الفصل السابع

من شيكسبير إلى ملتن

(١) الشعر

كان للشعر في عصر اليصابات نغمةٌ غنائيةٌ حلوة الإيقاع، وكان يجري في سلاسةٍ طبيعية لا صنعة فيها ولا تكلف، فجاء رشيقًا خفيفًا تقرؤه فتحسب الشاعر قد أرسله من فوره إرسالًا لا عناء فيه.

وكان من الطبيعي إذا ما انقضى ذلك العصر الزاهر أن تنهض جماعة من شباب الشعراء، فتزعم أنها قد سئمت ذلك الضرب من الشعر الذي يجري في يد الشاعر في هوادة ورفق، لذلك قام «دَنْ» وأتباعه فغيروا أوضاع الشعر في عصر اليصابات، رأوا في الشعر الأليصاباتي إفاضة في القول، فاستبدلوا بها في شعرهم إيجازًا واقتضابًا، ورأوا في الشعر الأليصاباتي صورًا واستعاراتٍ مستقيمةً لا عوج فيها ولا التواء، فاستبدلوا بها مقارنات بين الأشياء فيها عنصر الغرابة والمباغتة والدقة، ورأوه شعرًا وصفيًّا فاستبدلوا به شعرًا يحلِّل، وأَلْفوا شعراء عصر اليصابات يسودهم الفرح بالدنيا والإقبال عليها في تفاؤل، فآثروا هم صبغة الجد والتشاؤم والإغراق في التفكير الديني، وكان الشعراء في عهد اليصابات متشابهين في الروح والأسلوب، حتى ليتعذر أن يُميَّز شاعرٌ من شاعر، أما هذه الطائفة الجديدة التي أعقبتهم فَنَمَتْ في أفرادها الروح الفردية، وأصبح لكلٍّ منها طابعٌ خاصٌّ يتميز به.

تلك هي الجماعة من الشعراء التي أطلق عليها «الدكتور جونْسُن» اسم «الشعراء الميتافيزيقيين» (شعراء ما وراء الطبيعة)، فأصبح هذا الاسم دالًّا عليها في تاريخ الأدب. ولعل السبب في إطلاق هذا الاسم على «دَنْ» وأتباعه الذين عاشوا في النصف الأول من القرن السابع عشر هو أنهم كانوا ينشدون المعاني الغريبة، ويستخدمون عقولهم ويؤثرون الفكرة العميقة، ويتجهون بمجهودهم العقلي والخيالي نحو التأمل في ذات الله، وفي علاقة الإنسان به، فكان شعرهم مما يصح أن يسمى شعرًا دينيًّا.

ولنتناول هذه الجماعة الميتافيزيقية بشيءٍ من التفصيل:

(١-١) جون دن John Donne (١٥٧٣–١٦٣١م)

هو مؤسس «المدرسة الميتافيزيقية» في الشعر الإنجليزي وأعظم شعرائها. ويمكن تقسيم شعره إلى شعرٍ غزلي يمتد منذ بدأ ينشئ الشعر، وهو في عامه العشرين، حتى بلغ من عمره الثامنة والعشرين، وشعرٍ ديني سبقته بعض القصائد التي يسودها عمق التفكير.

أما قصائده الغزلية، فكانت قبل زواجه تختلف عنها بعده، فهي قبل الزواج تنم عن الشاب الذي غلبته الحواس، فأرخى لنفسه العنان في شهواته وعواطفه، دون أن يكون له من ضميره رادعٌ زاجر، ثم أصبح غزله بعد الزواج أعفَّ وأطهر، ولئن كان بين المرحلتين صفةٌ مشتركة، فهي الإخلاص في التعبير.

وتنقضي فترة الغزل في شعره لتبدأ المرحلة التمهيدية لشعره الديني، نعني مرحلة التأمل العميق، وأهم قصائده فيها قصيدة «ترقي الروح»١ وقصيدة «تشريح العالم»،٢ ففي القصيدة الأولى يتتبع خطوات الترقي لروح يفرض وجودها في تفاحة حواء، فيتعقبها في النبات، ثم في الحيوان، حتى يبلغ بها أعلى مراحلها في الإنسان، وفي القصيدة الثانية يستأنف مسير الروح من هذا العالم إلى العالم الآخر.

وتجيء بعد ذلك مرحلة شعره الديني الذي يسجل فيه خطرات حياته الروحية، فتراه يسبح بفكره الدقيق النافذ وخياله القوي المشتعل في مشكلات الكفر والإيمان، فهو آنًا خاضع لله العلي خضوعًا لا ثورة فيه:

رباه يا جامع الثالوث حطم فؤادي.

•••

اطرحني أرضًا، ثم عَلَيَّ بقواك
تمزيقًا وتحطيمًا وإحراقًا، لتصوغني من جديد
لعلني بذلك أنهض وأستقيم على قدمين.

