سطيح

حدَّث أحد أبناء النيل قال:

ضاقت عن النفس مساحتها لِهَمٍّ نزل بي، وأمر بلغ مني، فخرجت أروِّح عنها وأهون عليها، فما زلت أسير والنيل حتى سال ذهب الأصيل، فإذا أنا من الأهرام أدنى ظلام،١ وقد فتر مني العزم، وسئمت الحركة، فجلست أنفِّس عني كرب المسير، واضطجعت وما تنبعث فيَّ جارحة من التعب، وكنت من نفسي في وحدة الضيغم، ومن همومي في جيش عرمرم، وجعلت أفكر في هذا الدهر وأبنائه فجرى على لساني ذلك البيت:
عوى الذئبُ فاستأنستُ للذئب إذ عوَى
وصَوَّت إنسانٌ فكدت أطير

فردَّدتُه ما شئت، وتغنَّيتُ به ما استطعت، وقلت: أي والله، لقد صدق القائل: ما خلق الله خلقًا أقل شكرًا من الإنسان، ولا أطبع منه على افتراء الكذب والبهتان.

ثم مر بالخاطر بيت آخر:

تباركت أنهار البلاد سَوائح
بعذبٍ وخُصَّتْ بالمُلوحة زَمزَم

فنقلت إليه متاعي، وحوَّلت حاشيتي، وما متاعي غير الأماني السانحة، ولا حاشيتي سوى الهموم الفادحة، ولبثت أتفيأ من ظلاله، وأتأمل في حسن أشكاله.

وإني لكذلك إذ سطعت ريح كريهة انهزم أمامها النسيم، وانقبض لها صدر الجو، وتعبس بها وجه النهر، فعلقت أنفاسي، ولكن بعد أن نالني منها ما صدَّع الرأس، وغشَّي البصر.

ولما أفقت من هذه الغشية، وانجلت تلك الغاشية، نظرت فإذا أصل البلاء جيفة فوق وجه الماء، فغاظني ما أرى، وهاجني ما أشم، وقلت أخاطب النيل: «ويحك إلى متى يسع حلمك جهل هذه الأمة المِكْسال، وإلى كم تُحسن إليها وتسيء إليك. علمتْ أن سيكون منك الوفاء، فلم تحرص على ودِّك، واتَّكلتْ على حِلْمك، وبالغت بعد ذلك في عُقوقك. ولقد كانت ترجو في سالف الدهر خيرك، وتتقي شرك، فتحتفل في مهاداتك، وتتحامى طريق معاداتك.

أذاقتك وصال الحسان، وخالفت فيك شريعة الديان، وأرشفتك رضابًا أعذب من مائك، وأحلى من وفائك، ثم غيَّرها عليك الزمان، فجادتك بعرائس الطين بعد عرائس الحور العين، وأمعنت في العقوق، فجعلتك مصرفًا لفضلات البطون، ثم أمعنت في العقوق فصيرتك مقبرة للجيف؛ لتصبح بذلك مجرًى للبلاء، ومستودعًا للوباء.

سبحانك اللهم! هذه زمزم على ملوحتها قد عزَّت بجوار بيتك القديم، فتهادى بمائها القصَّاد، وحملوه إلى أقصى البلاد، وحرص أهلها على عينها حرص المرء على عينه. وهذا النيل على عذوبته قد ذلَّ بجوار قومٍ أهانوه، ولو كان عند غيرهم لعبدوه، وتالله، لو جرى في غير مصر لبنَوا عليه أسوارًا من النفوس، وأقاموا عليها حرسًا من الضمائر.

أفٍّ لتلك الأمة جهلت قدر محبيها! ولم تعلم أن من مجراه تجري عليها هذه الأرزاق، ومن حمرة مائه تخضر تلك الأوراق. أفٍّ لها ما أقل شكرانها، وأكثر كفرانها! ينبغ فيها النابغة فينبعث أشقاها للطعن عليه، فلا يزال يكيد له حتى يبلغ منه، ويكتب فيها الكاتب فينبري له سفيهها، فلا يفتأ ينبح عليه حتى ينشب فيه نابه، ويفسد عليه كتابه، ويشعر فيها الشاعر فيحمل عليه جاهل، فلا ينفك عنه حتى يغلبه على أمره، ويقهره على شعره.

يا رب أخرجني إلى دار الرضا
عجلًا فهذا عالم منحوس
ظلوا كدائرة تحول بعضها
عن بعضها فجميعها معكوس»

ثم إني أمسكت عن الكلام، وعزمت على التحول من هذا المكان. وإني لأهمُّ بالنهوض إذا وقع في سمعي صوت إنسان يسبِّح الرحمن، يقول في تسبيحه: سبحان مَن حكم على الخلق بالفناء! سبحان من تفرَّد بالبقاء! فخشع قلبي عند ذكر الله وقلتُ: أنطلق إلى صاحب ذلك الصوت؛ فلعلي أظفر بأحد عباد الله الصالحين، فأستدعيه لي دعوة يمحو الله بها أثر استجابته فيَّ لدعوة ذلك «الإمام». فثُرتُ من مكاني، وأخذت كل سمتي إلى جهة الصوت، وكنت إذ ذاك في أوليات الليل، وتالله إني لأقترب منه وإذا به يقول: «أديب بائس، وشاعر يائس، دهمته الكوارث، ودهمته الحوادث، فلم تجد له عزمًا، ولم تصب منه حزمًا. خرج يروح عن نفسه، ويخفف من نكسه، فكُشف له عن مكاني، وقد آن أواني. أي فلان، لقد أخرجت للناس كتابًا، ففتحوا عليك من الحروب أبوابًا، وخلا غابك من الأسد فتذاءب عليك أهل الحسد. أي فلان، إذا ألقى عصاه ذلك المسافر، وغادر بحر العلم أرض الجزائر؛ فقد بطل السحر والساحر. فانكفئ إلى كسر دارك، وبالغ في كتم أسرارك، وأقبِل غدًا مع الليل، وترقب طلوع سهيل، ومتى سمعت من قبلنا التسبيح، فقل لصاحبك الذي يليك: هلمَّ إلى سطيح.»

ثم انقطع صوته، فلبثت في مكاني حتى استوحشت لوحدتي وانفرادي في جوف ذلك الليل، فرجعت أدراجي. وكنت منذ لقيته وأنا في ذهول من عقلي، ودهشة من أمري. ولما ثاب إليَّ السكون، جعلت أتأمل في عباراته، وأتروى في مغزى سجعاته، وقلت في نفسي: لقد كنت أعلم أن سطيحًا قد قضى نحبه ولقي ربه، فهل صدق القائلون بالرجعة، أم جعل الله لكل زمن سطيحًا؟ على أني في غد سألقاه، وأطلب إليه أن أراه، وأسأله عن أشياء كتمتها في صدري، وكادت تدخل معي قبري.

فانطلقت حتى إذا بلغت داري وقد شابت ذوائب الليل أخذت مضجعي، وجعلت أعالج النوم، ولكن طافت بالرأس طائفة من الأفكار، فباعَدتْ ما بين الجفنين، وأزعجت ما بين الجنبين، فأقضَّ٢ علي المضجع، وحار بيَ الفراش، فقمت إلى الشمعة فأشعلتها، وإلى لزوميات أبي العلاء ففتحتها، فوقع نظري فيها على قوله:
أيا دار الخسار ألا خلاصٌ
فأذهب للجنوب أو الشمال
وظلم أن أحاول فيك ربحًا
ولم أخرج إليك برأس مال
فاستشعرت نفسي الراحة، وسرى عني ما كنت أجده من الغم، ونشطت إلى القراءة، فما زلت أنهل من معانٍ لم تخضها أعين القارئين، ولم يُخْلِقها تداول الألسن، وأتروى من حِكمٍ فجَّر الله ينبوعها في جوف ذلك الحكيم حتى فصحني٣ النهار، فنمت ما شاءت العين، وانتبهت وقد بلغ ظل كل شيء مثليه، فأصلحت في شأني، وخرجت أطلب الموعد ونفسي إلى رؤية سطيح في شوق الأسير إلى الفكاك، وقد حضرني قوله: «فقل لصاحبك الذي يليك: هلم إلى سطيح.» فجعلت أقول: يا ترى، أي صاحبٍ عنَى، ولكن لعل الأسباب التي ساقتني إلى الاهتداء إليه تجمع بيني وبين ذلك الصاحب، فما زلت أواصل السير وأنا بمنزلة بين الرَّيث والعجَل، حتى بلغت مكان الأمس فإذا فيه إنسان أعرفه قد أطرق إطراق المتأمل، وسكن سكون الوقور، فكرهت أن أقطع عليه تأملاته وقلت: لَمْ يجلسْ هذا الرجل العظيم تلك الجلسة إلا وهو يريد الانفراد بنفسه، فلعله يفكر في خيرٍ لوطنه وسعادة لأبنائه، فجلست على كثب منه، وألقي في رُوعي أنه طلبة سطيح، ولبثت أنظر إليه ولبث ينظر في أمره حتى مرت بالنهر جارية عليها من الجواري الحسان ما يفتن اللب، ويملك القلب، وهن مبتذلات يخضن في اللهو، ويمرحن في اللعب، وبينهن رجال تستروح منهم روايح السلطة والجاه يتهادون رياحين المجون، ويتعاطون كئوس الراح ممزوجة برضاب أولئك الملاح، فرأيت صاحبي وقد رفع رأسه ومد عينيه، ثم تأوه آهة الرجل الحزين وقال يحدث نفسه بصوت تسمع فيه رنة الأسف: ألا يأتي أولئك الموكلون بالرد على أهل الصواب فينظروا ما صنع أهل النعيم في يوم شم النسيم، ويروا كيف ابتذلت فيه الخدور، ونفقت سوق الفحش والفجور! فلقد فعلوا تحت الحجاب ما يُنكِّس له الأدب رأسه، ودعوناهم إلى غير ذلك فأبوا علينا الطلب، وأنكروا الدعوة، وقالوا: إن تربية النساء ما لا تحمد معه المغبة، وإن في اختلاطهن بالرجال ما يسوء معه المصير، وصاح يومئذ صائحهم أن في ذلك عقوقًا لأوامر الدين، وانحرافًا عن صراط السلف الصالح، ودعانا شاعرهم إلى اليأس من جدالهم في طلب إصلاح حالهم بقوله:
فلو خطرت في مصر حوَّاء أمُّنا
يلوح محياها لنا ونراقبه
وفي يدها العذراء يسفر وجهها
تصافح منا من ترى وتخاطبه
وخلفهما موسى وعيسى وأحمد
وجيش من الأملاك ماجت مواكبه
وقالوا لنا رفع النقاب محلل
لقلنا: نعم حق، ولكن نجانبه

ولقد صدق الشاعر، واستهتر المكابر، وغفل الحق عن الباطل، فصمتنا حتى ينتبه الحق من غفلته، ولا زلنا إلى اليوم صامتين.

ولما نفث ما بصدره وعاد إلى سكونه، تراءيت له ثم حييته، وجلست إليه أحدثه ويحدثني، وقد أقبل بوجهه علي، وتبسَّط معي على الأنس، فذكرت له حديث سطيح وما كان من أمره، فهزه الشوق إلى رؤيته. وقد كنت أخبرته أن سطيحًا جعل لي آية إلى لقائه، فلبث يرتقب معي طلوع سهيل، ويتسمع التسبيح في جوف ذلك الليل، حتى إذا لاح النجم في السماء، وعرفناه بما وصفه به أبو العلاء:

وسهيل كوجنة الحب في اللو
ن وقلب المحب في الخفقان
مستبدًّا كأنه الفارس المعـ
ـلم يبدو معارض الفرسان
ضرجته دمًا سيوف الأعادي
فبكت رحمة له الشِّعْريان

ألقينا بالسمع وأمسكنا عن الكلام، فلما علا التسبيح هرولنا إلى سطيح، وإذا بالصوت الذي سمعته بالأمس ينادي صاحبي بقوله: «صاحب مذهب جديد، ورأي سديد، دعا القوم إلى رفع الحجاب، وطالبهم بالبحث في الأسباب، فألقوا معه نقاب الحياء، وتنقبوا من دونه بالبذاء. أي فلان، إذا مضت على كتابك خمسون حجة، وظهر لذي العينين أدلِّاؤك بالحجة، تكفل مستقبل الزمان بإقامة الدليل والبرهان، فلعل الذي سخَّر لجماعة الرقيق والخصيان من أنقذهم من يد الذل والهوان، يسخر لتلك السجين الشرقية، والأسيرة المصرية، من يصدِّع قيد أسرها، ويعمل على إصلاح أمرها.

أوصى نبينا بالضعيفين «الرقيق والمرأة»، فخالفنا وصيته، ولم نتبع سنته. قمنا إلى الأول فجَبَبْنا منه المذاكير، وعمدنا إلى الثانية فزججنا بها في سجن المقاصير، فقيض الله للأول من أعدائنا مَن دعا إلى عتقه، وسعى سعيه في تحريره من أسره ورِقِّه، وتالله ليأتين يوم تقوم فيه النساء الغربيات تطالب برفع الحجاب عن أخواتهن الشرقيات، وهنالك يعرفون قدر كتابتك، ويقدرون مقدار خطئهم من مقدار صوابك، فانتظر — وإن طال الأمد — ذلك اليوم، ولا تبخع نفسك أسفًا على أثر القوم؛ فهم أقل العالمين شكرانًا، وأكثر خلق الله كفرانًا.

وهل أتاك حديث تلك المصرية الصالحة؛ إذ رأت قومها يعانون أصناف الشقاء في دفن موتاهم؛ لوعورة طريق المقبرة، وقيام التلال في سبيلها، فأنفقت من مالها على تمهيد تلك السبيل؛ احتسابًا للخالق ورأفة للمخلوق، فكان منهم أن كافئوها على ذلك العمل المبرور بأن سموا طريق المقبرة: «بقطع المره». فانظر إلى أي حد بلغ العقوق من نفوس قومها، واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرًا جميلًا.»

ثم انقطع صوته، فأشفقت أن يكون نصيبي من رؤيته كنصيب الأمس، فقلت له: يا ولي الله، قد سمعنا صوتك ولم ننظر إلى شخصك، فهل لك أن تمنَّ علينا برؤية شخصك الكريم، كما مننت علينا بسماع قولك الحكيم؟ فقال: لقد قُدِّر أن تراني بعد أن كُشف لك عن مكاني، فلا تقطع غدك الزيارة، واذكر ما بيننا من الإشارة. ثم أخذ في تسبيحه، وأخذنا في طريقنا إلى المنازل، وما زلنا نخوض في أحشاء الليل وفي صنوف الأحاديث حتى بلغنا منتزه الجزيرة، فإذا نحن بشابين يمشيان على الأقدام، فدانيناهما لنسمع ما يدور بينهما، فإذا الأصغر يقول للأكبر: هل لك أن تذكر لي أقصى أمانيك في هذه الحياة الدنيا؟ قال الأكبر: أقصى أماني أن أصبح «الرئيس الشرف» للمحكمة المختلطة، فأجلس في كل عام ساعة واحدة أُنقد عليها ما يقوم بنفقة العام كله، فإن أسعد المصريين حالًا، وأرخاهم بالًا، من سهَّلت له الأقدار الجلوس على ذلك الكرسي الذي لا يُسأل صاحبه عن الخطل، ولا يُخشى عليه من الوقوع في الزلل. قال الأصغر: أفٍّ لك أن تتمنى الرزق في ظلال الكسل، والبعد عن الكد والعمل. أما أنا فأقصى أماني أن أكون مثل ذلك التلميذ الذي دخل منذ عامين في مدرسة المهندسين، فإنه قد بلغ من الإكرام والتعزيز منزلة لم تبلغها أولاد القياصرة، فإذا حقَّ لمتعلم أن يفتخر، فهو الحقيق بالفخر؛ فإنه يتلقى دروسه على انفراد في «فصل السنة الأولى» من طائفة من المعلمين الإنكليز، يُنقَد أقلُّهم مرتبًا خمسًا وثلاثين قطعة من الذهب، ولو شاء القيصر تعليم نجله الوحيد لما فعل أكثر من ذلك. وهذا كله بفضل عناية ديوان المعارف، وحرص القائمين فيه بالأمر على التعليم.

قال الأديب: فامتلأنا عجبًا من ذلك الحديث، وانطلقنا حتى إذا جاوزنا مربض الليثين، أخذ كلٌّ منا طريقه إلى داره. ولما بلغت منزلي أخذت مضجعي، فعاودني أرق الليلة الغابرة، فقلت: ما لهذا الأرق من دواء إلا لزوميات أبي العلاء. فقُمتُ إليها وفتحتها، فأخذ نظري فيها قوله:

الروح والجسم من قبل اجتماعهما
كانا وديعين لا همًّا ولا سقمَا
تفرُّد المرء خيرٌ من تآلفه
بغيره وتَجُرُّ الأُلفةُ النقما

ثم قرأت قوله:

اسمع نصيحة ذي لُبٍّ وتجربة
يُفِدْكَ في اليوم ما في دهره عَلِمَا
إذا أصاب الفتى خطبٌ يضِرَّ به
فلا يظن جهولٌ أنه ظُلِمَا
قد طال عمري طول الظفر فاتَّصلـ
ـت به الأذاة وكان الحظ لو قُلِمَا

فقلت: إي والله، لقد صدق الفيلسوف، تعاف النفوس لقاء شعوب، وتطلب السلامة من عاديات الخطوب، والأعمار كالأطفال كلما طالتْ تخلَّلتها الأقذار، واستبشعت رؤيتها الأبصار.

وهكذا أفنيت فحمة الظلام وأنا أُنزِّه النفس بين تلك السطور والكلمات حتى صاح ديك الصباح، فأخذني النوم ولم أنتبه حتى شمر النهار أو كاد، فشمرت إلى الموعد. ولما بلغت المكان المعهود، ألفيت فيه سوريًّا من صفوة الأدباء كانت لي به صحبة قديمة، فقلت: لأمرٍ ما جلس الأديب تلك الجلسة، واختلس من رقدة الزمان تلك الخلسة، فقال بعد أن هشَّ لرؤيتي وبشَّ للقائي: جلست أبث إلى النيل شكاتي من أبنائه، وأنت تعلم أنهم صارمونا على غير ريبة، وقاطعونا عن غير ذنب، وأصبحوا يرموننا بثقل الظل وجمود النسيم، ولم يرعوا حق الجوار، فسموا إقدامنا قحة، ونشاطنا جشعًا، وكدحنا وراء الرزق فضولًا، ونزوحنا عن الوطن عارًا، وضربنا في الأرض شرودًا، وما ذنب من ضاقت عليه بلاده فخرج يلتمس وجوه الرزق في بلاد الله؟ اللهم إنها محاسن عدُّوها عيوبًا، وحسنات سموها ذنوبًا:

إذا محاسني اللاتي عُرفتُ بها
كانت ذنوبي فقل لي: كيف أعتذر؟!
وما ذاك إلا لأنَّا لا نحسن التنكيت، ولا نتقن التبكيت، قلت له وقد وقع في نفسي كلامه، وبلغ مني مقاله: خفِّض عنك، أيها الأديب، فسأرفع أمرك إلى سطيح، قال: ومن سطيح؟ قلت: إنك لا تلبث أن تسمع كلامًا أحلى من الأوبة، وأروح للنفس من مغبة التوبة. ثم أخبرته الخبر، فلبث ينتظر الآية معي حتى لاحت، فأخذنا طريقنا إلى سطيح، وإذا به يقول لصاحبي: «أختان أمهما اللغة العربية، تشرف عليهما الدولة العلية: مصر دار الأمان، وسوريا روضة الجنان. أي فلان، ضع خريطة الأرض بين يديك، ثم أغمض بعد ذلك عينيك، واهوِ بإصبعك عليها، وانظر نظرة الحكيم إليها، تجد في موقع ذلك الإصبع سوريًّا يعمل ويبدع. فأنتم أهل العمل والنجدة، وإن كان بأخلاقكم بعض العُهْدة.٤

يهبط السوري مصر لطلب القوت، فإذا أثرى بكده وعمله، وأراد القفول إلى وطنه، حمل تلك الثروة إلى بلاد الدولة العلية، ويهبطها الرومي فيثرى ما شاء ثم يحاربها بتلك الثروة. ومن العجب أن يكثر القال والقيل، ويدعى الأول بالدخيل، ولم يجر للثاني ذكر على اللسان، وهو الحقيق بالجفاء والعدوان.

أنسي أبناء اللسان العربي أن جماعة السوريين قد بلغوا في نشر اللغة العربية منزلة لم تبلغها جماعة المبشرين في نشر الملة المسيحية؟!

ذكر ابن عقيل ذلك التاجر السائح أنه اتفق له في إحدى سياحاته ببلاد الصين، أن حاول الدخول في مسجد من مساجد المسلمين فيها، فوقف في وجهه خادم المسجد وقال له: إن بيوت الله لا تطأُ أرضها الطاهرة قدمُ غيرِ المسلم، فاخرُجْ منها؛ فإني لك من الناصحين. قال ابن عقيل وقد ساءته قولة الخادم: ومن أين لك الحكم بعدم إسلامي ولم ترني قبل اليوم؟ قال: سمعتك تتكلم بالعربية، ولا نعهد في بلادنا مَن يتكلم بتلك اللغة إلا جالية السوريين من المسيحيين. ولولا أن شهد بعضُ مَن كان حاضرًا ممن يعرفون الرجل بصدق إسلامه لحيل بينه وبين الصلاة.

ولو كان نصيب المسلم السوري من التعليم نصيب المسيحي من أبناء بلده؛ لرأيت منه رجلًا إذا تعلم أفاد، وإذا عمل أجاد.

هذا صاحب «طبائع الاستبداد» و«أم القرى»؛ بلبل أفلت من يد «الصياد» فغنَّى، وشم نسيم الحرية فتمنَّى، وهذا صاحب المنار فاءت له الحرية بمذقة من الظل، وجادته سماء الاستقلال بقليل من الطلِّ، فصاح صيحة في خدمة الدين اخترقت أحشاء الهند والصين، وذلك صاحب أشهر مشاهير الإسلام، غادر أرض الشام فألَّف، ونزل في دار الأمان فصنَّف، ولكن لأمر سبَق في علم الله قُدِّر على المسلم أن يعيش مع الهَمَل، وأتيح للمسيحي أن يصبح من أهل العلم والعمل.»

ثم أمسك سطيح عن الكلام، فقال له صاحبي السوري: لقد ذكرت، يا ولي الله، في عرض حديثك، أننا وإن كنا من أهل العمل والنجدة إلا أن بأخلاقنا بعض العُهْدة، فما عسى يكون ذلك النقص الذي يراه فينا إخواننا المصريون؟

قال سطيح: إنني لا أكذب الله. لقد أكثرتم من التداخل في شئونهم، فعزَّ ذلك عليهم من أقرب الناس إليهم. نزلتم بلادهم فنزلتم رحبًا، وتفيَّأتُم ظلالهم فأصبتم خطبًا، ثم فتحتم لهم أبواب الصحافة فقالوا أهلًا، وحللتم معهم في دور التجارة فقالوا سهلًا. ولو أنكم وقفتم عند هذا الحد؛ لرأيتم منهم ودًّا صحيحًا، وإخلاصًا صريحًا، ولكنكم تخطيتُم ذلك إلى المناصب، فسددتم طريق الناشئين، وضيقتم نطاق الاستخدام على الطالبين، وأنتم تعلمون أن المصري يعبد خدمة الحكومة؛ فهو يصرف إليها همَّه، ويقف عليها علمه؛ فهي إن فاتته فاته الأمل، وفتر نشاطه عن السعي والعمل. وهو لا يفتأ ينتظر الدخول فيها بقية عمره انتظار القوم عودة الحاكم بأمره، فما ضركم لو جاملتموهم فرغبتم عن الانكباب في دخول ذلك الباب. أليس لكم عنه مندوحة، وأمامكم وجوه الرزق كثيرة، ومادتكم في الكسب غزيرة؟

حُبِّبت إليكم الحركة وحُبِّب إليهم السكون، وجُبلتم على الجد وجبلوا على المجون، فاصرفوا نفوسكم عن مزاحمتهم في أعز الأشياء عليهم، حتى تخلق الحاجة في نفوسهم شعورًا جديدًا، فيحس ناشئهم أنه إنما يتعلم لنفسه ولأمته، لا لخدمة حكومته.

قال صاحبي: وهل في ذلك ما يأخذه علينا الآخذون، وأنت تعلم أن الحياة مزدحم الأقدام، وملتحم الأقوام؟ فإن كنا قد أخطأنا في فعلنا، فهل أخطأت الحكومة في قبولنا؟ وهل أصاب المصري في بُغضنا؟

قال سطيح: لقد أصبتم في عملكم، وأصابت الحكومة في قبولكم، وما أخطأ المصري في بغضكم. أما أنتم فطُلَّاب للقوت، وطالب القوت ما تعدى، وأما الحكومة، فضالَّتُها عامل ينصح في عمله، فهي أنَّى وجدته طلَبتْه، وأما المصريون، فلأنكم غلبتموهم على أمرهم، بانتشاركم في أنحاء قطرهم، وهم يرون أن فيهم الأكفاء؛ لحمل تلك الأعباء. ولقد كنتم منذ بضع سنين لا تجاوزون ستة الآلاف عدًّا، فأصبحتم اليوم وقد نيَّفتُم على الثلاثين.

