الفصل الخامس

قضية الغد

ولعلها كانت أحجى أن تكون قضية أمس أو أمس الأول، لو كانت «السياسة» تمشي في طليعة الشعوب ولم تكن تمشي وراءها بخطوات.

وقد قيل إن الساسة يتخلَّفون عن عصورهم ثلاثين سنة لأنهم يقتبِسون أفكارهم الحديثة في زمنٍ ويتولَّوْنَ الحكم في زمن آخر، ولأنهم يلبَثُونَ إلى أن يَمُرَّ «الصَّفُّ الأخير» من «محافظي الشعوب» ثم يمروا وراءه ليجتنبوا مشقة الابتداء والاقتحام، ويأمنوا مغبَّة «الرجة الثورية» التي تصاحب دعوات الإصلاح.

وليتها ثلاثون سنة!

فإنها على ما نرى مائة أو مائة وخمسون، وكأننا لا نزال الآن في أوائل القرن التاسع عشر من حيث سياسة العالم وفض المشكلات بين الشعوب والحكومات.

ماذا كان يحدث لو أن الدول جميعًا — كبيرها وصغيرها — أجمعت على إنذار هتلر بالحرب لو أنه رفض خطة التفاهم في المشكلة البولونية وأبى إلا خطة الإرغام؟

كان ينثني عن الحرب ولا جدال.

وكانت كل دولة من هذه الدول تخدم مصلحتها هي قبل أن تخدم مصلحة العالم؛ لأن خمس دول على الأقل كانت تأمن على حوزتها من غارة هتلر، وإن كانت بولونيا وحدها هي التي انفردت بالتهديد في بداية النزاع.

فلماذا لم تصنع الدول ذلك؟

لم تصنعه لأنها تعمل في السياسة الدولية كما كانوا يعملون قبل مائة سنة، وهم يومئذٍ على صواب.

فبعد الحروب الدينية والحروب التي نشبت بين الأسر المالكة من جرَّاء الخلاف على الوراثة، رشدت الأمم بعض الرشاد فاجتنبت الحروب «العاطفية» والنزوات الحماسية واتبعت «المصلحة» وحدها في إدارة علاقاتها الخارجية، فلا تُعادِي ولا تُصادِق من أجل مصالح الأمم الأخرى ولو كانت تجاورها أو تماثلها، ولا تظن أن حدثًا من الأحداث يعنيها ما دام يجري من وراء حدودها.

وجعلت شعارها كلمتين اثنتين: الكلمة الأولى «مصلحتي»، والكلمة الثانية «لا يعنيني!»

وصمدت على ذلك في جميع الأزمات الدولية، ولا سيما أزمات الحروب.

•••

إلا أن العالم قد تغيَّر، وقام بعد العالم في القرن التاسع عشر عالم متشابك متماسك لا تنفصل فيه أمة عن أمة، ولا تطرأ فيه المشكلة الدولية إلا سَرَتْ آثارها إلى أبعد الأمم وأقربها على السواء.

فقيام حكومة النازي في ألمانيا كان مسألة ألمانية داخلية على رأي الساسة «الحصفاء» من المدرسة العتيقة.

ولكنْ ألم يكن كذلك مسألة داخلية بولونية؟ ألم يكن مسألة داخلية بلجيكية ومسألة داخلية نرويجية وإنجليزية وفرنسية وتركية ومصرية؟ ألم يكن مسألة داخلية في جميع الأمم التي اضطُرَّتْ من جراء قيام النازيين إلى إنفاق ما لم تكن تنفق، وتدبير ما لم تكن تدبر، واتخاذ ما لم تكن تتخذ من الحيطة، وفرض ما لم تكن تفرض من الضرائب، وانتداب من لم تكن تفكر في انتدابهم من الوزراء والساسة والسفراء!

أكل هذا لا يكفي لاعتبار المسألة الداخلية في أمة مسألة داخلية في الأمم الأخرى؟

بلى. إنه لكافٍ وأكثر من كافٍ.

ولكنَّ النازيين أغاروا على بولونيا ومن ورائها أمم شتى تنتظر وتحسب أنها تسلم بالانتظار، وتبتعد وتحسب أنها تأمن بالابتعاد.

فلم تنقضِ أسابيع حتى فهمت كل واحدة منها أنها أخطأت في حقِّ نفسها وأخطأت في حق غيرها، ولم تُفِدْ أحدًا غير المعتدي عليها وعلى غيرها.

فلا هي سلكت طريق المروءة، ولا هي سلكت طريق السلامة. وبئست السياسة التي تحيد عن هذين الطريقين لتمهد بيديها طريق المعتدين عليها.

انتهى في السياسة الدولية عهد «مصلحتي» وعهد شئوني وكفى!

وأصبحت المصلحة الآن في التوحيد بين المصلحة الوطنية والمصلحة العالمية، فلا تنفرد أمة في سياستها إلا على نية من نيتين: العدوان على غيرها أو التعرض لعدوان المعتدين.

