الفصل الثاني

مطالب ألمانيا وشكاياتها

إلا أننا نبحث مطالب ألمانيا وشكاياتها بحثًا منفردًا عن الاعتبارات السابقة لنرى مقدار ما تنطوي عليه من الحقيقة، ومقدار ما تثيره من السخط المعقول في نفوس الألمان، وأولها الشكاية الكبرى بل الشكاية الجامعة لكل الشكايات، وهي معاهدة فرساي.

لقد أكثر الألمانيون عامة والنازيون خاصة من تعديد مساوئ فرساي ومظالم فرساي وجرائر فرساي، حتى خيل إلى الناس أن هذه المعاهدة كان ينبغي أن تُكتب لمصلحة المغلوب لا مصلحة الغالب، ولسلامة ألمانيا لا سلامة خصومها.

ولم يقتصر نقد فرساي على الألمان والنازيين، بل تعداهم إلى الإنجليز والفرنسيين والأمريكيين، ومن وقفوا في الحرب الماضية موقف الحيدة بين المعسكرين، وقد كان هؤلاء الناقدون ممَّن يعتقدون حقًّا أن معاهدات السلام اشتملت على جميع تلك المساوئ التي أحالوها عليها، أو ممَّن يعارضون حكوماتهم وينصحون بسياسة غير سياستها، فيحبون أن يلقوا على عواتقها تَبِعَات الحوادث والمشكلات العالمية ويمنُّون الشعوب مستقبلًا خيرًا من الماضي الذي يسألون عنه تلك الحكومات. هذا أو يكون الناقدون لمعاهدات السلام ممَّن يُسخِّرون أقلامهم للنازيين وأشباه النازيين، ليساعدوهم على التغيير والتبديل وتحقيق المطالب والمقترحات. وليس وجود هؤلاء المأجورين بالغريب إذا ذكرنا الملايين التي كان النازيون وأمثالهم يبذِّرونها في جميع الأقطار.

ومعاهدة فرساي قد اشتملت ولا شكَّ على أخطاء كثيرة وعيوب كبيرة، أكبرها فيما نعتقد خطأ المغارم والتعويضات التي فرضتها على الألمان، فإن هذه المغارم والتعويضات خطأ من الوجهة الاقتصادية الفنية وإن كانت عدلًا من وجهة الجزاء والحساب؛ لأن الألمان إذا حاولوا أن يؤدوها نقدًا لم يجدوا المال بغير تجارة خارجية، وإذا أغرقوا الأسواق الخارجية بمصنوعاتهم وبضائعهم كانت خسارة الظافرين من جراء هذه المنافسة أعظم من خسارتهم بفقد التعويضات، وإذا أرادوا أن يؤدوها عينًا وبضاعة كسد ما عند الظافرين من عين مماثلة وبضاعة مشابهة للبضاعة الألمانية.

ومثل هذا الخطأ وشيك أن يظهر، وقد ظهر. فابتدأ الظافرون بإصلاحه على طريقة داوس Dawes ثم على طريقة يونج Young، وكلتاهما ترمي إلى التقسيط والإعفاء والتأجيل، ثم عدلوا بتة عن المطالبة بالفروع والأصول واكتفوا بما أخذوه، وهو نحو الثمن من المطلوب مما أعانهم على تعمير الخرائب وتجديد المعالم بضع سنوات، وانتهت هذه المسألة في مؤتمر لوزان (سنة ١٩٣٢).

فمسألة التعويضات كانت خطأ ولم تكن ظلمًا ولا عنتًا من الظافرين، إذ ليس بالمعقول أن يغرم هؤلاء الظافرون ما غرموا من تكاليف الحرب ومن تخريب الأرض وتدمير المناجم ودور الصناعة، ثم يعمروا هذا الخراب بأموالهم وجهود أبنائهم، والألمان المهزومون ناجون في ديارهم لم تخرب لهم مدينة ولم يتعطل لهم مرفق أو صناعة … ولو جاز هذا لكانت الهزيمة في الحروب خيرًا من الانتصار.

•••

كذلك أخطأت معاهدات السلام في تقسيم بعض البلاد وترسيم بعض الحدود، ولكنه لم يكن بالخطأ الذي لا يُغتفر ولا بالخطأ الذي يسهل اجتنابه في مثل ذلك العمل الجسيم.

فقد كانت أمام المؤتمِرين مسائل متراكمة لا تخلص من ناحية إلا اشتبكت من نواحٍ شتى: إن خلصت من ناحية اللغة والجنس اشتبكت من الناحية الجغرافية، وإن خلصت من هذه جميعًا اشتبكت من ناحية التجارة والثروة، وإن خلصت من هذه وتلك اشتبكت من ناحية الخطط الدفاعية والمواقع العسكرية، وإن خلصت من نواحي اللغة والجنس والتجارة والدفاع اشتبكت من ناحية النزاع بين الدول الكبرى على مناطق النفوذ أو على مرامي السياسة العالمية أو على الأحقاد التاريخية أو ما شاكل ذلك من العقد المؤرَّبة التي لا تحصى. فإذا أخطأت المعاهدات فهو خطأ مفهوم ليس في وسع أحد — حتى هذه الساعة — أن يدل الدنيا على صواب في موضعه يقنع جميع الشاكين وينصف جميع المظلومين ويبطل جميع المنازعات.

وقد رأينا أمثلة مما فرضه الألمان الغالبون على روسيا في معاهدة «برست ليتوفسك» وعلى رومانيا في معاهدة بوخارست وعلى المغلوبين الآخرين الذين لم يُبرموا معهم صلحًا ولا سلامًا، فإذا الرحمة كل الرحمة فيما فرضته فرساي وأنفذه الحلفاء من الشروط، وإذا الألمان يقولون ويفعلون دائمًا كما قال غليوم الثاني في مبدأ الحرب الماضية: ويل للمغلوب!

ولو أننا نظرنا إلى فرساي من حيث الأثر الواقع في ألمانيا لوجدنا أن فرساي هذه كانت خيرًا للألمان من فرساي التي خرجوا منها منتصرين في حرب السبعين.

فقد كان قصارى ما بلغه الألمان في حرب السبعين أن خرجوا منها إمارات متفرقات على كل إمارة منها عرش وتاج وفي كل منها حكومة ودستور … فأصبحوا بعد فرساي الحديثة دولة واحدة لا فوارق فيها بين الإمارات.

وقد لبث الألمان المنتصرون أربعًا وأربعين سنة حتى استعدوا للحرب الماضية، ولم يلبث الألمان بعد فرساي الحديثة عشرين سنة حتى أصبحوا على أهبة القتال في عدة سابغة لم تكن تملكها دولة منتصرة في الحرب الماضية.

سأل «الجنرال» جورنج سفير بريطانيا العظمى السير نيفل هندرسون عند ذهابه لأول مرة إلى نورمبرج (١٩٣٧): مَن مِن الدول كان أعظم ربحًا في الحرب العظمى؟

فأجاب السفير: إنها هي إيطاليا لأنها ضمت إليها حدودها الجغرافية والعسكرية ثم الأمم الصقلبية بعد إيطاليا.

