الفصل الثاني عشر

الأدب الإنجليزي في القرن الثامن عشر

(١) النثر

(١-١) جوناثان سوِفْت Jonathan Swift (١٦٦٧–١٧٤٥م)

ولد في «دبلن»، وكان أبوه قد مات قبل ولادته، فكفله عمه، حتى أتم دراسته في الجامعة، ولم يكن في دراسته الجامعية تلميذًا نابهًا، حتى لقد منح الدرجة عن غير جدارة علمية، ولم يلبث أن عيَّنه قريبٌ له عظيم كاتمًا لسره، وكان ذلك القريب العظيم هو «السير وليم تمبل»١ رجل السياسة المشهور في تاريخ بلاده، وكان إذ ذاك يقيم في «مور بارك»٢ بمقاطعة «سَرِي» في إنجلترا.

لبث «سْوِفْت» في منصبه ذاك نحو عشرة أعوام، ملأها بالقراءة والدرس، فأكمل بهذا المجهود الشخصي نقص دراسته الجامعية، وكان إذ ذاك يكتب ويكتب، ثم يقذف في النار بما يكتبه، وحاول قرض الشعر ولم يوفق، وقد عرض إحدى منظوماته الشعرية على «دريدن» — وبينه وبينه صلة من الرحم — فقال له الناقد الكبير قولًا كان له في نفس الكاتب أعظم الأثر: «سوفْتُ يا ابن العم، إنك لن تكون شاعرًا.»

وكان في «مُورْ بارك» — حيث أقام السير تمبل ومعه سوفت — طفلة تنتمي بصلةٍ بعيدةٍ إلى أسرة الكاتب، هي «إِسْتَرْ جونْسُنْ»، تعهد سوفت بتعليمها وتثقيفها، فنشأت صلة من الود بين التلميذة وأستاذها، ثم تطور الود فأصبح حبًّا وغرامًا، كان أقوى في جانب الفتاة منه في جانب الأستاذ، وهذه هي الفتاة التي أطلق عليها الكاتب في أدبه اسم «سْتِلَّا»، ومات «السير تمبل» بعد حين، فعُني «سوفت» بنشر مؤلفاته — وكان تمبل سياسيًّا أديبًا له مكانته في عالم الأدب — وبعدئذٍ عاد «سوفت» إلى وطنه أيرلنده قسيسًا لحاكمها «لورد باركلي»، فسافرت في إثره «سْتِلَّا»، ومعها صديقة لها، واتصلت صلة الصداقة بين الكاتب وفتاته، فكانت له مصدر سعادة لولاها لأصبحت حياته معتمةً كئيبة.

وأول ما أخرجه «سوفت» من أدبه الخالد «قصة الدَّلْو»،٣ كتبها وهو في التاسعة والعشرين من عمره، وهي عند بعض الناقدين أعظم ما جرى به قلم الكاتب، وفيها يسخر من العقائد الدينية الثلاث: الكنيسة الإنجليكانية، والكنيسة الرومانية، والكنيسة الكهنوتية، وهو يرمز إلى الكنائس الثلاث بأسماء إخوة ثلاثة: «جاك» و«بطرس» و«مارتن». وقد ذكر سوفت كتابه هذا بعد كتابته بأعوامٍ طوال، فقال: «يا إلهي! يا لها من عبقرية وُهِبْتُها حين أنشأت هذا الكتاب!» والحق أن هذه القصة دليلٌ ناهض على أصالة فكره وقوة ابتكاره، تجلَّت فيها مواهبه إلى حدها الأقصى، والهجاء في هذا الكتاب منصبٌّ على رجال الدين الذين يثيرون اختلافات في المذاهب بتعالُمهم وسخفهم.
ثم تلا هذه القصة «معركة الكتب»٤ التي تدور حول المفاضلة بين أدب القدماء وأدب المحدثين. فقد نشبت معركةٌ أدبيةٌ حامية بين الأدباء حول هذه المفاضلة — وبدأت المعركة في فرنسا — وكان «السير وليم تمبل» في ذلك العراك مدافعًا عن الأدب القديم، فأيده «سوفت» في وجهة نظره، و«معركة الكتب» ملحمةٌ تهكمية يتخيل فيها الكاتب حربًا تنشب بين الكتب القديمة والكتب الحديثة التي في مكتبة قصر سنت جيمس، نسوق لك منها هذا المثال:

كان جيش القدماء أقل عددًا من جيش المحدثين قلةً ظاهرة، وكان لهومر قيادة المدفعية الراكبة، ولبندار قيادة كتيبة الفرسان الخفيفة، وكان إقليدس رئيس المهندسين، وعُهد بقيادة رُماة القوس إلى أفلاطون وأرسطو، وبقيادة المشاة إلى هيرودت ولفي، وكان هبوقراط على رأس فرقة من الفرسان، واصطف في المؤخرة جنود الحلفاء يقودهم «فوسْيَسْ» و«تمبل».

ودلَّت الدلائل كلها على أن معركةً فاصلة وشيكة الوقوع، فطارت «الشهرة» — وقد كانت كثيرًا ما تطوف بالمكتبة الملكية، وكان لها فيها مكانٌ فسيح تأوي إليه — طارت في عجل إلى جوبتير، فقصَّتْ عليه كل ما حدث بين الحزبَين في العالم الأرضي، وكانت أمينةً فيما قَصَّتْ؛ لأنها لا تقول إلا الصدق وهي بين الآلهة، فأبدى جوف اهتمامًا عظيمًا بالأمر، وجمع من فوره مجلسًا في مجرَّة السماء، ولما اجتمع شيوخ السماء أنبأهم كبير الآلهة النبأ، قائلًا إن معركةً دامية وشيكة الوقوع بين جيشَين قويَّين من القدماء والمحدثين، وما تلك الكائنات القديمة والمحدثة إلا كتبٌ يهتم بأمرها آلهة السماء اهتمامًا شديدًا، وربما أسرفت الآلهة في اهتمامها ذاك …

ولما رأى «أرسططاليسُ» (بيكُنْ) يتقدم نحوه مقطب الجبين من غضب، رفع قوسه إلى رأسه وأرسل رمحه يشق الهواء، لكن الرمح أخطأ «المُحْدَثَ» المِقْدَام، ومضى فوق رأسه يئزُّ أزيزًا، حتى صادف ديكارت فأصماه …

وأخرج «سوفت» بعد ذلك «يوميات إلى ستِلَّا»،٥ وهي خطابات قصد بها إلى حبيبته، ولم يُردْ نشرها، أخذ يتحدث فيها حديثًا طليًّا عن دقائق حياته ويصبُّ فيها عواطفه كما تجيش في صدره، تراه آنًا يثرثر ثرثرة الخليَّ المرح، ثم ينتقل فجأة إلى أهم الحوادث السياسية في عصره، وهو بعبارةٍ واحدة من قلمه ينفث الحياة والقوة في شخص، وبعبارةٍ أخرى يضرب شخصًا آخر الضربة القاضية التي لا قيامة لذكره بعدها، وبالطبع يتخلل الأحاديث كلها حبُّه لِسْتِلَّا وحاجتُه إلى حبها وعطفها. ولقد كانت علاقته بها موضع اختلافٍ كبير، والأرجح عند بعض الناقدين أنه تزوج منها.

كان «سوفت» أول الأمر مؤيدًا لحزب الأحرار، ثم ساءته سياستهم، فانضم إلى حزب المحافظين، وسرعان ما أصبحت له مكانةٌ سياسية ممتازة، بل لسنا نسرف إن زعمنا أنه أصبح في عالم السياسة — كما كان في عالم الأدب — قطب الرحى، وكان من الأدباء الأصدقاء الذين تجمعوا حوله «بوب» و«أَدِسُنْ» و«سْتِيل» ونوشك أن نقول في غير تحفظٍ إن الأدب الإنجليزي لم يشهد رجلًا بلغ من السلطان وقوة المركز ما بلغه «سوفت» إذ ذاك، وأخذ يخرج رسالة في إثر رسالة يهاجم بها «الأحرار» أصدقاء الأمس، والعجيب أنه رغم جبروته لم يستفد شيئًا مما يأمله، فقد كان يطمح أن يكون أسقفًا لكنيسة في إنجلترا، ولكن أولي الأمر أبوا أن يعهدوا بمثل هذا المنصب الديني إلى رجل طعن الكنيسة طعناتٍ دامية في قصة «الدَّلْو»، وأخيرًا نُصِّبَ نائبًا لأسقفٍ في كنيسة «سنت باترك» في دبلن، ولم يكن «سوفت» مقتنعًا بهذا المنصب، ولم يُرْضه أن يستقر به المقام في دبلن بعيدًا عن النشاط السياسي في إنجلترا، وما هي إلا فترةٌ قصيرة مضت، حتى سقط المحافظون وفقد سوفت بسقوطهم كل رجاء. وظل مقيمًا في دبلن وكأنه منها في مطارح النفي.

وفي سنة ١٧٢٦م نشر «سوفت» أشهر كتبه وأقربها إلى نفوس القراء على اختلافها وهو «رحلات جَلِفَرْ»٦ الذي ما فتئ منذ نُشِرَ مصدر متعة لا تنقطع للصغار والكبار على السواء، مع أن كاتبه يقول: «إن الغاية الأساسية التي أرمي إليها هي أن أُحْرج صدور الناس لا أن أسلِّيهم.» ويقول أيضًا في خطابٍ أرسله إلى «بوب» أنا أكره وأمقت بقلبي ذلك الحيوان الذي يسمى بالإنسان، ولو أنني أحب بقلبي زيدًا وعمرًا وخالدًا … فالكاتب ناقم على الإنسانية باعتبارها جنسًا عامًّا، لكنه يحب الأفراد إن بدا منهم ما يدعو إلى الحب، وهذا الكتاب نقدٌ مقذعٌ لاذع للإنسانية البغيضة.
وموضوع الرحلات — كما يعلم القراء جميعًا — وصفٌ لأسفار جلفر في أرض الأقزام، ثم في أرض العمالقة، فهو بين أولئك ماردٌ جبار وبين هؤلاء قزمٌ ضئيل، وقد برهن الكاتب على قدرة توشك أن تكون إعجازًا في حفظ النِّسَبِ بين حجوم الأشياء، فالعالم كله في بلاد «لِيلِيبَتْ»٧ أرض الأقزام ضئيل بنسبةٍ مطردة، والعالم كله في بلاد «بروبْدِنْجِنَاج»٨ — أرض العمالقة — ضخم بنسبةٍ مطردة أيضًا، فلو قلنا — مثلًا — إن البوصة عندنا تمثل قدمًا في أرض الأقزام والقدم عندنا تمثل بوصة في أرض العمالقة سار كل شيءٍ على هذه النسبة في دقةٍ عجيبةٍ لا تخطئ، فالبقرة عند الأقزام في حجم الفرخ الصغير، والمنزل في حجم الصندوق، والرجل من الناس يمكن حمله في الجيب، وهكذا. وقل عكس ذلك عند العمالقة.

ولم يَرُقْ للدكتور جونْسُنْ أن يجعل في هذا قدرةً ونبوغًا، قائلًا: «يكفيك أن تفكر في ناسٍ ضخام وناسٍ ضئال، ثم يسهل عليك بعد ذلك بقية القصة.» ولكن يظهر أن سهولة الأمر قد أوحى بها الاطراد العجيب الذي استطاع سوفت أن يحافظ عليه من بدء القصة إلى ختامها، فظن الناقد أن تصغير الأشياء والأحياء أمرٌ طبيعي في مقدور كل إنسان، وقد يقول قائل: إن القصة أكذوبةٌ واحدة، ومن اليسير أن يكذب الإنسان، ولكن فكِّر قليلًا تجد الأكذوبة المتَّسقة المطردة التي لا تتناقض أجزاؤها ليست من السهولة، بحيث ظننت للوهلة الأولى.

ولكن ماذا يريد «سوفت» بهذه الرحلات العجيبة؟ يريد أن يهاجم الإنسانية عامة في غرائزها وحماقاتها، وأن يسخر من رجال عصره خاصة في خصوماتهم وسفاسفهم، فإذا قال لك مثلًا إن قومَين من الأقزام اقتتلا، واستعان فريق منهما بجلفر؛ لأنه كان يخشى سطوة أسطول الأعداء، فيذهب جلفر إلى ذلك الأسطول المخيف، فيحطمه بإحدى يديه. ضحكتَ من زهو هؤلاء الذين اعتدوا بسطوة أسطولهم. والخطوة التالية أن تضحك من زهو الإنسان بقدرته وإنه لضعيف، بل إذا قال لك إن جيشَين من هؤلاء الأقزام تلاقيا في حومة الوغي، وأنت تعلم أن الجنديَّ منهم لا يزيد على طول إصبعك، ضحكتَ ملء شدقَيك عجبًا من خصومةٍ تشتد بين تلك المخلوقات الضئيلة، حتى تؤدي بهم إلى القتال، والخطوة التالية لذلك أن تضحك ملء شدقَيك أيضًا عجبًا من بني الإنسان يختصمون ويقتتلون، وإنهم كذلك لتوافه ضئال، وإن روى لك الكاتب عن أرض الأقزام أن حزبَين هنالك أحدهما يلبس أعضاؤه أحذيةً عالية الأعقاب، والآخر يلبس أعضاؤه نعالًا وطيئة الأعقاب، وأن هذين الحزبَين يختلفان في تلك البلاد على ولاية الحكم، وأن الإمبراطور قرر ألا يعهد بأزمَّة بلاده إلا لذوي النعال الوطيئة، وأن ابن الإِمبراطور كان مترددًا بين الحزبَين أيهما أقوم سبيلًا فلبس نعلًا عاليًا ونعلًا وطيئًا، فاعلم أن الكاتب يرمز بذلك إلى حزب «الكنيسة العالية» وحزب «الكنيسة الواطئة» — فهكذا كانا يسمَّيان في إنجلترا في القرن الثامن عشر — أي إلى المحافظين والأحرار، وهو يرمز بإمبراطور الأقزام إلى الملك جورج الأول، وقد كان يميل بهواه مع الأحرار، وابن الإمبراطور يمثل أمير ويلز الذي أبدى بعض الميل نحو المحافظين، وإن رأيت الكاتب يروي لك عن الأقزام أنهم اختلفوا من أين تُكسر البيضة؟ أتكسر من طرفها العريض أم من طرفها الدقيق؟ وأن هذا الاختلاف أدى بينهم إلى خصومةٍ وشحناء، فاعلم أنه يشير بذلك إلى الاختلافات الدينية التافهة التي يثيرها رجال الدين بتعصبهم، ولو نُظِرَ إلى تلك الخلافات من أعلى لوُجد أنها لا تزيد في جدها عن مشكلة البيضة من أين تكسر، وهكذا، وهكذا … فلو قرأت «رحلات جلفر» تحت هذا الضوء لرأيت أنه أعظم كتاب في الهجاء الساخر بالإنسان عامة وبرجال عصره خاصة.

والآن نعرض عليك فكرةً موجزة عن أجزاء الكتاب:

أبحر «مستر لميُوِلْ جلفر»٩ — وهو جراح على سفينة — من مدينة برسْتُل في الرابع من شهر مايو سنة ١٦٩٩م ميمِّمًا شطر جزائر الهند الشرقية، وتحطمت السفينة عند خط عرض ٣٠ تقريبًا، فقذف الموج بجلفر إلى جزيرةٍ مجهولة، فإذا بتلك البلاد مملكة «ليليبت» التي يسكنها أقزامٌ صغار، وأخذ هؤلاء الأقزام رحَّالتنا أسيرًا. وهنا يصف «سوفت» حياة هؤلاء الناس، وما ينشب من قتال بينهم وبين جيرانهم أهل «بليفَسْكُو»،١٠ وحياة رجال القصر، والأحزاب المختلفة، وما إلى ذلك، ونشب بين أهل «ليليبت» — يقصد بهم الإنجليز — وأهل «بليفسكو» — ويقصد بهم الفرنسيين — قتالٌ فظيع نسوق لك العبارة الآتية في وصف أسبابه؛ لأنها تدلك على طريقة الكاتب في التَّهكُّم:
بدأ القتال على الوجه الآتي: يسلِّم الناس جميعًا بأن الطريقة البدائية لكسْر البيض قبل أكله هي أن يُكسَر من طرفه العريض، لكن جَدُّ جلالة الملك الحاضر حدث له مرةً حينما شرع يأكل بيضة وهو صبي أن جرح إصبعه لما أراد كسر البيضة وَفْق التقليد القديم، فلم يلبث أبوه الإمبراطور أن أصدر مرسومًا يأمر فيه أبناء الشعب جميعًا أن يكسروا البيض من طرفه الدقيق، وإلا تعرضوا للعقاب الصارم، ولكن الشعب اتخذ موقف المقاومة، بحيث ينبئنا التاريخ أن ست ثورات نشبت لهذا السبب، ومات أحد الأباطرة في تلك الثورات، وضاع التاج من آخر. وقد كان ملوك «بليفسْكُو» لا ينفكُّون يزيدون هذه الثورات الأهلية اشتعالًا، وكانت إذا ما هدأت ثورة فرَّ الطريدون إلى تلك الإمبراطورية يحتمون فيها، ويقال إن أحد عشر ألفًا من الناس كانوا بين آونةٍ وأخرى يؤثرون الموت على أن يذعنوا لما أُمروا به من كسر البيض من طرفه الدقيق. وكُتبت مئاتٌ عديدةُ من الكتب في موضوع هذا الخلاف، لكن مؤلفات «أصحاب الطرف العريض» حُرِّمت منذ أمدٍ بعيد، كما حَرَّم القانون على ذلك الحزب كله أن يشغل رجالُه مناصب الدولة. وكثيرًا ما احتجَّ أباطرة بليفسكو خلال ذلك الشغب بوساطة سفرائهم، وهم في احتجاجهم يتهموننا بإحداث فتنةٍ دينية؛ إذ زعموا أننا بذلك إنما نسيء إلى مذهب أساسيٍّ في الدين كما بشَّر به نبينا العظيم «لَسْتُرُجْ» في الجزء الرابع والخمسين من الكتاب المقدس «بلَنْدِكْرَالْ» (وهذا الكتاب هو «قرآنهم»)،١١ لكنا نحسب أن قولهم هذا مبالغة في تأويل النص؛ لأن العبارة كما وردت هي: «وأُمِرَ المؤمنون جميعًا أن يكسروا بيضهم من الطرف الملائم.» وأيُّ الطرفين هو الملائم؟ يجب — في رأيي المتواضع — أن يترك لضمائر الأفراد، أو أن يخوَّل كبيرُ القضاة — على الأقل — حق الفصل.
وفي الجزء الثاني من الكتاب يفرُّ جلفر من أرض «ليليبت» إلى بلاد «بروبْدنْجِناج»، وأهل هذه البلاد عمالقةٌ يكبرونه حجمًا بمثل ما يصغره أقزام ليليبت. وأُخِذَ جلفر في حضرة الملك العملاق، وأُمر أن يروي عن أمته، فأخذ جلفر يعظِّم في الوصف ويفخِّم، لكن الملك ورجاله أحرجوه بكثرة الأسئلة، حتى اضطر أن يقول الصدق في أمته، وهنا يبيِّن سوفت نقائص البلاد المتمدينة في رأيه، ويستمع الملكُ إلى ما يقوله جلفر، ثم يقول:

لستُ أرى مما تقول … أن رجالكم يُكرَّمون بما لهم من فضيلة، أو أن القساوسة يرتقون بما لهم من علمٍ وتقوى، أو أن الجنود يُرَقَّوْن بما لهم من خلقٍ وإقدام، والقضاة بما لهم من سلوكٍ قويم، والنواب بما يبدونه من حبٍّ لبلادهم، والمشيرين بما يتحلون به من حكمة … فلا يسعني إلا أن أحكُم بأن الشطر الأعظم من مواطنيك أسوأ فصيلة من الدود الصغير الكريه مما يزحف على سطح الأرض من ديدان.

ثم يزور «جلفر» بعد ذلك أرض «لابوتا»،١٢ وهنا يصبُّ سخريته على العلماء، فالطعام في القصر الملكي يقطَّع على أشكالٍ هندسية، ورجال الفكر مغرقون في تفكيرهم، حتى لا يفيقون إلا إن ضُربوا بأطراف السياط، وكان من بينهم عالم يحاول أن يستخرج أشعة الشمس من القثاء، وفي هذه الأرض أيضًا يلتقي الرحالة بفئةٍ بغيضةٍ حكم عليهم أن يقضوا حياةً أبدية لا يستخدمون فيها ملكاتهم ومواهبهم.
وفي الجزء الرابع والأخير من «رحلات جلفر»، يطوف الرحالة ببلادٍ يسكنها «الوينيم»،١٣ وهم ضرب من الكائنات لها هيئة الخيل، ولهذه الخيل هناك مكانة الإنسان في سائر البلدان، وأما الناس في تلك البلاد فيبدون في شكلٍ بشعٍ مخيف، ويَلْقَوْن من «الخيول» كل مقت وازدراء، ويمثل «سوفت» بهذه الفصيلة البشرية الوضيعة التي يسميها «ياهو»١٤ الجنس البشري كما يراه، وفي هذا الجزء أقذع وألذع هجاء يوجِّهه الكاتب للإنسانية التي يمقتها أشد المقت، حتى ليقال إن الجنون الذي مسَّ الكاتب في أخريات سنيه كان قد أخذ يلعب بقواه العقلية، وهو يكتب هذا الجزء المظلم المعتم الكئيب من كتابه، وحسبه ظلمًا للإنسان أن يضعه في مرتبةٍ أدنى من الحيوان.

«أَدِسُنْ» و«سْتِيلْ».

لا بد أن نقرن هذين الكاتبَين أحدهما بالآخر، وأن نضعهما جنبًا إلى جنب في كلمةٍ واحدة، فقد اتصلت حياتهما الأدبية وتعاونا على نحو ما تعاون «بُومُنْتْ» و«فِلتْشَرْ» في القرن السابع عشر، فأصبح عسيرًا أن تذكر زميلًا بغير زميله.