فإذا أبَت أمة من الأمم إلا أن تفرغ جهودها كلها للسطوة العسكرية وأن تشبع نفوس أبنائها كلهم بنوازع البغي والعدوان، فماذا يبقى للأمم الأخرى بإزاء هذا الخطر الذي يهددها واحدة بعد واحدة؟

لا يبقى لتلك الأمم إلا أن تعمل كلٌّ منها منفردةً فتستعد وحدها لدرء الخطر عنها، وهي الخاسرة بما يضيع عليها من الأموال والجهود وعلى أبنائها من الحقوق والحريات.

هذا أو تعمل الأمم مجتَمِعَات وتُقلع عن سياسة «مصلحتي»، «ولا يعنيني» لأنها نقيض المصلحة والمروءة والسداد.

وفي هذه الحالة يكفيها رُبُع الاستعداد الذي كانت مضطرة إليه لو أنها عملت على انفراد.

لأن دولًا عشرًا تبذل ربع مجهودها ومالها أقوى من دولة واحدة تبذل كل ما عندها من مجهود ومال.

فهذه «الخطة العالمية» أقل نفقة وأقرب إلى السلامة، وأشبه بالكرم والمروءة، ولا عائق يعوق الأمم عن المُضِيِّ فيها إلا البلادة والغباء.

ومتى ثبت لزوم الخطة وثبت إمكانها، وثبتت فوائدها فهي في انتظار «الأداة» التي تصلح لتنفيذها، أو هي في انتظار «واسطة الاتصال» بين الحكومات.

وليست هذه الواسطة المرجوة — بل الضرورية اللازمة — بالطريق المقطوع.

فالتعاون الدولي قد أخرج بعد اليوم ضرورة و«عقلًا» ولم يعُد كما كان قبل اليوم حلمًا من الأحلام أو عاطفة من عواطف المتخيلين.

وصداقات الدول لا ينبغي أن تقوم غدًا على أساس غير أساس الاشتراك في العدوان أو الاشتراك في دفع العدوان.

والاتفاق على دفع العدوان أيسر من الاتفاق على العدوان؛ لأن المعتدين يتغالبون ويتنازعون، ولا يمضون في الوفاق إلى نهاية الطريق.

وتلك قضية الغد.

وتلك هي عبرة الحرب الحاضرة، إن كانت لها عبرة على الإطلاق.

•••

فلهذه الحرب أغراضها التي لا مناص من تحقيقها.

ولا نعني تلك الأغراض التي يعلنها الساسة ويؤمنون — أو لا يؤمنون — أنهم يعملون لها وينتهون إليها.

ولكننا نعني الأغراض التي تتَّجه إليها الحوادث وتوجه إليها الساسة في تيارها الجارف الذي لا يسلس عِنانه لأحد؛ وإن خيل إلى كثيرين أنهم قابضون عليه، مستوون في الركاب.

وكل حادث عظيم من حوادث الدنيا فله نتائجه اللازمة اللازبة إذا شئنا أن نتجنب كلمة المقاصد.

فالحرب الماضية انتهت بزيادة الأمم المستقلة في أوروبا وأفريقيا وآسيا، وبدخول التحكيم الدولي في دور جديد من أدواره الكثيرة، وبفشل النزعات المادية في تجارب الأمم والأفراد؛ فقد فشلت تجربة الماركسية في روسيا بعد أن أتيحت لها فرصة لا نظير لها، وفشلت تجربة الخلاعة والانطلاق من ضوابط الآداب والأخلاق، فأحس كل خليع مستخفٍّ بتلك الضوابط أن النفس التي لا ضابط لها نفسٌ متفككة خاوية، وأنها من أجل ذلك خليقة أن تتهالك وتستخذي في إبان سرورها وانتشائها، كأنها تنفر من ضعفها وتتقزَّز من خوائها. فرجعت النفوس تتمرد على التمرد، وتتمثل طريقها إلى الإيمان والمثل العليا.

وإذا قصرنا القول على الجانب السياسي فقد تحقق شطر من أغراض الحرب الماضية، وهو تقرير المصير في أمم كثيرة، وبَقِيَ شطر في انتظار التحقيق وهو إنصاف الأقوام الصغيرة أو الأقليات، وإتمام التعاون «عملًا» بين الحكومات.

فما هي أغراض الحرب الحاضرة؟

أولى من سؤالنا عن أغراضها أن نسأل عن أسبابها.

فإذا سألنا عن تلك الأسباب ظهر لنا الماركسيون والماديون بأسبابهم التي لا يعرفون غيرها، وخلاصتها المضحكة أن الدول قد أنفقت ألوف الألوف من ربوات الدنانير للوصول إلى عشر معشار هذا المقدار، وهي لا تَثِقُ من هذا المكسب كما وثقت كل الثقة من ذلك الخسار.

والماركسيون أو الماديون أول من يجهل أن «الدينار» ليس بشيء في ذاته، وأنه لا يصبح شيئًا إلا حين يمثل حاجات النفوس والأجسام، ومنها الغلب والزهو وإرضاء الأوهام والخيالات.

وقد أحصيت أسباب شتى للحرب الحاضرة غير أسباب الماركسيين والماديين، وهي الخوف من الحرب واتخاذ الحيطة لها، وفقدان المثل العليا والأصول الأخلاقية التي لا استقرار للنفوس مع فقدانها، والتفاوت بين الأمم في طبقات الحضارة ونظم الاجتماع؛ فإن التفاوت يمنع التعامل بقسطاس واحد، ومتى تعددت أساليب المعاملة صعُب التوفيق ونجمت أسباب الخلاف.

