الفصل الرابع

قضية اليوم

ما هي إذن قضية اليوم؟ ما هي القضية التي يعرضها النازيون على العالم للفصل فيها؟ وأين هي مصلحة العالم من طرفَيِ القضية؟

إن هتلر يعرض على العالم قضية الطغيان والحرية الإنسانية، أو قضية الإيمان بالسلاح وحده والإيمان بشيء في الحياة وفي الحضارة غير السلاح.

وهو لا يعرض على الناس قضية الطغيان ليقول لهم: أيها الإخوان، تعالوا وكونوا طغاة مثلي … ولكنه يعرضها ليكون هو الطاغية المتحكم وهم العبيد المستسلمين.

وهو لا يؤمن بالسلاح وحده ليقضي به في خصومته مع بولونيا وإنجلترا وفرنسا وبلجيكا وغيرها وغيرها، ثم يكفر به ويلقيه جانبًا ويعترف بالحقوق والحرمات.

كلا! بل هو يعتمد عليه اليوم مرة ويعتمد عليه غدًا عشر مرات؛ لأنه إذا بلغ ما أراد زاد اعتماده عليه، وأصبح أقدر على استخدامه مما هو الآن.

فهو قد عمل للحرب فجمع لها عدتها … وغيرُه لم يعملوا للحرب فلم يجمعوا لها مثل تلك العدة.

هل أصاب أو أخطأ في اشتغاله للحرب دون غيرها؟

قل إنه أصاب أو قُلْ إنه أخطأ، فليس هذا مقطع القول الآن، وإنما مقطع القول أن الذي ينصره أو يتمنى له النصر يخطئ كل الخطأ ولا يصيب في حقه ولا في حق العالم أقل صواب.

على أن العالم لو اشتغل للحرب وحدها كما اشتغل لها هتلر لكان معنى ذلك أن الهتلرية قد ربحت المعركة قبل دخولها، وقد دان العالم بدين الطغيان وكفَر بدين الحرية. وأصبح لزامًا عليه أن ينقلب إلى معسكر ميدان لا يتربى فيه الطفل ولا يعمل فيه الرجل، ولا تفكر فيه العقول، ولا تجمع الدولة مالًا أو تنفقه، ولا تبيح الحكومة شيئًا أو تحرمه إلا في هذا السبيل.

وبئس الوقاية من الهتلرية تلك الوقاية.

•••

يقول هتلر للعالم:

أعطوني حرية الإنسان. أعطوني حقوق الإنسان. أعطوني ضمان الرأي والروح. أعطوني تراث الماضي والرجاء في المستقبل. أعطوني حقوق الفرد في الدولة ألغيها، وأعطوني الدول الصغيرة أدوسها، والدول الكبيرة أمزقها … وقواعد الطمأنينة في الأرض كلها أزعزعها وألقي الفزع والفوضى والمصير المجهول في مكانها. أعطوني كل ما تعزُّون ولا تسألوني ماذا تأخذون! لأنني آخذ ولا أعطي، آخذ الحرية التي عندكم ولا أعطي القوة التي عندي، أو آخذ رجاءكم في الحرية ولا أعطي رجاءكم في القوة؛ إذ هي لي وحدي لا أعطيها أحدًا حتى بين الألمان خلاصة بني الإنسان، فكيف يُعطاها غيرهم من المخلوقين للطاعة والهوان؟

يقول هتلر للعالم:

أعطوني الحرمات والحقوق لأن ألمانيا لا تعيش في الدنيا وللدنيا حرمات وحقوق.

فهل يصدق فيما يقول؟ كلا. بل هو يكذب ويلغو. فما في الأرض أمة تعيش قريرة راضية والدنيا مسلوبة الحرمات والحقوق.

وهبوه مع ذلك صادقًا فعلام يدل صدقه؟ يدل على أن مصلحة ألمانيا ومصلحة العالم نقيضان، وأن العالم لن يستريح وللألمان سطوة وشنآن.

والواقع أن العالم — كذب هتلر أو صدق — لن يستريح والسطوة الهتلرية قائمة والدولة النازية دائمة.

فقضية الإنسان اليوم هي أن تنهزم ألمانيا الهتلرية الهزيمة المبرمة التي لا قيام بعدها؛ لأن انتصارها هو انتصار لمطالبها التي تبغيها، ومبادئها التي تدين بها، ومطالبها الصريحة التي لا تكتمها هي استغلال الشعوب الأخرى وابتزازها، ومبادئها الصريحة التي تبشر بها هي سيادة القوة بينها وبين الدول، وسيادة القوة بين الحكومة والرعية. وهل لأحد أن يطمع من حكومة ألمانية في حرية أوسع من الحرية التي يؤذن بها لأبناء ألمانيا نفسها؟ كلا. فما للحرية وجود في عالم يسوده فرد مقدس معصوم يطلب من الناس ما لا يطلبه الخالق من المخلوقات.

كل ما هنالك مبادئ القوة، ومعنى مبادئ القوة إلغاء التفاهم والتعاقد في السياسة الخارجية، وإلغاء الشورى والانتقاد وضمان الحقوق والأرواح في السياسة الداخلية. فلا شيء غير طغيان السيد وإذعان الضعيف المحكوم إذعان المستسلم الصامت الذي لا ينبس بشكاية، ولا يطمع في إصغاء.

ليس يكفي أن تخرج ألمانيا من الحرب وقد فاتها النصر والاستعلاء، بل يجب أن تخرج منها مهزومة عاجزة عن التهديد.

لأنها إذا ملكت زمام التهديد بعد الحرب لم يلبث العالم أن يعود إلى ما كان فيه من الفزع الدائم والتسابق الأهوج في مضمار التسليح، وأن يسرف إسرافه المنهك في أهبة الهجوم والدفاع. فتذهب موارده في إعداد عدة التدمير ثم تضيق هذه الموارد بكل عمل مفيد من أعمال البناء والتعمير. ويعاني أبناء الأمم جميعًا ما كانوا يعانونه من الكساد وإرهاق النفقات، بغير أمل في تبديل هذه الحالة.

ولا موضع للمفاضلة بين خروج ألمانيا منصورة أو موفورة القوة وبين خروج الحلفاء منصورين قادرين على المقاومة.

فأقل ما يُرجى من انتصار الأمم الديمقراطية أن تبقى حالة الحرية كما كانت في السنوات الأخيرة، وهي حالة أكرم وأسلم من كل حالة يتوقعها العالم بعد تسليط الألمان عليه.

هذا أقل ما يُرجَى من انتصار الأمم الديمقراطية. أما أكبر ما يُرجى من انتصارها فهو اتساع آفاق التفاهم والتعاون بينها وبين الأمم الضعيفة، وهي خطة صالحة للأقوياء والضعفاء على السواء: يظفر منها الأقوياء بمَوَدَّةٍ لا يستهان بها وتخفيف في النفقات الحربية هم أحوج ما يكونون إليه، ويظفر منها الضعفاء بالعضد الذي يريحهم من أعباء الدفاع، ويتيح لهم أن يوجهوا أموالهم وأرزاقهم وجهة الإصلاح والتعمير.

وقد يخطر على بال جاهل أن خروج الدول الديمقراطية من الحرب مضعضعة خائرة أصلح للعالم وأجدى على الأمم الضعيفة.

فهذا الخاطر سخيف مأفون؛ لأن الدول المضعضعة الخائرة لا تضمن تقرير السلام وإخافة المتربِّصين المتوثِّبين للشر وهم كثيرون، منهم المستبدون الذين تجنَّبوا الحرب فصانوا قوتهم للإرهاب والنهب بغير حساب، ومنهم الشيوعيون الذين يرقبون يومًا يفرضون فيه مذاهب الهدم والكراهية على جميع الشعوب، وأي فرصة ينتهزونها لترويج مذاهبهم كالفرصة التي يجدونها وهم آمنون سطوة الدول الديمقراطية الكبرى؟ لعلهم يصيبون بين شعوب تلك الدول نفسها تربة صالحة لإلقاء بذور الفتنة والتمرُّد والانتقاض، متى وجدوها مضعضعة خائرة لا تقوى على إخافتهم ولا على علاج المشكلات المتراكمة في داخل بلادها.

وقد يخطر لأحد أن مذاهب الهدم والكراهية تشقي أناسًا وتسعد آخرين؛ فإن كان المقصود أنها تُسعد الحاكمين بأمرهم فذلك صحيح، أما إن كان المقصود أنها تسعد الأيدي العاملة فليس أفشل من هذا الخاطر بشهادة العيان.

فقد اتسع مجال التجربة للطغاة الشيوعيين جيلًا كاملًا فماذا صنعوا؟ وماذا أفاءوا على الطبقة الفقيرة من فلاحين أو صناع؟ جمعوا على رأسها من الذل والإرهاق ما لم يجتمع في أمة حاضرة، وجعلوا الدولة صاحبة رأس المال وصاحبة المرافق في داخل البلاد وخارجها، فأصبحت الطبقة العاملة من أجل ذلك محرومة حقها قِبَل رأس المال، وأصبح الاحتجاج أو الاضطراب في هذه الحالة تمردًا على الدولة وخيانة عظمى يُعاقَب عليها بالموت أو بالسجن الطويل، وأصبحت السلطة التي يشكو منها العامل هي السلطة التي يشكو إليها. بل أصبحت روسيا كلها سجنًا كبيرًا لا يُباح الخروج منه ولا الدخول إليه إلا كما يباح الدخول والخروج في السجون.

ولا يكتم الشيوعيون هذا الإخفاق الذي لا سبيل إلى كتمانه؛ فهم يعترفون به ويردونه إلى كل سبب غير سببه الصحيح، وهو سخافة المذهب الذي يجعل تاريخ الإنسان كله تاريخ «بنك» أبدي لا محل فيه لغير أطوار النقد وأسعار المصارفات، ولن يفقهوا هذا ولن يرجعوا عنه؛ لأن المسألة عندهم مسألة شهوة لا مسألة فكرة، وهي في قلوبهم حقد على المحسودين وليست رأفة بالمحرومين، وسيُمَنُّون أنفسهم ما استطاعوا أن ينهزم العالم ويتضعضع فيتاح لهم الأمل المنشود، ويدركوا يومئذٍ ما لم يدركوه بعد الحرب الماضية التي خرج منها الظافرون وهم متماسكون غير مضعضعين.

•••

ولهذا نقول إن قضية العالم هي انهزام ألمانيا وانتصار الدول الديمقراطية.

وكما نقول إن كل نتيجة دون هزيمة ألمانيا لا تكفي، نقول كذلك إن كل نتيجة دون انتصار الديمقراطية لا تكفي؛ لأن الشيوعيين والمستبدين هم المستفيدون دون غيرهم من هزيمة الديمقراطية أو من انتصارها على أعدائها انتصارًا لا تحميه.

•••

إن النازيين يتقرَّبون إلينا — نحن الشرقيين — بحجة غريبة، ويتقربون إلى الأمم الأخرى بحجة أغرب وأدعى إلى الريبة.

