العناصر الزخرفية الإيرانية في العصر الإسلامي

لا ريب في أن الطُّرُز الفنية الإيرانية التي ازدهرت في العصر الإسلامي زخرفية قبل كل شيء، وهي تشبه في هذا الميدان سائر الطرز الفنية الإسلامية عامة. والواقع أنها تشبهها أيضًا في تجريد الموضوعات الزخرفية والبعد بها عن أصولها الطبيعية و«في الجمع بينها وربطها وتوزيعها جمعًا وربطًا وتوزيعًا يتجلى فيه التعقيد والبراعة والجدة والابتكار بدون أن يؤثر ذلك في عناصر الزخرفة ذاتها، فيجعلها مملة أو يسلبها ائتلافها وانسجامها وتوافق أجزائها».

ونستطيع أن نقسم عناصر الزخرفة الإيرانية في الإسلام خمسة أقسام: الرسوم النباتية والصور الآدمية والصور الحيوانية والزخارف الكتابية والزخارف الهندسية.

(١) الرسوم النباتية

أما الرسوم النباتية فقد أتقنها الفنانون الإيرانيون، وَوُفِّقُوا فيها توفيقًا كبيرًا؛ فكانت هذه الرسوم على يدهم أكثر مرونة وأقرب إلى الحقيقة الطبيعية منها في سائر الطرز الإسلامية، وقد نقل عنهم الفنانون في الطراز التركي العثماني هذه المهارة في رسم النباتات والأزهار. وحسبنا أن ندقق النظر في الزخارف النباتية ورسوم الزهور والأشجار في الصور التي خلفتها مدرسة هراة، أو في الخزف والمنسوجات النفيسة المصنوعة في إيران في القرنين العاشر والحادي عشر بعد الهجرة (السادس عشر والسابع عشر بعد الميلاد)، ثم في القاشاني والخزف والمنسوجات المصنوعة بآسيا الصغرى في الوقت نفسه لنتبين جمال العنصر النباتي في الزخارف الإيرانية.

والواقع أن الزخارف النباتية الإيرانية بدأت منذ القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) في أن تكون مثالًا صادقًا للطبيعة، وأصاب الفنانون أقصى حدود النجاح في هذا السبيل، ولعلهم تأثروا بالأساليب الفنية الصينية التي تسربت إلى إيران على يد المغول وفي عصر الأسرات التي جاءت بعدهم في حكم الشعب الإيراني.

ومن أهم الرسوم النباتية التي استخدمها الإيرانيون في زخارفهم الوريدات والمراوح النخيلية (بالميت) واللوتس والشجيرات والرمان والأوراق، ولا سيما من نبات شوكة اليهود. وطبيعي أن هذه الرسوم النباتية أصابها ما أصاب غيرها في سائر الطرز الإسلامية من تحوير عن أصولها الطبيعية وتنسيق «وتهذيب» Stylisation، ولكنها كانت في الطرز الإيرانية أوثق صلة بنماذجها الطبيعية. ومن أبدع الرسوم النباتية والهندسية في بداية العصر الإسلامي في إيران ما نراه في الزخارف الجصية الجميلة بمسجد نايين (انظر شكل ١).

كما امتاز عصر الدولة الغزنوية بدقة الزخارف النباتية المكونة من الفروع والسيقان الممتدة في رشاقة واتزان، يمثلان أبدع ما نعرفه في «الأرابسك».

وكان توفيق الإيرانيين عظيمًا في استخدام الرسوم النباتية ورسوم الزهور، وفي الجمع بينها وبين سائر العناصر الزخرفية، ولا سيما في الصور وزخارف الخزف والسَّجَّاد. وفي عصر السلاجقة كان صُناع التحف المعدِنية يجمعون كثيرًا بين الرسوم النباتية والزخارف الهندسية، ومن أعظم الرسوم النباتية شأنًا في ذلك العصر ورق العنب ونبات شوكة اليهود (الأكانتس).

واستُخدمت الفروع النباتية كثيرًا في الزخارف الإيرانية كأرضية تقوم فيها عناصر أخرى آدمية أو حيوانية. وكانت رسوم الفروع النباتية في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) مُحلاة بالوريقات وبالزهور.