وهو آنًا يقف ليتساءل: «إذا لم تكن الأفاعي الحاقدة حقيقة بلعنة الله، فماذا أكون؟»

ويتميز شعر «دَنْ» في هذه المرحلة الدينية — فضلًا عن خصائصه العقلية والعاطفية والخيالية التي أشرنا إليها — بالغموض والمفارقة والعنف، فغموضه راجع إلى أن أفكاره أعمق مما تستطيع الألفاظ أن تعبر عنه في يسرٍ وطلاقة، أضف إلى ذلك محاولته الإيجاز وعدم الإسراف في استخدام الكلمات مما يزيده غموضًا، والمفارقة في قصائده كثيرًا ما تبلغ حدًّا ينبو بها عن الذوق، فتبدأ القصيدة رخيَّةً جميلة لتنتهي وعرةً غامضة. أما عنف عباراته فكثيرًا ما يكون حسنة في شعره، وذلك حين يكون انسجامٌ بين تلك العبارة القوية المفاجئة الشاذة وبين فكره القوي وعاطفته المحتدمة.

وهاك بعض أمثلة من شعره:

الرسالة

رُدِّي إليَّ عينيَّ اللتين طال بهما الضلال،
واللتين — وا حسرتى — أسرفتا في النظر إليك،
لكن إن كانتا قد تعلمتا السوء حيث كانتا
فعرفتا الأساليب المفتعلة،
ومارستا العواطف المبتذلة،
بحيث أصبحتا
بالذي منك تعلمَتا؛
لا تصلحان للبصر السليم، فاحفظيهما لديك،
ردي إليَّ وديع قلبي من جديد،
الذي لم تكن دنَّسته الأباطيل،
لكن إن كنتِ قد عَلَّمِتِه
أن يكون في الجد
ما يكون في الهزل،
وأن يكون مخْلِفًا حانثًا
في الحلف والوعد؛
فاحفظيه لا ترديه، إنه لم يعد قلبي.

•••

ومع ذاك فردِّي إليَّ قلبي وعينَيَّ؛
لعلي أرى وأعلم ما تكذبين عليَّ،
أو لعلي أضحك وألهو
حين تكتئبين،
وحين تضعفين فتنشدين؛
تنشدين زميلًا
فلا تجدين زميلا،
أو حين تبدين ما يبدو منك اليوم من زيف.

ومن شعره:

أيتها الألفاظ! لشدَّ ما بك من ضعفٍ وضيق،
فهيهات أن ننفث فيك كروبنا، إن عظائم الكروب لا تتكلم،
فلو استطعنا أن ننفث التنهد نبراتٍ، والبكاء كلماتٍ
لقَلَّ الكربُ وامَّحى؛ لأن له في العبرات مخرجًا.
إن القلوب الحزينة كلما بدا حزنها ضئيلًا كان حزنها جسيمًا
— كما يزداد صمت المجرم أمام القضاء كلما ازداد وزرًا —
لا لأن القلوب الحزينة لا تدرك حالها ولا تشعر به،
بل لأن شدة الإحساس قد أفقدتها الرجاء.

ومن شعره الديني:

ترنيمة إلى الله

أفتغفر لي يا رباه الخطيئة التي بها بدأت،
والتي وإن اقتُرفت قبل وجودي فهي خطيئتي؟
أفتغفر لي يا رباه تلك الخطيئة التي في لوثها أخوض،
وما أزال فيها أخوض، وإن كنت لا أنفكُّ نادمًا؟
إنك إن غفرت لي، فلم تغفر؛
لأن وزري غيرها كثير.

•••

أفتغفر لي يا رباه تلك الخطيئة التي استملْتُ إليها سواي؛
فزل فيها، فجعلتُ لهم من خطاياي أبوابًا منها يدخلون؟
أفتغفر لي يا رباه تلك الخطيئة التي اجتنبتها
عامًا أو عامين، لكني تدنست بها عشرين عامًا؟
إنك إن غفرت لي، فلم تغفر؛
لأن وزري غيرها كثير.

•••

إن من خطاياي الخوف، فأخشى أنني إذا ما أتممت
غزْلي حتى آخر خيوطه، فنيتُ على الشاطئ،
فأقسم لي بنفسك أن يضيء «ابنك» عند موتي
كما يضيء الآن ولن يزال يضيء إلى يوم الدين.
فإن فعلت هذا، فقد فعلتَ كل شيء؛
فلن أخشى بعد ذلك شيئًا.
ذلك هو «جون دَن» زعيم «المدرسة الميتافيزيقية» في الشعر. وكان له أتباع نكتفي بذكر أسمائهم مقرونة بنماذج من شعرهم، لعلنا بذلك نلقي ضوءًا أقوى على اتجاهات الشعر الميتافيزيقي الذي أعقب شعراء عصر اليصابات. فمن هؤلاء الأتباع «جورج هربرت»٣ (١٥٩٣–١٦٣٣م)، ومن خير شعره قصيدة عنوانها «الفضيلة»:
أيها النهار الجميل الذي اجتمع له السكون والإشراق وعليل الهواء،
كأنك يوم عُرْس للسماء والأرض،
إن الندى سيبكيك حين تنقضي عند إقبال المساء؛
لأنك عندئذٍ لا بد أن تموت.