فقال جورنج: «كلا، بل هي ألمانيا؛ إذ هي لولا تلك الحرب ولولا الهزيمة فيها لكانت وحدتها ضربًا من المحال.»

وهذه هي الحقيقة التي لا يجهلها زعماء النازيين، ولا ينبغي أن يجهلها أحد ممن يعرضون بالنقد لمعاهدة فرساي الأخيرة.

على أننا نقارن بين فرساي الأولى وفرساي الثانية فيخطر لنا سؤالان لا فكاك منهما، وهما: لماذا انهزمت فرنسا في فرساي الأولى فانتهت من الهزيمة إلى تحطيم الاستبداد وتعزيز الحرية والحكومة الديمقراطية؟ ولماذا انهزمت ألمانيا في فرساي الثانية فانتهت إلى هدم الديمقراطية وتمكين صرح الاستبداد؟

للأمر سر غير فرساي وكل ما انطوت عليه معاهدات السلام؟

للأمر سر مكشوف: هو طبيعة الاستبداد ومطامع المستبدين في البلاد الألمانية ولا سيما البلاد البروسية.

فقبل فرساي كانت المطالب التي تطلبها ألمانيا الآن محقَّقة بأجمعها، ولم يكن لمظالم فرساي ولا لمعاهدة فرساي أثر.

كانت معها دانزيج، وكان معها مجاز دانزيج، وكانت معها المستعمرات، وكانت معها شواطئ البحر البلطي، وكانت معها الألزاس واللورين، وكانت معها عواطف الشعوب التي انقلبت إلى الشك فيها بعد قيام الحركة النازية.

فماذا أغنى عنها كل ذلك؟

لم يُغْنِ شيئًا ولم يمنعها أن تنادي بالسيطرة العالمية، وأن تعمل لبسط هذه السيطرة على الأصدقاء والأعداء.

ففي سنة ١٩١١ لم تكن هنالك مظلمة من مظالم فرساي ولا هزيمة كاذبة أو صحيحة، ولكن الجنرال فردريش فون برنهاردي Friedrich Von Bernhardi ألَّف يومئذٍ كتابًا عن «ألمانيا والحرب القادمة» أوجب فيه الحرب على قومه وعقد منه فصلًا عنوانه «السيطرة العالمية أو السقوط».
وكان مكسميليان هاردن Harden كاتب صحيفة دي زكونفت Die Zukunft يقول قبل ذلك بسنة في صحيفته:١ «نحن خلقنا للحرب، فلنصنع الحرب صنعًا قبل فوات الأوان.»

وكان الدكتور كلاس رئيس العصبة الجرمانية يقول قبل الحرب الماضية بسنة: «إن قوة ألمانيا العسكرية تستخدم حيثما نتعرض نحن أو يتعرض جيراننا للمنافسة من ذوي النيات السيئة، وإن شعبنا الذي يُسرع في نموه يجب أن يقرر حقه في الوجود، وأن يبسط يده على أرض جديدة في أوروبا الشرقية الجنوبية على الخصوص.»

وكان كارل بيترز Karl Peters مدير الاستعمار السابق يقول حوالي ذلك التاريخ: «ماذا كان بسمارك صانعًا لو كان معنا الآن؟ لقد كان دائمًا على استعداد للمغامرة بإضرام الحرب العالمية في سبيل تحقيق مراميه، ولا مناص لألمانيا من أن تكون على استعداد لمثل ذلك في كل حين.»
وكانت صحيفة الجامعة الألمانية دي بوست Die Post تنذر بريطانيا العظمى (في سنة ١٩١٢) أن تترك للألمان الحرية المطلقة في السياسة الأوروبية وتقرهم على كل تضخم لقوتهم في القارة — أي أوروبا — سواء نشأ هذا التضخم من محالفات مع دول أوروبا الوسطى أو من الإغارة على فرنسا، وألَّا تعارض مطامع ألمانيا الاقتصادية في البلقان أو آسيا الصغرى.٢

وكانت صيحة «من برلين إلى بغداد» تملأ الآذان قبل أن يتعلم هتلر معنى التوسع والامتداد.

وكان هتلر يحلم في صباه — كما قال في كتابه — بسطوة الجرمان وسيطرة الدولة الجرمانية دون أن يكون باعثه إلى ذلك غيظه المحتدم من فرساي ومظالمها الصحيحة أو المفتراة.

وثقافة الألمان فضلًا عن صحافتهم وأقوال ساستهم في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، طافحة كلها بهذه النعرة التي لا ينكرها القوم ولا يسعهم أن ينكروها: القوة! ومعنى القوة الغطرسة! ومعنى الغطرسة السيادة والعدوان؛ فهم ظلموا معاهدة فرساي ولم تظلمهم معاهدة فرساي، ولعل الحلفاء قد بالغوا في الثقة بألمانيا ولم يبالغوا في الحذر منها والتشديد عليها، فلو رفهوا عنها بعض الترفيه لعجل ذلك بالحرب الحاضرة ولم يؤجلها، ولحسبته ألمانيا غفلة من الظافرين ولم تحسبه لهم في سجل الحسنات.

نظرة أخرى في المطالب الألمانية

ونستقصي الموضوع من جانبه الذي تمثله الدعوة النازية، فنفرض أن المطالب الألمانية لم تكن مطلوبة قبل معاهدة فرساي، وننظر إلى الذرائع التي يتذرع بها النازيون في يومنا هذا إلى تحقيق تلك المطالب، فهل هي ذرائع صادقة؟ وهل هي ممَّا يؤخذ على ظاهره؟ أوَيمكن أن يُجاب والعالم مطمئن إلى عقباه؟

أهم المطالب التي سبقت الحرب الحاضرة هي ما يسمونه فسحة العيش Le bensraume والمستعمرات القديمة، ثم دانزيج ومجازها.

فسحة العيش

ويريدون بفسحة العيش أرض الزراعة «اللازمة» لمعيشة الألمانيين في القارة الأوروبية، وهي مسألة يقول هتلر في كتابه: إنها لا تُحل بالمستعمرات ولا تعالج في الكامرون! ولا محيص فيها من النظر إلى التخوم الأوروبية التي يقطنها الفلاح الألماني وقد ضاق به وطنه، وشح عليه قَطَنه، ووجب أن يتوسع أو يموت.

فهل تشكو ألمانيا كثرة السكان وازدحامهم في الحقيقة؟ وهل حالها في ذلك أسوأ من أحوال الأمم الأوروبية الأخرى؟

كل ما يصنعه النازيون يدل على أنهم يشكون قلة السكان ولا يشكون كثرتهم وازدحامهم في المدن ولا في الريف.

فهم يشجعون النسل ويبذلون معونة الزواج، ويقيدون الهجرة من بلادهم ويسعون في طلب الأيدي العاملة من إيطاليا والمجر وبوهيميا ومورافيا وبولونيا وغيرها، ويعلنون أن بروسيا الشرقية تتسع لمليونين من الألمان النازحين من الأقاليم البلطية بعد التسليم فيها للروسيين.