(١-٢) جوزيف أدسن Joseph Addison (١٦٧٢–١٧١٩م)

هو من أئمة النثر في الأدب الإنجليزي، تخرج في جامعة أكسفورد وأتقن دراسة اللاتينية إتقانًا مكَّنه أن يقرض فيها الشعر، وأن يصادف هذا الشعر إعجابًا عند «بوالو» — الناقد الفرنسي الذي عرفته في الفصول السابقة — حين عرضه عليه «أَدِسُنْ» أثناء إقامته في فرنسا، وكان «أَدِسُنْ» حييًّا خجولًا يتعثر في القول إن كان بين جماعة، ومن هنا أحجم عن النقاش وهو عضو في البرلمان، ويميل بطبعه إلى التفكير الهادئ المتأمل، وقد كان يهيئ الكاتب نفسه لينخرط في سلك الكنيسة، لكن مواهبه الأدبية استوقفت أنظار «لورد هاليفاكس» الذي كان زعيمًا لحزب الأحرار، وراعيًا للأدب والأدباء، فمنحه راتبًا يمكنه من الرحلة في أوروبا، وإنما قَصَدَ الزعيم بذلك أن ينشِّئ شابًّا أديبًا تنشئةً قد تعود على حزبه بالنفع إذا ما عاد الأديب، واكتمل نضجه، وأخذ يدافع عن الحزب بقلمه، وانتهز «أَدِسُنْ» هذه الفرصة السانحة، وطاف بفرنسا وسويسرا وإيطاليا وألمانيا يجمع التجارب، ويزيد من معارفه، حتى أُثقلت حديقة فكره بالثمار، فراح يقطفها وينثرها في أدبه بعد عودته إلى بلاده.

تغيَّرت الظروف السياسية في إنجلترا، وانقطع عن الكاتب راتبه، فعاد إلى إنجلترا ليضع أول حجر في مجده الأدبي سنة ١٧٠٤م، وذلك حين أرادت الوزارة القائمة أن تشيد بالنصر الذي ظفر به «مولْبرا»١٥ في موقعه «بلنهايم»١٦ في قصيدةٍ قويةٍ تسري بين الناس، فتكون للحزب السياسيُّ الحاكم دعاية ودعامة، واقترح «هاليفاكس» أن يعهد بذلك إلى «أَدِسُن»، فظهرت قصيدة «الحملة»،١٧ التي لقيت نجاحًا عظيمًا عند أولي الأمر، وعند الشعب القارئ على السواء، وكان الذي أعجب الناس من هذه القصيدة بصفةٍ خاصة هذه الأبيات التالية:
عندئذٍ ظهر في «مولْبرا» العظيم روحُه الجبار،
فما اهتزَّ حين اهتزَّت الأرضُ بالجحفل الجرار،
فبين الهرْج والمرْج واليأس والجزع
خَبَرَ مشاهِدَ الحرب المخيفة كلها بلا فزع،
فإنْ مَلَكٌ هبط بأمر الله من السماء،
وزلزل الأرض الأثيمة بالعواصف الهوجاء،
كالتي عصفتْ منذ قريب بأرض «بريتاني» الشاحبة؛
رأيتَه في رزانة وسكون يصدُّ الرياح الغاضبة،
فهو يؤدِّي ما أمر الله العليُّ بنفسٍ راضية،
وتراه في غمرة الإعصار موجَّهًا للرياح العاتية.

ففي هذه الأبيات — كما ترى — وصفٌ جميل لرباطة الجأش وضبط الأعصاب وسط زعازع الحرب ورياحها الهوج، وهي الصفة التي كسب بها «مولبرا» موقعة «بلنهايم». وعلى كل حال أُعجب الوزراء الأحرار بالقصيدة، وكوفئ شاعرها «أَدِسُنْ» بمنصب يدر مائتي جنيه كل عام، ثم أخذ طالعه في سعود ما دام الأحرار في مناصب الحكم، حتى تربع في دست الوزارة وزيرًا.

(١-٣) رتشرد ستيل Richard Steele (١٦٧٢–١٧٢٩م)

ولد في دبلن، لكنه لم يُقم في أيرلنده طويلًا؛ إذ مات أبوه وهو في سن الخامسة، فانتقل إلى إنجلترا، ودخل مدرسةً زامل فيها «أَدِسُنْ» زمالةً دامت طول الحياة، وتمم «سْتِيلْ» دراسته الجامعية في إكسفورد، وكانت إنجلترا عندئذٍ تخوض في الحرب إلى ركبتَيها، فانخرط الأديب في سلك المحاربين، وظل في الجيش عشرين عامًا.

وأول ما لفت إليه الأنظار قطعةٌ أدبية أخرجها وهو في التاسعة والعشرين، هي «البطل المسيحي»،١٨ وأراد بها أن تكون له بمثابة الشكيمة التي تضبط نوازعه ودوافعه القوية نحو الحياة المستهترة؛ فقد كان في «ستيل» اتجاهان متعارضان: فهو عربيد يندفع وراء شهواته، ولكنه نادم دائمًا يتمنى أن يهديه الله الصراط المستقيم، وكان مبذرًا مسرفًا بغير حساب، فوقع تحت عبءٍ من الديون أقضَّ مضجعه وأشقى حياته، ثم أخرج بعد ذلك ثلاث ملاهٍ لم تُصِبْ نجاحًا على المسرح، هي «الجنازة»،١٩ و«المحب الكاذب»،٢٠ و«الزوج الرقيق الحس»،٢١ وعلة فشل هذه الملاهي اعوجاجٌ في ذوق الشعب لازمه منذ عودة الملكية، فما كان لنظارةٍ أَلِفَتْ المسرحيات الماجنة في عهد عودة الملكية لترتدَّ في أعوامٍ قلائل إلى الذوق المهذب السليم، فواجب الأديب — إذن — هو قبل كل شيءٍ تهذيب الذوق الشعبي وتطهيره من فساده، وذلك عن طريق الصحافة. وهكذا صمم «ستيل» أن يخرج مجلة «تاتْلَرْ»،٢٢ ثم عقَّب عليها بمجلة «سْبِكْتِيتَرْ».٢٣

•••

صدرت مجلة «تاتْلَرْ» وقد وضَّح محررها «ستيل» في عددها الأول غايته من إصدارها: «الغاية من هذه الصحيفة أن تعرِّض بفنون الحياة الزائفة، وأن تمزق أقنعة الدهاء، والغرور، والتكلف، وأن تشيد بالبساطة العامة في ثيابنا ونقاشنا وسلوكنا.» وكانت «تاتْلَرْ» تصدر ثلاث مرات كل أسبوع، ولم تكد تظهر، حتى صادفت نجاحًا عظيمًا، وظهورها يحدد بدايةً واضحة للصحافة الحديثة.

وكان «ستيلْ» يخاطب قراءه في صحيفة «تاتْلَرْ» باسمٍ مستعار هو «إسحق بِكَرستاف»،٢٤ ولهذا الاسم قصةٌ لطيفة يجمل ذكرها، فقد كان ثمة مُنَجِّمٌ مشهور اسمه «بارتردج»٢٥ يُخرج التقاويم، وفيها نبوءاتٌ تخدع العامة الساذجة، فصمم «سوفت» وزملاء له من الأدباء أن يسخروا بهذا المخادع، فأصدروا تقاويم يتنبئون فيها بموت «بارتردج»، وصدرت تلك التقاويم باسم منجِّم وهمي هو «إسحق بكرستاف»، واستطاع سوفت وصحبه أن يوهموا الشعب أن «بارتردج» قد مات فعلًا، وعبثًا حاول «بارتردج» أن يثبت للناس أنه حي، فكسدت تقاويمه وبطل خداعه، ومن هنا علق باسم «إسحق بكرستاف» شيء من الفكاهة اللطيفة. فاختاره «ستيل» اسمًا مستعارًا.

ولما صدرت مجلة «تاتلر» كان «أَدِسُن» في أيرلنده، ولكنه ما عتَّم أن واصلها بمدده، ولبثت المجلة قائمة مدة عام وتسعة أشهر أقفلت بعدها لظروفٍ سياسية، غير أن «ستيل» سرعان ما أعلن عزمه على إصدار صحيفةٍ يومية.

وفي غرة مارس من سنة ١٧١١م صدرت «سْبكْتِيتَرْ» معتزمة أن لا تمسُّ شئون السياسة، وأن تقتصر على الأدب وتهذيب الذوق، وإصلاح الحياة الاجتماعية، ولقيت تجاحًا هائلًا، وشاعت في طول البلاد وعرضها، وما يزال قراء الأدب حتى يومنا هذا يقرءون الصور الأدبية التي كانت تنشرها تلك الصحيفة، وما تزال شخصية «سير روجر دي كَفَرْ لي»٢٦ تحتل مكانةً عالية بين أروع الشخصيات التي صوَّرتها أقلام الأدباء، ثم ختمت الصحيفة حياتها في ديسمبر ١٧١٢م بعد أن أصدرت خمسة وخمسين وخمسمائة من أعدادها، جمعت في سبعة مجلدات أضاف إليها بعدئذٍ «أدسن» مجلدًا ثامنًا يحتوي طائفةً من أجمل ما دبَّجته براعته من المقالات الأدبية.٢٧

•••

وفي سنة ١٧١٣م بعد أن طويت «سبكتيتر» بعامٍ واحد، أخرج «أدسن» مأساة «كاتو»،٢٨ فنجحت عقب نشرها، لكنها لم تلبث أن كسدت سوقها في عالم المسرح، فلم يكن «أدسن» بالذي يجيد إنشاء المسرحية على الرغم من نبوغه في تصوير الشخصية، وذلك لعجزه عن تحليل الدوافع التي تتحكم في أعمال الناس وتسيِّرهم في هذا الطريق أو ذاك.

•••

أما «ستيل» فقد أخرج مجلةً جديدة تسمى «جارديان»،٢٩ وبعد عامين — أي في سنة ١٧١٥م — أشرف «أدسن» على مجلةٍ أخرى، هي «فْرِيهُولْدَرْ».٣٠

وهنا تزوج «أدسن» من نبيلةٍ ثرية وعُيِّن وزيرًا، وسارت حياته سيرًا هادئًا مطَّردًا لولا أن نشبت معركة أدبية بينه وبين صديقه القديم «بوب» مصدرها ما تأجَّج به صدر «بوب» من حسدٍ وغيرة، وسنذكر طرفًا من هذه الخصومة الأدبية الطريفة حين نتناول «بوب» بالعرض في الجزء الثاني من هذا الفصل.

وكذلك خاض «ستيل» ميدان السياسة، وانتخب عضوًا في البرلمان، ثم فُصِلَ منه لنشره مقالة عنيفة عنوانها «الأزمة»،٣١ وعلى كل حال فقد فرقت السياسة بين «سْتِيل» و«أُدِسُنْ» اللذين لبثت بينهما الصداقة طوال هذه السنين.

(١-٤) دانيال دفو Daniel Defoe (١٦٦١–١٧٣١م)

هو البادئ الحقيقي للقصة في الأدب الإنجليزي، ولد في لندن لأبٍ قصاب، وقد أراد له أبوه أن يكون واعظًا دينيًّا، لكن الفتى لم يطع أباه فيما أراد، وبدأ حياته صانعًا يصنع الجوارب، ثم عاش بعد ذلك حياة شهدت من صنوف العيش ألوانًا، فهو تارة في رغدٍ، وطورًا في ضنك وضيق، ثم مات مفلسًا لا يملك من حطام الدنيا شيئًا.

ويخلده تاريخ الأدب لكتابه «رُوبِنسنْ كروزو»،٣٢ ويكاد لا يعرف له الناس غير هذا الكتاب، مع أنه ألَّف مائتين وخمسين كتابًا، كتب قصصًا أقربها إلى نفوس القراء المحدثين: «كابتن جاك»٣٣ و«مُولْ فلانْدَرْز»٣٤ و«رُكْسَانا»٣٥ وكلها فياضة برائع الوصف للحياة في لندن إذ ذاك، وكتب تاريخًا وسيرًا، وكتب رحلات وأنشد القصائد، ونشر الرسائل يصف فيها السيد الكامل والتاجر الكامل، وكتب دروسًا نموذجية يرشد بها الآباء والعاشقين، ودبَّج المقالات السياسية، والرسائل الهجائية، وأنشأ صحيفة تصدر ثلاث مرات كل أسبوع كان يكتبها كلها بنفسه!
ومع ذلك فكتابه الذي نعرفه به هو «روبِنسنْ كروزو» الذي نُشِرَ وله من العمر ستون عامًا، ولا نحسب أن قارئًا واحدًا يجهل مادة هذا الكتاب، فلا تكاد تصادف بين الناس من لم يقرأ هذه القصة في صباه. وفكرة القصة مستمدة من حادثةٍ حقيقية وقعت سنة ١٧٠٤م لرجلٍ يدعى «اسكندر سِلْكيرك»٣٦ انقطع به الطريق في جزيرةٍ موحشة أربعة أشهر، فأوحت الحادثة بالقصة إلى «دفو»، وأما شخصية و«روبنسن كروزو» فهي شخصية الكاتب نفسه، فروبنسن رجل يفيض نشاطًا، ويأبى أن يذعن لعقبات الحياة التي تعترض طريقه، وهو مقدام لا يهاب شيئًا ويؤمن بالله إيمانًا صادقًا، فلو كان للقصة مغزًى يريده الكاتب، فهو الصبر الجميل على أفدح الكوارث وأشقِّ الصعاب، فأنت تعلم كيف حاول «روبنسن كروزو» وهو وحيد في الجزيرة الموحشة أن يصنع لنفسه كل شيء، فلم تَحُلْ دون غايته الحوائل، ولم ينهض في وجهه صعبٌ إلا ذلَّلـه‎. وروعة القصة تنحصر في تصويرها لهذا الرجل الذي يعتمد على نفسه في كل شيء، يبني بيتًا يسكنه، ويخبز خبزه، ويطهي طعامه، ويشعل ناره، ثم لا ييئس ولا يبتئس مع كل هذه الصعاب؛ لأنه يحمل بين جنبَيه قلبًا يعمره الإيمان! إنها قصةٌ فريدة في بابها؛ لأن سائر القصص تروي لنا حياة توشَّجت فيها روابط الجماعة وصلاتها، وأما هي فتروي لنا حياة شخص تقطعت بينه وبين الجماعة الصلات، إنها قصة للأطفال والرجال في آنٍ معًا تقرؤها فلا تجد فيها ما يُضْحك ولا تجد فيها ما يُبكي، فلا عجب أن تُرجمت هذه الآية الفريدة إلى لغات الأرض جميعًا.٣٧

وأهمية هذه القصة في تاريخ الأدب أنها بدأت ضربًا من القصص الواقعي، يتعمَّد فيه الكاتب أن يوهم قرَّاءه بأن ما يطالعونه حقيقة لا خيال. يقول «تشارلز لام» في «روبنسن كروزو»: «إنه يستحيل عليك أن تشك وأنت تقرؤها في أن شخصًا حقيقيًّا يقص عليك ما حدث له في حياته الواقعة.»

وأبدى «دِفُو» قدرته هذه على الخيال الواقعي في كتابٍ له آخر، هو «يوميات في سنة الطاعون»،٣٨ الذي كانت وقائعه كلها من خلق خياله ومع ذلك انخدع معاصروه وظنوه تاريخًا صحيحًا لما حدث في لندن حين فتك بها الطاعون.
ولئن بدأ «دفو» بقصة «روبنسن كروزو» القصص الواقعي فقد أنشأ كذلك ضربًا آخر من القصص، هو القصص التاريخي الذي يمزج حقائق التاريخ بخلق الخيال، وذلك بكتابه «مذكرات فارس»،٣٩ وهي طريقة سار على نهجه فيها «وولتر سكُتْ» و«اسكندر ديماس» في القرن التاسع عشر.

(١-٥) صموئيل رتشردسن Somuel Richardson (١٦٨٩–١٧٦١م)

على الرغم مما لقيه رجال القصة الفرنسية من نجاح في أوائل القرن الثامن عشر، ونخصُّ منهم «لي ساج» في قصته «جِيلْ بلا» و«بريفو» في قصته «مانون ليسكو»، وعلى الرغم من ظهور مبادئ القصة في إنجلترا عند «دِفُو» فلنا أن نقول إن أدب القصة لم تتكامل نشأته إلا بين يدي «رتشردسُنْ» في قصة «بامِلَا أو الفضيلة تلقى جزاءها»،٤٠ التي نشرت عام ١٧٤٠م. ومما هو جدير بالذكر أن رجال الأخلاق كانوا قبل «باملا» يحرمون قراءة القصة؛ لأنها في رأيهم مباءة إفساد، ثم جاءت هذه القصة على غير ما يظن بالقصص؛ إذ جاءت درسًا في الأخلاق، تقي قراءتُها ضعافَ النفوس مواردَ الزلل، فقد قصد «رتشردسن» إلى تقويم الأخلاق قبل كل شيء، وقال عنه جونْسُن الناقد الإنجليزي المعروف في القرن الثامن عشر إنه علم العواطف الإنسانية كيف تضع زمامها في يد الفضيلة.

لسنا نعرف من طفولة الكاتب إلا قليلا، فهو يحدثنا عن نفسه أنه في سن الحادية عشرة أخذ على نفسه أن يكتب خطابًا يستشهد فيه بكثيرٍ من آيات الكتاب المقدس إلى سيدة في الخمسين من عمرها عرفت بالنميمة ليعظها ويهديها سواء السبيل، وأنه في سن الثالثة عشرة كان يكتب خطابات غرامية لكثيرٍ من الفتيات اللائي عرفن فيه القدرة على الإنشاء، وأنه في سن السابعة عشرة التحق «صبيًّا» بمطبعة يمارس فيها فن الطباعة، وفي سن الثلاثين أدار بنفسه عملًا يرتزق منه، وبعد عامَين تزوج من ابنه «معلِّمه» الذي دربه على الطباعة، ولم يبدأ كتابة قصته «بامِلَا» إلا وهو في الخمسين من عمره. وباملا فتاةٌ ريفيةٌ عفيفةٌ ساذجة، حاول سيدها المستهتر العربيد أن يغريها بالفجور، لكنها قاومت إغراءه بكل ماله من شباب ومال، وأخيرًا «لقيت الفضيلة جزاءها» — كما يشير عنوان القصة — بأن اضطر السيِّد المتعقِّب إلى الزواج من الفتاة التي يشتهيها. ويعلِّق المتزمتون في الأخلاق على هذه الخاتمة بقولهم إن زواج الفتاة الطاهرة ممن أراد بها الغواية ليس فضيلة من الطراز الممتاز، إنما هي فضيلة «تجارية» تقاوم الرذيلة حتى تستفيد منها، ثم تذعن لها وتستسلم، فحقيق بنا أن نقول إن «رتشردسن» في محاولته تقويم الأخلاق كان رجلًا عمليًّا لا يحلِّق في سماء الخيال والتجريد، ومهما يكن من شيء، فقد كانت قصة «باملا» بدايةً قوية للكاتب، بل بدايةً قوية للقصة في الأدب الإنجليزي، وهي تجري في سلسلة من الرسائل التي يستشفُّ القارئ من ثناياها طبيعة المرأة على حقيقتها، وهذه الناحية هي أظهر ما امتاز به الكاتب في فنِّه القصص.

ثم أخرج وهو في التاسعة والخمسين قصة «كلارسا أو مغامرات فتاة»٤١ يتقدم شاب بغيض ممقوت لخطبة «كلارسَّا هارلو» فترفض الفتاة، وتضطهدها الأسرة لهذا الرفض، فيحبك لها الخطيب الدنيء «لَفْلِيس»٤٢ أحبولة من الأكاذيب والدسائس وألوان الخداع، حتى يتمكن بمعونة طائفة من بنات جنسها أن يخدرها فيفقدها الوعي، ثم يسلبها الشرف، فتنكرها أسرتها، وتلاقي الفتاة من المحن ما تلاقي، ويستيقظ الضمير في الفاجر المعتدي فيعرض عليها الزواج، لكن كبرياء الفتاة تأبى عليها هذا الإذعان الذليل، والفتاة مطمئنة في أعماق نفسها إلى طهارة ذيلها وقوة إرادتها، لكنها تعلم بغير شك أنها قد أُوذيت وأُثْلم شرفها فتُسْلم نفسها إلى كروب النفس تُذويها وتضنيها حتى تلفظ الروح، فتتنبَّهَ الأسرة إلى الجريرة التي اقترفتها في ظلم الفتاة فيعذبها تأنيب الضمير، ويلقى «لفْليس» جزاءه الطبيعي بأن يُقتل في مبارزة مع ابن عم الفتاة.
هذه هي القصة التي لم تقتصر شهرتها على إنجلترا، بل ذاعت في أرجاء أوروبا كلها، وترجمها «ديدرو» لينشر فنها القصصيُّ في فرنسا، وكذلك ترجم «بريفو» القصصي الفرنسي آثار «رتشردسن» في حينها كما أسلفنا لك القول عند الكلام على الأدب الفرنسي في القرن الثامن عشر، وقد كان لقصة «كلارسَّا» أثرٌ قوي في تنمية الروح الديمقراطية؛ إذ لم يكن مألوفًا بين الكتَّاب والقُرَّاء على السواء أن تُخْتار فتاةٌ من غمار الشعب بطلة لقصة تثير اهتمام الناس جميعًا، ولعل ذلك ما حدا بالفرنسيين في القرن الثامن عشر إلى الإسراع في نقلها إلى أدبهم لتكون عاملًا من العوامل التي أخذت تتجمع حتى انفجر بقوة ضغطها بركان الثورة الفرنسية. وقد لقيت هذه القصة إعجابًا وتقديرًا بين أعلام الفرنسيين إذ ذاك، حتى وضع «ديدرو» كاتبها في صف «هومر» و«يوريبيد» و«سوفوكليز» واتخذه «جان جاك روسو» نموذجًا احتذاه في قصة «جولي أو هلويز الجديدة»، ثم جاء بعد ذلك «ألفرد دي ميسيه»٤٣ الشاعر الفرنسي فزعم أن «كلارسَّا» أعظم قصة في أدب العالمين إطلاقًا.
والقصة الثالثة والأخيرة لرتشردسن هي «السير تشارلز جراندسَن»،٤٤ والبطل في هذه القصة — وهو الذي سميت القصة باسمه — رجلٌ قويم الخلق لا يعرف الخطيئة، وقد قصد به الكاتب أن يمثل الرجولة في أكمل صورها.

