التحف المعدِنية

أتقن الفنانون الإيرانيون صناعة التحف المعدِنية قبل الإسلام، وظلت لهم المكانة السامية في هذه الصناعة بعد أن أصبحت بلادهم جزءًا من العالم الإسلامي. وقد كتب ابن الفقيه الهمذاني في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) يصف مهارة الإيرانيين في إنتاج التحف المعدِنية:
ولفارس فضل في اتخاذ الآلات الظريفة المحْكَمة من الحديد حتى لقد قال بعض الحكماء — لما وقف على أشياء ظريفة عند بعض الملوك من آلات فارس: لقد ألان اللهُ عز وجل لهؤلاء القوم الحديد وسخره لهم حتى عملوا منه ما أرادوا؛ فهم أَحْذَق الأمة بالأغلال والأقفال والمرايا وتطبيع السيوف والدروع والجواشن١

والواقع أن التحف المعدِنية الساسانية عليها مسحة من القوة والعظمة، قَلَّ أن توجد في تحف معدِنية أخرى. وخير دليل على ذلك ما وصل إلينا من الصواني والأطباق الذهبية والفضية ذات الزخارف البارزة، وأكثر هذه التحف عُثِرَ عليها في جنوبي الروسيا وشمالي إيران، وهي محفوظة الآن في متحف الأرميتاج بمدينة لينينغراد.

(١) في فجر الإسلام

وطبيعي أن صانع التحف المعدِنية في الإسلام لم يُقبل على عمل التماثيل على النحو الذي نعرفه في الفنون الغربية؛ حيث وَرِثَ الفنانون الأساليب الفنية الإغريقية والرومانية، وظل الجسم الإنساني عندَهم أروع آيات التعبير الفني وأعظمها على الإطلاق.٢

ولدينا صِنْفان من التحف المعدِنية يمكننا اعتبارها حلقة الاتصال بين الطراز الساساني والطرز الإسلامية في إيران؛ فإن بعض التحف من هذين الصنفين يرجع إلى العصر الساساني في القرنين الخامس والسادس بعد الميلاد، وبعضها يرجع إلى بداية العصر الإسلامي أو القرنين السابع والثامن (الأول والثاني للهجرة). هذان الصنفان هما مجموعة من الأباريق البرونزية ومجموعة من تحف معدِنية على شكل حيوان أو طائر.

أما الأباريق فذات أشكال مختلفة ولها في أكثر الأحيان مقبض طويل وصنبور ممتد، وقد تُزَيَّن برسوم حيوانية أو آدمية في مناطق محدودة، ولكن الغالب فيها قبل الإسلام بساطة الزخرفة. على أن ما صُنع منها في العصر الإسلامي ظل محتفظًا بالأساليب الفنية الساسانية إلى حد كبير، ولم يدخل عليه إلا شيء يسير من الأناقة ودقة الشكل، كما أن الصنبور أصبح في أغلب الأحيان على بدن الإبريق وليس في فوهته، بل إننا نجد الصنبور في بعض القطع على شكل طائر أو حيوان. وفضلًا عن ذلك فإن الزخارف في الأباريق الإسلامية أدق وأصغر حجمًا وأظرف منظرًا.

وفي دار الآثار العربية بالقاهرة إبريق بديع من البرونز كُشِف أثناء التنقيب عن الآثار بمدينة أبي صير في مصر الوسطى؛ حيث قُتِلَ مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، وَبَدَنُ هذا الإبريق كُرَوِيٌّ ومُزَيَّن بنقوش تمثِّل عقودًا في باطنها دوائر، وتحت الدوائر رسوم حيوانات وطيور، ورقبة الإبريق مستقيمة ومزينة بدوائر متماسَّة وبزخارف نباتية مخرَّمة،٣ والصنبور على شكل ديك كبير مبسوط الجناحين ومشدود الجسم، وهذا الإبريق بديع الشكل وجميل بزخارفه المحفورة والمخرمة؛ مما حمل علماء الآثار الإسلامية على اعتباره تحفة مَلَكية، وعلى نسبته إلى الخليفة مروان الثاني الذي لَقِيَ حَتْفَه في نفس المكان الذي عَثَرَ فيه المنقبون على هذا الإبريق.
أما التحف المعدِنية المصنوعة على شكل حيوان أو طائر فقد كانت ساسانية الروح، وإن نُسِبَ أكثرها إلى بداية العصر الإسلامي،٤ وهي مباخر أو آنية للماء على شكل بطة أو ديك أو غزال أو حصان أو أسد (انظر شكل ١٢٥).
ولعل أبدعها بطتان من مجموعة بوبرنسكي في متحف الأرميتاج بلينينغراد، إحداهما من العصر الساساني والأخرى من فجر الإسلام، وتمتاز الأولى بأنها ملساء بينما سطح الثانية مملوء بالخطوط والثنايا والأجزاء البارزة أو المنخفضة. وثَمَّةَ تحفة أخرى من هذا الصِّنف كانت محفوظة في مجموعة إندجودجيان Indjoudjian، وهي على شكل ببغاء،٥ زخارفها تشبه الرسوم التي عرفناها على خزف «جبري»؛ مما يحملنا على نسبة هذه التحفة إلى القرن الرابع أو الخامس الهجري (العاشر أو الحادي عشر الميلادي).
وتُذَكِّرنا هذه المباخر٦ أو الأواني المجسمة بالأواني النُّحاسية والبرونزية التي صنعها الفاطميون على شكل الحيوان والطير، كما تذكرنا بالآنية التي نقلها الأوروبيون عن الشرق في العصور الوسطى، وكانوا يصنعونها من النُّحاس الأصفر على شكل فارس أو حيوان أو طائر ليستخدمها رجال الدين في الطقوس الكَنَسِيَّة، وكانت تسمى «أكوامانيل».٧

وفضلًا عن ذلك فقد استُعملت أشكال الحيوانات المجسمة — بعد ذلك — في ضرب من التحف، الشماعد والأباريق ينسب إلى القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، وقد تكون بعض هذه القطع أقدم من ذلك؛ لما نراه فيها من قرب العهد بالروح الساسانية في الشكل والزخرفة.

