيخ العيدروس رحمه الله تعالى: هذا علم علامة علم، فعلم وفهم فهامة فهم ففهم، وجنس خاص من خاص الخواص، ودرة من بحر علم لا من بحر غواص، وأديب أبرز غامض تحف أتحف بها طالبيها، ولبيب كشف النقاب عن وجه جسناء تمنعت عن غير عارفيها، فنزهت طرفي في محاسن ما أبدع وحبست طرف نظري متأملًا بدائع ما أودع، وقلت: عين الله عليه من رئيس أمعن نظره، وأنعم في تنقيح أبحاثها فكرة، وأتقن ضم المتن لشرحه المجيد، حتى صار في الالتئام كعقد در دار بالجيد، كيف لا وهو من نخبة قوم عارفين، ولكل وجهة خير هممهم صارفين، وعن كل شر عازفين:

قوم هم زينة الدنيا وبهجتها
بهم نغاث إذا خطب لنا زحفا
لا سيما حبرنا ذا الفرع سيدنا
محمد سبط أهل الصدق آل وفا
أدامه من حباه الفضل يتحفنا
بكل أعجوبة تنحو لها اللطفا
وحاطه من عيون الحاسدين وأو
لاه المنى ووقاه ربه وكفى

وله هذه الأبيات الثلاثة أودع في أوايل كل كلمة منها حرفًا من حروف الهجايه:

إلى باب تواب ثنيت جوارحي
حليم خبير درء ذنبي رضاؤه
زكا سر شاني صف ضفا طال ظله
عنايته غاثت فجل قضاؤه
كفاني لفيض ما عداني نواله
هدايته وافت لأمر يشاؤه

وقال مؤرخًا وصول العين بالماء الكثير إلى مكة شرفها الله:

جاد بالعين الإله لنا
بعدما كنا فقدناها
وجرب بالماء طافحة
فغدونا نحمد الله
فلذا قل إذ تؤرخه
هو فيض الله أجراها

وكان الأغا المعين عليها من الدولة يقال له: فيض الله.

وله تشطير بيتي الشقايق لمولانا العارف بالله تعالى الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله مسئولًا في ذلك، وكان قد ورد على السائل جملة تشاطير عليهما لأدباء الشام فقال:

وشقايق قالت لنا بين الربا
ببديع لفظ بالعقول يسام
إن كنت ترغب في شميم عبيرنا
دع وجنة المحبوب فهي ضرام
هل أنبتت قبل العوارض مثلنا
ذا منظر تهفو له الأحلام
حزنا الفخار على الزهور بهجة
قلت اسكتوا لا يسمع النمام

وقال أيضًا:

وشقايق قالت لنا بين الربا
رد روضنا هو جنة وسلام
من أمنا واشتم نفحتنا يقل
دع وجنة المحبوب فهي ضرام
هل أنبتت قبل العوارض مثلنا
حسنًا وإشراقًا هواه يرام
أو ما استحت من عرفنا الذاكي شذا
قلت اسكتوا لا يسمع النمام

وقال أيضًا:

وشقايق قالت لنا بين الربا
ببهاها شغف الملوك وهاموا
وبنا غدا النعمان يعجب قايلًا
دع وجنة المحبوب فهي ضرام
هل أنبتت قبل العوارض مثلنا
زهرًا تحار لوصفه الأفهام
أو ما درت أنا نفوق محاسنًا
قلت اسكتوا لا يسمع النمام

وقال أيضًا:

وشايق قالت لنا بين الربا
أنا للزهور إذا حضرت إمام
بي يفخرون ومن رأى حسني يقل
دع وجنة المحبوب فهي ضرام
هل أنبتت قبل العوارض مثلنا
والورد فيها قد علاه قتام
وشقيقنا يزهو على طول المدى
قلت اسكتوا لا يسمع النمام

وقال أيضًا وفيه توجيه علم المنطق:

وشقايق قالت لنا بين الربا
بمقدمات ما بها إبهام
برهان سعدي الآن أنتج قايلًا
دع وجنة المحبوب فهي ضرام
هل أنبتت قبل العوارض مثلنا
حتى أضيف لها هوى وغرام
لكنها حصل التمانع عندها
قلت اسكتوا لا يسمع النمام

وقال أيضًا وفيه توجيه النحو:

وشقايق قالت لنا بين الربا
إن جئت نحوي سرك الإقدام
وإن ابتغيت لعائدي صلة الوفا
دع وجنة المحبوب فهي ضرام
هل أنبتت قبل العوارض مثلنا
حتى أضيف لها هوى وغرام
لكنها قد عطلت من عامل
قلت اسكتوا لا يسمع النمام

وقال في توجيه النجوم:

وشقايق قالت لنا بين الربا
ميزان عزي لا يزال يقام
والزهرة الغراء قالت للسها
دع وجنة المحبوب فهي ضرام
هل أنبتت قبل العوارض مثلنا
نجمًا أضاء بنوره بهرام
أوما ترانا كالثريا بهجة؟
قلت اسكتوا لا يسمع النمام

وقال يخاطب الأستاذ الحفني قدس سره:

يا سيدًا عظمت جلالة قدره
ولجاهه انحازت جميع الناس
قد أذهب الله الكريم بفضله
وبلطفه ما حل بي من باس
وأزال شكواي التي قد أوهنت
عظمي فلا أشكو سوى الإفلاس

وقال متغزلًا:

يمر عليَّ من أهوى فأهوى التفـ
ـاتا منه نحوي إذ يمر
فيعرض حين يلحظني دلالًا
فيا عجبي يمر ولا يمر

وكان قد مرض مرضًا أعيا الأطباء ورثى له فيه الأعداء فضلًا عن الأحباء، فلما عوفي قال:

قد حصل اللطف في القضاء وقد
أزال ربي ما كنت أخشاه
ولست أشكو لغيره أبدًا
فأحمد الله ليس إلا هو

وقال أيضًا:

رب بالمصطفى رسولك طه
المصفى من ساير الأدناس
حفني منك يا إلهي بلطف
وأزل ما يسوؤني من باس

وقال أيضًا:

لطف إلهي حفني
مما دهاني في البدن
فالحمد لله الذي
أذهب عن الحزن

وقال أيضًا:

لطف الله بحالي
بعد أن أوهن عظمي
فله الحمد على ما
زال من همي وغمي

وقال وهو معنى منقول من الفارسية:

أعيذك أن تكون لدى البرايا
تسمى سارقًا يا ذا المعاني
ولكن إن سرقت فدر معنى
به تزدان لا در الغواني

وقال مؤرخًا وقد كتب على حنفية للوضوء:

يا ناظرًا في حسن وضعي لقد
صرت سبيلًا لطريق النجاة
لسان حال قايلًا أرخوا
سبيل ماء للوضو والصلاة

وقال في غرض:

نحن قوم إذا رأينا مليحًا
جامعًا في جماله كل بهجه
وأردنا بالاحتيال نراه
نجعل الشرب للتفرج حجه

وقال يخطاب الشمس الحفني في يوم عيد:

عيد بكم يزهو سرورًا
ويزيد إشراقًا ونورا
فأدامكم رب العلا
لمعاقل الإسلام سورا

ولما زوجني المرحوم الوالد في سنة اثنتين وثمانين وماية، وألف كتب إليه مهنيًا ومؤرخًا قوله:

يا ماجدًا أقواله
وفعاله طابا بذكرك
يا كنز طلاب المعا
رف جلها من در بحرك
يهنيك نجلك عابد الرحمـ
ن زاد علا بفخرك
هنيته مليته
متعته يا فرد عصرك
زوجته بكر المحا
سن فانثنى بتلو لشكرك
أبقاهما الله الكر
يم منعمين بطول عمرك
هذا هناء محبك الدا
عي لكم بسمو قدرك
والحال قد أرخته
شمس البها زفت لبدرك