(١-٦) هنري فيلدنج Henry Fielding (١٧٠٧–١٧٥٤م)

نشأ في كلية «إيتُنْ» التي تنشِّئ أبناء الخاصة، وجاء إلى لندن يعتمد في عيشه على رزقٍ مضطربٍ تدره عليه مسرحياته، إذ ماتت أمه وتزوج أبوه من غيرها، فكان لا يأتيه المدد إلا لمامًا متقطعًا، ولما بلغ الثالثة والثلاثين التحق بسلك القضاء، وإنما يخلده الأدب بقصصه الروائع.

وأول ما نشر من قصصه «جوزيف أندروز»،٤٥ وقد أراد بها أن يتهكَّم بزميله «رتشردسن» في قصته «باملا»، وطريقته في التهكم أن يجعل «جوزيف» أخًا لباملا، وكما أخذ سيِّد باملا يغريها بالغواية عن نفسها، فقد أخذت سيدة «جوزيف» تغريه بالغواية عن نفسه، فيقاوم الفتى إغراء سيدته، كما كانت تقاوم الفتاة في قصة رتشردسن إغراء سيدها. هكذا بدأ «فيلدنج» قصته بنيَّة السخرية والتهكم من الفضيلة كما تصورها زميله، لكنه سرعان ما توثقت العلائق النفسية بينه وبين شخصياته التي خلقها بقلمه، فاطَّرح روح التهكُّم وجعل يصوِّر لنا في سائر القصة حياة عصره أصدق تصوير وأروعه. ويقول «بَيْرُنْ» عن «فيلدنج» بمناسبة هذه القصة: «إنه هومر النثر في وصف الطبيعة البشرية.» ذلك لأن قصة «جوزيف أندروز» صورةٌ مزدحمة بالأشخاص الذين يمثلون صنوف الناس جميعًا، ففيها الحوذية والرحَّالة ورجال الدين وسادة الريف والخادمات والزوجات والبائعون الجوالون وأصحاب الدكاكين، كل هؤلاء وغيرهم يسوقهم لك في قصةٍ جميلة السبك ممتعة السياق، على أن أبدع ما في القصة قوة تصوير الأشخاص تصويرًا صادقًا ناصعًا، وروح الفكاهة اللطيفة التي تميل أحيانًا نحو السخرية والهجاء.
وبين أشخاص هذه القصة شخصية كتب لها الخلود بين الشخصيات الأدبية الخالدة، ونعني بها شخصية «القس آدمز»،٤٦ الذي اتخذه بطل القصة «جوزيف» زميلًا وصديقًا. و«القسُّ آدمز» يمثل المسيحي الصالح الذي يجتذب قلوب عارفيه، لكنَّ في سلوكه شذوذًا وبُعْدًا عما تقتضيه الحياة الدنيا بحيث لا يسعنا إلا أن نضحك منه، لكنه ضحك العطف الذي لا تشوبه شائبة من زرايةٍ واحتقار، فهو رجل عالم بكل شيء إلا بما تنطوي عليه نفوس الناس من ضَعَةٍ وخسَّة، وجهله بهذه الناحية من النفس البشرية يؤدي به إلى كثيرٍ من المواقف المضحكة، لكن ذلك كله لا يخمد من حرارة قلبه وإيمانه، وحسبك أن تُلمَّ بصورة هذه الشخصية وحدها لتحدد موضع فيلدنج في القصة، فهو يحب أن يبعث الضحك في قارئه، لكنه الضحك الذي يزيده حبًّا في الفضيلة وطيبة القلب، وقد تأثر بهذه الشخصية قصصيٌّ إنجليزيٌّ آخر في القرن الثامن عشر، هو «جولْد سِمثْ» حين أنشأ قصته المشهورة «راعي ويكفيلد».٤٧
وفي سنة ١٧٤٩م، نشرت قصته الثانية «تُومْ جونز»،٤٨ وصفوة القصة أن «السيد أُولْوِرِذي»٤٩ يقوم على تربية ابن أخته ولقيط يسمى «توم جونز» كأنهما ولداه، وكان الولدان مختلفَين اختلاف النقيض عن نقيضه، فابن الأخت «بلايْفِلْ»٥٠ منافقٌ لئيمٌ حذر، و«توم» طيب القلب ساذجٌ سريع الغضب، ويزلُّ «توم» في أخطاء كثيرة هي أخطاء الشباب المتحمس المحتدم العواطف، وهو سرعان ما يندم على خطئه؛ لأنه يحمل نفسًا قوية ليس فيها عوج، وما زال «بلايْفِلْ» بدهائه ولؤم طبعه يوقع «بتوم» ويدسُّ له الدسائس، وما زال «توم» على حمقه وطيش شبابه حتى ضاق «أولورذي» به ذرعًا وأخرجه من كنفه، فخاض الفتى مغامرات كلها صعاب، ثم انتهى الأمر بأن كُشِفَ عما ينطوي عليه «بلايْفِلْ» من خبث، وما يضمره «توم» من نفسٍ خيرةٍ، فكان «توم» هو الظافر، وتزوج من الفتاة الحسناء «صوفيا وِسْتِرْن»٥١ — وهي بطلة القصة — وذهبت جهود «بلايفل» في الإيقاع بينهما أدراج الرياح.

وكل ما أراد الكاتب أن يؤكده هو أن طيبة القلب خير شفيع لما يزل فيه الإنسان من أخطاء، وأن من يحب إخوانه من بني الإنسان جدير أن تغفر له رذيلته، فها هو ذا «توم جونز» يحمل قلبًا طيبًا، لكن فضيلته ليست من القوة، بحيث تستعصي على الإغراء فيزلُّ في الرذيلة آنًا بعد آن، فنحبُّه ونعطف عليه ونغفر له ذنوبه.

وأخيرًا نشر قصته الثالثة «أَمِلْيا»،٥٢ ثم أصابته علة اضطر معها أن يقصد إلى لشبونة وقد قصَّ أنباء رحلته الشاقة في يومياتٍ نشرت بعد موته، وجاءته المنية وهو في لشبونة حيث رقد جثمانه.
كان «رتشردسُنْ» يكتب للنساء و«فيلدنج» يكتب للرجال، وكان «رتشردسن» يميل بخياله مع العاطفة و«فيلدنج» واقعيٌّ يشاهد ويكتب، وعلى كل حال فأدب «فيلدنج» عند النقاد يرجح أدب زميله، يقول عنه «هازْلِتْ»:٥٣ «إنه في ملاحظته للطبيعة البشرية يقل قليلًا عن شيكسبير، فلو عددت في الأدب الإنجليزي كله ست قصص وجدت «توم جونز» واحدة منها.»
والقصة عند «فيلدنج» لها طابعٌ خاص يميزها، بحيث قال عنها «ثاكَرِي»٥٤ إنها «ملحمةٌ تهكميةٌ عظمى»، وقد رأينا «بَيْرُن» يسمي فيلدنج «هومر النثر في وصف الطبيعة البشرية» فما الذي يقرب القصة عند هذا الكاتب من الملحمة؟ يقول فيلدنج نفسه في مقدمة قصته «جوزيف أندروز»: «إن الملحمة يمكن تأليفها نثرًا كما يمكن إنشادها شعرًا، إذ القصة التي تحمل كل خصائص الملحمة ما خلا الوزن؛ جديرة أن تُعَدَّ ملحمة تمييزًا لها من القصة التي لا تصور الواقع.» فقصة مثل «جوزيف أندروز» ملحمةٌ هزليةٌ نثرية، تختلف عن الملهاة المسرحية بمقدار ما تختلف الملحمة الجادة عن المأساة المسرحية، والفرق هو أن دائرة الفعل والحركة تمتد في نطاقٍ أوسع مما تمتد فيه المسرحية، وفيها عددٌ أكبر من الحوادث ومجموعة من الشخصيات أكثر تنوُّعًا، ومن أخص خصائص قصة فيلدنج التي — على حد قوله — لم تعرف لها اللغة الإنجليزية مثيلًا قبلها، أنها تعالج أشخاصًا من طبقات المجتمع الدنيا، وتصور ألوانًا من السلوك الدنيء المرذول.

ويقول فيلدنج في مقدمة «توم جونز»: إنه يتأثر خطو أصحاب الملاحم الكبرى هومر وفرجيل، كما يقتص أثر القصصيُّ الإسباني سيرفانتيز في قصته، «دون كيشوت» ويصرح بأن غايته من القصة أن يعكس الدنيا الحقيقية كما تجري في عالم الواقع، وأن يحصر نفسه في حدود الممكن المحتمل، قائلًا إن القصصي لا ينبغي أن يكتب إلا فيما يعلمه حق العلم من صور الحياة.

(١-٧) توبياس سمولت Tobias Smollett (١٧٢١–١٧٧١م)

هو اسكتلنديٌّ تخرج في جامعة جلاسجو طبيبًا، ولما بلغ سن الثامنة عشرة ارتحل في أنحاء إنجلترا، وأثبت ملاحظاته عن تلك الرحلة في الفصول الأولى من قصته «رودريك رانْدَمْ»،٥٥ وزار مدينة لندن وهو لا يحمل في جعبته إلا مأساة «قتل الملك»،٥٦ ولكنه لم يستطع أن يلتمس لها سبيلًا إلى المسرح، ولم يجد في قلمه معينًا له على كسب قوته، فاشتغل جراحًا في سفينة، ولبث في البحر ستة أعوام أو سبعة، شهد خلالها حصار قرطاجنة سنة ١٧٤١م، ووصفه فيما بعدُ في قصته «رودريك رانْدَمْ»، كما خبر البحارة وصورهم في بعض قصصه.
وترك البحار وعاد إلى إنجلترا، وكانت سنه إذ ذاك خمسة وعشرين عامًا، وعندئذٍ أنشد قصيدة «عَبَرات اسكتلنده»،٥٧ إذ تحركت نفسه لما كان يعانيه الاسكتلنديون بعد وقعة كالدونْ، والقصيدة تتألف من سبع مقطوعات هذه أولها:
حدادًا، كالدوينا التعيسةُ، حدادًا
على إكليلك الممزَّق وأَمْنِكِ الذي بادا،
فبَنوك الذين عرفتهم الأيامُ بُسْلًا ميامين
أراهم على أرض أوطانهم صرعى راقدين،
وديارُك الكريمة بعدئذٍ لن تعودا
تدعو الغريب إلى أبوابها كرمًا وَجُودا
إذ اندكَّتْ أساسها في خرائبَ واهنة
ستظل أنصابًا عن العسف مُعْلنة.
وأخذ بعدئذٍ يحاول ألوانًا من فنون الأدب، ثم تزوج سنة ١٧٤٧م فاضطره الفقر والإسراف أن يحترف الكتابة، وأصدر في العام الذي تلا زواجه قصة «رودريك رَانْدَمْ» فجاءته بالشهرة والمال معًا، وعقَّب عليها بقصة «بِرجْريْن بِكِلْ»٥٨ وهي شبيهة بقصة «رودريك رَانْدَمْ»، وفيها كثير من سيرة حياته، وبعدئذٍ كفَّ عن الكتابة قليلًا إذ عاد إلى مهنة الطب، ثم ما لبث أن أخرج قصة «مغامرات فردناند»،٥٩ وبعدها نشر خير قصصه جميعًا «هَمْفري كِلِنْكَرْ»،٦٠ ومات غريبًا عن بلاده في «مجهورن» في العام الذي صدرت فيه هذه القصة الأخيرة. ومن آثاره الأدبية غير قصصه ترجمته لدون كيشوت، وكتابة بعض الرسائل التاريخية عن إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وغيرها.

في قصة «رودريك رَانْدَمْ» يقصُّ الكاتب سيرة حياته إلى حدٍّ كبير، فهو لا يبتكر أحداثها إنما يستذكر ويستعيد، ثم يسجل، ويشيع في القصة روح الفكاهة التي يخرج بها أحيانًا عن حد التهذيب، فيجعل كثيرًا من نكاته فاحشًا غليظًا، وقد كان «سمولت»، في هذه القصة تلميذًا للقصصي الفرنسي «لي ساج»، فقصته — كقصة «جِيل بلَا» — سلسلة من المغامرات يتلو بعضها بعضًا في غير اتصالٍ وثيق بين السابقة واللاحقة.

وأما «همفري كلنكر» فالقصة فيه تُرْوى في سلسلة من الرسائل كُتبت عن رحلة في أرجاء اسكتلنده وإنجلترا، بأقلام أشخاصٍ عديدين، أهمهم جميعًا «ماثيو برامْبِل»،٦١ وهو رجل كهلٌ طيب القلب يقوم برحلته مستردًّا لصحته، و«همفري كلنكر» وهو سائق في خدمة «برامبل» تقيٌّ ورع، ثم يتبين آخر الأمر أنه ابن «برامبل»، وغير هذين أشخاص كثيرون يبعثونك على الإعجاب الشديد بفن الكاتب في تصوير الأشخاص.

ومما يجدر ذكره عن «سمولت» أنه كان ذا أثرٍ قوي في قصصيٍّ إنجليزيٍّ عظيم في القرن التاسع عشر، هو «دكنز» الذي قرأ «سمولت» طفلًا، فتعلَّم منه فن القصة، وكلا الكاتبَين يتشابهان في الفكاهة الصارخة، وفي التصوير «الكاريكاتوري» لأشخاصهم، فتراهما يُبرزان فيمن يصورانه جانبًا، ثم يبالغان في تصويره، وكلاهما يحدد نفسه بالواقع فيما يصف فلا يشطح بخياله في أوهام، على أن «سمولت» امتاز عن كتَّاب عصره بقدرته العظيمة على وصف دخائل بعض الطبقات، كوصفه لحياة البحارة في أدق تفصيلاتها.

(١-٨) لورنس ستيرن Laurance Sterne (١٧١٣–١٧٦٨م)

كان أبوه من رجال الجيش، وكان بحكم عمله يتنقل من بلدٍ إلى بلد وأسرته في صحبته. فلم يستقر «ستيرْن» في مكانٍ واحد إبَّان طفولته، فكان لذلك أعظم الأثر فيه؛ لأنه أتاح له الفرصة أن يجمع في سنيه الباكرة تجارب الحياة ويختزنها حتى يحين حين الكتابة، وهو في هذا شبيه «بسمولِت»؛ فكلاهما يتخذ من أسفاره وحوادث حياته مادةً لقصصه، فلما بلغ الفتى عامه العاشر عُهِدَ به إلى مدرسة استقر فيها نحو ثمانية أعوام، ثم أرسل إلى كمبردج حيث أتمَّ علومه، وبعد تخرجه انخرط في الوظائف الكنسية حينًا، حتى إذا ما بلغ السابعة والأربعين من عمره طلع على الناس بأثرٍ أدبيٍّ عظيم هو قصة «حياة تِرسْتِرَامْ شاندي وأفكاره»،٦٢ فكانت له ضجةٌ هائلة بين جمهور القارئين على الرغم من أنه كتاب لكاتبٍ مغمور لم يسمع به أحد من قبلُ، حتى لقد زار الكاتب لندن عقب صدور الكتاب، فألفى نفسه — على غير توقع منه — مشهورًا مذكورًا بين الناس، وقد تلقَّى من الدعوات ما كان يكفي أن يُطْعمه الأيام القليلة التي بقيت له من حياته، ونفقت سوق الكتاب بحيث لم تكد تخرج طبعته الأولى حتى بدئ في الطبعة الثانية.
يقع «تِرِسْتِرَامْ شانْدي» في تسعة أجزاء، ومع ذلك لم يتركه الكاتب عند خاتمة تُنْهيه، ويستحيل علينا أن نوجز لك حبْكة الحوادث في هذه القصة؛ لأن أبرز ما يميز الكتاب أنه بغير حبْكة ولا خطة ولا نظام، فالمفروض أَنْ تدور القصة حول حياة «تِرِسترام شاندي» وأفكاره، لكنك تقرؤها فتصادف فيها كل ما وسع كاتبها من مشاعر وخواطر. ومما يلفت النظر في الكتاب غرابةُ استعمال علامات الوقف وما إليها، مما تعمده الكاتب وكان مصدرًا للضحك عند القراء، فتراه مثلًا يترك مسافةً خالية بغير مبرر، أو يقطع مجرى الكلام بعلامةٍ غريبة لا معنى لها، أو يضع نجمةً صغيرة على كلمة دون حاجةٍ إليها، وهكذا. وفي الكتاب كذلك استطرادٌ كثير، وعن هذا الاستطراد يقول الكاتب: «إنه حياة القراءة وروحها.» وقد برع «ستيرن» براعة تستحق الإعجاب في جودة تصوير الأشخاص مثل «العم توبي»٦٣ الضابط المتقاعد، و«الجاويش تِرْمْ»٦٤ و«الأرملة وادمَنْ»٦٥ وغيرهم، ومن بين ما لجأ إليه الكاتب في تصويره للأشخاص ليزيدهم وضوحًا وتمايزًا وصف حركاتهم التي تلازمهم.
و«لسْتيرْن» كتابٌ آخر هو «رحلةٌ عاطفية في فرنسا وإيطاليا»،٦٦ والقصة تجري على لسان «يُورِكْ»٦٧ الذي هو «ستيرن بعينه»، وفي الكتاب كثير من تجارب الكاتب الشخصية أثناء ارتحاله في تلك البلاد، وهو يحتوي على كثيرٍ من الصور النابضة بالحياة للفنادق القديمة والرهبان والغلمان والخدم والحوذية والسائلين، وأصحاب الفنادق والجنود والسيدات وما إلى ذلك.
وليس في هذا الكتاب قصةٌ، بل هو وصف لرحلة يسجل فيها الكاتب ما يعنُّ له من خواطر، وهاك مثالًا ذكره حين رأى زرزورًا في قفص وهو في فندق في باريس:

أزعجني وأنا مستغرق في تأملي صوتٌ ظننته لطفل، يقول شاكيًا، إنه لا يستطيع الخروج، فصعَّدت بصري وصوَّبتُه على طول الممشى، ولما لم أجد رجلًا ولا امرأةً ولا طفلًا خرجت أنظر الأمر.

ولما عدتُ مارًّا بالممشى سمعتُ الألفاظ بعينها تتردد مرتَين، فنظرت إلى أعلى، ورأيت أنه زرزور معلق في قفص صغير، فقال الزرزور: «لا أستطيع الخروج! لا أستطيع الخروج!»

وقفت أنظر إلى الطائر، وكلما جاء إلى الممشى قادمٌ، طار يرفُّ إلى الناحية التي يدنو منها القادم الجديد، وفي كل مرة يرثي لأَسرِه بالعبارة نفسها «لا أستطيع الخروج!» فقلت: «كان الله في عونك، لكني سأطلق سراحك، وليكن بعد ذلك ما يكون!» فأخذت أدور حول القفص ألتمس بابه، لكني وجدته ملفوفًا بالسِّلْك في طيَّاتٍ مزدوجة، بحيث يستحيل فتحه بغير تحطيم القفص، فهممت أن أفعل بكلتا يديَّ.

وطار الطائر إلى حيث كنت أحاول خلاصه، ودفع رأسه خلال القضبان وضغط بصدره عليها كأنما أخذه القلق، فقلت: «لَكَمْ أخشى أيها الطائر المسكين ألا أستطيع لك فكاكًا!» فأجاب الزرزور: «كلا، لا أستطيع الخروج، لا أستطيع الخروج!»

وأُقْسِمُ أن مشاعري تحركت عندئذٍ بعطفٍ ما أحسستُ له مثيلًا قبل ذلك، ولست أذكر في حياتي كلها حادثة أثارت في نفسي فجأة ثورةً جامحة — وقفت قواي العقلية إلى جانبها فقاعةً واهية — بمثل ما أثارت تلك الحادثة، نعم كانت نبرات الطائر في شكاته آلية، لكنها جاءت مطابقة في أنغامها لأنغام الطبيعة؛ حتى لقد ارتدَّت قواي العقلية المنطقية في لحظةٍ إلى الباستيل، وصعدتُ السُّلَّم بخطواتٍ ثقيلة، منكرًا على نفسي كل لفظة نطقتُ بها إذ كنت أهبطه قلت: «تنكَّرْ بما شئتَ من قناع أيها الرِّق، فما زلتَ جرعةً مريرة، ورغم ما شهدتْه العصورُ كلها من ألوفٍ أُرْغمت على اجتراعك، فلم تقلَّ بذلك عما كنتَ مرارةً.» ثم توجهتُ بالخطاب إلى (الحرية) قائلًا: «إن الناس لا يعبدون إلاكِ في السرِّ والعلن، أيتها الإلهة الرحيمة المحببة إلى النفوس، إن مذاقك حلو، وسيظل كذلك إلى أبد الآبدين، حتى تتبدل الطبيعة غير الطبيعة، إن ثوبك الأبيض الناصع لن تلوثه شوائب الألفاظ، كلا ولن تستطيع قوة أن تردَّ صولجانك إلى قضيبٍ من حديد، إنك إذا افترَّ ثغرك بابتسامة على القرويِّ الساذج وهو يأكل خبزه القديد جَعَلْتِهِ أسعد من ملك أنتِ عن قصره مُبْعَدَة …»

وبعدُ، فقد استطاع «ستيرن» بكتابَيه — و«تَرِسْتِرَامْ شندي» على وجهٍ أخص — أن يحرك أجيالًا متعاقبة إلى الضحك والبكاء في آنٍ معًا، وقلما تجد في الأدب الإنجليزي أديبًا آخر كان في مقدوره أن ينال بمثل إنتاجه القليل ما ناله من أثرٍ عميق، فمهما قَلَّتْ مادَّته رأيت في مستطاعه أن ينسج من خيوطها نسيجًا فاتنًا جذابًا حلو الفكاهة، وإن كان لنا أن نقسم الأدباء صنفين، صنف كدودة القز تغزل غزلها؛ لأنها مليئة، وصنف كالعنكبوت يغزل غزله لأنه خاوٍ، كان أديبنا «ستيرن» بغير شك من دود القز الذي يُفْرغ في غَزْله مادةً أُتْرع بها جوفُه، ومهما جاءت خيوطه دقيقةً رفيعة، رأيتها قويةً محبوكة، وهو — في رأي كارليِلْ — ضريبٌ لسيرفانتيز في طلاوة الفكاهة التي استحق بها أن يحتل مكانه في طليعة الأدباء.

(١-٩) أولفر جولدسمث Oliver Goldsmith (١٧٢٨–١٧٧٤م)

ستقرأ عن هذا الأديب العظيم في ثلاثة مواضع من هذا الكتاب، ستقرأ عنه هنا ناثرًا، وفي مكانَين آخرَين مسرحيًّا وشاعرًا.