وقُصارَى القول أن الإيرانيين لم يهملوا العنصر النباتي في زخارفهم، وذلك على الرغم مما نعرفه عن سيادة العناصر الأخرى. والواقع أننا نستطيع أن نلاحظ بوجه عام أن الثقافة الفنية القديمة في البلاد التي قامت فيها الفنون الإسلامية كان لها أثر كبير في توجيه الزخارف الإسلامية فيها؛ فنرى مثلًا أن الطرز الإسلامية التي ازدهرت في الشام ومصر وشمالي إفريقية والأندلس، قد قامت على أنقاض أساليب فنية هلينية ورومانية، فسادت فيها الزخارف النباتية والهندسية، بينما قامت الطرز الإسلامية في العراق وإيران على أنقاض الأساليب الفنية القديمة في هذين الإقليمين؛ ولذا غلبت عليها الزخارف الحيوانية والآدمية.

(٢) الصور الآدمية

لم تكن البيئة والعادات تساعد الفنان الإيراني منذ الزمن القديم على معرفة الجسم الإنساني ودراسته ورسمه وعمل التماثيل له، كما أتيح للفنان الإغريقي مثلًا؛ فقد ورثت إيران — كما ذكرنا — الأساليب الفنية التي كانت سائدة في بلاد العراق والجزيرة في الأزمنة القديمة، وكان قوام الرسوم الآدمية في تلك الأساليب الفنية هو تجريد الجسم الإنساني، واتخاذه رمزًا وعنصرًا للإيضاح والتفسير والدلالة على جلال الملك وعظمة الإله.

وقد مر بنا أن إيران كانت أكثر الأمم الإسلامية استخدامًا للصور الآدمية في زخارفها، ولكنا نلاحظ أن تلك الصور لها صفاتها الخاصة؛ فالفنان لا يقصد بها إلا التوضيح؛ ولذا كانت في أكثر الأحيان رسمًا تخطيطيًّا مجردًا وملخصًا. وليس السبب في هذا ما نعرفه من كراهية التصوير في الإسلام فحسب، وإنما الحق أن الإيرانيين لم يكترثوا بتلك الكراهية إلى حد كبير، وأنهم رسموا الصور الآدمية في الكتب وعلى التحف، ولكنهم لم يتجهوا في رسمها اتجاه الأمم التي ورثت الفنون الكلاسيكية، واتخذت جسم الإنسان غرضًا لذاته فنقلته كما هو واحترمت قوانين الرسم في تصويره.

والواقع أن الإيرانيين لم يكونوا على استعداد فطري لاتخاذ ذلك الاتجاه، ثم إن الإسلام لم يكن من شأنه أن يشجعهم على اتخاذه.

وفضلًا عن ذلك كله فإننا نلاحظ أن نهاية العصر الكلاسيكي نفسه شهدت اضمحلالًا في الزخارف الآدمية وفي عمل التماثيل، ولكن هذا لا يمنع من أن الفن الهليني كان محتفظًا بالزخارف الآدمية في بداية العصر المسيحي، كما يبدو في الفسيفساء وفي الزخارف الجصية البارزة وفي الحلي، وتغيَّر طابع فن النحت في القرنين الثاني والثالث بعد الميلاد، وذلك في كل أقاليم البحر الأبيض المتوسط؛ فانصرف القوم عن عمل التماثيل المنفصلة المستقلة، وأقبلوا على النحت الزخرفي، ونَدَرَ وجود مناظر الكائنات الحية في الزخارف المحفورة السورية. ولم يعرف الفن البيزنطي تقليد الطبيعة تقليدًا صادقًا كالذي امتاز به الفن الإغريقي، وبدأ القوم ينبغون في الرسوم الخيالية والزخرفية، ويُؤْثِرونها على سائر العناصر.

وهكذا نرى أن الإسلام في زخارفه النباتية لم يكن شاذًّا وخارجًا على سُنة التطور، وإنما سار في الطريق الذي افتتحته بيزنطة، ثم اتخذه لنفسه حتى صارت الفروع النباتية المتصلة تنسب إليه وتعرف باسم «أرابسك».١

ومهما يكن من الأمر فقد كانت أكثر الصور الآدمية في الزخارف الإيرانية مستمدة من حياة البلاط، كرسم الأمير على عرشه وفي يده كأس يتهيأ للشرب منها، وحولَه أتباعه والقائمون على تسليته بين موسِيقِيٍّ ومطرب وبهلوان، وكرسمه في الصيد مع أتباعه أو في القتال أو في لعبة الصوالجة (البولو)، وغير هذا كله من الموضوعات التي عُنوا برسمها في الصورة، والتي مرت بنا في الكلام على ذلك الميدان من الفن الإيراني.