أما الشرقيون فيذكرون لهم الشكايات التي يشكونها من الدول الديمقراطية، والقضايا الوطنية المعلَّقة بين تلك الدول وبعض الشعوب العربية والشرقية.

ومهما يكن من شأن هذه القضايا والشكايات فممَّا لا نزاع فيه أن المرء لا يحمد جراثيم السل لأنه يشكو الزكام، ولا يرضى بصولة النازيين وطريقتهم في حكم البولونيين والتشكيين والنمسويين والهولنديين وأبناء الشمال؛ لأنه يلقى ما يسوءه من الدول الديمقراطية.

فإن الفرق لبعيد جدًّا بين من ينكر الحرية أصلًا وفصلًا وبين من يعترف بها ويماطلك فيها، أو يخالفك في مقدارها.

ولا أمل على الإطلاق في حرية أو رخاء مع النازيين، ولا يأس على الإطلاق من بلوغ الحرية والرخاء ما دامت للديمقراطية حجة قائمة.

•••

ما من شرقي يرضى للشرق بما دون الإنصاف الشامل والحقوق الوافية، وسيبلغ أبناؤه لا محالة ما يتُوقون إليه من إنصاف ومنَعة بفضل الجهود التي يقوم بها رجال كل بلد على حدة، وفضل الجهود التي يتعاون عليها رجال الأمم العربية كافة؛ فمطلب الحرية والإنصاف لأمم الشرق مطلب مفروغ منه ولا جدال فيه.

إلا أننا حين ننظر إلى النزاع الأوروبي إنما ننظر إلى المسألة من جانب الموقف الحربي والسياسة الخارجية، وهي لا يمكن أن تكون إلا على وجه من وجوه ثلاثة: أن تقف الأمم الشرقية وحدها، أو تقف إلى جانب النازيين، أو تقف إلى جانب الحلفاء.

فالوقوف وحدها في حومة هذا النزاع العالمي لا يتأتى؛ إذ ليس في أمم الشرق الأدنى أمة أقوى من فرنسا وهي لم تستغنِ عن المعونة الإنجليزية، ولا أقوى من بريطانيا العظمى وهي لم تستغنِ عن المعونة الفرنسية.

وحسبنا أن نتخيل تركيا وقد وقفت أمام الروسيا وألمانيا ونظرت إلى خلفها فلم تجد من يحمي ظهرها ويملك العُدَّة اللازمة لنصرتها. فماذا يسعها أن تصنع؟ وماذا يكون المصير إلا أن يطغى الروس والألمان ومن معهم على كل أرض في طريقهم ليقتسموها أو يقتتلوا عليها؟

بقي الوقوف إلى جانب الحلفاء أو الوقوف إلى جانب النازيين، ولا تردُّد في المفاضلة بين الموقفين: قوم يسلمون الحق ويؤجلون موعده، وقوم ينكرون كل حق لمن عداهم في خيرات الدنيا ولا ينتظرون من الساميين خاصة إلا الخضوع لسيادة الآريين، بغير أمل في الخلاص أو في تبديل الحال، إلا أن تتبدل الأجناس. وهيهات!

فالأمم الشرقية لا تعرف مصيرًا هو أولى بخشيتها واتقائها وضياع آمالها من مصيرها مع النازيين، إذا ملكوا زمامها بوسيلة من وسائل الغلب والإرهاب.

•••

أما الحجة التي يتقرب بها النازيون إلى العالم مسوِّغين بها مطامعهم وملطِّفين بها من شرور عدوانهم فهي أنهم لا يصنعون اليوم إلا ما صنعه الإنجليز والفرنسيون في الأجيال الماضية، فلماذا يجوز الفتح للإنجليز والفرنسيين ولا يجوز للنازيين؟ ولماذا تهنأ بريطانيا العظمى مثلًا بالسيطرة العالمية ولا يغلبها النازيون عليها؟

فإذا سلَّم العالم هذه الحجة وجب أن يطلِّق الأمل في التقدم والتفاهم والسلام أبد الآبدين، وأن يجعل السيطرة العالمية قِبلةً لكل دولة تشعر بالقوة وتعتزُّ بالعدد والعدة: يوم للألمان ويوم للروس ويوم للطليان ويوم لأهل اليابان أو الصين أو من شئت من البلاد، ولا راحة للدنيا في هذا الرجراج الصاعد الهابط بين قوم قد استعدوا وقوم يستعدون، أو بين عدة أقوام مستعدين في جيل واحد … وذلك هو الجحيم بعينه للظافرين والمظفور بهم أجمعين.

والحقيقة أن السيطرة على العالم خرافة أغبياء وستظل خرافة أغبياء إلى آخر الزمان.

والناس لا يملكهم واحد
مهما علا في ملكه واستطال

كما قلنا في توديع غليوم الثاني الذي ركِبه الغرور قبل ربُع قرن كما ركب الهتلريين في هذه الأيام.

فالدنيا لا تسودها دولة في العصور الحديثة ولن تسودها دولة في العصور المقبلة، وما سادتها بريطانيا العظمى في أيامنا هذه ولا في أيامها الماضية. وأحرى بالمستقبل أن يجري على سُنَّةٍ أقوم من هذه السنة ما دام للحضارة معنى وللمصالح المشتركة قدرة على كبح من يعدون عليها؛ طغيانًا في سبيل الفتوح، أو إيثارًا لمصلحة دولة واحدة على المصالح جمعاء.

والأمم التي تدخل في الدولة البريطانية إما مستقلة كأفريقيا الجنوبية وكندا وأستراليا وزيلاندة الجديدة، وربما كان سلطانها على لندن أكبر من سلطان لندن عليها.

وإما تابعة كالمستعمرات الأفريقية وما شابهها وليست سيادة الإنجليز لها دليلًا على سيادتهم للعالم؛ لأن البلجيكيين والإسبانيين يملكون مثلها. ولا ينفع النازيين عند هذه الأمم أن تُجلي الإنجليز عن أرضها؛ فإنها متى استطاعت إجلاءهم فلن تفعل ذلك لتركع تحت أقدام النازيين، وتقبل السيطرة ممَّن يَحسبون الأمم الأفريقية في زمرة القرود.

وبين الأمم المستقلة والأمم التابعة أمم كأهل الهند يتقدمون في طريق الاستقلال، وقد تكون للنازيين مصلحة في الحلول من أهل الهند محل الإنجليز … ولكن ما هي مصلحة أهل الهند؟ وما هي مصلحة العالم؟ وما هي مصلحة الأمم الغالبة أو الدول المغلوبة؟ وما هي مصلحة الأمم الواقعة في الطريق؟

على أننا لم نذكر الهند لتقرير هذه الحقيقة؛ فهي غنية عن التقرير، وإنما ذكرناها لنقول إن الحالة الحاضرة في الهند لا ترجع إلى العوامل الخارجية كما ترجع إلى العوامل الداخلية، وإن بريطانيا العظمى لو رفعت يدها اليوم عن تلك البلاد لما زالت جميع الحوائل بينها وبين قيام الحكومة الوطنية الشاملة، ولا قاربت الزوال.

فهناك الأمراء الحاكمون في ولاياتهم وهم لا يتفقون ولا يرضون أن يحكمهم مجلس في عاصمة بعيدة عن عواصم الإمارات.

وهناك المسلمون وهم كثرة في بعض الأقاليم وقِلَّةٌ في بعض الأقاليم الأخرى، ولو شملتهم حكومة واحدة لأصبحوا قلة ضائعة في جميع الأقاليم.

وهناك المنبوذون وهم عشرات الملايين ينظر إليهم البراهمة نظرتهم إلى الرجس الذي يَفْرَقُونَ من ظله، ولا خير لهم في حكومة تضعهم هذا الموضع وتهملهم هذا الإهمال.

وهناك اختلاف الأقاليم في الأجناس واللغات والأديان وعناصر الثروة ومعادن التربة الزراعية، مما لا يجتمع نظيره إلا في قارة من القارات الكبار.

فمسألة الهند العضال ليست مسألة السيادة الخارجية وحدها، سواء كانت عالمية أو مقصورة على بعض أجزاء العالم؛ إذ لو فرغت كل سيادة عالمية في الدنيا لما فرغت المسألة الهندية، بل لعلها تبدأ يومئذٍ من جديد.

وإنما المسألة في الهند أنها محتاجة إلى الإنجليز كاحتياج الإنجليز إليها، وأنها لا تخسر إذا حالفت الإنجليز محالفة استقلال وكرامة، كما تخسر إذا انفصل الفريقان دفعة واحدة.

فالعلاقة الوحيدة الصالحة للتوفيق بين أُمَّتَيْنِ في زماننا هذا هي علاقة المصالح المشتركة والمعونة المتبادلة، ولو كانت بريطانيا العظمى أقوى ممَّا هي اليوم أضعافًا مضاعفات لما استطاعت أن تقيم علاقاتها مع الأمم المتصلة بها على غير هذا الأساس.

أما السيطرة على العالم في زماننا هذا فأوجَزُ ما نقول فيها إنها خرافة أغبياء، وإنها قد بطلت اليوم كل البطلان، ونرجو أن يكون بطلانًا سرمديًّا لا رجعة فيه.

•••

وهنا مفترق الطريقين في قضية اليوم: طريق الإيمان بالقوة الحيوانية تبقى اليوم كما كانت بالأمس وتبقى إلى آخر الزمان كما كانت في أول الزمان، فلا تبديل لها ولا رجاء في التبديل ولا خير فيه لو كان إلى تحقيقه سبيل، وسيسود القوي العالم وينبغي أن يسوده وأنفه راغم. ولا عبرة بما يتعلل به طلاب المُثُل العليا من الآمال والأحلام.

وهذه طريق النازيين.

وطريق الإيمان بشريعة في الحياة غير شريعة القوة الحيوانية، وهي شريعة الحق والإنصاف والأمل في تقدُّم الإنسان إلى سُنَنِ في المعاملات بين الأمم والأفراد وراء سُنَّة الكهف والغابة.

وهذه طريق الديمقراطيين.

ويقول النازيون إن شريعة القوة حقيقة لا ريب فيها، وإن الإنسان لا يغالط نفسه في وجودها إلا لعلةٍ على حَدِّ قول أبي الطيب؛ فالدول الديمقراطية تنادي اليوم بشريعة القوانين والعهود وتنكر سياسة البطش والإرهاب لأنها شبِعت وامتلأت؛ فلا حاجة بها إلى مزيد من السطوة والسيادة، والأمم الضعيفة تنادي بشريعة القوانين والعهود لأنها تطمع في المساواة بينها وبين الأقوياء على أحكام هذه الشريعة.

وكل ما يقال عدا ذلك فهو أكاذيب وأوهام.