إلا أن هذه الأسباب جميعًا تنطوي في السبب الأكبر الذي تتلاقى عنده، ولا قبل لنا باستيعابها في تفصيلها إلا إذا استوعبناه في جملته، ثم رددناها إليه.

ذلك السبب الأكبر هو افتراق الطريقين بين الماضي والمستقبل؛ فإن العالم اليوم حائر بين ماضيه ومصيره، فلا هو قد فرغ من الماضي بتةً ولا هو قد وصل إلى تقرير المستقبل وتوطيده والاتفاق عليه.

ماضٍ لا رجعة له، ومستقبل لم يأتِ بعد، وقد آذن في عصرنا بالظهور: في الماضي كانت السياسة تقوم على أساس العصبيات وتُكثر منها ما استطاعت لتعتز بناصرها، بين عصبية وطنٍ وعصبية جنس وعصبية لغة وعصبية دين، وعصبية موقع ومصلحة.

وفي المستقبل يضيق العالم بهذه العصبيات؛ لأنه يَتَّسِعُ ويتقارب بمواصلاته، وكلما اتسع وتقارب اشتبكت مصالحه ومشاربه وتعذَّر على الأمة أن تنعزل فيه، واستحال أن يحكمه قوي واحد وأن يتفق على تقسيمه أقوياء متحاربون، واستحال أن يُهمَل فيه شأن الضعفاء، فلا غنى فيه عن التفاهم والتعاون، وأن ينسحق فيه القوي الذي لا يأخذ خصومه الأقوياء والضعفاء بغير السلاح.

فلا مناص إذن في الغد المنظور من قيام السياسة على أساس العلاقات العالمية المشتركة، حتى في الأمور التي كانت تستأثر بها كل دولة وتأبى أشد الإباء أن تشاركها الدول الأخرى في كثير أو قليل منها، كالعملة والجيش والسياسة الخارجية، والمصطلحات الاجتماعية.

فهذه المسائل كانت معدودة في شريعة العصبيات القديمة عنوان السيادة القومية التي يستقل بها كل قوم عن سائر الأقوام.

فأصبحنا في مسألة العملة نرى كثيرًا من الأمم ترتبط بنظام واحد وترجع إلى ثقة واحدة، ولا تملك أمة واحدة أن تستقل بعملتها عن سائر الأمم.

وأصبحنا في مسألة الجيش نرى فرنسا تشير على إنجلترا بنظام التجنيد فتقبل إشارتها، ونرى أسطولًا فرنسيًّا بقيادة إنجلترا، وجيشًا إنجليزيًّا بقيادة فرنسيين، ونرى — نحن المصريين — أننا نقبل الجيوش الأجنبية في أرضنا ونعتبر إقامتها بيننا أثناء الحرب تنفيذًا لاتفاق محمود مرغوب فيه.

وأصبحنا في السياسة الخارجية نرى المذكرة الواحدة تكتب وتدرس في دواوين أمم كثيرة قبل إنفاذها، ونرى اللجان «المختلطة» تحل محل الوزراء المنفردين في كل دولة.

وبلغ من اشتراك اللجان ومجالس الحرب في جميع الشئون أنها لم تترك عملًا واحدًا تنفرد به السيادة القومية على النحو القديم.

فهذا عالم جديد، وهذه أحوال جديدة، وهذه طلائع للمستقبل لا بد أن تبلغ تمامها، ولمَّا تبلغه بعد.

ومن ثَمَّةَ هذا التقلقل، وهذه المحاولات، وهذه التجارب، تارة في ميادين السياسة وتارة في ميادين التجارة، وتارة في ميادين القتال.

وما من عبث ولا مصادفة قد انقسم المعسكران المتقاتلان اليوم هذا الانقسام: معسكر ألمانيا وأصحابها الظاهرين والمستترين، ومعسكر بريطانيا العظمى ومن معها من الحلفاء والأصدقاء.

بل هما يمثلان في انقسامهما عالم العصبيات من جهة، وعالم المشاركة العالمية من جهة أخرى.

فها هي ذي ألمانيا تحمل راية العصبية الجنسية باسم الآرية أو باسم الأقوام الشمالية، وفي صفها أو من خلفها الروسيا الشيوعية وهي التي تحمل راية التعصُّب للطبقة العاملة وتسميها سيادة الصعاليك.

وها هي ذي بريطانيا العظمى تحمل راية المشاركة العالمية وتقوم على التسانُد بين شعوب كثيرة داخل الإمبراطورية وخارجها، قد اتصلت كلها بالمحالفات والمعاهدات والدساتير التي تساعد على المعاونة ولا تمنع الاستقلال ولا تجور على الحقوق الوطنية، فليست كندا ولا أستراليا ولا أفريقيا الجنوبية أقل استقلالًا في إعلان الحرب من إنجلترا نفسها. أما خارج الإمبراطورية فهناك فرنسا وتركيا ومصر على اختلاف الأجناس واللغات والعقائد تتعاون وتتفق في الغاية اتفاق الأنداد الذين لا ينوون البغي على أحد من الأحرار باسم تعظيم جنس حاضر أو إحياء دولة غابرة.