ومن التحف المعدِنية التي تُنسب إلى إيران والعراق في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) مرايا من البرونز تشبه المرايا الصينية، وعليها زخارف بارزة تمثل فرعًا نباتيًّا يحف به من الجانبين رسم أبي الهول، وحول هذه المجموعة شريط دائر من الكتابة الكوفية، أو عليها رسوم آدمية وحيوانية أخرى تبدو فيها مهارة الفنان في إعداد الزخرفة لشغل المساحة الدائرية.

وكان جل هذه المرايا من البرونز أو الصلب، ولبعضها مقبض وللبعض الآخر حلقة تتصل بجزء بارز في وسط السطح ذي الزخرفة (انظر شكل ١٣٠).
كما أن الفنانين الإيرانيين في ذلك العصر صنعوا مباخر مختلفة الشكل بعضها ذو زخارف مخرمة وفي بعضها أشكال حيوانات صغيرة،٨ وصنعوا كذلك المسارج والهواوين٩ والسلطانيات ذات الأشكال الأنيقة.
والواقع أن جُلَّ ما نعرفه من التحف المعدِنية الإيرانية بين القرنين الثالث والسادس بعد الهجرة (التاسع والثاني عشر بعد الميلاد) عُثِرَ عليه في خُراسان وهمذان والري وسمرقند، وزخارفه من رسوم الحيوان١٠ والفروع النباتية والكتابة الكوفية، وكلها محفورة بدقة تناسب جمال الشكل. على أن ما يعلوها من الصدأ في الوقت الحاضر يمنع ظهور التباين بين الزخارف والمساحات التي لا رسم فيها.
ولكن ثمة بعض تحف لا يزال لها جمالها الأول، ومنها عدد من الصواني في كل منها موضوع زخرفي يتوسط قاع الصينية، وتحيط به موضوعات أخرى محفورة على هيئة دوائر ذوات مركز واحد (انظر شكل ١٢٩).

(٢) في عصر السلاجقة

كان للتحف المعدِنية في عصر السلاجقة القوة والجلال اللذان امتازت بهما الصناعة الساسانية، واللذان كانا يناسبان طبيعة السلاجقة أنفسهم، كما كان لها في بعض النواحي الأخرى دِقَّة وظرف يناسبان اعتناقهم الدين الإسلامي وغرامهم الجديد بالأدب والفن الإيرانيَّيْنِ؛ فقد خلف لنا هذا العصر بعض الأواني البرونزية ذات المظهر القوي، وإلى جانبها تحف من الفضة والذهب تلفت النظر بثروتها الزخرفية ورسومها الدقيقة المطعمة أو المفرغة في سطح الإناء. وفي المتاحف والمجموعات الأثرية الخاصة — ولا سيما مجموعة المستر رالف هراري — تحف كثيرة من هذا النوع، وتشمل عددًا كبيرًا من الكئوس واللُّعَب الصغيرة والمباخر والأباريق والملاعق والأجزاء المعدِنية من عُدَّة الفرس، وعليها زخارف دقيقة من رسوم الحيوانات والطيور التي أَلِفْناها في فنون إيران، فضلًا عن الكتابات الكوفية الأنيقة وبعض الرسوم الآدمية.

واستخدم الفنانون شتى الأساليب الصناعية في عمل هذه الزخارف؛ فكان بعضها محفورًا وبعضها مفرغًا وبعضها وثيق الصلة بأسلوب «النيلُّو»، وهو أن يُحْفَر الرسم على اللوحة من الفضة، أو الفضة الممزوجة بالذهب، ثم يُصَبُّ في خطوطه المحزوزة مُرَكَّب مرتفع الحرارة من النُّحاس والرَّصاص والبودق والْكِبْريت ومِلْح النُّشادر، وبعد برود هذا المُرَكَّب وتلميع اللوحة يصير فيها تطعيم، أو «تكفيت» أسود على أرضية فاتحة، ويزداد بذلك الرسم دقة ووضوحًا. وفضلًا عن ذلك كله فقد كان في بعض تلك القطع زخارف بارزة وأخرى مذهَّبة أو بالمينا.

•••

ولكن أسلوبًا جديدًا في زخرفة التحف المعدِنية نشأ على يد الصُّنَّاع المسلمين في بلاد الجزيرة وفي إيران، ثم بلغ غاية الدقة والإتقان في منتصف القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، وهو تطبيق البرونز والنُّحاس أو تنزيلهما (تكفيتهما) بالفضة والذهب. والمعروف أن التطبيق أو الترصيع أو التركيب أو «التكفيت» طريقة في الزخرفة قوامها حفر رسوم على سطح معدِن أو خشب، ثم ملء الشقوق التي تؤلف هذه الرسوم بقطع أخرى من مادة أغلى قيمة.

وإذا تذكرنا أن الصناع كانوا ينتقلون من بلد إلى آخر، وأن إيران وبلاد الجزيرة كانتا في معظم الأحيان في يد أسرة مالكة واحدة؛ أدركنا صعوبة تمييز التحف المعدِنية المطبقة بالفضة والذهب في إيران من التحف التي صنعت في الموصل، اللهم إلا إذا دلَّت كتابة تاريخية في التحفة على محل صناعتها، وهذا نادر. أما الزخارف المطبقة أو المكفتة في هذه التحف فقوامها أشرطة من رسوم دقيقة فيها حيوانات، وفيها كتابات باللغة العربية وفيها صور آدمية لأشخاص قصيري القامة ذوي عمائم وملابس عربية وأحزمة في وسطهم. وقد يكون في الأشرطة جامات بها مناظر صيد أو طرب أو فروسية.