قال الراوي: ثم سكت سطيح وسكت صاحبي، فقلت: يا ولي الله، إن عندي سؤالًا طالما بحثت في جوابه فلم أقع فيه على الصواب، قال: قل وأوجز.

قلت: كلما نظرت في جالية السوريين المسيحيين رأيت بينهم رجالًا إذا هزُّوا أقلامهم أمطرت ذهبًا، وإذا خطبوا بها سطَّرت عجبًا، ولو شئتَ أن أعدَّ منهم عددتُ كثيرًا؛ هؤلاء أصحاب المقتطف، ودائرة المعارف، والضياء، والهلال، والجامعة، وهؤلاء أصحاب الصحف اليومية وغيرها، ولكنني كلما نظرت في جالية السوريين من المسلمين لم أرَ بينهم غير البائع والسمسار، ورائض الخيل والجزَّار؛ فما علة ذلك التفاوت العظيم والقوم يسكنون في فرد إقليم؟

قال: علة ذلك وهْمٌ رسخ في نفوس المسلمين ألا يُدخلوا أولادهم في مدارس المسيحيين، ففاتهم بذلك تحصيل العلم، وماتت أكثر نفوسهم بحياة ذلك الوهم.

قلت: لقد أَمِنتْ، بحمد الله، نفوسنا من دخول ذلك الوهم، فأرسلنا من مصر في هذا العام إلى كلية واحدة من كليات المسيحيين ببيروت مائة وخمسين تلميذًا.

قال: لقد سلمت نفوسكم من الأوهام، وأصيبت عزائمكم بأنواع السقام. أليس من العار أن تكونوا أكثر مالًا وأعز نفرًا ولا تجدوا في مصر لتعليم أولادكم مستقرًّا، وليست بيروت بأخصب من عروس النيل أرضًا، ولا بأوسع من ملك مصر طولًا وعرضا؟! أيعجز في مصر عشرة ملايين من النفوس عن بناء كلية، ويظفر عُشر معشارهم في بيروت بنَيل تلك الأمنية؟!

ثم أمسك عن الكلام وأخذ في تسبيحه، فأخذت بيد صاحبي وانطلقنا في سبيلنا راجعين. ولما بلغنا قصر النيل، تياسر صاحبي وتيامنتُ حتى إذا بلغت الدار، وعاودتني تلك الأفكار، قضيت الليلة على نحو ما قضيت به أختها السابقة، ولبثت بالمنزل إلى وقت التطفيل، ثم دعاني الموعد إلى المسير، فركبت نعلي، وأعملت قدمي، ولكن كان النهار أسرع مني مطية، وأحث سيرًا، فأدركني الظلام قبل أن أدرك المقصد، فنبهت العزيمة، واحتثثت الأقدام حتى بلغت المكان المعهود، وقد أجهدني السير، وكدني النصب، فإذا فيه إنسان ينوح من فؤاد مقروح، فقلت: ما خطبك أيها النائح؟ فقال وهو يَشْرق بعبراته، وأنفاسه تتوقد بزفراته: ومن — يا ترى — أولى مني بالبكاء وقد أقصدني بسهامه القضاء؛ كان لي أخ أسكن إليه، وأعتمد بعد الله عليه. إذا أملقت واساني، وإذا تَربتُ أعطاني. أنام للمرض ويسهر علي، وأمشي للغرض ويجري بين يدي، فما زلت مكفيَّ المئونة بكدحه، غنيًّا عن المعونة بنصحه، حتى انتويت به منذ عام؛ غاله رومي بمُدْيته، وحرمني من حسن طلعته. بقَر بطنه، وحضر دفنه، وحالت بيني وبينه حماية قومه.

قال الراوي: ثم أمسك الحزن لسانه، وأسالت الذكرى نفسه، فما زال بين الزفرة والشهيق، حتى أشفقت عليه أن يذوب كمدًا، فأقبلت أُنفِّس عنه بسرد العظات، وأدعوه إلى الأخذ بالتأسي حتى رقأ دمعه، وهمدت نار أحشائه. ولما تماسك بعض الشيء أنشأت أقص عليه خبر سطيح، فارتاح إلى لقائه. وقد حان الوقت فقمنا إليه، وإذا به يقول: «واجد موتور، وساهد مقهور. قد واصل النواح في الغدو والرواح، على دم هدر، وأخ قُبر (أي فلان)، ما دام امتياز الجانب الرومي يطعن بمديته، ويستظل بعلم دولته، والمصري يحمل القتيل، ويخضع خضوع الذليل؛ كأنما دية القتيل المصري كرامة للقاتل الرومي، كما قال شاعركم:

وهل في مصر مفخرة
سوى الألقاب والرتب
وذي إرث يكاثرنا
بمال غير مكتسب
وفي الرومي موعظة
لشعب جد في اللعب
يقتلنا بلا قود
ولا دية ولا رهب
ويمشي نحو رايته
فتحميه من العطب
فقل للفاخرين أما
لهذا الفخر من سبب؟
أروني بينكم رجلًا
ركينًا واضع الحسب
أروني نصف مخترع
أروني ربع محتسب
أروني ناديًا حفلًا
بأهل الفضل والأدب
وماذا في مدارسكم
من التعليم والكتب؟
وماذا في مساجدكم
من التبيان والخطب؟
وماذا في صحائفكم
سوى التمويه والكذب؟
حصائد ألسن جرَّت
إلى الويلات والحرب
فهبوا من مراقدكم
فإن الوقت من ذهب
فهذي أمة اليابان
جازت دارة الشهب
فهامت بالعلا شغفًا
وهِمْنا بابنة العنب!»

ولو شاء لابس الرداء الأحمر؛ لدفع عنكم هذا الهواء الأصفر، وأمتعكم بالحياة في أعطاف العيش الأخضر، ولكنه ترككم نهبًا للامتيازات، وغادر صدوركم ميدانًا للحزازات حتى تسأموا حياة الإذلال، وتسكنوا إلى رجال الاحتلال، ولا تجدوا لكم من وقاية في غير طلب الحماية، وهنالك تتساوى الأقدام، وينشر فوقكم علم السلام. وهذا من دهاء القوم وسياستهم، وحذقهم في الأمور وكياستهم، وكما أن لكل أمة قسمتها من الفضيلة، فلهذه الأمة قسمتها من الحزم وحصافة الرأي، وبُعد النظر في العاقبة، وما اجتمعت هذه الخلال في أمة إلا وكانت خَليقةً أن يتناول حكمها سكان الكواكب، لا هنود آسيا وزنوج أفريقيا.

وهم أهل سياسة وختل، وقد بلغوا من كليهما كوكبيهما. أما سياستهم فهي أشبه شيء بالكهرباء، تدرك العين فعلها، ولا يدرك العقل كنهها. يعنعنونها ويحكمونها ويطلونها بعقاقير يعرفونها، ثم تزف إلى الناس، فلا والله ما ينفذ فيها زَكنُ٥ الفطن، ولا يحيط بها دهاء الحُول،٦ فلولا التُّقى لنحلناهم٧ علم الغيب، وأما ختلهم، فبينَا هم ضعافٌ يغضون للخطب، إذ هم أشداء ركَّابون للهول، فهم أشبه شيء بالخمر؛ ضعيفة في الكأس، شديدة في الرأس، ولهم نظرٌ يشفُّ له كل شيء، كأنما قد جُمعت أشعة رانتجن من أشعته، وإرادة سخِّر لها البخار في البحار كما سخِّر الريح لسليمان، وهم إذا دخلوا قرية جعلوا أعزة أهلها أذلة، وكان لهم في اجتذاب ثروتها كياسة الإسفنج في اجتذاب الماء مع ذلك الرفق والسهولة.

ولما دخلوا مصر دخول الشتاء على الشجر (ويا ليت طريقهم كان على وادي التيه يوم دخلوها)، إذا أهلها فريقان: فريق نظر إلى مساويهم بعين الأرمد، فملأ ماضغيه بمحاسنهم، فكان مثله وإياهم كالظلام والنار؛ يخفي دخانها، ويبدي سَناها، وفريق ركب متن الغلواء في ذم أفعالهم، حسنة كانت أو سيئة، فكان مثله وإياهم كالإنسان والزمان؛ لا يشكر إذا أقبل، ولا يصبر إذا أدبر.

ومن تأمل في رقعة شطرنج الشرق، ورأى اليدين اللتين تجولان فيه، وعلم أن الأولى تديرها الأناة السكسونية، وأن الثانية تحركها الخفة الفرنسية، حكم بالفوز للتي يجب أن يحكم لها به كلُّ من فرَّق بين عاقبة البدار تخالطه الخفة، وعاقبة الريث تخطئه الغفلة.

ثم أمسك عن الكلام وأخذ فيما كان فيه، فانصرفت بصاحبي، وجعلت أتحرَّى مسرته، وأتوخى تسليته، حتى بلغنا حيث نفترق، فعطفت يمنة وعطف يسرة، وما أنا إلا أن خطوت في طريقي بعض الخطوات حتى لمحت شيخين يمشيان على مهل، فقلت: أُدانيهما فعلِّي أسمع منهما ما يذهب بذلك الهم الذي حملته من حديث صاحبي الموتور، فأسرعت الخطى حتى صرت على مسمع منهما، فإذا أحدهما يقول للآخر: لقد أفاض الفلاسفة في تعريف السعادة، وتفننوا في تصوير اللذة، ولكني لم أجد فيهم من نفذ فهمه إلى حقيقة ذلك التعريف. جهلوا أن السعادة كل السعادة في شياخة السجادة، وأن أسعد الناس حالًا، وأرخاهم بالًا، جالسٌ فوقها؛ يجري رزقه من تحتها، فهي الجنة التي تجري من تحتها أنهار النذور، والكنز الذي لا تفنى ذخائره أمد الدهور.

وأسعدُ مِن هذا الحي ميت يسخِّر له الله مَن يبني على قبره قبة عالية، ثم يدعو الناس إلى التبرك بتلك العظام البالية، فتجيء سعادته في مماته على قدر شقائه في حياته، وتطير بذكر كراماته الأنباء، وتحسده على تلك النعمة الأحياء، حتى يقول في ذلك قائلهم:

أحياؤنا لا يُرزقون بِدِرْهم
وبألفِ ألفٍ تُرزق الأموات
من لي بحظ النائمين بحفرة
قامت على أحجارها الصلوات
يسعى الأنام لها ويجري حولها
بحر النذور وتُقرأ الآيات
ويقال هذا القُطبُ باب المصطفى
ووسيلة تُقضى بها الحاجات

قال الثاني: لقد صدقت في تعريفك، وأنصفت في وصفك، ولكني أعرف للسعادة منهجًا آخر قد سلك فيه بعض الأقوام، فأصبحوا أسعد الأنام. ألم تعلم — وفقك الله — أن السعادة كل السعادة في الوصاية على اليتيم، وفي النظارة على وقف حبس على العظم الرميم؛ يأكل الأول ما شاء ولا محاسبة، ويلتهم الثاني ما أراد ولا مراقبة.

وإني أعرف في مصر قومًا قد احترفوا الوصاية على الأيتام، فهم كلما حدث يتمٌ بالبلد رشحوا أنفسهم لتلك الوصاية، وعملوا جهدهم للوصول إلى هذه الغاية.

قال صاحبه: صدقت يا أخي، ولكن أتعرف السعيدة من النساء كما عرفت السعيد من الرجال؟

قال: السعيدة من النساء من سهلت لها الأقدار، فأصبحت تدعى شيخة الزار؛ فهي تملأ يديها ذهبًا، وبيتها نشبًا، وترفل في الحرائر من هبات الحرائر، ورأس مالها في تلك التجارة رُقية بأسماء بعض العفاريت الطيارة. تدخل على المقصورات في القصور، والمخدورات في الخدور، فتفتق بطبلها طبل آذانهن، وتهز بأسماء الجن نواعم أبدانهن، وتُعمي بدخان البخور نُجُل أعينهن، حتى إذا امتلكت منهن الوجدان، وصار لها عليهن أي سلطان، حكمت فيهن حكم المنوِّم البارع على النائم الخاضع.

ولما انتهيا من تعريف السعادة، وانتهيت إلى داري، غادرتُهما يضعان من تعاريف الأشياء ما يرسمه لهما الخيال، وتملي عليهما الآمال، فدخلت الدار وروحي مجروحة بشكوى ذلك الموتور، فما زلت أفكِّر في آلام الشرقي وشقاء المصري حتى ضاق الصدر، وعزب الصبر، فقمت إلى ربيع الأرواح ومسرح النفوس، وأعني به اللزوميات، فطويت بفتحه كتب الأوهام، ومحوت بسطوره سطور الآلام، وجعلت أطالع حتى تبينت الخيطين، وميزت ما بين الفجرين، فحنَّ الجنب إلى المضجع، ومالت العين إلى الهجوع، فنمت ما شئتُ، وانتبهتُ وقد اكتهل النهار، فأصلحت من شأني، وخرجت وأنا على غير عجلة من أمري لفسحة الوقت، وبُعد ساعة اللقاء، فمشيت مشية المتفرج حتى بلغت المكان المعهود، فإذا فيه إنسان تنطق معارف وجهه٨ عما انحنت عليه ضلوعه من سأم العيش وضجر الحياة، فدانيتُه وحيَّيتُه، فرد التحية بأحسن منها، فقلت له: ما لي أراك هكذا كاسف البال، سيئ الحال، وما لي أرى في عينك أثر البكاء، وألمح على وجهك غبار الشقاء؟
فقال وهو يُخفي من شجونه ويُغيِّض من شئونه: «إني امرؤ خفيف الحال، ثقيل الأعباء، رُزئت بفقد أبي قبل أن أبلغ الغاية التي إليها مدى أملي وأمل الأهل والأقارب، فانقطعت عن الدرس في مدارس الحكومة لقصر يدي عن بلوغ نفقة التدريس التي اشتطت فيها، فأصبحت عيالًا على أهلي، ولبثنا نعيش جميعًا من فضلة كانت لنا حتى أمسينا ذات ليلة ولم نجد ما نستصبح به في الظلام، فكرهت أن أجمع عليهم بين خفة الحال وثقل وجودي بينهم، فخرجت أقصد وجوه الرزق؛ لعلي أصل إلى عمل أكسب منه ما أدفع به عني شِرَّة العَوز وذل السؤال، فأخطأني التوفيق؛ لأنني لم أُكتب من أهل الشهادة، فما زلت أنظر في وجوه الأعمال، وأتبصر في أيها أقل مئونة وأكثر ربحًا، حتى فتق لي الذهن أن ألقي بنفسي في غمار المحررين، وأن أنشئ صحيفة أسبوعية، فصحَّت عزيمتي على الدخول في زمرة الكُتاب، وإن لم أكن منهم، وأقدمني على ذلك ما أراه كل يوم من ترامي الناس على احتراف تلك الحرفة، وغفلة أهلها عن الذود عنها، حتى عبث بها الدعي، وغض منها اللصيق. ولما طوَّعت لي النفس ذلك، أصدرت الصحيفة، وجعلت أكتب في الفضيلة، وأدعو الناس إلى الأخذ بها، وأستعين بما سطَّره الأول وجرى عليه الأخير، وأستمد من بطون الكتب أحكم الأمثال وأمثل العظات، وأكِدُّ ذهني في الاستنباط، وأُنصب بدني في السعي، وأغشى الأدباء في دورهم، فأطلب إلى هذا مقالة في الأدب، وإلى ذاك كلمة في الفضيلة، حتى فاضت أنهار الصحيفة بالنصائح، وجرى تيارها بالمُلَح والطرائف، ولكن فاتني أن أنظر نظرة في أخلاق الأمة التي أكتب لها، وأن أجول بالفكر جولة في وجوه عاداتها، فلم تنفق لذلك سلعتي، ولم تنتشر صحيفتي، فجعلت أبحث عن علة ذلك الكساد، وعدم تنفيق تلك السلعة، حتى اهتديت بعد كدِّ القريحة إلى أن ذلك راجع إلى فساد الأخلاق، وأن العامة قد نامت عنها وعاظها، فيبس ما بينها وبين الفضيلة، وأخصب ما بينها وبين الرذيلة، وذكرت قول ذلك الشيخ الحكيم: «هلاك العامة فيما ألفت.» فوددت لو أنني كنت من رجال العلم وفرسان البيان، فأشن الغارة على تلك العادات والأخلاق، وأشك باليراع أضلاعها، حتى أراها تأنق لغير المجون، وتأبه لغير السباب، ولكن حال بيني وبين ذلك قصر في الباع، وجفاف في اليراع، وخلة٩ أشكوها، وحياة أستَمِرُّها١٠ فقلت لنفسي: أيتها النفس، لقد أعذر١١ صاحبك وما قصر، فأنت اليوم بين أمرين: إما الفضيلة والنعش، وإما الرذيلة والعيش. وكانت من غير تلك النفوس المطمئنة، التي بشرها الله بالجنة، فشمست١٢ عن الأولى، وسكنت إلى الثانية، فما زالت تأمرني بالسوء حتى أصبحت صحيفتي مجموعة للنقائص، ومستنامًا للعيوب، وأصبح يراعي وقد استمد من لعاب الأفاعي لعابه، واستعار من كتاب المسامير سبابه، فما زلت أطعن على زيد لاجتعل١٣ من عمر، وأغض من خالد لأشد من بكر، حتى زل الرأي، وعثر القلم، فأصبحت غريم الحكومة، وخوصمت إلى المحاكم فأمسيت مخصومًا،١٤ وبِتُّ وقد اصطلحت عليَّ الخطوب، وطولبت بالتكفير عن الذنوب؛ بأن أدفع عشرة ذهبًا، وأتخذ لي غير الصحافة سببًا. ومن أين لي — أسعدك الله — أن أقوم بدفع هذا القدر من المال؟ ولقد كنتُ كلما هممت بطبع الصحيفة أجمع من كل جيب من جيوب المشتركين قرشًا، كما يجمع العامل في المطبعة من كل بيت١٥ حرفًا.

لذا تراني ضيق الصدر؛ لضيق ذات اليد. ولقد أعطيت الله عهدًا إن أنا خرجت من هذا المحذور كفافًا، لأحطمن هذا اليراع العاثر، ولأنبذنَّ تلك الحرفة التي اضطرتني إلى التحام الأعراض، والميل مع الأغراض، ثم رفع يديه ضارعًا إلى الحق وقال: اللهم إن كنت تعلم أنني دخلت في هذه الحرفة كارها، وسرت في تلك الطريق مغلوبًا على أمري، فنفِّس كربتي، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين.»

فقلت له وقد أدركتني رحمة عليه: أراك قد خاصمت نفسك إلى نفسك، فحمدت مغبة الخصومة، ورضيت حكومتك عليك، فلا تجزع بعد ذلك؛ فإنه لا شيء أمحى للخطيئة من التوبة يظهر أثرها في نفس الخاطئ، وإني أرى في نفسك وأتبين في وجهك أثر ماضيك، ولا أعلم فيما أرى شيئًا هو أبلغ في النفوس من يقظة الوجدان وحياة الشعور، فإن كنت قد صدقتني فيما قلت، وكان لسانك شاهدًا عدلًا على قلبك، فأنت حقيق ألا تعود إلى ما أوضعت فيه من الجهالة، وخليق ألا يفت في ساعدك ما وصل إليه أمرك من الفشل، فلا يكبرن عليك أمر الغرامة؛ فما هو ببالغ من نفسك ما بلغته أنت منها، وهلم بنا إلى سطيح يحدِّثك بمأتي حالك، ثم حدثته حديثه، فلبث ينتظر معي الآية، فلما لاحت أخذنا طريقنا إلى سطيح، وإذا به يقول: «ظالم مظلوم، ولائم ملوم، تزيَّا بغير زيه، وأقام في غير حيه، فأصابه ما أصاب الشرقي وقد نزع إلى تقاليد الغربي، فأصبح معنيًّا بهذا البيت. وأحسبه من شعر الكميت:

فيا موقدا نارًا لغيرك ضوءها
ويا حاطبًا في غير حبلك تحطب
أي فلان، إن للصحافة رجالًا، وللسياسة أبطالًا طرَّقوا١٦ لها إلى الضمائر، وتناولوا بها ما وراء السرائر، فسددوا الكلام كما تُسدد السهام، وبلغوا بالمقال ما لا تبلغه النصال، يُعجِّبونك١٧ فتعجب، ويستغضبونك فتغضب، فهم ملوك الأفكار ينقشون في النفوس ما نقشوا في الطروس، ويودعون في الصدور ما أودعوا في السطور، وهم كما قال صاحب كليلة: «يحقون الباطل ويبطلون الحق، كالمصور الذي يصور في الحائط صورًا كأنها خارجة وليست بخارجة، وأخرى كأنها داخلة وليست بداخلة.» فأين أنت من رجال إذا استلوا أقلامهم ثلُّوا العروش الراسية، وإذا أرسلوا بيانهم عطَّفوا القلوب القاسية، تجري على أسنة أقلامهم أرزاق البائسين، وتسبح في قطرات مدادهم آمال الراجين، تبتدر الأسماع ما يقولون، وتنهب الأبصار ما يكتبون، فما أنت يا ولدي في الرأس منهم ولا الذَّنَب، ولا عِلمك من ذلك العلم، ولا أدبك من ذلك الأدب، ولكن تأنق الشيطان لك في تزيين الضلال، وألقى في أمنيتك أن تصبح من رجال هذا المجال، فساقك إلى نحسك ونكسك، ووجد له منك معينًا على نفسك، فأخرجت للناس تلك الصحيفة، ثم جعلته لك فيها خليفة، فما فتئ يملي عليك وهو جاثٍ بين كتفيك، حتى أصبحت أشد سوادًا من صحيفة أبي لهب، وأظلم ممن افترى على الله الكذب، فأتعبت الكرام الكاتبين، وأحرجت الكتبة الراشدين، وشد منك إقبال العامة وسكوت الخاصة، وشاركك القارئ في آثامك، وافتتن المصري بكلامك. والمصري مفتون بحب الهزل والمجون، فهو أين حل، له وليٌّ من الذلِّ، وأين كان، له قسط من الهوان. قد سكنت في نفسه الهيبة، واقترنت بأعماله الخيبة. تلك التي استعاذ منها السُّليك العدَّاء، حين دعا ربه بذلك الدعاء: اللهم إنك تهيئ ما شئت لمن شئت. اللهم إني لو كنت ضعيفًا لكنت عبدًا، ولو كنت امرأة لكنتُ أمَةً. اللهم إني أعوذ بك من الخيبة. أما الهيبة فلا هيبة، وكذلك أنت قد خاب أملك، وخانك عملك، وتعذر عليك التماس الخلاص، وحق عليك بما قدَّمت يداك القصاص.»

ثم أمسك عن الكلام، فقال صاحبي: إني أتيت تائبًا، وفي الحق راغبًا، وما كنت لولا الحاجة بخابط في تلك الضلالة، لولا أنني رأيت القوم يركبون تلك الطريق، فركبت مركبهم، واقتفيت أثرهم، ولا علم لي بخشونته، فما زال يستتيهني فيه الشيطان حتى ضللت مع الذين ضلوا من قبل، وما أنا في ذلك بأول الخاطئين.

قال سطيح: أما اقتفاؤك آثار القوم، فأنت فيه الحقيق باللوم، فما الذي غبطت من حالهم حتى اقتديت بأعمالهم على الكدية والسؤال، وفيهما ذل الرجال، أم على السجن وفيه يقرع السن، أم هاجت حرصك تلك الإتاوة التي ضربوها على أهل الغباوة، فأصبحت حُمَدَة١٨ لمن أعطى وإن كان لئيمًا، لُمَزَة١٩ لمن منع وإن كان كريمًا. وأما اعتذارك بالحاجة والإملاق في الهبوط إلى تلك الأخلاق، فعذر يدفعه الواقع، ولا يستأذن له على المسامع. فكم في هذه العشرة الملايين من صاحب حاجة أو مسكين! فما لهم لم يشاركوك في أمرك، ولم يعتذروا للناس بعذرك. فإن قلت إنهم لا يحسنون التحبير، ولا يتقنون التحرير، فكلكم سواسية في البحر والقافية. ليس منكم رجل رشيد، ولا فيكم كاتب مجيد، ولكنهم علموا أقدارهم، فلم يتعدوا أطوارهم، وجهلت قدرك فتعديت طورك. وأما التوبة التي تزعم أنك تبتها، وبالندامة على ما فرط منك أتبعتها، فهي إن كانت نصوحًا فقد بلغت بها ثمنًا ربيحًا، ولا تلبث أن تقفك على سبيل الكسب من الحلال، وتنحرف بك عن طريق الغي والضلال.

ثم انقطع الصوت فقلت: ألا يحدثنا ولي الله عن تلك الكلمة التي أخذها الناس على غير وجهها، فذهبت فيها الظنون مذاهبها، وركبت الأوهام مراكبها، ثم أسكنوها في غير معناها، وأرادوا منها غير ما أرادت منهم، فذلت بهم وذلوا بها، وكان ذلك علة هذه الفوضى التي تراها في الصحف، وذلك الفساد الذي سرى في الأخلاق، ولولاها لما هبط ذلك الواقف بجانبي إلى حاله تلك من سوء المنقلب وشر المصير.