وقد نشر معهد العمل الألماني تقريره قبل الغارة على بوهيميا ومورافيا فقال إنه: «على الرغم من وفرة العاطلين الذين وجدوا العمل في سنة ١٩٣٨ بشق النفس، لا يزال نقص الأيدي العاملة شديدًا، وإننا إذا قدرنا النقص في أوائل سنة ١٩٣٨ بخمسمائة ألف من الصناع والمستخدمين فهو على تقدير الوزير سيروب Syrup للسنة المقبلة لا يقل عن مليون».

وفي الوصية الأولى من الوصايا العشر التي نشروها في منتصف شهر ديسمبر سنة ١٩٣٤ وسموها وصايا غزوة الإنتاج: «أن ألمانيا فقيرة في مساحة الأرض ولكنها غنية بسكانها غنية بجميع الموارد التي تكفل لها إطعام أبنائها في هذه المساحة المحدودة، وإخراج الخامات الصناعية بمقادير عظيمة».

•••

وإذا قارنَّا بين نسبة السكان على حسب المساحة والتعداد فمساحة ألمانيا …/٢٦٨ ميل مربع ونسبة السكان فيها على هذا نحو ٣٦٦ في الميل.

ومساحة بلجيكا ٧٧٥ / ١١ ميل مربع ونسبة السكان فيها ٧٠٧ في الميل.

ومساحة فرنسا ٦٥٩ / ٢١٢ ميل مربع ونسبة السكان فيها ١٩٧ في الميل.

ومساحة هولندة ٦٩٨ / ١٢ ميل مربع ونسبة السكان فيها ٦٧٤ في الميل.

ومساحة بريطانيا العظمى …/٩٨ ميل مربع ونسبة السكان فيها ٤٨٨ في الميل.

فألمانيا إذن أوسع مساحة من بلجيكا وهولندة وبريطانيا العظمى،٣ ولو أضفنا إلى مساحة بلادهن مساحة مستعمراتهن لما تغير وجه المسألة بهذه الإضافة؛ لأن أبناء هذه الأمم القاطنين بالمستعمرات بضعة ألوف لا تقدم ولا تؤخر في الحساب. وقد أثبتت الإحصاءات عن سنة ١٩٣٧ أن القادمين إلى تلك الدول أكثر من النازحين عنها ما عدا هولندة وإيطاليا. ولم يكن المهاجرون الألمان في جميع المستعمرات الألمانية يتجاوزون عشرين ألفًا على أكبر تقدير؛ أي نحو العدد الذي كان يعيش في باريس أو لندن من الألمانيين.

فالصيحة بما يسمونه «فسحة العيش» إن هي إلا صيحة مصطنعة تخفي وراءها بواطن مكتومة غير ظواهرها المكشوفة.

وحقيقة الأمر هي أن النازيين يريدون زيادة السكان ليتمكنوا من فتح الأرض وانتزاعها من أبنائها، ولا يحتاجون إلى الأرض كما يزعمون لأنهم يشكون ازدحام السكان.

أو كما قال هتلر: «إننا الآن نعد ثمانين مليونًا من الجرمان في القارة الأوروبية، ولكن صواب سياستنا الخارجية هذه لا يتقرر ولا يثبت حتى نصبح في مدى قرن واحد مائتين وخمسين مليونًا يقيمون في هذه القارة ولا يقيمون فيها معصورين كأنهم الأرقاء في خدمة العالم …»

وكأنما مشكلة «الفسحة» المزعومة هي في أدمغة هؤلاء الناس: كيف نعتدي؟ وكيف نبلغ العدد الذي يتيح لنا الاعتداء؟ وليست هي مشكلة الزحام أو التعاون بين الأمم على تذليل العقبات وفض المشكلات.

وسبب الاعتداء حاضر على كل حال … ومن الضروري أن تموت اليوم كل أمة يطمع النازيون في أرضها؛ لأنهم ينتظرون بعد مائة عام من يصلون إلى الدنيا من مواليد الغيب المجهولين! وهم بالقياس إلى ما كان عليه آباؤهم قبل مائة عام لن يزيدوا عند حلول الأجل المقدور على مائة مليون.

•••

ولو كان النازيون صادقين في شكوى الزحام لكان قبيحًا بهم أن يعتبروا قتل جيرانهم حقًّا مشروعًا لا يعارضهم فيه مُعارِض، وأن يعتبروه الحق الوحيد الذي يحق للعالم أن يلتفت إليه، أو الحل الوحيد الذي لا يفكرون ولا يفكر العالم في غيره. فكيف والصيحة كما رأينا كاذبة؟ وكيف وهم لا يشعرون بالضِّيق من كثرة السكان بل يشعرون بالضيق من قلتهم واحتياجهم إلى المزيد؟

المستعمرات

أما المستعمرات فتراد للأغراض التالية وهي: تصريف السكان، أو تصريف السلع والمصنوعات، أو جلب الخامات، أو المآرب العسكرية والخطط الحربية.

فأما تصريف السكان فقد رأينا قلة غناء المستعمرات جميعًا فيه، ولا سيما المستعمرات الألمانية القديمة التي لم يكن منها ما يصلح لسكنى البيض غير أفريقية الجنوبية الغربية.

فكل من رحل إلى المستعمرات الألمانية من أهل ألمانيا لم يتجاوزوا عشرين ألفًا يسكن مثلهم كما قدمنا في عاصمتي فرنسا وإنجلترا.

وليست الولايات المتحدة ولا الأقاليم الجنوبية من أمريكا مستعمرات نازية أو مستعمرات لدولة أوروبية، ولكنها قد اتسعت لعدة ملايين من الألمانيين يعيشون فيها على حال لا يستبدلون بها المعيشة في أحسن المستعمرات.

وأما تصريف السلع والمصنوعات فلا يعقل عاقل أن الهمج الأفريقيين يستنفذون من السلع والمصنوعات ما يساوي نفقات يوم واحد من الحروب الحديثة.

وأما الخامات فليس منها في المستعمرات التي كانت تطالب بها ألمانيا غير قليل من المطاط والنحاس ونزر من الأطعمة ومادة الغذاء. وقد دلت الإحصاءات الألمانية نفسها على أن الحد الأقصى الذي بلغته الواردات من المستعمرات إلى ألمانيا لم يتجاوز نصفًا في المائة من جملة وارداتها.

ولنضرب المثل بمستعمرة واحدة لتوضيح هذه الحقائق المحصورة بالأرقام، أو لتوضيح دخائل النيات التي يخفيها النازيون وراء دعوى المطالبة بالمستعمرات.

فمستعمرة الكامرون يسكنها مائتان وواحد وثمانون من البيض الأوروبيين: منهم مائة وستة وسبعون ألمانيًّا، وواحد وستون بريطانيًّا معظمهم موظفون، وأربعة وأربعون من أجناس أخرى معظمهم قسس ومبشرون.