ولا يزال أبدع مثال لهذه الصناعة إناء من مجموعة بوبرنسكي Bobrinsky في متحف الأرميتاج عليه كتابة عربية تثبت أنه صُنع سنة ٥٥٩ هجرية/١١٦٣م في مدينة هراة على يد صانع اسمه محمد بن عبد الواحد، وطبقه صانع آخر اسمه حاجب مسعود بن أحمد النقاش بهراة،١١ وذلك لأحد كبار التجار الإيرانيين المنسوبين إلى مدينة زبخان. وزخارف هذه التحفة الثمينة مطبقة بالفضة والنُّحاس الأحمر، وتتكون من أشرطة أفقية فيها مناظر موسيقى ورقص وطرب وشراب وصيد، وبينها كتابات عربية كوفية ونسخية، وتنتهي بعض قوائم الحروف فيها برءوس آدمية وحيوانية،١٢ (انظر شكل ١٢٦).
وثمة بعض قطع أخرى عليها كتابات وإمضاءات،١٣ وتدل كلها على ازدهار صناعة التحف المعدِنية في شرق إيران ولا سيما في هراة، كما اشْتَهَرَتْ بهذه الصناعة مدن أخرى مثل أصفهان وهمذان وشيراز.

ومن المرجح أن طراز مدينة الموصل في صناعة التحف المعدِنية قد نقل بعض أساليب هذه الصناعة عن إيران، بل الواقع أن الفرق بين الطراز الإيراني والطراز الموصلي لا يزال غير واضح كل الوضوح، وقد مرَّ بنا أن التمييز بينهما أمر غير يسير، ولكن المعروف أن بعض الصُّنَّاع الذين جاءت إمضاءاتهم على تُحف من صناعة الموصل لهم أسماء ذات مسحة إيرانية؛ مما يحملنا على أن نتساءل: هل هاجر هؤلاء الصناع من إيران إلى بلاد الجزيرة، وأُتيح لهم أن يُنتجوا فيها أبدع التحف المعدِنية في الفن الإسلامي؟ ومن المحتمل أن الفنانين الإيرانيين فروا من وجه المغول في بداية القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)، ونزحوا إلى الغرب في العراق، كما فر الفنانون من العراق في منتصف القرن السابع ولجئوا إلى مصر وسورية.

والمعروف أن الصور في المخطوطات قد تكون عنصرًا نافعًا في معرفة الإقليم الذي تُنْسَب إليه بعض التحف المعدِنية والعصر الذي صنعت فيه، ولكننا لا نستطيع أن ننتفع بها في هذا الصدد إلا فيما يلي القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) الذي ترجع إليه أقدم المخطوطات المصوَّرة المعروفة.

والحق أننا نعرف بوساطة الصور في المخطوطات أشكال بعض التحف المعدِنية التي لم تصل إلينا نماذج منها، ومن ذلك مبخرة كانت معروفة في القرنين التاسع والعاشر بعد الهجرة١٤ (الخامس عشر والسادس عشر بعد الميلاد).

كما أن التحف الخزفية التي وصلتنا قد تساعدنا أحيانًا في معرفة أشكال التحف المعدِنية؛ لأن العلاقة كانت وثيقة بينهما؛ ولا غَرْوَ فقد كان بعض التحف من الخزف يمكن استخدامه في نفس الغرض الذي استُخدمت فيه التحف المعدِنية، ولكننا نعلم أن طبيعة المادة التي تُصنع منها التحفة كان لها أثر كبير في تشكيلها.

وطبيعي أن ازدهار صناعة تطبيق التحف المعدِنية لم يَقْضِ على أسلوب الزخرفة بالرسوم البسيطة المحفورة؛ فقد ظل هذا الأسلوب الصناعي الأخير يتطور في سبيل الإتقان، كما يظهر من مجموعة كبيرة من الأواني والأباريق التي ترجع إلى النصف الثاني من القرن السادس وإلى القرن السابع بعد الهجرة (النصف الثاني من القرن الثاني عشر وإلى القرن الثالث عشر بعد الميلاد) والتي لا تطبيق فيها، وإنما زُيِّنَت برسوم حيوانات متقنة وفروع نباتية دقيقة ووريدات جميلة متزنة، فضلًا عن الكتابات الكوفية على نحو ما نرى في بعض أواني المياه ذات الزخارف المحفورة والبارزة بعض البروز (انظر شكل ١٣٤).

•••

وقد عُثِرَ حديثًا على شماعد من البرونز في مدينة الري تشبه شماعد العصر الفاطمي بعض الشبه، بقاعدتها ذات ثلاثة الأرجل ورقبتها الأسطوانية،١٥ ولكنها تمتاز عنها بأنها غنية بزخارفها المخرَّمة والمحفورة، وبأنها أطول وأخف وزنًا (انظر شكل ١٣٧).

(٣) في عصر المغول وعصر بني تيمور

على أن سقوط الخلافة العباسية سنة ٦٥٦ﻫ/١٢٥٨م كان سببًا في انتقال صناعة التحف المعدِنية إلى سورية ومصر، ولكن الرُّكود الذي أصابها في إيران كان مؤقتًا فلم يلبث أن عاد إلى هذه الصناعة ازدهارها على يد التيموريين في القرنين الثامن والتاسع بعد الهجرة (الرابع عشر والخامس عشر بعد الميلاد)، وامتازت بالأناقة والتهذيب في أشكال الأواني، كما تطورت الزخارف، وأصبحت الصور الآدمية أدق رسمًا، وظهرت في ملابس الأشخاص الأساليب الإيرانية، كما أصبحت الزخارف الكتابية إيرانية بعد أن كانت في العصور السابقة عربية وكوفية.