وقد أقبل الفنانون الإيرانيون منذ القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) على استعمال الرسوم التوضيحية ذات الصور الآدمية لتكوين منظر أو شرح أسطورة.

(٣) رسم الحيوان

كانت آسيا منذ العصور القديمة أغنى القارات في استخدام الزخارف الحيوانية، بل إن الفن البيزنطي أخذ عن أشور وإيران جُلَّ ما استخدمه من حيوان في رسومه وزخارفه. ولا غَرْوَ فقد كان الفن الإيراني في العصور القديمة ثم في العصر الإسلامي غنيًّا جدًّا بزخارفه الحيوانية.

ولعل أكثر الحيوانات والطيور التي استخدمها الإيرانيون في زخارفهم هي الأسد والفهد والغزال والأرنب، والطاووس والبط والخيل والباز، والطائر يتدلى من مِنْقاره فرع نباتي على الطريقة الساسانية، ثم الجمل والفيل،٢ فضلًا عن الحيوانات الخرافية والمُرَكَّبة التي تسربت إلى إيران مع غيرها من الأساليب الفنية الصينية، كالتنين مثلًا.

وقد كان طبيعيًّا أن يرحب الإيرانيون بتلك الحيوانات الخرافية التي تتفق في تركيبها مع البعد عن الحقيقة الطبيعية، ذلك البعد الذي كان في أكثر الأحيان المثل الأعلى في الفنون الإسلامية عامة؛ ولذا أخذ الإيرانيون عن الشرق الأقصى كثيرًا من تلك الحيوانات الخرافية بدون التفكير في ما كانت ترمز إليه تلك الحيوانات في الصين، ونجح الفن الإيراني في طبع تلك الحيوانات بطابع إيراني وإسلامي ظاهر أولًا في تفصيل رسمها، وثانيًا في وضعها متتابعة أو الواحد تجاه الآخر، أو في موقف يَنْقَضُّ فيها القوي على الضعيف، وما إلى ذلك من أوضاع امتازت بها إيران في الرسوم الحيوانية. وقد كان لرسم أبي الهول شأن عظيم في زخارف القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي).

وكانت الرسوم الحيوانية الإيرانية في بداية العصر الإسلامي تشبه كثيرًا رسوم العصر الساساني في الجفاف والقوَّة، ولا سيما في رسم المفاصل، كما كانت تشبهها أيضًا في اتباع التماثيل والتوازن ورسم الحيوانات والطيور متواجهة أو متدابرة، أو رسمها متتابعة في شريط من الزخرفة.٣

وعلى كل حال فإن الإيرانيين لم يُعْنَوْا في الزخارف الحيوانية بتقليد الطبيعة تقليدًا صادقًا إلا في العصور الذهبية التي تقدم الفن فيها، وفي الحقبات التاريخية التي تأثر في أثنائها بالأساليب الفنية الصينية في رسم الحيوان والنبات.

هذا وإننا نستطيع أن نقول بوجه عام إن الزخارف الآدمية والحيوانية كانت في الطرز الفنية الإيرانية الإسلامية حلقات في سلسلة متصلة؛ فصورة الإنسان أو الحيوان لم تكن مقصودة لذاتها، ولكنها اتخذت موضوعًا زخرفيًّا، وكانت توضع في دوائر أو أشرطة أو أشكال هندسية أخرى منفردة أو متواجهة أو متدابرة، وهي بعد ذلك لا تخرج عن المبدأين العامين اللذين نعرفهما في الفنون الإسلامية: مبدأ كراهية الفراغ والرغبة في تغطية السطوح والمساحات بالزخارف الكافية، ثم مبدأ التكرار الضروري لتحقيق المبدأ الأول.

والواقع أننا إذا تأملنا التحف الإسلامية المختلفة، الإيراني منها وغير الإيراني، من سَجَّاد أو منسوجات أو خزف أو خشب أو تحف معدِنية أو جلد أو جص، رأينا في أغلب الأحيان موضوعات زخرفية مكونة من عناصر مجمعة في توافق وتوازن جنبًا إلى جنب، وتمتاز بأنها منبسطة غير بارزة وبأنها ذات ألوان شرقية في درجاتها وانسجامها، وبأن للخيال فيها شأنًا عظيمًا، وبأنها مكررة في أشرطة أو مناطق متعددة الأشكال.