وقد عرضت مزارع الكامرون للمبيع (١٩٢٥) فاشتراها الألمان الذين كانوا يعيشون في المستعمرة قبل الحرب الماضية، وأوشكت أن تنحصر في أيديهم تجارتها صادرة وواردة كما جاء في إحصاء سنة ١٩٣٧.

فأصدر الألمان ما قيمته ٤١٩٩٤٦ جنيهًا إنجليزيًّا من جملة صادرات تساوي ٥٢٦٥٥٤ جنيهًا. ولم تزِد قيمة الصادرات إلى الجزر البريطانية عن ٣٣٧٠٠ جنيه.

واستورد الألمان من بلادهم ما قيمته ١٥٦٧٧١ جنيهًا من جملة واردات تساوي ٣٢٨٨٤٣ جنيهًا. ولم تزد الواردات من الجزر البريطانية عن ٣٩٢١٠ جنيهات.

ولا ننس أن خامات المستعمرات جميعًا قَلَّمَا تبلغ جزءًا من ثلاثين جزءًا من خامات البلاد الحرة، وإن أممًا كثيرة أصغر من أن تكره منافسًا أو تقتحم سوقًا تتجر في العالم وليس لها مستعمرات كالسويد والنرويج وسويسرة، وإن الولايات المتحدة لا تملك كندا ولكنها مع هذا تصدر إليها ثلاثة أضعاف الصادرات الإنجليزية، وإن رءوس الأموال البريطانية في الأرجنتين أكبر من نظائرها في جميع البلاد التابعة لبريطانيا العظمى.

فالساسة المتوجسون من خفايا النيات التي يواريها النازيون في أطواء مسألة المستعمرات معذورون إذا أيقنوا أن الغرض المطلوب إذن هو العدوان العسكري والترصد للحروب والغارات.

وحَسْبُ القارئ أن يلقي نظرة على مواقع المستعمرات الألمانية القديمة ومواقع حلفائها ليعلم ما يهدد العالم من أخطارها؛ فليس أسهل من إيصاد مسالك المحيط الأطلسي والمحيط الهندي والبحر الأحمر على من يملك مكامن الغواصات والألغام في تلك المستعمرات، أو يملك مراكز الطيران على جميع الشواطئ الأفريقية، وبعض الشواطئ في المحيط الهادئ وما يليه.

وليس أسهل من تهديد القارة الأفريقية برُمَّتِها سواء في منابع النيل أو في جوف الصحراء إذا أعيدت هذه المستعمرات إلى الأيدي النازية، وثبت للقبائل الأفريقية التي تفهم المحسوسات ولا تشغل بالها بما عداها أن النازيين هم الغالبون وأنهم يأخذون كل ما يريدون.

عندئذٍ لا يأمن أحد في أفريقية أو في العالم بأسره تهديد النازيين. ومن الذي يقول إن النازيين لا يهددون وهم قادرون على التهديد! الذي يقول ذلك لا يؤتمن على مصائر شعوب.

ومن العبث أن نضيع الوقت في تفنيد ما يزعم النازيون إذ يقولون إنهم يطالبون بالمستعمرات لأنهم يأنفون أن تُعْزَى إليهم جريمة الحرب وأن تضيع مستعمراتهم عقوبة لهم على تلك الجريمة، كأن النازيين يخجلون من الحرب وهم يتعبَّدون بها ويؤلِّهونها ويقدِّسونها في جميع ما يكتبون، أو كأنما كان هتلر ينسى هذه القصة يوم كتب «كفاحه» وقال فيه إن المخاطرة في سبيل المستعمرات من أسخف الحماقات، أو كأن فتح النمسا وهي بلاد أوروبية لا يعدل في هذا المعنى سيطرة ألمانيا على المجاهل الأفريقية، أو كأنَّ استيلاء اليابان على بعض المستعمرات الألمانية لا يضيرها كما تضيرها المستعمرات التي في أيدي الأوروبيين (الآريين أو أشباه الآريين!)

فهذه تَعِلَّاتٌ تقال ولا يصدق أحد أن الساسة يقصدونها حقًّا حين يغررون بها جماهير الشعوب، أو أنهم يجازفون بخراب العالم من أجلها ويصرون على هذه المجازفة سنينًا بعد سنين، ولو صدقوا في ذلك لكانت وَصْمَتُهُم بالصدق فيه أشد وأقبح من كل وصمة يفتريها عليهم ألد الأعداء.

دانزيج

أما مسألة دانزيج — وهي سبب الحرب المباشر إذا أخذنا بأقوال اللسان — فكل ما يذكره النازيون أنها كانت ألمانيَّة ويجب أن تعود إلى حكومتها الأولى. ثم ينسون ما عدا ذلك من الدعاوى والمصالح والتواريخ القريبة والبعيدة.

ينسون مثلًا أنها لبثت من منتصف القرن الخامس عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر مدينة حرة في ظل السيادة البولونية، وأنها ضُمَّتْ إلى بروسيا بعد هزيمة نابليون الأول على خلاف مشيئة أهلهما، وأن حياة بولونيا تتوقف على دانزيج ولكن حياة ألمانيا لا تتوقف عليها ولو عُزلت عنها كل العزلة، وهي حقيقة عرفها الساسة الألمان من قديم الزمن وعبَّر عنها ملك بروسيا فردريك الثاني أحسن تعبير حين قال: «إن القابض على مَصَبِّ نهر الفستولا لهو أقوى في بولونيا من الملك البولوني الجالس على عرش فرسوفيا.»

ولم تكن سيطرة ألمانيا على دانزيج ضعيفة في نظامها الحديث الذي قررته المعاهدات بعد الحرب الماضية؛ فقد كان الأمر فيها لمجلس الشيوخ وللحكومة المسئولة أمامه ومعظم أعضائهما ألمانيون، ولم يكن لبولونيا من الأمر فيها إلا القسط الكافي لضمان صادراتها ووارداتها وبريدها، ثم لا ولاية لها عليها، بل الولاية لعصبة الأمم التي تندب حاكم المدينة وترجع إليه في العلم بأحوالها.

ولم يحدث قط أن تعرَّضت بولونيا للمواصلات الألمانية في المجاز البولوني المشهور إلا لمراقبة المهربات التي قد تحمل إلى بلادها، ولم يطلب النازيون استفتاء الشعب في ذلك المجاز لمعرفة رأيه فيمن يحكمه إلا على شريطة أن يحكموه سنة ثم يجري الاستفتاء المطلوب! ومعنى ذلك أنهم يحتاجون إلى سنة في الحكم النازي المعهود ليضمنوا جلاء من في المجاز من البولونيين واستدعاء من يُخضعهم من النازيين … ثم لا يضمنون هذه النتيجة إلا أن يكون الحكم في أيديهم ساعة الاستفتاء، وأن يكون كل مقيم في المجاز عارفًا ما سيصيبه إذا اختار بولونيا، وهو يرى بعينه أن اختياره إياها لا يفيد.

فليست «دانزيج» هي بيت القصيد.