وقد ازدهرت في شمال غربي إيران أو في أرمينية مدرسة في إنتاج التحف المعدِنية المزينة بالزخارف المحفورة والمطبقة بالنُّحاس والفضة، وتُنسب آثار هذه المدرسة إلى القرنين السادس والسابع بعد الهجرة (الثاني عشر والثالث عشر بعد الميلاد)، وأهمها آنية ذات أضلاع وشماعد عليها تماثيل بارزة معظمها يمثل الأسد أو الصقر. ومن أبدع هذه التحف شمعدان في مجموعة المستر رالف هراري (انظر شكل ١٣١).
وقد استُخدمت الزخارف البارزة في بعض التحف الفنية الإسلامية، كما نرى على إبريق محفوظ في متحف الهرميتاج، ويرجع إلى القرن الثالث أو الرابع الهجري (التاسع أو العاشر الميلادي)؛ ولهذا الإبريق ثلاث أرجل تشبه الطيور في شكلها، أما هيئته العامة فَتُذَكِّر بمشكاوات المساجد.١٦

وقد عُثِرَ على كَنْز من التحف المعدِنية في مدينة همذان سنة ١٩٠٨، محفوظ الآن في متحف قصر جلستان بعاصمة الإمبراطورية الإيرانية.

وثمة صلة وثيقة بين هذه التحف وبين منتجات المدرسة الفنية في مدينة الموصل؛ وقد يكون السر في ذلك رحيل بعض الفنانين من الموصل إلى إيران، ويَحْتَمِل أن الصناع الإيرانيين عُنوا بتقليد الآثار الفنية الموصلية تقليدًا دقيقًا، كما يظهر لنا في صينية من النُّحاس ذات زخارف محفورة ومطعمة بالذهب والفضة من القرن السابع الهجري١٧ (الثالث عشر الميلادي).
ومن أبدع التحف المعدِنية الإسلامية التي يمكن نِسْبَتُها إلى عصر المغول الإناءُ الكبير الذي يُعرف باسم «معمدانة سان لوي» Baptistére de Saint Louis لما يُقال من أن أولياء العهد في فرنسا كانوا يُعَمَّدُون فيه منذ لويس التاسع (١٢١٥–١٢٧٠م)، وهذه التحفة النفيسة محفوظة الآن في متحف اللوفر، وقوام زخرفتها رسوم مطبقة بالفضة بينها صور آدمية مغولية السِّحْنة وشريطان بهما صور حيوانات متتابعة،١٨ وعليها إمضاء صانعها: «محمد بن الزين»، وأكبر الظن أنها ترجع إلى نهاية القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي).

والواقع أن صناعة التحف المعدِنية في إيران بلغت عصرها الذهبي في نهاية القرن السابع وفي القرن الثامن بعد الهجرة (نهاية الثالث عشر وفي القرن الرابع عشر بعد الميلاد). وحسبنا للدلالة على ذلك الأباريق الجميلة التي كانت تُصنع في شمال غربي إيران، وتمتاز ببدنها المضلع الذي تغطيه الأشرطة والجامات أو المناطق ذات الرسوم الآدمية والحيوانية والكتابية على أرضية من السيقان والفروع النباتية المطبقة بالفضة والذهب. وصفوة القول أن التحف التي وصلتنا من هذا العصر تَلْفِت النظر بما في زخارفها من أناقة واتزان، فضلًا عن أننا نجد أنها لا تختلف عما سبقها من التحف الإيرانية الإسلامية في خلوها من اسم الصانع أو البلد أو صاحب التحفة، على عكس التحف المصنوعة بعد نهاية القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي).

ومن أنفس التحف المعدِنية المطبقة في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) شمعدان في مجموعة المستر رالف هراري (انظر شكل ١٤٠)، وهو مطبق بالذهب والفضة، وله هيئة الشماعد التي امتاز بها العالم الإسلامي منذ القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي): قاعدة أسطوانية فوقَها رقبة صغيرة أسطوانية أيضًا، وزخارف هذا الشمعدان دوائر وجامات ذات أربعة فصوص، ورسومها إما هندسية أو زهور محوَّرة عن الطبيعة، وعليه كتابة تدل على أنه صُنع سنة ٧٦١ﻫ/١٣٦٠م على يد صانع شيرازي اسمه محمد بن رفيع الدين.
ومنها كذلك طَسْت من النُّحاس نَجْمي الشكل وذو زخارف محفورة ومطعمة بالفضة والذهب من القرن السابع أو الثامن الهجري (الثالث عشر أو الرابع عشر الميلادي). وهذه التحفة محفوظة في المتحف المتروبوليتان بنيويورك (انظر شكل ١٤١)، وقوام الزخرفة فيها وريدة في وسطها تمتد منها خطوط إلى الحافَة، فتكون مناطق مملوءة بالرسوم الآدمية والفروع النباتية والزهور.

والملاحظ أن الفروق تزداد ظهورًا بين التحف المعدِنية في إيران والعراق ومصر منذ القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي).

ومما يلفت النظر في التحف الإيرانية أنها خلت من الأشعرة (الرنوك) التي كانت تزين معظم التحف التي صُنعت للمماليك في مصر. والواقع أن هذه الرنوك ميزة من ميزات الطراز المملوكي في وادي النيل.١٩
وقد تطوَّرت صناعة تطبيق التحف المعدِنية في نهاية القرن التاسع وبداية القرن العاشر بعد الهجرة (الخامس عشر وبداية السادس عشر بعد الميلاد)؛ فأصبحت الزخارف المفضلة هي الخطوط والرسوم الهندسية المتصلة على أرضية من فروع نباتية دقيقة. والواقع أن معظم التحف المعدِنية التي وصلتنا من نهاية العصر التيموري تبدو عليها مسحة من الاضمحلال، ولكن أكبر الظن أن هذا راجع إلى فقد النماذج الطيبة من هذه التحف؛٢٠ فقد كانت سائر الفنون زاهرة في هذا العصر، وكان صناع الأسلحة ينتجون منها أحسن الأنواع، فغير محتمل أن يكون صناع التحف المعدِنية وحدَهم هم الذين طرأ على أساليبهم الفنية الضعف والاضمحلال.
وقد انتقل الأسلوب الإيراني في صناعة التطبيق إلى مدينة البندقية على يد صناع من الإيرانيين هاجروا إليها، ومنهم محمود الكردي الذي اشتغل بها في بداية القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي)، كما انتقل كذلك إلى الهند بفضل الجوار وانتقال الصناع والفنانين.٢١