وعندنا أن هذا القول على فرض صحته لن ينفع النازيين ولن يشفع لهم بين يدي العالم. فإذا كانت المسألة كما يقولون مسألة مصلحة وليست بمسألة حق، فقد كفى خذلانًا لقضيتهم أن تكون مصلحتهم هم ومصلحة العالم نقيضين، وأن يكون نجاحهم أول خطوة في خذلان من عداهم من شعوب الدنيا، حتى شعوب الدول التي تدين بالقوة ولا تدين بالعدل والإنصاف؛ فإن نجاح النازيين يضير تلك الشعوب كما يضير الدول الديمقراطية الكبرى ويضير المستضعفين.

على أن المسألة هنا ليست مسألة مصلحة وحسبُ كما يقول النازيون؛ فشريعة القوة وشريعة الحق موجودتان لا شك فيهما، والخصومة بينهما قائمة على أمور مشهودة وليست قائمة على أوهام وأكاذيب، واحتياج الحق إلى القوة لا ينفي هذه الحقيقة؛ لأن القوة أيضًا تحتاج إلى الحق في عملها وفي دعواها.

ونحن لا ننكر شريعة القوة والإرهاب وننصر شريعة العدل والقانون لأننا أمم ضعيفة تحسب حساب مصلحتها كما يقول النازيون، بل نحن ننكر تلك وننصر هذه لأن بينهما فرقًا صحيحًا بل فوارقَ جَمَّةً في جميع الأمور، فوارق يجب أن يحرص عليها القوي كما يحرص عليها الضعيف، ويظهر أثرها في الضمائر والأخلاق والعقول كما يظهر في المرافق التي تتناولها السياسة خارجية كانت أو داخلية.

وفيما يلي تلخيص بعض هذه الفوارق التي تدعونا إلى تفضيل شريعة القانون على شريعة القوة، أو تفضيل الديمقراطية على النازية وما إليها، سواء بلغنا شأوَ القوة العسكرية أو قنعنا بما نحن فيه.

(١) بداية القضية

إن قضية الحرية الإنسانية لم تُطرح للفصل فيها اليوم في إبَّان الحرب الحاضرة أو أثناء الأزمات المتعاقبة التي تقدمتها.

ولكنها طُرِحَتْ للفصل فيها منذ بضع عشرة سنة؛ أي من اليوم الذي تصدى فيه المستبدون للحكم وهم يعلنون جهرةً أنهم يستبدون لأن الاستبداد في الحكم هو الواجب وهو الصواب، وأنه هو النظام المفضَّل على نظام الحرية في كل شعب وفي كل آونةٍ، ولم يقولوا كما كان يُقالُ من قبل إن الاستبداد ضرورة موقوتة إلى أيام معدودة، ثم تعود الحرية إلى مجراها وترجع الشعوب إلى شوراها.

يومئذٍ بدأت قضية الحرية الإنسانية في القرن العشرين، ووجب أن يتوقع الناس النهاية من تلك البداية.

وبدا لنا يومئذٍ أن نعالج الموضوع من نواحيه القريبة إلينا عسى أن ننبِّه ولو إلى بعض الخطر، وأن نجلو ولو بعض الشبهات. فكتبنا رسالتنا عن «الحكم المطلق في القرن العشرين» وصدَّرناها بفصلين نعيدهما في هذا المقام ونحن نقارن بين الاستبداد والحرية؛ لأن وجه المسألة لم يتغيَّر بين أمسه ويومه، ولم تزل الدعاوى هي الدعاوى والآراء هي الآراء، سواء من جانب الحرية الإنسانية أو من جانب الطغيان.

بدأنا الرسالة بفصل سألنا فيه: «هل فشلت الديمقراطية؟» ثم أجبنا السؤال بفصل تالٍ عنوانه: «لم تفشل الديمقراطية.» وهذان هما الفصلان ننقلهما توطئة للمقارنة التي سنعقدها بين الديمقراطية والنازية على النحو الذي تَمثَّل في النزاع الحاضر، ونرجو أن نصل بذلك بين بداية القضية قبل بضع عشرة سنة وبين أعقابها التي استطردت إليها في هذه الآونة.

هل فشلت الديمقراطية

كان الاستبداد المطلق مقدَّسًا في زعم رجال الدين الذين كانوا يستعينون به على حفظ مكانتهم وقضاء مآربهم، وكان هو يستعين بهم على تقرير نفوذه وشمول سلطانه على الضمائر والأجسام، وكان لحق الحكم مصدرٌ إلهيٌّ يتلقاه الحاكم المستبد من السماء فلا يُسأل عنه ولا يكون للشعب إلا أن يطيعه كما يطيع خالقه، ويؤمن بحكمته التي تخفى عليه كما يؤمن بأسرار حكمة القدر؛ فالحكومة رسالة سماوية معصومة على هذه الأرض الخاطئة، والشك في الحكومة كالشك في العقيدة: كلاهما كفر يُعاقَب عليه بالحرمان السرمدي من رحمة الله.

كان هذا هو مصدر الحكومة المستبدة إلى ما قبل القرن الثامن عشر، وكان الإيمان به عامًّا شائعًا لا يشك فيه إلا أفراد معدودون من أحرار الفكر يُخفُون آراءهم كما يخفي المجرم جريمته والآثم وصمة عاره. فلما انتقل سلطان الحكم من المستبدين إلى مشيئة الشعوب، انتقلت القداسة معه إلى المصدر الجديد، وأصبح حق الحكم مقدسًا — مرة أخرى — من طريق الشعب لا من طريق الصوامع والكهان. وتغيَّر النظام القديم ولم يتغير قالبه الذي صنعته العادات المتأصِّلة والمصالح المتشعبة والعقائد الموروثة.

وربما بدأت هذه القداسة الشعبية على سبيل المجاز في التعبير يلجأ إليه دعاة النظام الحديث للمقابلة بين أساس الحكومة الغابرة وأساس الحكومة الحاضرة، ثم أضيفت إلى هذا المجاز حماقة الفكرة الناشئة وروح الأمل في المستقبل، والنقمة على الماضي. فأصبحت القداسة الحديثة عقيدة في الضمير يشوبها من الإبهام كل ما يشوب العقائد التي تستعصي على متناول العقول.

أصبحت الديمقراطية عقيدة مقدَّسة في العرف الشائع، فجاءها الخطر من هذه الناحية في عصر الشك والسخرية من جميع «المقدسات»، وسمع الشاكُّون والساخرون بهذه «المقدسة» الجديدة فعلموا أن هناك شيئًا طريفًا يُظهِرون فيه براعة التفنيد وقدرة التصغير والتقييد، فأسرعوا إليه في جِدٍّ ووقار، وأعنتوا أنفسهم كثيرًا ليقولوا إن الديمقراطية شيء لم يهبط على الأرض من السماء وإن القداسة هنا مجاز لا حقيقة له في العلم والاستقراء. فكان الجاحدون لقداسة الديمقراطية والمؤمنون بتلك القداسة المنزَّهة عن الشوائب بمنزلة واحدة من الفهم والسداد؛ لأن قداسة الديمقراطية لم تكن مسألة علمية يبحثها الناقدون الممحِّصون على هذا الاعتبار من جانب القبول أو من جانب الإنكار، فالذين يضعونها هذا الموضع ينظرون إليها من أضيق حدودها التي يعرفها المجازيون والجهلاء، ولا ينظرون إليها من أوسع الحدود التي يحيط بها من يعرف حقيقتها ويقيسها بمقياسها الصحيح. وإذا كان المتكلم الذي يقول إن الماء العذب شهد حلو المذاق مخطئًا في صيغة التعبير العلمي، فأشد منه إمعانًا في الخطأ والغفلة عن الحقيقة من يحمل الماء العذب إلى المعمل الكيمي؛ ليثبت أن الماء ماء وليس بشُهْدٍ حلو المذاق، كما يقولون في لغة المجاز.

•••

في أواخر القرن التاسع عشر ظهرت «السيكولوجية» أو علم النفس، وتفرعت فروعه وكثر الاشتغال بتطبيقه على الأفراد والشعوب.

ولعل أغرب ما استغربه الناس من قضايا هذا العلم وصفه لأطوار الجماعات والأساليب التي يُجرى عليها في تكوين عقائدها وتوجيه أهوائها وتسيير حركاتها وإثارة خواطرها؛ فقد جاء هذا الوصف بعد شيوع الديمقراطية في العالم الحديث بأكثر من جيلين، فَلَاحَ لمعظم الناس كأنه غريب وكأنه مخالف للمقرر في الأذهان أو لما يجب أن يتقرر في الأذهان! ولو أنه جاء قبل ذلك بمائتي سنة أو لو أنه تقدم في عصر الإصلاح مثلًا لما وقع من الأفكار موقع الغرابة في شيء ولا أحاط به ذلك السحر الذي يحيط بكل هجمة مخالفة للمألوف، ثم لجاءت الديمقراطية حتمًا في سياقها الطبيعي دون أن يتخيل إلى أحد أن حقائق علم النفس تعارض الحكم الديمقراطي أو تعارض حكم الشعوب؛ لأن الديمقراطية كانت نتيجة لازمة لفساد حكم الاستبداد ولم تكن نتيجة لجهل الناس بالسيكولوجية وخطئهم في تفسير حركات الجماعات، فلو علم الناس في القرن الرابع عشر أو الخامس عشر أن حركات الشعوب غير مقدَّسة ولا منزَّهة عن عيوب الطبيعة البشرية، لما كان ذلك مانعًا لوقوع تلك الحركات في أوانها ولا واقيًا للأنظمة العتيقة من التداعي والسقوط. ولكن «السيكولوجية» ظهرت بعد الديمقراطية فنشأت غرابتها من ثَمَّ وكان استغراب الناس إياها وهمًا متولدًا من الوهم القديم الذي تطرَّق إليهم من تقديس الشعب بعد تقديس العواهل المستبدِّين. فلولا الخرافة الدائرة خرافة المستبدين الإلهيين لما وجدت خرافة الشعوب الإلهية ولا اتُّخذت أطوار الجماعات التي استعرضتها مباحث العلماء النفسيين دليلًا على بطلان الديمقراطية، ولا قيل إن نظامها قائم على أساس واهن لأنه قائم على مشيئة الشعوب وهي مشيئة لا توصف بالعصمة. وقديمًا عرف الناس من أطوار الأفراد أنهم يطمعون ويستأثرون وأنهم ينقادون للهوى ويخضعون للشهوات وأنهم عرضة للخطأ الكثير والضلال البعيد وأنهم غير معصومين بحال، فلم يكن هذا العلم بأطوار الأفراد هو الذي قضى على حكومة الفرد، ولم تتقوَّض النظم الأولى إلا حين تَعَذَّرَ التوفيق بينها وبين أحوال الرعايا ومطالب الأمم.