قال: عن الحرية سألت، وعلى الخبير سقطت. اعلم يا ولدي أنها معنى الوجود، وملاك الحياة؛ ففي فقدها سجن النفوس، وعقال العقول، وقيد الأفكار، وما امتحنت أمة بمحنة هي أقتل لها من فقد الحرية وخمود الشعور، وإني أراكم على ما أنتم فيه من الضعف والتقاطع قد أمتعكم الله بحرية الحياة، فأمسيتم تتقلبون في نعمة لم تعرفوا لله حق الشكر عليها.

إذا أُلفَ الشيءُ استهان به الفتى
ولم يرَه بُؤسى تعدُّ ولا نعمى
كإنفاقه من عمره ومساغه
من الريق عذبًا لا يحس له طعمَا

ألا تنتشرون في الأرض فتنظروا حال غيركم من الأمم الإسلامية التي سلط الله عليها ما سلط عليكم. تالله إنكم لتجدونهم بحسرة النظر إلى ابتسامة من ثغر تلك العروس التي جلاها لكم الاحتلال فجهلتم قدرها، ولم تدفعوا مهرها، فلما علم منكم ذلك أقام لكم مكانها عروسًا من الشمع يحاول إيهامكم بوجودها؛ كي تخدعوا بالنظر إليها كما خدعتم نيلكم من قبلُ بعرائس الطين بعد عرائس الحور العين.

فكان مَثَلكم في ذلك مثل السجين في مكان غاب سجَّانه وفتح بابه، فهو كلما همَّ بالانفلات من ذلك السجن نظر في رجله قيدًا من الخوف، ولمح على الباب حارسًا من الوهم. أفٍّ لكم! لقد من الله عليكم بقسم من الحرية لو قسم على المسلمين في الأرض لوسعهم، فخرجتم به عن أفق الحرية الشرعية، ولم تقفوا به عند حد الحرية الفلسفية، بل رسمتم للحرية تعريفًا أنكره الشرع، وتسخطت له الفلسفة.

عرَّفها الأول فقال: إنها تكون في حفظ الدين والعرض والشرف والمال، وأوسعت الثانية دائرة ذلك التعريف فقالت: هي أن يكون المرء حرًّا في عمله ورأيه، على شريطة ألا يدعو ذلك إلى أذى غيره. فما أعجبكم الأول، ولا راقكم الثاني على ما فيه من التسامح، بل زعمتم أن تعريفها الشافي هو أن يعمل المرء ما شاء أن يعمل، ويرى من رأيٍ ما شاء أن يرى، وأن سبيله في ذلك أن يطَّرد به جواد الإرادة المطلقة في ميدان الشهوات، لا يبالي داس به آداب ذلك المجتمع الإنساني أم تخطى أعناق الفضائل.

قلت: قد علمت أن الذي نحن فيه لم يكن من الحرية في شيء، فما رأي ولي الله في تلك الصحف التي باتت تنبح بغير فرقان على صاحب الدار والغريب، وتقرِض بلا مبالاة عرض البعيد والقريب؟ أيرى في وجودها ضررًا محضًا أو منفعة خالصة؟ أم هي كالخمر في حاليها قد جمعت بين الإثم والمنافع؛ فوجودها بيننا ضارٌّ نافع؟

قال سطيح: لقد نظرت قبل اليوم في هذا السؤال، وتبينت فيه الهدى من الضلال، فألفيت فيها شرًّا قائمًا، وخيرًا جاثمًا، فرأيت أن أزن الاثنين، فلما حملتهما إلى الميزان ونظرت فيه بعين العرفان، شالت كفة النفع والخير، ورجحت كفة الشر والضير.

فقلت: زدني — بارك الله فيك — وأسمعني تأويل ذلك من فيك.

قال: اعلم أنه ما من شيء إلا وفيه منفعة ترجى، ومضرة تخشى. أما وجوه النفع في بقاء تلك الصحف فهي عديدة، إلا أنها لا تكاد تتجلى لغير علماء العمران، والباحثين في ترقية شئون بني الإنسان.

فمنها أن بقاء تلك الصحف على الحال التي هي عليها عنوان على وجود الحرية في البلاد التي تنشر فيها، فإذا قدم عليكم قادم وقرأ ما يكتب في تلك الصحف — كائنًا ما كان — علم أنكم تتقلبون في نعيم الحرية، وإن جهلتم أنتم قدر هذه المزية.

ومنها أن فيما تكنيه مزدجرًا للناس؛ فإنك لتجد من الموضوعات في تلك الصحف الصغيرة ما لا تجد بعضه في أمهات الصحف الكبيرة. هذه بما في نفسها تُصرِّح، وتلك لا تكاد به تُلمِّح. تكتب الأولى ما يقع للغني والفقير، وتسطر ما يحدث للكبير والصغير، وتأبى الثانية إلا أن تراعي المقام، وتحجم فيما يقع من الحوادث عن الكلام؛ إما لصلة تمنعها، أو لرهبة تقطعها.

ومنها انتشار اللغة في الجملة بانتشار تلك الصحف، فإنك لا تعدم أن تجد في صحائف الأسبوع أسلوبًا رقيقًا، ومعنًى دقيقًا يعزُّ وجودهما في صحائف اليوم؛ لاشتغال أهلها بتسقُّط الأخبار، وضيق وقتهم عن التأنق في الأساليب، والتماس الشائق من التراكيب. أما أصحابنا فلهم من فسحة الوقت ما يكفي لانتقاء اللفظ، واختيار الموضوع، فإذا شاءوا المدح عرضوا ألفاظ اللغة، ونبشوا بطون الكتب، وقلبوا أحشاء القواميس، ثم استخرجوا من الألفاظ أحلاها وأطلاها، ومن المعاني أسماها وأغلاها، وصاغوا من كليهما مدحة تهز الممدوح هزًّا، وتبزُّ المال منه بزًّا، وهم إذا خلوا إلى شياطينهم، وأرادوا القدح، فقل أعوذ برب الإنس والجان من شر ذلك اللسان.

أما وجوه المضرة في بقائها، فقد أصبحت شيئًا يحس، وأصبح مثلها كمثل الهواء، فقد كنا نشعر به ولا نراه، حتى سلطوا عليه ضغط الجو فتكاثف حتى همت الأيدي بلمسه، وتلون حتى وقع من النظر تحت حسه.

فمنها أنهم نصبوها حبائل لصيد المال، فأقاموا لها سوقًا فرشت فيها الصحف، وركزت الأقلام، وعرضت للبيع أعراض الناس، فتراهم يجلسون للمساومة في تلك الأعراض، ويأتي حامل الضَبِّ٢٠ لأخيه فيساومهم في تمزيق عرض من أراد، ويشهر ذلك في المزاد.

ومنها دبيب الفساد إلى أخلاق العامة؛ لكثرة ما يقرءون ويسمعون من ألفاظ السباب. وإذا فسدت الأخلاق في أمة، فقد فسد فيها كل شيء.

ومنها دخول السقاط من القوم في زمرة المحررين، اللهم إلا نفرًا من أنصار الفضيلة ذهب صرير أقلامهم ضياعًا في وسط تلك الضجة القائمة. وهذا قليل من كثير؛ فانصرف يا ولدي الآن؛ فقد قطعتني عن ذكر الرحمن.

انصرفت بصاحبي وقد أخذتْ منه العظة، وتمشَّى فيه الاعتبار، حتى إذا بلغنا حديقة الحيوانات قلت لصاحبي: هذا قصر إسماعيل الذي يقول في وصفه صاحب عيسى بن هشام: «ووصلنا إلى قصر الجيزة، ومتحف الآثار، وملتقى السيارة من سائر الأقطار، فدخلنا روضة تجري الأنهار من بينها، كأنها الجنة بعينها، وقصرًا يقصر عنه الطرف، كما يقصر عنه الوصف، فأخذنا نرتاد خلاله، ونتفيأ ظلاله وقد نظرنا الأسود مقصورات في المقاصير، والأساود مكفوفات في القوارير، ورأينا النمور في الخدور، والرئال في الحجال، والذئاب في القباب، والظباء في الخباء. ولما رأى الباشا الأرض منضدة مرصعة مزردة، حسبها أرضًا مفروشة، ببسط منقوشة، وأشكل الأمر عليه، فهمَّ بخلع نعليه، فقلت له: طريق معبد، لا فرش منجد، وحصباء ومرو، لا بساط وفرو. قال: لمن هذه الجنان؟ وكيف يسكنها الحيوان؟ وما علمت من قبل أن الأسد الضواري تسكن مغاني الجواري، وأن ساكنات البيد تلعب في ملاعب الغيد، فقلت: بيت إسماعيل، طالما كانت حجراته مطالع للأقمار، ودرجاته منازل للأقدار. كان إذا نادى صاحبه فيه: «يا غلام.» شقيت أقوام وسعدت أقوام، ولبَّى نداءه البؤس والنَّدَى، بأسرع من رجع الصدى. هنا كان يفصل الأمر ويُحكم، وينقض الحكم ويبرم، وكان من احتمى بظل هذا الجدار، تحامته غوائل الأقدار. هنا كانت فرائد القلائد، من أجياد الخرائد تختلط بمنثور أزهاره، فترصع لجين أنهاره. هنا كانت تتناثر الجواهر من قدود الحسان، فتشتبه بأثمار الأغصان. هنا كانت تصدح القيان على المزاهر والأعواد، فتجاوبها الوُرْق على الأفنان والأعواد، فأصبح حديقة عامة، وموطئًا للخاصة والعامة، وأصبحت أرضه تُكترى، وجنى أشجاره يُباع ويشترى، ودوَّى فيه صياح النسور، وزئير الأسود، وعواء الذئاب، وهمهمة الفهود، وزال ما كان فيه من عز وطول، ومجد وصول، وأيد وحول. وصدق الكتاب فحق القول:

في هذه الدار في هذا المكان على
هذا السرير رأيت الملك قد سقطا

وقصصت على الباشا قصة صاحب القصر، ومليك ذلك العصر، وما كان فيه من الجد الصاعد، والبخت المساعد، وما صار إليه من نحوسة سعده، ثم سكنى لحده، وبعد أن ذاق في هذه الدار؛ دار الفناء، مثل عذاب تلك الدار؛ دار البقاء.

نالوا قليلًا من اللذات وارتحلوا
برغمهم فإذا النعماء بأساء»

وما انتهيت من هذا الحديث حتى انتهينا إلى حيث نفترق، فقصدت داري وقصد داره، ولكنني استشعرت بعد فراقه ميلًا إلى السهر، فعطفت على أحد الأندية، وانتحيت ناحية، وجلست وما كاد يحتويني المكان حتى طلع على النادي ثلاثة من الشبان، شممت من أردانهم أريج الحسب والنسب، وعرفت في وجوههم نضرة النعيم، فدخلوا وهم كأنهم روضة تمشي، وجلسوا وما شككت في أنهم من أقران الثُّريَّا، وكانوا بحيث أسمع ما يقولون، ثم صاحوا بالخادم، فأقبل مهرولًا، فتقدموا إليه بطلب كاسات الراح، فانطلق يعدو وما لبث إلا ريثما عاد يحمل كئوسًا من البلور، ملؤها ذهب سائل، أو أصيل جامد، فصفَّفها أمامهم، وحفَّها بأطباق النُّقل وطاقات الزهر، فقلت في نفسي: لقد أراني في حان، وما كنت لأعدَّ نفسي من أهلها، فهممتُ بالانصراف، ولكن أمسكني حبُّ الاطلاع على ما سيكون من أمرهم، وما يدور من الحديث بينهم، فلبثت أسمع وأرى، وإذا بهم قد استرسلوا في الأُنس، وتبسطوا على السرور، وكانوا كلما أفرغوا كئوسهم امتلأت نفوسهم طربًا، وتهللت وجوههم فرحًا، فما زالوا يستحثون الكئوس إلى أفواههم بحادي الغناء حتى خلعوا رداء الأنفة، وطرحوا مطارف الاحتشام، فقام أحدهم وقد علت الخمر ذؤابته، ورنحت أعطافه، وقال: أخشى أيها الصاحبان أن تميل علينا هذه الصفراء بخديعتها وختلها، فنقع في مثل ما وقع فيه ذلك الشاعر الفارسي الذي يقول: ما زلنا نشرب الخمر حتى بحنا بأسرارنا، فلما رأت منا ذلك أشفقت على نفسها من أن نبوح بسرها، فأمسكت ألسنتنا، فأجابه أحد صاحبيه: وما عساك تخشى منها؟ فهبْ أنها دبَّت منك إلى موضع السر، فهل لك دوننا سرٌّ تطويه أو شيء تخفيه؟ قال: كلا، فإنني لم أكتمك مُذ صحبتك شيئًا من أمري، اللهم إلا واحدة.

قال: وما عسى تكون؟ قال: إني أغبطك على أبيك، وأتمنى أن أكون في موضعك، قال صاحبه وقد عراه الدهش: وما الذي غبطت مني حتى بلغ الأمر إلى التمني، ولا أراك دوني في الأشياء؟! فأنت — بحمد الله — في بشاشة من العيش ورخاء من البال.

قال: تعلم أن أبي مدير، وأن أباك مستشار بمحكمة الاستئناف، قال: علمت ذلك وما غاب عني أن أباك أعلى من أبي منصبًا، وأكثر مرتبًا. يُنقد أبوك في كل شهر مائة ذهبًا، ويُنقد أبي دون ذلك.

قال: أراك تداجي في القول، وتتغابى عن الفهم، وأنت تعلم أنه ما منَّ الله على خلقه بنعمة هي أولى بالشكر، وأحق بالذكر من نعمة الأمن، فقال تعالى معددًا آلاءه على قريش: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ، فجعل سبحانه الأمن من نعمته الكبرى، ومنته العظمى، فمنْ بات منا آمنًا في سربه كان حقيقًا ألا يغفل طرفة عين عن الشكر.

وأبوك ينام ملء جفونه لا يبالي أقبل المستشار أم انعقد مجلس النظار؛ فقد تخطاه العزل، وأخطأته عاديات النقل. أما أبي فهو على منصبه الكبير، وأجره الكثير، يلبث الليل والنهار في خوف من المستشار، حتى إن أمثاله من المديرين الذين لم تُشرق عليهم الشمس في بلد إلا وتغرب عنهم في آخر، ليتركون أثاث منازلهم ورياشها مطوَّقة بالحبال؛ لكثرة ما يؤمرون بسرعة التحوُّل والانتقال؛ لذلك ترانا لا نَحلُّ في بلدٍ إلا ونحن من أمرنا على سفر، ومِن غضبِ المستشار على حذر، كأنما عنانا ابن الوليد بقوله:

تراه في الأمن في درع مضاعفة
مخافة الدهر أن يؤتى على عجل

هذا بعض ما نحن فيه. أفلا أغبطك بعد ذلك وأتمنى حالًا كحالك؟!

ثم انتثر بعد ذلك عقد المجلس، فمضى كلٌّ لوجهه، وغادرت المكان على أثرهم، ويممت داري فلبثت فيها حتى حان الموعد، فخرجت وما زلت أمشي حتى اشتمل عليَّ الليل، وأسمع صوتًا فأتسمته، فأرى صديقًا لي يتغنى بشيء من الكلام المقفى الموزون، فأجلس على كثب منه وهو لا يراني، وقد شجاني حسن صوته، وكاد يلهيني عن الموعد لطف إيقاعه، فألبث حتى يأتي على نشيده، ثم أتراءى له فأحييه، ونتبسط على الحديث فأسأله: لمن الشعر يا فلان؟ قال: هو بعض ما أعبث به، قلت: لقد أسمعتني منذ الليلة كلامًا لو نحلته ابن أوس ما شك سامعه في أنه من مختاراته، فما لك تكتم الناس مثل هذا الشعر السري، ولو أنك أذعته لغضضت به من كثير من أولئك الذين باتت تطن الصحف بذكرهم؟!

قال: ليس من أمري المديح، ولا سبيل إلى إذاعته في تلك الصحف؛ إذ أنا لم أسلك به في تلك الطريق، قلت: فإن أعياك الأمر، فما لك لا تجمعه في ديوان، ثم تخرجه للناس كما يفعل الشعراء ممن هم دونك في منازل الأدب ومراتب القريض؟ قال: كان يكون ذلك حقيقًا بي لو أن من يقرأ الأثر في مصر يقرؤه لذاته، لا لذات صاحبه، ونحن — بحمد الله — في بلد لا تنفق فيه سلعة الأديب ما لم يكن صاحبها حظيظًا عند تلك الصحف، حتى إذا ظهر أثره في الناس قامت تُقرِّظه بصنوف المديح والإطراء، وتنزل نفسها في الدعوة إلى كتابه منزلة أولئك المبشرين في الدعوة إلى دينهم.

فلو بُعث اليوم صاحب اللزوميات وحاول أن ينشر في تلك الصحف حرفًا مما أخذه على الأمراء، وأنكره على الكبراء؛ لأبت عليه أن تفسح لذلك الحرف مكانًا بين جداول الأموات، فضلًا عن جداول الأحياء. ألم تر إليها كيف كانت تقول يوم كانت تقرظ الشوقيات، وقد أسندت إلى صاحبها من الألقاب ما تعجز صحف الآستانة عن إسناد بعضه إلى جلالة المتبوع الأعظم وقد أدى فريضة الجمعة، أو تحركت شفتاه بالإنعام على بعض أهل الزلفى برتبة أو وسام.

بربك، ماذا رأيت فيها من الآيات؟ وما جاء به صاحبها من المعجزات، اللهم إلا ما يتباصر به علينا من تلك المعاني الغريبة التي ما سكنت في مغنًى عربي إلا وذهبت بروائه؟

قلت: حسبك لا تغضض من شاعر الشرق، ولا تنتقص من أدبه؛ فتالله إنه لظريف الوزن، لطيف القافية، خاطره طوع لسانه، وبيانه أسير بنانه، كأنما يتناول الشعر من كمِّه لسهولة متناوله عليه، إلا أنه مكثار. وقل أن يسلم المكثار من العثار. فشعره كما قال الأصمعي في شعر أبي العتاهية: كساحة الملوك يقع فيه الخزف والذهب.

قال: إني لا أرى رأيك فيه، وفي مصر من لو انقطع لصناعة الشعر لوسع الناس إحسانه فيه، ولكن قد ثنى الله عنان الكثيرين عنه؛ إما لشرف يخشى عليه أن يغض منه، وإما لاشتغال بشئون للحياة لا تقوم الحياة إلا بها. وصاحبكم بفضل ما هو فيه من السعة فارغ للشعر، غير مشغول بغيره؛ فالعجب أنه لا يُجيد، وأعجب منه أن يقال إنه مكثار، وقصائده في العام معدودة، وقوافيها مقدرة محدودة!

قلت: لا تطل في أمره الجدال، فهذا الحكم منا على رمية السهم، فإن شئت غشيناه، قال: ما أرضاني بحكمه! ثم همَّ بالنهوض فقلت: على رِسْلك حتى يحين الموعد؛ فقد جعل لي آية للقائه، ثم حدثته حديث سطيح وما كان أمري معه، فارتاح إلى لقائه. ولما حان الموعد قمنا إليه، وإذا به ينادي صاحبي بقوله: «شاعر عربي، وأديب سري، طيَّب الله أنفاسه، وازدهت السبق أفراسه، نهَّاز أذنبة الكلام، خلاب أفئدة الأنام، قريب القلب واللسان، صديق الخاطر والبيان، زوته عواثر الجدود عن مظاهر الوجود، فزكا شعره ولم ينبُهْ ذِكْره، ولو أنصفه زمانه لما خمل مكانه، أو لمحته القدرة لما حرم الشهرة. أي فلان، إن ما خضت فيه من أمر صاحبك مع ذلك الواقف بجانبك — فأنتما فيه سواء — زلة في الآراء، وانحراف عن خط الاستواء. أغرقت أنت في القدح، وبالغ صاحبك في المدح، فخرجت بشاعر النيل عن أفق الحسنات، وكاد يسمو به صاحبك إلى سماء المعجزات، ولو أنصفتماه لأنزلتماه في برجه، وأركبتماه فوق سرجه.

إنه أرقكم طبعًا، وأجملكم صنعًا، فهو إن ركب الغزل والنسيب كان كأنه يوحى إليه من قريب، وإذا سلك سبيل المديح، فقد عجز عن وصفه سطيح، إلا أنه ضيق المجال، وإن كان واسع الخيال؛ يقع له المعنى الجليل في سبحات الفكر الطويل، فيمسكه خاطره، وتحرص عليه سرائره. والمعاني كالظباء كثيرة النفار، شديدة الأحضار؛ فهي إن لم تجد من نضارة الألفاظ خميلة تسنح فيها، أو لم تظفر من عذوبتها بعيون تنهل من نواحيها، ذهبت عنها إن لم يضق بها المذهب.

وكذلك حالها في شعر صاحبكم، فهي إما نافرة وإما حزينة باسرة، ولو أنه منح من دقة المباني ما مُنح من رقة المعاني، فسلم أسلوبه من ذلك التعقيد الذي أخلق ديباجته، لكان شاعركم غير مدافع، وواحدكم غير منازع.»

قال صاحبي وهو يكظم غيظه: إنه لم يغادر معنًى من معاني العرب والفرنجة إلا سلخه، ثم مسخه، فإن كان الأسلوب على نحو ما وصفت، وكانت المعاني لغيره، فما عسى يكون فخره علينا؟ وقد ذكر صاحب دلائل الإعجاز أن البلاغة لا تقع في اللفظ، ولا في المعنى، ولكنها تقع في الأسلوب، فمن كان أسلوبه يجري على غير هذا الحد كان خليقًا ألا يسمى بليغًا، وصاحبنا لا يزال مهزول اللفظ، غامض المعنى، يحتاج الناظر في كلامه إلى تخوت الرمل وطوالع التنجيم. وقد قصر همه على اصطحاب طائفة من الألفاظ لا يعدوها إلى غيرها، حتى أصبح بعضها علامة تدل على شعره، وإن كان غفلًا من ذكره.

ولقد نظرت في طريقة شعره، فألفيتها في الغارة على صحائف الأولين، فهو لم يغادر معنًى في خدره إلا سباه، ولا لفظًا في وكره إلا أزعجه. ألا ترثي بربك إلى عظام أبي الطيب وهي تئن في قبرها على أبيات شادها صاحبها، وخرَّبها صاحب الشوقيات؟! ولو كشف لك عن مجامع الأرواح في عوالمها، لرأيت منها ثلاثًا قد ضمَّها الحزن، وجمعها الأسى، ولوقع في سمعك صوت أبي عبادة وهو يندب شعرًا دخل عليه الإفساد، وأنين المتنبي وهو يبكي كلامًا ذهب به المسخ، وزفير ابن الأحنف وهو يتحسر على رقة لعبت بها يد السلخ.

ومن نظر في قول أبي الطيب: «نود من الأيام ما لا توده.» وفي قول صاحبنا: «يود من الأرواح ما لا توده.» علم أن الثاني أغار على الأول فسلبه مطلعًا أبهى من مطالع الشمس، ولم يقتصر على هذا السلخ حتى تخطاه إلى المسخ، فرفع لفظة الأيام من شطر بيت المتنبي، ووضع مكانها لفظة الأرواح في شطر بيته، ثم جعل مطلعًا من مطالع التهاني أنزل فيه ممدوحه منزلة عزريل من النفوس، فإني لا أعرف أحدًا «يود من الأرواح ما لا توده»، اللهم إلا ملك الموت، فهل بعد هذا نغفر له ضعف الأسلوب؛ لما عساه يقع في شعره من لطف المعاني وجلها على نحو ما سمعت؟

قال سطيح: إنك لا تفتأ تتعقب سيئاته، وتتحامَى ذكر حسناته، فما لك لا تذكر بجانب ذلك قوله في هذا البيت الحكيم:

فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همُو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

قال صاحبي: لو شئت أن أضع بجوار كل سيئة من سيئاته حسنة من حسناته؛ لنفدت الحسنات وأنا في الربع الأول من ليل السيئات.

قال سطيح: إنك إن أخذت عليه أخذه للمعاني، فقد أخطأت مواقع الرأي، فلو طلعت الشمس على جديد لكان صاحبكم خليقًا بما تقول، ولكن ألا ترى أن المعاني كالنقود تداولها الناس وليس عليهم في ذلك من بأس، ولكن بعض ما أوتيه الرجل من الفضل، أصبح داعيًا إلى حسده، والوقوع فيه.

قال صاحبي: لو كنت ممن يعرفون الحسد لحسدت ذلك الذي يقول:

أسمع في قلبي دبيب المنى
وألمح الشبهة في خاطري

ولكني لا أنزل بنفسي إلى حسد من يقول:

مال واحتجب
وادعى الغضب

بل أرثي له من التصاقه بمثل هذا الكلام.

قال سطيح: وهذا نوع من أنواع الحسد؛ فإنك تعمد إلى ذكر شعر ملؤه الوهن والغميزة، وتعرض عن ذكر ما هو رصين من شعره، فتالله إن في قوله:

بسيفك يعلو الحق والحق أغلب
وينصر دين الله أيان تضرب

وفي قوله:

همت الفلك واحتواها الماء
وحداها بمن تقل الرجاء

لآيات لقوم يعقلون.