ففي أحد المعسكرين نموذج صغير للعالم البائد، عالم العصبيات والعداوات والمشاكسات، وقوامه جماعة النازيين.

وفي المعسكر المقابل له نموذج صغير للعالم المقبل، عالم التعاون على تحقيق المشاركة الدنيوية في غير تعطيل للسيادة القومية، وقوامه جماعة الحلفاء.

وبين هذين النموذجين، أو هذين المعسكرين، سر الحرب العظيم الذي تندمج فيه الأسرار كافة، وسببها الأكبر الذي تتفرع منه الأسباب النفسية والفكرية والاجتماعية والتجارية قاطبة. وتلك هي قضية الغَدِ التي نترقب الفصل فيها بعد الحرب الحاضرة، ولا يعني الفصل فيها أحدًا من بني الإنسان كما يعني الأمم العزلاء.

•••

ومن التغرير بالآمال أن نتخيل أن المشاركة العالمية حاصلةٌ في بكرة الهدنة بعد الحرب الحاضرة، وأن الدول سترمي السلاح بيدٍ وتقيم حق العالم باليد الأخرى؛ فالعافية درجات كما يقولون في حكمة العامة، وأمثال هذه الآمال الكبار لا تسرع إلى التمام في اللحظات القصار، وحسبنا أن نعرف اتجاه آمالنا وأن نتوخَّاه في أعمالنا، فنطمئن إذن إلى كل خطوة نخطوها، وننزع عن عقولنا حيرة السالك في مفازة لا معلم في أرضها ولا قطب في سمائها. ونثوب إلى الإيمان في السياسة، فنصيب صواب المؤمنين ونخطئ خطأ المؤمنين، ولا نقذف بأنفسنا في تيار الحوادث يجرفنا إلى حيث شاء، ويمضي بنا من حيث لا ندري إلى حيث لا ندري، كأننا خشبة من حطام لا دفة لها ولا شراع.

ليست هذه الحرب نهاية الحروب، وليس المهم أن تنتهي الحرب بعد أمد قريب أو بعيد.

وإنما المهم أن نفصل بين بطولة الحرب وإجرامها بفاصل يميزه الناس كما يميزون موت الشرطي في سبيل الحق من موت اللص على مشنقة القصاص، وأن تكون للعالم شريعة يدين بها الخارجين عليه كما كانت لكل أمة شريعة تدين بها من يخرج عليها.

وقد يمضي زمن قبل أن يشنق رئيس أمة باغية جزاء له على إضرام الحرب في سبيل شهواته وخيالاته، ولكنه إذا أصبح في أعين الناس مستحقًّا للشنق فوصول الحبل إلى عنقه وتقصيره عن الوصول إليه سيان في حكم الآداب والأخلاق.

وستبقى القوة والضعف بعد الحرب الحاضرة، وتبقى بعد جميع الحروب المقبلة، سواء نشبت في سبيل الفتوح والمغامرات أو نشبت في سبيل العدل والأمان.

فلن يأتي في تاريخ العالم يوم تصبح فيه القوة هي الضعف ويصبح فيه الضعف هو القوة؛ ذلك إلغاء لمعنى الكلمات فضلًا عن إلغائه لحقائق الأشياء.

ولكن القوة ضروب.

فاللص الذي يقطع الطريق ويزهق فرائسه المنهزمين قويٌّ يعتمد على قوته.

والسيد السريُّ الذي يطمع في حق الضعيف فيبذل المال في إرضاء المحامين والشهود وتضليل القضاء ونقض الشريعة قويٌّ يعتمد على قوته.

إلا أننا لا نعرف عاقلًا على الرغم من هذا يقول: الغوا القضاء وأبيحوا قطع الطريق لأن القوي والضعيف لا يتساويان، أو ينكر أن نصوص الشريعة وأنظمة القضاء مكسب إنساني يغار عليه المظلوم وإن لم يبلغ منه ما يروم.

فمن قال إن الحرب الحاضرة تسوي بين القوي والضعيف فهو خادع أو مخدوع، ولكنها إذا استطاعت في عالم السياسة الدولية أن تفرِّق بين قوة اللص الخارج على الجماعة وقوة السري المعتز بمنزلته في أمته، فقد استطاعت الشيء الكثير، وتركت بقية للمستقبل عسى أن تتحقق في زمن يسير.

•••

كيف تتأدى الحرب الحاضرة إلى هذه الغاية؟

الرأي عندي أبدًا هو أن العقيدة سابقة للنظام كما أن الوظيفة سابقة للعضو في اصطلاح علماء الأحياء.

فهل وُجِدَ في الدنيا شيء يسمى «الحق العالمي» وشيء يسمى «الجريمة العالمية»؟

هل ينظر العالم إلى من يزعج سلامه ويستهين بتراث الآداب فيه نظرته إلى مجرم مأفون أو نظرته إلى بطل جليل؟

ذلك هو السؤال!

فإذا كان «الحق العالمي» قد وُجد بيننا، بل إذا كانت الرغبة في وجوده قد غلبت على نفوسنا، فالنظام الذي يتولَّى الإنفاذ والإجراء بالمرتبة الثانية بعد هذه المرتبة الأولى!