•••

لم تنقضِ على الديمقراطية سنوات حتى خيَّبت آمال الحالمين فيها وخيَّبت آمال أولئك المظلومين الذين صوَّروا زمانها المترقَّب في صورة الفردوس الأرضي أو العصر الذهبي الذي تَغَنَّى به الشعراء وتحدَّثت به الأساطير. فلا ظلم ولا إجحاف ولا تمييز بين القوي والضعيف أو القريب والبعيد، كأنما صوت الشعب المنطلق من غيابات الأَسْر نغمة ساحرة كنغمات «أورفيوس» يتجاور في سماعها الليث والحمل والضاريات والنقاد، ومتى كان كل هذا منتظرًا من الديمقراطية فلا جرم يخيب فيها الظن ويحكم عليه الحاكمون بالفشل بعد أول صدمة مع وقائع الحياة وعثرات التجربة الأولى، وهي لا تخلو من النقائص ولا تسلم من الاضطراب.

فلم يكن أقسى على الديمقراطية ولا أظلم لها من غُلَاةِ المؤمنين بها الذين كانوا يكلِّفونها ما ليس يكلَّفه نظام في هذه الدنيا. أيةً كانت قواعده من الصحة، ونيات القائمين به من الصلاح.

هذه كلها أسباب يصح أن تُسَمَّى بالأسباب المصطنعة للشك في حقيقة النظام الديمقراطي والأخذ فيه بالعَرَض دون الجوهر المقصود.

على أنها ليست بجميع الأسباب المصطنعة التي يمكن أن تُعَدَّدَ في هذا المقام؛ فهناك أسباب مثلها دعت إلى الشك في حكومة الشعب قَلَّمَا تتجاوز العرضيات إلى دخائل الأمور، فمنها أن عيوب الحكومة الشعبية مكشوفة ذائعةٌ لاستفاضة علاقاتها واشتراك المئات والألوف في دعواتها وأعمالها؛ فليس لها حجاب من الفخامة والروعة كذلك الحجاب الذي كانوا يسترون به عيوب الحكومات المستبدَّة ويتعاون فيه الكهان والمداح والبلاطيون على التمويه والتزويق، وخليق بهذا التكشُّف أن يَغُضَّ من فضائلها بعض الشيء.

وإن مجرد القول بأن الشعوب لا تصلح للديمقراطية لَدليلٌ على أنها درجة عالية يجب أن تتوجه إليها آمال المُصلِحين وطُلَّابِ الكمال، في حين أن القول بجهل الشعوب واضطرارها من أجل ذلك إلى الحكم المطلَق دليل على مصلحة الحكام المطلقين في بقاء ذلك الجهل وتخليد هذه الحالة التي بها يخلدون.

وممَّا يضعف جانب الحكام المطلَقين في دعوتهم هذه أنهم يعيبون على الجماهير أطوارها ليتخلصوا من ذلك إلى تزكية الحكم الديكتاتوري أو الحكم المطلق، مع أن التجارب الكثيرة — والتجارب الحديثة منها على الخصوص — قد أظهرت أن الديكتاتورين الصالحين هم رجال الشعوب وثمرة تلك الأطوار، وأن الجماهير لا تعوزها البديهة التي تفطن بها إلى مقدرة القادة وتُوليهم إعجابها وتخصُّهم بثقتها وإقبالها وتُسلِّمُهم زمامها حتى حين يجترئون على عاداتها التي تغار عليها وتغضب للمساس بها إذا مسها من ليست له تلك القدرة وذلك الإعجاب. فإذا احتاجت الجماهير إلى المصلح النافذ في إصلاحه فليس أقدر على هذا المطلب من زعيم شعبي تُبرزه البديهة الشعبية، ولا أسرع منه في حث غريزة الأمم ومغالبة ما فيها من العيوب، وكأنَّ هذا المُصلِح هو الزوج المحبوب الذي يطاع لأن طاعته سرور، ويقاس مقدار حبه بمقدار المشقة التي تُبذل في إطاعة أمره. وقد يكون الزوج زوجًا بالصيغة الرسمية ولكنه لا ينال هذه المكانة ولا يأمن الرياء والخيانة إذا تكفلت له الصيغة الرسمية بالطاعة الظاهرة.

وعبثٌ ولا ريب أن تُعابَ أطوار الجماهير وأن يقتصر الأمر فيها على النقد والزِّراية، وهي هي الأطوار التي لازمتها في كل ما تمخَّضت عنه الإنسانية من الثقافات، وفي كل من تمخَّضت عنهم من الدعاة والمصلحين.

فأصلَحُ الطبائع لإحياء الشعوب هي الطبائع التي بينها وبين الشعوب مجاوبة في الشعور ومساجلة في عناصر الحياة. وإذا كانت الشعوب تخطئ في عُرْفِ العلماء فليس عرف العلماء هنا هو المقياس الذي يُرجع إليه في تقدير الدوافع والنتائج؛ لأن الطبيعة لا تستشير العلماء فيما تعمل وفيما تريد. بل ليس العلماء أنفسهم بنجوة من الخطأ على حسب مقياسهم؛ لأن أخطاءهم قديمًا وحديثًا في تصوُّر الحكومات النافعة أكثر وأكبر من أخطاء الشعوب كلها مجتمِعات.

للديمقراطية عيوبها ولكنها عيوب الطبيعة الإنسانية التي لا فكاك منها. وقد يكون لهذه العيوب في مجموع الحضارات الإنسانية فضل كفضل المحاسن المصطلح عليها إن لم يزِد عليه.

ولا تقارن الديمقراطية بحكومة المثل الأعلى المنشودة في الخيال والموصوفة في الأحلام؛ إذ هذه الحكومة لا موضع لها في عالمنا ولن يكون لها موضع. ولكنها تُقارَن بالأنظمة الأخرى في جملتها ويُنظر إلى عيوبها بصدق وإخلاص وتقدير لجميع الظروف.

فلَعَلَّ هذه العيوب بعض لوازم الحسنات التي لا يُستغنى عنها، أو لعلها طارئة يزيلها المزيد من الديمقراطية؛ إذ كان من المحقَّق أن محاربة الديمقراطية لم تُزِلْهَا فيما مضى ولا يرجى أن تزيلها فيما بعد.

وكذلك لا يصح أن نقيس الديمقراطية بمقياس الأغراض التي أعلنها دعاتها والآمال التي عقدوها عليها؛ لأن هؤلاء الدعاة لم يخترعوها ولا يتأتى لهم أن يحصروها ويسيطروا عليها، وإنما تقاس مزاياها بالضرورات التي أدَّت إليها أولًا ثم بالفوائد التي نجمت عنها فعلًا ولا تزال تنجم؛ فهي بلا ريب قد أوجدت للعصبيات الحزبية مخرجًا غير الفتن الدموية، وأقنعت الشعوب بأن عليها تبعة في الحكم وأنها قادرة على تبديل الحكام، فضعُفت فيها نزعة الثورة بقدر ثقتها من الاشتراك في الحكومة والقدرة على تبديلها، وهي في مدى خمسين سنة قد صاحبت في عالم الصناعة والعلم تقدُّمًا لم تبلغه الإنسانية في خمسين ألف سنة، وكلما ازداد هذا التقدم صعُب على الناس أن يؤمنوا بتلك الخرافة التي كانت تهيئ لفرد واحد أن يملكهم له ولأبنائه من بعده ملك السيد للعبيد.

•••

يقول بعض الباحثين — ومنهم الأستاذ ساروليا الذي ألقى محاضراته في هذا الموضوع على طلبة الجامعة المصرية — إن الحكم النيابي تراثٌ إنجليزي غير قابل للتعميم في الأمم الأخرى. ويضرب «ساروليا» المثل بالأمة الفرنسية التي لا تستقرُّ فيها الوزارات طويلًا لاختلاف الأحزاب وصعوبة التوفيق بينها إلى زمن طويل، ويعتبر ذلك الاختلاف من أعراض الحكم النيابي ومن الدلائل على أنه لا يصلح لكل أمة، ولو كان الحكم النيابي هو الذي خلق العصبيات الحزبية في فرنسا لكان قول الأستاذ وأمثاله صحيحًا في هذا المعنى وكانت فيه حجة من بعض الوجوه على الحكومة النيابية، ولكن الواقع أن العصبيات الحزبية لم تفتأ تمزِّق فرنسا كل ممزَّق في عهود حكامها المطلَقين، ولم يخلُ جيل واحد في تاريخها من فتنة على وراثة العرش أو فتنة على المذاهب الدينية أو فتنة على القحط والإفلاس أو نزاع بين التاج والنبلاء أو حروب تثار لإخفاء هذه المنازعات، حتى توطدت فيها الديمقراطية فانحصرت «العصبيات» في مناوشات الأحزاب وسكنت الثورات وبطلت المجاعات، ولم يمنعها اختلاف الأحزاب أن تتماسك بعد الحرب العظمى وأن تستفيد من سمعة الديمقراطية أنصارًا لا يُنكِر إفادَتَهم لها منكِر، وأن توسع مستعمراتها وقد كانت تفقدها في عهد الملوك الشموس، وأن تكون هي وزميلاتها المنتصرات عنوانًا لانتصار الحرية الشعبية وآيةً على أن حكومات الشعوب تحتمل من الصدمات ما لم تحتمله حكومات القياصرة والطغاة. فانكسرت الروسيا والنمسا وألمانيا وكان نصيبهن من التماسك بعد الحرب على قدر نصيبهن من الحرية والمشاركة في الشئون العامة بين الشعب والحكومة، وخرجت الأمم من تلك المحنة بعبرتها التي لا تضيع.

وقد فعل تراث الحكم النيابي فعله في إنجلترا كما فعل فعله في الأمة الفرنسية، فوقاها الثورات والخصومات الدامية وكانت وشيكة أن ترتطم فيها مرَّتين في القرن التاسع عشر عند الخلاف على تقسيم الدوائر الانتخابية وتعديل شروط الانتخاب، وهو في جوهره أشد من الخلاف الذي أفضى إلى الثورة الجائحة في عهد الاستبداد.

ومن النظريات التي أذاعها بعض المؤرخين — وفي طليعتهم فلندرس بتري العالم المشهور في الأثريات المصرية — أن الحكومة الشعبية كانت هي الدور الأخير من أدوار الدول في التاريخ القديم ولا سيما تواريخ الدول المصرية: يبدأ الدور بفاتح عظيم، ثم يضعف الفاتح العظيم فينازعه الحكمَ أفراد القادة الغالبون، ثم يضعف هؤلاء القادة ويستسلم أبناؤهم للترف والصغائر، فتثور عليهم العامة وتتولى الأمر الحكومة الشعبية، ثم يسطو عليهم مُغِيرٌ جديد فيبدأ الدور الأول كَرَّةً أخرى، وهكذا دواليك عصرًا بعد عصر في سجلات الفراعنة ومن جاورهم من المشارقة والمغاربة.

فإذا صح هذا فهو مختلف مما نحن فيه اليوم؛ لأن الحكومة الشعبية كانت في التاريخ القديم فترة منفردة تقع في إحدى الدول ثم لا تكون الدول المحيطة بها مجارية لها في تلك الفترة، بل ربما كانت في بداية الدور الأول — دور الفاتح العظيم — فتحدث الغارات من ثَمَّ وتتجدد الأدوار. أما اليوم فالحكومة الشعبية حركة عامة ومبدأ مشترك وليس بالفترة المنفردة ولا بالدور المقصور على بعض الحكومات!