قال صاحبي: حسبي فيما ذكر، وحسبك فيما تنكره علي من ذلك أن أنشدك هذين البيتين، ثم ذكر بيتين لا يحضرني منهما غير الشطر الأول:

تلك القوافي التي شاهدت شهرتها

قال سطيح: صنع الله لك يا فلان؛ فإني أراك تستبطن أمره، وتستقصي شعره، ولكن هذا لا يعيب من لبث ما أدري كم سنة يضرب على وتر واحد في الغزل والمديح، وهو يأتي في كل ضربة بنغمة جديدة، فلو أنك جئت بأطبع خلق الله على الشعر وكلَّفته ألا ينظم ما عاش في غير المدح، لما غني عن الظهير والمشير، ولما جاء بأبدع مما يجيء به اليوم شاعر الشرق، فاعلم أنه حقيق بالرئاسة عليكم، وأنه في مقدمة أولئك الذين انبروا لتشييد هذه الدولة الأدبية، ورفعوها على ألسنة الأقلام، فإن أنكرته بعد اليوم، فقد أنكرت نفسك، وكذبت حسَّك، فهو عميد رجال هذه الدولة الجديدة، فلا يكن مثلك وإياه كمثل البحتري وذئبه الذي يقول فيه:

كلانا بها ذئب يُحدِّث نفسه
بصاحبه والجد يُتعسُه الجد

فما ضركم لو تساندتم جميعًا وأنتم لا تجاوزون منازل القمر عدًّا، فرفعتم من شأن هذه الدولة، وحركتم من الخامدين، وهززتم من الجامدين؟ فإني أراكم بين متفصح على أخيه، ومتنبل على قرينه، وليس هذا صنع من يريد ما تريدون تحاولون رد هذه الدولة إلى شبابها بعد أن خلا من سنها، ولو لم يتداركها الله بذلك الأفغاني لقضت نحبها، ولقيت ربها قبل أن يمتعها بكم، ويمتعكم بها.

أدركها الأفغاني ولم يبق فيها إلا الذماء، فنفخ فيها نفخة حركت من نفسها، وشدت من عزمها. أدركها وهي شمطاء قد نهض منها بياض المشيب في سواد الشباب، فشاب قرناها قبل أن تشيب ناصية القرن الخامس، فسودت يده البيضاء ما بيضت من شعرها سود الليالي، وتعهدتها همته بصنوف العلاج حتى استقامت قناتها، وبدا صلاحها. وقد كان الناس في هذا العهد يدينون باللفظ ويكفرون بالمعنى، فما زال بهم حتى أبصروا نور الهدى، وخرجوا بفضله من ظلمات القرون الوسطى.

وقام بعده نفر ممن تأدبوا عنه، فكانوا كالسيوف فرجت للرماح ضيق المسالك، فانفسح للمتأدبين المجال، وجال كلٌّ جولته، وتنبه الوجدان، وتيقظ الشعور، وتحرك الفكر حتى أفضى إلى حركة النفس، وظهر أثر جمال الدين في النفوس العالية، وأصبحت تبتدر كلامه الأسماع الواعية، فكان من ذلك أن انطوى أجل التقليد، وبعث الله على يديه ميت اللغة، وأحيا رفات الإنشاء. وغادر — رحمة الله عليه — مصر ولم يضع لنا كتابًا نأخذ عنه، أو مؤلَّفًا نغترف منه، ولكنه ترك لنا رءوسًا تؤلِّف، وأفكارًا تُصنَّف، وكأنه أحس بذلك حين أحس بالموت، فكان يقول وهو يجود بنفسه: خرجنا منها ولم ندع لنا أثرًا ظاهرًا بين السطور، ولكننا لم نغادرها حتى نقشنا ذلك الأثر على صفحات الصدور، فإن لم ترثوا عنا في بطون الكتب، فقد ورثتم عنا في صدور الرجال، فإذا حثوتم التراب على رجل الأفغان، فعليكم برجل مصر.

خرج من الدنيا كما خرج سقراط؛ لم يغادر كلاهما مؤلفًا، ولم يدع مصنفًا، فلولا محمد عبده ما عرف رجل الأفغان، ولولا أفلاطون ما ذكر رأس فلاسفة اليونان.

ولما سكنت أنفاس الأفغاني بعد أن تجددت بذكره الأنفاس، خلفه حكيم الشرق في دولته، ووطن نفسه على المضي في طريقته، فأسمع الناس في الحق وأسمعوه، ولم يزل بهم حتى غلب حقه على باطلهم، ثم مضى لسبيله. رحمه الله.

تفتقت الأذهان وتطلعت العقول إلى البحث، وبرزت اللغة من خبائها تجرُّ مطارف آدابها، وأطل علم الأدب من مناره مشرفًا على النفوس، فأرسل نوره إلى الضمائر، ونفذت أشعته إلى السرائر، فنمى تحت نظره الشعور كما ينمي النبات جادته الشمس بالنظر، أو كسته أشعة القمر، فلطَّف من كثافة النفوس، وهذب من مرارة الأرواح، حتى شفَّت الأولى وعذبت الثانية، وبدأ دور هذه الحياة الجديدة بفضل الأدب وعلمه.

واعلم يا ولدي، أن عز الأمم موقوف على عز اللغات، وأن حياة اللغات مستمدة من حياة آدابها، فإذا ظهر علم الأدب في شعب كان ذلك آية لظهوره، وعلامة على استعداده، فهو الذي يهيئه لقبول أسباب الرقي والعمران، ويعده لمساغ أنواع العلاج، ويروِّضه على احتمال المصاعب في سبيل المعالي. ألا ترى أنه يخاطب الشعور، ويحادث الوجدان، فإذا خفق الأول خفقة حرَّك منه، وإذا أغفى الثاني إغفاءة شرد عنه؟ ألا ترى أنه إذا تيقظ الشعور أحس صاحبه بالحاجة إلى معرفة ما يحيط به، فهو يدفعه إلى البحث واكتشاف أسرار الكون، ويدعوه إلى معرفة ماهية العوالم؟ فلو أنك جئت برجل هامد الشعور، جامد الوجدان، وحاولت أن تقنعه أن الناس في حاجة إلى علم الكيمياء مثلًا لما وراءه من المنافع، لنأى عنك بجانبه، ورأى أنك تحاول المستحيل، وتدعو إلى الباطل.

كِلْ هذا الرجل برهة إلى علم الأدب حتى يتناول منه ما وراء الوجدان، ثم الْقَه بعد ذلك، فتالله إنك لترى منه ما كنت تراه في نفسك، تراه مدفوعًا بقوة الشعور إلى استنباط الوسائل، والاستعانة بالعلوم والفنون على دفع إغارة النقص الذي أصبح يحس به في نفسه وفي أمته.

بُعث صاحب الرسالة في عهد كان ربيعًا للغة وآدابها، نضرت فيه الألفاظ، وأورقت المعاني، وقد مات من أمة العرب كل شيء إلا شعورها ولسانها؟ مات منها كل شيء، ولم ينقصها من مواد الحياة شيء، فجاء الكتاب يخاطب منهم ذلك الشعور الحي، ويكلم ذلك الوجدان اليقظ، فسرت في نفوسهم الدعوة سريان الكهرباء، ووقع منهم مغزى الآية في الأفئدة قبل وقوع لفظها في الأسماع، فكان مثل أحرف الكتاب وإن جلت عن المثل، كمثل أحرف البروق هذه مطيتها الأسلاك، تطوف حول المحيط طواف الفكر، وتلك مطيتها الشعور يبلغ بها غاية النفوس قبل رجع البصر.

صادفت الدعوة نفوسًا غذتها اللغة، وروتها آدابها، فعرفت قدر الكلام، وبالغت في تكريمه حتى رفعته إلى مواطن الآلهة، وسجدت له سجودها للهُبَل الأعلى.

صادفت نفوسًا تملَّكها الوجدان، فأصبحت ترقص لشطر البيت، فهي إن شاء حملها الشاعر إلى مواطن الفناء، وإن شاء وقف بها في مواقف الفخار. صادفت تلك النفوس فلم تصدف عن آياتها، وكان الفضل في ذلك للشعور الذي ولده فيها فهم أسرار اللغة، واستمراء لذة آدابها، وكان من أمر العرب بعد الدعوة ما قد علمت، ولولا آفة أصابت لسانها، وفترة أماتت شعورها، لرأيت أبيض الغرب وأصفر الشرق وصيفين في بيت ذلك العربي الأسمر.

هذا هو شأن الدولة التي أدعوكم إلى تأييدها، وهذا هو أثرها في النفوس، فلولاها ما رفعت دولة في الغرب رأسها، ولا خاف الناس بأسها. انظر نظرة في تاريخ دول الغرب، وأمعن قليلًا في البحث عن أسرار مجدها، تجد سر ارتقائها في تضافر كتابها على بث روح التأثير في نفوس العامة، بما يزخرفون لهم من الأحاديث. وقد ساعدهم على ذلك أن الناس هنالك يكتبون باللسان الذي به يتكلمون، فتتسرب إلى نفوسهم معاني الشاعر، وتمتزج بأرواحهم روح الكاتب وإن كانوا لا يشعرون.

خذ خطيبًا ذلق اللسان، كثير تزويق الكلام، ملمًّا بالعربية، عارفًا بالأعجمية، وتنقل به بين تلك الأمم الواقف على أسرار لسانها، ثم اندبه ليقف وقفة ويخطب في الناس، وتفرَّس بعد ذلك في وجوه السامعين، وما يرتسم عليها من أثر تحرك النفوس، وتنبيه العواطف، واحفظ ذلك في نفسك، ثم عرِّج به إلى مصر، ودَعْه يقف وقفته، ويستجمع قوته، ويخطب ما شاء من الصبح إلى المساء، وانظر كيف يختلف القياس بين صنوف الناس، فلو أنه نثر على رءوسهم التنزيل، وأتبعه بالتوراة والإنجيل، ما حرك منهم جامدًا، ولا نبَّه خامدًا.

وأصل هذا البلاء الذي استعصى معه الدواء، أن لهم لسانين قد تناكرا حتى اختصوا أولهما بالكلام، وجعلوا الثاني من نصيب الأقلام، فمنع اعوجاج هذا من استقامة ذاك، ووقع حاملهما في سوء الخلط والارتباك. فكم ترددت بينهما حيرة الشاعر، وأشفقت من العثار يراعة الناثر!

إذا أرضى الشاعر لسان الكلام، أغضب لسان الأقلام، وإذا نزع الكاتب إلى محاسنة العامة، جرَّه ذلك إلى مخاشنة الحامة. دع ما تجنيه الصحف اليومية على لسان هذه الأمة العربية، وما تدخله عليه من لفظ عامي، وأسلوب أعجمي، حتى نعت اللغة نفسها على لسان صاحبكم حيث قال:

أرى كل يوم بالجرائد مزلقًا
من القبر يُدنيني بغير أناة
وأسمع للكتاب في مصر ضجة
فأعلم أن الصائحين نُعاتي
أيهجرني قومي عفا الله عنهم
إلى لغة لم تتَّصل برواة
سرت لَوثة الإفرنج فيها كما سرى
لعاب الأفاعي في مسيل فرات
فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة
مشكلة الألوان مختلفات

فإن لم تعاونوا على شفائها، بعد وقوفكم على مكامن دائها، فقد قضيتم عليها بالممات، وعلى أنفسكم بالشتات، وحسبك هذا من سطيح؛ فقد قطعته عن التسبيح.

قال الراوي: ثم انقطع الصوت، فقُمنا ثملين مما سمعنا من ذلك الولي، وقلت لصاحبي وهو كالمأخوذ: ما عسى يكون ظنك بصاحبك بعد اليوم؟ قال: لقد صدق فيما وعظ، ورحم الله عبدًا اتعظ، فإن دابرت أديبًا بعدها فلست لأبي، وأشهد الله أنني وقفت يراعتي على التوفيق بين جماعة الأدباء، لعلنا نتساند جميعًا على تأييد هذه الدولة التي لم تكد تدرج من مهدها، حتى وقف بها الضعف على حافة لحدها، ولو لم أكن خامل المنزلة، بعيدًا عن الشهرة، لكنت أول الصائحين غدًا بما وقع في نفسي من كلام هذا الولي الكريم، ولكن من كان مثلي، كان خليقًا أن تردد الصحف صدى صوته؛ لعدم نباهة ذِكره.

قلت: لقد أخطأت منافع الرأي، فإن خمولك يجعلك بمنجاة من الحسد والضغينة، فإذا كتبت شيئًا لا تصرف الغيرة عيون القارئين عن الخوض في جمال بيانه، وحسن برهانه، وربما بلغ خمولك من الناس ما لا تبلغه نباهة غيرك، فلا تغبط نبيهًا على منزلة نالها بعد جفاء المضجع وإنصاب البدن، فإن بجانب اللذة التي يشعر بها عند التنويه باسمه آلامًا يضيق عنها مدى الصبر، وإنما تحس بذلك كل نفس أخذت قسمها من الشهرة، ولو أنك وقفت على ما يكابد النبيه من حسد المعاصرين، وكيد المكابرين، لزهدت في عيشه، وفررت من الشهرة إلى الخمول، ولرأيت رأي المعري في قوله:

تمنيتُ لو أني بروضٍ ومنهل
مع الوحش لا مِصْرًا أحلُّ ولا كفرَا

فاعلم أن الشهرة سجن من سجون النفس، يعقلها فيه حب الكمال الإنساني، ويكلها لخفارة الفضيلة، فلا يقوى على البقاء فيه إلا قوي الإرادة، وليس كل من عرفت من النبهاء مضطلعًا باحتمال ما يعرض له من آلام ذلك السجن، ولا قادرًا على مصارعة الهوى. وكم من نبيه أعياه أمر نفسه، فنزع إلى الخمول، واختبأ في ثنايا النسيان، ورأى أن كفة اللذة مرجوحة في باب الشهرة، فنزع إلى كفة اللذة في باب الخمول.

لقيت مرة أحد أولئك الذين كانوا من النبهاء، ثم سكنوا إلى عيش الخاملين، فقلت له في ذلك، فقال لي: لقد وفيتُ قسطي من الأولى، وها أنا ذا أستوفيه من الثانية، فقلت له: وماذا أصبت في الحالين؟ قال: أصبت في الأولى لذة تكتنفها الآلام، وأصبت في الثانية ألمًا تحيط به الملاذ. ولقد كنت وأنا في ربيع الشهرة كأني المعني بقول أبي النجم في أرجوزته:

كالغرض المنصوب للسهام
أخطأ رام وأصاب رام

وكان شعاري في التمثيل بهذا البيت:

فيا عفتي ما لي وما لك كلما
هممت بأمر همَّ لي منك زاجر؟!

فكأن الخامل إذا حاول التسلق إلى مراتب الشهرة جعلني سلمًا لغرضه، واعتمد علي في الوصول إلى غايته، وكأن الناشئ في حرفة الأدب لا يرى لنفسه منفذًا للظهور في غير الغض مني، والوقوع فيَّ، فلا تخلو مقالة يُحبِّرها، أو قصيدة يُقرضها من انتقاصي، والنعي عليَّ فيما أذهب إليه من مذاهب الأدب. كنت أقرأ كل ما يهذي به ويدي قصيرة عن إدراكه لعجزه وخموله، وما يعجزك مثل العاجزين. دعْ ما كنت أكابد من حسد المعاصر، وأقاسي من صرف النفس عن سبيل الهوى، فكم تمنيت مجالس الشراب، والتبسط على اللهو، وحالت بيني وبينها الحوائل! وكم التفتت نفسي إلى ما يدعو إلى التفات النفوس من الشهوات، فحاكمتها إلى سلطان الكمال، وماددتها حبل الجدال، حتى إذا همَّت بالخروج عن دائرة الامتثال، وسئمت صحبتها على تلك الحال، رأيت أن أرفِّه عنها، وأهون عليها، فعمدت إلى الخمول لأجمع فيما بقي من أيام العمر بين اللذتين، وأُسرِّح النفس من ذُلِّ السجن الذي كاد يأتي عليها، وما فعلت ذلك التماسًا لعقوق الفضيلة، أو نزوعًا إلى عيش المستهترين من عبدة الشهوات، فليس ذلك من أمري، ولا هو بملذوذ عند مثلي، ولكني فعلته طلبًا للهدنة بيني وبين الزمان، وإشفاقًا على الحاسدين من حسد أكل صدورهم، وعملًا بقول القائل:

ليس الخمول بعار
على امرئ ذي كمال
فليلةُ القدر تَخفَى
وتلك خير الليالي

كذلك كان يحدثني ذلك النبيه عن آلامه، فهل تغبط بعدها نبيهًا على عيشه، وتتطلع إلى الدخول فيما يخرج عن الطوق؟! ألم تر إلى فريق الفلاسفة كيف أنه اختار العزة، ونفر من الشهرة؟! وهذا «إيبيكير» اليوناني يقول: استر حياتك ما استطعت.

قال صاحبي: لقد حببت إليَّ عيش الخامل على ما فيه من غضاضة تلحق بالنفس، وفتور يقع في الهمَّة، وإن كان هذا شأن الضعيف من الناس، فإني أراني قد خُلقت ضعيفًا، ليس في طوقي احتمال ما ذكرت من المصاعب، فلو أنه سلف لي من نباهة الذكر ما سلف لي من الخمول، لقارنت بين الألم في الحالين، وحكمت بين الراجح والمرجوح من الكفتين، ولكن سلني إن شئت عن آلام الخاملين أصورها لك تصويرًا يبلغ منك مبلغ العيان.

قلت: مهما تأنقت في التصوير، وأبدعت في التعبير، فإن ذلك لا يكون شيئًا بجانب كلمة يقع بها في عرضك سافل، رجاء أن يجتعل على سبِّك من حاسد يكيد لك، أو معاصر ينفس عليك، وها نحن أولاء قد بلغنا مكان الافتراق، فمني عليك السلام.

قال الراوي: ثم أخذ كل منا سَمتَه إلى داره. ولما كان الغد وقد حان الموعد، خرجت أطلب سطيحًا، فأخذت طريقي إليه، ولم يسم لي فيه ما يلفت النظر، ولم يقع بصري على حي أستصحبه، غير أني لم أكد أبلغ مكان اللقاء حتى تراءى لي إنسان لم أدر أخرج من الأرض أم هبط من السماء، فتبينته فإذا هو غلام مراهق يتيمن الناظر بمشهده، كأنه صُوِّر من نفس من ينظر إليه، فدانيته وأنا أُكبره لما ألقى الله عليه من الهيبة، وقد بهرني جماله، وأخذ مني حسن سمته، فما هو إلا أن رآني حتى أقبل بوجهه عليَّ، وخاطبني بلسان عربي قد خلص من لوثة الأعرابية، وسلم من لُكنة الأعجمية.

قال بعد أن حياني وسكن إلى وداناني: إن ولي الله يأذن لك أن تنطلق إلى هذه الحاضرة، وأنا ولده، فكن مني بمنزلة العبد الصالح من ابن عمران؛ فقد أذن لي أن أبرح الليلة الغار، ومد لي في أجل الرجوع حتى يلوح النهار، فقلت له وقد تحفظت ما استطعت من أن تبتدرني سقطة في الكلام، فيعدها علي؛ فقد رأيت نفسي أمام عربي في صدر الإسلام قد قوَّم التنزيل من لسانه، وامتزجت الفصاحة بمنطقه وبيانه: ألا أرى الليلة ولي الله وقد كانت بيني وبينه آية للقاء؟

قال: إنه يتهيأ للقاء الخالق، وقد انقطع عن كلام المخلوق. ألا تذكر ما قاله لك يوم ظفرت بلقائه: لقد كُشف لك عن مكاني، وقد آن أواني؟ قلت: ألا أتزود منه بنظرة؟ قال: في غدٍ إن شئت أعد الكَرَّة، فإنه موعود برؤيتك في يوم خروجه من الدنيا. ثم أومأ إليَّ بالمسير، فسرتُ كالمأخوذ ونفسي على غير ما أعهد، كأنما مرت بها لمحة من تلك اللمحات التي تتصل فيها بعالم الملائك، وكنت كلما نظرت إلى ذلك الوجه المقسم وهو يتألق بجانبي، هممت بتصديق المقنع فيما يدعيه في بدره، وما يخيله للناس من ضروب سحره. فما زلت أسايره وما أكلمه هيبة وإجلالًا، وقد كنت آليتُ ألا أبدأه بالكلام حتى عبرنا الجسر، وقطعنا ما بين يديه من الطريق، وقد هممنا أن نعطف يسرة، قال صاحبي: أراك منذ صحبتك صامت اللسان، وإن كنت ناطق الجنان، فما لك لا تحدث ضيفك؟

قلت: إني رأيت — فيما لا يغيب عنك — من أدب المحاضرات ألا يكون كلام الصغير إلا جوابًا على سؤال الكبير، وقد ساورتني منك هيبة، فكرهت أن أبدأك بالكلام فتُنزل أمري على الجرأة عليك، وقد قال الأستاذ الإمام — رحمه الله: «العِلْم من علَّمك من أنت ممن معك.» وإني لخليق ألا أخرج عن أفق القدر الذي حدده لنفسي عِلمي بها، فليس لي عنه متقدم فأغرر بها، ولا متأخر فأغض منها.

قال: إني لأرى أناة تحمد، وفضلًا لا يجحد. ولقد أكرمك ولي الله بحسن الثقة، وأكرمني بصحبتك، أيها الأديب، فانطلق بي إلى تلك البقعة التي وقف الشيطان في ساحتها، يستقبل الزائر بابتسامة تستتر تحتها الويلات استتار النار في العود، ويشيع المنقلب عنها بنظرة لو كانت سهمًا لنفذت من صميم الجلمود، قلت: لعلك تعني الأزبكية؟

قال: أي وأبيك، فانطلق بي إليها، قلت: بأي الأندية تريد أن نبدأ؟ قال: بأنفقها سوقًا، وأكثرها فسوقًا، قلت: هذه المراقص المصرية، والمخازي العصرية.

ثم هممنا بالعطف على إحداها، فإذا بصاحبي يحد النظر إلى إنسان يتعثر في مشيته، يريد بناؤه أن ينقض عند كل خطوة من خطواته لفرط هزاله، وسوء حاله، عليه لباس قد أخذت منه الأجواء، وتعاقب عليه الصيف والشتاء، وقد نمَّ منه الظاهر على الباطن، فقرأت على وجهه سطور السأم، وآيات الألم، فقلت: إني أرى سيدي ينعم النظر في هذا الإنسان، ولعله قد داخلته رقة عليه، قال: أي وأبيك، إن في هذا الهيكل لنفسًا سجينة، وإن في ذلك الصدر لأسرارًا دفينة، فلو رأيت أن نُدانيه فنستبطن أمره، ونستطلع سره؟ قلت وقد جعلت أُنعم فيه النظر: كأني أعرف هذا الإنسان وإن تنكرت معارف وجهه، وكادت تندرس معالم جسمه.

فما زلت أنفيه وأُثبته وهو مشغول عنه بقراءة صحيفة في يده، وقد غمره ما هو فيه من الحزن والأسى، حتى تَحَققتُه فناديته باسمه، فرفع طرفه، ودلف إليَّ مسلِّمًا، وقال لي مغمغمًا: لا تقذِ عينك بالنظر إلى هذه الأسمال، فلولا مطاردة القوم لرأيتني على غير تلك الحال، قلت وقد جال الدمع في عيني جولة لم تخفَ عليه: لعلك لم تحفظ قول التهامي في الدهر وهو يتقلب منه بين اليسر والعسر:

لا تحمد الدهر في بأساء يكشفها
فلو طلبت دوام البؤس لم يدم
والدهر كالطيف نعماه وأبؤسه
عن غير قصد فلا تحمد ولا تلم

ثم التفتُّ إلى صاحبي وقلت له: هذا أحد من طوحت بهم يد السياسة الإنجليزية إلى مهاوي البؤس والشقاء، فإن شئت أن يحدثنا فإن له حديثًا يأكل الأحاديث، قال: ما أشوقني إلى سماعه. ثم انتحينا ناحية وجلسنا، وبدأ ذلك البائس يحدثنا:

اللهم إني أعوذ بك من ثلاث: الموت الأحمر، والرداء الأحمر، والكتاب الأحمر.

قال صاحبي: على رسلك، أما الموت الأحمر والرداء الأحمر فقد عرفناهما، وفهمنا مغزاهما، فما عسى أن يكون ذلك الكتاب الأحمر؟

قال: وضعه قائد الجيشين، ورافع العلمين، الحاكم بالإرادتين، ووكيل الدولتين، فاتح أم درمان، وحاكم السودان، وصاحب جزيرة أسوان، رافع إرم ذات العماد، وقرين فرعون ذي الأوتاد، واصل أعصاب الفيافي والقفار بأعصاب المدائن والأمصار، ساكن القصر ونابش القبر، ناسف القبة وسالب الجبة — وهو المهدي — رفات المهدي، والجاعل قبته مربطًا للجياد، ومسجده ملعبًا لحُمُر الأجناد، الناقل تلك الكنوز والدفائن إلى تلك المصارف والخزائن، المغربي الذي يستشف أحشاء الخبايا بسحر السياسة، وطلسم الفراسة، ويفك ما عليها من الأرصاد، بدماء أبناء البلاد، بعد تبخيرها ببخور التمويه، تحت ملاءة الترفع والتنزيه؛ ذلكم اللورد الكريم، مخض قانون دولته، ثم استخلص من زبدته ذلك الكتاب الأحمر، وأضاف عليه — حاسبه الله — ما أضاف، وهو اليوم تجري عليه الأحكام في الجيش، وإن لم يوقع عليه أمير، ويشعر به وزير. وللجيش قانون آخر قد اشتملت عليه صدور القوم لا تدركه أبصارنا، ولا تحيط به أوهامنا؛ نقشته يد السياسة على صفحات تلك الصدور، فلا يمسه إلا من مس تراب تلك الجزيرة جثمانه، ولا يراه إلا من رفعت يد الزلفى عنه الغطاء؛ ذلك قانون الإرادة.