إنما بيت القصيد هو خنق بولونيا ومن يجاورها من أمم أوروبا الوسطى، فلا تجد تلك البلاد منفذًا لتجارتها في غير الأرض الألمانية من الشمال أو الجنوب؛ ففي الشمال دانزيج وفي الجنوب النمسا، ولن يدخل إلى تلك البلاد أو يخرج منها شيء إلا بإذن النازيين!

ومتى استُعبدت أوروبا الوسطى للنازيين هذا الاستعباد فمصير أوروبا الشرقية وما وراءها معروف، ومصير الخطط النازية كذلك معروف، فهي خطط تجتمع في خطة واحدة، وهي استعباد كل من يُبتلى لهم بجوار، أو يقف لهم في طريق.

وعلى الرغم من هذا جميعه لم تكن الحرب ضرورة قاسرة ولا ضرورة غير قاسرة؛ لأن أنصار السلام من ساسة الأمم في أوروبا وأمريكا تَعِبُوا وهم يقترحون حلول المفاوضة والتوفيق، فقيل لهم إن الحل الوحيد هو قبول ما يريده النازيون ولو كان في قبوله الفناء.

ولمن شاء أن يأخذ المطالب النازية على ظاهرها، أو يأخذها على باطنها الذي قلما يستره حجاب.

فهي على ظاهرها لا تُلجئ إلى الحرب ولا يكون المقدم على الحرب من أجلها إلا مجرمًا يجازف بسلام أمته وسلام العالم لغير ضرورة.

وهي على باطنها سعي حثيث للسيطرة على العالم وتهديد من فيه من الأقوياء والضعفاء على السواء. فهل لا بد من هذه السيطرة؟

وهل الحرب طريقها التي لا محيد عنها؟

هل هي طريق السيطرة على العالم حتى لو انتهت بالانتصار؟

نفرض أن السيطرة على العالم غاية لا محيص منها فهل الحرب وسيلة لا مناص منها؟ وهل هي وسيلة مضمونة؟

وماذا لو فشلت الحرب؟ وماذا لو امتدت وطالت ولم تفشل؟ أكل هذا لا يدخل في الحساب ثم يقال إن السياسي الذي يهجم على هذا كله يحسب ولا يخطئ الحساب؟

إن الرجل الذي لا يعرف له سياسة غير هذه السياسة لا يعرف أن يسوس؛ لأن الأمم إنما تحتاج إلى السياسة لاحتياجها إلى اجتناب هذه الشرور، أما إذا كانت لا تحتاج إلى اجتنابها فما أغناها عن السياسة والسواس!

وإذا كانت سياسة هتلر قد اضطرته إلى ورود هذا المورد الوبيل فبئس ما فعل، وساء نصيبه من السياسة.

أما إذا كان مختارًا يملك الحرب والسلم ثم لا يبالي أن يخوض الحرب ويُعرض عن السلم فالمصيبة أعظم، المصيبة خطل وإجرام وهوس مجتمعات.

خلة ألمانية

ذكرنا طرفًا من الأسباب التي هيَّأَت النجاح لهتلر وجماعة النازيين في الأمة الألمانية، فنضيف الآن أن هذه الأسباب على كثرتها وقوتها لا تكفي لبلوغه النجاح الذي بلغه لولا السبب الأكبر الشامل المحيط بها جميعًا، ونعني به خلة راسخة في الأمة الألمانية تفتح آذانها وأذهانها لقبول الدعوات التي من قبيل الدعوة الهتلرية.

ففي اعتقادنا أن هتلر لم يكن لينجح ذلك النجاح في تطويع أمته لو كانت هذه الأمة غير الألمانيين؛ لأن الأمة الألمانية العظيمة بمن نبغ فيها من فطاحل الأدباء والشعراء والفلاسفة والعلماء والمخترعين ليست بالأمة العظيمة في كل شيء، بل لعلها مصابة بقصور شديد سلَّمت منه أمم دونها في عدد النوابغ الأفذاذ، وهو قصورها في التربية السياسية وضعف إيمانها بالحرية.

ولا يخفى أن التربية السياسية تحتاج إلى شيء غير نبوغ الأفذاذ وإنجاب العبقريين؛ لأنها مسألة مرانة متسلسلة في بنية الشعب بجميع طبقاته وعناصره، ينتقل فيها خطوة بعد خطوة ودرجة بعد درجة، بالتدريب العملي والحوادث الفعالة في تركيبه وتأليفه؛ فلا تبلغ منه التربية السياسية مبلغ العادة إلا إذا تعودها، ولا يجيء التعوُّد بالأقوال والعظات، وإن وُجد القائلون والواعظون، فكيف وهم لا يوجدون؟

ويرجع قصور الألمان في تربيتهم السياسية إلى أصول تاريخية بعضها قديم وبعضها حديث أو قريب من العصر الحديث.

ففي العصور الغابرة كانوا قبائل غازية لا تعرف الاستقرار وآداب العمار، وإذا لجأت إلى الاستقرار فإنما تستقر بالتناوب سنة للقتال وسنة للرعي والزراعة؛ فيقاتل في هذه السنة من كانوا يزرعون ويرعون في السنة السابقة، ثم يذهب الزارعون والرعاة إلى القتال ولما يطل عهدهم بالسلم بضعة شهور. وقد وصفهم يوليوس قيصر في حالتهم تلك فقال: «إنهم قَلما يبالون الزراعة لأنهم يعيشون أكثر مما يعيشون على اللبن والجبن واللحوم، وليس لرجل منهم أرض يملكها ولا حدود تفصل ما بينه وبين غيره …» وقال: «إنهم يحسبون من شرف الدولة أن تُقفر الديار من حولها دليلًا عندهم على الشجاعة التي تقصي جيرانهم فلا يجسرون على الاقتراب منهم …» «وإن اللصوصية لا عيب فيها إذا قورفت بعيدًا عن ديارهم، بل ربما حسبوها نافعة لتدريب الناشئة ومنع الإخلاد إلى الكسل والراحة.»

ووصفهم المؤرخ تاسيتوس فقال: «إنهم إذا هدأوا واستراحوا تطوع كثير من نبلائهم للقتال في صفوف القبائل التي تشن غارة من الغارات، وإنهم لا يقدرون بغير العدوان والحرب أن يُموِّنوا أتباعهم وحاشيتهم الكثيرة، ويعتمد هؤلاء الأتباع على كرم رؤسائهم فيما يركبون من خيل أو يُشهرون من رماح، ولا ينالون أجرًا غير مآدب الطعام الغليظ وإن لم يكن بالقليل؛ فالحرب والغنيمة فخر أولئك الرؤساء، وليس من السهل أن تقنعهم بالحرث وانتظار الغلة كما تقنعهم بالهجوم والمبارزة، بل من دلائل الوهن عندهم أن تطلب بعرق الجبين ما أنت قادر على أخذه بالدم المُراق …» ووصفهم المؤرخ جان فرواسات Forissart في أواخر القرن الرابع عشر فقال: «إنهم شعب جشع يجنح أبدًا إلى العنف والتهديد والاعتداء، لا رحمة عندهم إذا غَلبوا، ومعاملتهم لأسراهم سيئة قاسية.»