(٤) الزخارف الكتابية

قامت اللغة العربية بين الأمم الإسلامية في العصور الوسطى مقام اللغة اللاتينية بين الأمم المسيحية، وأفلح العرب في أن يفرضوا لغتهم على بعض الأقاليم المفتوحة مثل مصر، ولكنهم في إيران لم يفلحوا في القضاء على اللغة الإيرانية في كل طبقات الشعب، وإنما تحول الإيرانيون إلى كتابة لغتهم بالحروف العربية، ولم يلبثوا أن استخدموا الكتابة في الزخرفة كما فعلت سائر الأقطار الإسلامية؛ فالمعروف أن الحروف العربية تناسب بطبيعتها الأغراض الزخرفية كل المناسبة.٤

والواقع أن النقوش الخطية من أعظم الزخارف شأنًا في الفنون الإسلامية؛ فقد انتشر الخط العربي بنمو الإسلام وامتداده، ووصل في زمن قصير إلى جمال زخرفي لم يصل إليه خط آخر في تاريخ الإنسانية عامة. ولم تُستخدم الكتابات على العمائر والتحف لتسجيل اسم صاحب التحفة أو مشيد البناء، أو لبيان التاريخ أو للتبرك ببعض الآيات القرآنية أو العبارات الدعائية فحسب، بل كان الفنان الإيراني — كسائر الفنانين في الأقطار الإسلامية — يستخدم الكتابة لذاتها عنصرًا زخرفيًّا في بعض شواهد القبور وفي الخزف والقاشاني والتحف المعدِنية. ونستطيع أن نقول بوجه عام إن الفنانين الإيرانيين استخدموا الخطوط المستديرة، كالخطين النسخي والثلث وغيرهما من الخطوط التي ابتدعوها، كما استخدموا الخط الكوفي. والمعروف أن استعمال الزخارف الكتابية كان أكثر إتقانًا في الأقطار الإسلامية الشرقية منه في غربي العالم الإسلامي، وحسبنا أن أبدعها يُنسب إلى إيران وديار بكر.

وقد وُفِّق الإيرانيون في الخط الكوفي وفي سائر الخطوط التي استخدموها إلى انسجام وجمال زخرفي عظيمين؛ ولا غَرْوَ فقد كان للخط الجميل عندَهم مكانة عظمى، كما مر بنا في الكلام عن فنون الكتاب، كما أنهم عرفوا أنواعًا كثيرة من الخطوط الكوفية والمستديرة الحروف.٥

على أن الإيرانيين لم يُقبلوا على استخدام الكتابة في الزخرفة قبل القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، والزخارف الكتابية التي ترجع إلى هذا التاريخ نادرة في إيران وكلها بالخط الكوفي. والواقع أن الكتابة الكوفية كانت تلائم الطراز الزخرفي في ذلك العصر، كما كانت تلائم الزخرفة في النسيج والخشب والمعدن. وكانت الزخارف الكوفية يختلف بعضها عن بعض في هيئة الحروف من حيث الدقة والأناقة واتساع الحروف وحسن توزيعها، وذلك بحسب مهارة الصناع والفنانين، ومن أبدعها شريط من الكتابة المنقوشة في ضريح بيرعالمدار سنة ٤١٨ﻫ/١٠٢٧م. وقد ظل الخط الكوفي مستعملًا في الزخرفة الإيرانية إلى القرن الماضي، حتى بعد أن عمَّ استخدام الخطوط المستديرة منذ القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، وأقبل الفنانون على إكسابها طابعًا زخرفيًّا جميلًا.