فالويل لمن وقف وقفة المجرم أمام القانون الأحمر، والويل ثم الويل لمن وقفها أمام قانون الإرادة؛ ذلك الذي نفذت إرادته في أصحاب الثورة السودانية، وكاد يلحقهم — لولا دفاع الله — بإحدى الجزيرتين.

وعلى ذكر الثورة، سأتلو عليكما من حديث أصحابها؛ إنهم فتية ربهم أعلم بهم، غُلبوا على أمرهم، وأُخذوا بجريرة غيرهم، وإني أقصُّ عليكما من أنباء الثورة، فقد حضرت أولها وعلمت بآخرها:

صدرت مشيئة القائم بالأمر في السودان بجمع ذخيرة البنادق من أيدي الجنود، فتساءل الناس عن هذا النبأ، ومشى بعضهم إلى بعض وقد أرجفوا يومئذ بسقوط الوزارة، وانحراف الأمير عن القوم، فكثر التأويل كما كثر القيل، فتنبأت طائفة أن سبب هذه المشيئة هو التحرز والتوقي من انتقاض الجيش، وقد نما خبر خذلانهم في أوليات الحرب الترنسفالية، وظنت طائفة أخرى أن سببها هو ذلك الفتور الذي زعموا أنه واقع بين الأمير والقوم، وقال ذوو الأسنان منهم: إنها محنة من محن السياسة يبلون بها طاعة الجيش.

وقال صاحب الأمر وقد أنهى إليه عيونه أمر تماوج الجيش: إنما نفعل ذلك صونًا للذخيرة من الرطوبة، وحرصًا عليها من الضياع. والمصري من الجنود كخرقاء أصابت صوفًا لا يحسن القيام بحفظ ذخيرته. وقد علمتم حال الزنجي إذا ملكته سورة الغضب، فإنه حاضر الانتقام يغضبه أخوه لبادرة تبدو منه، فلا يرى أهون عليه من الفتك به، وما أردنا بهم إلا رشدًا.

ولما كان الليل واجتمع أحداث الضباط في ناديهم، وأخذوا يتحدثون في أمر يومهم، قال قائل منهم: أليس من الخطل أن تبقى هكذا الجنود ونحن في بلد غير أمين، وهذه دماء أعدائنا لا تزال غريضة، وتلك أجسادهم تغدو عليها وتروح عنها جيوش العقبان والرَّخَم، وقد أكل الحقد صدور أهل البقعة، وتغلغل الضغن في نفوسهم، وباتوا يرتقبون نهزة ينتهزونها، وما أحسبهم وقد علموا اليوم بحالنا إلا غادين على مبادئنا لعلهم يثأرون. وكان بقرب ذلك النادي رهط يسترقون السمع، ويتسقطون الخبر، وكانوا ممن بايعوا وشايعوا مع القوم، فهم يعبدون الرداء الأحمر، والفارس الأصفر، فلم يجدوا شيئًا يلقون به صاحبهم هو أقرب زلفى من نقل ما سمعوه، فاستبقوا بابه، ورفعوا إليه الأمر على غير وجهه، فوقع كلامهم في نفسه، ووعدهم خيرًا.

وبات يقلب طرفه في أسطرلاب السياسة، ويحسب تقويم كواكب الرأي في أفق الدهاء، وحدث في ليلته تلك أن فرقة من الجنود السودانية عصفت برءوسها النخوة، فعطفت على الذخيرة فارتدتها قسرًا. ولما حاول كبيرهم أن يثني عنها عنانهم، ويحول بينها وبينهم، وفَّوه قسطه من الأذى، ومازالوا به حتى رنحوه لطمًا ولكمًا.

فعظم الأمر على صاحب الأمر، وكادت تنخلع شعبة مهجته هلعًا، ويقطع نياط قلبه جزعًا، وتمثل له شخص واشنجتون وفي يده علم الاستقلال، وطار به الوهم إلى لاديسميث، فانحلت منه الأوصال، ونسي أنه بين مصري له وليٌّ من الذلِّ، وزنجي على قلبه أكِنَّة من الجهل، وكذلك لم نجد له عزمًا، فجمع إليه نفرًا من قومه، وشاورهم في الأمر، فأشاروا عليه بالتماسك، وأن يتراءى للجنود في هيئة المتفقد للشئون، المستخف بالكوارث.

فخرج وهو مقلقل الشخص على جواده لا يصحبه حرس، ولا يماشيه أحد من قومه، وكان معه عند كل جولة يجولها من خاصته من يقوم بتبليغ مشيئته، وإمضاء أمره، فما زال يستقرئ الوجوه والأبصار، وهو كلما مرَّ بقوم تراصفت أقدامهم، والتصقت أيديهم بجباههم، وانتشرت على وجوههم طبقات من الخشوع.

حتى إذا صار بمكان الموقعة، وقد طرح عن منكبه رداء الفزع، نظر فإذا جيش من النسوة يموج بعضهن في بعض، وفي يد كل واحدة منهن هراوة، فما هو إلا أن طلع عليهن حتى عطفن عليه يعبسن بها وجه جواده، فأشفق أن يصيبه عنت منهن، فلوى رأس جواده وأخذ يحتثه هربًا، وما زال يركضه ملء فروجه حتى وصل إلى دار حكمه.

فلما آمن في سربه، أصدر مشيئة ثانية بإبقاء الذخيرة في أيدي الجنود حتى يؤتى لهم بسواها من حديثة العهد بالوجود. وبعد أن كان سبب جمعها لوقايتها من الرطوبة، وحفظها من الضياع، أصبح لاستبدال غيرها بها من النافعة عند الدفاع.

فدعت مثنوية رأي الحاكم سوء ظن المحكوم، حتى ذهبت الظنون مذاهبها، وحتى قال أحد الجنود السودانية لكبيره وهو يخطبهم ويدعوهم إلى الامتثال: ألم تعلم أن الله — سبحانه وتعالى — لم يخلق خلقًا، ضعيفًا كان أو قويًّا، إلا جعل له من جسمه ما يدرأ به الأذى عن نفسه، وهذه السمكة في قاع البحر قد أنبت لها في ظهرها شوكة تدفع عنها بوادر الشر، فكيف بي وأنا ليس لي ما أذود به الردى عن نفسي إلا تلك الآلة التي نزعتم روحها، فأصبحت كالعصا، وما أردتم بنا الخير، ولكن على كيدنا تعملون.

وفي ذلك اليوم، استدعى صاحب الأمر أصحاب ذلك النادي، وقد طرح عنه الأنفة السكسونية، وتزحزح عن عرش الجبرية البريطانية، وأخذ يروض نفسه على التخلق بأخلاق بني الإنسان، وقال لهم وقد مثلوا بين يديه، وما منعهم إلا من استروح روائح الرفق من شمائله: لقد رفع إلينا خبركم بالأمس، وما خضتم فيه من الحديث، فكدنا نعجل العقاب لولا ما سبقت به شفاعة الحلم، فأنتم وإن أخطأكم عاجل العقاب، فلا يخطئكم آجله إذا عدتم لمثل فعلتكم التي فعلتم، فاذهبوا طلقاء السن، فلولا حداثتها لمثَّلنا بكم تمثيلًا، وإياكم وذكر السياسة، فلستم من المنزلة التي يتناول أهلها الكلام فيها، فانزعوا عن شياطين الصحف، فهي إنما تزين لكم من العمل ما لا تحمد له مغبة، ولا تغتبط عاقبة، ولا يقوم بنفوسكم.

إن الكهرباء الفرنسية تسري في أعصاب أرض وطئتها قدم الإنجليزي، فهي لها الجسم العازل والحد الفاصل، فما غاب عنا أمركم، ولكن سوف تعلمون من منا يحز الودج أسفًا، ويقلب الكف ندمًا ويقول: يا ليتني لم أتخذ مع الجهل سبيلًا! ولقد كنتم في ضلة فهديناكم، وفي ذلة فأعززناكم، وما كان المصري في العز بأجمل منه في الذل، فحسبكم ما سمعتم، فما بعد اليوم إلا ما علمتم.

فخرجوا وهم يحمدون الله على النجاة من مخالب العقاب.

وينقضي ذلك اليوم والأحرف البرقية تنبض بأسلاكها، والرسائل بين السردار ونائبه تروح وتغدو على وجهها، وتملأ أنباء الثورة فؤاد السردار رعبًا، فيقول في نفسه: أفتنة في الجيش ولما أَقُم بالأمر فيه غير أيام معدودات؟! فيا سعد كتشنر، كيف تحولت لي نحسًا؟ فيخف إلى العميد فينفض إليه جملة الخبر، ثم يستوزعه الرشاد في العمل، فيلقنه كلمات يلقى بها الأمير.

قد أخرجوه بكره من سجيته
والنار قد تنتضي من ناضر السلَّم

فيصدق الطير ويعود السردار وهو يحمل ذلك الأمر العالي

وهنا تمنعني هيبة الأمر عن التعرض لذكر ما جاء في الأمر، فالله عليم بذات الصدور.

كل ذلك وحركات السياسة الإنجليزية تجري فوق سكون الجيش، وهو كأنه فوق جارية في عرض البحار نام ربانها، وتولى الموج أمرها، فما لبث أن توج بها رأس الصخر، ثم جعلها سرًّا في جوف البحر. ولما ظفر السردار بمناه، راغ روغة فإذا هو بالسودان، وقد شمرت أيام عيد الفطر، فأمر بتجديدها، وأن تحشر له جنوده من السودانيين والمصريين، ونادى من قبله المنادي: معشر الجنود، كل من نابته ظُلامة، أو نزلت به شكاة، فهذا باب السردار لا يحجبه عنكم حاجب! فطفق الضباط يتسابقون إلى بابه، وجعل يقابلهم على انفراد وهو كلما خلا بأحدهم بالغ في محاسنته ومصانعته، فلا يكلمه إلا وماء البِشر يجول في محياه. وكذلك انقضى اليوم والسردار ينثر عليهم بِدَر المواعيد، فما خرجوا إلا ورءوسهم مملوءة بالأماني، وأيديهم بالآمال.

ولقد كان للنعمان بن المنذر بن ماء السماء؛ ملك الحيرة، في كل حول يومان: يوم جعله للنعيم، ويوم للبؤس، فكان يحبو من يلقاه في يوم نعيمه بما يجعله مكفي المئونة طول حياته، ويصب على من يعثر به في يوم بؤسه سوطًا من العذاب، فأراد ملك السودان أن يجري في طريقة ذلك الجبار بإحياء سنته، ففعل شَرْواه، غير أنه زاد عليه فجعل للنعيم شهرًا، وللبؤس شهرًا، فمضى الأول منهما؛ وهو شهر النعيم، والجنود السودانية ترتع وتلعب، والسردار يعطي ويهب، وكبار الضباط تصبح وتمسي على الموائد، والمصريون كأنهم المعنيون بقوله تعالى: فَمَا لِهَؤُلاءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا.

فإذا أيام النعيم ولت، وإذا أيام البؤس حلت، وإذا الموائد رفعت، وإذا العهود نكثت، وإذا الصدور نفثت، علم المصري أنه غُلب على أمره، والزنجي أنه جنى على غيره. وهنا يلوح هلال شهر البؤس يطالع في صحيفة الأفق أسماء أولئك الذين تقاسمهم العزل والطرد، فلم تشرق شمس يومه الأول حتى أصبحت دار الولائم ساحة لانعقاد المحاكم، وأمر السردار أن يكون التحقيق علنًا بعد أن كان سرًّا. وإليك بيان ما وقع في السر والعلانية.

استقدم القائم بالأمر في السودان قبل أن يروعه الأمر بالسفر إلى الترنسفال رجلًا من كبار الإنجليز، وكانت الثورة إذ ذاك في عنفوان شبابها، وقد بلغ الخطب أشده كما يزعمون، فولاه أمر التحقيق، وأمره أن يسلك فيه سبيلًا أخفى من السر، وأظلم من الكفر، وقال له: لتكن عيونك في نقل الخبر كنسيم السحر، ينقل عن يانع الزهر، وهو لا تدركه العيون، ولا تحيط بمسراه الظنون، وضع أمامك إبرة الخداع، فهي لا تلبث أن تقتادك إلى الحقيقة، ولا يحزنك اجتماع المصريين؛ فالمصري والمصري كشعبتي المقراض ما اجتمعتا على عمل إلا افترقتا، وليس التفريق بين أنامل اليد وقد التصقت بأعسر من التفريق بينهم وقد اجتمعوا، ولا يغمض عنك أن النثرة من النقود تنثر ما في رءوس الزنوج من الأفكار، وأن التفريق عليهم يدعو إلى التفريق بينهم. وليجتمع فيك ما اجتمع في الرمح من البأس واللين، وليكن كلامك كالنفس في كونيه؛ إن شئت لطَّفت به الحار، وإن شئت فالعكس. ولتتخرق كفُّك بالنوال؛ فقد ضمنت رده إلينا تلك المناجم الذهبية التي نحن فوقها الآن، وادع هؤلاء الزنوج وحدانًا، واخل بهم كما يخلو الشيطان بالإنسان، وكن كالدينار لتجتمع القلوب على الرغبة فيك، ولا تنس كلمة أرستطاليس للإسكندر حين نصح له فقال: واجمع بين بِدَارٍ لا خفة فيه، وريث لا غفلة معه.

فخرج من عنده وهو يترسم ذلك الأثر ويقول: إن نفعنا الدهاء فاليوم. ولما خلى بنفسه، وجمع إليه كيده، أرسل خلف العيون فألقى عليهم كلمات يعملون بها.

ثم أخذ ينظر في وجوه الحيل، ويستنبط أمثل الطرق، وما زال يستمد قريحته، حتى فتق له الذهن أن يبدأ باستمالة الجنود السودانية، فجعل يدعوهم ليلًا على انفراد، فإذا ظفر بأحدهم هشَّ له وأدنى مُتَّكأه وحدَّثه محادثة القرين، وقد طرح عنه أبهة الرئاسة، وجلس معه على بساط المساواة، حتى إذا سكنت نفسه إلى حديثه، وعلم أنه خلَبه بسياسته وكياسته، طارحه حديث الثورة وما كان منها، ثم استرسل إلى ذكر أسبابها فقال: «إن الأمير — حرسه الله — ليتسخط عند سماع هذا النبأ، وهو اليوم واجد على الجيش لانتقاضه على أولياء الأمر فيه، وما غاب عنه أن أولئك المصريين الذين كفروا بنعمته، كما كفروا بنعمة أبيه من قبلُ، هم الذين استهووكم بالأباطيل، فما فعلوا ذلك إلا نكالًا بكم، حين علموا أننا سنبلغ بكم أسمى المراتب، فنجعل منكم الأمراء والحكام في السودان، ثم نمكن لكم في الأرض. وقد علمتم ما لنا من الفضل على الجنس الأسود، فنحن الأُلي نزعنا عنه أطواق الرق والعبودية، ونحن الأُلي ساوينا بينه وبين الجنس الأبيض، كما ساوى الربيع بين الليل والنهار، وما كنا لنعفو عنكم حتى تنكشف لنا بواطن الأمر، فنعرف أولئك المصريين الذين نفخوا في مناخركم، فركبتم رءوسكم، وطاوعتم أهواءكم، حتى إذا أدرك الجزر بحر الهياج، تسللوا عنكم، وخلفوكم بين السخط والعقاب، فاذكروا لنا أسماءهم لتنظروا كيف نمثل بهم، واعلموا أنكم لا ترون بعد اليوم إلا خيرًا، ولا يرون إلا شرًّا، وما مثلنا معكما إلا كمثل لعاب المُزن تصيب منه الأصداف فيكون درًّا، وتصيب منه الصلال فيكنون سُمًّا.»

يقول ذلك والقدح لا يكاد يفرغه السوداني حتى يملؤه الإنجليزي، فإذا نال منه الحديث وأخذت الخمر، استملاه أسماء أولئك الذين يزعم أنهم جروهم إلى عدم الانقياد، فيملي عليه ما يحضره من تلك الأسماء، ولا ذنب لأصحابها إلا أنها مرت بخاطر السوداني حين اضطره ذلك الإنجليزي.

هذا ما كان يدور عليه فلك السياسة البريطانية مع الجنود السودانية. أما الضباط منهم، فقد وجدوا السبيل إلى استمالتهم بالمواعيد، فكان إذا خلى بهم ذلك القلب طارحهم ما أسلفنا من الحديث، وزاد عليه فقال: «وما كان لنا في جمع الذخيرة من أرب سياسي كما وسوس لكم أولئك المصريون، ولو شئنا — لا شئنا — أن نوقع بكم، لأمرنا بعمل مناورة حربية، فأتلفنا فيها كل ما بأيديكم من الذخيرة وأنتم لا تشعرون، ولكن فلانًا هو الذي ساقه قائد العجلة إلى ركوب هذا الشطط، فكان جزاؤه الخروج من الجيش، فقد أحفظ العميد، وأغضب الأمة، ونبَّه نيامًا لم توقظهم رعود السياسة منذ ثمانية عشر حولًا، على أننا سنردهم إلى سبات لا يقظة معه، بعد أن نبدد شمل الجيش في أقطار السودان، ولنجعلن كل اثنين منهم كالمتآزيين في مستوًى واحد لا يلتقيان، ولسوف يعلمون من منا أكثر مالًا وأعز نفرًا.»

ثم يَستَمْلِيه من تلك الأسماء، فيملي عليه ما شاءت الخمر، وشاء الأمل.

ولما اهتدى ذلك المحقق إلى ما لا تهتدي إليه الكهنة والمنجمون من معرفة الغيب، وجمع في خريطته ما يربو على الثمانين اسمًا، خفَّ إلى كبيره وقد حمل ظلمًا. فوالذي علم آدم الأسماء كلها، ما اشتملت خريطة المحقق على اسم وصاحبه غير مكذوب عليه. فقال له كبيره وقد نظر في الأمر نظرة الحكيم: إني لا أرى رأيك في عقاب هؤلاء الثمانين، وما جرت الثورة العرابية إلى ما يقارب ذلك العدد، ولكن نضرب عليهم بالقداح، فمن صادف النحس سهمه حق عليه العقاب، ولا تجاوز تلك القداح أنامل الكفين عدًّا، فإذا فعلنا ذلك أمنَّا شر العاقبة، وفُزنا بالغاية من إرهابهم، وما أحسبهم بعد ذلك إلا قد صدفت قلوبهم، وانصرفت وجوههم عن بعضهم بعضًا. ومتى انتهى فصل العقاب، عمدنا إلى النظر في وجوه مطالبهم، فأدخلنا بعض التعديل على قانون معاشهم، وحبونا بعضهم بالنياشين، فينسيهم ما هم فيه من السرور كل ما لحق بإخوانهم من الشرور. ولقد غضب الإسكندر يومًا على أحد جلسائه فأمر بإبعاده وتفريق ماله على أخصَّائه، فقيل له في ذلك، فقال: فرقت ماله على أحبابه لكيلا يشفعوا فيه. وكذلك كان رأي الحاكم العام في إخواننا الذين سبقت لهم منه الحسنى، وفي الأُلَى حق عليهم منه العقاب.

خمدت جمرة الثورة التي كان يحدمها الوهم، وسكن بحر الهياج، ووقف فلك العصيان، وعادت أجرام السياسة إلى الدوران، ورجم الثائرون بشُهب من العذاب، فمن يثر اليوم يجد له شهابًا رصدًا. وهدأ زئير الأسد البريطاني، وأصبح حاكم السودان مبرود الغليل، وحمد العميد مغبة الرأي، وقام الواعد بوفاء الوعود، فحلَّى صدر الدجى بكواكب النياشين، وصدرت نشرة المكافآت وما لغير الزنجي فيها نصيب، وآن لنا أن نشرع في ذكر أسباب الفتنة السودانية؛ فقد علمتما ما كان من أدوارها.

لقد أراد الله أن تمتد الثورة من كوخ حقير كما امتد الطوفان من التنور، وسببها كلمة خرجت من ذلك الكوخ، فحملتها الريح إلى آذان الجنود السودانيين.

كلمة لأَمَة كانت تحت جندي من السودان جاءها زوجها عشاء، فسألته عن أمر يومه، فذكر لها حديث الذخيرة فقالت له: وما عسى أن تكون حالكم إذا صبحكم العدو أو مساكم؟ فلقد أصبحنا سواسية في العجز، وبات الرجال والنساء كأسنان القوارح:

فليت لي بك زوجًا أن أشرت له
هذا العدو أتى أصْلاه نيرانَا

تلك هي الكلمة التي مارت لها جزيرة القوم، واهتز العرش البريطاني، وطار نوم حاكم السودان، ومرت أمامه حوادث حرب الاستقلال مرور الصور المتحركة، تلك هي الكلمة التي اجتمع لها البرلمان، وقرر تخفيض الجيش، وحكم على كل مصري فيه بسوء العيش. ولقد كنت أحد أولئك الذين ضرب عليهم بالقداح. ها أنا ذا وليس وراء ما بي من سوء الحال غاية، ولو لم أكن متخرجًا في المدرسة الحربية لكفاني العلم ذلة الفقر والسؤال، ولكنني خرجت منها كأني المعنى بقول من قال:

الجهل شخص ينادى فوق قامته
لا تسأل الربع ما في الربع من أحد

فلقد لبثت في الجيش مع من فيه بضع سنين، فصبرنا على ما لا يصبر على بعضه كل أولئك الذين سُخِّروا لبناء الأهرام، وإقامة البرابي، وما باتت الإنس والجن مطوية الضمير على الطاعة لسليمان كما باتت تلك الجنود المصرية لرؤسائها الإنجليزية. نعم، ولا لاقى جيش الإسكندر في فتوحاته، ولا جيش نابليون في غزواته، بعض ما لاقته هذه الفئة المصرية في الأقطار السودانية. فلو حاول الإنجليز وصل الكرة الأرضية بإحدى السيارات بمد السكك الحديدية، لما وجدوا من يصابرهم على هذا العمل غير ذلك الجيش، فلقد استفرغوا جهدهم لصيرورة الجيش إلى الحال التي تراها، فتمكنوا فيه من النفوس، وحكموا على الضمائر، فلم تخطئهم وساوس الصدور، ولم تفتهم خطرات الأفكار.

دخلوا مصر وفي جيشها من هم أولى سابقة في الفضل، وخصيص في العلم، ومن حنكته السن، وغزته التجربة، وخبطته الحروب، فكنت ترى فيهم المهندس الماهر، والكيماوي الباهر، والمحيط بفن الحرب وعلم التكتيك، ممن تذاوقوا معهم سجال الحرب يوم طرقونا، فأشفقوا أن يكون هؤلاء أمام سياستهم صفًّا صلدًا، فزحزحوهم عن أماكنهم حتى أصبح الجيش عطلًا من كل رجل ركين، ثم نظروا فإذا المدارس الحربية تغذوا أشبال تلك الأسود لبان العلوم والمعارف، فهالهم أمرها، وأسرعوا في سلبها كنز علومها، وتجريدها من حلي فضائلها، حتى أصبحت كالأخيذة السليبة.

ثم يتَّموها أساتذتَها، وأراد ربك فأمست وهي أشبه شيء بمصانع الدجاج، يدخل فيها التلميذ فلا يسلخ ستة أشهر حتى يغدو وعلى جنبه سيف صقيل، فهو يوم دخل فيها مثله يوم خرج منها، لا يزيد علمه في الحالين عن يوم خروجه من بطن أمه، وما كانت قوة التصوير الشمسي بأسرع في أخذ الصور من تلك المدرسة في تهيئة التلامذة للدخول في الجيش.

فأصبحت بفضل القوم كما ترى، وقد جمدت فيها روح العلوم، ونضبت سيول المعارف، وأقفرت غرفها من نجباء التلامذة، وقام ينعق فيها ذلك القائم بالأمر والنهي هناك، وبات يطلبها كل فَدمٍ وجاهل كما تطلب اليوم الضيعة الخربة.

يمشي الكبير من الإنجليز في معسكر الجنود السودانية فيعثر بأولادهم وهم يلعقون فضلات الطعام، وكأنهم وقعوا على تمرة الغراب، فيقف عليهم ويتفرس فيهم، ثم يختار من تدركه السعادة منهم فيقذفه بمنجنيق إرادته على أسوار المدرسة الحربية، فلا يحول الحول حتى ترده إليه وعلى كتفه نجمان من نجوم النحوس، فيغدو اليوم حاكمًا على مَن كان يلتمس فضلات طعامهم بالأمس، وربما كان فيهم عمُّه وأبوه.

والسعد يدرك أقوامًا فيرفعهم
وقد يُنال إلى أن تعبد الحجرا

ويمر ذلك الكبير من الإنجليز على الجنود وهم على مصافهم قيام، فيروقه منظر أحدهم، ويعجبه حسن سمته، وما هي إلا لفتة منه إلى كاتم سره حتى يمسي ذلك الجندي تلميذًا، فلا يهل بالمدرسة شهرًا حتى يوافي إخوانه من الجنود وهو يجر سيفًا لولا الغمد يمسكه لسال خجلًا.