ولِدَ لقسيسٍ فقير، ولما كان في سنته الثامنة أصابه جدريٌّ ترك وصماته الشائهة على وجهه طول الحياة، وأرسل حين بدأ عهد الطلب إلى مدرسة تديرها سيدة، فقالت عنه: «لم أصادف قط طفلًا في غباء هذا الطفل!» ثم عُهِدَ به بعدئذٍ إلى معلم كان قبلُ جنديًّا في جيش «مولْبرا»، وكان هذا المعلم الجنديُّ زاخر الذاكرة بالقصص عن البر والبحر وعن مغامراته ومغامرات سواه، كما كان يحفظ كثيرًا من الأغاني الشعبية الإيرلندية القديمة والقصص الخرافية، ولعل هذا المعلِّم أن يكون أول من وجَّه أديبنا في سن الصبا إلى كتابة القصة. وأخذ ينتقل الفتى في المدارس الريفية، حتى أكمل ثلاثة عشر عامًا من سنِّه، فالتحق بكلية في دَبْلِنْ يتعلم فيها بالمجان لقاء خدماتٍ يؤديها، وكان «جولد سمث» في الكلية متراخيًا لا يحافظ على موعد أو نظام، تؤرقه حاجته إلى المال، فكان يكتب الأغاني ويبيعها، وحدث أن أشرف عليه في الكلية مربٍّ غليظ القلب طاغية، فلقي منه صاحبنا عنتًا، من ذلك أن زاره بعض أصدقائه يومًا، فدخل عليهم المربِّي محتدم العواطف ثائر النفس، وصفع جولد سمث وركله فأوقعه أمام رفاقه، فما طلع الصباح حتى باع الطالب كتبه وغادر الكلية ليضرب في فجاج الأرض هائمًا على وجهه، فصادفه أخوه وكساه بكساءٍ جديد، وأعاده إلى كليته، حيث أقام حتى ظفر بدرجته العلمية وهو في عامه الحادي والعشرين.

وما فرغ من الكلية حتى أرسل له عمه مبلغًا من المال يمكِّنه من دراسة القانون في «دبلن»، لكن أديبنا أضاع المال على مائدة القمار، وسافر إلى أدنبره حيث شرع يدرس الطب، ولبث عامًا ونصف عام، ثم حفزه حافز أن يرحل عن أرض الوطن، فيمم شطر بوردو في سفينة تحمل طائفة من الجنود الخوارج على القانون، فسيق راكبوها جميعًا إلى السجن، وظل جولد سمث في ظلماته أربعة عشر يومًا، ثم عاد فصمم على الإبحار مرةً أخرى، وكانت غايته هذه المرة مدينة «روتردام»، ومنها واصل الرحلة إلى «ليدن» حيث التحق بجامعتها عامًا يواظب مرة وينقطع أخرى.

وعندئذٍ بدأ جولد سمث «الرحلة الكبرى» سائرًا على قدمَيه، لا يملك من حطام الدنيا إلا جنيهًا واحدًا ومزمارًا، فكان وهو يجول في فرنسا يزمر للزارعين في رقصهم لقاء نومه وطعامه، وطوف بعد فرنسا في ألمانيا وسويسرا وإيطاليا. ويقال إنه وهو في بادوا ظفر بإجازة الطب، ولكن كيف السبيل إلى الرزق في إيطاليا، فلئن استطاع مزماره في فرنسا أن يكسب له قوتًا ومخدعًا، فماذا هو صانع بمزماره في بلاد كل زارع في حقولها يفضله في العزف والموسيقى؟

أسرع إلى العودة إلى إنجلترا مفلسًا مهلهل الثياب بشع المنظر، فتعذر عليه أن يجد عملًا يقتات منه، ثم بدأ ينتقل من عملٍ إلى عمل كيفما اتفق له، فهو اليوم معين لصيدلي، وهو غدًا طبيب يعالج المرضى، وهو تارة يصلح التجارب في مطبعة (هو الذي أصلح تجارب قصص رتشردسن)، وهو طورًا حاجب في مدرسة، وأخيرًا عيِّن محررًا لمجلةٍ شهرية.

هنا بدأ جولد سمث حياةً أدبية يعتمد فيها على قلمه، وأخرج سلسلة خطاباته المشهورة مُنَجَّمةً في إحدى المجلات، وهي التي تعرف باسم «المواطن العالمي»،٦٨ وتجري هذه الخطابات على لسان فيلسوفٍ صيني يرسلها إلى صديقٍ له في الصين، وفيها يصف الحياة كما شهدها في إنجلترا، وآيته في النثر قصة «راعي ويكفيلد»، وسنترك الحديث عن قصائده ومسرحياته إلى موضعٍ آخر.
أما مجموعة مقالاته — أو خطاباته — التي نشرت باسم «الموطن العالمي» فهي ترمي إلى تصوير الحياة الإنجليزية كما يراها الأجنبي، وبين هذه المجموعة مقالات هي من أجود ما جرى به في الإنجليزية قلم، نذكر منها بصفةٍ خاصة «صاحب الرداء الأسود»٦٩ و«بُوتبزْ»،٧٠ فهاتان شخصيتان جديرتان أن توضعا إلى جانب «سير روجر دي كفرلي» الذي صوره أدسُنْ، وقد سلف الحديث عنه، فاقرأ هذه المقالات تجد متاعًا لا يعد له متاع، فأسلوبٌ رشيقٌ رائق، وفكاهةٌ جيدةٌ لطيفة، وسخريةٌ مستساغةٌ رقيقة.

طارت هذه المقالات بشهرة جولد سمث، فتسابق عليه الناشرون، وأجزلوا له العطاء، فتدفَّق المال غزيرًا في جيوبه، لكنه ظل على فقره. وماذا يصنع المال الغزير أمام هذا الإسراف الشديد؟ فلباسٌ فاخر، وميسر، وإحسان في تبذير! واتصل جولد سمث بأعلام الأدب، فهو صديقٌ حميم لإمام العصر «الدكتور جونْسُنْ» وهو مُجالسٌ لمعشر الأدباء في «الندوة الأدبية» المشهورة في تاريخ الأدب، والتي سيرد ذكرها عند الكلام على «جونْسُنْ».

أما قصة «راعي ويكفيلد» فهي — كما يقول ناقد — شبيهة بِسِفْر أيوب، تتناول رجلًا طيب القلب، وتمتحنه بالكوارث المتلاحقة، فتظل شعلة نفسه صافية النور وسط ما يحيط به من ظلام، وفي آخر الأمر تجزيه عما صبر، فتردَّه إلى السعادة التي سُلِبها، وليست تُمْدح القصة لفنها القصصيُّ، فهي هنا ناقصةٌ معيبة، وهي كثيرًا ما تجاوز حدود المعقول الممكن في عالم الواقع، وتجعل في مجرى الحوادث دخلًا للمصادفة أكبر مما نشاهده في الحياة. ويظهر أن «جولد سمث» حين بدأ كتابة هذه القصة لم يكن في ذهنه حَبْكة الحوادث في إطارها، ولكنا لا نقرأ هذا الكتاب لحبكته، وإنما نقرؤه ويقرؤه العالم كله لهذه الشخصيات الإنسانية التي أجاد الكاتب تصويرها. إن هذا الكتاب وحده لدليل على تشابه النفوس الإنسانية أينما كان الإنسان، وإلا فكيف تهتز قلوب القراء من كل أرض وفي كل زمن لهذه القصة التي تصف أسرةً إنجليزية تعيش حياةً هادئة في بيتٍ ريفيٍ متواضع؟

(١-١٠) صموئيل جونسن Somuel Johnson (١٧٠٩–١٧٨٤م)

هو من الأدباء القلائل الذين سيطروا على الحركة الأدبية في عصرهم، ولم يُسْلمه الأدباء قيادهم لكثرة ما أنتج من أدب أو لامتيازه فيما أنتجه؛ إنما سَلُسَ له قيادهم لقوة خلقه ورجحان عقله، فبمثل تلك الخلال الخلقية العالية والخصائص العقلية الممتازة تكون العظمة في الرجال، ولقد كان «جونسن» طوال حياته يعاني العلل، ويقاسي ما ينتج عن ذلك من نفسٍ ضيِّقةٍ ومزاجٍ مكتئب، لولا أنه سرعان ما وجد في قوة الإيمان الديني ما كان يرجوه لنفسه من طمأنينة وهدوء. ولا عجب؛ فهو المسيحيُّ الورع صاحب الخلق القوي القويم والإحسان المتصل الذي لا ينقطع، وكان لا يدنو منه أحد من معاصريه في حدَّة فهمه وقدرته العجيبة على الإعراب عما في نفسه من خواطر ومشاعر؛ مما جعله محدِّثًا من الطراز الأول، يجلس بين رفاقه في «الندوة الأدبية»، فيصبُّ ذخيرة عقله في عباراتٍ تأخذ بجمالها الألباب، ولقد قيض الله للأدب «بُوزْوِيل»٧١ — صديقه الحميم — فكتب سيرته وسجَّل حديثه في كتابٍ هو في ذاته آيةٌ أدبية فريدة نادرة.

ولد في لتشفيلد، وأبوه «ميخائيل جونسُن» كان يبيع الكتب في ذلك البلد، وقد عُرِفَ بسعة علمه وسلامة رأيه، بعث بابنه إلى مدارس لتشفيلد، ولبث بها الفتى حتى بلغ السادسة عشرة، وعندئذٍ أقام في الدار عامَين وضع فيهما أساس علمه وثقافته؛ إذ انصرف إلى الكتب التي في مكتبة أبيه، وهي كثيرةٌ منوعة، ووجَّه عنايته بصفةٍ خاصةٍ إلى المؤلفات اللاتينية، وبذلك اكتسب علمًا واسعًا بالأدب اللاتيني. وبعد ذلك التحق بجامعة أكسفورد، التي لقي بها ما جرح عزته وكبرياءه، فقد كان فقيرًا يلبس الثياب البالية أحيانًا، وكثيرًا ما يلمح على وجوه أصحابه نظرات الإشفاق تارة والازدراء طورًا، وأخذت الرحمةُ قلب صديقٍ فوضع أمام غرفة صديقه «جونْسُن» — في الخفاء — حذاءً ليستبدله الطالبُ المسكينُ بحذائه الممزق العتيق، فما أبصر به «جونْسُن» حتى طوح به من النافذة، وترك أكسفورد بغير درجةٍ علمية.

وظل الأديب ينتقل من عملٍ إلى عمل، وكلها لا يتناسب مع ما كتب الله له من مكانةٍ عظيمةٍ في أيامه المقبلة. وصادف في تنقله أرملةً تكبره بعشرين عامًا فأحبها، مع أنها امرأة لا تفتن بجمالها ولا تجذب بحسن حديثها، تلبس الثياب المزخرفة التي تتنافر ألوانها، ولا تدل على ذوقٍ سليم، وتصبغ وجهها على هيئةٍ زرية، لكن «جونسن» — بعينَيه الضعيفتَين — لم يرَ فيها كل هذه النقائص، فهام بها حبًّا لا يرجو منه مالًا؛ لأنها فقيرة، لكنها كانت له في الحق زوجةً صالحة، وبعد ذلك بقليل فتح مدرسة لم يشأ لها الله نجاحًا، فاعتزم الأديب أن يأخذ سمته نحو لندن ليحترف الأدب ويكسب منه القوت، فما انغمس في العاصمة الصخَّابة حتى أحسَّ مرارة الفقر على أشدها، وكاد يهلك جوعًا، ثم هداه الله إلى عملٍ ينتفع فيه بموهبته الأدبية، وذلك أن يعرض في إحدى الصحف مناقشات النواب، وكان مثلُ هذا العرض لما يدور في مجلس النواب محرمًا في ذلك الزمان، فلجأ «جونسن» إلى الرمز والإيماء، فالمناقشات يزعم أنها تجري في مجلس الشيوخ ببلاد ليليبت،٧٢ و«بليفَسكو» وهي فرنسا،٧٣ وهكذا وهكذا، فلكل مكان اسمٌ ولكل شخص رمز، لكي يفهم القراء ولا ينال منه القانون. على أن الرجل لم يُعْترف له بالقدرة الأدبية، حتى نشر قصيدة «لندن»، وطبعت طبعتَين في أسبوعٍ واحد، ولفت بها أنظار «بوب» فعرفه وكان «بوب» إذ ذاك في أوج عظمته.

ذاع صوته وعرفه الناشرون، فعرض عليه بعضهم أن يكتب «قاموسًا» للغة الإنجليزية في مجلدَين، وكان الأجر المعروض ألفًا وخمسمائة جنيه، لكن معظم هذا الأجر تسرَّبَ إلى من عاونوه، ولم يكسب من هذا العمل المضني إلا قليلًا، وظهر «القاموس» فجاء دليلًا على دقةٍ لغويةٍ ممتازة وسعة اطلاع على الآداب بَدَتْ فيما كان يسوقه من الشواهد.

وظهرت له بعد ذلك قصيدةٌ ثانية عنوانها «شهوات الإنسان وعبثها»،٧٤ وفيها يعرض لبعض من صعد، ثم سقط من العظماء، ويسخر أمرَّ السخرية بما نسميه العظمة والمجد وما إلى ذلك من عبثٍ وغرور.
وأخرج مأساة «أَيْرين»،٧٥ ولم يكن فيها موفَّقًا، ثم اتجهت نيته نحو إخراج صحيفة ينسج فيها على منوال صحيفة «سْبِكْتِيتَرْ» — التي كان يحررها «أدِسُنْ» و«سْتِيلْ» — وأطلق على صحيفته «رامْبِلَرْ»٧٦ (الطوَّاف) ودامت عامَين، وقد حكم لها «رتشردسن» — القصصي الذي عرفْتَه فيما مضى — بأنها تضارع صحيفة «أدسن» إن لم تفقْها، لكن أسلوبها كان ثقيلًا مسرفًا في غزارة العلم الذي يسوقه والوعظ الخلقي الذي يرمي إليه، فأعوزه ما كان يتحلَّى به أسلوب «أدسن» من خفةٍ ورشاقة، وطلاوة ساحرة نفذت به إلى قلوب القراء، ومضت بعد ذلك ستة أعوام من ١٧٥٢ إلى ١٧٥٨م. ثم أخرج جونْسُنْ مجلةً أخرى أطلق عليها اسم «أَيْدِلَرْ»،٧٧ ودامت هي الأخرى عامَين كزميلتها.
وماتت أمه وهو لم يزل فقيرًا لا يملك المال الذي ينفقه على جنازةٍ جديرة بها، فنشط نشاطًا يخالف تراخيه المعهود، وصمم على أن يؤلف كتابًا يدر عليه ما يسدُّ به نفقات الجنازة، ولم يمضِ أسبوعٌ واحد، حتى فرغ من الكتاب، وأرسل مسوداته إلى المطبعة بغير مراجعة. ودُفِعَتْ له فيه مائةُ جنيه، ذلك الكتاب هو «راسلاس أمير الحبشة»،٧٨ وتروي القصةُ كيف ضاق «راسلاس أمير الحبشة» ذرعًا بعزلته في قَصْره الذي يقع في وادٍ بعيدٍ عن خضم الحياة، فصمم على أن يلوذ بالفرار من ذلك القصر إلى حيث الحياة الزاخرة فيراها. وهكذا يبدأ «راسلاس» رحلة طويلة يطوف بها أرجاء العالم ويمر خلالها بأقوامٍ مختلفة. وأهمية القصة تنحصر في الخواطر التي تستثيرها مَشاهدُ الرحلة، والمناقشات التي تدور بين الأمير وبين من يلاقيهم في طريقه. وإذن فالقصة في حقيقة أمرها ذريعة يستخدمها جونسن لعرض فلسفته وآرائه، فلا حوادثُ القصة ذاتها تثير انتباه القارئ ولا تصويرُ الأشخاص يستحق أي ثناء، ذلك على قلة ما فيها من حوادث وأشخاص. وأما موضوعات البحث والحديث والتعليق فكثيرة، يَردُ ذكرُ العلم فيقول: «إن حياة خُصِّصَتْ للعلم تمضي هادئة ولا تُفزِّعُها الحوادث إلا قليلا.» ويَذكر الشعر فيقول: «إن الشاعر لا يَعُدُّ خطوط السوسنة، ولا يصف الظلال المتباينة التي تغشى خُضْرة الغابة، إنما عليه أن يبرز في تصويره للطبيعة المعالم الواضحة الرئيسية التي تستعيد صورة الأصل في ذهن كل قارئ.» ويذْكر الزواج فيقول: «في الزواج آلامٌ كثيرة، لكن العزوبة ليس فيها من المباهج شيء.» وعلى الجملة فالفلسفة العامة التي تشيع في الكتاب كله هي فلسفة المتشائم التي ترى الدنيا غرورًا وعبثًا ليس وراءه من طائل. «الحياة البشرية — أينما كانت — فيها كثير من الألم وقليل من المتعة.» ومما هو جدير بالذكر في هذا الصدد أن «فولتير» نشر كتابه «كانديد» في نفس السنة التي نشر فيها «جونسن» كتابه «راسِلاس» والكتابان — كما ترى — يشتركان في النظرة المتشائمة إلى الحياة، ولا شك أن «كانديد» أروع فنًّا من «راسلاس».

كان «صموئيل جونسن» قد بلغ في عالم الأدب عندئذٍ مكانة الإمام الذي يقول الكلمة، فإذا هي القول الفصْل، وهي نفس المكانة التي احتلها سميُّه «بن جونسن» في القرن السابع عشر. وتكوَّنت في لندن ندوةٌ أدبية يجتمع فيها قادة الأدب، وكان «جونسن» في تلك الندوة رئيسًا، وسائر الأدباء إلى جانبه أتباعٌ ومريدون، وبين أعضاء تلك الندوة «أولفر جولد سمث» الأديب المطبوع صاحب «راعي ويكفيلد»، و«إدمنْد بِيرْك» أعظم السادسة في عصره و«جِبُن» المؤرخ العظيم وغيرهم كثيرون. في تلك الندوة نتج الشطر الأعظم من الحديث الأدبي الذي ورثناه عن «جونسن»، فقد كان جونسن — كما ذكرنا — محدِّثًا بارعًا يتحدر الأدب من بين شفتَيه إذا ما تحدث، فسجَّل صديقه «بُوزْويل» أحاديثه تلك في السيرة التي كتبها عنه، ولعلها أعظم ما شهدت الآداب من أدب السِّيَرْ.

وحدث أن زار «جونسن» اسكتلنده في صحبة «بوزويل» وجاسا خلال نجادها المهجورة، وعرَّجا على جزائر «هبريديز» التي كاد الناس لا يعلمون عنها شيئًا، وأنتجت هذه الرحلة كتابًا هو «رحلة إلى جزائر اسكتلنده الغربية»، وكان ذلك سنة ١٧٧٥م، وهي السنة التي منحته فيها جامعة أكسفورد درجة الدكتوراه، وبعد ذلك بعامَين طلب إليه كبار الناشرين في لندن أن يكتب مقدمات لمجموعةٍ كاملة أرادوا نشرها عن الشعراء الإنجليز، فرحب «جونسن» بهذه المهمة، وأقبل على أدائها في شغفٍ ولذة، فقد كان إناؤه طافحًا بالمحصول الأدبي والآراء النقدية، وظل يكتب ويكتب، حتى بلغ ما كتبه أربعة مجلداتٍ كاملة، وكان المطلوب فقراتٍ قصيرة يمهد بها لكل شاعر، فجاء «تراجم الشعراء»٧٩ خير إنتاجه، واستحق به أن يوضع في الطليعة بين رجال النقد في الأدب الإنجليزي، وكانت خطته أن يبدأ بترجمة لحياة الشاعر، ثم يعقِّب بنقد لشعره موضحًا ذلك بالأمثلة التي يظهر فيها حسن الاختيار. ولسنا ندري أي الجزأين كان أروع، وصف السِّيرة أو النقد، فهو في عرض السيرة فنانٌ بارع يصور الشخصية تصويرًا قويًّا في أسلوب قصصيٍّ جذاب، وهو في النقد قديرٌ حاد الذهن نافذ البصيرة. على أننا لا نحب أن نذهب في مدحه إلى حد الإسراف الذي يجاوز الإنصاف، فقد كانت للرجل عيوبه ونقائصه، فهو في جانب السِّيَر متأثر بوجهة نظره السياسية؛ إذ كان محافظًا جامدًا متعصبًا، فإن كان الشاعر الذي يترجم له على غير مذهبه رأيته يجحف به ولا يزنه بميزانٍ عادل، وهو في جانب النقد متأثر أيضًا بتشيُّعه للآداب القديمة، ولذلك تراه ناقمًا على كل أدبٍ فيه نزوع نحو «الابتداع»، أضف إلى ذلك عجزه أحيانًا عن تقويم الشعر بقيمته الصحيحة؛ إذ لم تكن له الأذُن الموسيقية التي تميز الأنغام تمييز الخبير، ومن أخطائه النقدية المشهورة أنه قلل من قيمة «المقطوعات الشعرية» لمِلْتُن؛ لأنه كان يكره هذا اللون من الأدب، وأنه لم يتذوق قصيدة «لسِدَاس» التي رثى بها مِلْتُن صديقَه كِنْج، مع أنها من أجود الشعر، وأنه قسا في الحكم على سوفت لا لشيء سوى أنه ارتاب في إخلاصه الديني … أما إن خلا جونسن من دواعي التعصب، رأيت أحكامه صادقة، فنقده لدريدن وبوب بلغ حد الإعجاز، خذ هذا المثال من «حياة بوب»:

في المعرفة المكتسبة لا بد لنا أن نعترف بالتفوق لدريدن، الذي جاء تعلُّمه أكثر انطباقًا على النظم المدرسية، والذي أتيح له — قبل أن يأخذ في التأليف — زمنٌ أطول للدرس، ومواردُ أفضل لنيل المعرفة، وعقله أوسع أفقًا، وهو يجمع صوره الذهنية من نطاقٍ علمي أوسع محيطًا. وكان «دريدن» أكثر معرفة بالإنسان في سلوكه الخاص، والأفكار عند «دريدن» تتكون بعد تأملٍ شامل، وهي تتكون عند «بوب» من توجيه الانتباه إلى الأجزاء، والمعرفة عند «دريدن» أكثر اتزانًا وهي عند بوب أكثر دقةً.