ولكن معظم الزخارف الكوفية عند الإيرانيين لم يكن لها طابع إيراني خاص، ولم يكن الفرق كبيرًا بينها وبين الزخارف الكوفية في سائر الأقاليم الإسلامية، اللهم إلا في الثروة الزخرفية التي كانت تبدو غالبًا في الأرضية التي تقوم عليها الكتابة، كما نرى في قطعة النسيج الإيرانية التي ترجع إلى القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، والمحفوظة في مجموعة المسز مور (انظر شكل ١٠٩)، وكما نرى في شريط الكتابة الجصية الزخرفية في المسجد الجامع بقزوين، وهي أيضًا من بداية القرن الثاني عشر الميلادي (٥٠٧–٥٠٩ﻫ)، وكانوا في بعض الأحيان يَكْسُون الآجُرَّ بالمينا، ويزينونه بعبارات مكتوبة بالخط الكوفي المستطيل، كما في المسجد الجامع بأصفهان، واستخدموا هذه الكتابات الكوفية المستطيلة في الفسيفساء الخزفية، كما في المسجد الجامع بمدينة يزد، وفي المسجد الجامع بأصفهان.
وفي متحف اللوفر بباريس طبق خزفي من صناعة سمرقند، عليه كتابة بالخط الكوفي الجميل، ربما كان نصها: «العلم أوَّله مُرٌّ مذاقته لكن آخره أحلى من العسل السلامة» (انظر شكل ٧١)، وهو مثال لإتقان الزخرفة الكتابية وقوة تعبيرها وما يمكن أن يصل إليه الفنان فيها من توفيق عظيم؛ ولا غَرْوَ فإن بلاد التركستان الغربية انتخبت نماذج بديعة جدًّا من الخزف ذي الزخارف الكتابية، ولا سيما في سمرقند وبُخارَى، ولعل ذلك من آثار الحضارة السامانية.
وقد صنع الخزفيون الإيرانيون في العصر الإسلامي عددًا وافرًا من القطع الخزفية ذات الزخارف الكتابية بالخط الكوفي البسيط، والكوفي المزهر والخطوط المستديرة.٦ والظاهر أن الصناع الذين كانوا يكتبون على الخزف لم يتقنوا دائمًا القراءة والكتابة، ولم يعرفوا تمامًا ما كانوا يكتبون، وإنما كانوا ينقلونه نقلًا. ويظهر ذلك جليًّا من الأخطاء التي نراها في رسم بعض الكلمات والعبارات، حتى ما كان منها كثير الورود في تلك الكتابات مثل «عِز ويُمْن لصاحبه»؛ ولا غَرْوَ فقد كانت العربية لغة أجنبية عند الفنانين الإيرانيين.

ومما يجدر ذكره أننا نلاحظ استخدام الكتابة المستديرة الحروف في بعض أنواع الخزف الإيراني وغيره من التحف على نحو يُشْعِرُ بأن الغرض منها ليس زخرفيًّا تمامًا؛ ولعل السبب في ذلك غرام الإيرانيين بالشعر، وحرصهم في كثير من المناسبات على كتابة بعض الأبيات على التحفة الفنية. وفضلًا عن ذلك فإن بعض تلك الكتابات لا يُقصد به إلا تسجيل تاريخ القطعة واسم صانعها، كما نجد على بعض نجوم القاشاني التي تُكْسَى بها الجدران. وأكثر ما تُرى هذه الكتابات النسخية على الخزف المصنوع بإيران في القرنين السادس والسابع بعد الهجرة (الثالث عشر والرابع عشر بعد الميلاد)، ومعظمها لا يختلف خطه عن الخطوط المستديرة الحروف والمستخدمة في المخطوطات، اللهم إلا في لوحات القاشاني الكبيرة ذات الأشرطة الكتابية البارزة؛ فقد استُعملت فيها خطوط نسخية محوَّرة بعض التحوير ومختلفة عن الخطوط المستخدمة في المخطوطات.

وفي القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) بلغت الزخارف الكتابية عصرها الذهبي في إيران، وظلت محتفظة بمكانة سامية حتى عصر الدولة الصَّفَوِيَّة في القرن العاشر الهجري.

(٥) الرسوم الهندسية

أما الرسوم الهندسية فإنها أقل شأنًا في الطرز الإيرانية منها في سائر الطرز الإسلامية،٧ ولعل ذلك راجع إلى غنى الطرز الإيرانية بالزخارف الآدمية والحيوانية والنباتية.

والمشاهَد على كل حال أن الزخارف الهندسية في الفن الإيراني لم تبلغ أوج عزها إلا منذ القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، وأنها كانت ملائمة جدًّا للزخرفة بقوالب الطوب وبالفسيفساء الخزفية؛ فلا عجب أن أصبح لها شأن عظيم في العمارة، كما استُخدمت أيضًا في رسوم الصفحات المذهَّبة وفي زخارف الحشوات الخشبية. بينما أصاب الفنانون في تطعيم المعادن أبعد حدود التوفيق في الجمع بين الزخارف الهندسية والزخارف النباتية، أما في الخزف والمنسوجات فإن استخدام الزخارف الهندسية كان نادرًا.