شكا ضابط مصري إلى كبيره وهو يحاوره من سوء العيش، وجفوة الرؤساء، وكثرة الأتعاب، وقلة الأعطية، فأجابه الإنجليزي وقد أمال سالفته تيهًا، وثنى عطفه كبرا: إذا أصبح السردار وقد أراد أن يملأ غرف المدرسة الحربية وفناءها من التلامذة، ألا تتم له تلك الإرادة؟ قال المصري: بلى، فلا يكلفه ذلك غير النشر في إحدى الصحف حتى تتواقع التلامذة على بابها تواقع القطا على المنهل العذب، قال الإنجليزي: لهذا أنتم فيما أنتم فيه من البلاء، فهو إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد، ولو عاف المصريون ورود هذا المورد، وانصرفت وجوههم عن ذلك الباب، وعزفت نفوسهم عن الولوج فيه؛ لأصبحتم من الإعزاز بحيث نحن الآن، ولكن أنى يكون لكم ذلك وما فيكم إلا من هو معنيٌّ بقول ذلك الشاعر الجاهلي:

لحا الله صعلوكًا مُناه وهمُّه
من العيش أن يلقى لبوسًا ومطعمَا

لذلك تكسرت في المصري الأظفار، وبات مهضوم الجانب، غير مرعي الجناب، يعتوره الذل والخور، وتأخذه سوء القالة، وهو كأنه العمر كلما مر به يوم لحق به النقص.

ينظر المصري إلى الإنجليزي وهو كأنه ينظر إليه بالنظارة المعظمة، فيكبره رهبة وإجلالًا، ويتضعضع لرؤيته، وينظر إليه الإنجليزي بتلك النظارة وقد عكسها، فيصغره استخفافًا بشأنه، ويطيل عتاب الخالق الذي فطره على شكله وصورته، ومنحه نعمة التنفس في جو يتنفس الإنجليزي فيه، وهو إن خاطبه خاطبه بلسان لا تجري عليه كلمة تستروح منها روائح الرفق، أو بإشارة يخالطها الجبروت، ويزدهيها البطر.

هذا شأن القوم مع الصغار من الضباط. أما الكبار منهم — كبار الرتب والأجسام، لا كبار النفوس والأحلام — فحالهم إلى الرحمة أدعى منها إلى اللوم؛ فلقد سقاهم ساقي السياسة الإنجليزية كئوسًا من منقوع الرعب، فإذا نظر أحدهم بعض كبار القوم أو صغارهم، وقف أمامهم وقفة الجواد وقد رأى الليث، حتى إذا صدر له أمره بشيء كاد يخرج من ظله سرعة لإمضاء ذلك الأمر، فهو إلى إجابة داعيهم أسرع من الصدى، وهو على حفظ أمره أحرص من الفونوغراف على حفظ الصوت.

اللهم إن العيش مع الأبيضين وإن أبرد العظام، أروح للنفس من عيش ضباطنا العظام، تراهم وكأن أكتافهم سماء الدنيا وقد تزينت بالنجوم، فيروقك ما ترى ولو كشفتهم لرأيت تحت تلك السماء أفئدة هواء:

فليت سيوفهم كانت عصيًّا
وليت نجومهم كانت رجومَا

قال صاحبي وهو مقبل عليه: إني أراك موتورًا، فلا بدع إذا بالغت في النعي على القوم فيما يذهبون إليه من ضروب سياستهم.

قال البائس: وما عسى أن تقول إذا حدثتك عن حياة الضابط الإنجليزي في الجيش المصري.

يهبط أحدهم مِصْر فما هو إلا أن يشم نسيمها حتى يقابله الآمر بمنصب في جيشها.

فإذا سما من رتبة المأمور إلى رتبة الآمر، وأصبح عطاؤه الذي كان لا يتجاوز أيام الأسبوع عدًّا، وقد تجاوز أيام الشهر، ونقلته كيمياء القوة من معدن يُرغب عنه إلى معدن يرغب فيه، وقذفت به يد الطمع من مناجم الفحم إلى كنوز الذهب، وهبت ريح سعوده، ونسي جلود جدوده. نظر إلى المصري تلك النظرة التي أسلفنا وصفها، وقد جعلوا ثوابًا لمن يتعلم العربية منهم في وقت وجيز، فترى قادمهم يصطفي بعض التراجمة أو المتزلفين من الضباط فيأخذ عنهم مبادئ اللغة، ولا يبدأ فيها إلا بحفظ كلمات الهجر والفحش، فإذا وعى منها كلمة وأراد استعمالها فيما وضعت له، أسرع إلى المصري فجبهه بها عن غير ذنب، فتخرج من فيه وهي كأنها حجارة المنجنيق، فإذا أنَّ لصدمتها ذلك المسكين أوسعه سبًا باللغة الإنجليزية. كذلك نصيب كل مصري يخاطبه الإنجليزي بالعربية، ولم يفهم مقصده لتعذر النطق عليه، أو لعذوب الكلام عنه، أو لإيراده على طريقة النطق الإنجليزي، فينطقه بلسان يرتضخ إنجليزية، وحلق كأنه يقيء.

ولقد مررت ببعضهم وهو يكاد يقطر غضبًا، وينشق غيظًا، وأمامه مصري قد انفجر في وجهه بركان الغضب الإنجليزي، فبحثت في الأمر فإذا الإنجليزي حديث العهد باللغة.

والويل لمن يقع تحت سيطرة الإنجليزي قافلًا من الهند، فإن رجله إلى لكز من يخاطبه أسرع من لسانه إلى سبِّه.

ومن لم ير نعيم الدنيا أو يذق عيش الترف، فليقدم الجيش، وينظر الإنجليزي في لين عيشه، ورخاء باله بين مبتسم زمانه، وعز سلطانه. إذا صاح ابتدرت صيحته الألوف، وإذا مشى قامت إجلالًا له الصفوف، وإذا لبس القلنسوة كانت لها في النفوس رهبة التاج، وإذا غضب تقطعت لخوف بطشه الأوداج.

أأفريدون في التاج
أم الإسكندر الثاني
أم الرجعة قد عادت
إلينا بسليمان؟

يهب من نومه فترامى الخدم على خدمته، كل في شأنه الذي نصب له، فإذا قضى لبانته من مأكله ومشربه وملبسه، قدِّم له الجواد فاستوى عليه، ومضى متباطئًا إلى حيث الجنود مصطفة للتدريب، غير مبالٍ بانتظار تلك المئات، ولا بما يلحق بهم من السأم والملل إذا تأخر أوان تجليه عليهم إلى وقت الضحى، وهم يرتقبونه والليل والصبح خيطان، فإذا صار بحيث تراه العيون سجدت السيوف، وقامت البنادق، وخفتت الأصوات، وجمدت الشخوص، وسكنت الأنفاس لسكون النسيم إجلالًا للقادم، ورهبة للمقبل، وما أسعدهم إذا أجاب على كل هذا بإشارة من رأسه أو من يده، ثم يخترق الصفوف بجواده بهيئة المتفقد، وخلفه أكبر ضابط مصري يكتب عنه ما يملي عليه من ملاحظاته، ثم يركض جواده ملء فروجه إلى ملعب الكرة، بعد أن يرسم لمن ينتدبه مكانه خطة التدريب في غيابه.

ومن رآه وهو عائد من ملعبه يجر خلفه الصولجان، وقد أخذ منه الجهد ظنه منقلبًا من إحدى مواقع حرب البوير بعد عراك وصدام، وتعانق والتحام، وروغ وأقدام. قد رنحه الضرب، وأثملته الحرب، يجر من ورائه رمحًا قد جمد عليه النجيع بعدما سالت النفوس.

وتحين ساعة عودته إلى مقر حكمه، فيغير من زيه بعد أن يقطع صدر يومه على مائدة الصباح، ثم يوافي ديوان نهيه وأمره، ومظهر علو قدره، فيتربع في دست جلاله، فما سليمان على بساطه، ولا كسرى في إيوانه، بأكثر جلالًا في الصدور، ولا أشد رهبة في النفوس. فإذا قعد للمظالم، والأخذ للمظلوم من الظالم، فهنا لا تسل عن الميل والإجحاف، وسل عن العدل والإنصاف. والويل للمصري يستعدي عليه الزنجي الحاكم الإنجليزي، فإنه مدفوع به إلى أقصى درجات العقاب، قبل أن يعلم الأسباب، فأي مصري لا يفتأ يضرع إلى الله أن يصبغ لون جلده بسواد جدِّه؛ ليخطو إلى السعادة هذه الخطوة، ويحظو عند القوم بتلكم الحظوة.

والإنجليزي في الجيش مشغوف بحب الأسود من الألوان، عاملًا بقول الشاعر الحكيم:

وما كل وجه أبيض بمبارك
ولا كل جفن ضيق بنجيب

ولو أنه انقلب إلى بلاده في عهد الحرب البويرية، لرأى ما يروق لعينه فيها من تلك الخرق السوداء؛ خرق الحداد التي تتجمل بها الأذرع هناك، وقلما ترى العين ذراعًا غفلًا منها منذ كانت الحروب الترنسفالية، فيسأل الله دوام تلك الحروب؛ ليدوم عليه وعلى أمته سوادها. وهذا أديم الليل، فليقدوا منه ما استطاعوا إذا أعوزهم النسيج، وعزت الألوان.

ثم يعود إلى داره، فينغمس في حوض من الماء، فإذا تم ابتراده فيه تحول عنه إلى المائدة، حتى إذا امتلأ عمد إلى مجلس الشراب، واسترسل فيما هو فيه إلى قبيل تطفيل الشمس، ثم يفزع إلى بارودته فيحتقبها، وينطلق للتصيد في الأودية والغابات وخلفه الكلب والخادم، ولا يعقب حتى يلوح سهيل.

هذا كل ما يفعله الإنجليزي في يومه، وهذه عيشته، وتلك حالته.

أما الجندي الأشقر؛ صاحب الرداء الأحمر، والعيش الأخضر، والطالع الأزهر، فعيشته أعجب، وسيرته أطرب.

يؤتى به من جيشه وهو من عامة الجند فيه، عاطل الذراع، خفيف المتاع، فإذا قدم مصر ليلًا أبى أن تشرق عليه شمسها حتى يكون رئيسًا لمكتب إفرنجي يعنو لأمرته كلُّ مَن فيه من مترجم وكاتب، ثم تسيل له أودية الميزانية بالعطاء، وتفتح أبواب الخزائن، فيمنح من النقود ما شاءت القوة، ومن النفوذ ما شاءت السياسة، حتى يصبح محل الثقة، وموضع السر، ومحور الأشغال، وقطب التنقلات، ومركز التغيرات، فلا يبرم الحاكم الإنجليزي أمرًا دون استشارته، فإذا دخل فيه العُجب، وغلب على نفسه الزهو، نظر إلى المصري تلك النظرة التي أسلفنا نعتها، فتتقاطر على بابه فئات المتزلفين، وأرباب الحاجات، فمن كان له به دخل أو خاصة، كان السعيد المحبو، ومن صلى لغير تلك القبلة كان الطريد المجفو.

وأعرف واحدًا منهم قد استطرد به جواد السعادة حتى أصبح قومندانًا لحملة الجيش، وآخر قد سما به سلم العز حتى أصبح من السردار قاب قوسين أو أدنى، وهو اليوم بالسردارية واضعًا إحدى قدميه على العسكرية، والأخرى على الملكية، تجري على سن قلمه أرزاقهم، وتدور على طرف لسانه تنقلاتهم.

قال الراوي: ثم سكت قليلًا واستأنف الحديث قائلًا: ولو أنني حدثتك عن ذيل الثورة وما كان فيها من أمر الخائنين منا، لأضفت إلى عجبك من تغطرس الرؤساء استياءك من تدابر المرءوسين.

قال صاحبي: وما عسى أن يكون ذلك الذيل؟ قال البائس: مخزية أتى بها مصري، وماذا أقول فيه والزمان أكثر منه وفاء بالعهود؟! خرج من الثورة خروج القدح المنيح، فكبر عليه الأمر، وقد كان ليث كتيبة الجواسيس. على يده خربت تلك البيوت في شهر البؤس، وبيده فتحت تلك الزجاجات في شهر النعيم، وهو أول من طرق الباب على كبيره، وخبَّره بما سمع وما رأى، وأول من دخل في نسبة القوم، فكانوا إذا ذكروه وأعماله قال: ما رأينا غرابًا أشبه بغراب من هذا بنا.

قال في نفسه: لقد زجرت يد القدر طيري بالنحوس، ونسي القوم ما قدمت يداي، وما كان أشبهني بالعافية تذكر عند المرضى، حتى إذا زالت عوارض السقم سن صاحبها ذلك الذكر.

فوالذي جعل إبليس من المنظرين لآتِينَّ عملًا تأنف الحفظة أن تكتبه عليَّ، ولأعقدن عقدة تحل لها العزائم، فما حقد الخصيان على الفحول بأبرى للصدور من حقدي على هؤلاء الذين فازوا بنعمة المكافآت دوني.

ودخل بيت كبير الجيش وهو ظالم لنفسه، قال: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ.

منذ حول دعاني سلفك، وقد نما إليه أن جماعة من المصريين ممن ينطوون لكم على غير الجميل، قد قاموا بتأسيس جمعية وطنية تحت كبير من ولد إسماعيل باتت تظلله القلوب، وتحرسه الخواطر.

قاموا بتأسيسها منذ خمسة أعوام، وأخذوا في الدعوة إليها حتى اتسعت هالتها، وهالني أمرها، ثم أمرني بالغوص على أسرارها، والوقوف على أمرها، فقمت بتنفيذ مشيئته. وما زلت أخالط الضباط وأنا في لباس من الرياء والتظاهر حتى ظفرت بصديق قد آنس إلى صحبتي، وسكن إلى مودتي، فأكثرت في مسايرته ومجاملته، وسرت أطارحه حديث الوطن، وأبتهل إلى الله ودموع الخداع تتناثر على خدي، وما زلت به حتى سللت نفسه، واختلست لبه، فشفت لي سرائره، وأحطت علمًا بما في قرارة نفسه، وتناولت ما وراء ضميره.

فعلمت أنه فرد من أفراد تلك الجمعية، فاسترشدته فأرشدني، وما كاد يستقر في نفسي هذا العلم حتى عدوت لا ألوي على شيء، فطرقت بابها، وساعدني الجد، فغشى الله أبصارهم، وطمس بصائرهم، فأفسحوا لي بينهم مكانًا، وأقسمت لهم يمينًا، وما زلت بهم حتى استفرغت أسرارهم، واستبطنت أمورهم، ووقفت على ورقة التراسل بينهم. وما هي إلا أن سقطت في يدي، حتى تمنيت لو مسخني الله طائرًا، فطرت لساعتي ووقعت في حجر ذلك الكبير. ولما أقبل الليل في لون صحيفتي، رغت روغة فإذا أنا أمامه، فرفعت إليه كل ما وصلت يدي إليه من أخبارهم، فسر حتى عجز عن مداراة سروره.

وحال الحول ولم أعلم شيئًا عن أحوالها، وكأنه طوى كشحًا عنها، وتثاقلت أنا الآخر عن تعهُّدها، حتى وقعت حادثة الذخيرة، فقلت في نفسي: ما لهذه الحادثة بدٌّ من سبب، فأطلت البحث، فما زال يقتادني حتى وقف بي على باب تلك الجمعية، وأكبر ظني اليوم أنها أمٌّ لتلك الحوادث، فصحَّت عزيمتي على لقائك وإطلاعك على باطن الأمر حتى تحتاط له، ولا زلت صاحب النظر الأعلى في الأمور.

وخرج من عنده وما أدري كيف لم تغربه الأرض ولم ترجمه السماء، ولولا أنني أعلم ما أعد الله له في لوحة البشر من آجل العقاب، لعجبت من حلم الله، فسبحان من وسع حلمه كل شيء! فلقد أجَّل عقاب هذا الأثيم إلى يوم لا تنفعه فيه شفاعة العميد، ولا تغني عنه أساطيل القوم شيئًا؛ يوم يسبح معهم في بحر من العرق كما يسبح اليوم في بحر من الغرور.

قال الراوي: ثم أمسك عن الكلام، فقال صاحبي: حسبك ما ذكرت من أمر القوم، فإني أراك تهم بذكر ما ينبغي أن يدرج في أثناء النسيان، فإن كنت لا تزال تعاظم الناس بمصيبتك، فهؤلاء أهل دنشواي قد نسخ ما نزل بهم من العذاب كل ما سلف من أعمال القوم منذ حرقوا (جان دارك) إلى يوم أصْلَوا أهل الأزهر النار، وألقوا بمقاليد الأمر إلى هذا المستشار. فما تلك بيمينك أيها الموتور؟

قال: صحيفة المؤيد. ولقد أبرد غليلي ما كتب صاحبها اليوم من تلك الحادثة النكيرة:

السياسة الضعيفة العنيفة

يستغرب القراء أن نجمع بين هذين الوصفين لموصوف واحد؛ لما يظهر من أن العنف يكون مع القوة، وهي لا توجد مع الضعف في شيء غير متعدد ولو بالاعتبار.

أما نحن فنقول: إن العنف قد يكون مظهرًا كبيرًا من مظاهر الضعف، وخصوصًا في سياسة الأمم وحكمها؛ كصفة الكبرياء للتكبر، فإنها لا تكون في الشخص إلا حيثما يذهب شيء من فضائله ومزاياه، فيحل الكبر بهذا الفرع؛ ليكمل صاحبه علاءً في زعمه.

وخذ الشراسة مثلًا في بعض الناس، فإنها توجد حينما يعوز المرء شيء من مزايا حسن النظر، وضبط النفس، وسعة الصدر، فتحل الشراسة محله؛ ولذلك تجد أضيق الناس صدورًا من يسب غيره، وأقلهم مقدرة على الإقناع الخطابي من يصيح في وجه محدثه ليحمله على قبول رأيه.

كذلك العنف وقوة البطش في حكم الأمم يحل محل حسن السياسة، وقدر المسئولية قدرها في كل عمل. وقلما ترى سياسيًّا محنكًا قادرًا على تصريف الحوادث بالحسنى، والاستنتاج منها بقدر ما تعطيه مقدماتها، إلا كان عادلًا حليمًا بعيدًا عن فعال الظالمين.

•••

لا نذهب بالقارئ بعيدًا بضرب الأمثال عن الموضوع الذي نحن بصدده، فهذه مصر يدير دفة سياستها وإدارتها المحتلون من الإنجليز منذ ربع قرن، وهم يقلبونها على كل وجه من وجوه النظام محوًا وإثباتًا، وتبديلًا وتعديلًا، ورفعًا ووضعًا، فلم تكن أمة ألين عريكة، وأطوع في يد العامل منها؛ تشكر حسن الصنيع، وتصبر على الإساءة. ولو كان اللورد كرومر في غير مصر لمج السياسة، وملَّ أن يقيم في قطر واحد مثل هذا الزمن الطويل، حتى قيل إنه فضَّل مرارًا أن يكون قنصلًا جنرالًا في مصر عن أن يكون سفيرًا لدولته في أعظم العواصم الأوروبية، بل فضل هذه الوظيفة على أن يكون عضوًا في وزارة الأحرار، ولو شاء ذلك لحفظ له مركزه في الوزارة الحاضرة.

وما ذلك إلا لأنه في مصر يعمل كالملك المطلق الإرادة، لا يشوش عليه مشوش من المراقبات الشديدة، ولا ينغص عليه منغص من الحوادث المزعجة. قضى كل هذا الزمن طيب الخاطر، هادئ البال، قرير العين بهذا السلطان القوي الذي يدير به دولاب الحكومة المصرية، وقد لقي من الأمة مهادًا طريًّا، ومن أمير البلاد مسالمة مرضية، ومن الوزارة استسلامًا ليست العبودية أوفى منها في العبد لسيده.

ولكن اللورد في حكومته كان ككل حاكم مطلق يحتاج إلى الأعوان الذين يساعدونه. ومن عادة الملوك أن يختاروا في كل دور من أدوار حياتهم الأعوان الذين يوافقون الظروف؛ ففي دور كان مع اللورد كرومر أعوان مثل الجنرال جرنفيل في الحربية، والكولونيل منكريف في الأشغال، والسير سكوت في الحقانية، والسير إدجار فنسنت أو بالمر وملنر أو غورست في المالية، ثم الداخلية.

وفي دور كان معه المستر ماتشل في الداخلية، والمستر كوربيت في المالية، والمستر دانلوب في المعارف، وهلم جرًّا.

ولا خلاف في أن هؤلاء يختلفون كفاءة، كما أنهم يختلفون استقلالًا في الرأي مع اللورد، بل مما لا خلاف فيه أن أعوان جنابه في هذا العهد كانوا في وظائف مصرية صغيرة أو صغيرة جدًّا، ثم ترقوا بحسن عناية اللورد وعظيم رعايته، فله عليهم يد الفضل أكثر مما لهم عليه من يد المعونة الكبرى.

والزمن الذي كان السير سكوت لا يقبل كل رأي يشار عليه به من الوكالة الإنكليزية في التشريع والقضاء، ويقول إن النظامات القضائية لا تحكي بناء القناطر، وتشييد الجسور قد ذهب بذهابه، وجاء الزمن الذي يضع فيه أساس الإدارة الداخلية في البلاد كلها، ويقول بضرورة الانقلاب العام، وإحلال العنف فيها محل العدل من كان قبل بضع سنوات ضابطًا عسكريًّا صغيرًا يؤدي وظيفة عسكرية محضة.

نحن لا نطعن على كفاءة عامل، ولكن نقول بالإجمال إن الذين يتولون إدارة البلاد الآن أعوانًا للورد كرومر تنقصهم تجارب كثيرة، وخبرة كبيرة بأحوال البلاد، حتى يكونوا بعد ذلك منظمين مصلحين، ولا يمكن أن يكون اللورد عاملًا بذاته في كل مصلحة؛ لأن المراقبة العامة تشغله عن المراقبة الخاصة. فإذا حدثت حادثة غير منتظرة في البلاد، حالت بينهم قلة الخبرة وبين تكييفها بحقيقتها، فأعطوها غير حكمها، وبنوا على حدوثها تغييرًا وتبديلًا في النظامات، قد يبعدان بها عن محجة الصواب بعدًا شاسعًا. وكلما سأل جناب اللورد واحدًا من أولئك الأعوان عن سبب حادث ما، أجابه بقدر ما يعلم بالرأي الفطير، فأمره بناء عليه بما يأمر الطبيب ممرضًا يخطئ في أعراض سير المرض والطبيب غير مسئول.

فالبلاد سائرة والحالة هذه بآراء أولئك الأعوان على غير خبرة كافية منهم، وبالأوامر المطاعة من جناب اللورد كرومر. وحيث اختلفت حواس السمع والبصر والبيان، اختلفت نتائج الحكم على الأشياء.

هذا هو سبب الاختباط الحاصل الآن في إدارة البلاد، وعيوب هذه الإدارة تزداد وضوحًا يومًا بعد يوم، فيوجد في عناصر السياسة المصرية الآن فراغ كبير من حسن النظر والحكمة هو الذي يراد سده بالعنف، والخروج عن منهج الدستور الذي تحكم به البلاد.

ومن سوء الحظ أن الدستور وجد ناقصًا في ذاته نقصًا يقولون إن طبيعة البلاد اقتضته، وللورد كرومر في هذا المعنى فلسفة طويلة عريضة في عدة أبواب من تقريره الأخير، حكم فيها حكمًا قاسيًا على استعداد الأمة، وقلة استعدادها للنظامات الدستورية الكاملة.

وأضف إلى ذلك الاختباط وسائط شتى تحيط بالوكالة الإنكليزية وكبار موظفي الإنكليز، جعلت همَّها تأويل كل حادثة في مصر بما يوسع مسافة الخلف بينهم وبين المصريين، وتحريف كل كلمة تكتب في الصحف المصرية بما يسوء سمعه، حتى تبقى لهم وظيفتهم على الدوام مصدر نعمة وخير.

فلو وجد محللون كيماويون سياسيون خبيرون يحللون عناصر الحوادث التي تحصل في مصر — ويكون لها سوء تأثير عند المحتلين — تحليلًا حقيقيًّا يردون به كل جوهر إلى أصله، وكل معلول إلى علته، وكل نتيجة إلى مقدمتها، ولو وجد من الإنكليز في وظائفهم من لا يخدعهم تحريف المحرفين — والمحتلون أكثر الناس انخداعًا بزخارف المموهين كما قال المرحوم الشيخ محمد عبده؛ مفتي الديار المصرية سابقًا — لما انعكست آية ما بين أبناء البلاد وأولئك المسيطرين.

•••

انعكست تلك الآية إلى حد أن يظنوا أن حادثة دنشواي أثر من آثار التعصب الديني القائم الآن بين المصريين والأوروبيين، وهو ظن باطل إن لم يكن خطأ مقصودًا بالذات؛ لتخفيف شناعة ما فعله رجال الاحتلال في هذه الحادثة لدى الرأي العام الإنكليزي.

والقارئ لما نشرناه نقلًا عن جريدة التيمس، يرى كيف كان مركز ناظر الخارجية حرجًا في البرلمان وهو يسأل عن نقط كيفية تنفيذ الحكم على الصورة الفظيعة التي حصل بها، فلا يجد له جوابًا سوى أن يعد بالجواب فيما بعد على هذه النقط.