لم يكن الشعر هو الحسنة الوحيدة فيهما، فكلاهما ضرَبَ في النثر كذلك بسهم موفور، غير أن «بوب» لم يستمد نثره من سلفه، فالأسلوب عند «دريدن» متقلِّب متنوِّع، والأسلوب عند بوب متأنقٌ مطرد، فدريدن يستمع إلى خلجات عقله، أما بوب فيقْسر عقله على التزام قواعده في الإنشاء، ودريدن في بعض الأحيان قويٌّ متدفِّع، أما بوب فلا ينفك سلسًا مطردًا رقيقًا، والصفحة عند دريدن كالحقل الطبيعي، فيها تفاوت، وتتنوع باختلاف الخصوبة حيث يكثر النبات، أما الصفحة عند «بوب» فرقعةٌ من المخمَّل شذَّ بها المنجلُ وسوَّاها المقراض.

•••

عُرف جونسن بالتفخيم في أسلوبه، فهو يُؤْثر الأَلفاظ القوية الطويلة، حتى ليوصف باسمه كلُّ أسلوب يجري على هذا النسق. والحقيقة أن أسلوبه يختلف باختلاف الموضوع الذي يكتب فيه، فهو أحيانًا يستخدم الألفاظ القصيرة إن اقتضتها طبيعة الموضوع، وهو أجود ما يكون أسلوبًا حين يكتب كما يتحدث، غير أنه في حديثه كان يتوخى العبارة القوية، وفي ذلك يقول لأحد أصدقائه من روَّاد الندوة الأدبية: «لقد اتخذتها قاعدة منذ بعيد أن أبذل قصاراي في كل مناسبة وبين أية صحبة من المجالسين في أن أعبر عما أعلمه كائنًا ما كان في أقوى عبارة أستطيع أن أعبر بها عن المعنى الذي أريد، حتى أصبح ذلك عادة بالمران المتصل، وبالحرص الشديد على ألَّا تلفت مني عبارةٌ واحدة أهمل تركيبها، وألا أُخرج أفكاري قبل ترتيبها ترتيبًا يؤدي إلى توضيح المعنى إلى أقصى حدٍّ مستطاع.» وكتابه «راسلاس» مثال للأسلوب المتكلف الفخم. أما «تراجم الشعراء» ففيه القوة مع السلاسة، وفيه التنوع الخصيب في الأسلوب، وفيه مرونة الجرس وبراعة الفطنة وروعة الخيال، غير أن «جونس» يميل إلى موازنة العبارة صدرها مع العجز، وإلى المقابلة التي كثيرًا ما تكون آلية لا تصدر عن طبع، كما يميل إلى الجملة الثقيلة في لفظها المثقلة بمعناها، فهو مثلًا يُجْرى على لسان فتاة في سن السادسة عشرة، تتحدث عن عمتها، هذه العبارة: «لم تكن عواطفها سامقة التسامي ولا نظراتها رحيبة الأفق، لكنها خيرة المبادئ خالصة النوايا، فلئن جاز أن يكون بعض الناس أكثر منها فضيلةً، فقَلَّ أن تجد مَنْ يقلَّ عنها إثمًا.» وهو كذلك يميل أحيانًا إلى استخدام الألفاظ التي تدل على العلم والثقافة، ولو لم يقتضِ الموقف مثل هذه الألفاظ، وفي ذلك يقول ماكولي: «إن كل كتبه مكتوبة بلغةٍ علمية (المقصود باللغة العلمية هنا اللغة التي تنمُّ عن ثقافةٍ عالية) لغة لا يسمعها أحد من أمه أو مرضعته، لغة لا يَشْتَجر بها الناس ولا يعقدون بها الصفقات ولا يغازلون بها، لغة لا يفكر بها أحد.»

(١-١١) إدرود جبن Edward Gibbon (١٧٣٧–١٧٩٤م)

هو صاحب الآية التاريخية العظيمة «تاريخ تدهور الإمبراطورية الرومانية وسقوطها»،٨٠ وقد ظهر منه الجزء الأول سنة ١٧٧٦م، ثم بلغ ختامه بعد ذلك باثنى عشر عامًا.
أُرسل «جِبُنْ» إلى جامعة أكسفورد، وهو في سن الخامسة عشرة، حيث أقام عامًا وبعض عام هي «أشد أيامي خمولًا وأقلها نفعًا!» ثم حدث له أن قرأ «بوسْويه»٨١ فتأثر به وارتدَّ عن عقيدته الدينية البروتستنتية ليعتنق الكاثوليكية الرومانية؛ فاقتضى ذلك أن يُفْصل عن الجامعة، فأرسله أبوه إلى قسيس في لوزان ما زال به حتى ردَّه إلى عقيدته الأولى من جديد. وأقام جِبُنْ في لوزان خمسة أعوام أدام فيها اطلاعه على الأدب اللاتيني والأدب الفرنسي، فكان لطول غيابه عن بلاده أثر في انعدام اللون الإقليمي في أدبه، فهو في مزاجه وأحكامه وأسلوبه ليس بالإنجليزي الصميم، وبهذا الطابع امتاز من سائر أدباء الإنجليز. وعاد الكاتب إلى أرض الوطن حيث التحق بالجيش المرابط أعوامًا عدة، أفادته — كما يقول — حين أخذ فيما بعدُ يكتب عن الحملات الحربية والمعارك في مؤلَّفه التاريخي العظيم، ولكنه ما لبث أن عاد إلى القارة الأوروبية من جديد، يطوف بفرنسا وسويسرا وإيطاليا. فلما كان في مدينة روما نضجت في ذهنه الفكرة عن إخراج شيء في التاريخ. يقول جِبُنْ: «كنت في روما في الخامس عشر من شهر أكتوبر سنة ١٧٦٤م، جالسًا أفكِّر بين آثار «الكابتُلْ»، بينما كان القساوسة الحفاة يرتلون صلاة المساء في معبد جوبتر، وعندئذٍ بزغت في ذهني لأول مرة فكرة الكتابة في تدهور روما وسقوطها.» ثم عاد إلى إنجلترا مرةً ثانية، وأخذ يُعِدُّ لمؤلفه التاريخي الذي اعتزم إخراجه، وهنالك انخرط في جماعة «الندوة الأدبية» التي التفَّ أعضاؤها حول «جونسن».
صدر الجزء الأول من كتابه فتقبله الجمهور قبولًا حسنًا، بل صادف المدح والإعجاب عند العلماء والناقدين، حتى من عرف منهم بالتزمُّت والعنت. والحق أنه كتاب ما كان ليصدر لولا ما بذله فيه مؤلفه من جهودٍ مضنيةٍ متصلة وصبرٍ جميل لا ينفد، فهو في الواقع يؤرخ للعالم المتمدين كله «فليس سقوط روما سقوطًا لإمبراطورية وكفى، بل هو زوال للونٍ من الفكر وطور من أطوار العقائد الدينية والأخلاق والسياسة وأوضاع الحضارة بوجهٍ عام، فسقوط روما فيه فناء الوثنية القديمة ومولد العالم المسيحي الجديد، وهو أكبر تطور شهده التاريخ.»٨٢ وقد عالج جِبُنْ هذا الموضوع المتشعب بقدرة لا تزال تثير إعجابًا عند العلماء، فعلى الرغم من تفرُّع الموضوع وتعقُّد الحوادث والأشخاص، لم تَفُتْه الدقة في موضوع من المواضيع، وأخذت تصدر أجزاء الكتاب تباعًا، وقد كتب الأجزاء الأخيرة وهو في لوزان.

والكتاب يبدأ بعرضٍ جميل للتاريخ الروماني منذ عهد أوغسطس، ثم يبدأ التفصيل من تربُّع كومودس على عرش البلاد (١٨٠م)، ويتتبع في وصفٍ جميل وعبارةٍ واضحة تاريخ الرومان، وانحلال الإمبراطورية الغربية نتيجة لغارات القبائل الهمجية القادمة من أواسط أوروبا، وتطور الكنيسة المسيحية ونموها، وتوطيد الدولة البيزنطية، حتى يصل إلى سقوط القسطنطينية سنة ١٤٥٣م.

وهاك مثالًا من هذا الكتاب:

… وعلى رأس هؤلاء الأمجاد وحَّد ابنه نور الدين قُوى المسلمين رويدًا رويدًا، فأضاف مملكة دمشق إلى مملكة حلب، وشنَّ حربًا طويلة موفَّقة على المسيحيين في سوريا، فبسط سلطانه القوى من دجلة إلى النيل، وكافأ العباسيون عاملهم الأمين بكل ما يتمتع به السلاطين من ألقابٍ وحقوق، وقد اضطر اللاتينيون أنفسهم أن يعترفوا بما لهذا العدو العنيد من حكمةٍ وشجاعة، بل بما له من عدلٍ وتقوى، وكان هذا المجاهد الورع في حياته وحكومته قد أعاد ما عُرِفَتْ به عهود الخلفاء الأولين من حماسةٍ وبساطة، فأزال من قصره الذهب والحرير، ومنع في أرجاء ملكه احتساء الخمر، وأنفق دخل الدولة في خدمة الشعب، لا يتهاون في ذلك قيد أنملة. وأما نفقات بيته — وكان فيها كزًّا — فقد اعتمد فيها على نصيبه المشروع من الغنائم، الذي استثمره في ضيعة خاصة اشتراها، وحدث أن تحرقت زوجته العزيزة «سلطانة» شوقًا إلى حليةٍ ثمينة مما يتحلى به النساء، فأجاب الملك: «وا أسفاه! إني لأخشى الله، فما أنا إلا خازن لمال المسلمين، وليس في وسعي أن أتصرف في مِلكهم، لكنَّ لي ثلاثة حوانيت لا أزال أملكها في مدينة حمص، فلكِ أن تأخذيها، وليس لي أن أهب شيئًا سواها.» وكانت ساحة عدله ملجأً للعظيم ومأوًى للفقير. فلما مضت بضعة أعوام بعد موت السلطان، صاح في شوارع دمشق رجل أصابه غبن: «نور الدين! نور الدين! أين أنت اليوم؟ انهض، انهض لترحمنا وتحمينا!»

(١-١٢) إدمند بيرك Edmund Burke (١٧٢٩–١٧٩٧م)

هو من أعظم من أنجبتهم إنجلترا من الخطباء والمفكرين السياسيين، ولد في دَبلن، وكان زميلًا لجولد سمث في الجامعة، وقد أطال القراءة في الأدب الإنجليزي والشعراء الإنجليز وهو طالب، وأسس في الجامعة «جمعية تاريخية»، فكانت أول حلبة تجلَّت فيها مواهبه الخطابية والأدبية.

وكان أول نتاجه الأدبي «دفاع عن المجتمع الطبيعي»،٨٣ ثم نُشر له بعد ذلك «بحثٌ فلسفي في نشأة آرائنا عن الجليل والجميل».٨٤
وهو كتاب في علم الجمال استوقف الأنظار وأثار الاهتمام عند صدوره لجدَّة الموضوع وطرافته؛ إذ لم يكن قبل ذاك موضوع الجمال مطروقًا مألوفًا، غير أن الكاتب في هذا البحث ينقصه كثير من العلم الضروري بشئون الفن لكي يستطيع الإجادة، ثم اتفق مع ناشر على إصدار مجلةٍ تاريخية، هي «السجل السنوي»،٨٥ وظل أمدًا طويلًا من حياته يواصل المجلة ببحوثه.

ولما بلغ السابعة والثلاثين من عمره دخل البرلمان حيث لبث عضوًا مدى ثلاثين عامًا. وكان «بيرك» رغم فصاحته الخطابية عضوًا برلمانيًّا فاشلًا، فقد كان يلقي الخطاب الجيد البليغ فلا يصغي إليه أحد، ثم ينشره في صحيفة فإذا هو مثيرٌ لاهتمام القراء جميعًا، وهنا يجدر بنا أن نعيد ما قُلناه في الخطابة في الجزء الأول من هذا الكتاب.

«والخطابة إنما تكون أدبًا حين تحتفظ الألفاظ المنطوقة بقوة فصاحتها إذا ما خُطَّتْ على الورق لتُقرأ، فما أكثر ما تفنى خطب الخطباء مع الهواء كما تفنى ألحان المنشدين وأصوات الممثلين! والخطب ثلاثة أنواع: خطب تُسمع ولا تقرأ، وخطبٌ تُقرأ ولا تسمع، وثالثة تشمل بتأثيرها العيون والآذان. فها هو ذا «غلادستون» مثلًا حرَّك النفوس بخطبه، ولكنها حين صُبَّت في أحرف المطابع بردت نارها، وذلك هو «إدْمَنْد بيرك»، لم يكن له من القدرة الخطابية ما يقنع البرلمان الإنجليزي، ومع ذلك فخطبه — مكتوبةً — ساحرةٌ فاتنة، وهي تحتلُّ مكانةً رفيعة في الأدب الخالد، وأما خطباء اليونان فقد بلغوا بهذا الفن حدًّا بعيدًا من الكمال …»

كان «بيرك» يلقي الخطبة فَيُبْهت لها الأعضاء الحاضرون، لكنهم لا يتحمسون لها ولا يقتنعون بها إلا إن قرءوها مكتوبةً في صحيفة، بل أطلق عليها في أُخْريات سنيه كنيةٌ تَصِفُ وَقْع خُطَبه، هي «جرس الغداء»؛ لأن نهوضه للخطابة كان إيذانًا بانصراف الأعضاء، والعجيب أن خُطَبه في جموع الشعب كانت على النقيض من ذلك؛ إذ حركت نفوس سامعيها وهزَّت قلوبهم هزًّا حارًّا عنيفًا، فقد وُجِّه اتهام إلى «هيسْتِنْجز»،٨٦ وقام «بيرك» يخطب في اتهامه، فاسمع ما تقوله أديبةُ كانت تناصر المتَّهم: «أثار اهتمامي، ثم ملأ عليَّ شعاب قلبي، ثم حطَّم قواي في نهاية الأمر تحطيمًا، أحسستُ أن القضية التي أناصرها قد ضاعت، فكدتُ لا أستطيع القرار في مجلسي، ولم تَقْوَ عيناي على أن توجَّها لمحةً واحدة إلى رجل بلغ اتهامه ما بلغه مستر هيستنجز، وودت لو ابتلعتني الأرض حتى لا أكلِّف عينيَّ مثل هذا المنظر الأليم!» والحق أن خطبته في اتهام هيستنجز بلغت من جودة الصناعة وروعة الفن ما يتعسر معه أن تجد لها شبيهًا.
ومن آياته الباقية «آراء في حالة التبرم القائمة»٨٧ و«خطاب في الضرائب الأمريكية»٨٨ و«خطاب إلى رؤساء الأقاليم في بِرِسْتُل»٨٩ وغيرها، مما يعد نموذجًا للقول في الشئون السياسية، فهي مترعة بالحكمة العميقة، والحكم الصائب، والتأمل الفلسفي. ولم تشهد الكتابة السياسية قبل «بيرك» هذه الذخيرة الزاخرة الخصيبة من الشواهد تساق في لغةٍ تتألق بلمعات الخيال، وتكتسب حرارة من الرأي الأصيل والشعور الدافق الفياض. ولا عجب؛ فقد كان الرجل يشتعل حماسة للذود عن المظلوم ورفع السياسة الإنجليزية — في الداخل والخارج — إلى مستوًى رفيع. ومما يميز كتابته السياسية كلها نفوره من النظريات المجردة وانتزاع القواعد العامة، فقد كان من المحافظين عمليًّا لا يتعلق بالآراء النظرية، ولئن أراد الإصلاح فقد كره التجديد.
وإن كان ذلك كذلك، فلا بد أن تكون الثورة الفرنسية قد ساءته بعنفها، فتصدى لها يوجِّه إليها أَمَرَّ النقد ويقاوم عوامل الهدم التي خلفتها الثورة، وعندئذٍ ألَّف كتابه الخالد «تأملات في الثورة الفرنسية»٩٠ سنة ١٧٩٠م، وحَسبك أن تعلم أنه قد طُبع إحدى عشرة طبعةً في عامٍ واحد، لتدرك منزلته من القراء، وكان كتاب «تأملات في الثورة الفرنسية» من أقوى الحوافز التي استحثت ملوك أوروبا على مقاومة الحركة الثورية، لكن الثورة الفرنسية مضت في طريقها تُقوِّض كل بناء للنظام والقانون، فيتميَّز صاحبنا من الغيظ ويغلي صدره بالعواطف المشتعلة، ويُخرج غَضْبته الحامية في «آراء في الشئون الفرنسية».٩١

واعتزل «بيرك» معترك السياسة؛ إذ مات وحيدُه الذي حلَّ من قلبه في السويداء، فتحطمت قواه وازورَّ عن الدنيا وعبثها، فلم يعد لها فيها مأرب ولا رجاء.

ومن خصائص أسلوبه تلاحق الإشارات وكثرة الاستعارات، وهو يمتاز بالقوة والطلاقة، وكثيرًا ما يستعير الشواهد من الكتاب المقدس، فقد أدمن قراءته حتى كانت آياته على سنان قلمه وتوقيع أنغامه حاضرة في ذهنه وهو يكتب، وكان يحب التعبير عن المعنى الواحد في عباراتٍ مختلفة، ويميل إلى التكرار أحيانًا، شأن الخطيب المصقع الذي يقصد بكلامه إلى صميم القلوب، وهو يؤثر الأمثلة العملية المحسوسة على الأقوال النظرية المجردة، وتراه يجمع بين الجمل القصيرة الحادة والجمل الطويلة المديدة.

وهذا مثال من «تأملات في الثورة الفرنسية»:

مضت ستة عشر أو سبعة عشر عامًا مذ رأيت ملكة فرنسا في فرساي، وكانت إذ ذاك ولية للعهد، وإني لعلى يقين أن هذا الفَلَكُ السماويُّ — الذي لم تكن قد مَسَّتْه إلا مسًّا رفيقًا — ما شهد قط أبهج منها منظرًا، رأيتها وقد أشرقت في الأفق منذ قليل، تزيَّن ذلك العالم الرفيع الذي بدأت لتوِّها تتحرك في أرجائه فملأته مرحًا وبهجة، وهي تتلألأ كأنها نجمة الصبح، تملؤها الحياة والجلال والغبطة. أواه! يا لها من ثورة! ويا له من قلبٍ لا بد أن أحمله بين أضلعي لأتخيل ذلك الارتفاع وذاك السقوط دون أن يهزَّني انفعال! … لم يَدُرْ بخلدي أني سأحيا حتى أرى هذه الكوارث تنصبُّ عليها في أمةٍ عُرِفَ بالشهامة رجالُها، في أمةٍ يتصف بالشرف أبناؤها، في أمةٍ في أهلها نخوة الفرسان، لقد حسبتُ أن ألوف السيوف ستنسلُّ من أغمادها لتثأر لها لو توجهت إليها نظرةٌ واحدة تتهددها بالهوان، لكن عهد الفروسية انقضى، وأعقبه عهد فيه رجال الجدل الزائف والاقتصاد والحساب، فذهب عن أوروبا مجدها إلى الأبد، ولن نرى بعدُ، لن نرى ذلك الولاء السَّمْح لأبناء الطبقة النبيلة وبنات الجنس اللطيف، لن نرى بعدُ ذلك الإِذعان في عزةٍ، وتلك الطاعة في كرامةٍ، وذلك الخضوع يصدر عن القلب ويُبقي روح الحرية الشامخة حيَّة حتى في العبودية نفسها.

(٢) الشعر

كانت بوادر المذهب الاتِّباعي قد ظهرت في الشعر الإنجليزي في أواخر القرن السابع عشر، ثم بلغ هذا المذهب نهاية شوطه في النصف الأول من القرن الثامن عشر على يدي «بوب» أو فيما يسمى بالعصر الأوغسطي، وهنا نرى لزامًا علينا أن نوضح العناصر الأساسية في المذهب الاتباعي في الأدب، ونحاول التفرقة بينه وبين المذهب الابتداعي.

لسنا نريد بلفظ الاتِّباع أن الأديب يستقي وحيه من الآداب اليونانية والرومانية القديمة فحسب؛ فذلك وحده لا يكون اتِّباعًا؛ لأن الأدب في عصر اليصابات كان يستوحي تلك الآداب القديمة، ومع ذلك فهو أدبٌ ابتداعيٌّ خالص، وإنما نعني مجموعة من الخصائص مجتمعة، فالاتِّباعيون يعنون كل العناية باللفظ قبل المعنى، بالصورة قبل المادة، هم يكثرون من القيود التي يراعون فيها أن تكون مستمدة من الآداب القديمة، ثم تكون البراعة عند الأديب أن يحافظ على تلك القيود، والشاعر الابتداعي يهتم بالمعنى وبالمادة التي يريد أن يعبر عنها، ثم لا يتقيد بشيءٍ حين يختار لنفسه أداة التعبير؛ لأنه حرٌّ يختار أنسب أداة تُخْرج المعنى الذي يريد إخراجه قويًّا سليمًا، أما الشاعر الاتِّباعي فيبدأ بالتسليم بضرورة صورٍ معينة للتعبير، ثم يحاول أن يُعرب عما في نفسه في حدود تلك الصور.

وقد يتشابه الاتباعي والابتداعي في المعاني، لكن هنالك سماتٍ تميز أحدهما من الآخر، فالكاتب الاتِّباعي يميل إلى السخرية والهجاء، وإلى أن يكون أدبه تعليميًّا تهذيبيًّا، ويحبُّ أن يصف حياة المدينة لا حياة الريف، ووصفُه موضوعيٌّ يتعلق بالشيء الموصوف أكثر منه ذاتيًّا يعبر عما يجيش في نفس الأديب الواصف، على نقيض الكاتب الابتداعي، فهو يميل نحو الطبيعة كما تبدو في كافة صورها، ومن بينها الحقول والأزهار والحياة الريفية، ويميل كذلك إلى وصف الغريب دون المألوف، والمغامرة دون الاستقرار، ثم هو في وصفه ذاتي يدوِّن خلجات نفسه إزاء ما يصف. ولئن كان الأديب الاتباعي يريد أن يعلِّم قارئه درسًا بما يكتبه، فإن الأديب الابتداعي يكفيه أن يغنِّي بما في قلبه ولا يعنيه بعد ذلك أفاد القارئ شيئًا أو لم يُفِدْ، والاتِّباعي يحتكم إلى العقل، ويلجم العواطف الحادة، أما الابتداعي فيرخي العنان لخياله ولا يكبت شيئًا من عواطفه، بل — على نقيض ذلك — لا يرى الأدب إلا أداة للتعبير عن تلك العواطف.