وفي سنة ثلاث وسبعين وماية وألف) لما اختلف خدام المشهد النفيسي وكبيرهم إذ ذاك الشيخ عبد اللطيف في أمر العنز، وذلك أنهم أظهروا عنزًا صغيرة مدره زعموا أن جماعة من الأسرى ببلاد الإفرنج توسلوا بالسيدة نفسية، وأحضروا تلك العنز وعزموا على ذبحها في ليلة يجتمعون فيها يذكرون ويدعون ويتوسلون في خلاصهم ونجاتهم من الأسر، فاطلع عليهم الكافر فزجرهم وسبهم ومنعهم من ذبح العنز، وبات تلك الليلة فرأى رؤيا هالته، فلما أصبح أعتقهم وأطلقهم وأعطاهم دراهم وصرفهم مكرمين، ونزلوا في مركب وحضروا إلى مصر وصحبتهم تلك العنز، وذهبوا إلى المشهد النفسي بتلك العنز، وذكروا في تلك العنز غير ذلك من اختلاقهم وخورهم كقولهم: إنهم في يوم كذا أصبحوا فوجدوها عند المقام أو فوق المنارة وسمعوها تتكلم، أو أن السيدة تكلمت وأوصت عليها، وسمع الشيخ المذكور كلامها من داخل القبر وأبرزها للناس وأجلسها بجانبه، ويقول للناس ما يقوله من الكذب والخرافات التي يستجلب بها الدنيا، وتسامع الناس بذلك فأقبل الرجال والنسا من كل فج لزيارة تلك العنز، وأتوا إليها بالنذور والهدايا، وعرفهم أنها لا تأكل إلا قلب اللوز والفستق وتشرب ماء الورد والسكر المكرر ونحو ذلك، فأتوه بأصناف ذلك بالقناطير، وعمل النساء للعنز القلايد الذهب والأطواق والحلي ونحو ذلك، وافتتنوا بها، وشاع خبرها في بيوت الأمرا وأكابر النسا وأرسلن على قدر مقامهن من النذور والهدايا، وذهبن لزيارتها ومشاهدتها وأزدحمن عليها، فأرسل عبد الرحمان كتخدا إلى الشيخ عبد اللطيف المذكور والتمس منه حضروه إليه بتلك العنز ليتبرك بها هو وحريمه، فركب المذكور بغلته وتلك العنز في حجره ومعه طبول وزمور وبيارق ومشايخ، وحوله الجم الغفير من الناس ودخل بها بيت الأمير المذكور على تلك الصورة، وصعد بها إلى مجلسه وعنده الكثير من الأمرا والأعيان، فزارها وتلمس بها، ثم أمر بإدخالها إلى الحريم ليتبركن بها، وقد كان أوصى الكلارجي قبل حضوره بذبحها وطبخها، فلما أخذوها ليذهبوا بها إلى جهة الحريم، أدخلوها إلى المطبخ وذبحوها وطبخها قيمه وحضر الغذاء وتلك العنز في ضمنه فوضعوها بين أيديهم وأكلوا منها والشيخ عبد اللطيف كذلك صار يأكل منها والكتخدا يقول: «كل يا شيخ عبد اللطيف من هذا الرميس الثمين»، فيأكل منها ويقول: «والله إنه طيب ومستو ونفيس»، وهو لا يعلم إنه عنزه وهم يتغامزون ويضحكون، فلما فرغوا من الأكل وشربوا القهوة وطلب الشيخ العنز، فعرفه الأمير أنها هي التي كان بين يديه في الصحن وأكلها، فبهت، فبكته الأمير ووبخه وأمره بالانصراف، وأن يوضع جلد العنز على عمامته ويذهب به كما جاء بجمعيته وبين يديه الطبول والأشاير، ووكل به من أصله محله على تلك الصورة، فقال في ذلك المترجم:

ببنت رسول الله طيبة الثنا
نفيسة لذ تظفر بما شئت من عز
ورم من جدها كل خير فإنها
لطلابها يا صاح أنفع من كنز
ومن أعجب الأشياء تيس أراد أن
يضل الورى في حبها منه بالعنز
فعالجها من نوَّر الله قلبه
بذبح وأضحى التيس من أجلها مخزي

ورأيت كثيرًا من قصايده في طيارات وأوراق لم تدون، وسمعت كذلك من إنشاداته لنفسه ولغيره لو كنت تيقظت لجمع ذلك لكان ديوانًا كبيرًا ولكن كان ما كان. فما علق بالبال مما أنشده لغيره وفيه تورية:

هيأ البلان موسى
خلوة تحيي النفوسا
قيل: ما تعمل فيها؟
قلت: أستعمل موسى

وله:

إذا المرء لم ينفعك والدهر مقبل
عليه ولم تخطر عليه ببال
فصوره في وسط الكنيف بفحمة
وشرشر عليه عند كل مبال

وقد خمسها ما بين المصراعين فقال:

(إذا المرء لم ينفعك والدهر مقبل)
عليه بما قد كان يرجو ويأمل
وأضحى بثوب التيه والكبر يرفل
وصار يرى منك المودة تنقل
«عليه ولم تخطر عليه ببال»
فصوره في وسط الكنيف بفحمة
وكن حالة التصوير في وقت ظلمة
ومر كل مبطون وصاحب تخمة
على رأسه يَخْرَى بعزم وهمة
«وشرشر عليه عند كل مبال»

ومما أنشده لنفسه وفيه اقتباس:

يا صباح الوجه يا بيض الثنا
راقبوا الرحمن في مأسوركم
وإذا أظلم دهر جائر
انظرونا نقتبس من نوركم

ولم يزل المترجم حتى تعلل بالأمراض والأسقام، واضمحل منه الجسم واكتوا بالآلام، حتى وافاه الحمام، في يوم الخميس خامس جمادى الأولى من السنة رحمه الله، وابنه العلامة السيد أحمد المعروف بكتيكت مفتي الشافعية بثغر سكندرية، والسيد هلال الكتبر توفيا بعده بسنتين، والشيخ صالح الصحَّاف موجود مع الأحياء أعانه الله على وقته.

ومات الإمام الشيخ الفصيح البارع الفقيه الشيخ/جعفر بن حسن بن عبد الكريم بن رسول الحسيني البرزنجي المدني مفتي الشافعية بها، ولد بالمدينة وأخذه عن والده، والشيخ محمد حيوة السندي وأجازه السيد مصطفى البكري، وكان يقرأ دروس الفقه داخل باب السلام وكان عجيبًا في حسن الإلقاء والتقرير ومعرفة فروع المذهب، تولى الإفتاء والخطابة مدة تزيد على عشرين سنة وكان قوالًا بالحق أمارًا بالمعروف، واجتمع به الشيخ سليمان بن يحيى شيخ المشايخ وذكره في رحلته وأثنى عليه، وله مؤلفات منها: البر العاجل بإجابة الشيخ محمد غافل، والفيض اللطيف بإجابة نائب الشرع الشريف، وفتح الرحمن على أجوبة السيد رمضان وتوفي في شهور هذه السنة قيل: مسمومًا، والله أعلم.