وهذه خَلة كانت شائعة في كثير من الأمم وهي على حالة البداوة والهمجية، بيد أن الألمان قد انتقلوا منها إلى حالة تشبهها ولم ينتقلوا إلى حالة الحكم المسئول والشورى الدستورية كما انتقل بعض الأمم الأخرى رحلة بعد رحلة، فخرجوا من همجية البداوة الأولى إلى نظام الإقطاع الذي لا يعرف علاقة بين الحاكم والمحكوم غير علاقة الآمر بالمأمور، ولا يعرف علاقة بين الولاية والولاية غير علاقة القاهر بالمقهور، أو علاقة الحرب والتربص والانتقام.

وكانت ولاياتهم تتعدَّد وتتكاثر كلما نشبت الحروب وانقطعت الوشائج والأرحام، فزادت في نهاية القرون الوسطى على ثلاثمائة ولاية لا تضع السلاح يومًا خيفة جيرانها وأبناء جنسها أو خيفة الجيوش الجارفة التي كانت تشق أوروبا من الشرق إلى الغرب أو من الغرب إلى الشرق أو من الشمال إلى الجنوب أو من الجنوب إلى الشمال. فإن موقع الألمان في الرقعة الوسطى من قارة أوروبا تركهم عرضة لكل مُغِيرٍ وجعلهم متوثِّبين أبدًا للإغارة على من حولهم من الغافلين أو المستضعفين، فعاشوا في ساحة حرب لا رأي فيها للرعية إلا كرأي الجندي المطيع، ولا عهد فيها بين ولاية وولاية إلا كعهد المغلوب للغالب أو الغالب للمغلوب.

وظلوا على هذه الحالة إلى ما قبل حرب السبعين، فلم تنقص ولاياتهم عن مائة وسبعين في أيام الثورة الفرنسية، ثم انتظموا في علاقة تشبه الوحدة بالقياس إلى ما كانوا عليه من التفرُّق والصراع، ولكنهم لسوء حظهم وقعوا في زعامة هي شر الزعامات، فسلموا زمام الدولة لإمارة لم تكن لها مَزِيَّة على سائر الإمارات غير وفرة العدد ووفرة السلاح، وهي بروسيا آخر القبائل الجرمانية حضارة وأقلها نصيبًا من الأدب والمروءة. فسارت بهم على سُنَّتِها وباعدت ما بينهم وبين «التطور» في سبيل الشورى ومعاملات السلم والمودة، وتركتهم في سياستهم لا يعقلون إلا «وجهة نظر واحدة» هي وجهة النظر التي يأمر بها السيد المُطاع، ولا يعرفون حق المعارضة لفرد من أفراد الرعية لأن المعارضة منه عصيان، ولا لدولة من الدول الأجنبية لأن المعارضة منها عداء وقتال.

ولبثوا كذلك إلى ما بعد الحرب الماضية التي خرجوا منها دولة واحدة قليلة الفواصل والحدود. فلم تنقض عليهم عشر سنوات حتى انكفَئوا إلى نظام المعسكر وأدب الغارة والاغتيال.

وازِنْ بين تربية كهذه لا محل فيها لرأي الأمة في سياسة داخلية أو خارجية ولا أدب لمن يتربى عليها غير الطاعة أو العدوان، وبين التربية السياسية التي فرضتها على خصوم الألمان مواقع الجغرافية ووقائع التاريخ.

فالإنجليز مثلًا أبناء جزيرة مستقرة قريرة.

فهم لهذا آمنون، وهم لهذا تجار؛ ومن هنا بطل فيهم طغيان العسكرية ونشأت فيهم خلائق الشورى والتفاهم والأخذ والعطاء.

وهم أقوياء ولكنهم يبيعون ويشترون، فلا مناص لهم من السمعة ومن الثقة ومن الإرضاء؛ إذ التاجر لن تنسيه قوته أن يرضي عميله وشريكه، ولن يستغني — وإن استغنى — عن التفاهم والقبول.

وقل ما شئت عن أسرار الحرب الحاضرة وأسباب الحوادث القريبة على تناقض الروايات والتعليلات، فمما لا شك فيه أن تربية الألمان القديمة هي التي جعلتهم يأنفون من مفاوضة الأمم الصغيرة، ويستكبرون أن يجلسوا مع بولونيا أو مع غيرها إلى مائدة واحدة لفض المشكلات وتبادل الآراء؛ لأنهم ينظرون إلى المفاوضة نظرة العسكري الذي لا يعرف المفاوضة إلا لإملاء الشروط أو الخضوع لمن يمليها. ومما لا شك فيه أن تربية الإنجليز القديمة هي التي جعلتهم يفاوضون الكبير والصغير، وعوَّدتهم أن يروا لمفاوضهم حق الشاري على البائع وحق البائع على الشاري في مجال الأخذ والعطاء.

تلك الخَلة الألمانية معلومة لكبار الأدباء الألمان سواء منهم الآريون وغير الآريين، فأديبهم الكبير «جيتى» يقول:

إن أمام أبناء وطننا بضعة قرون أخرى تنصرم قبل أن يترقَّوْا إلى منزلة من الحضارة تجعل الناس يقولون إنهم كانوا برابرة منذ عهد بعيد.

وشيلر زميل جيتى يقول: «أيها الجرمان، عزيز عليكم أن تصبحوا أمة، فكونوا رجالًا فذلك ميسور.»

وهيني أشعر شعرائهم الغنائيين يقول: «يوم يتبدَّد رمز المسيحية الوديع يفور مرة أخرى جنون الغزاة الأقدمين الذي يطنب في التغني به شعراء الشمال، وتهب الأرباب الصخرية من مراقدها في الآكام المهجورة نافضةً عن أهدابها غبار ألف عام، ويهب معها إله الرعد والبرق ثور يحمل مطرقته الهائلة ليهوي بها على محاريب الإله المسيحي؛ يومئذٍ تسمع جهنمُ من الضوضاء لم يسمع لها مثيل قط في تاريخ العالم كله، ويومئذٍ تعلم أن الرعد الجرماني قد تمادى إلى مداه، وأن الصيحة يومئذٍ لتسقطن النسر ميتًا في علاه، ولتسمعنها الأسود الناكصة في أقصى الآجام الأفريقية فتختبئ في كهوفها، ولتشهدن ألمانيا في ذلك الموعد مشهدًا تحسب الثورة الفرنسية عنده موقف غزل وغرام، وليتطلعن العالم كأنه على سلالم عرينة الصراع لينظر إلى مشهد هذا العراك الجنوني في ساحة ألمانيا …»

قالها هيني قبل مائة سنة فصدقته الأيام، ولو قالها اليوم لقالوا نبوءة شاعر كذاب من سلالة إسرائيل!