والذي أعتقده جازمًا لا أشك فيه أن تقرير الحق العالمي واجب، وإننا اليوم في مقام المشترع الذي يريد أن يقرِّر بالنصوص حقوقًا مرغوبًا فيها وجرائم مغضوبًا عليها. وإننا في أوانها وفي فرصتها الكبرى، فينبغي أن نضن بها على الضياع.

ويأتي بعد ذلك دور «النظام» الذي يتكفل بالإنفاذ والإجراء، فماذا عسى أن يكون هذا النظام؟

إن الفروض والمقترحات في هذا الباب لا تقتصر على المثاليين والخياليين؛ فإن أناسًا من المسئولين في السياسة كالمسيو بريان قد عرضوا على سبع وعشرين دولة أن يفكروا في تأسيس «اتحاد» كالاتحاد الأمريكي أو السويسري أو الأسترالي على نحو من الأنحاء، قبل نشوب الحرب الحاضرة بعشر سنوات.

وقد سبقه ولحق به مفكرون من الأدباء والحكماء ذهبوا إلى توحيد الوزارات وتوحيد المجالس النيابية وتقسيم الكراسي فيها بين الأعضاء على قواعد يؤثرونها ويحسبونها وافية بالقصد قابلة للإنفاذ.

ويغلب على الظن أن إنشاء هذا الاتحاد غير ميسور وغير لازم في الجيل الذي نحن فيه؛ لأن الاتفاق على أساس الانتخاب عسير. فهل نعتمد في الانتخاب على العدد؟ أو نعتمد فيه على طبقة الحضارة؟ لا هذا ولا ذاك ممَّا يسهل الاتفاق عليه.

إلا أن الاتجاه مع ذلك مرسوم.

والخطوات الأولى في هذا الاتجاه تغري بخطوات تالية لا تُخشى عاقبةُ المضي فيها.

وأسهل من إنشاء الحكومة العالمية فيما نرى توجيه الجهود إلى إنشاء سوق عالمية للخامات، وسوق عالمية للمصنوعات، وأن يكون الإصدار والإيراد بين هذه وتلك بمقدار متفق عليه، على مثال الاتفاق الذي تلاحظه الدول في زرع الحبوب والأعشاب التي تدخل في سموم المخدرات.

وليس من الضروري أن يتوحد مكان هذه السوق أو تتوحد مصادر التصدير والتوريد؛ إذ يكفي أن يتوحد مكتب التسجيل والإحصاء حيث كان الإنتاج والتوزيع، ليعرف الطالب من أين يطلب والبائع لمن يبيع. وخليقٌ بالعالم الذي تتصل فيه شرايين الأثير والكهرباء بين تليفون وتلغراف ومذياع أن يمهد ما كان عصيًّا من هذا المطلب قبل سنين.

•••

ولا يخلو من الطرافة أو من الأهمية أن نشير هنا إلى اقتراح الزعيم الألماني الذي يرشحه الكثيرون لرئاسة الحكومة الديمقراطية في ألمانيا بعد هزيمة هتلر وسقوط نظامه، ونعني به أوتو شتراسر Otto Strasser شقيق جريجور شتراسر ومساعده في إنشاء حزب النازي بأقاليم ألمانيا الشمالية، وقد كان جريجور صديقًا لهتلر وكان هتلر أبًا لولديه التوأمين في العماد. ثم انفصلا، فأرسل إليه هتلر نفرًا من أعوانه، فأخذوه من بيته وهو بين زوجه وأبنائه وقتلوه ركلًا بالأقدام.

لكنَّ هتلر لم يسترح من أوتو كما استراح من جريجور، ولا يزال يخشاه ويتهمه بكل مكيدة تصيبه أو تصيب نظامه.

ورأى «أوتو شتراسر» في علاج مشكلة التجارة العالمية وما تنطوي عليه من مشكلة المستعمرات أن تؤلف لها شركة كبرى تدور فيها الأعمال على أساس المعاملات المالية التي لا تحتاج إلى مداخلة من الساسة أو الجيوش.

ورأيه الذي أبداه لمكافحة الحرب قبل بضع سنوات أن تنصف الدول ألمانيا وتقضي على سيطرة بروسيا قضاءً لا تقوم لها من بعده قائمة، وعنده أن تقويض بروسيا لا يتأتى بغير تقويض السادة البروسيين الذين يحتكرون الضياع الواسعة ويعيشون فيها عيشة الطغاة ولا يأذنون لحكومة في ألمانيا أن تستقر وتهدأ في أماكنها ما لم تقم على أركان الطغيان والعتو والعدوان.

وفي هذا الرأي هو ولا شك مصيب ومخلص لوطنه وللعالم؛ فما تأتي المصائب لألمانيا ولا للأمم المبتلاة بطغيانها إلا من قبل أولئك «السادة» البروسيين.

•••

على أن التفكير في حرب الدول لا يغني عن التفكير في حرب الطبقات؛ إذ ربما نجمت الحرب الدولية من جرائر النزاع بين طبقة وطبقة في أمة واحدة، أو أمم عديدة.