وأساس الرسوم الهندسية في الفن الإيراني هو المثلث والمربع والدائرة، وقد أبدع القوم في وصل الزخارف وشبكها وإدخال بعضها في بعض.

ولكن أكثر الزخارف الهندسية التي نجدها في الطرز الإيرانية إنما تكون في زخارف العمائر؛ ففي ضريح الشيخ صفي الدين بأردبيل فسيفساء خزفية بها شبه حروف كوفية في أوضاع هندسية، وترجع إلى القرن السابع الهجري (نهاية القرن الثالث عشر أو بداية القرن الرابع عشر الميلادي). وفي جدار إيوان بالمسجد الجامع في أصفهان أشكال متعددة الأضلاع في أوضاع نجمية، وترجع إلى القرن الثامن الهجري (بداية القرن الرابع عشر)، وتشبه كل الشبه ما كان معاصرًا لها من الزخارف الهندسية في مصر. وفي السقف بغرفة القبة الصغرى في المسجد المذكور رسوم هندسية جميلة ترجع إلى نهاية القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، وتمتاز بأن أشكالها مكونة من خطوط أصلها أجزاء من محيطات دوائر؛ مما يُكسب المجموعة كلها طابعًا طريفًا وجميلًا باختلافه عن سائر الرسوم الهندسية التي ذاع استعمالها في الطرز الإسلامية.

وفي جنبد سرخ بمدينة مراغة زخارف هندسية جميلة، وقوامها رسم الصليب المعقوف، وترجع إلى منتصف القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي). وبالمسجد الجامع في يزد زخارف هندسية بارزة من الخزف والجص. وفضلًا عن ذلك فإننا نجد الأشكال الهندسية المختلفة في زخارف بعض التحف الخزفية، ولا سيما منتجات مدينة ساوه في القرنين السابع والثامن بعد الهجرة (الثالث عشر والرابع عشر بعد الميلاد).

وطبيعي أيضًا أن تُستخدم الزخارف الهندسية في تذهيب بعض المخطوطات الثمينة، ولا سيما المصاحف في القرنين السابع والثامن بعد الهجرة (الثالث عشر والرابع عشر بعد الميلاد)، كما يظهر في بعض أجزاء من مصحف محفوظة في دار الكتب المصرية، وقد كتبها وذهَّبها عبد الله بن محمود الهمذاني سنة ٧١٣ﻫ/١٣١٣ ميلادية، للسلطان المغولي الجايتو خدابنده، وأبعاد هذه الأجزاء ٤٠ × ٥٠ سنتيمترًا، وصفحاتها المذهبة غنية بزخارفها الهندسية الغريبة في تنوعها ونضارتها.

وقد مر بنا أن الإيرانيين استخدموا الرسوم الهندسية في الزخارف المحفورة في الخشب، ولا سيما في التوابيت والصناديق وما إلى ذلك.

وتمتاز الزخارف الهندسية الإيرانية المتقنة بأنها أكثر اتزانًا وتنوعًا وأعظم تركيبًا من الزخارف الهندسية في الطرز الإسلامية الغربية كالطراز المغربي الأندلسي والطراز المملوكي المصري. وقد تكون الأولى أقل تعقيدًا من الثانية، ولكنها تدل في أعظم الأحيان على عمق تفكير هندسي وعلى مسحة علمية تبز المسحة الآلية المملة التي نراها في بعض الرسوم الهندسية المغربية، على أن هذا لا يَصْدُق إلا على النماذج الجيدة من الرسوم الهندسية الإيرانية، أما الأنواع العادية فلا تختلف كثيرًا عما نعرفه في إيران وبلاد المغرب.

•••

والمشاهَد بوجه عام أن الزخارف الساسانية لم تتغير في العصر الإسلامي إلا تدريجيًّا، وبسرعة تختلف بحسب المادة وبحسب الموقع الجغرافي المحلي في إيران؛ فالمعروف مثلًا أن المقاطعات الشرقية كانت أكثر محافظة على الروح الإيرانية، بينما كانت المقاطعات الغربية مرتعًا أكثر خصوبة وأعظم استعدادًا لقبول الأساليب الفنية المأخوذة من بلاد الجزيرة ومن سورية، وهي الأساليب التي لها بالفنون الكلاسيكية في البحر المتوسط علاقة وثيقة.