ونيتشه نبي القوة عندهم يقول: «الجرمان كالنساء، لا يُسبر غورهم لأنهم بلا غور … وهذا كل ما هناك، فلا يقال عنهم إنهم ضحل لهذا السبب عينه. أمَّا ما يسمى العمق في ألمانيا فهو في لبابه نقص في إخلاص المرء لنفسه، أو هو بمثابة أمة تأبى أن تقف من طبيعتها موقف الوضوح والصراحة، ألا يحسن أن نضع كلمة الجرمانية رمزًا متفقًا عليه للدلالة على هذه الآفة النفسية؟»

وطالما ألم جيتى ألمًا شديدًا للنظر في أمور هذه الأمة التي تتقن التفاصيل وتنسى الشمول والتي «يبدو فيها أفراد أجلاء وتبدو هي أمة زرية».

إلا أن الاختلاف الذي لاحظه لا يُعَدُّ من الشذوذ ولا الخروج على القياس المعقول؛ لأن البربرية وقوة العقل والطبع لا تتناقضان، فيجوز أن ينشأ الأفراد المقتدرون في غمرة البداوة كما ينشأون في أوج الحضارة، وأن تعلو الصفات الفردية وتهبط الصفات القومية. أما النقيضان المستغربان فهما أن تصمد الأمة على حكم الاستبداد، وأن تتقدم في أطوار التربية السياسية وخلائق الحرية التي تواتيها في تصريف تبعات الحكم ومشاركاته، وهذا هو جانب القصور في تربية الألمان.

•••

ومن المشاهدات التي لا تُستغرب بعدما تقدم أن الألمان على كثرة ما أفادوا العالم في أبواب العلم والفن والصناعة لم يفيدوه شيئًا في باب العلم السياسي والأصول الدستورية؛ فلا هم في أطوارهم الشعبية تقدموا وراء القيادة العسكرية وأنظمة الميدان، ولا هم في كتابات فقهائهم ودارسيهم ساهموا بقسط قَيِّمٍ من التفكير في هذا الباب، وغاية ما ساهموا به أنهم قدسوا الدولة وأقاموها على أساس «القوة الحاصلة» وجعلوا مخالفتها أشبه بالكفر والشيطنة منها بالجريمة التي يعاقبها القانون.

فالدولة عند فيلسوفهم الكبير هيجل هي مساك الحق وخلاصة التاريخ وصورة المشيئة الإلهية … وما شاكل ذلك من نعوت تلحق الدولة بعالم الغيب في عرف المتصوفة.

والقانون عند فقهائهم هو «سر العنصر» أو لُباب الروح القومي Volksgeist وليس هو بالعدل المطلق الذي يعم جميع الأقوام ولو في المبدأ والقاعدة؛ فبينما كانت الدول تعلن في الحرب الماضية أن محاكم الغنائم فيها تطبق قانون الأمم وشريعة المنطق الإنساني، كانت ألمانيا تعلن أنها لا تطبق إلا الشريعة الألمانية التي تستمدها من الدولة الألمانية، وبينما كانت الشعوب المختلفة تبني اعتزالها لعصبة الأمم على أسباب المصلحة أو على خشية الإخفاق والاصطدام بالوقائع المنظورة، كان الألمان يخلطون بذلك سببًا فلسفيًّا يقوم على فكرة العنصر والقوم، فلا عَدل في اجتماع عصبة الأمم لأنها مجموعة أجناس المشرق والمغرب وسلالات البيض والصفر والسمر والسود، وإنما العدل أن تقوم على جنس واحد أو أجناس متقاربات، وأن تعترف بالتفاوت بين السادة والمَسُودين والأقوياء والضعفاء … أي أن تبطل معنى العدل فتجعله اعترافًا بجواز الظلم لمن يقدر عليه وتحريمه على من يعجز عنه ليس إلا. وما أبعد الفرق بين قولك إن الظلم هو العدل والإنصاف وقولِك إن العدل مطلوب محبوب ولكنه متعذِّر التحقيق، ولا بد من رياضة الطباع عليه.
وهذا التفاوت بين أقدار الشعوب يسري على الرعايا الألمان فينقسمون إلى آريين وغير آريين وينقسم الآريون إلى عريقين في الآرية يحملون جواز العراقة Gross Ahnenass ومُحدَثين في الآرية لا يثبتون من النسب فيها أكثر من جد واحد ولا يحملون إلا جواز المحدثين Ahnenspiegel وهو لا يسمح لهم بالانتظام في الحزب ولا في جماعاته المختارة.٤

وكان أناس يخالون أن حذلقة الألمان في تفضيل أنفسهم على العالمين قد بلغت قصاراها خلال الفترة التالية لعهد بسمارك وحرب السبعين، فإذا بالنازيين يدَّخرون من هذا المعنى ما لم يكن يخطر على بال.

فليس التفاوُت باديًا باقيًا بين القوم الجرمان وسائر الأقوام الآدمية وكفى … كلا، بل هناك تفاوُت بين حيوان آري وحيوان أجنبي وبين فاكهة عريقة وفاكهة هجينة، وبين بذور رفيعة تنبت في تربة الشمال وبذور خسيسة تنبت في تربة الجنوب، فمن المحقق كما يقول الجنرال لدندورف٥ أن الأرنب ليس بحيوان آري، وحسبك سببًا جُبنه الأليم، وحماداه أنه مهاجر يحظى بحفاوة الضيف. أما الحيوان الذي لا شبهة في ملامحه الجرمانية فهو الأسد، وهو من أجل ذلك ألماني في دار غربة.

بل التفاوت بين السلالة الآرية والسلالات الأخرى تفاوتٌ في تركيب الجسد ووظائف الأعضاء وخصائص العترة البشرية.

«فغير الآريين لهم أسنان وفكوك عليا تشبه في ضيقها ومنظرها خراطيم الحيوان، وحركة الفكين بين أهل الشمال تسمح بمضغ الطعام والفم مقفل على خلاف الأجناس الأخرى التي تُسمع لمضغها أصوات كأصوات العجماوات. وللفم الشمالي عدا هذا فضائل شتى يمتاز بها كامتياز اللون الأحمر بإثارة الشعور؛ فإن لونه المتوهج القاني يُغري بالقبلات، وفم الشماليين من أجل هذا مركَّب صالح في تركيبه للتقبيل. أما غير الشماليين فهم عراض الشفاه غلاظها ينمون بذلك وبفتحات المنخرين على الشهوة وعلى التعبير الهازئ المضطغن وعلى حركة الارتشاف التي تنبئ بالانغماس في المتعة الراضية، وهم يفرطون في التحدُّث بمساعدة الأيدي والأرجل مما لا يُرى في حديث أهل الشمال الذين يتكلمون أحيانًا وأيديهم في الجيوب. ولن تبصر في غير المرأة الشمالية ذلك النهد الكاعب المكين المستدير الذي يبرز للنظر حين تلقي بذراعيها إلى الجنبين. وخلاصة القول إن غير الشماليين ينزلون في مرتبة بين طبقة الإنسان الشمالي وطبقة الحيوان من فصيلة فوق فصائل القردة العليا؛ فليسوا هم بأناسي يقابلون الصفات الحيوانية بالصفات الإنسانية، ولكنهم حلقة وسطى في الطريق أحرى بهم أن يسموا شبه بشر … وإذا سأل سائل: ما بال غير الشماليين وهم أقرب رحمًا إلى القردة يتناسلون من الشماليين ولا يتناسلون من القردة؟ فالجواب أن الدليل لم يقم بعدُ على أنهم وفصائل القردة لا يتناسلون.»٦

وليس المهم أن يؤمن النازيون بهذا الهراء إيمان اليقين، بل المهم أنهم يعملون به عمل المؤمنين. ولا ندري وايم الحق أيهما أقبح بالمرء: أن يصدق هراءً كهذا فهو مسلوب التمييز في شئون الأقوام ومسائل السياسة، أو أن يدَّعيه ولا يصدق به فهو خادع محتال.