والرأي اليقين في هذا الصدد أنَّ حرب الطبقات لن تهدأ بتغليب طبقة ولا باستنزاف طبقة، سواء كانت هي طبقة الأغنياء أو طبقة الصعاليك، وإنما تهدأ بالتعاون القومي والتنافس الشريف، وتبقى الطبقات باقية، ما بقيت الحياة؛ إذ ليس السر الكامن وراءها سر «النقود» كما فهم كارل ماركس وأشياعه، ولكنه هو سر الحياة الذي يقضي بتعدد القيم وتعدد المساعي وتعدد الكفاءات والأذواق واللبانات.

وخير ما تعالج به مشكلتها أن تتوسع الأمم في نظام «الجماعات التعاونية» فلا يستفيد «رأس المال» شيئًا إلا كان مردُّه إلى المشترين، وأن تتوسع في نظام المشاركة بين العامل وأصحاب العمل، فيصبح للعامل نصيب في ربح عمله، وترجع الدولة إلى ما فاض من ربح يتجاوز المعقول فتأخذ منه حصة للضريبة التي تفيد الجماعة كلها، وتعين الفقراء منها قبل الأغنياء.

لا نقول إننا وفينا الكلام في الإصلاح السياسي أو الإصلاح الاجتماعي بما قدمناه، فليست توفية الكلام في ذلك من مطالب هذا الكتاب.

ولا نقول إن حلًّا من الحلول السياسية والاجتماعية كائنًا ما كان سيفض مشكلة الحياة بين الأمم والأفراد. فمشكلة الحياة لا تُفض، ومطالبها لا تنتهي، وقصاراها أن:

تموت مع المرء حاجاته
وتبقى له حاجة ما بقي

فإن الحياة التي لا تواجه كل يوم كشفًا جديدًا وتسعى كل يوم إلى مجهول جديد لهي حياة قفراء جدباء لا تستحق أن تعاش.

ولكننا نقول إننا أشرنا إلى وجهة الهداية، وإننا إذا مضينا في هذه الوجهة على هداها فقد بلغنا شوطنا، وأبرأنا ذمة أَمْسِنَا إلى غَدِنَا، ولم نكن — نحن أبناء العصر الحاضر — سدًّا يعوق طريق العصر المقبل، أو غيهبًا ينحرف به عن مسراه.

مصر

اجتمع مجلس النواب المصري في بداية دور انعقاده بعد اتفاق ميونيخ بنحو شهرين، ودارت فيه — لمناسبة الرد على خطاب العرش — مناقشات عدة عن علاقة مصر بالحالة الدولية في أوروبا وغيرها من الأمم الأجنبية، وكنت مقررًا للجنة الرد على خطاب العرش، فأجبت على الملاحظات التي أُبْدِيَتْ في هذا الصدد بما يلي:١

سمعنا كلامًا متعددًا عن مادة الطوارئ في المعاهدة وما عسى أن تجرنا إليه من مشكلات لا شأن لنا بها. فمن المتفق عليه — ولا شك — بين جميع المصريين أن مصر لا ينبغي أن تدخل حربًا يمكنها اجتنابها. ولكن ما هي هذه الحرب التي يمكننا اجتنابها؟

أخشى يا حضرات النواب المحترمين أن يُفهم من هذا أننا نقيس الأخطار من حيث قربها أو بعدها بالمقياس الجغرافي، أو بمقياس الأيام والساعات! فالفرق عظيم جدًّا بين منشأ الحادثة وبين النتائج التي تؤدي إليها، ومثال ذلك قريب إلينا من الحرب العظمى. فبلدة سيراجيفو بعيدة كل البعد من الولايات المتحدة، بعيدة كل البعد من اليابان، ولكنَّ حادثًا واحدًا وقع فيها كان كافيًا لأن يزج بكلتا الدولتين في حرب يظهر لأول وهلة أنه ليس بينها وبينهما شأن كبير. أما نحن فقد وصلت إلينا فقلبت تاريخنا وغيَّرت نظام الحكم عندنا وأنشأت لنا تاريخًا آخر غير ما كان يسير إليه مجرى الحوادث لو لم تقع هذه المأساة في سيراجيفو، وهذا مثل بسيط يمكن أن يتكرر في كل حادث.

قيل إن أعداء بريطانيا العظمى كثير، وهذا صحيح. ولكن يجب أن نذكر أن أعداء بريطانيا العظمى لا يحاربونها ليحتلوا لندن ولا لينتزعوا ليفربول، ولكنهم يحاربونها ليحتلوا مصر وأشباه مصر؛ فالخطر متجه إلينا على كل حال، وإذا انفردنا بأخطارنا فليس معنى ذلك أنها تنقص بل لعلها تزيد، ولست أعني بهذا إلا أن نعرف الحقيقة على جَلِيَّتِهَا لأن من يتوهم أن الخطر بعيد وهو قريب منه يوشك أن يقع فيه.

وبعد كلام عن ميناء إسكندرية وقناة السويس قلت في الرد على بعض حضرات الأعضاء ممن يرون الحد من الحرية الفردية:

يريد … أن يفنى الفرد في المجموع أو في الدولة، ولا يجوز أن أفهم من ذلك أنه يريد إقامة حكم نازي أو فاشيستي في مصر، ولكن يجوز لي أن أقول إن فناء الفرد في الدولة شيء لا تعرفه الديمقراطية.