(ومات) الوالي العارف أحد المجاذيب الصادقين الأستاذ الشيخ/أحمد بن حسن النشرتي الشهير بالعريان، كان من أرباب الأحوال والكرامات، ولد في أول القرن وكان أول أمره الصحو ثم غلب عليه السكر فأدركه المحو، وكانت له في بدايته أمور غريبة وكان كل من دخل عليه زايرًا يضربه بالجريد، وكان ملازمًا للحج في كل سنة، ويذهب إلى موالد سيدي أحمد البدوي المعتادة وكان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، وإذا قرأ قارئ بين يديه وغلط يقول له: قف فإنك غلطت. وكان رجلًا جلاليًّا يلبس الخشنة وهي جبة صوف وعمامة صوف حمراء يعتم بها على لبدة من صوف، ويركب بغلة سريعة العدو، وملبسه دايمًا على هذه الصفة شتاءً وصيفًا، وكان شهير الذكر يعتقده الخاصة والعامة، وتأتي الأمراء والأعيان لزيارته والتبرك منه، ويأخذ منهم دراهم كثير ينفقها على الفقرا المجتمعين عليه، وأنشأ مسجده تجاه الزاهد جوار داره وبنى بجواره صهريجًا وعمل لنفسه مدفنًا، وكذلك لأهله وأقاربه وأتباعه، واتحد به شيخنا السيد أحمد العروسي واختص به اختصاصًا زايدًا فكان لا يفارقه سفرًا ولا حضرًا، وزوجة إحدى بناته وهي أم أولاده وبشره بمشيخة الجامع الأزهر والرياسة، فعادت عليه بركته، وتحققت بشارته، وكان مشهورًا بالاستشراف على الخواطر. توفي رحمه الله في منتصف ربيع الأول وصُلي عليه بالأزهر ودفن بقبره الذي أعده لنفسه في مسجده، نفعنا الله به وبعباده الصالحين.

(ومات) الفقيه الصالح الشيخ/علي بن أحمد بن عبد اللطيف البشبيشي الشافعي روى عن أبيه عن البابلي. توفي في غاية ربيع الثاني من السنة.

(ومات) الشيخ المبجل الصالح المفضل الدرويش/أحمد المولوي شيخ المولوية بتكية المظفر، وكان إنسانًا حسنًا لا بأس به مقبلًا على شأنه منجمعًا عن خلطة كثير من الناس إلا بحسب الدواعي، توفي في سابع عشرين ربيع الآخر من السنة ولم يخلف بعده مثله.

(ومات) المقدام الخير الكريم صاحب الهمة العالية والمروة التامة/شمس الدين حمودة شيخ ناحية برمه بالمنوفية، أخذ عن الشيخ الحفني وكان كثير الاعتقاد فيه والإكرام له ولأتباعه وله حب في أهل الخير واعتقاد في أهل الصلاح، ويكرم الوافدين والضيفان، وكان جميل الصورة طويلًا مهيبًا حسن الملبس والمركب، توفي يوم الخميس حادي عشر رجب من السنة، وخلف أولادًا منهم محمد الحفني الذي سماه على اسم الشيخ لمحبته فيه وأحمد شمس الدين.

(ومات) بقية السلف ونتيجة الخلف الشيخ/أحمد سبط الأستاذ الشيخ عبد الوهاب الشعراني، وشيخ السجادة كان إنسانًا حسنًا وقورًا سالكًا منهج الاحتشام والكمال منجمعًا عن خلطة الناس إلا بقدر الحاجة، توفي يوم السبت ثامن صفر من السنة وخلف ولده سيدي عبد الرحمن مراهقًا، تولى بعده على السجادة مع مشاركة قريبه الشيخ أحمد الذي تزوج بوالدته.

ومات الإمام العلامة الفقيه الصالح الناسك صايم الدهر الشيخ/محمد الشوبري الحنفي، تفقه على الشيخ الإسقاطي والشيخ سعودي وبعد وفاة المذكورين لازم الشيخ الوالد وتلقى عنه كثيرًا، وكان إنسانًا حسنًا وجيهًا لا يتداخل فيما لا يعنيه مقبلًا على شأنه، صايم الدهر، ملازمًا لداره بعد حضور درسه، وكان بيته بقنطرة الأمير حسين مطلًّا على الخليج.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