لم تفشل الديمقراطية

لم تفشل الديمقراطية ولا ظهر إلى الآن من آثارها وعلاماتها إلا ما يدل على نجاحها وثباتها، وأنها ستكون أساسًا للحكم في المستقبل تُبنَى عليه قواعد الحكومات ويرجع إليه في إصلاح كل ما يحتاج منها إلى الإصلاح.

أما تلك الأسباب المصطنعة التي ألممنا بها، فأكثر من يتعلق بها ويعمل لترويجها هم أنصار الحكم المطلق والرجعة إلى الاستبداد القديم، وهم أقل الناس حقًّا في تجريح الديمقراطية بعد ما تبين من فشل حكمهم في بلاد كثيرة وأحوال مختلفة. فإذا بطل إيمان الناس بقداسة الديمقراطية — مجازًا أو حقًّا — فمن المقرَّر المقطوع به أنهم لا يرجعون إلى الإيمان بقداسة المستبدِّين وما يزيفونه من الدعاوى والجهالات، وإذا قيل إن الجماهير تنخدع للزعماء وتؤخَذ بالمظاهر وتُستمال إلى العقائد التي تُبَثُّ فيها بالإيحاء والتكرار، فهذه الأطوار لم تكن ملغاة في العصور الماضية ولا كان شأنها ضعيفًا في تصريف الأمم وقيادة الحكومات. وماذا كان يصنع المستبدون طوال العصور الماضية إلا أن يستعينوا على خداع الجماهير تارة بالخرافات والأوهام، وتارة بالمظاهر والوجاهات والألقاب والأسماء، وتارة أخرى بالعطايا والمواعيد، إلى سائر ما هو معروف من أساليبهم في تمويه الأعمال وإخفاء الحقائق والتحيُّل على الغرائز والشهوات. ولو أُحصِيت الحروب التي أريقت فيها دماء الألوف من المحاربين والمسالمين خداعًا للشعوب وتمليقًا لها، أو لو أُحصِيت الأرواح البريئة التي أزهقها أعداء الحرية والمعرفة، أو لو أحصيت الثورات والقلاقل التي شجرت بين الحكام والرعايا من أجل المظاهر والأسماء والمنازعات الصبيانية والدعاوى الفارغة، أو لو أحصيت الدسائس والجرائم التي انغمس فيها طلاب الحظوة وأعوان الطغيان؛ لكان في بعض ذلك شاهد على حقيقة من تنفعهم غفلة الجماهير ومن يضرهم انتباهها، وأن تلك الغفلة لم تَدُمْ كما دامت في عهود المستبدين، ولم تُفِدْ أحدًا كما أفادتهم، ولم يحذروا شيئًا قط كما حذروا يقظتها ولا رغبوا في شيء قط كما رغبوا في بقائها واستطالتها. وإنما الفرق بين الاستبداد والديمقراطية أن المجال يتَّسع في هذه لأقوال شتى تنكشف الحقيقة من بينها، ولكنه لا يتَّسع في عهد الاستبداد لكل قائل ولا يصعب فيه التواطؤ على الغش والكتمان.

ومن الأسباب المصطنعة أن نقد الديمقراطية يُرضِي غرور تلك الفئة التي تحب أن تتعالى عن «الشعبيات» لما في ذلك من الامتياز والادعاء، ويرسل على الديمقراطية ألسنة الثراثرة والفضوليين ومن لا ينظرون إلى عواقب الكلام.

ومنها أن المستبدين الطامعين في رجعة الحكم القديم يسعَون سعيهم سرًّا وجهرًا لتشويه كل نظام غير نظامهم وتأليب الناقمين على الحكم الحديث، ولا بد في كل حكم من راضين وناقمين.

ومنها أننا في زمن تتوالى فيه المخترعات ويسألون فيه أبدًا عن أحدث الآراء وأغرب الأخبار. فإذا مضت خمسون سنة على الناس وهم يمدحون الديمقراطية، فالذي يفاجئهم بعد ذلك بنقدها لا يعدم له سامعين بين طلاب الزيِّ الطريف في كل مجال.

فأنت ترى أن نقد الديمقراطية يصادف من العناية أضعاف ما تستوجبه الأسباب الحقيقية التي لا دخل فيها للوهم والغرض والفضول. وأما الأسباب الصناعية فما هي وما مبلغ ما تُجيزه؟ هي أشياء لا تجيز لأحد أن يحكم بفشل الديمقراطية ولا بأنها في طريق الفشل القريب.

على أننا إذا قدرنا أن السنة القديمة تتكرر اليوم كما تكررت في دولات الفراعنة وجيرانهم، فكل ما يُستخرج من هذه النظرية أن الحكم قد تعذَّر على الطغاة والقادة لعجزهم واضمحلالهم، فصار الأمر إلى الشعوب تحكم نفسها إلى حين. ويبقى علينا أن نسأل أنفسنا متعجبين: هل يعقل اليوم أن هذه الحرية الشعبية التي وصلنا إليها إن هي إلا فترة موقوتة جاء بها وباء عام أصاب الطغاة والنبلاء في مقدرتهم على الحكم دون الكافة والأوساط؟ وهل نعود بعد زوال هذا الوباء إلى عهد يكون فيه لنا طغاة مقدسون وملوك مستبدون عصيانُهم حرمان من ملكوت الله؟ لقد كانت الديمقراطية بالأمس حكومة الشعب وكان الشعب هو العامة. أما ديمقراطيتنا فليس نصيب العامة فيها إلا جزءًا من سلطان الأمة، وهي كل شامل يدخل فيه السوقة والسراة والأمراء.

•••

انتهى الفصلان من رسالة الحكم المطلق في القرن العشرين.

ويوم كُتِبَ هذان الفصلان كان هتلر يوالي دعوته ويوحي بكتابه الذي لم يكن يقرأه أحد، وكان بينه وبين ولاية الحكم أربع سنوات، وبين إضرام الحرب الحاضرة إحدى عشرة سنة، فإذا كان قد أقنع الناس بشيء في هذه الفترة فقد أقنعهم بخطر الاستبداد على العالم، وأراهم أن المستبد حيث كان إنما يُسَخِّرُ الحضارة في خدمة الهمجية، وإنما ينكص بالخاضعين له من قومه ومن الأقوام الأخرى أحقابًا إلى الوراء.

(٢) الفوارق بين الديمقراطية والنازية

في التقدم

إن النازيين يُنكرون التقدم ويدَّعون أن المضاهاة بين ماضي الإنسان وحاضره في عناصر الأخلاق تدل على الدوران في حيز واحد، ولا تدل على التقدم خطوة بعد خطوة، أو الارتقاء درجة فوق درجة.

وهذا بحث يطول ولا يُفضي بنا إلى طائل فيما نحن بصدده. فحسبنا أن التهذيب جائز مشاهَد في طبائع الحيوان، وأن تقدُّم الإنسان في علومه وصناعاته وآرائه محسوس لا يُخفي الفرق الشاسع بين حاضره وماضيه.

ولنضرب مثلًا واحدًا على إمكان التهذيب في طبائع الحيوان يغنينا عن أمثلة كثيرة، وهو مَثَل الكلب الذي كان في توحُّشه أخوف ما يُخاف على الأطفال والطير وصغار الغنم، فأصبح الآن حاميًا أمينًا لها يدفع عنها المخاوف ويرعاها وهو جائع محروم.

أما التقدم في علوم الإنسان وصناعاته وآرائه وأحواله المُلابِسة للعلوم والصناعات، فهو أظهر من أن يحتاج إلى تمثيل.

•••

ومقاييس التقدم كثيرة يقع فيها الاختلاف والاختلال، فإذا قسنا التقدم بالسعادة فقد تُتاح السعادة للحقير ويُحرَمها العظيم، وإذا قسناه بالغنى فقد يغني الجاهل ويَفتقر العالِم، وإذا قسناه بالعلم فقد تعلم الأمم المضمحلة الشائخة وتجهل الأمم الوثيقة الفتية.

إلا مقياسًا واحدًا لا يقع فيه الاختلاف والاختلال، وهو مقياس «المسئولية» واحتمال التبعة.

فإنك لا تضاهي بين رجلين أو أُمَّتَيْنِ إلا وجدت أن الأفضل منهما هو صاحب النصيب الأوفى من المسئولية، وصاحب القدرة الراجحة على النهوض بتبعاته والاضطلاع بحقوقه وواجباته.

ولا اختلاف في هذا المقياس كلما قِسْتَ به الفارق بين الطفل القاصر والرجل الرشيد، أو بين الهمجي والمدني، أو بين المجنون والعاقل، أو بين الجاهل والعالم، أو بين العبد والسيد، أو بين العاجز والقادر، أو بين كل مفضول وكل فاضل على اختلاف أوجه التفضيل.

فاحتمال التبعات هو مناط التقدم المستطاع.

والنازية تهدِم هذا الخلق من أساسه؛ لأنها تقضي على الحرية والتصرُّف والاختيار، وليس من المعقول أن تحاسب إنسانًا على التبِعات وهو مسلوب الحرية مأمور، فيما يأخذ وفيما يدع، من مطالب عيشه وواجباته نحو قومه.

وقد ركدت القرائح في ألمانيا منذ تولَّاها النازيون، فلم يظهر فيها نابغة في العلم والفن والحكمة، ولم يؤثَر عنها ابتكار مفيد في الثقافة العالية، هذا وهي الأمة التي امتلأ تاريخُها بأعلام الأدب والبحث والاختراع.

ولقد شكا هذا الركود وزراؤهم وقادتهم وكرَّروا الشكوى مرات، فكتب الدكتور سيروب Syrup رئيس مصلحة العمل في شهر مارس من سنة ١٩٣٨ يقول: «إن الجيل الجديد من رجال العلم ناقص في جامعاتنا. ولا شك أن بناء الدولة والثروة معًا يستلزم وشيكًا أن ينشأ المهندسون والكيميون وعلماء طبقات الأرض والطبيعيون والأطباء.»

وربما خطر لبعضهم أن النازيين لا يكترثون لذلك النقص ما استطاعوا إخراج الضباط والجنود وتزويدهم بالسلاح.

ولكن الواقع غير ذلك؛ فإن التعليم لازمٌ اليوم للضباط والجنود لزومه للمهندسين والصناع. وقد كتب الماجور التوماس في صحيفة فرانكفورتر زيتنع يقول: «إن الأستاذ زيميك Zemeck مدير المتحف الجرماني في ميونيخ قد أشار في آخر اجتماع لمكتب الريخ الاقتصادي إشارةً خاصة إلى هبوط طبقة التعليم العالي بين الناشئة الألمانية، ولا مناص لي من موافقته في رأيه؛ إذ الخطر عظيم فيما أرى على قوة دفاعنا إذا انحصر نطاق التربية الذهنية وضاق أفق التفكير، من جراء فرط الاهتمام بالتربية البدنية.