سألوه هل حقيقة كان تنفيذ الحكم جهارًا نهارًا على مرأًى من أهل المحكوم عليهم نساء ورجالًا؟

سألوه هل حقيقة كان تنفيذ الحكم بكيفية أن يشنق المحكوم عليه بالإعدام، ثم يبقى معلقًا على مرأًى من بقية المحكوم عليهم به وبالجلد حتى يجلد اثنان؟

سألوه هل حقيقة كان الشنق والجلد على مرأى من الأهل يبكون والنساء يندبن ويعولن؟

سألوه هل كان التنفيذ بواسطة الكابتن متشل؛ مستشار الداخلية (لأنه لا يزال برتبة كابتن في الجيش الإنكليزي)، وقد وصفوه وصفًا مهينًا جدًّا، كما يرى القراء في محضر جلسة البرلمان المنشور اليوم نقلًا عن التيمس.

سألوه عن أشياء من هذا القبيل، فكان لا يستطيع أن يجيب بالإيجاب، وهو يعلم أن كل ما سألوه إياه واقع لا ريب فيه، وكان كل ما يقدر عليه في هذا الموقف الحرج أن يعد بالجواب ريثما تأتيه التفصيلات الوافية في ذلك. ولو أجابهم بالإيجاب في ذلك الموقف لساءت حالة الوزارة، وساء حال كبار المحتلين في مصر بما لا يعلم إلا الله نتيجته.

•••

على أن اللورد كرومر وجد من هذا المضيق الخطر فرجًا له ولوزير الخارجية في جلسة تالية، فاتَّهم الأمة المصرية كلها بالتعصب الديني على الأوربيين، وقال: إن عمل الحكومة المصرية في حادثة دنشواي كلها كان عملًا استثنائيًّا؛ إخمادًا لثورة خفية في الطبقة النازلة من الأمة.

وهدد مصر بمعاملات جائرة، ربما اضطرت لها الحكومة اضطرارًا، وكان هذا ختام فصول الرواية في البرلمان، الذي ترجح عنده الآن أن الأمة المصرية كلها أثيمة مجرمة، لا أهل دنشواي وحدهم، وأن مركز الحكومة الإنجليزية يحف بالأخطار الهائلة إن لم يطلق لها السراح للنهاية في استعمال كل ما تريد استعماله عند الحاجة، مخالفًا للدستور ولطرائق الأمم المتمدنة.

•••

ما الذي أوجب اللورد كرومر أن يدافع عن نفسه وعن بقية أعوانه في البرلمان بهذا السلاح الخطر المضر بمصر وأهلها؟

ما الذي أوجب القائمين بإدارة مصر الآن أن يلجئوا إلى هذا العنف المودي بأهلها اتهامًا؟

ما الذي اضطر ناظر الخارجية أن يهدد الأمة المصرية في مستقبلها مثل هذا التهديد؟

أوجب ذلك كله ضعف في سياسة القوم يحاولون سد فراغه بهذا العنف الشديد.

ولكن حنانيك أيها اللورد الكريم، وعطفًا أيها العامل المصلح، الذي ما عهدناه يريد لمصر غير الخير والفلاح! وإنصافًا أيها الرجل الشريف النزيه، الذي لا يرضيه أن تضحي مصلحة أمة شكورة، تعرف الجميل لصانعه ولا تنساه، حنانيك أيها اللورد أن يخدعك عجز أعوانك فتحكم خطأ على أمة كتبت صحف تاريخك فيها بيضاء، فتعكسها آية انتقام لا محل له منك بما تجره عليها من الويل والثبور في مصير الأمور.

ولما انتهى من القراءة قال صاحبي: لقد أحسن الكاتب، وأصاب الناقد، فغمز بقلمه مكامن الضعف من تلك السياسة، وحسبنا الساعة ما سمعناه، على أنني لا أرى رأيه في النعي على هؤلاء المحتلين فيما يذهبون إليه من مذاهبهم في ضروب الاستعمار، وفنون الاستثمار. إنهم دخلوا في الأرض أصابوا فيها أنعامًا سائمة فاكتسحوها، وقطعانًا سارحة فاغتنموها، ولو أنهم أصابوا نفوسًا تشعر، وأعصابًا تحس؛ لما بلغوا بها المبلغ الذي تراه.

أرأيتك كيف يجمل بهم وهم أبطال السياسة وفرسان الدهاء أن يوقظوا بأيديهم هؤلاء النيام، أو يحركوا بقوة العلم هذه الأصنام؟ فمن ذا الذي يقف بعدوه على سبيل الرشاد، أو يمهد لأسيره طريق الفكاك. إنما تلك شمائل الأنبياء، وخلال الأصفياء، لا فرق عندهم بين العباد في سبيل الهداية والإرشاد.

قرأت في قاموس وضعه أحد الحكماء من شعراء فارس ألبس فيه الحكمة ثوب الهزل؛ لترغب فيه العامة، ولا ترغب عنه الحامة (الخاصة)، فكان مما استوقف نظرتي، ولفت فكرتي، قوله في تفسير لفظة النبي: «فسرها بالمحب لأعدائه.» وأنك لا تجد — فيما أعلم — بين هؤلاء الناس مهما اختلف القياس من يحب عدوه، ويرجو له الهداية، اللهم إلا تلك الطائفة التي اصطفاها الله فنزَّهها عن الأغراض، وطهَّرها من الأحقاد. والقوم ليسوا — بحمد الله — من تلك الطبقة حتى نحسن الظن بأفعالهم، ونريدهم على أن يعملوا على صلاح عدوهم، فلا تعضنَّهم بأنياب الملام، ودعنا الساعة من ذكر السياسة، فإنني أخشى أن ترتفع أذيال الظلام قبل أن نقضي اللبانة من رؤية تلك المراقص.

ثم ودعناه وعطفنا على المرقص، فما هو إلا أن أحلَّنا حتى نظرنا، فإذا امرأة نصف قد تبذلت في لباسها حتى خرج بها التبذل عن أفق الحياء، تكاد تتزايل من فرط التمايل أعضاؤها، وينعقد من شدة التهييف خصرها، فهي تلتوي التواء الحية الرقطاء، وتضطرب اضطراب السمكة حيل بينها وبين الماء، فأجال صاحبي نظرة في أنحاء المرقص ألمَّتْ بجميع ما فيه، ثم دعاني إلى النهوض فنهضت، وما كدنا نجاوز الباب حتى أنشأ يحدثني فقال وهو يخافت من صوته: إني نظرت فما كاد يرتد إلي طرفي حتى ألممت بجميع ما يقع بين تلك الجدران من أسرار هذه المخازي العصرية.

قلت: وما عسى أن يكون قد كشف لك منها في هذه اللمحة اليسيرة والنظرة القصيرة؟

قال: رُبَّ نظرة عجلَى تنقطع دونها سوابق الأفكار، وتنكشف أمامها غوامض الأسرار.

نظرت في تلك الصفوف فلم ألمح إلا رءوسًا مصرية، وأزياء شرقية، ثم نظرت فإذا الذي يحمل المدام، ويقف موقف الغلام، لا يخرج رأسه عن أفق تلك الرءوس، ثم تنقلت بالنظر إلى الناقر على الدف، والنافخ في القصب، وحاضن العود، وحامل المبذل، وصفعان القوم، فإذا كل أولئك من أولئك من أولئك، ثم أسرعت باللمح إلى تلك النسوة المتبذلات، فإذا جميعهن من المصريات، فأحزنتني الحال، وزادني حزنًا أن رأيت أن المحتلب لهذه الجيوب، والذاهب بتلك الأرباح رومي غير مصري.

فهب أن المصري قد أعياه أمر النزوع عن تلك الشهوات، أفلا يعرض له فكر الانتفاع بما يقع وراءها من المنافع، واسترداد هذا المال الضائع! عجبت له؛ أيذهب هو بالإثم، ويذهب بالمنفعة سواه؟! فما ضره — قاتله الله — لو ضم تلك إلى ذاك، فقام بعمل الرومي وخرج من جدث هذا الجمود، ونفض عنه غبار ذلك الخمول؟!

قلت: لقد أصبت مواقع الرأي، ولكن الذين تطول ذلك أيديهم من أبناء وادي النيل ليشمخون بأنوفهم عزة عن معالجته؛ لأنهم يرون أن العار كل العار في النزول بالنفس إلى تلك المنزلة. وسيدي يعلم — نفعنا الله بعلمه — أن هؤلاء المصريين وإن تقلبت بهم أحوال غير جميلة، فسُلبوا من الهمة بقدر ما رُزقوا من الخمول، لا يزالون يحفظون في ثنايا النفوس بقية من شمم الآباء، ويخفون في قرارتها صبابة من ذلك الإباء؛ ولذلك ترى المصري كائنًا من كان يؤثر حبس ماله عن استثماره والانتفاع به في أمثال هذه المخازي، فسلوته — على ما أرى — قد أصبحت في الحرص على حياة تلك الذكرى في نفسه، فإنك لا تجد في خلق الله من يسرك مظلومًا من غيره، ويرضيك ظالمًا لنفسه. اللهم إلا هذا المصري المسكين، على أن سيدي — حفظه الله — قد نظر إلى الأمر نظرة عمرانية، فعزَّ عليه أن يرى المصري مأكولًا غير آكل، وقد ألمَّ صاحب المنار الأغر بما نحن فيه، فكتب في ذلك وأبدع.

وقال : «لعن الله شارب الخمر، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها.» وقد احتمل أكثر المسلمين في مصر كل هذه اللعنات إلا اللعنة الأخيرة، فإنهم حملوها للأجانب، وأعطوهم أجرة حملها الملايين من جنيهات، والألوف من الفدادين.

قال صاحبي: ألا ترى أنني كأني نظرت إلى ما كتب بلحظ الغيب، وهذه أمة الفرنسيس — وهي أعرق الأمم مدنية وأقدمها حضارة — لا يزال يرى فيها الرائي من المخازي العصرية أضعاف ما يجده في أمة النيل! ولكن أفرادًا منها قد انبروا إلى التقاف ما تطوح به أيدي المستهترين في مهاوي تلك المخازي، فلا يكاد يخطئهم دينار أو يفلتهم درهم، وقلَّ أن يذهب الغريب في بلادهم بغير الصَّدِئ من تلك النقود.

قلت: لقد أجمع المشتغلون بعلوم الاقتصاد على أنه ينبغي أن تترك الأعمال لأربابها، فإذا نظروا إنسانًا مضطلعًا بعمل من الأعمال نابغًا فيه، تركوا له أمر الاشتغال به لينتفع وينفع، وعلموا أن الرومي لا يُجارى في حسن القيام بشئون المنتديات والمراقص، وأنه لا يبارى في الصبر على احتمال ما هو فيه، فأفسحوا له في بلادهم مكانًا، وكانوا له عونًا على انتشار صناعته.

هذه باريز على تسابق أهلها وتناحرهم في شئون الحياة، لا تزال ترى في هنَّا وثمَّ منها أماكن للأروام بديعة النظام، لا يزاحمهم فيها مزاحم، اللهم إلا نفرًا من أهلها قد أودعت فيهم طبيعة الاستعداد الرومي، فشاركوهم في صناعتهم، وصابروهم على احتمال ذُلها.

قال صاحبي: كان يكون ذلك شبيهًا بالحق في أمم الشرق لو أنهم تركوا مالًا يضطلعون به، وأخذوا فيما فطروا عليه من الاستعداد بالقيام به، ولكنهم تركوا كل شيء، وزعموا أنهم عاجزون. ظنوا بهذا الغربي الكمال، فألبسوه ثوب الإجلال، وغلُّوا أيديهم عن تناول ما يطمح إليه نظره، وحبسوا أفكارهم عن السَّبْح فيما يسبح فيه فكره، قلت: إني أرى مولاي قد قتل شئوننا بحثًا، فليس لي فيها ما أقول.

ومرت بنا فترة ونحن سكوت حتى إذا صرنا أمام قصر فسيح من قصور الأغنياء قد خيَّم عليه الديجور، وسكن سكون القبور، نظر إليَّ صاحبي نظرة أدركت مغزاها، فقلت: إنه قصر لغني همه الجمع، وشيمته المنع؛ فهو لا يخشى المعرَّة، ولا يعرف سبيل المبرَّة، وقد بلغ من حرصه على الدانق والحبة أنه إذا أغلس استصبح في داره بالنجوم؛ لذلك لا ترى في فنائها قنديلًا، ولا يعرف الطارق إلى بابها سبيلًا.

فلو يستطيع لتقتيره
تنفس من منخر واحد

على أنه قد أفنى ثلاث عمائم ألوانًا، فوقف على أبواب الفناء، وهمَّ سراج حياته بانطفاء.

قال صاحبي: عجبت لهذه الحكومات تسرع بالحجر على السفهاء من المبذرين، وتتثاقل عن الحجر على هؤلاء المبخلين! قيل لعمر بن الخطاب: قد جمع فلان مالًا، فقال: وهل جمع له أيامًا؟! ويلي على هذا الغني تُنفِق من عمره الأيام، وتَهدِم من بناء هيكله الليالي، فتسهل عليه النفقة من عمره، وتعز عليه النفقة من ماله، ولو أنصفت الحكومات لسارعت بالحجر على أمثال هذا الغني البخيل!

قلت: هب أن تلك الحكومات قد قالت: ليت المشرعين الذين يتفننون في أساليب ما يضعون يقفون لمحة أمام هؤلاء الأغنياء؛ ليعلموا أن الشرائع التي وضعتها يد البشر لا تزال في حاجة إلى الكمال!

قال الراوي: ثم ساد بيننا السكوت. ونمرُّ بدارٍ قد سطت عليها غياهب الليل، وخيم تحت سمائها الذل والويل، فيقول لي صاحبي: لمن هذه؟ قلت: هي لرجل كان مكفيَّ المئونة في دهره، مستور المعيشة في عمره، فأبى إلا المتاجرة فيما يخرج عن الطوق، فأكل الطمع منه رأس المال، وردَّه إلى ما ترى من سوء الحال.

قال صاحبي: لقد نظرت في سواد هذه الأمة، فلم أجد إلا أحد رجلين: رجل ركب في طبيعته حب العمل، وركز في طباعه التهور في كل ما يأخذ فيه، وهو لا يملك إلا مائة من الذهب، يرمي بنفسه في غمار الاتِّجار بما يخرج عن طوقه، فيسوقه التهور إلى الاستدانة، وتوسيع هالة عمله، فلا يلبث أن تذهب بمائته المقاضاة، ورجل بُني على الحرص، وفُطر على الخمول، وهو يملك الألوف، فيدعوه الحرص إلى حبسها، ويقعد به الخمول عن استثمارها، فلا هو ينتفع بألوفه، ولا الناس تنتفع بوجوده.

ثم حانت منه التفاتة إلى السماء، فإذا الظلمة تنجلي عن أطرافها انجلاء الخضاب عن القذال الأشيب، فصاح بي: على رسلك أيها الصاحب؛ فلقد أفجرنا. ألا تنظر بربك إلى الأفق، وقد نظم الفجر حواشيه، فوضح للعين ما قاله فيه صاحب هذا التشبيه:

وقد رفع الفجرُ الظلام كأنه
ظليم على بيض تكشف جانبه؟

فانطلق بنا إلى بيت من بيوت الله نقضي فيه الصلاة.

فانطلقنا إلى مسجد قريب قضينا فيه صلاتنا، ولم نبرحه حتى برحت الشمس خدرها، فقلت له: أعَزَم سيدي على الرجوع إلى أبيه، أم على الأخذ فيما كُنَّا بالأمس فيه؟

قال: إني ليحزنني أن أعود قبل أن أرى أسواق هذه الحاضرة، وأقف على شيء من عاداتها.

قلت: لله أبوك، فما عدوت ما في النفس. ثم أخذنا طريقنا إلى الغورية، وتباطأنا في السير ريثما يتعالى النهار، وتبتدئ الحركة في الأسواق.

وكنت كلما حدثته في شيء بهرني واسع علمه، فما سألته عن أمر إلا أجابني، فظننت أنه لا يحسن سواه.

فما زلنا كذلك حتى بلغنا المكان الذي نقصده، وكان يومنا هذا طليعة لموسم من مواسم العام عند المصريين، فماجت بهم الطرقات، وغصت حوانيت التجر بالمساومين، فأشرق وجه صاحبي سرورًا، وتألق بشرًا حين ظفر بضالته، وأصاب مشهدًا من مشاهد المجتمع البشرى تحشد فيه طبقات الناس، فيجد الناقد السبيل إلى نقد العادات والأخلاق التي يثيرها احتكاك ذات الصدور، ويبرزها تبادل ذات اليد، فيجتلي منها الباحث في علوم الأخلاق ما يجتلي، حتى إذا انقلب عن موقف إشرافه، وموطن تأمله، انقلب مبرود الغليل، جم فوائد الاطلاع، عزيز جانب الإقناع. فما لبث صاحبي أن رمى بنفسه في غمار هذا الزحام، وتعقَّبْته أكاتف مرة، وأزْورُّ أخرى، حتى خلصنا إلى مَرقبٍ يُمكِّننا من الإشراف، ثم أخذنا نتأمل في سواد هذا الناس، فإذا التجار منتشرون على أبواب الحوانيت، وإذا السلع معروضة للمساومة، وقد جعل كلٌّ يبالغ في تنفيق سلعته بضروب التمليق، وصنوف التزويق، فكان التاجر لا يمر به مارٌّ إلا جذب بطرف ردائه، وأرادَهُ على الابتياع من حانوته، مزيِّنًا له حُسن سِلَعه، مُلحًّا عليه بالرجاء، مقسمًا له بكل محرجة من الأيمان أن ما دعاه إلى ابتياعه لا يوجد عند غيره، وأنه إن فاته الظفر به؛ فقد فاته الحظ، وأخطأه التوفيق.

وكان كيِّسُهم إذا ظفر بفَدمٍ من أفدام الريف حطَّ عليه بأنواع الدهاء، ثم واثقه على أن يُطرفه بأنفس ما عنده حتى يثلج الرجل إلى قوله، فإذا علم أنه سكن إليه بهره بطائفة من ألفاظ الثناء قد خزنها في رأسه، وادَّخرها لوقتها، فلا يكاد المسكين يفيق من نشوة الفرح بما سمع من الإطراء، حتى يعالجه الخبيث بتعليق سلعة في عنقه، مشفوعة بأخرى فوق رأسه، معززة بثالثة تحت إبطه، فلا يبرح الحانوت حتى تبرح الدراهم مخبأها، فيخرج وقد انتفخت أوداجه من كثرة هذا النفاق، وهبط كيسه من فرط ذلك الإنفاق.

وآخر قد تخلَّت عنه العناية، ونام عنده الجد، يمر به الصيد، فلا يحسن إلقاء الحب لما ابتُلي به من حب الصدق، وكراهة تزويق الكلام، فيقف سراة يومه يستقبل من أولئك الأفدام، وهم يلؤمون في المساومة، ويشتطون في الطلب، ويتعنتون في توسم السلع، حتى إذا قلبوا أحشاء الحانوت قلبًا خرجوا كما دخلوا؛ لأنهم لم يأنسوا في رب الحانوت ما اعتادوا أن يسمعوا من صنوف التمليق.

قال الراوي: ولبثنا في مرقبنا هذا حتى سامتنا الشمس، ووجدنا مسَّ الهجير، فأومأ صاحبي إليَّ بالمسير، فتسللنا من تلك الجموع حتى انتهينا إلى مكان قد حجبت شمسه، وأطلق سراح نسيمه، فهاج فينا روحه شجون الحديث، فأنشأ صاحبي يقول: «حكي أن أحد الملوك ارتأى أن يفتح مدينتين على حدود ملكه، فكاشف في ذلك أحد وزرائه، وكان حكيمًا مدربًا، فضرب الوزير برأيه فيما أفضى به إليه الملك، ثم قال له: إذا رأى الملك — أيَّده الله — قبل المخاطرة بالمال والرجال أن نعلم علم القوم، فنخرج في سر من الناس، فإذا خالطناهم وعرفنا أوزان رجالهم، ومقياس أخلاقهم، هيَّأنا لهم على قدر ما نرى منهم. فأخذ الملك برأي الوزير، وانطلق اثناهما في زي العامة، حتى بلغا إحدى المدينتين في ضحوة من النهار، فعمدا إلى سوقها الكبرى، وعطفا على حانوت هناك، قد نظمت فيه صنوف الأقمشة، فجلسا إلى ربه وطلبا إليه عرض سلعة سمَّياها له، فقال لهما التاجر: لقد كان في يدي شيء كثير مما تطلبان، ولكنه قد نفد منذ اليوم، وأظنكما لا تصيبان منه في غير ذلك الحانوت. وأشار لهما إلى مكان في زاوية من السوق. فلم يأخذا بإشارته وعمدا إلى تاجر آخر، فكان نصيبهما منه نصيبهما من الأول، فقصدا ثالثًا فكذاك، فعرَّجا على رابع فكذاك، وما زالا يتنقلان من الحوانيت ولا يظفران من أربابها بغير تلك الإشارة، حتى ضاق الملك ذرعا، فكرَّ راجعًا إلى أول من لقياه وقال له: ما لنا كلَّما عطفنا على أحد من تُجَّاركم، وأردناه على ابتياع سلعة من سلعه أبى علينا البيع وصرفنا عنه. بربك إلا ما صدقتنا خبر تلك الإشارة، قال التاجر: أما وقد أقسمت فاعلم أن صاحب الحانوت الذي حاولت صرفكما إليه قد مرَّت به ثلاثة أيام لم يطرقه فيها طارق بخابئة خير، ولم يفتح عليه بشيء من الرزق، وقد أدرَّ الله لأهل السوق أخلاف الأرزاق، فكرهوا أن يصبح صاحبهم ويمسي وهو على غير حالهم من التيسير؛ لذلك تراهم يطلقونه بالطراق لعله يصيب ما يصلح به حاله، ويقوت عياله.

قال الملك: بارك الله فيكم وعليكم. ثم أسرع إلى ذلك الرجل فابتاع من سلعه وقْر بعير، حتى كاد يأتي على ما في الحانوت، وتركه وقد أنساه ربح يومه ما مر به من كساد تلك الأيام.

قال الراوي: ولما خلا الملك بوزيره، قال له: ما الذي وقفت عليه من أحوال القوم؟

قال الوزير: إن من لبسهم على ظواهرهم راقه منهم ذلك الأدب، وأعجبته تلك المصافاة، ومن استبطن أمورهم وقف منهم على مروءة لا تكون في غير الرجال، وقناعة لا تسكن في غير النفوس العالية، يكسو ذلك منهم حسن الاتحاد، ويزينه الإيثار، ولا أحسبنا بالغين منهم ما نريد حتى نركب الصعاب، ونقاسي العذاب، على أن سكان هذه المدينة لا يربو عددهم على عشرة الآلاف.

ثم انطلقا إلى الثانية، فإذا بها تموج بسكانها، فوقفا في سوقها الكبرى وقفة كان فيها الغناء عن كل شيء. كشف لهما من أخلاق القوم ما كشف لنا اليوم من أخلاق أهل هذه الحاضرة، فآنسا منهم الأثرة مكان الإيثار، والتدابر مكان التكافل، فلم يلبثا أن كرَّا راجعين، وما هي إلا دورة من دورات الفلك حتى خفقت راية ذلك الفاتح على أسوار تلك المدينة، وامتنعت عليه الصغيرة حتى همَّ بالانصراف عنها لولا حيلة دبرها الوزير فكان فيها الفتح.

ذلك مثل المدينتين، فانظر إلى أهل هذا البلد، واعلم أنهم يتناصرون، ولكن على التخاذل ويتعاونون، ولكن على تسويد الغريب، فهم لا يملكون لأنفسهم إلا الضر، حتى أوشك أن يصح فيهم قول كاتبهم الكبير،٢١ عفا الله عنه: هذا بلد لا يخاف المرء فيه إلا من نفسه.»

وطيب الله ثرى فقيد الإسلام الأستاذ الإمام؛ فقد سمعت عنه كلمة من مأثور القول أفرغتها الحكمة في قالب الاختبار: هذه الأمة حياتها في موتها، قلت: وعلى ذكره — رحمه الله — أروي لك عنه ما يكشف عن اعتقاده الراسخ في أفراد هذه الأمة: «صحبته مرة في إحدى روحاته إلى عين شمس، وكانت لي عليه دالَّة ترفع عني مئونة الاحتشام، وكنت أتبسط معه على الحديث، فكان مما ذكر لي في هذه الليلة، أنه ألقي إليه كتاب كتبه صاحبه وإبليس جاثم بين كتفيه، ينذره فيه بالقتل ويتوعده بالاغتيال. ذكر ذلك كمن يذكر نبأ من الأنباء التي يسوقها الحديث، فلم ألمح على وجهه ما ينمُّ عما وقع في نفسه من أثر ذلك الكتاب، ثم خاض في غير ما أخذ فيه، حتى انتهينا إلى طريق مقفر قامت على عطفيه طائفة من النخيل، وكان لا بد لنا من ركوب ذلك الطريق للوصول إلى الدار، فسَرَيْنا فيه تحت الليل، والظلمة تقبض البصر، وتدعو في كل خطوة إلى الحذر، فقلت له وهو يخوض في أحشاء الظلام: ألا يخشى مولاي — حرسه الله — أن يقوم صاحب الكتاب بالوفاء، فيكمن له في لقمة من لقم هذا الطريق، ويبلغ منه ما بلغ أبو لؤلؤة من الفاروق، فيطعن الإسلام طعنة ثانية تذهب بهذه البقية الباقية؟

فنظر إلى نظرة لمعت في تلك الظلمة لمعانًا ساورتني منه الهيبة، وقال لي: أين يذهب بك يا بني، فتالله إني لأهنئ نفسي إذا وجدت في هذه الأمة من يقدر أن يقول لي أخطأت في وجهي، فكيف بي إذا وجدت من يقوى على رفع يده لقتلي؟»

ذلك كان اعتقاده في أمة وادي النيل، ولم يكن رحمه الله منفردًا بهذا الرأي، فقد سمعت غير واحد من الحكماء والأدباء يبالغون في وصف ما نحن فيه، حتى وعيت عن بعضهم كلمة ما درى صاحبها بأي دُرَّة رمى: لقد نزلت هذه الأمة منزلة من الخمول هبطت بها إلى مصاف العجماوات، حتى خشيت أن يُخطئها البعث في يوم البعث. فما ظنك يا سيدي بأمة أصبح بعضها يخشى عليها ألا تُحشر مع الأمم، اللهم إن هذا منتهى أمد الخذلان؛ موت في الدنيا، وموت في الآخرة.