(٢-١) إسكندر بوب Alexander Pope (١٦٨٨–١٧٤٤م)

ولد في لندن لأب كان يشتغل بالتجارة، وقد نشأ على عقيدة أبيه كاثوليكيًّا رومانيًّا، ولبث يعتنق تلك العقيدة طوال حياته، وأهم ما يلفت النظر في سيرة الشاعر حقيقتان؛ الأولى: نضجه المبكر، والثانية: علة جسده، فقد ورث الدُّوار من أمه والجسم الشائه عن أبيه، وحيل بينه وبين الجامعات بسبب عقيدته الدينية. لكن الله وهبه نبوغًا يستغني به عن الجامعات؛ ففي سن الخامسة بدأت تظهر عليه بوادر الذكاء الوقَّاد، فأوصت له عمته بكل كتبها وصورها، وفي الثامنة ترجم بعض أشعارٍ لاتينية، وفي الثانية عشرة ترك المدرسة، وبدأ في داره دراسة ينظمها لنفسه بنفسه، انصرف بها نحو الأدب، وكان أكثر قراءته منصبًّا على «سبنسر» و«دريدن»، وفي سن الخامسة عشرة نظم ملحمةً طويلة ألقى بها في النار بعد نظمها، وفي الثامنة عشرة كتب مجموعة «الأشعار الريفية»،٩٢ وقبل أن يتمَّ عامه الخامس بعد العشرين بدأ مجهوده الشاق الطويل في ترجمة هومر، وحَسْبك ذلك دليلًا على نضجه الباكر. أما علَّة جسده فقد قال هو عن حياته في إحدى قصائده إنها «علَّةٌ واحدة طويلة.» كان أصلع الرأس قزمًا لا يزيد طوله على أربع أقدام، محدودب الظهر قميئًا يبدو عليه المرض، فهو لم يستطع حتى بعد اكتمال نموه أن يلبس ثيابه أو ينضوها بنفسه، ففي الصباح كانوا يلفُّون له جسده بأربطة من القماش السميك لتُقيمه، وكان يلبس تحت القميص صدارًا من فراء، ويلبس ثلاثة أزواج من الجوارب تزيد قليلًا من سُمْك ساقيه، فقد كان من ضآلة الجسم، بحيث يتطلَّب مقعدًا عاليًا كلما جلس إلى مائدة كما هي الحال مع صغار الأطفال، لكن إلى جانب هذا كله كانت له عينان جميلتان وصوتٌ رخيم، حتى ليُسمُّونه بالبلبل الصغير.

أول ما نشر من شعر «بوب» «الأشعار الريفية» وهي أربع قصائد: واحدة عن الربيع، وثانية عن الصيف، وثالثة عن الخريف، ورابعة عن الشتاء، وهو يحاكي بها «أشعار الحقول» لفيرجيل، ونستطيع أن نَعُدَّ هذه الأشعار بمثابة مرحلة التدريب، على الرغم مما فيها من حلاوة أنغام ومرونة سياق وصقل.

ثم نشر له بعد عامَين (١٧١١م) «مقالة في النقد»٩٣ أنشأها وهو في التاسعة عشرة من عمره، وقد قرَّظها «أدِسُن»، وكانت صلةَ التعارف بين الأديبين الكبيرين. ويلخص الشاعر في هذه القصيدة مبادئ النقد الأدبي التي وردت في قصائدَ نقديةٍ سلفت، مثل قصيدة «الفن الشعري» لهوراس الشاعر الروماني، و«الفن الشعري» أيضًا لبوالو الناقد الفرنسي في القرن السابع عشر، ويقسم الشاعر قصيدته هذه ثلاثة أقسام يبين في أولها ضرورة أن يَدْرس الأديب أصول الذوق السليم وقواعده، وأن يكون عماده على الطبيعة وعلى دراسة الأقدمين. ويبين في ثانيها الأسباب التي تعطِّل فينا ملكة النقد السليم والحكم الصائب، ويحصرها في عشرة أسباب: الغرور، والعلم الناقص، والحكم على القصيدة جزءًا جزءًا دون أن يُنْظَر إليها كلًّا واحدًا، والتطرف إما إلى ناحية التعنت الذي لا يعجبه العجب، وإما إلى ناحية التسرع في المدح فيقرظ كل شيء، والتحزب لقديمٍ أو جديدٍ، والهوى، والشذوذ، والتذبذب، والتعصب الحزبي، والحسد. وفي القسم الثالث من القصيدة يبين وظيفة الناقد وطريقة أدائها، فالناقد لا بد أن يجمع إلى سلامة ذوقه وصدق حكمه وسعة علمه؛ صراحةً وتواضعًا وأدبًا ولباقة، وهو يبين في هذا القسم أيضًا خصائص الشاعر الرديء، والناقد المعيب، ويقابل بينها وبين صفات الناقد الكامل، ويستعرض تاريخ النقد الأدبي بادئًا من أرسطو حتى عصره، والقصيدة مكتوبة بالقافية المزدوجة، نقتبس منها ما يلي:
قلةُ العلم خَطْبٌ بالُغ الخطر حتمًا؛
فاشربٍ من القاع أَوْ لا تذقْ للشعر طعمًا.
من يكسُ الطبيعةَ بالثوب القشيب فذاك الشاعر الفطن الأريب
قل ما قيل تكرارًا، في صيغةٍ لم يَسْبقها في الجمال ضريب
فمعظمهم حُكْمُهُ على القريض بما للشعر من أوزان
إن سَلُسَتْ، كان الصوابُ، أو خَشُنَتْ — في رأيهم — شالت كفة الميزان،
إن ربة الشعر الساطعةَ فيها ألوفٌ من ضروب السِّحر تجتمع،
لكن حَمْقَى الأنغام هؤلاء لا يعجبهم من مفاتنها إلا الصوتُ يُسْتَمَع
إن مَنْ يرتَد دولةَ الشعر — لا إلى تهذيب العقل يقصد —
بل لمتعة الآذان، كمن إلى الكنيسة يذهب
لا من أجل العقيدة، لكنَّ العزفَ إليه مُحَبَّب.
وأنشأ الشاعر بعد ذلك قصيدة «اغتصاب الخُصْلة»،٩٤ وهي قصيدةٌ تهكمية تعالج موضوعًا تافهًا بالأسلوب الذي عالج به شعراء الملاحم العظمى موضوعاتهم الجادَّة الهامة، فقد حدث أن غافلَ أحدُ اللوردات سيدةً جميلة فجزَّ من شعرها خُصْلة، فاختصمت من أجل ذلك الأسرتان، فاتخذ الشاعر هذا الحادث موضوعًا لقصيدته، أو لملحمته التهكمية. ولما كان لا بد لكل ملحمة من عُدَّة خارقة للطبيعة تسيِّر حوادثها — كالأرباب والآلهة في الملاحم القديمة — فقد اتخذ بوب من عرائس الجن والشياطين عُدَّة لملحمته، وهو يبدأ القصيدة — كما تبدأ الملاحم الكبرى — بتوجيه الخطاب إلى ربة الشعر أن تنشده:
أيُّ عدوان مخيفٍ من أسباب الغرام ينشأ،
وأيُّ عراكٍ عتيٍّ عن التوافه يطرأ.
وما «العدوان المخيف» هنا إلا اغتصاب خُصلةٍ من شعر مَنْ أطلق عليها في قصيدته «بِلنْدا»٩٥ (وهي في حقيقتها مِسْ فيرمَرْ)،٩٦ ثم أخذ الشاعر يقص في أبدع تهكم وأروع سخرية كيف تم ذلك الاغتصاب، وماذا كانت نتائجه، وهو يُجْري القول في نغمة الجد على نحوٍ يستثير فيك العجب والإعجاب. انظر كيف يصف أدوات الزينة التي وقفت عندها «بِلِنْدا» تزيِّن نفسها قبيل خروجها إلى ذلك الحادث المشئوم:
فهذا وعاءٌ عن لآلئ الهند الوضَّاءة يُفْتَحُ،
«وبلاد العرب» تنفَّسَتْ من ذلك الصندوق طيبًا ينفح،
السلحفاةُ هنا والفيلُ متحدان،
تحوَّلا أَمْشَاطًا: منها البِيضُ ومنها أَرْقَطُ الألوان،
ها هنا خطوطٌ من المشابك امتدت صفوفًا صفوفًا تتألق،
أريجٌ ومسحوقٌ وزينةٌ، وإنجيلٌ وخطابُ مغرمٍ يتحرَّق.

وبعدئذٍ همَّ الشاعر بعملٍ جليل استغرق من سنيه ستًّا ملأها بالمجهود المتصل، فقد أخذ ينقل الإلياذة والأوذيسية شعرًا إنجليزيًّا، وكان «سِوِفْت» عندئذٍ يروِّج له في القصر وفي طبقات المجتمع الراقية، فيذيع بينهم أن «أنبغ شاعر في إنجلترا» يترجم هومر، ويستحثهم بقوله: «أريدكم جميعًا أن تساهموا في ترجمته لهومر؛ لأنه لن يبدأ الطبع إلا إن جمعتُ له ألف جنيه.» وما أتمَّ «بوب» إخراج الملحمتَين حتى كان له منهما تسعة آلافٍ ضمنت له العيش الرغيد بقية حياته.

لم يترجم «بوب» عن اليونانية رأسًا، إنما نقل عن ترجمة فرنسية «لمدام داسييه»،٩٧ وكان يرجع أحيانًا إلى ترجمة «تْشَابْمان». وقد انشقَّ النقاد في الحكم على ترجمة «بوب»، فمنهم من رفعها حتى جعلها أروع ما يستطيعه مترجم — مثل بَيْرُن — ومنهم من اتهمها بالعجز والقصور، فقد قال عنها «بنْتِلي»٩٨ الناقد العالم: «إنها — يا مستر بوب — قصيدةٌ جميلة، ولكن لا يجوز لك أن تسميها هومر.» وقال عنها «جِبُنْ»: إن فيها كلُّ ما يستحق المدح، إلا أنها ترجمةٌ أمينة، ولعل أجمل ما قيل فيها إنها تشبه تمثالًا خزفيًّا مزخرفًا نُقِلَ عن تمثالٍ يوناني من المرمر القوي في بساطة.
وبينما كان «بوب» مشتغلًا بترجمته للإلياذة، أخرج بضع قصائد صغيرة بلغ فيها غاية ما يستطيعه جودةً وإتقانًا، منها قصيدة «رسالة إِلويْزَا إلى أَبِلَارْد»،٩٩ وهي تدور حول قصةٍ مشهورة لحبيبين حلَّتْ بهما الكوارث، فلجأ كل منهما إلى ديْر يقضي فيه ما بقي له من حياته. وكتب «أبلارد» خطابًا إلى صديقٍ، فوقع في يدي «إلويزا» وأيقظ في قلبها سالف حبها، فأنشدت هذه الرسالة، وفي ختامها تخيلت الراهبةُ نفسها متكئة على قبر، وأنها تسمع أصوات الموتى في القبور:
في كل نسيمٍ يرفُّ حَسِبْتُ روحًا يناديني،
وجوار الجدار ظننتُ صوتًا — لم يكن بالصَّدى — يناجيني،
وها هنا — وكنتُ في المصابيح الخابية من حولي أحدِّجُ —
من ذلك الضريح هناك سمعتُ صوتًا يتهدَّج:
«تعاليْ — أختاه — تعاليْ» (هكذا قال أو خيل لي)
«مكانك ههنا — أختاه الحزينةُ — تعاليْ لا تُمهلي،
فيومًا رجفْتُ كما ترجُفين، وكان مني بكاء ودعاء،
كنتُ آنئذٍ ضحيةَ الحبِّ وبتُّ اليوم قديسةً عذراء،
فسكونٌ شاملٌ ههنا في هذا النوم الدائم
نَسِيَ الأسى أنَّاتِهِ ولا بكاءَ من المحبِّ الهائم …»
فرغ «بوب» من ترجمة هومر، وتدفعت عليه الأرباح، فاتخذ مسكنًا هادئًا على ضفاف «التيمز»، حيث كان يستضيف أعلام الأدباء في عصره، وعلى رأسهم «سوفت»، وها هنا أنشأ «بوب» ملحمةً تهكمية أطلق عليها «دَنْسِياد»١٠٠ — أو قصة الأغبياء — وفيها هجاءٌ مرٌّ للأدباء الذين ناصبوه العداء.
ثم أخرج «مقالة في الإنسان»،١٠١ وهي تتألف من أربع رسائل موجَّهة إلى «اللورد بولنجبروك»،١٠٢ الذي أوحى إليه بفكرة القصيدة، وهي محاولة — كالتي حاولها مِلْتُنْ — فهو يسلِّط عقله الخالص على ما تحتويه الحياة البشرية من ألوان الشقاء وضروب التناقض، ويبيِّن أن الشر إن هو إلا نتيجة عجز الإنسان أن يرى الكون في مجموعه، فينظر إلى أجزائه جزءًا جزءًا، فيخيل إليه أن هذا الجزء شر في ذاته، مع أنه مع غيره من الأجزاء يكوِّن خيرًا.

يزعم الشاعر في الرسالة الأولى من الرسائل الأربع أن الإنسان مخلوقٌ كامل، غير أن سعادته في الحاضر تعتمد على جهله بالمستقبل، وعلى أمله في أن يتاح له عالمٌ أكمل وظروفٌ أصلح من العالم القائم والظروف الراهنة، والغرور هو أسُّ شقاء الإنسان؛ لأنه يعميه عن حدوده، التي يجب أن يقف عندها لا يجاوزها، ويشير الشاعر إلى حماقة الإنسان في اعتبار نفسه علَّة الخلق، وفي شكاته من أن الله لم يخلقه كاملًا، ويبيِّن تسلسل الكائنات من الأنواع الدنيا إلى الإنسان، فالملائكة فالله، قائلًا إنه إذا تحطمت حلقةٌ واحدة في هذه السلسلة المتدرجة انهار بناء الكون كله. ومن هنا كان من دلائل الفوضى والخروج على النظام أن يطمح نوع من الكائنات أن يكون أعلى مما خلق له، وأن يتألم مما فرضه عليه الله من واجبات، وهو يختم الرسالة الأولى بهذه الأبيات:

رويدك لا تقُلْ عن نظام الكون إنه نقصٌ ذميم،
فنعيمُ الحياة الصحيحُ معتمدٌ على هذا الذي تلوم،
اعرف من الكون موضعك: هذا الضربُ وهذا النصيبُ
من العمى والضعف، إرادةُ الله إياك تُصيبُ.
ما «الطبيعةُ» إلا «فَنٌّ» جهلتَ مداه،
ما «الصدفةُ العمياء» إلا «قضاءٌ» ولست تراه،
ما «النشاز» إلا «تناغم» لم يُفْهم،
ما «الشر في الجزء» إلا «الخير للكون» ولم يُعْلَم!
فرغم الغرور ورغم العقل المخطئ،
حقٌّ واضحٌ «أن كل ما في الكون صوابٌ» لم يخطئ.

وفي الرسالة الثانية من «مقالة في الإنسان» يوضِّح «بوب» فلسفته، ويبحث في الإنسان باعتباره فردًا، وهنا ينصح الإنسان أن يعرف نفسه — كما أوصى بذلك سقراط منذ قرون — وألا يحاول توجيه بحثه نحو الله؛ لأن الدراسة التي يجدر بالبشرية أن تنهض بها هي دراسة الإنسان نفسه، وبعدئذٍ ينتقل في الرسالة الثالثة إلى بحث الإنسان باعتباره عضوًا في المجتمع، ثم يبين في الرسالة الختامية عناصر السعادة ومقدماتها.

والقصيدة — كسائر شعره — قوية الديباجة رصينة الأسلوب مزدوجة القافية، أما من حيث المعاني، فقد قال عنها ناقدٌ حديث إنها مضطربةٌ متناقضةٌ صبيانية في كثير من مواضعها، ومهما يكن من أمر فهي القصيدة التي طارت بشهرته في أوروبا، إذ ترجمت إلى الألمانية والفرنسية بُعَيْدَ صدورها.

وكان ما أخرجه «بوب» بعد قصيدته «مقالة في الإنسان» مجموعتَين من الشعر هما: «هجائيات»١٠٣ و«رسائل»١٠٤ و«مقدمة الهجائيات» قصيدةٌ مشهورة عنوانها «رسالة إلى الدكتور أَرْبَثْنُتْ»،١٠٥ وترجع أهمية هذه القصيدة التي تتألف من أربعمائة بيت، إلى أنها نموذج صادق لكل ما يتصف به الشاعر من خصائص، فضلًا عن أنها تنبئ عن كثير من سيرته كأنما هي ترجمة لحياته، وتُعَدُّ الهجائيات — من حيث الألفاظ وجودة النظم — آية الشاعر.

كان في شخصية «بوب» كثير من المتناقضات — ولعل تناقض الشخصية من سمات الإنسان — فهو نحيلٌ هزيلٌ عليل، لكنه وهب عقلًا دائم الحركة دائب النشاط، لا يهن ولا يفتر، وهو مبتدعٌ مبتكر، لكنه في الوقت نفسه يحب أن يهتدي في أدبه بمن هو أعلى منه موهبةً ونبوغًا، وهو عدوٌّ قاسٍ عنيف، ومع ذلك فقد كان له أصدقاء حميمون يحبونه حبًّا نادرًا بين الأصدقاء.

وإن أردت أن تعرف لبوب فضله على الأدب الإنجليزي، فذاك هو ارتفاعه «بالقافية المزدوجة الحماسية»١٠٦ إلى ذروة الكمال، وقد أضحى هذا الوزن الشعريُّ منذ «بوب» و«دريدن» خير أداة يستخدمها الشاعر في الشعر التهذيبي والشعر الهجائي، فلئن كان «بوب» تلميذًا لسلفه «دريدن» فقد تفوق التلميذ على أستاذه في إتقان هذه «القافية المزدوجة» تفوقًا جعله أستاذًا لها غير مدافَع، ومما عُرِفَ به بوب عنايته الشديدة بصقل شعره، فكان لا يني يهذب البيت ويشذب أطرافه هنا وهناك، حتى يجعل منه بيتًا سليمًا واضحًا محكمًا، تراه جالسًا في بيته أو في حديقته يمحو لفظًا ويثبت لفظًا ليبلغ بقصيدته ما أراد لشعره كله من جودة الصقل، ومتانة التركيب، وإحكام المعنى، ولم يَسْتَهنْ في سبيل ذلك شيئًا مهما كان تافهًا؛ لأنه يوقن «أن التوافه تصنع الكمال.» ولم يكن يأخذه الملل من تغيير ما كتب وتحويره وإصلاحه وتهذيبه، حتى ليقال إن كل بيت من نتاجه الفخم كُتب مرتين على الأقل، فلئن كانت شاعريته موضع ريبة من بعض الناقدين، فحسبه هذه الصناعة التي بلغ بها أوج الكمال.

(٢-٢) جيمس تومسن James Thomson (١٧٠٠–١٧٤٨م)

لم تمضِ روحُ الاتِّباع التي سادت في العصر الأوغسطيِّ، والتي تزعَّمها «بوب» بغير مقاومة ومعارضة وردِّ فعل، بل بدأ هذا الردُّ وتلك المقاومة و«بوب» لم يزل حيًّا يقرض الشعر، إذ اتجه بعض الشعراء إلى الطبيعة يستوحونها، ثم أخذت الحركة الجديدة تتسع وتزداد، حتى بلغت أوجها في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر، وقلَّةٌ ضئيلةٌ من الشعراء هي التي تابعت «بوب» في اتِّباعيته وصناعته، ولعل ذلك راجع إلى اليأس من مجاراته في صنعة القريض على مذهبه، إذ لم يدعْ بوب في ذلك الفن زيادةً لمُستزيد، وكان «جيمس تومْسُنْ» بطلَ الشعر الطبيعي في عهد الصنعة والاتِّباع إبان العصر الأوغسطي.

بدت أول بوادر الشعر في «تومْسُنْ» حين نظم النشيد التاسع عشر من المزامير، فكان توفيقه في نظمه أقوى ما أوحى إليه أن ينصرف إلى الأدب، فقصد إلى لندن حيث التحق بإحدى الأُسَر النبيلة مربِّيًا لأبنائها، وهنالك وجد الفراغ الذي مكَّنه أن ينشئ قصيدة «الشتاء» التي نشرها وعمره ستة وعشرون عامًا، والتي عقَّبَ عليها «بالصيف» «فالربيع» «فالخريف»، وكان من مجموعة هذه القصائد الأربع ديوانه «الفصول».

من هذا الاتجاه نحو الطبيعة يتبين لك الوجهة الجديدة التي خرج بها تومْسُنْ على بوب ومدرسته، فقد عصى زعيم الشعر في القاعدة التي استنَّها للناس وهي «أن ما يجب على الإنسان درسُه هو الإنسان.» وأجال «تومْسُنْ» بصره في أرجاء الطبيعة التي أحبَّها وهام بها، فكان الشتاء أول ما ظفر منه بالشعر؛ يصف لك عاصفةً مطيرة عاتية، فالسماء متجهمةٌ اختلط في أديمها الضباب والمطر، والسهل مغمور بسيلٍ أدكنَ طامٍ، وقمم الجبال وأشجار الغابات اضطربت أمام العين، فلا تراها في وضوحٍ وجلاء، والماشية تدلَّت أعناقها وهي تغوص في السهل كساه الوحل، والدجاج اجتمع زرافاتٍ في أركان الحظائرِ فوقف ساكنًا لا حراك به تتساقط من ريشه قطرات الماء، لكن ذلك لم يكن كل شيء في الشتاء، فهنالك الحراث يمرح، وهو يصطلي مدفأته الوهاجة في بيته الصغير، يتحدث ويضحك غير عابئ بهذه العاصفة التي تقعقع فوق سطح البيت، ثم يخرج بك الشاعر مرةً أخرى إلى الطبيعة ليطلعك على الأنهار، وقد فاضت بمائها وعلى سيول الماء الدافقة، وقد جرفَتْ أمامها كل شيء، فجسورٌ محطمة وطواحينُ مهشمة، وهيهات أن يقف سيلَ الماء شيءٌ، فهو يَصدِّع السدود، ويجتاز جلاميد الصخر في الطريق، ثم يغيِّر الشاعرُ المنظر كأنما تبدل بفعل السحر، فإذا أنت في سكونٍ رائقٍ صافٍ أعقب العاصفة، وها هو ذا العصفور الصغير ينقر الزجاج في نافذة غرفتك، ويضرب بصدره الأحمر كِسَفَ الثلج التي جمدت على الزجاج، فيُسْمِعُكَ حفيفًا لطيفًا، ويراه الأطفال داخل الغرفة، فيجتمعون له وراء الزجاج، وينظر إليهم الطائر بعينَيه الدقيقتَين يلوي عنقه ذات اليمين وذات اليسار، لكن هذا السكون لا يطول، فينقلك الشاعر من جديد إلى مراعي الأغنام في السهل الطليق، فإذا الشتاء يستجمع قواه في الهواء الذي أخذ يزداد بردًا وظلامًا، والثلج يسَّاقط ويكثفُ، فيوجس الراعي خيفة؛ لأن الثلج الكثيف قمين أن يخفي عنه معالم الطريق، فتبدو الأماكن المألوفة غريبةً أمام عينَيه، فالويدان الجوفاء تظهر له مليئةً، والمكانُ الجبليُّ الوعر يتخذ صورة السهل البسيط، وذلك ما حدث للراعي، فقد غشيت الغاشية ووقف المسكين حائرًا ضالًّا، وبدا السهل كله كأنما يدور من حوله إذ أخذت هبَّاتُ الريح تعلو بطبقاتٍ من الثلج، وتدور بها في الهواء كأنها تدير ملاءةً بيضاء، وتمت المأساة ومات الراعي، ويأخذك الشاعر إلى بيته، فترى الأطفال تجمعوا عند النافذة أو الباب يرقبون أباهم، ولكن أباهم لن يئوب.