(٤) في العصر الصفوي

والمعروف أن صناعة التحف المعدِنية ظلت زاهرة في عصر الدولة الصَّفَوِيَّة (٩٠٧–١١٤٨ﻫ؛ أي ١٥٠٢–١٧٣٦م)، ولكن الآثار الباقية من ذلك العصر قليلة، ويمكننا بوساطتها أن نلاحظ التطوُّر الذي طرأ على الزخارف، وجعلها تمثل الروح التي نعرفها في سائر ميادين الطرز الإيرانية في العصر الصفوي؛ فقد غلبت على التحف المعدِنية في هذا العصر رسوم الفروع النباتية والصور الآدمية والحيوانية التي تُذَكِّر بما يزين السجاجيد وصور المخطوطات. وقَلَّ استخدام الأشرطة الزخرفية، وصار سطح التحفة مغطى برسوم متصلة كأنها الوَشْي أو التطريز، وفيها بحور أو مناطق ذات زخارف صغيرة الحجم أو كتابة قد يكون فيها اسم الصانع.

والواقع أن التحف المعدِنية في العصر الصفوي امتازت بأناقة شكلها وبأن أكثر ما نراه عليها من الكتابة يكون باللغة الفارسية من شعر أو نصوص تاريخية، كما أننا نجد أسماء الأئمة الاثني عشر على عدد كبير منها. وفضلًا عن ذلك فإن النُّحاس الأصفر المستعمل فيها أكثر لمعانًا وميلًا إلى اللون الذهبي، أما النُّحاس الأحمر فإنه يُبَيَّض بالقصدير تقليدًا للون الفضة.

وقد ظهرت أُبَّهَة العصر الصفوي في كثير من الأواني التي كانت تُرَصَّع بالذهب والأحجار النفيسة والتي لا يزال بعضها محفوظًا في متحف طوبقابو سراي بإستانبول، ولعله مما غنمه السلطان سليم في حروبه مع الشاه إسماعيل الصفوي؛ مما يجعل تاريخ صناعته قبل سنة ٩٢٠ﻫ/١٥١٤م.

وكانت الأبواب والصناديق تُزَيَّن بصفائح من الصلب ذات زخارف تمثل أناقة الفن ودقة الزخارف في ذلك العصر٢٢ (انظر شكل ١٤٧)، والواقع أن جمال الفروع النباتية والأرابسك ظل محفوظًا في التحف المعدِنية الإيرانية إلى العصور الأخيرة.

•••

وقد كان الفنانون الإيرانيون يصنعون التحف من الذهب والفضة؛ فيتخذون منهما الأواني والحلي، ولكن ما وصلنا في هذا الميدان قليل جدًّا؛ لأن التحف الذهبية والفضية كانت تُصهر ويُعاد تشكيلها.

على أن القسم الإسلامي من متاحف الدولة في برلين به قرطان ذهبيان فيهما زخارف محفورة ومخرَّمة تمثل أرنبين متواجهين وغريفونين متقابلين،٢٣ كما أن متحف بناكي في أثينا ومعهد الفنون في مدينة ديترويت Detroit وبعض المجموعات الفنية الخاصة بها بعض قطع الحلي الإيرانية من خواتم وأَسْوِرَة وأقراط وما إلى ذلك، مما يُنسب في معظم الأحيان إلى القرنين السادس والسابع بعد الهجرة (الثاني عشر والثالث عشر بعد الميلاد).
ولكن من أبدع التحف المصنوعة من الفضة في إيران صينية صُنعت بأمر مَلِكة لتقديمها إلى السلطان ألب أرسلان السلجوقي، ومحفوظة الآن في متحف الفنون الجميلة بمدينة بوستن Boston، ومؤرخة من سنة ٩٥٤ﻫ/١٠٦٦م، وعليها اسم صانعها: حسن القاشاني، وفي وسطها وعلى حافَتها كتابة بالخط الكوفي الكبير،٢٤ أما زخارفها فمن رسوم الحيوان والفروع النباتية (انظر شكل ١٢٧).
كما أن مجموعة المستر رالف هراري بها عدد من التحف الفضية التي كُشفت حديثًا وتُنسب إلى القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، وفيها مباخر وعلبات صغيرة وقنينات لماء الورد وما إلى ذلك، مما يمتاز بزخارفه الدقيقة المكونة من رسوم حيوانات متتابعة أو متواجهة، ومن فروع نباتية جميلة جدًّا، وعبارات بالخط الكوفي٢٥ (انظر شكل ١٢٨).

أما العصر الصفوي فقد امتاز بعدد وافر جدًّا من الأواني الفضية والذهبية التي أُعجب بها الرحالة في قصور الشاه ورجال البلاط؛ على أن قيمة مثل هذه التحف مادية أكثر منها فنية.

(٥) الأسلحة

كانت إيران منذ العصور القديمة من أعظم المراكز الفنية شأنًا في صناعة الأسلحة بالشرقَيْنِ الأدنى والأوسط. وطبيعي أنها تأثرت في هذا الميدان — كما تأثرت في كثير من الميادين الفنية الأخرى — بالأساليب الصناعية عند الأمم المجاورة، وأُتيح لها أيضًا أن تؤثر في تلك الأساليب؛ ومن ثم كانت العلاقة الوثيقة بين الأسلحة الإيرانية، وما استعمله القوم من أسلحة في القوقاز وآسيا الوسطى والهند وبلاد العرب وتركيا ومصر والروسيا.