ثم قمنا إلى مسجد فقضينا فيه الصلاة، وعطفنا بعده على مطعم، فتناولنا ما نمسك به الرمق، واستأنفنا المسير، وبينا نحن في طريق عابدين إذا لفيف من التلاميذ يهرولون، وهم من أمرهم على عجل، وإذا لفيف آخر على آثارهم.

فقال لي صاحبي: ما لي أراهم يسرعون وإلى أين هم ذاهبون؟ قلت: إنهم يؤمون الاحتفال الذي تقيمه نظارة المعارف للألعاب، فتتسابق فيه التلاميذ تسابق الجياد، ويتبارون في الألعاب الرياضية كما يقولون، وهو احتفال يشهده عميد الدولة الإنكليزية، ويتأنق في تزيينه بطل رجال الإنكليز مستشار المعارف المصرية؛ ذلك الذي أبلى البلاء الحسن في قتل النفوس، وإحياء الجسوم، وجعل الجوائز السنية لكل سابق في هذا المضمار؛ لذلك ترى نظار المدارس لا همَّ لهم في غير تعهد الأشباح، والويل لمن يعثر به الجد في يوم ذلك المهرجان، فلا يفوز تلاميذه بجوائز الامتحان. ولقد بلغ من ولوع المستشار برؤية هذا المشهد أنه يستقدم التلاميذ من أطراف البلاد، فيجمع تلميذ رأس التين بتلميذ عابدين، والطالب في أسوان بمثله في حلوان، وحكومة البلاد تقوم بالنفقات على هذه الملاعب وتلك التنقلات.

قال صاحبي وهو ملقٍ بسمعه إلي، ومقبل بوجهه علي: لقد أحسن القوم صنعًا فيما يحتفون به من ذلك، ولا أحسبهم إلا مبالغين في الاحتفاء بتعهد الأرواح بعد تعهد الأشباح، فيحسنون جوائز الناجح في العلوم حتى يصح ما يتمثلون به من قولهم: «العقل السليم في الجسم السليم.»

فلقد: لو كان ذلك كذلك، لوجدنا سبيلًا إلى مزاحمة الأحياء، وبسط كل رجاء، في اضطراب جده، وإسعاف ذات غيبه، ولكنهم قضوا على أحد هذين السليمين، فاهتموا ببناء أسوار الأبدان اهتمامهم بإقامة الخزان، وارتفاع الأطيان، ومحو آثار تلك الاحتفالات، التي كانت تقام بمدارس الحكومة، على نفقة الحكومة، يشهدها عزيز مصر في حملة عرشه ورجال دولته وسروات أمته، ويلطفون فيها الفائز بكل سنية من الجوائز، فكان الطالب في ذلك العهد يرصد هذا اليوم المشهود، ويرتقب حلوله، وهو منكمش في الدرس، مقبل على التحصيل، مكبٌّ على التشمير في أحد فروع العلم الذي يميل بطبعه إلى النبوغ فيه، حتى إذا حلَّ يوم فخاره بين أترابه، استقبله على عدة، فيدخل فيه دخول المقدام الجسور، ويخرج منه خروج الفاتح المنصور.

قال صاحبي: إذا صح أنهم يحتفون بالأشباح دون الأرواح، فقد أحسنوا القيام بالواجب، فإنما هم أعداء لكم، وما رأيت قبلكم من طلب من عدوه صلاح حاله، فلا حياة لهذه الأمة إذا هي لم تستمد حياتها من سوادها، فيقوم من أغنيائها مَن ينعم النظر في صلاح شئونها. بربك، هل رأيت غنيًّا من هؤلاء الأغنياء أصبح وقد خصص شطرًا من دخله لنصرة العلم؟ فما لكم تنْحُون باللائمة على رجال الاحتلال وأنتم أصل ما أنتم فيه من البلاء؟ أوليس حسبكم منهم أنهم لا يضربون على يدي عامل، فما عساهم أن يصنعوا بكم إذا قام لفيف من أغنيائكم وتساندوا بأموالهم على تأسيس كلية؟ أو ما عساهم أن يصنعوا بكم إذا خصص هؤلاء الأغنياء جوائز للفائزين في العلوم، وأرصدوا جعالات لكل بارع في صنوف التأليف، أو معرب لتلك التصانيف التي ضاقت بها رحاب المغرب، وأقفرت منها مكاتب المشرق أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ، قلت: لقد صدق الذي قال: إنما تصلح هذه الحكومة على ظلمها لتلك الأمة على نومها.

ثم أردت الترويح عن نفسي بالخوض في غير تلك الأحاديث فقلت له: ما الذي يراه سيدي بشأن تلك الشركة السودانية التي خفق لها العلمان على أطلال أم درمان؟ فالتفت إلي مبتسمًا وقال: وقف شريكان شرقي وغربي أمام المرآة، وفي يد الغربي قطعة من الذهب، فقال له شريكه الشرقي وقد تلطَّف: ألا تعطيني قسمي من تلك التي بيدك؟ قال الغربي: أما وقد أردت القسمة، فاعلم أن التي بيدي هي لي، وتلك التي تراها في المرآة هي قسمك ونصيبك. ذلك مثلكم مع القوم في شركة السودان.

قال الراوي: فندمت على هذا السؤال الذي أضفت به همًّا إلى همومي، ثم عزمت في نفسي على الخروج من دائرة الكلام على السياسة، والدخول في باب المحاضرات الأدبية، فقلت له: ألا أحدث سيدي بأحسن ما ورد على سمعي من الحديث، قال: ألطفنا بما عندك.

قلت: سكر أحد ملوك الفرس ذات ليلة — وأحسبه قمبيز — فسأل جلساءه وقد علت الخمر ذؤابته: أينا خير؛ أنا أم أبي؟ فكلهم تزلف إليه بتفضيله على والده إلا جليسًا بينهم يقال له: قارون، وكان أكرمهم عليه، وأكثر توفيقًا لديه، فإنه قال له: بل أبوك خير منك. فغضب الملك حتى خافه الجليس على نفسه، فعطف قائلًا: فضلت أباك لأنك كنت عنده، وليس عندك اليوم من هو مثلك.

وقد وقع لي ما وقع لهذا الجليس، وركبت ذلك المركب الذي يرمي بصاحبه إلى مواطن الشرور، قال صاحبي: وكيف كان ذلك؟ قلت: جلست مرة على مائدة أحد الكبراء من رجال الإنكليز في الجيش، وأنا إذ ذاك ضابط صغير، وكانت ليلة وداع لعظيم من عظماء القواد في الجيش المصري، انطوت مدة خدمته فيه، وقد شهد المائدة معي لفيف من ضباط الإنجليز والمصريين، وقد أجلسوا بجانب كل مصري منا إنجليزيًّا منهم يحدثه ويباسطه، وكانوا لا يتنازلون إلى الحديث معنا في غير تلك الاحتفالات، التي تطرح فيها أبهة الرياسة، فأخذت في الحديث مع جبار من جبابرتهم أجلسته المصادفة على يميني، وساقنا الكلام إلى ذكر الأتراك وما كان منهم، فقال لي وهو يتكلف البشاشة: أنحن خير أم هم؟ فأجبته بتفضيل الأتراك، وتالله إني ما كدت أنطق بالكاف حتى رأيته وقد تمعَّر وجهه واغتاظ حتى كاد ينشق إهابه غيظًا، فأحسست بالشر، ولكني عمدت إلى الحيلة، فعطفت قائلًا: فضلت الأتراك إذ لولاهم لما رأيناكم، فهم أصل ما نحن فيه اليوم من سعة العيش، وبشاشة الحال، فأشرقت أسارير وجهه، وسُرِّي عنه ما كان قد نزل به من الغضب.

قال صاحبي: أولى لك، فلقد نجوت من شرِّ هذا الجليس بفضل ذلك الجليس.

وما كدنا نأتي على هذا الحديث حتى دانينا فتًى يتوكأ على عصًا وهو لا يكاد يحمل بعضه بعضًا من فرط الهزال، وما تنطق به معارف وجهه من آيات سوء الحال، يرد عن نفسه حملات الألم، وصدمات السأم، بأناشيد أودعها من الأنين، ما يعلم به الصخور كيف تلين، فاستوقف هيكله أبصارنا، واسترعى صوته أسماعنا، فإذا به يغني هذه الأبيات:

لقد كان فينا الظلم فوضى فهُذِّبت
حواشيه حتى بات ظلمًا منظَّمَا
تمُنُّ علينا اليوم أن أخصب الثرى
وأن أصبح المصري حرًّا مُنعَّمَا
أعد عهد إسماعيل جلدًا وسخرة
فإني رأيت المن أبكى وآلمَا
عملتم على عزِّ الجماد وذلِّنا
فأغليتم طينًا وأرخصتم دمَا

ولما أتى على نشيده دانيناه، وبالتحية بادأناه، ثم ابتدره صاحبي بالسؤال: لمن الشعر أيها الأديب؟ قال: لأحد شعراء الوقت، قال: وهل ترى رأيه فيه؟ قال: ومن ذا الذي يخالفه فيما يرتئيه وقد نطق حقًّا ونظم صدقًا؟ قال: وأين أنت من القوم؟ قال: مِن أولئك الذي نقموا الرضا على العهدين، ولم يحمدوا مغبة الحكمين، عهد الدولة التركية وعهد الدولة الإنجليزية؛ ففي أولهما فاضت المظالم، وغاضت الأموال، وفي ثانيهما أخصبت الأرض، وأجدبت الرجال، قال صاحبي: وهل أنت في خفيض من العيش؟ فأجاب الفتى: لا أشكو بحمد الله عسرًا، ولا أرجو يسرًا، وإنما أنا أتفيأ ظل هذا البيت العربي، لذلك الشاعر الأبيِّ:

مذبذب الرزق لا فقر ولا جِدَة
حظٌّ لعمرك لم يحمق ولم يكس

قال صاحبي: وأين مكانك من العلم، وأين منك منزلة الحِلم؟ قال: حسبي أني من تلاميذ حكيم الإسلام الأستاذ الإمام — طيب الله ثراه، وجعل النعيم مثواه — قال صاحبي: إني لأرى رأيًا حصيفًا، وأسمع قولًا شريفًا، فمن أي تلاميذه تكون؟ فقد سمعنا أنهم فريقان؛ فريق قد اختصَّه بسياسته، وفريق قد اختصَّه بعِلْمه، وقد أثنى عليهما العميد، وتنبَّأ لهما بالطالع السعيد؟ قال الفتى: لا علم لي بما تقول؛ فلقد كنت ألصق الناس بالإمام، أغشى داره، وأرِدُ أنهاره، وألتقط ثماره، فما سمعته يخوض في ذكر السياسة — قبحها الله — ولكنه كان يملأ علينا المجلس سحرًا من آياته، وينتقل بنا بين مناطق الأفهام، ومنازل الأحلام، ويسمو بأنفسنا إلى مراتب العارفين بأسرار الخلائق، وحكمة الخالق، وكان ربما ساقه الحديث إلى ذكر أحوال هذا المجتمع البشري، فأفاض في شئون الاجتماع، وحاج العمران، ووقف بنا على أسرار الحياة، ولم يزل ذاك همُّه — رحمه الله — يلقي في الأزهر دروس التفسير، وفي داره دروس الحكمة، حتى مضى لسبيله، فإن كانوا يسمون تلاميذه أحزابًا، ويقسمون تعاليمه أبوابًا، فتلاميذه حزب العلم والعرفان، وتعاليمه سياسة التقدم والعمران، على أنه كان من أشد الناس تبرُّمًا بالسياسة وأهلها، حتى أعلن براءته من الالتصاق بها، فقال عنها في كتاب الإسلام والنصرانية ما قال.

لكنه كان يحتك بها ما دعت إلى ذلك الحالة، ويرصد حركاتها رصدًا، ويصدُّ غاراتها صدًّا؛ خشية أن تقطع على العلم سبيله، أو أن تقف عثرة في طريق الفضيلة، ولولا ذلك لقطعت عليه سلك أمانيه، وحالت بينه وبين ما كان يبتغيه، فكم تلطف في ابتزاز قواها، وتحامَى جهده طريق أذاها، حتى إذا ظفر بطلبته، وفاز برغبته، واستمد منها ما شاء تحت حماية الإفتاء، عطف على العلم بذلك الإمداد، ورد عليه ما سلبت يد الاستبداد. ولعله أوهم العميد بيقظة حزب جديد ليرد عاديته، ويفسد عليه سياسته في مصادرة العلم، ومصارعة الحلم. أما ترى بربك أثر ذلك في المدارس، وما عبثت به يد ذلك السائس؟ ولولا أن الإمام مادَّهم حبل الوداد، وجاذبهم فضل النصح والإرشاد، لأصابه ما أصاب حكيم الأفغان، وقضي على هذه الأمة بالحرمان؛ فلقد كان يغدو على الوكالة ويروح عنها ليدفع عنا شرَّة القوم، ويصلح ما تفسده أهل الدسائس، فكم زحزح عنا حادثًا، ودفع كارثًا، ولو كان حيًّا يوم دار الفلك لنا بالنحوس في دنشواي؛ لرأيت غير الذي رأيت من ذلك القصاص. ولما ارتفع صوت العميد بذلك التهديد والوعيد، ولما نزع إلى كتابة ذلك التقرير الذي جاء أبلغ ما تملي الضغينة على الموتور، فكان فيه كثير جموح اليراع، ضعيف جانب الإقناع؛ كأنه يكتب مقالة خيالية إلى مجلة سياسية، وقف فيها وقفة المدافع عن نفسه.

لحق النبي عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى، فارتدت طائفة من جفاة العرب وكادوا يفتنون الناس لولا حكمة الصديق، وعزمة الفاروق، فما غض أمر الردة من شرف النبوَّة، ولا نال من عصمة الرسالة، ولبث الإسلام إسلامًا، ومات الأستاذ الإمام — رحمه الله — فصبأ بعض حزبه — كما يدعون، وأستغفر الله لهم مما يقولون — فما غض ذلك من كرامة حكيم الإسلام، ولا مسَّ من سيرة ذلك الإمام.

أراد بعض مريديه أن يغني غناءه، وأن يفعل شرواه في التوفيق بين صوالح القوم وصوالحنا، فرمى بنفسه في أحضانهم، وليست له مكانة الإمام من نفوسهم، ولا منزلته في قلوبهم، فقصر ولا بدع، وأخفق ولا عجب، فإن الفراغ الذي تركه الإمام لا يشغله الألوف من أولئك الذين يرفعون العقيرة بالصياح، وينعون عليه مذهبه في الإصلاح، ولما ظهر ذلك المريد بمظهر الاتصال بالقوم، أنكر الناس منه ذلك، فطارت حوله الشبهات، وانبسطت فيه الألسن، وأخذته سهام الأقلام، على أنه وإن أخطأه التوفيق في عمله، فما أخطأه حسن القصد، ولا جازته سلامة الطوية. فوجد بعض المرائين السبيل إلى تشويه سمعة الإمام بعد موته، وبالغوا في ذم حزبه، وزادهم ضغنًا أن قرءوا في تقرير العميد ما قرءوا، وظنوا أن هناك حزبًا يعمل، ولو أراد الله خيرًا لهذه الأمة لسخَّر لها من تلاميذ الإمام مَن يقوم بالدعاء إلى التئام ذلك الحزب الذي أودع فيه الإمام من أسرار حكمته، ما كشف لهم عن حقيقة المصير الذي أصبحنا نساق إليه سوقًا أعجلنا عن النظر في أمورنا، فأمسينا أتباعًا لكل ناعق.

قال صاحبي وقد هاله ما سمعه: أكان يكون بين ظهرانيكم أمثال أولئك الأمناء على تعاليم ذلك الحكيم ولا تتعلقون بأذيالهم؟ على أني لا أرى فيكم إلا ناعيًا عليهم مشهِّرًا بهم، فإن كنت لم تكذبني القول، فتلاميذ الإمام حقيقون باللوم؛ لأنهم يعلمون الحق، ولا يدعون إليه، علموا أن لا حياة لهذه الأمة بغير الجامعة، فما لهم لا يواصلون قرع أنوف الأغنياء بالمواعظ، ولا يوالون الصياح بطلب تأسيسها، فتلتقي أصواتهم بالنداء في أنحاء القطر، ولكنهم سكتوا؛ اللهم إلا شاعرًا منهم قد قرض قصيدة، وقاضيًا قد حبر مقالة في سبيل الجامعة، درج كلاهما في أثناء النسيان، فجمد الأغنياء عن البذل لجمود أولئك الوعاظ عن الكلام، وتدفقوا في إنشاء الكتاتيب حين ساقتهم الحكومة إلى ذلك، ولو علموا أن انتشار التعليم الناقص شر على الناس من بقاء الجهل، لما بذلوا في سبيله ما بذلوا، فكان مثلهم في ذلك كمن يحاول النجاة من أنياب النمر ليقع تحت براثن الليث؛ لأنهم إنما يستبدلون بانتشار الكتاتيب داء الجهل، ولكن بداء الغرور، فسبيل الإصلاح أن ينشأ الكتاب، وتُبنى الجامعة في وقتٍ معًا، حتى إذا أخرج الأول نصف إنسان، أطلعت الثانية إنسانًا كاملًا، فتكفل هذا الكامل بصلاح ذلك الناقص، فتتماسك الأمة، ويكثر فيها الدعاة إلى الخير، فليس بينها وبين الحياة إلا أن يخرج لها العلم الصحيح رجالًا يقودون الأفكار، ويسلكون بها سبيل الرقي.

ومن رأى أن هذه الأمة لا تنهض إلا بتعليم مجموعها، وتهذيب أفرادها؛ فقد أخطأ مواقع الرأي؛ فكم نهضت أمة بفرد، وأسست دعائم دولة على عزائم آحادٍ وفَّوا قسطهم من العلم الصحيح، وأخذوا نصيبهم من الإقدام!

وقد انصرف إلى الصياح بطلب انتشار العلم، ونسوا أن ذلك لا يغني عنهم شيئًا إذا أعوزتهم تربية القادة، وعزَّهم بناء الزعماء، فاعلم أن بناءة الرجال لا تكون إلا في بناء الجامعة.

قال الأديب: وهل يكفي العلم وحده لصلاحنا، ونحن على ما ترى من الخلق والدين؛ فسوق عن أمر الكتاب، وطاعة للهوى، فلا وازع من الدين، ولا زاجر من الخُلُق، فإذا تزعزعت العقيدة ولم يطمئن الطبع، قل أن ينجع في الناس علاج العلماء، أو تأخذهم صيحة الخطباء.

قال صاحبي: صدقت، ولكن ما تراه أنت خطبًا كبيرًا لم يكن في نظر الحكمة إلا أمرًا يسيرًا، وإني ذاكر لك دواء هذا الداء، وهو أيسر مما في نفسك، فلا تنزل أمري معك على المزاح، ولا يصغرن في عينيك مأتى ما ألقي عليك، فرُبَّ مؤرب من العقد ضلت حله الحكماء، واهتدت إليه خطرة من الفكر يرمي بها أحد العامة، وتغفل عنها عقول الحامة (الخاصة). ولعلك إذا سمعت أن الدواء الناجع، والعلاج النافع، لا يحتاج إلى مقدمات طويلة، أو فلسفة جليلة، أصغرت ما كنت تكبر، واستنزرت ما كنت تستغزر، فاعلم أنه إذا أُقفلت أبواب المنتديات، وأُطفئت أنوار الحانات قبل منصف من الليل، انحرف عنكم جارف هذا السيل.

هذه لندرة لا تكاد ترى في حوانيتها ساهرًا، ولا تجد في طرقاتها عابرًا إذا انقضى الثلث الأول من دولة الظلام، وتلك (فينا) يجمع فيها الليل بين الجفون والكرى، ويحول الظلام بين الأرجل والسرى، فإذا شب الليل أو كاد، سكنت حركة العباد، فما لكم لا تأخذون نفسكم بتقاليد تلك الخلائق، وقد ائتمروا بأوامر الخالق.

وما لكم لا ترجعون إلى الفطرة البشرية، أو تخضعون لنواميس السنة الكونية، فتجمعوا في ذلك بين الدنيا والدين، ولا تعقوا أوامر الكتاب المبين. يا ويلكم، أحييتم ليالي العمر بالآثام، وأمتم أيامه بالمنام، فعكستم الفطرة ولا بدع إذا عكست آمالكم، وخابت أعمالكم، خذوا مضاجعكم إذا طرَّ شارب الظلام، واهجروها إذا تنفَّس الصباح؛ ففي ذلك صحة لأبدانكم، وسلامة لأديانكم.

إذا شئت أن تعرف ما وراء ذلك من المنافع، فإني أعد لك منها ولا أُعددها، منها الرجوع إلى المعيشة المنزلية التي انحلت بزوالها روابط الأهل والأقارب، ويبس ما بين البيوتات فتناكر الأخَوانِ، وتدابَر الجارانِ، وأقفرت المنازل من أنس السمر، وألف الناس الجلوس في المنتديات حتى إنهم ليوحشون ديارهم لقلة زوَّارهم، وأصبح المرء في داره حاضرًا كالغائب، مقيمًا كالنازح، يعلم من حال البعيد عنه من حال القريب منه.

ومنها اجتياز العقبات التي أقامتها المنتديات والحانات في سبيل الاجتماعات — كان المصريون في العهد الذي نسميه اليوم بعهد الظلام يجتمعون في الدور، ويتزاورون في القصور، وكان سراتهم وذوو اليسار منهم يجلسون في بيوتهم للسمر، فيغشاها العالم، ويؤمها الكاتب، ويقصدها التاجر، وينتجعها الأديب، فتجري بينهم الأحاديث، وتقوم سوق المناقشات. يحدث الحادث فيخوضون في ذكره، وتنزل النازلة فيجمعهم الألم على العمل على إزالتها، وتطل رءوس المشروعات فلا يفتئون يتبيَّنون معارفها، حتى يقتلوا شئونها بحثًا، ويقفوا على وقائعها جدالًا، وينزل بأحدهم المكروه فلا يزالون ينطلقون بالسعي له حتى يأخذوا بيده، وينهضوا به من عثرته. عقدت بينهم الزيارات عرى المودات، فتراهم وهم كأنهم أهل بيت واحد يألم الجار للجار، ويأخذ الناهض بيد ذي العثار. بربك هل نهضت أمة بغير إدمان المجتمعات؟ وهل أخصبت مودة إذا هي لم يتعهدها أهلها بالزيارات؟ لقد جار في حكمه من قضى على المصريين باستحالة الاتفاق، وجعل تلك الكلمة التي رمى بها حكيم الأفغان أساسًا لحكمه، فصرفه التقليد عن النظر إليها بعين عقله، فمن أين للمصريين أن يتفقوا إذا هم لم يجتمعوا؟!

ومنها اقتصاد المال، وأنت ترى أن هذه الستة الأفدنة تكاد تبلع ما تخرجه أرض وادي النيل من الخيرات، ولا يغرنَّك ما ترى في عاصمة الفرنسيس، فإن أهلها من الأكياس الذين يَصِلُون سهر الليل بالنهار لاصطياد الذهب، ولكن من جيب الغريب، ونحن إنما نفعل ذلك ليذهب الغريب بأموالنا، ويسخر من جهالنا.

١  أعني قريبًا.
٢  القض والقضيض هو الحصى الصغير، وأقض عليه المضجع أي امتلأ عليه حصًى فتعذر عليه النوم.
٣  فصحه النهار إذا ظهر له ضوءه.
٤  أعني بعض المآخذ.
٥  الفراسة.
٦  الداهية الخبير بتحويل الأمور.
٧  نحله الشيء عزاه إليه.
٨  تقاطيع الوجه.
٩  الخلة: الفقير.
١٠  استمرَّ الشيءَ إذا وجَده مرًّا.
١١  أعذر الرجل إذا جاء بالعذر.
١٢  شمست أي نفرت.
١٣  أخذ الجعل أو الجعالة.
١٤  مغلوبًا في المخاصمة.
١٥  البيت هنا بمعنى الخانة.
١٦  جعلوا لها طريقًا.
١٧  يطلبون منك أن تعجب.
١٨  الحمدة الذي يبالغ في حمد الناس بما ليس فيهم.
١٩  واللمزة الذي يسعى بالنميمة في الناس.
٢٠  حامل الضب أي حامل الحقد والضغن.
٢١  المرحوم إبراهيم بك المويلحي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١