وليست كل أيام الشتاء بهذا السواد الحالك، ففي الشتاء أيامٌ بهيجةٌ صافية لا ينساها الشاعر. انظر إلى هذا القرويُّ الساذج، وهو يمشي فرحًا فوق الثلج الجامد كأنه يخطو على أرضٍ من البلور الشفاف!

هكذا تجري الصور في قصيدة «الشتاء» وتتعاقب، وحَسْبُك هذا لتعلم كيف انحرف «تومْسُنْ» بالشعر إلى الطبيعة بعد أن كان يحصره «بوب» في المدينة وأهليها.

وللشاعر غير «الفصول» قصيدة «حصن التراخي»،١٠٧ وهي قصيدةٌ رمزية نظمها في البحر السِّبنْسَرِي — ذات المقطوعات التُّساعية التي تجري قوافيها أ – ب – أ – ب – ب – ﺟ – ب – ﺟ – ﺟ على أن يكون البيت في الثمانية الأولى مركبًا من عشرة مقاطع، والبيت التاسع من البحر الإسكندري، أي مركبًا من اثني عشر مقطعًا، وقصيدة «حصن التراخي» قسمان، في أولهما يصف الشاعر مباهج الحصن، وفي ثانيهما يسوق ما أبدعه رجال الفن والصناعة.

(٢-٣) تومسن جراي Thomas Gray (١٧١٦–١٧٧١م)

بلغ الشعر في منتصف القرن الثامن عشر قصاراه على يدي «جراي» الذي كانت له جودة الصقل التي أَلِفْناها في «بوب»، ثم أضاف إليها الاتجاه نحو الطبيعة الذي رأيناه عند «تومْسُنْ» والذي سيمهد السبيل إلى الحركة الابتداعية العظمى ممثَّلة في «وِرْدِزْوِرْث» ولد في لندن ونُشئ في «إيتُنْ»، وهي التي أهدى إليها قصيدته «نشيد الذكرى البعيدة لكلية إيتُنْ»،١٠٨ وبعدئذٍ ألقى عصاه في كيمبردج، حيث استقر طيلة حياته إلا فتراتٍ قصيرة، وكان منذ الصبا الباكر قد أبدى قدرة على الشعر اللاتيني، فترجم إلى الشعر الإنجليزي طائفة من شعراء اللاتين الصغار، ولما بلغ الثالثة والعشرين قام برحلة في أنحاء فرنسا وإيطاليا، وقد تركت فيه جبال الألبايِن الإيطالية أعمق الأثر، ومات أبوه فعاد حيث استقر في كيمبردج سنة ١٧٤٢م، وهي من أخصب سنيه إنتاجًا، ففيها أخرج «نشيد إلى الربيع»،١٠٩ وهي مقطوعةٌ شعرية (أربع عشرية) قالها رثاءً لصديقٍ له، وأخرج نشيدًا وجهه إلى كلية أيتُنْ أسلفنا لك ذكره، كما أنتج «ترنيمة المحنة»،١١٠ ثم بدأ في ذلك العام نفسه ينشئ قصيدته المشهورة التي خلدته في صفحات الأدب، وهي «مرثية كتبت في فناء كنيسة»،١١١ وبعدئذٍ لم ينتج الشاعر إلا عددًا قليلًا من الأناشيد والقصائد، أهمها «تقدم الشعر».

هذا مثال نادر في تاريخ الأدب، فإنتاجه — كما ترى — ضئيل جدًّا، فلم يكد «جراي» يزيد على ثلاثين بيتًا من الشعر في كل عام، ومع ذلك له مكانةٌ عالية لا يدانيه فيها إلا أعظم الأدباء، وأبرز ما يطبعه عنايته بالصقل عنايةً لا تجد لها مثيلًا عند أديبٍ آخر، فهو يكتب القصيدة القصيرة في عامَين كاملَين! ولا يفتأ طوال العامين يراجع ما كتب ويعدل ويبدل، ومن هنا كانت قصيدته الكبرى «مرثية كتبت في فناء كنيسة ريفية» درةً لامعة برئت من كل النقائص والعيوب، ولعل هذا الكمال في «الكيف» هو الذي عوض الشاعر عن النقص في «الكَمِّ»، فسلكه التاريخ بين الخالدين. وسنقتبس من هذه القصيدة الرائعة المقطوعات التالية خجلين إذ ننقل هذا البناء المحكم والأسلوب الرصين:

ربما يرقد في هذا المكان المغمور
قلبٌ كان يومًا يعمره قبسٌ سماوي،
ويدان كانتا تحملان صولجان الملك،
أو توقظان إلى نشوة قيثارةً شجية.

•••

لكن العرفان لم ينشر أمام أبصارهم صحائفه المترعة
المليئة بما خلَّفته الدهور من آثار،
وألجم الفقرُ المدقعُ فيهم غضبةً شريفةً،
وجَمَّدَ في أنفسهم تيار النبوغ.

•••

كم من لؤلؤةٍ وضَّاءة أنقى ما تكون شعاعًا،
تحملها كهوفُ البحر المدلهمَّةُ البعيدة الأغوار!
وكم من زهرةٍ نبتت ليحمرَّ وجهها خِفْيةً؛
فيذهب عنها الشذا في ريح البوادي مبددًا!

•••

ربما يرقد «هامْدِنْ»١١٢ ريفيٌّ ذو قلبٍ جريء،
قاوم الطاغية الصغير في مزارعه،
أو ربما يرقد «ملتن» صامتٌ في غير مجد،
أو «كُرُمْوِل» لم تدنس يدَيه دماء مواطنيه.

(٢-٤) وليم كوبر William Cowper (١٧٣١–١٨٠٠م)

هو سليل أسرةٍ كريمة خلقه الله مرهف الحس حييًّا، وقد عانى من حيائه وحسِّه المرهف ما عانى أيام كان يطلب العلم في مدرسةٍ داخلية، فيحرجه صغار الشياطين من زملاء الدراسة، ويوغرون صدره، حتى يضيق بحياته ذرعًا، وبَدَتْ له قدرةٌ بارعة، وهو طالب، في نظم الشعر اللاتيني، وخرج من معاهد العلم ولم يكد يخوض خضمَّ الحياة حتى مات أبوه، وتعاورته بعد ذلك حالاتٌ نفسيةٌ غريبة، ما زالت تزداد خطرًا، حتى أصبحت مرضًا نفسيًّا عضالًا دفعه مرة أن يزهق روحه بيده. ويظهر أن قد نشأت علته من العزلة والبطالة واليأس، وعُهِدَ به إلى مصحةٍ خاصة ردَّتْ إليه العافية بعد قليل، لكنه فقد عملًا كان يرتزق منه وبدَّد ما كان معه من مال مُدَّخر، فامتدت إليه أيادي الإحسان من أصدقائه وذوي قرباه، وانتظم له دَخْلٌ ضئيل ركن إليه وأوى إلى مكانٍ هادئٍ في الريف.

وكانت الحركة الإصلاحية في الدين، التي قام بها «وِزْلِي»،١١٣ قد أثَّرت في كوبر تأثيرًا أوشك أن يكون ثورة وانقلابًا؛ فحمله على شيءٍ من التصوف الهادئ الذي يبعث الطمأنينة في النفس القلقة الحيرى. وسرعان ما وَحَّدَتْ وجهة النظر المشتركة بينه وبين رجل من رجال الدين في عيشةٍ واحدة ومسكنٍ واحد، هو «وليم أَنْوِنْ»،١١٤ لكن «أنْوِنْ» فاجأته المنية، فارتحلت أسرته واستصحبت كوبر، وهنا عاود شاعرنا هوسه المرضيُّ، وتجهَّمت نفسه من جديد، وحاول الانتحار للمرة الثانية، ثم تعهده الأطباء واستردَّ العافية، وأشفقت عليه زوجة أنْوِنْ من الفراغ فاستحثته أن ينشئ سلسلة من القصائد هي التي تعرف الآن باسم «حديث المائدة»،١١٥ وعندئذٍ توثقت صلة الود بينه وبين صديقةٍ أخرى هي «ليدي أوسْتِنْ»١١٦ أرملة نبيل، فكانت هذه السيدة مصدر وحيٍ قوي لشعره، من ذلك أنها قصَّتْ عليه ذات ليلة قصة «جون جِلْبِنْ»،١١٧ فحوَّلها كوبر في الصباح التالي «حكايةً منظومة».
وأوحت إليه الصديقة الجديدة بموضوع لقصيدةٍ جديدة هي أطول قصائده، أطلق عليها أول الأمر «الأريكة»، ثم بدَّل عنوانها فجعله «الواجب»؛١١٨ ليشير بذلك إلى أنه واجب أدَّاه تبعًا لأمر صديقته. وفي هذه القصيدة الجديدة عثر الشاعر على ميدانه الذي خلق له، فإن كان الله قد وهب «بوب» قدرةً بارعة في تصوير الحياة في الحضر المتأنق، فقد كُتِبَ لكوبر أن يصور الحياة في الريف الساذج، ولم تكد قصيدة «الواجب» تجد سبيلها إلى النشر، حتى جاء في إثره الصوت البعيد والشهرة الواسعة، وبعد ذلك نشر «ترجمة لهومر» في شعرٍ مرسل، لكن الترجمة لم تصادف قبولًا حسنًا على الرغم من أنها لا تخلو من الإجادة في بعض المواضع، ولم تمضِ أيام حتى نشأت خصومة بينه وبين صديقته «ليدي أوستن» فتركته، وشهد نفسُ العام موت صديقته الأولى زوجة «أَنْوِنْ» وهي التي توجَّه إليها الشاعر أثناء مرضها بقصيدته المشهورة «إلى ماري»، ولم ينتج الشاعر بعد ذاك قصائد طوالًا. وكل ما أنشأه في أخريات أعوامه مجموعة من القصائد القصار مثل «فَقْد رويال جورج»،١١٩ و«إسكندر سِلْكِيرْكْ»،١٢٠ وعلى هذه القصائد القصيرة الأخيرة ترتكز شهرته اليوم.

وقصيدة «الواجب» هي أروع آثار الشاعر، وهي شعرٌ مرسل ومقسمة ستة أجزاء: «الأريكة» و«الساعة» و«الحديقة» و«المساء في الشتاء» و«مشية الصبح في الشتاء» و«مَشْيَةُ الظهر في الشتاء»، وسنعرض عليك موجزًا لأحد هذه الأقسام نموذجًا لبقيتها، وليكن ذلك «مَشْيَةُ الصبح في الشتاء».

يستهله الشاعر بهذه الأبيات:

إنه الصبح، والشمس في فلكها الورديِّ
صاعدة، فأشعلت الأفق بنارها، والسحابُ
— الذي يفرُّ في جموعٍ أمام الرياح الطاردة —
يزداد إسراعًا كلما ازداد قرص الشمس صعودًا،
فما أشدَّ ما يشبه مدينةً اندلع لهيبها!
ننظر إليها خلال غابةٍ تعرَّت أوراقُها، وشعاعُ الشمس
ينحدر في غير أثر إلى جوف الوادي كَسَتْه الثلوج،
ملوِّنًا بصبغته الوردية كلَّ شيء
من العُشْبَةِ إلى النَّبْتَةِ اللولبية.

ثم يمضي الشاعر فيصف ما يصادفه في «مشية الصبح» يصف الماشية كاسفةً في أركان الحقول والحظائر، والحطَّاب يُسْرِع الخُطَى، والدجاج يختال إلى طعامه، وآثار الثلج والجليد على المياه الساقطة، وما ينتج عن ذلك من أشكالٍ جميلة ورشاش يستوقف النظر، فيدعوه هذا إلى حكاية قصر من الثلج شيدتْه أميرةٌ، ثم يستدعي ذلك إلى ذهنه الحروبَ ونشأتها ونموَّ الملكية وما يترتب عليها من شر، ثم يقارن بين ولاء الشعب لمليكه في فرنسا وفي إنجلترا، ويعرج على الكلام في الحرية فيوجِّه إليها خطابًا غاية في البلاغة، ويذكر استبداد الحكم المطلق في فرنسا فيستنكره، ويتجه بخطابه إلى سجن الباستيل فيتمنى الأماني التي لم تلبث أن حققتها الأيام، ويمتدح الحرية السياسية والاجتماعية التي تتمتع بها إنجلترا، وتكوِّن فخارها ومجدها، ثم يذكر الحرية الروحية في الدين فيثني عليها ويعدها الخير الأسمى.

لم يكن «كوبر» من أعظم الشعراء الإنجليز، لكنه يمثل بشعره خير تمثيل تطور العناصر الجديدة التي دخلت على الشعر، وهي العناصر التي انتهت في فرنسا بالثورة الفرنسية، وفي إنجلترا بثورةٍ أدبية نهض بها «وردزورث»، ونعني بها عناصر الحرية وتحطيم القيود.

(٢-٥) أولفر جولد سمث

قدمناه إليك ناثرًا، وها نحن أولاء نعرضه أمامك شاعرًا، وإنما حشر جولد سمث بين الشعراء لقصيدتَين مشهورتَين هما «الرحالة»١٢١ و«القرية المهجورة».١٢٢

أما «الرحالة» فقصيدةٌ تهذيبية يقصد بها الشاعر إلى تلقين مبادئه، تلمس فيها الروح الجديدة التي دخلت الشعر منذ منتصف القرن الثامن عشر؛ إذ تراه يصف المناظر الطبيعية وصفًا صادقًا، وهو في هذه القصيدة وفي «القرية المهجورة» أيضًا ينفر من عناصر المدنية الدخيلة على الإنسان، ويتمنى أن تعود الحياة إلى أحضان الريف ورحاب الطبيعة.

إن الطبيعة لا تني — وهي للناس جميعًا أم رءوم —
تعطي خيراتها إن دعا داعٍ بجدِّ العمل
تُطْعم بالقوت الزارعَ … أينما كان،
ولئن تجهَّمت قممُ الجبال التي تُتَوِّجُها الصخور
فتلك الصخورُ — بحكم العادة — انقلبتْ فراشًا وثيرا،
وللصناعة أَنْعُمٌ — بالقياس إلى الطبيعة — كثيرةٌ مختلفات،
فثروةٌ، وتجارةٌ، وكرامةٌ، وحريةٌ، ورضًى،
لكن هذه يقاتلُ بعضُها بعضًا أحرَّ قتال،
فكأنما كلٌّ لكلٍّ فاتكٌ هدَّام،
فحيثما سادت الحرية والثراء، ضاع الرضى،
وغاضت الكرامةُ إذا امتدَّ بازدهار التجارة الأمدُ.

فهو لهذا يؤثر خيرات الطبيعة على أَنْعُمِ الحضارة الصناعية، وفي «القرية المهجورة» كذلك يستدرُّ إشفاق القارئ على قرية هجرها أهلوها، وقصدوا إلى المدينة ليعملوا في صناعتها، وعجيب أن يؤثر الإنسان المدينة على الريف، والريف من صنع الله والمدينة من صناعة الإنسان! هو في هذه القصيدة يصوِّر لك القرية، وهي عامرة بأهلها، ثم يصورها وقد خَلَّفها أبناؤها، وفي القصيدة كذلك شخصيات أبدعت ريشة الشاعر تصويرها، منها واعظ القرية، ومنها معلم القرية:

هنالك إلى جوار السياج المتعرج الذي يَحُدُّ الطريق
بأشجارٍ من الرَّتَم الزاهر البهيج بلا ثمر،
هنالك — في بيته اللجِبِ — على بَسْطِ النفوذ قد مَهَرْ،
كان معلم القرية في مدرسته الصغيرة يعلم صغاره،
إنه رجلٌ عنيفٌ، عبوسٌ في مرأى النظر،
عركْتُه فعرفتُه، كما كلُّ طفلٍ شرودٍ قد عرف،
والراجفون من الصغار قد مرنوا أن يتنبئوا
من وجهه عند الصبح أيُّ خطرٍ خلال اليوم يُنْتَظر،
وفي مرحٍ زائفٍ يتصنَّعون لقوله الضحكات
إن قال نكاتٍ، وما أكثر ما كان له من نكاتِ!
وسرعان ما ترى كل جارٍ لجاره قد هَمَسْ،
لينشروا أنباء المصيبة بينهم إن عَبَسْ،
لكنه كان — رغم هذا — ذا قلبٍ رحيمٍ، فإِنْ قسا
كان حبُّه للعلم إلى قسوته حافزا،
لم يَخْفَ عن كل أهل القرية علمهُ الغزيرُ،
فهو على الكتابة — لا شك — قادر، وعلى الحساب كذاك قدير،
يقيس الأراضي، وينبئ بالفصول ومدِّ البحار وجزرها،
بل أشاعَ عنه الناس علمًا بالمكاييل ومعيارها،
وكان كذلك يُبْدي في النِّقاش مهارته؛
تراه في الجدال هزيمًا، لكنه ماضٍ يواصل حُجَّتَه،
ينطق باللفظ الطويل العميق الأجزل الرنان؛
فيدهش الحضور السذج الرامقيه بنظرة الحيران،
وما ينفكُّون في دَهَشٍ، تزداد حيرتُهم وتعظم
أن يحمل رأسٌ واحدٌ صغيرٌ كلَّ هذا الذي يعلَم.

(٢-٦) روبرت بيرنز Robert Burns (١٧٥٩–١٧٩٦م)

لن نجد خيرًا من هذا الشاعر مثالًا نسوقه لما طرأ على الشعر الإنجليزي من تغير بين أول القرن — في بوب — وآخره في الحركة الابتداعية التي تتجه إلى الطبيعة بأنظارها، وهو — بعدُ — شاعرٌ اسكتلنديٌّ أعظمُ من أنجبتهم اسكتلنده في تاريخها من الشعراء، ولد في مكانٍ قريبٍ من «أَيَرْ»،١٢٣ حيث كان أبوه يعمل عند صاحب ضيعةٍ صغيرة بستانيًّا ومشرفًا على ضيعته، ولما بلغ الوليد سابعته، استأجر أبوه مزرعة وانتقل إليها بصحبة أسرته، فكانت حياتهم عندئذٍ — كما وصفها بيرنز فيما بعدُ — «حياة راهبٍ مكتئب، لا يعرف المرح، يملؤها عملٌ شاقٌّ متصل، كأنهم العبيد الأرقَّاء.» وتعلَّم الصبيُّ كما يتعلم سائر الصبيان في القرى، لكن والديه كانا مشغوفَين بالقراءة فجرى الابنُ على غرار الأبوَين، وواصل القراءة في غير انقطاع، لا يدَّخر لحظةً واحدة من فراغه إلا أنفقها يطالع في الكتب — ولم تكن لحظات الفراغ طويلةً مواتية — فالتقى في مطالعته بخيرة الأدباء الإنجليز من شعراء وناثرين، ثم لم يَكْفِهِ هذا مع ما كان يبذله في المزرعة من جهودٍ مضنيةٍ تبدأ عند الشروق، ولا تنتهي إلا مع المساء، بل استطاع كذلك أن يتعلم الفرنسية وقليلًا من اللاتينية وبعض الرياضة، ومات أبوه فانتقل شاعرنا مع أخيه إلى مزرعةٍ أخرى، وكان إذ ذاك في عامه السادس والعشرين، فأنفق أربعة أعوامٍ أخرى في عملٍ متصلٍ بمزرعته الجديدة، لكن المزرعة لم تغلَّ شيئًا يقيم الأود، وفي هذه السنوات التي أَضْنَتْهُ بمجهودها أخذت تنضج شاعريته وتتفتَّح، فقد كان أنشد قبل ذاك أغانيَّ غرامية وأناشيد. أما اليوم فقد استنبطتْ ظروف حياته نبوغه الدفين، وأخرجت كل ما تنطوي عليه نفسه من قوة في الهجاء لا يجاريه في مضمارها قرين، وازدهر أمام عينَيه الأمل في أن يكون شاعر العصر في أمته جميعًا.
كانت روح الثورة تملأ الآفاق في أرجاء أوروبا جميعًا، فتشرَّب الشاعر تلك الروح الثائرة، وجاء شعره متأججًا بالثورة على الأوضاع العتيقة القائمة، واشتدَّ به العنفُ أحيانًا، حتى جاوز به حدود الرصانة العقلية وأدب السلوك؛ مما دعا الكنيسة أن تضعه موضع اللوم والتأنيب، وكانت اسكتلنده تضطرب إذ ذاك بانشقاقٍ ديني قامت فيه الخصومة بين حزبَين، أطلق على أحدهما حزب «الأضواء الجديدة»، وأطلق على الآخر حزب «الأضواء القديمة»؛ فأما الحزب الأول فيأخذ بالأفكار الجديدة الحرة، وبضرورة التخفيف من قواعد الكنيسة الكلفنية السائدة في اسكتلنده، ومع هذا الفريق المجدِّد وقف «بيرنز» وكتب سلسلة من القصائد الهجائية اللاذعة يهاجم بها مساوئ الكنيسة ونفاق القائمين عليها مهاجمة لم يعرف فيها هوادة ولا رحمة، فكانت قصائده تلك بمثابة السِّياط أثقلت أطرافها بالرصاص، وأخذ يهوي بها على جلودهم يمزقها شر ممزَّق، وأشهر هجائياته «السوق المقدسة»١٢٤ و«دعوات (ويلي) المتديِّن»١٢٥ و«خطابٌ لذي الخلق القويم الصارم»،١٢٦ وقد أراد بتلك القصائد الهجائية أن يطهر الكنيسة من أدرانها، وأن ينزع عن رجال الدين مسوح النفاق التي لم يرتدوها إلا ليُخفوا نفاقهم تحت سترها، ولكنه في الحق قد جاوز في هجائه حدود اللياقة وحُسْنُ الخطاب، وأنشد في الوقت نفسه قصيدةً عنوانها «مساء السبت عند ساكن البيت الصغير»،١٢٧ عرض فيها صورةً جميلة للعقيدة الدينية السليمة في بيت زارعٍ متواضعٍ فقير، وكان الشاعر أخصب ما يكون إنتاجًا بين عامَيْه الخامس والعشرين والسابع والعشرين، ففي هذه الفترة أنتج هذه القصائد وغيرها.
ونشر الشاعر قصائده، لكن صعاب الحياة أحاطت به فلم يصبر على المقام في أرض الوطن، واعتزم الرحيل إلى «جامايكا» واحتجز مكانه في السفينة، لولا أن السفينة لم تقلع في الموعد المضروب، فاستطاع بعض رفاقه أن يحملوه على البقاء، وشجَّعه على ذلك ما لقي ديوانه من نجاح، فظل يطوف باسكتلنده ويقضي الشهور في أدنبرة، ثم عاد فاستأجر مزرعةً وتزوج من فتاةٍ أحبها، ثم عُيِّن في منصبٍ متواضع فترك المزرعة، وعندئذٍ أنشد بعض الأغاني، ونظم إحدى قصائده الجياد وهي «تام أوشانْتَرْ»،١٢٨ وأخذت قصائده الغنائية تترى، حتى كوَّن منها مجموعة هي أشجى ما يعرفه الأدب الإنجليزي من قصائد الغناء.