•••

أيتها الوردة الجميلة التي أرى صبغتها — من غضبٍ وإقدام —
تأمر المحدِّق الجريء أن يغضَّ من عينيه،
إن جذورك ما تزال أبدًا في قبرها،
ولا بد لكِ يومًا أن تموتي.

•••

أيها الربيع الجميل الذي تملؤه جميل الأيام والورود،
كأنك الصندوق امتلأت جنباته بالحلوى صنوفًا،
إن أنغامي لتنبئني أن لأيامك أجلًا عنده تزول،
ولا بد لكل شيءٍ يومئذٍ أن يموت،

•••

إلا نفسًا رضيَّةً فاضلة
فلن تفنى كأنما هي الخشب تجمَّدَ من تغير الأجواء،
فلو رُدَّ العالم كله فحمًا هشيمًا
لظلت وحدها قائمة.
ومن رجال هذه المدرسة «رتشرد كراشو»٤ (١٦١٣–١٦٤٩م) الذي يطلق لنفسه العنان في تصوراته الميتافيزيقية متابعًا في ذلك «دَنْ» و«هربرت»، وله في الشعر الديني قصائدُ غرٌّ جياد.
قال في قصيدته «القديسة تريزا وقلبها المشتعل»:٥
أنت يا وليدة الشهوات التي لم تفزع،
نشدتك كلَّ ما تملكين من أنوارٍ ونيران،
نشدتك كل ما فيك من قوة النَّسْرِ ورقة الحمائم،
نشدتك كل ما لقيتِ في الحب من حياةٍ وموت،
نشدتك ساعاتٍ طوالًا أَنْفَقْتِها من نهارك في التأمل،
ثم نشدتك ساعاتٍ أطول منها ظَمِئْتِ فيها للحب،
نشدتك تلك القبلة الأخيرة وما لها من مُلْكٍ عريض،
نشدتك كل ما لك من كئوس أُتْرعتْ بالشهوة الحامية،
نشدتك جرعةً من ذوب النار ارتشفتُها ذاك الصباح،

•••

لا تبقي مني على شيء،
دعيني أطالع سيرتك؛
كي أُفني ما بقي لي من حياتي!

ومن شعره:

العَبْرة

أي ماري الجميلة، وما ذلك الشيء الوضيء اللامع
الذي تسفحه عيناك الجميلتان؟
إنه جذوةٌ مبتلة،
إنه ماسة من ماء.
ولعل منها ما قال القائلون:
«ماء الماسة.»

•••

كلا، فما هي بعَبْرة
إنها نجم على وشك السقوط
من فلكها، وعينك ذاك الفلك،
سوف تنحني لها الشمس لتعلو بها،
وستختال أخت الشمس بها كبرياء؛
إذ تحلِّي أذنها بجوهرة سقطت من عينك.
ومن رجال المدرسة الميتافيزيقية أيضًا «هنري فوجَنْ»٦ (١٦٢٢–١٦٩٥م)، ومعظم قصائده الجيدة دينيُّ الموضوع والروح، ومن خيرها قصيدته «العودة»٧ التي يتمنى فيها أن يرتد طفلًا صغيرًا لا يدور في خلده إلا أفكارٌ طاهرة. فالطفل في استطاعته أن يرى لمحة من وجه الله، حين ينظر إلى سحابةٍ أو زهرة. إن الناس قد يتمنون السير إلى الأمام، أما الشاعر في هذه القصيدة فيود أن تسير به الأيام إلى الوراء؛ ليعود إلى حيث الطهر والنقاء.
وكذلك تستطيع أن تسلك في جماعة الميتافيزيقيين من أتباع «دَنْ» «إبراهام كاولي»٨ (١٦١٨–١٦٦٧م)، ولو أنه في الحقيقة مرحلة انتقال بين هذه الجماعة وبين طائفة من الشعراء أعقبتها تؤثر الأوضاع القديمة التقليدية. وسنحدثك عنها بعد قليل.