ولكن ما وصل إلينا من الأسلحة الإيرانية الأثرية نادر جدًّا، ولسنا نكاد نعرف أي قطعة من العصر الإسلامي قبل نهاية القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي). على أن بعض الصور التي كُشِفَتْ في حفائر مدينة طرفان بآسيا الوسطى تحتوي على رسوم أسلحة تدلنا على بعض ما كان مستعملًا في بداية العصر الإسلامي.٢٦ وفضلًا عن ذلك فإننا نعثر في صور بعض المخطوطات الإيرانية في القرنين السابع والثامن بعد الهجرة (الثالث عشر والرابع عشر بعد الميلاد) على رسوم أسلحة لم تصل إلينا أي نماذج منها.٢٧ أما المدَّة المحصورة بين نهاية القرن الأول الهجري وبداية القرن السابع فإننا لا نكاد نعرف عن الأسلحة فيها شيئًا يستحق الذكر، اللهم إلا أن شمال شرقي إيران كان مشهورًا بالأسلحة النفيسة، وأن المصادر الصينية تذكر أن أمير سمرقند سنة ٩٥ﻫ/٧١٣م أرسل كَمِّيَّة من السلاح بين الجزية التي كان يدفعها.٢٨
ولعل أقدم ما نعرفه من الأسلحة الإيرانية درع حديدي محفوظ بالمتحف الحربي Zeughaus في برلين، ودرع فرس بالمتحف الحربي في باريس،٢٩ وهما من القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)، ثم جزء من درع فرس محفوظ بمتحف علم الشعوب في ميونخ، ويرجع إلى القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي). وثمة قطع أخرى من القرن العاشر محفوظة الآن بمتاحف الأسلحة الشهيرة، ولا سيما في برلين وتورينو.
وقد كانت الأسلحة في العصر الصفوي تُطبق (تُكفَّت) بالفضة والذهب وتُزين بالرسوم الجميلة، وفي بعض الأحيان بالأحجار الكريمة أو النادرة. ومن أمثلة ذلك درع مغولي في متحف طوبقابو سراي بإستانبول مكون من ترسين مستديرين، أحدهما للصدر والآخر للظهر، فضلًا عن قطع أخرى للرقبة والبطن، والترسان من الصلب، وعليهما آيات قرآنية مطعمة بالذهب.٣٠
وظهر في ذلك القرن نوع جديد من الدروع اسمه «جهار آينه» أي المرايا الأربع،٣١ ويُكَون من أربع صفائح كبيرة من الحديد متصلة بوساطة «مفصلات»، وإحدى هذه الصفائح لحماية الصدر والأخرى للظهر بينما الاثنتين الباقيتين للجنبين وفيهما ثقبان كبيران يخرج منهما الذراعان.٣٢ وكثيرًا ما كان هذا الدرع يُبَطَّن بالحرير ويُلبس فوق الزرد. وكانت الصفائح غنية بالمناطق المزينة بالرسوم الجميلة من محفورة ومطبقة بالذهب، فضلًا عن بعض الآيات القرآنية التي تتصل بالحرب والنصر، وقد ذاع استعمال هذه الدروع في الهند حتى منتصف القرن الماضي.
أما الخوذات الإيرانية فإن أقدم المعروف منها خوذة كُشِفَتْ على مقربة من بودابست، ولا تزال حتى اليوم محفوظة في المتحف الأهلي المجري، وعليها زخارف جميلة محفورة في ثلاث مناطق، وقوامها فروع نباتية وكتابات كوفية مزهرة ورسوم أزواج متقابلة من طائر العنقاء الخرافي.٣٣ ويشبه طراز هذه الزخرفة ما نراه على مجموعة من المنسوجات الإيرانية أو السورية التي ترجع إلى القرن الثامن الهجري٣٤ (الرابع عشر الميلادي)، وثمة خوذات أخرى أعظمها شأنًا في المتاحف الحربية بإستانبول وموسكو وبرلين، وفي المتحف الأهلي بكوبنهاجن. ويرجع معظمها إلى القرن التاسع والعاشر بعد الهجرة (الخامس عشر والسادس عشر بعد الميلاد).
وفي متحف بورت دي هال Port de Hal بمدينة بروكسل خوذة نصف كروية وعلى حافَتها السفلى مناظر صيد مطبقة بالذهب، وكتابة تدل على أنها من عمل صانع اسمه حاجي سنة ١١١٢ﻫ/١٧٠٠م. وقد احتفظ الإيرانيون بهذا النوع من الخوذات (انظر شكل ١٥٠) حتى القرن الماضي.
وفي القسم الإسلامي من متاحف برلين درقة من الحديد ترجع إلى النصف الثاني من القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)، وقوام زخارفها المحفورة رسوم وريقات شجر وأخرى حلزونية الشكل.٣٥ كما أن في متحف تاريخ الفن بمدينة فينا درقة أخرى من الحديد ذات زخارف محفورة ومطعمة بالفضة والذهب، وتُنسب إلى القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) كما يظهر من طراز الرسوم الهندسية ورسوم الأرابسك الدقيقة التي تغطيها (انظر شكل ٤٩).
وقد كانت التروس تُصنع في بعض الأحيان من أغصان شجر الصَّفْصاف أو التين الملفوف بخيوط الصوف أو الحرير أو الذهب.٣٦ ومن أبدع النماذج المعروفة من هذا الطراز ترس في متحف الأسلحة الملكي بمدينة استوكهلم، ويمتاز هذا الترس بما عليه من رسوم حيوانية ونباتية جميلة.٣٧
على أن أبدع التروس الإيرانية المعروفة ترس محفوظ في متحف قصر أروزهاينايا Oruzheinaya بمدينة موسكو. ويُنسب هذا الترس إلى بداية القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) وعليه إمضاء صانعه: محمد. أما زخارفه فتغلب عليها رسوم الحيوانات المختلفة من أسد ونمر ودُب وغزال وقرد وكلب وثعلب وغير ذلك. وحافَة هذا الترس مذهَّبة ومرصعة بالجواهر.٣٨