عندئذٍ همَّ أديبٌ اسكتلنديٌّ بنشر مجموعة من الأغاني الاسكتلندية أطلق عليها «المتحف الموسيقي»، فساهم «بيرنز» في هذه المجموعة بأربع وثمانين ومائة قصيدة معظمها جديدٌ مبتكر، واضطلع آخر بعد ذلك بقليلٍ بنشر مختارات من الشعر الاسكتلندي كذلك، فساهم شاعرنا في تلك المختارات بستين أغنيةً، وكانت مساهمته في كلتا الحالتَين بغير أجر، وفي ذلك قال حين أرسل قصائده: «أما عن الأجر فلك أن تعدَّ قصائدي فوق أن تؤجر أو دون أو تؤجر؛ لأنها ستكون بغير شك إما هذه وإما تلك.» فلا عجب أن عاش «بيرنز» في فقرٍ شديد، فقد كانت قصائده غالية القدر، عظيمة الثمن، ولو أراد بها الربح لكفا نفسه مئونة العناء المادي الذي لاحقه طيلة حياته.

كان هذا الأديب القوي النابغ ثائر النفس — كما أسلفنا — فلم يتوانَ في إعلان عطفه على الثورة الفرنسية، حتى لقد أرسل إلى «حكومة الإدارة» في فرنسا بأربعة مدافعَ بحرية، ومعها خطاب يفيض بالعطف والتأييد، لكن المدافع لم يؤذن لها بالخروج من دوفر وورَّطه هذا الحماس الأحمق في مشكلات مع أولي الأمر، ومع ذلك فقد كان «بيرنز» وطنيًّا يلتهب بالشعور القومي، حرك الأمة كلها بقصائده الوطنية ومس بسحره صميم فؤادها، ولما هدد نابليون البلاد بالغزو، نظم نشيدًا يتغنَّى به المتطوعون — وكان واحدًا منهم — فجرت به ألسنة القوم من أقصى البلاد إلى أقصاها.

لم يكن «بيرنز» مكثارًا في شعره، ولكن قليله كثيرٌ غزير إذا قِستَه بهذه الظروف التي نشأ فيها، وهذا الصراع العنيف المضني الذي لم ينقطع طول حياته يومًا في سبيل القوت، بحيث لم تُمكِّنه الحياة من الانصراف إلى القريض في أمن ودعة، ومن هنا استحال عليه أن يكتب القصائد الطوال؛ لأنه إذا ما أمسك القلم أسرعت ضرورات الحياة فاضطرته للعمل، فجاء شعره نفحاتٍ خاطفة ولمعاتٍ سريعةٍ بارقة، تستثيرها أعراض الحياة العابرة في نفسه الشاعرة. ولما كان زارعًا يفلح الأرض بيديه كان أصدق من يعبر عن خواطر الزارعين من أهل بلاده، يخفف من عنائهم بحلو فكاهته، ويفيض عليهم عطفًا؛ لأنه واحد منهم، وما نظن أن حياة الفقير وجدت من يصوِّرها في وضوحٍ وقوةٍ كما صورها «بيرنز» في قصيدة «مساء السبت عند ساكن البيت الصغير»، وهو فيها إنما يصور حياة أبيه وأسرته:

فما إن فرغوا من عشاءٍ بهيج، حتى نهضوا بوجهٍ واجم،
والتفُّوا في حلقةٍ كبيرة حول دفء النار،
وتناول ربُّ الأسرة في وقار الوالد الحازم
إنجيلًا ضخمًا كان عند أبيه موضع اعتزاز وافتخار،
ونحَّى عن رأسه القبعة في إجلالٍ وإكبار،
وبدا عارضاه الأشْيَبان في نحول الذابل،
ومن أسطرٍ سَرَتْ يومًا على «صهيون» في حلاوة الأوتار
انتقى جزءًا في عناية البصير الأمثل،
ثم صاح «هيا نعبد الله» في لهجة الوقور الأكمل.
وفي قصيدة «الكَلْبَين»١٢٩ — قيصر ولُواث، فهكذا يسميهما — يقارن بين الغني والفقير أيهما أسعد، وهو موضوع طالما تناوله الأدباء، لكن جدَّته لا تبلى؛ لأنه يمسُّ النفس الإنسانية من قريب، وهو يدير الحوار فيها بين الكلبَين في قوة وبراعة واتزان، وإن لم يكن إلى جانب الفقير أميل، يقول «لُوَاثْ»:
هلَّا أنبأتني، سيدي قيصر،
إن كانت حياة الأغنياء سعادةً خالصة؟
فلا ينال منهم بردٌ ولا جوعٌ؟

فيجيب كلب الغنيِّ:

لو أقَمْتَ، سيدي، ساعةً حيث أقيم
ما غَبَطْتَ السادة الأغنياء على نعيم!
نعم هم لا يتضورون من جوعٍ ولا يُجْهَدُون
إن قرَّ الشتاء ببرده أو اشتدَّ قيظ الصيف،
وليس يبري عظامهم عملٌ منهِك شاق،
ولا هم يعرفون في الشيخوخة العلل والآلام،
لكن بني الإنسان أَفْدَامٌ وحمقى …
فإذا لم يكن ثمة ما يضيقون به من المتاعب والصعاب
عمدوا إلى خلق ما يعكِّر صفوهم من حمقٍ ومن غباء.

وأعظم ما ورَّثه «بيرنز» للأدب الإنجليزي من ثراء هو أغانيه، فهو منشد القصائد الغنائية الذي لا يدنو منه شاعرٌ آخر في ذلك الأدب، فكأنما كانت روحه معينًا تنبثق منه الأنغام انبثاقًا متداركًا متلاحقًا، وهو عجيب في سرعة تفجُّر ينبوع الشعر في نفسه كلما عرض لقول الشعر عارض، تراه في مثل لمح البصر يلقف المعاني الشاردة، ويسوقها في عبارة يُحْسِنُ اختيار ألفاظها، بحيث يستحيل أن تبدل بلفظه لفظًا آخر خيرًا منه، فهو يختار الألفاظ التي تفتن الآذان بسحر أنغامها وهو وإن يكن قوميًّا في أغانيه، إلا أنه يمسُّ بها العواطف الإنسانية العامة بين البشر، فهو — مثلًا — في أغنيته «قبلةٌ حارةٌ» يعبر — كما قيل — «عن أبجدية الشعور، وهو يضمنها جوهر هذا الوجود الذي تتجاوز فيه اللذة والألم، فيخرج ذلك الجوهر في قطرةٍ واحدةٍ محترقة.» وهذه الأسطر الأربعة ختام الأغنية:

لو لم نُحِبَّ بكل قلبيْنا
لو لم يُعْم الحبُّ عينيْنا
لو كنا أبدًا لم نلتقِ، أو كنا أبدًا لم نفترق
لما أحسسنا قط بهذا القلب المحترق.

(٣) المسرح

ذهب القرن السابع عشر، فذهبت معه المأساةُ بموت «دريدن»، والملهاةُ الفطنة الفكهة بعد «كونجريف»، ولبثتا في ركود حينًا طويلًا من الدهر؛ إذ لم تجدا في القرن الثامن عشر إلا قليلًا من النوابغ يسعفونهما.

فالنظارة الذين أيدوا المسرحية في عصر عودة الملكية (النصف الثاني من القرن السابع عشر) كانوا من رجال القصر وطبقة النبلاء وعلى رأس هؤلاء وأولئك الملك نفسه، ولما جاء القرن الثامن عشر ذهب عن المسرح تأييد القصر؛ فلم يكن وليم الثالث ولا الملكة آن من روَّاده. ثم اتسعت الهوَّة بين القصر والمسرح، حين تولى مُلْك البلاد جورج الأول الذي لم يكن يفهم الإنجليزية، وتلاه جورج الثاني الذي كانت إنجليزيته مصبوغة بصبغة ألمانية، فلم يعد للمسرح أملٌ في تلك الطبقات الرفيعة، وإن لم يوفق إلى اجتذاب الطبقيتَين الوسطى والدنيا إليه فلا رجاء له في حياة أو بقاء، لكن الطبقة الوسطى أخذت تعود إلى المسرح رويدًا رويدًا، وذلك بفضل ما طرأ على المسرحية نفسها من تطورٍ وتغير في وجهة النظر، ففي عصر عودة الملكية، كان تفكُّه الملهاة كله يدور حول أخلاق تلك الطبقة الوسطى ليضحك النبلاءُ والسادةُ، وكان من الطبيعي أن ينفر أبناء تلك الطبقة من المسرح فلا يختلفون إليه، فلما تبدل أساس الملهاة في القرن الثامن عشر، وقام على أساسٍ خلقي يرضى عنه الناس من تلك الطبقة، أقبلوا على التمثيل يشاهدونه ويستمتعون به، وتسمى هذه الملهاة الجديدة «بالملهاة العاطفية»،١٣٠ والأساس فيها عرض مشكلات الأسرة التي تنشأ كل يوم، فليست ترمي إلى مجرد الهزل والإضحاك، إنما تريد التقويم الخلقي وإصلاح السلوك المعوجِّ، حتى لينفر النظارة من كل منظر أو حديث فيه خروج عن حدود العفة اللفظية والاحتشام في السلوك، والملهاة من هذا النوع قد تستدر الدمع أكثر مما تستدر الضحك.١٣١
وأشهر من نذكره من كتاب الملهاة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر «رتشرد كمبرلاند»١٣٢ (١٧٣٢–١٨١١م) الذي كتب ما يربي على ثلاثين مسرحية، بعضها مآسٍ. وأشهر ملاهيه «رجل من أهل الهند الغربية»، وتتمثل فيها النزعة العاطفية التي أسلفنا عنها الحديث، كما تظهر فيها الغاية الخلقية. وملخصها أن رجلًا من جزائر الهند الغربية يدعى «بِلكُورْ» يشتغل بالتجارة وأَثْرى عن طريقها، تبنَّى طفلًا أطلق عليه اسم «بِلكُورْ» أيضًا، وجعله وارثًا له بعد موته، وورث الفتى ثروة مُتَبَنِّيه ورحل إلى إنجلترا، فسرعان ما أحب فتاة للنظرة الأولى هي «لويزا دَدْلي» رآها بين حشد من الناس في متجر، وتعقَّبها في الطريق، لكنه فقدها في الزحام، وخُيل إليه أنها دخلت منزلًا معينًا، فطرقه وصادف فيه زوجيْن يميلان إلى الشر، وتصادف أن والد فتاته لويزا يساكنهما في نفس الدار، ولمح هؤلاء في الأجنبي الغريب سذاجة وكرمًا، فعرفوا أنهم وقعوا فيه على مورد للكسب، ووعدوه أن يقدموا إليه فتاته المنشودة، بعد أن أفهموه أنها تخدم شابًّا يدعى «دَدلي» تدَّعي أنه أخوها (والحقيقة أنه أخوها) وفي ضوء هذا التضليل حاول «بلكور» أن يغازل الفتاة، وأدى ذلك إلى مبارزة بين الأخ والحبيب، وعلم «بلكور» أن «دَدْلي» هو أخٌ لفتاته فاعتذر عن خطئه وغُفِر له، وسارت الأمور كلها في طريق الخير، فورث «دَدْلي» ضيعةً كان أُوصِيَ له بها وأَخْفَتْ خالتُه الوصية لتحول دون إتمام الإرث، لكنها فشلت وانتهت الضيعة إليه، وقبلت لويزا أن تتزوج من بلكور، وأخيرًا ظهر رجل كان يتابع بلكور عن كثب منذ وصوله إلى إنجلترا، وكشف عن نفسه وإذا به والد بلكور وتنتهي الرواية والأشياء كلها في وضعها المستقيم.
ثم جاء «جولد سمث» — وقد أسلفنا عنه الحديث ناثرًا وشاعرًا — فرأى تكلفًا في الملهاة العاطفية وخرج عليها، وكان أول خروجه في ملهاة «الرجل الطيب بفطرته»،١٣٣ لكنها فشلت؛ لأنها تعارض الذوق العام، فهي مهزلةٌ، ورواد المسرح لا يحبون المهازل، إنما يريدون ملهاةً رصينة لا تنحرف عن تحليل العواطف الجادَّة المحزنة أحيانًا، ثم ظهرت له ملهاته الثانية «تَمَسْكَنَتْ فتمكَّنتْ»،١٣٤ وهي كذلك مهزلة من نوع سالفتها، لكنه كان فيها رائعًا بارعًا فاجتذب إليه النظارة رغم أنفها.
وتابعه في هذا اللون الجديد «شريدان»١٣٥ (١٧٥١–١٨١٦م)، وكانت أولى مهازله «المتنافسون»،١٣٦ وفيها يبعد عن روح الجد التي سادت الملهاة العاطفية، ويقصد إلى التسلية لا إلى التحليل، وأعظم مهازله «مدرسة الفضائح»،١٣٧ و«الناقد»١٣٨ ولا يجدي في مثل هذه المسرحيات تلخيص؛ لأنها تعتمد على المواقف المضحكة والنكات البارعة، فلا بد لمن شاء أن يستمتع بها من قراءتها أو مشاهدتها، وهي مما يعود إليه رجال المسارح آنًا بعد آن.

وأما المأساة في القرن الثامن عشر فضعيفة لا تكاد تجد لها مكانًا في هذا الكتاب، وحسبنا أن نشير من رجالها إلى «لِلُو» (١٦٩٣–١٧٣٩م) بمأساته «التجار اللندني أو تاريخ جورج بَارْنُوِلْ» و«مُورْ» بمأساته «المقامر»، وقد ذكرنا لك كلتا المأساتَين، ونحن نحدثك عن المسرحية في فرنسا في القرن الثامن عشر لما كان لهما من أثر في توجيه المسرحية إلى مشكلات الطبقة الوسطى التي تنشأ في الحياة اليومية.

١  Sir William Temple.
٢  Moor Park.
٣  Tale of a Tub.
٤  Battle of the Books.
٥  Journal to Stella.
٦  Gulliver’s Travels.
٧  Lilliput.
٨  Brobdingnag.
٩  Mr. Lemuel Guliver.
١٠  Blefusco.
١١  هذه العبارة في النص موضوعة بين قوسَين.
١٢  Laputa.
١٣  Houyhnhnms.
١٤  Yahoos.
١٥  Marlborough.
١٦  Blenheim.
١٧  The Campaign.
١٨  The Christian Hero.
١٩  The Funeral.
٢٠  The Lying Lover.
٢١  The Tender Husband.
٢٢  The Tatler.
٢٣  The Spectator.
٢٤  Isaac Bickerstaff.
٢٥  Partridge.
٢٦  Sir Roger de Coverley.
٢٧  مجموع المقالات الأدبية التي نشرتها «تاتلر» ٢٧١، كتب منها ستيل ١٨٨ وكتب «أدسن» ٤٢، واشترك الكاتبان في ٣٦، والباقي لغيرهما، ونشرت «سبكتيتر» ٥٥٥ مقالًا كتب منها «أدسن» ٢٧٤ وكتب ستيل ٢٣٦.
٢٨  Cato.
٢٩  Guardian.
٣٠  Freeholder.
٣١  The Crisis.
٣٢  Robinson Crusoe.
٣٣  Captain Jack.
٣٤  Moll Flanders.
٣٥  Roscana.
٣٦  Alexander Selkirk.
٣٧  وقد كتب بعض الباحثين في المقارنة بين هذه القصة وقصة حي بن يقظان في الأدب العربي، وبحثوا في إمكان استفادة «دفو» من هذه القصة العربية.
٣٨  Journal of The Plague year.
٣٩  Memoirs of a Cavalier.
٤٠  Pamela, a Virtue Rewrded.
٤١  Clarissa or the Adventures of a young Lady.
٤٢  Lovelace.
٤٣  Alfred du Musset.
٤٤  Sir Charles Grandison.
٤٥  Joseph Andrews.
٤٦  Parson Adams.
٤٧  The Vicar of Wakfield.
٤٨  Tom Jones.
٤٩  Squine Allworthy.
٥٠  Blifil.
٥١  Sophia Western.
٥٢  Amelia.
٥٣  Hazlitt.
٥٤  Thackeray.
٥٥  Roderick Random.
٥٦  The Regicide.
٥٧  The Tears of Scotland.
٥٨  Peregirine Pickle.
٥٩  The Adventures of Ferdinand.
٦٠  Humphrey Clinker.
٦١  Matthew Bramble.
٦٢  Life and Opinions of Tristram Shandy.
٦٣  Uncle Toby.
٦٤  Corporal Trim.
٦٥  Wadman.
٦٦  A Sentimintal Journey Through France and Italy.
٦٧  Yorick.
٦٨  The Citizen of the World.
٦٩  man in Black.
٧٠  Beau Tibbs.
٧١  Boswell.
٧٢  هي بلاد الأقزام في «رحلات جلفر» راجع «سوفت».
٧٣  وهذا الاسم أيضًا مأخوذ من رحلات جلفر، وكان سوفت يرمز به إلى فرنسا.
٧٤  Vanity of Human Wishes.
٧٥  Irene.
٧٦  Rambeler.
٧٧  Idler.
٧٨  Rasselas, Prince of Abyssinia.
٧٩  The Lives of the Poets.
٨٠  The History of the Decline and Fall of the Roman Empire.
٨١  راجع فصل الأدب الفرنسي في القرن السابع عشر.
٨٢  كتر مورسن Cotter Morrison.
٨٣  A Vindication of Natural Society.
٨٤  A Philosophical Inquiry into the Origin of our Ideas of the Sublime and Beautiful.
٨٥  The Annual Register.
٨٦  Hastings.
٨٧  Thoughts on the Present Discontents.
٨٨  Speech on American Taxation.
٨٩  Letter to the Sheriffs of Bristol.
٩٠  Reflections on the french Revolution.
٩١  Thoughts on french Affairs.
٩٢  Pastorals.
٩٣  Essay on Criticism.
٩٤  The Rope of the Lock.
٩٥  Belinda.
٩٦  Miss Fermor.
٩٧  Madame Dacier (١٦٥٤–١٧٢٠م).
٩٨  Bently.
٩٩  Epistle of Eloisa to Abelards.
١٠٠  Dunciad.
١٠١  Essay on Man.
١٠٢  Loved Bolingbroke.
١٠٣  Satires.
١٠٤  Epistles.
١٠٥  Ebistle to Dr. Arbuthnot.
١٠٦  شرحنا هذه القافية بالتفصيل في «دريدن» فراجعه.
١٠٧  The Castle of Indolence.
١٠٨  Ode on a Distant Prospect of Eton College.
١٠٩  Ode to Spring.
١١٠  Hymn to Advevsity.
١١١  Elegy Written in a Centry Churchyard.
١١٢  Humpden صاحب ثورةٍ مشهورة في تاريخ إنجلترا، والمعنى أنه ربما رقد في هذه القبور الريفية من لا يقلُّ موهبةً عن هؤلاء جميعًا، لكنهم لم يجدوا فرصة الظهور.
١١٣  Wesley.
١١٤  William Unwin.
١١٥  Table Talk.
١١٦  Lady Austesn.
١١٧  John Gilpin.
١١٨  The Task.
١١٩  The Loss of the Royal George (رويال جورج اسم سفينة أغرقت).
١٢٠  Alexander Selkirk هو الذي انقطع في جزيرة موحشة، فأوحى إلى «دفو» روبنسن كروزو.
١٢١  The Traveller.
١٢٢  The Deserted Village.
١٢٣  Ayr.
١٢٤  The Holy Fair.
١٢٥  Holy Willie’s Prayer.
١٢٦  Address to the Rigidly Riligeoves.
١٢٧  The Cottar’s Saturday Night.
١٢٨  Tam O’shanter.
١٢٩  The Two Dogs.
١٣٠  Sentimental Comedy.
١٣١  لاحظ الشبه بين الملهاة العاطفية والملهاة الباكية التي شاعت في فرنسا في نفس الوقت.
١٣٢  Richard Cumberland.
١٣٣  Good-Natered Man.
١٣٤  She Stoops to Conquer.
١٣٥  Sheridan.
١٣٦  The Rivals.
١٣٧  The School for Scandal.
١٣٨  The Critie.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١