ومتى بلغ بالأمر أن يلحظه قادة الفرَق والألوية في جنودهم المدعوين للخدمة، فمما لا جدال فيه أنه يدل على ضعف ماثل في نظام تعليمنا الآن.»

وقد تخرَّج من المدارس العليا في سنة ١٩٣٧ ثمانية عشر ألف طالب، فالتحق منهم عشرة آلاف بخدمة الجيش وانقطعوا عن حياة الدرس والاستبحار في العلوم١ ولم يظهر أن الآخرين وجدوا متَّسَعًا لهم في هذه الحياة.

•••

وسواء شكا القادة النازيون أو لم يشكوا ذلك النقص المطَّرِد فهو نقص لا يستغرب من جيل مفتون بالمواكب والصفوف، مشغول بالثكنة والطريق عن المكتبة والمعمل، مشغوف بما يُرضي الحواس الحيوانية دون ما يرضي الفكر والروح.

ومتى نظرنا إلى المبادئ التي يقوم عليها بنيان النازية لم نجِد بينها مبدأ واحدًا يستدعي التقدم وراء آداب الحيوان.

فالطاعة العمياء هي طاعة السرب والقطيع، وحركة الصفوف هي حركة الطيور والنمال، والزعامة «الغريزية» أعرق في الحيوانية من زعامة الارتياد والاختيار، بل حتى التضحية العمياء لها مرجع إلى غريزة الحيوان، وليست هي من فضائل البصيرة والضمير.

وما من عبث ولا مصادفة كان تقدم العلوم والصناعات في العصر الحديث أعظم وأوسع من تقدمها في جميع العصور.

فمنذ نشأت الديمقراطية نشأت حرية البحث وحرية الكشف وحرية الابتداع. ولا عجب أن يخترع الناس في مائة وخمسين سنة أضعاف ما اخترعوه في مائة وخمسين ألف سنة؛ لأن الاختراع وليد التصرُّف والاختيار، وهما نبات يزكو في عهد الحرية ولا يزكو في عهود القسر والتسخير.

الأخلاق

والأخلاق «أولًا» لا تُفهم بمعزِل عن المشيئة والاختيار، فإننا لا نعرف آلة ذات خُلُق. وإنما تبدأ الأخلاق حين يبدأ الإدراك والتكليف.

وأنت تستطيع أن تقيم على ابنك حارسًا يلازمه فلا ينسى واجبًا ولا يهم برذيلة، ولكنك لا تربيه بهذه الحراسة، ولا تجعل له رُوحًا ولا تمييزًا كتمييز العقلاء بين ما ينتهي عنه وما ينتحيه.

وكذلك تُرَبَّى الأمة هذه التربية فلا تنتفع بما رُبِّيَتْ فيها من عادة التسليم والاستسلام، بل تُقْتَلُ فيها فضيلة الاستقلال وتُهَيِّئُهَا للذل والخنوع، وربما كان ذلها وهي تشكو السيد وتثلبه أشرف لها وأجدى عليها من الذل لسيد تهتف له وتحييه.

وكثيرًا ما نسمع التشهير والتجريس بالفضائح أو الرشاوى التي تنكشف في الأمم الديمقراطية ويتَّخذها المستبدُّون دليلًا على فساد أصيل في النظام الديمقراطي والحكام الديمقراطيين.

ويحق لأبواق الاستبداد أن تُطنِب في ذلك التشهير وذلك التجريس لو كانت الرشاوى والسرقات تمتنع في دولة المستبدين ولا تحدث إلا في دولة الديمقراطيين؛ بيد أن الواقع الذي لا جِدَال فيه أن سرقات الطغاة المستبدين في جيل واحد تربى على سرقات الديمقراطيين في جميع الأجيال.

وإنما يجسر الناس على اتِّهَام السارق في عهد الحرية ولا يجسُرون على اتهامه في عهود الطغاة، أو يجسُر منهم من لا يبالي بالمصير فيلقى جزاءه من حيث ينجو السارق بما سرق، وذلك أحرى أن يُحسَب للديمقراطية من المزايا ولا يحسب عليها من العيوب.

وما يزعم أحدٌ أن «النظام الديمقراطي» يقتلع الرذائل من الطبائع البشرية ويتركها وليس فيها إلا الفضائل والحسنات.

فهذا ما ليس يزعُمه زاعم في نظام من أنظمة الحكم كيفما كان، وغاية ما هنالك أن الديمقراطية تكشف رذائل الحكام ولا تحميها كما تحميها سطوة المستبدين، وهذا وحده غنيمة جديرة بالذَّبِّ عنها والحرص عليها.

على أن الأموال التي أنفقها هتلر في تشييد قصوره السحرية وتنظيم حراسته الشخصية، والأموال التي فرضها على كل قارئ ألماني ثمنًا لكتابه تارة وثمنًا لصحفه تارة أخرى، لتبلغن أضعاف ما اختلس حاكم ديمقراطي أو عدة حُكَّامٍ ديمقراطيين في عمر طويل، وهو مع ذلك معدود في عُرْفِهِم من أمثلة النزاهة والعفاف!

ولا يخفى أن الحرية ليست بأرخص من المال، وأن جميع الحكام المستبدين يسلبون الحرية، وليس جميع الحكام الديمقراطيين يسلبون الأموال.

كذلك لا يخفى أن القتل جريمة أقبح من السرقة وأوبل منها، وهو شيء يقترفه الحاكم المستبد حيث شاء.

قُتِلَ في ألمانيا ألوف من الناس ولم تحفل الحكومة بإثبات الذنب على واحد منهم ولو بعد نفاذ العقاب، مع سهولة الإثبات لمن يقبض على أَعِنَّةِ الدواوين بغير رقيب.

وإنما رخُصت الأرواح وشاعت الغفلة فأمكن هذا حيث يحسبون اختلاس الأموال من المستحيلات.

ومنذ خمس سنوات قُتِلَ المستشار النمسوي دلفوس، فكتب النازيون يومئذٍ يقولون إنه شهيد الماركسيين، وقال فون پاپن سفيرهم في فينيا: «إن حكومة الريخ تنعى الجريمة وتأسف لوقوعها.»

وما هو إلا أن سقطت النمسا في أيدي النازيين حتى احتفلوا بتكريم ذكرى القتلى وقام رودلف هس ينادي علانية: «بأننا نذكرهم في اليوم الذي سيق فيه هؤلاء الثلاثة عشر من نخبة الزملاء إلى الموت المهين على المشانق الزرية، وإن أطيافهم لتمشي في مقدمة الصفوف حيث مشت في الدنيا جموع النازيين.»

فهذا العدوان الوضيع على حياة رجل لا ذنب له عندهم إلا الأمانة لاستقلال بلاده، وهذا الرياء القبيح في إنكار الجريمة ثم الإشادة بفاعليها، وهذه الرذائل التي تتكرر في حبس شوشنيج والتنكيل بأمثاله من رؤساء الأمم المغلوبة، من الذي قال إنها دون السرقة في شناعتها ووصمة عارها؟ ومنذ متى كان للمستبدين حق الصولة على الضمير الإنساني فلا يأنف إلا ممَّا يريدونه على الأنفة منه، ولا يثني على الخلق الجميل إلا إذا أمروه بالثناء؟

إن فساد الأخلاق في حكومات الاستبداد لمِمَّا يمكن إثباته بالأرقام؛ ففي ألمانيا النازية مئات الألوف من الجواسيس والرقباء، وكل جاسوس من هؤلاء فهو رمز للرياء والجبن والخوف وإهدار الحقوق، وإلى جانب هذا الجيش من الجواسيس والرقباء جيش مثله من الدعاة والمقرِّظين عملهم في الحياة أن يكذبوا على أبناء وطنهم ويخدعوهم بالباطل والنفاق. وكل هذا … كل هذا لا يساوي فضائح ستافسكي وأمثالها من عيوب الحكومات الديمقراطية! شاهت العقول إن كان هذا حكمها على الأخلاق، فكيف وفضائح ستافسكي شائعة مع رذائل التجسس والدعوة الكاذبة لا يحجبها إلا الجبن والتهديد؟

وأبشع من هذا أنهم يمسخون الأذواق فيسوِّلون لها أن تستمرئ هذه الرذائل كأنها حسنات وطيبات. فمن الأمثلة التي ينصبونها للإعجاب مثل الابن الذي يشي بأبيه وأولياء أمره ويتجسس عليهم لرؤسائه النازيين، فيشوبون هذا المعين الطاهر — معين الحنان والإخلاص — بشائبة مسمَّمة لا تُبقي في النفس الإنسانية على موضع للأمان.

•••

ثم تسري ظلمات هذه الأخلاق المنكوسة إلى دخائل العقول فتغشِّي عليها بظلمات فوق ظلمات؛ لأن العقل الذي يتعوَّد أن يرى للمسألة وجهًا واحدًا لا وجه غيره يتعطل فيه التفكير ولا يفهم حجة الآخرين، ثم يتعود أن يتلقى الأفكار كما تصاغ له لا كما يصوغها هو بعد تقليبها على جميع الفروض والاحتمالات. ولا يقتصر هذا العيب الفادح على المحكومين، بل يسبقهم إلى الحاكمين الذين لا يسمعون اعتراضًا ولا يصبرون على اعتراض. ومن جرائر ذلك ولا شك أنهم يتعنتون فلا يديرون أسماعهم إلى حجج خصومهم، ولا يعرفون من حل المشكلات إلا أن يقمعوا المعارضين في أوطانهم ويشهروا السلاح على سائر الأوطان.

حل المشكلات

وعلى ذكر المشكلات وحلِّها نقول إن الآخذين بالظواهر يتوهمون أن النُّظُم «الديكتاتورية» أصلح النظم الحكومية لعلاج المشكلات العويصة وحل العقد المؤرَّبة في زمن وجيز.

وهذا صحيح إذا نحن أخذنا بالظواهر ولم نتعقب الحلول والعلاجات إلى جرائرها المحتومة ونهاياتها التي لا محيد عنها.

أما إذا نحن تجاوزنا الظواهر إلى ما وراءها، فالنظم الديكتاتورية في الواقع تداري المشكلات ولا تمحوها، أو هي في أكثر الأوقات تحل مشكلة واحدة وتخلق إلى جانبها مشكلات عديدة، كما فعلت في مشكلة البطالة.

قيل لكاتب إنجليزي: لا بطالة في ألمانيا!

قال: نعم. ولا في سجن دارتمور!

ومعنى ذلك أن علاج البطالة على الطريقة الألمانية النازية مستطاع في كل مكان يرضى سكانه أن يعيشوا في بلادهم عيشة السجناء في دارتمور.

وجلية الأمر أن النازيين عالجوا البطالة «بتشغيل» العاطلين جنودًا في الجيش، ورقباء في ديوان الجاسوسية، وعمالًا في مصانع السلاح والذخيرة، ونزلاء في معسكرات الاعتقال، وأُجَراء بأنصاف أجور وأرباع أجور.