وقد كانت سيوف الإيرانيين قبل الإسلام قصيرة ومستقيمة، ولم يطرأ عليها بعده تغيير يستحق الذكر. وقد كانت إيران في العصور الوسطى من أهم أقطار العالم الإسلامي في صناعة نِصال السيوف من الصلب والحديد، كما شهد بذلك الجغرافيون والرحالة. على أن ما يعنينا من الناحية الفنية بنوع خاص هو أن هذه النصال كانت تطبق بالذهب والفضة ولا سيما في بعض الأقاليم الشرقية من إيران. ومن أبدع السيوف الإيرانية المعروفة سيف في المتحف التاريخي بمدينة درسدن مرصع بالجواهر، ويرجع إلى نهاية القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي).

وقد ذاع اسم الفنان أسد الله الأصفهاني في القرن الحادي عشر الهجري، ووصلتنا بعض النصال المنسوبة إليه، ومنها ما صُنع للشاه عباس نفسه. أما سيوف القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي) فقد تَطَرَّق إلى صناعتها الانحلال، وأقبل القوم على تزيينها بالجواهر تزيينًا بلغ حد الإسراف في بعض الأحيان.

ولعل أقدم الخناجر الإيرانية المعروفة خنجر عُثِرَ عليه في مدينة اوسترروده Osterrode من أعمال بروسيا الشرقية، ويُظَن أنه وصل إليها على يد التتار الذين غزَوْا تلك الأصقاع سنة ٨١٣ﻫ/١٤١٠م. ومقبض هذا الخنجر حديدي وعليه آثار تذهيب وفيه زخارف من فروع نباتية، يدل أسلوبها على أنه من صناعة القرن الثامن الهجري٣٩ (الرابع عشر الميلادي). وقد استعمل الإيرانيون منذ القرن التاسع الهجري خناجر ذات نصال مقوسة قليلًا، كما ذاعت بينهم في القرنين العاشر والحادي عشر بعد الهجرة (السادس عشر والسابع عشر بعد الميلاد) السيوف والخناجر ذات النصال المقوسة تقويسًا ظاهرًا (انظر شكل ١٤٤).

وفي متحف الهرميتاج بعض خناجر إيرانية من القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي) تشهد بالثروة الزخرفية العظيمة التي امتازت بها بعض الأسلحة الثمينة في ذلك العصر، والتي تظهر في رسومها الشبيهة بالمخرَّمات (الدانتلا) في دقتها وجمالها.

وقد وصلنا اسم فنان من صُنَّاع هذه الخناجر هو أحمد بكلي (أو تكلي)، الذي نجد إمضاءه على خنجر في متحف طوبقابو سراي بإستانبول مؤرخ من سنة ٩٣٣ﻫ/١٥٢٧م، وكان من أسلحة سليمان الأول سلطان الدولة العثمانية بين عامي ٩٢٧ و٩٧٤ﻫ/١٥٢١–١٥٦٦م.

•••

ولا يفوتنا قبل إتمام هذا الفصل أن نشير إلى ما طرأ على التحف المعدِنية الإيرانية من ضعف واضمحلال في نهاية القرن الحادي عشر وفي القرن الثاني عشر بعد الهجرة (السابع عشر والثامن عشر بعد الميلاد)؛ فقد عُنِيَ القوم بإنتاج الأواني الرخيصة للأسواق وذوي الذوق العادي ممن لا يستطيعون أن يدفعوا نفقات التحف الفنية الدقيقة، والتي يقضي فيها الصناع الوقت الطويل ويبذلون الجهود المضنية.

وعلينا أن نلاحظ أيضًا أن التحف المعدِنية الإسلامية ظلت عصورًا طويلة بدون أن يُعْنَى بجمعها الهواة الغربيون والشرقيون عنايتهم بجمع السَّجَّاد أو الأقمشة أو المخطوطات أو الزجاج؛ ولذا كان المعروف منها لا يكاد يُذْكَر إلى جانب ما أنتجه الصناع في العصر الإسلامي.