•••

أمة تروج فيها هذه الدعوات حيثما ظهرت ليس بعجيب أن يعلوها أضراب هتلر وجوبلز وهيس وجورينج متى أيَّدتهم المصادفات واندفع بهم تيار الحوادث والأزمات، وليس بعجيب أن تكذب تلك الأمة على عقولها وهي تكذب على أعينها فتصدق أن هؤلاء صفوة الآريين وهم على نقيض الشمائل التي يزعمونها لأبناء الشمال. فالرجل الشمالي في زعمهم «أصهب رائع المنظر فارع الطول بَيِّنُ الرجولة رشيق وسيم …» وهتلر أنثوي جنوبي السحنة لا روعة لمَرآه، وجوبلز أعرج دميم ممسوخ الوجه والقامة، وهيس أسمر من مواليد الإسكندرية، وجورينح ضخم بدين جدته فرنسية … ولكنهم يهتفون للألمان بما يعجبهم فهم مصدَّقون ولو كذبتهم العيون!

لقد أكبر بعض الكتاب الأوروبيين من هتلر أنه «صنع المعجزة» وأعاد إلى الألمان الثقة بأنفسهم وقد شارفوا على الذِلَّة والانحلال.

figure
هتلر مع شامبرلين ودلادييه وموسوليني.
figure
هتلر مع شامبرلن وهندرسون السفير البريطاني.

فهل جاء هتلر قومه برسالة الثقة بالنفس أو رسالة الاستخفاف بالآخرين؟

إن الواثق بنفسه لا يلغي حقوقه في الحرية ولا يبني حياته على التسليم والإذعان ولا يصيح على الأبراج والشواهق أنه واثق وأنه يقسم إنه لواثق!

كلا، إنما يفعل ذلك من لا ثقة له بنفسه ولا قدرة له على تمييز رأيه، وليس الاعتداء على الآخرين من صفات الواثقين، ولكنه من صفات من لا يعرفون الحقوق ولا يدرون معنى الحرمات.

وهتلر قد علَّم شبان قومه خلائق معلومة لا صعوبة في تعليمها، بل الصعوبة في اقتلاعها وتبديلها لأنها من نوازع الهمجية وخلائق القطعان.

قال لهم البسوا الكساوى والشارات التي تحبونها، واخرجوا في الشوارع صفوفًا صفوفًا تزعقون وتتوعَّدون، واضربوا اليهود واضربوا الشيوعيين واضربوا الديمقراطيين واضربوا النازيين المخالفين … اضربوا اضربوا اضربوا ولكم المجد والفخار وعلى فرائسكم المسبة والعار.

ولقد عاش أبناء آدم مائة قرن يعاقبون من يضرب ويقيدون يديه ويعيبونه بالشر والرذيلة، ولا يزال الضرب مغريًا يهون فيه العقاب والتأنيب.

فإذا جاء هتلر وجعله شرفًا يبوء المعتدي بفخره ويبوء المعتدى عليه بوصمته ونكره فأين هي المعجزة وأين هي الخليقة الكريمة التي تُكتسب بالمشقة والرياضة وهداية الزعماء؟

هذا اندفاع مع التيار وليس وقوفًا في وجه التيار، وتلك هي النكسة والانحدار وليست هي الوثبة والاقتدار، وما في هذه الزعامة الرخيصة مسحة من العظمة ولا لمحة من الابتكار.

ألغوا وجودهم من ناحية وألغوا وجود الآخرين من ناحية أخرى!

كبحوا حريتهم العالية على الأحرار ثم أشبعوا نفوسهم المكبوحة بشهوة العدوان على حرية الناس. فكانوا خاسرين في الصفقتين، غادرين بحرماتهم وحرمات من يعتدون عليهم. وبئس التعليم إن كان هذا الصنيع في حاجة إلى تعليم.

إنما المعجزة أن تعلِّم المرء الكرامة فلا يهدر حقوقه ولا يهدر حقوق غيره، وإنما الرجل الكريم كما قلنا في كتابنا عن سعد زغلول من «يسوءه أن يتعرض الآخرون لغضاضة مهينة كما يسوءه أن يتعرض هو لتلك الغضاضة، ويعاف الذل حيث كان ولو لم يمسسه في كبريائه، وذلك هو الفرق بين الكرامة المحمودة والغطرسة الذميمة؛ فإن الغطرسة الذميمة هي التي تستريح إلى إذلال الآخرين ولا تغار على كرامة إنسان، وهي التي لا تميز بين الكبرياء بحق والكبرياء بباطل، ولا تلوم الناس لأنهم اعتدوا عليها مبطلين بل تلومهم لأنهم عرفوا لأنفسهم كرامة ولو كانت صادقة وعلى صواب؛ ولهذا يستخذي المتغطرس حين تصدمه القوة من سواه، ولا يزداد الكريم إلا انتصارًا لكرامته حين يمسها من يتطاول عليه».

•••

وهكذا «معجزات» هتلر في شتى مراميها لا تستمد قوتها من رفيع الصفات كما تستمدها من وضيع الغرائز والشهوات، ولا تعتمد على الاقتحام كما تعتمد على الاتباع والانسياق، ولا تروعك بالبطولة كما تروعك بالمداورة والاستغلال، ولا تروض الظروف بل تركبها وهي ريضة ذلول، ولا يرتفع بواحدة منها إلى مرتبة النوادر الأعلين بل يظل حيث كان في زمرة الأواسط وأبناء المصادفات.

١  ٧ أكتوبر سنة ١٩١٠.
٢  تراجع هذه الشواهد وكثير من أمثالها في كتاب «وثبة ألمانيا» لمؤلفه إرنست هامبلوش Germany Rampant by Ernest Hambloch.
٣  الحرب البتراء، تأليف إريك مور ريتشي The Unfinished War by Eric Moore Ritchie.
٤  كتاب الحق والقوة لمؤلفه الفقيه الألماني الدكتور فردريش رويتر Firedreick Roetter.
٥  في Am Qelle Deutscher Kraft أي من منبع القوة الجرمانية.
٦  كتاب الأصول الحديثة لبحث الأجناس، تأليف هرمان جوش، اقتباس مجلة الناشيون في ٦ فبراير ١٩٣٥. The New Bases of Racisl Research by Hermann Gauch.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١