وكل علاج من هذه العلاجات يؤدي إلى كارثة مطبِقة تهون إلى جانبها كارثة البطالة.

لأن استنفاد ثروة الأمة في المدافع والدبابات وما إليها يضيِّع المال بغير عوض ويؤدي إلى رخص العملة وضعف القدرة على الشراء؛ فما يُشترى في هذه الحالة بعشرة قروش لا يساوي ما يُشترى في الأحوال الطبيعية بقرشين.

ولأن إنفاق الملايين على السلاح يُلجئ الحكومة إلى إرهاق الرعية من أصحاب الأموال والموظَّفين والعمال بالضرائب الثقيلة والخصوم المتعدِّدة بأسماء شتى. فيحسَب الأجر على صاحبه خمسة قروش مثلًا وهو لا يقبض منه أكثر من ثلث ما حسبوه.

ولأن «تشغيل» المصانع بالسلاح والذخيرة لا بد أن يقف أو يدوم، فإن وقف فهناك صدمة الركود المفاجئ وكارثة البطالة من جديد، وإن دام فهناك دوام الكساد ورخص العملة وضرورة البحث عن مصرف للسلاح في القتال والتخريب.

وليس في وسع حكومة أن تخلق جو الحرب بتجييش الجيوش وتكديس السلاح وتهييج الخواطر وتجويع الناس دون أن تصطدم بالحرب طائعة أو كارهة، ومحتاجةً إليها أو زاهدة فيها، فهي أسيرة مُسخَّرة وليست بحرة قادرة على التدبير والتقدير، وهي كالدابة المسحوبة من لجامها إلى حيث تشاء أو لا تشاء، وليست كالرجل الذي يضع قدميه حيث تبصر عيناه.

•••

ومثل آخر: مشكلة التجارة.

فالنازيون يحلُّون هذه المشكلة بالترقيع والتلفيق والخداع والاحتيال، فلا يلبثون قليلًا حتى يجدوا أنفسهم بين ضرورات القوة العمياء.

يعرضون على الأمم أسعارًا أكبر من الأسعار التي تبيع بها محصولاتها الزراعية، ثم يعرضون عليها مصنوعات حربية بأرخص من أثمانها في البلاد الأخرى، مقايضةً ومبادلة؛ لأنهم لا يشترون بالنقد الحاضر.

ثم يبيعون المحصولات الزراعية بأقل من الأسعار التي اشتروها بها، ويماطلون في تسليم المصنوعات بدلًا منها، ليرفعوا أثمانها.

ولما كانت الأمم التي تعاملهم مضطرة إلى استيفاء ديونها فهي تعود فتقبل كل ثمن، كما يقبل الدائن كل ما يستطيع الوصول إليه من أمتعة المدين المماطل.

وتمضي فترة وجيزة فتعلم الأمم التي تعاملهم أنها خسرت عملاءها؛ لأن عملاءها يشترون محصولاتها من النازيين بأرخص من الأثمان التي تباع بها في أسواقها الوطنية.

وهنا يرى النازيون أنهم مستهدفون لقطع المعاملات، عاجزون عن إطالتها والاستمرار عليها بغير التهديد والإرهاب، والقتال كَرَّةً أخرى.

هذه أمثلة من «العلاجات» النازية.

وهي أشبه بعلاج الشعوذة والطلاسم منها بعلاج الطب والجراحة العلمية.

والمشعوذ قد يخدع مريضه فترة من الزمن ويقنعه أنه خير له من الطبيب وخير من الجرَّاح!

والطبيب أو الجراح قد يفشلان في بعض الأمراض، ويبدو للمريض أنه أخطأ في الركون إليهما وقلة الركون إلى السحرة والمشعوذين.

ولكن الطب طب والشعوذة شعوذة على كل حال.

ومتى عرف الطب علاجه فذلك هو العلاج الصحيح الذي يُقاس عليه ويُطْمَأَنَّ إليه.

أما إذا بقي العلاج الطبي مجهولًا فليس ذلك بحجة على صلاح الشعوذة والتدجيل، ولو نجحا إلى حين.

وهذه مشكلة البطالة مثلًا في البلاد الديمقراطية؛ فإن هذه البلاد لم تحسم داءها حتى الساعة، ولا تزال تعالجها بالإعانات تارة وإنشاء أعمال الإصلاح والتعمير تارة أخرى، إلى ما شابه ذلك من المسكِّنات والملطِّفات. ولكنها مسكنات الطب وليست بمسكنات الشعوذة، ثم هي حيرة سليمة المَغَبَّة، وليست بدواء كاذب يخلق إلى جانبه عدة أو دواء.

ومن الواضح أن مشكلة كمشكلة البطالة التي ترجع إلى أسبابها العالمية لن يتأتى أن تحلها أمة واحدة في داخل حدودها، ولن تعالَج يومًا بمعزِل عن علاج الكساد العالمي واختلال المبادلات التجارية.

فإذا شعرت الأمم بهذه الضرورة ودفعها الشعور بها إلى ابتغاء الوسيلة الناجعة بالتعاون فيما بينها، فذلك خيرٌ للعالم وخيرٌ لكل أمة على حدة من الجرعة القاتلة التي تودي بالعليل والصحيح.

ومتى رأى الطبيب من واجبه أن يترك بنية المريض تعمل عملها وتدبر مقاومتها فعليه أن يظل طبيبًا يفعل ما يوحيه إليه طبه، وليس عليه أن يلبَس للناس لبوس المشعوذ الدجال.

النظام

والنظام هو «فخر» النازيين لأنهم يعيبون على الديمقراطية اختلاف الآراء وصعوبة الاتفاق على قرار، وبطء الإنجاز بعد الاتفاق عليه.

والقول الصواب هنا أن نقارن بين أحسن الديكتاتوريات وأحسن الديمقراطيات، كما نقارن بين أسوأ الحكومات من الجانبين؛ فلا نفرض النظام الديكتاتوري كما يكون في «مثله الأعلى» ونفرض النظام الديمقراطي كما يكون في أقبح الأشكال والأوضاع.

وممَّا لا شك فيه بعد هذه المقارنة أن أفضل حكومة ديمقراطية خير من أفضل حكومة ديكتاتورية، وأن الديكتاتور الرديء شر من الديمقراطية الرديئة على أسوأ ما تكون.

والنظام بغير «انتظام» نقيضةٌ لا يقبلها العقل المستقيم؛ فما هي وسيلة انتظام الديكتاتورية حاكمًا معصومًا بعد حاكم معصوم، وخَلَفًا صالحًا بعد سلف صالح؟

لا وسيلة على الإطلاق.

ولكن الديمقراطية الصالحة تعقُبُها ديمقراطية صالحة إن لم تكن أصلح منها؛ لأن مرجع صلاحها إلى الشعب قبل حاكميه.

أما إذا كان الفساد من الشعب نفسه فهو فاسد مع الشورى وفاسد مع الاستبداد، وقد يكون المستبد غبيًّا سفاحًا كما يكون الحكام الديمقراطيون عَجَزَةً أو مختلسين.

وما الحيلة في فساد المستبدِّ الجائر، وكيف السبيل إلى تبديل حكمه؟ لا سبيل غير الثورة والفوضى.

أما الديمقراطية فباب التبديل فيها مفتوح بغير ثورات وبغير سفك دماء.

على أن الحاكم المستبِدَّ إنما يصلح من جانب ويفسد من جوانب شتى، فيعطي الأمة نظامًا إن أعطاها، ويسلب منها حرية الرأي وكرامة الاستقلال والإرادة حيثما ظهر وكيفما كان.

والديمقراطية بعدُ لا تعيى بالمواقف العصبية التي لا بد فيها من إطلاق أيدي الحاكمين؛ لأنها تطلق أيدي الحاكمين في هذه المواقف بنظام مقرَّر معروف، ليس كله استبدادًا لأن أساسه تفويض الأمة، وليس كله حرية لأن الحرية فيه محدودة حيث تقام لها الحدود، وربما تعلمت من سرعة العمل في أيام الحروب دروسًا تنفعها أيام السلام، فتأتي السرعة من طريق التعليم والتعوُّد لا من طريق الإرغام والإلزام.

ففي الديمقراطية «احتياط» لأحوال الاستبداد، وليس في الاستبداد احتياط لأحوال الديمقراطية؛ إذ هو استثناء دائم، ولن لا يجري إلا على حكم الاستثناء.

وربما كان للاستبداد — إذا صلح — بعض حسنات المستشفى الذي يضمن النازلون به نظافة الطعام وجودة الهواء وانتظام المواعيد بأعيُن الأطباء. فإذا استشرى فساده فهو حبس كحبس الحجاج لا حرية فيه ولا ظل ولا طعام.

أما الديمقراطية فهي بيتك الذي تعيش فيه وفق مرادك، إذا صلح فهو خير من المستشفى، وإذا فسد فهو خير من حبس الحجاج. والناس مخلوقون للعيش في البيوت لا في المستشفيات والسجون.

الصحة

ونحن نذكر المستشفى على سبيل المجاز والتمثيل ولا نعني أن الصحة تتوافر لرعايا الحكومات المستبدة كما تتوافر في المستشفيات.

فمن غير المعقول أن حكوماتٍ تجور على أقوات رعاياها وتعتمد على نظام الجرايات في أوقات السِّلم لتنفق على السلاح والذخيرة تستطيع أن تكفل التغذية النافعة لأولئك الرعايا المحرومين. وكل حكومة تتخذ شعارها «العدة ولا الزبدة» كما تفعل الحكومة النازية، فليس في وسعها أن توفِّق بين نقص الأرزاق وتصحيح الأجسام.

وقد تُعجب الناظر مواكب الألعاب الرياضية ومعارض الجيوش، فيخالها عنوان الصحة الحسنة والأرزاق المكفولة لسواد الأمة، ولكنه لا ينظر إلى ما وراء ذلك نظرة قريبة حتى يتبيَّن مكامن الداء ويعرف الثمن القاصم الذي اشتُريت به هذه المشاهد الجوفاء: موكب زمر وطبل واحد وراءه ألف أسرة تحرم الغذاء والكساء. ولولا هذا التمويه الفاشل لوجدت منهما الكفاية وفوق الكفاية.

ويقترن نقص الأرزاق بنقص الرعاية الطبية، لانصراف الأطباء إلى ملازمة الفرق العسكرية، أو لانصراف الشُّبَّان عن دراسة الطب والاستبحار في العلوم، فتقل الرعاية الطبية وهي أحرى ما تكون بالمزيد، لازدياد حاجة الناس إليها من جراء سوء التغذية وضعف الوقاية.

وفي كتاب الدكتور مارتن جمپرت الألماني المسمى «يحيى الجوع»٢ بيانات وإحصاءات مستمدة من مصادر النازي الرسمية تدل على مبلغ انتشار الأمراض والعلل بين الناشئة الألمانية من أثر المبدأ القائل: «العدة ولا الزبدة»، أو دعوا السمن واصنعوا المدفع Guns before Butter.