١  انظر كتاب البلدان لابن الفقيه ص٢٥٤.
٢  نلاحظ — فضلًا عن ذلك — أن الفنان الإيراني كان لا يُوَفَّق كثيرًا في التحف المعدِنية إلى إِبراز الميزة الفنية الأساسية في قومه، وهي الإحساس الشديد بجمال الألوان، والنجاح في الجمع بينها جمعًا يَفِيض بالبهجة والحياة، كما يتجلى في الآثار الفنية التي خلفها المصورون والخزفيون والنساجون في إيران.
٣  انظر اللوحتين ١٢٣ و١٢٤ والأشكال ١٢٣ و١٢٤ و١٢٥.
٤  قارن A Survey of Persian Art ج٣ ص٢٤٧١، حاشية ١.
٥  هذه التحفة في مجموعة المسيو جان بوتزي Jean Pozzi بباريس.
٦  الواقع أن الفنانين الإيرانيين أصابوا توفيقًا عظيمًا في تنويع أشكال هذه المباخر؛ فكان منها الكبير والصغير والأسطواني والمكعب والمستدير والمكشوف وذو الغطاء المخرم وما إلى ذلك.
انظر E. Kühnel: Islamische Räuchergerät في مجلة متاحف برلين، أغسطس وسبتمبر سنة ١٩٢٠ ص٢٤١–٢٤٩ (Berliner Museen, Berichte aus den Preussischen Kunstarmmlungen XLI. Jahrgang. Heft 6). وراجع A Survey of Persian Art ج٣ ص٢٤٨٦.
٧  انظر كتابنا «كنوز الفاطميين» ص٢٣٣–٢٣٨.
٨  كانت تماثيل هذه الحيوانات الصغيرة توجد — فضلًا عن ذلك — فوق مِظَلَّات الأمراء وعلى مقابض الأواني أو المسارج. كما كانت هناك تماثيل آدمية صغيرة تُزَيَّن بها جوانب العلبات المعدِنية على نحو ما نرى في عُلبة محفوظة في مجموعة ستورا Stora ومؤرخة من سنة ٥٩٣ﻫ/١١٩٧م انظر Au illustrated Souvenir of the Exhibition of Persian Art (London 1931) ص٢٠.
٩  كان بعض الهواوين جليل المنظر بديع الزخارف، ولم يكن استعمال الهاون في سحق البهار في البيوت فقط، بل كان رجال الطب يُكْثِرون من استخدامه في سحق الأدوية (انظر شكل ١٣٦).
١٠  من الرسوم التي ذاع استخدامها رسم فرس ذي جَناحين، لعله البراق الذي قيل إنه كان مَطِيَّة النبي عليه السلام في الإسراء والمعراج.
١١  ليست هذه التحفة هي الوحيدة التي يظهر من الإمضاءين الموجودين عليها أن الرسام الذي رقم زخرفتها والفنان الذي عمل في تطبيق هذه الزخرفة كانا شخصين مختلفين، انظر A Survey of Persian Art ج٣ ص٢٤٨٩ حاشية ٤.
١٢  كتب الأستاذ فيسلوفوسكي Veselovsky رسالة طويلة عن هذا الإناء، ولكنها باللغة الروسية، وقد ظهرت في سنت بطرسبرج سنة ١٩١٠.
١٣  راجع A Survey of Persian Art ج٣ ص٢٤٩٠-٢٤٩١.
١٤  انظر المصدر السابق ج٣ شكل ٨٠٦أ، وMartin: Miniature Painting لوحات ٤٥ و٧٢ و٩٧.
١٥  انظر كتابنا «كنوز الفاطميين» ص٢٣٩–٢٤١.
١٦  انظر V. Smirnov: Argenterie orientale اللوحة ٧٢.
١٧  انظر اللوحة ١٤٢ شكل ١٥٧.
١٨  انظر A Survey of Persian Art ج٦ لوحة ١٣٣٩.
١٩  راجع L. A. Mayer: Saraeenic Heraldry.
٢٠  لا يفوتنا أيضًا أن كثيرًا من التحف كانت تصهر ويُعاد تشكيلها عندما يصبح شكلها الأول غير مألوف.
٢١  يمكننا أن نعتبر الطراز الإيراني البندقي والطراز الإيراني الهندي ذيلين لصناعة التحف المعدِنية في إيران؛ لتأثرهما بالأساليب الإيرانية تأثرًا شديدًا، ولكننا نؤثر ألا نعرض لهما هنا؛ لأن ميدانهما كان بعيدًا عن إيران بعد أن ثبتت حدودها الجغرافية على يد الأسرة الصَّفَوِيَّة.
٢٢  راجع A Survey of Persian Art ج٣ ص٢٥١٤-٢٥١٥.
٢٣  راجع F. Sarre: die Erwerbung einer in Südrussland gebildetan Sammlung aus islamischer Zeit. في السنة ٢٩ (١٩٠٧-١٩٠٨) من Amtliehe Berichte aus den Koniglichen Kunstsammlungen ص٦٨–٧١.
٢٤  راجع Répertoire Chronologique d’Epigraphie Arabe ج٧ رقم ٢٦٦١ ص١٦٤.
٢٥  انظر A Survey of Persian Art ج٣ ص٢٥٠١–٢٥٠٣.
٢٦  انظر A. von Le Coq: Bilderatlas zur Kunst und Kulturgeshichte Mittclasiens ص١٢.
٢٧  لعل أكبر المجموعات من الأسلحة الإيرانية في العصر الصفوي ما غنمه السلطان سليم الأول في حروبه مع الإيرانيين حين استولى على تبريز سنة ٩٢٠ﻫ/١٥١٤؛ وقد نقله إلى إستانبول، ولا يزال محفوظًا مع سائر الأسلحة التي غنمها في سائر فتوحه والتي نراها اليوم في المتحف الحربي التركي وفي متحف طوبقابوسراي.
٢٨  انظر A Survey of Persian Artج٣ ص٢٥٥٨ وL. Beck: Geschiehte des Eisens ج١ ص٢٦١.
٢٩  انظر A Survey of Persian Art ج٦ لوحة ١٤٠٥ ولوحة ١٤٠٦أ ولوحة ١٤٠٧أ.
٣٠  المصدر السابق، لوحة ١٤٠٦ﺟ.
٣١  انظر F. Steinga: Persian-English Dietionary ص٤٠٣.
٣٢  انظر A Survey of Persian Art ج٦ لوحة ١٤٠٨.
٣٣  المصدر السابق ج٦ لوحة ١٤١١أ وج٣ ص٢٥٦٤-٢٥٦٥ وشكل ٨٥٣.
٣٤  انظر O. von Falke: Kunstgeschiehte der Seidenweberei شكل ٨٥٣.
٣٥  A Survey of Persian Art ج٦ لوحة ١٤١٩أ.
٣٦  انظر المصدر السابق ج٣ ص٢٥٦٧-٢٥٦٨، وقارن An illustrated souvenir of the exhibition of Persian Art (London 1931).
٣٧  A Survey of Persian Art ج٦ لوحة ١٤٢١.
٣٨  المصدر السابق ج٦ لوحة ١٤١٧.
٣٩  المصدر نفسه ج٦ لوحة ١٤٢٥أ و١٤٢٨أ، ج٣ شكل ٨٥٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