فالديمقراطية تعطي الفرد أقصى ما يستطاع من الحقوق، ومعلومٌ أن الغرض الأكبر من التقدم الإنساني هو حرية الفرد قبل كل شيء، وأن التفاضل بين أمة وأخرى إنما هو في الأمة التي يتمتع فيها الفرد بحقوق الأحرار، وليس في مصر من يرى فرقًا بين رجل يستعبده أحد من قومه سواء كان زعيمًا أو غير زعيم وبين رجل يستعبده حاكم أجنبي. هذا وهذا سواء عندنا على كل حال؛ لأننا نريد أن نكون أحرارًا إزاء كل حاكم سواء كان وطنيًّا أو أجنبيًّا.

ثم قلت:

إن القوة العسكرية يا حضرات النواب المحترمين ليست هي مقياس الحضارة؛ لأنها قد تكون ضرورية للوصول إلى غرض معلوم أو موقوت، ولم يَقُلْ أحد من الناس إنها هي مقياس الحضارة، أو إن ترقِّي الجنس الإنساني إنما كان بمقدار كفاءة الأمة في إنشاء الجيوش. فأتيلا وهولاكو مثلًا كان لهما جيش يُعتبر من أقوى جيوش العالم. إنما مقياس الرقي والتقدم الإنساني هو شيء واحد: وهو الإنتاج العقلي ونبوغ العلماء والمفكرين والفنانين والمثقفين.

فلنرجع إلى حالة البلاد التي أخذت بالنظام الديكتاتوري لنرى حالتها من ناحية الإنتاج العقلي. أقول مع الأسف إن كل أمة أخذت بهذا النظام ضاعت فيها الحرية الفردية، فركد فيها الإنتاج العقلي ركودًا تامًّا ولم يظهر فيها في السنوات العشر الأخيرة عالِم أو نابغ أو كاتب مشهور.

لقد اعترفت صحيفة «دوتشي الجمين زيتونج» كبرى صحف ألمانيا التي تُعَدُّ من مفاخرها، أن حالة الثقافة في الوقت الحاضر حالة محزنة، وأنهم يأسفون على القرن التاسع عشر الذي لم تَخْلُ فيه سنة من أثر قيم تتجاوب به أنحاء العالم.

ووقف الهر هتلر في مؤتمر الثقافة في نورمبرج منذ سنة واحدة وأعلن أن ألمانيا لا تزال تعوزها العبقريات الفذة التي تعبِّر عن شعور المجامع. لِمَ حدث ذلك؟ يجب أن نبحث عن السبب لا أن نوازن بين تقدم الشعب في البلاد المختلفة. فالسبب أن فناء الفرد في المجموع يفني المواهب العليا، وإذ استمر هذا خافيًا سنة أو سنتين فلا بد من ظهوره في المستقبل، لا سيما عندما يتجاوز الغرض الموقوت الذي أنشئ هذا النظام من أجله.

وإذا كان مثل هذا الضغط على الحرية الفردية قد أصاب بلادًا لها سبق التقدم في العلوم والمخترعات، فماذا يصيبنا منه هنا ونحن لا نزال في أول شوطنا؟ أظن أن الكارثة ستكون عظمى، وسنيأس من مستقبلنا ولا نجني شيئًا في مقابلة ما جناه أولئك الحكام من الضغط على الحرية الفردية. ومع ذلك من مِنَّا يشك في أن ألمانيا مثلًا لو استطاعت أن تكون مثل إنجلترا في ديمقراطيتها ما كانت تلجأ إلى الحكم الديكتاتوري؟ إنها لو استطاعت أن تكون قوية كإنجلترا لما فعلت ذلك؛ فهي واقعة في حكم الضرورة القاسية، والاضطرار لا يُتَّخَذُ مقياسًا لمجرى الحياة العامة. ثم من أين لنا إذا أنشأنا ديكتاتورية أن تكون مثل ألمانيا؟ لماذا نقابل أنفسنا بألمانيا وإنجلترا ولا نقابل أنفسنا بمن هم أمثالنا؟ لماذا لا نقول إن ديكتاتوريتنا في هذه الحالة تصبح كالديكتاتورية في دول أمريكا الجنوبية؟ ولماذا لا نقول إنها تكون مجالًا للنهب والسلب وإظهار أحط الشهوات؟ إن المعروف عن معظم الديكتاتوريين أنهم لا يطمعون في مال، فمعروف عن هتلر وموسوليني وستالين أنهم يعملون بلا أجر. فمن أين لنا ألَّا يقيض الله لنا في مصر لصًّا باسم ديكتاتور.

هذا الخطاب الذي أُلقي في مجلس النواب قبل الحرب الحاضرة بتسعة شهور يلخص جملة الآراء التي وردت في هذا الكتاب.

ولم يتغيَّر الموقف بعد قيام الحرب الأوروبية الحاضرة، بل اقترب من الظهور والتوكيد كما تقترب الصورة التي كانت بعيدة ثم أخذت تتدانى وتتعرض للضياء.

فمصر لا تستهدف للطوارئ والأخطار وحدها في الحرب الحاضرة أو في الأزمات الدولية التي تليها، ولكنها تستهدف لها مع غيرها.