فإصابات الحمى القرمزية في سنة ١٩٣٣ كانت ٧٩٨٣٠ فأصبحت ١١٧٥٤٤ بعد أربع سنوات.

وإصابات الدفتيريا في سنة ١٩٣٣ كانت ٧٧٣٤٠ فأصبحت ١٤٦٧٣٣ بعد أربع سنوات.

وفي دورتمند خمسة وخمسون في المائة من الأطفال مصابون بلين العظام، ولا يزيد عدد الأطفال المُعافِين من أعراضه في ميونيخ على خمسة وثلاثين في الألف؟

وجاء في التقرير الطبي عن الجامعات سنة ١٩٣٩: «إن مقابلة الأحوال في السنوات الأربع الماضية تدل على هبوط في مستوى الصحة بين الشبان؛ فإن زيادة المصابين بمرض القلب في السنة الماضية مزعجة غاية الإزعاج … وعدد الطلاب الذين لا يصلحون للانتظام في سلك الفرق الرياضية قد تَضاعَف في السنتين الماضيتين، وكان عدد الطلاب الذين لا يقدرون على المشقات البدنية في سنة ١٩٣٥ أقل من عشرين في المائة، فأوشك أن يبلغ الخمسين في المائة الآن.»

وانتشار الأمراض بين العمال أكثر وأعضل. وقد حَرَّمت الأمم تشغيل الأطفال في بعض المعامل إلا ألمانيا النازية؛ فإنها — لحاجتها إلى الصناع بالأجر القليل — قد أوجبت على الأطفال أن يعملوا من العاشرة، وارتفعت نسبة الناشئين الذين يعملون في وادي الرور بين الرابعة عشرة والعشرين من ٨٥٥ في كل عشرة آلاف (سنة ١٩٣٢) إلى ١٧٧٨ بعد ذلك بخمس سنوات.

ويشيع النازيون أنهم يروِّضون الناشئين على فرح القوة والفرح بالحياة. ولكن المقارنة بين حوادث الانتحار في ألمانيا وحوادث الانتحار في البلدان الأوروبية الأخرى لا تُنبِئُ عن فرح بالحياة بل فرح بالموت؛ فإن عدد المنتحرين في ألمانيا وحدها يكاد يساوي عددهم في أرجاء القارة الأوروبية بأجمعها.

وكذلك زاد عدد الموتى ثمانين ألفًا كل سنة في ألمانيا الجديدة، وكان معظم الزيادة في الأعمار ما بين الأولى والخامسة عشرة، وما بين العشرين والخامسة والأربعين، أي في سن الطفولة وسن الشباب، سن الفرح بالحياة.

وهذه نتيجة بَدَهِيَّةٌ لا غرابة فيها مع نقص التغذية وإرهاق الأجسام بالعمل وكبت النفوس واستفراز الأعصاب.

التربية

وتربية العقول أَضَرُّ في ظل النازيين من تربية الأجسام.

لأنهم يتعمدون تعويج الرءوس ويجرِّدونها من مَلَكة التفكير المستقيم، فلا ترى الدنيا على حقيقتها بل تراها كما تحب الحكومة أن يروها ويثابروا على رؤيتها، يصبغون التاريخ والجغرافيا للطفل بالصِّبغة التي تساعدهم على ترويضه واقتياده، ويغرسون فيه الأحقاد التي يضرمونها بالغضب والشر كلما أحبوا أن يضرموها، ويخلقون له وجودًا عجيبًا لا مجد فيه ولا حق ولا فضيلة لغير الآريين المزعومين، ويُفقدونه الملكة الصحيحة التي يختبر بها حقائق الأمم والرجال، فلا يرى الأشياء ولا يتصور المعاني إلا بعد تحريفها وتشويهها كما ترى الأشباح في المرايا المعقوفة، واطِّرادها أمامه على نسق واحد لا ينفي أنه زائغ مضلِّل وأن تفكيره وشيك أن يخونه متى لمح شعاعًا واحدًا من الضوء في عالم الرؤية القويمة والنظر السليم.

ويستولون على الطفل من السادسة فيقلِّدُونه خنجرًا صغيرًا ويطبعونه على الشر والنقمة يسمونها المجد والنخوة الآرية، ويخيل إليهم أنهم بهذا وأشباهه يقرعون الدنيا بجيل مشاكس متنمر لا حيلة لها فيه إلا أن تستكين له أو تقضي على كل قوة في يديه. وذلك في وهمهم مستحيل لشيخوخة الدنيا واضمحلالها، وآية الشيخوخة والاضمحلال عندهم أن الدنيا لا تألف الضراوة بالشر ولا تتغنى بالقتل والقتال.

فتلاميذهم على غرار تلاميذ الحسن بن الصباح الذي كان يخيل إلى أتباعه أنهم في نعيم مقيم ما داموا في طاعته ورضاه، وإنما يقود تلاميذه بتخدير الحشيش وهم يقودونهم بما يشبه الحشيش من الأوهام والأضاليل.

وهؤلاء التلاميذ هم الذين يترنمون بصيحتهم على الحرية: «أيتها الحرية! إنني أبصق على وجهك!» وكلمة «أبصق» هي ألطف تعبير لما يقولون في ذلك النشيد.

البيئة

ولعل الفاصل المبين بين الديمقراطية والنازية هو فاصل البيئة التي تعيش فيها كل منهما.

فليس أدل على سلامة الديمقراطية من أن قيامها في الأمة دليل على مزايا كثيرة في تلك الأمة، أو دليل على أن الأمة في معيشة طيبة ومعاملة حسنة، وأنها ذات أخلاق لا ضرر من إطلاق الحرية لأصحابها، وأطوار لا تعدو طوقها ولا تستعصي عليها.

وليس أدل على وخامة الديكتاتورية من أن قيامها في الأمة دليل على شذوذ في معيشتها أو على خوف من بعض الأخطار المُحدِقة بكيانها، كما يعترف الحاكمون بأمرهم كلما أعوزهم أن يُسوِّغوا قيامهم في شعب من الشعوب.

فالبيئة الديمقراطية كالأرض الآمنة القريرة، والبيئة الديكتاتورية كالمحجر الصحي أو كالمخفر الذي لا يُعاشُ فيه بغير رقابة وتضييق.

ولم يعرف التاريخ قَطُّ أن ديمقراطية حاربت ديمقراطية على مبادئها، وإنما تتحارب مثلًا حكومة اسبرطة العسكرية وحكومة أثينا الدستورية، أو تتحارب ولايات الشمال في أمريكا وولايات الجنوب؛ لأن الشمال يطلب الحرية للسود والجنوب يطلب لهم التسخير والاستعباد.

أو يتحارب نابليون بونابرت وبريطانيا العظمى، أو بسمارك ونابليون الثالث، أو اليابان وروسيا القياصرة.

وحتمٌ على النازية وما شاكلها أن تكون بيئة حرب تنفر من السلم كما تنفر البنية من السم الذي يتلفها ويقضي عليها؛ فإن «الزعيم» لا يخدع الناس عن عقولهم وحرياتهم إلا بما يزلفه لهم من بواعث الهياج وسَوْرَة الشعور وشهوة البغضاء وتعاقب الحوادث بالضجة والصليل؛ فإن لم يتعهدهم بهذه المثيرات فتر عندهم وباخ وآذن نجمه بالأفول.

وهو مع هذا يتعاظمهم بروعة التقديس والتأليه ومظهر القدرة التي تأمر فتطاع، وتريد فلا يحال بينها وبين ما تريد. فإن وقف بين جيرانه ونظرائه موقف المساوم الذي يأخذ ويُعطي ويتقدم ويتراجع، صغُر في أعينهم وضاع بينهم وأوشكوا أن ينقلبوا عليه وينتقموا لذلتهم الماضية ممَّا أسبغوا عليه من الهول والتهويل. فهو يشل يديه عن عمل الساسة كل يوم يلبس فيه هالة التقديس والتأليه؛ فإما أن يرسل الصواعق من سماء جو بيتير، وإما أن يهبط إلى الأرض مع الهابطين.

فسلام الدنيا إذا حكمتها الديمقراطية مفهومٌ لأنها تقوم على التفاهم ولا تحصر الرأي في يدي إنسان واحد. ولكنه غير مفهوم والدنيا تحكمها الديكتاتورية، بل غير مفهوم وفي الدنيا ديكتاتورية واحدة على مذهب التقديس والتأليه، تفتأ من يوم طهورها تقعقع بسلاح العدوان وتنشئ أبناءها على تمجيده واصطفائه دون سائر الخطط وسائر الحلول.

•••

ومن الملائم أن نستحضر في أخلادنا قبل ختام هذه المقارنة أن تفضيلنا الديموقراطية يؤدِّي إلى تعميمها في كل أمة، وأن تفضيلنا النازية أو الديكتاتورية لا يؤدي إلى مثل هذا التعميم؛ لأن النازيين يعتبرون مذهبهم مَزِيَّةً جنسية يستأهلها صفوة الخلق من أبناء الشمال ولا يستأهلها الجنوبيون ولا المغلوبون، وآخر ما يفكرون فيه إذا انتصروا أن يتركوا الشعوب الصغيرة للمستبدين من عشيرتها، والزعماء المقدسين من أبناء جلدتها، ولكنهم يدينونها بشريعة العسف التي لا تؤمن بتقديس ولا بحق مصون لحاكم أو محكوم من الضعفاء.

ويَحْسُنُ بنا كذلك أن نستحضر في أخلادنا أن الديمقراطية لم تنتهِ من التطوُّر ولم تتحجر على وضعها الذي هي عليه في هذه الأيام؛ فهي نظام يتقدم مع تقدم الشعوب، وتزول نقائصه كلما زالت نقائص الناس، ولا أمل من الناحية الأخرى في ارتقاء الديكتاتورية طبقة بعد طبقة وسيدًا بعد سيد؛ لأنها راجعة إلى القفزات والنوادر، منوطة بالآحاد المتفرقين، معرضة للهدم والتخريب بعد كل بناء وتعمير.

قال الإمام الشيخ محمد عبده: «لا يصلح الشرق إلا بمستبد عادل.»

نعم. ولم يفسد الشرق إلا بالمستبدين الظالمين، ولم ينهض نهضته المرجوَّةَ في القرن العشرين إلا بنفحة من الحرية الديمقراطية سَرَت إليه. وقد جرب حَظَّهُ في الاستبداد طويلًا فليجرب حظه في الحرية، وليجعلها اليوم قضيته الكبرى، فهي في الحق قضيته التي ينتصر فيها فينجو من ظلم أبنائه وظلم الغرباء.

figure
أوتو شتراسر.
١  هتلر وألمانيا، لمؤلفه هنريخ هاوزر Hitler Versus Germany.
٢  Heil Hunger by Dr Martin Gumpert.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١