•••

ولا يفوتنا قبل إتمام الكلام عن العناصر الزخرفية في الفن الإيراني الإسلامي أن نشير إلى موضوع زخرفي نسميه في الاصطلاح الفني «تشي»، وقد أخذه الإيرانيون عن الفن الصيني وهو زخرفة إسفنجية الشكل، ولعلها كانت في الشرق الأقصى رمزًا لعنصر من عناصر الطبيعة كالسُّحب والبرق، ثم اقتبسها الفنانون الإيرانيون فيما اقتبسوه من الأساليب الفنية الصينية. وتظهر هذه الزخرفة جليًّا في السَّجَّادة الحرير الموشاة بالذهب والفضة، والتي أهداها سمو الأمير يوسف كمال إلى دار الآثار العربية؛ فإن في هذه السَّجَّادة منطقة وسطى وحولَها خمسة إطارات أو مناطق غير متساوية في العرض، وأولها من الداخل مزين بخطوط متعرجة على شكل السحب الصينية التي نحن بصددها الآن.٨

•••

بقي علينا في ختام هذا الفصل أن نشير إلى ميزة في الزخارف الإيرانية في العصر الإسلامي، بل في الفنون الإسلامية عامة، وهي أن الأساليب الفنية الإسلامية لم تَعُدْ تَحمل إلى حد كبير طابع الملك والأمير والسلطان، كما كانت الفنون الإيرانية في العصور القديمة، ولم تَعُدْ مظهرًا من مظاهر الدين والعبادة كما كانت تلك الفنون نفسها وكما كان الفن المصري القديم، وإنما أصبحت في معظم الأحيان فردية وشعبية ودنيوية،٩ ولكن الطراز الإيراني في الإسلام احتفظ بقسط من ذلك الأسلوب القديم أكبر مما احتفظت به سائر الطرز الفنية الإسلامية، التي لم تتأثر بما كان للملك في إيران القديمة من مكانة شبه إلهية.
١  انظر Alois Riegl: Stilfragen ص٢٥٩–٣٤٦.
٢  وردت رسوم الجمل والفيل والغزال في الفن الساساني، ولكنها كانت توضيحية ولم تُستخدم في الأغراض الزخرفية.
٣  تأثر الإيرانيون في زخارفهم الحيوانية بما كان عند قبائل السيث Seythes قديمًا في شمال الهضبة الإيرانية وجنوبي الروسيا من زخارف حيوانية، ملؤها الجفاف والقوة والاختصار في الرسم. قارن M. Rostovtzeff: The Animal Style in South Russia and China المطبوع في برنستون Princeton سنة ١٩٢٩.
٤  لعل سبب ذلك تكوين الحروف في معظم الأحيان من خطوط عمودية وأفقية يسهل وصل بعضها ببعض، كما يسهل وصلها بالرسوم الزخرفية الأخرى وصلًا يظهر فيه الجمال والاتزان والاتصال.
٥  كان الخطاط نَجْم الدين أبو بكر محمد الراوندي في القرن السابع الهجري يفخر بإتقانه سبعين نوعًا من الخطوط (انظر راحة الصدور للراوندي)، طبع محمد إقبال في ليدن سنة ١٩٢١، ص٣٨–٤١.
٦  راجع صور هذه التحف الخزفية في كتاب Pézard: La céramique archaique de l’Islam وانظر أيضًا A Survey of Persian Art ج٢ ص١٧٤٣ وما بعدها.
٧  راجع ما كتبه الأستاذ بورجوان J. Bourgoin عن الزخارف الهندسية في كتابه Les Eléments de l’art arabe المطبوع في باريس سنة ١٨٧٩، وانظر Antonio Prieto Vives: La simetria y la composicion de los tracitas musulmanes في مجلة Investigacion y Progreso عدد ٣ من السنة السادسة، الصادر بمدريد في مارس سنة ١٩٣٢ ص٣٣ وما بعدها.
٨  انظر الدليل الموجز لمعروضات دار الآثار العربية (تأليف فييت وترجمة زكي محمد حسن) اللوحة ٢٥.
٩  ولكن هذا لا ينفي أنها كانت ملكية أرستقراطية في اعتمادها على تعضيد الأمير وكبار الدولة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١