ولهذا كان من السداد والإنصاف ألَّا تنوء وحدها بأعباء الدفاع عن نفسها والاستعداد للطوارئ والأخطار التي قد تكتنفها وتكتنف غيرها.

وهي لو أرادت ذلك لما أطاقته ولا أطاقت بعضه.

لأنها تحتاج إلى مئات الألوف من الجند يحمون حدودها شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا ويحرسون مواقعها الأخرى في إبان السلم. وتحتاج إلى أضعافهم في إبان الطوارئ والحرب الواقعة، وإلى أسطول ضخم يحرس تجارتها في البحار القريبة، وإلى مصانع للسلاح مستوفاة كل الاستيفاء على اتصال دائم بينها وبين موارد المعادن والخامات.

وما دام الخطر على مصر لا يصيبها وحدها، فمن الظلم أن تنوء وحدها بدفعه في جميع الحالات.

حسبها أن تقوى على دفعه حتى توافيها قوة حلفائها، ثم تكون قادرة على المساهمة بالنصيب النافع في ترجيح الكفتين، ولا تظل عالة على كواهل الأصدقاء، مهملة في حساب الأعداء.

وليست مصر بدعًا في هذه السنة؛ لأنها السُّنَّةُ التي تجري عليها الدول كبيرها وصغيرها. فلا تنفرد واحدة منها في ميدان السياسة أو الحرب كائنًا ما كان حظها من العدد والعدة والثراء.

فلا بد لمصر من صف تقف فيه.

فأي الصفين أكرم لها وأصون لمصيرها وأدنى إلى مقدورها؟

أتدخل صفًّا يشترك داخلوه في العدوان؟

أو صفًّا يشترك داخلوه في دفع العدوان أيًّا كان السبب: للشبع أو للضرورة أو لحب الحرية والسلام؟

أما أن تدخل صفًّا تشترك فيه مع المعتدين فلا حاجة لها به ولا إمكان ولا أمان؛ لأنها لم تتطلع قط إلى بلدٍ تعتدي عليه، ولن تأمن أن يعتدي عليها من يخرجون للعدوان على الناس، وهي في طليعة المقصودين المهددين.

فليس لمصر مكان أكرم من تأييد الديمقراطية ومبادئ التفاهم بين الشعوب والإيمان بقداسة المواثيق والعهود.

ومن كرامة مصر أن تخرج الديمقراطية من الحرب الحاضرة قويةً قادرة على الثبات في ميادين السياسة العالمية؛ لأننا عائدون لا محالة إلى القلاقل والمطامع والعجز عن التعمير، وإلى إنفاق الأموال فيما يضيع ولا يفيد إذا بقيت الدول الباغية قادرة على التهديد والإرهاب، غير هَيَّابَةٍ ولا مترددة أمام بأس الخصوم.

ذلك أكرم الطريقين وأسلم الخيرتين، بل هي الخيرة الوحيدة التي يملكها العقل وهو حر طليق.

•••

أما العبرة لنا — نحن المصريين — من موضوع هذا الكتاب الأول وهو تقويم هتلر ووزن مزاياه بالميزان الوحيد الفارق بين الإنسانية والوحشية، فهي اجتناب الغلو في استعظام أعماله وأعمال أمثاله؛ لأن استعظام القدرة على مثل تلك الأعمال قد يسوق إلى الإعجاب الخاطئ، والإعجاب الخاطئ قد يسوق إلى قَبول ما يستنكر ولا يجمل بضمائر الأحرار.

وعبرة أخرى هي اليقظة للدعوات التي من قبيل الدعوة الهتلرية كلما ظهر لها مروِّجون في السياسة المصرية. فقد يخطر على البال أن الهوادة مع هؤلاء المروِّجين لن تضيرنا عاجلًا ولا آجلًا؛ لأن الخطر الكبير لن يأتي إلا من رأس كبير أو طبيعة غلابة أو رجل نادر بين عظماء الرجال. فإذا عرفنا حقيقة هتلر وعرفنا أن رجلًا متهم العقل متهم الضمير مقسَّم الرأي والهوى بين الجنون والإجرام أملت له الظروف والمصادفات فصنع ما صنع واقترف ما اقترف، لم ننتظر بمن يحملون عود الثقاب حتى يتاح لهم مخزن البارود المستور، ولم نجعل الحذر رهينًا بالحريق دون عود الثقاب، أو بكبار الرجال من ذوي المَلَكات العليا دون الأوساط ومن هم أقل من الأوساط؛ فإن الشر لعلى قدر المكان الذي يتبوأه الشرير، وإن المكان الذي يتبوأه الشرير لقد ترفعه إليه المصادفات ولا يشترط في كل حال أن ترفعه إليه عظمة واقتدار.

•••

والعبرة الكبرى فوق كل عبرة وبعد كل عبرة هي أن نصحح مقاييسنا للحوادث والرجال؛ فإن الإنسان يطلب جودة النظر لأنها جودة النظر، قبل أن يطلبها لما تجزيه من نفع أو وقاية، ولا يزال يطلبها ويحرص عليها ولو استغنى عن المنافع والوقايات.

١  مضبطة الجلسة الثالثة عشرة (٢٧ ديسمبر سنة ١٩٣٨).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١