اقرأ له هذه الأبيات التي تدل على نزعته الميتافيزيقية القوية التي تتعلق بالمقارنات العجيبة والتشبيهات التي تستوقف القارئ بغرابتها:

الحب في عينَيها المشمستَين

الحب يمرح في عينيها المشمستين ليصطلي الدفء فيهما،
الحب يمشي في المتاهات الممتعة التي في ثنايا شعرها،
الحب ما ينفك شاردًا على كلتا شفتيها،
وهنالك يبذر ثم يحصد ألوف القُبَل،
الحب دَوْمًا يُرى في ظاهر أجزائها طرًّا،
ولكنه — أواه — لم ينفذ إلى دخيلتها أبدًا.

ومن لطيف شعره:

النفس

لو أن عينيَّ يومًا أعلنتا
أن شيئًا في جمالك قد رأتا،
أو زعمتْ أذناي أن صوتًا سوى صوتك
فيه من الموسيقى لحنٌ مثل لحنك،
أو أنني استمرأت شيئًا في الطعمِ
فوجدته في حلاوة قبلةٍ منك على فمي،
أو حاسةُ اللمس مني ضَلَّتْ سبيلًا
فظنَّت سواك بضًّا جميلًا!
لو كان ما به الربيع يزدهر،
أو ما يرسله الشرق من صيفٍ عطرْ؛
يستطيع أن يقنع شَمِّي
بالأريج غيرَ أنفاسكِ أن يُسَمِّي،

•••

لحقَّ عليَّ أن تراني تافهًا عيناكِ
كما أرى كلَّ شيء تافهًا إلاكِ.

وبينما كانت «المدرسة الميتافيزيقية» بمثابة رد فعل أعقب عصر اليصابات، فحلَّ فيها التصنُّع وغرابة المقارنة والتشبيه محل النغمة الطبيعية في عصر اليصابات، وأنشأت قصائدها في الدين بعد أن كان الشاعر الأليصاباتي وثني النزعة، يسترعي انتباهَه الشيءُ الجميل؛ نقول بينما كانت «المدرسة الميتافيزيقية» سائرة في طريقها الذي أوضحنا، نشأت في إنجلترا طائفةٌ أخرى من أصحاب الشعر الغنائي في النصف الأول من القرن السابع عشر، تحتفظ بالروح الشعرية الغنائية التي عهدناها في عصر اليصابات من حيث الطلاوة والطلاقة والتدفق، لكنها تختلف عن عصر اليصابات في شدة عنايتها بالصقل والتجويد، فكأنما كان الشعر الغنائي في عصر اليصابات ينبوعًا يتفجُّر منه الماء بطبيعته. وشعر هذه الطائفة آلةٌ صناعيةٌ مركبة تستخرج الماء، كلاهما ينساب منه الشعر سلسًا رشيقًا، لكن الشاعر الأليصاباتي ينشده بغير نَصَبٍ أو عناء، والشاعر من هؤلاء يبذل في إخراجه مجهودًا مضنيًا.

وكان على رأس هذه الطائفة «بن جونْسُنْ» الذي قدمناه في ختام الفصل السابق، ومن شعره:

إلى سيليا

لا تسقيني الخمرَ إلا بعينيكِ،
وسأجعل لهما من ناظري رهينة،
أو اتركي لي في الكأس قبلة،
فلن أنشد بعد ذاك شرابًا،
إن ما بالروح من ظمأ
إنما يرويه خمرٌ إلهية،
ولكني لو أعطيت من خمر الأرباب ما أشتهي
ما رضيت بها عن خمر عينيك بديلًا.

•••

لقد بعثت إليك منذ قريب بإكليلٍ من الورد،
ولن يزيد ذلك من قدرك
بقدر ما يفسح للورد من أمل،
فأملها ألا يصيبها لديك ذبول،
لكنك نفثت في الإكليل أنفاسا،
ثم أرجعتِه إليَّ،
ومنذ ذلك الحين والورد ينمو ورسل عبقًا،
وما ذاك — وربي — من الورد، إنما هو من نفثتك.

ومن أغانيه الرائعة التي وردت في روايته «إبكين، أو المرأة الصامتة» هذه الأغنية:

تأنَّقي ما شئتِ، والبسي ما شئتِ،
كأنما أنت إلى وليمة ذاهبة،
تزيَّني بالمساحيق ما شئت، وانثري من العطر ما شئتِ،
فأنا زعيم لك، سيدتي
أنكِ وإن أتقنتِ الفنَّ فأخفيت أسبابه،
فليس ذاك جمالًا وليس ذاك كمالًا.
أعطيني جميل الملامح، ثم أعطيني صبوح المحيَّا،
مما يجعل البسيط جميلًا،
إن الثوب ترسلينه إرسالا والشَّعْرَ تهملينه إهمالًا،
فمثل ذاك الإهمال الجميل أشدُّ سحرًا لنفسي
من خوادع الجمال المصنوع كلها،
فهذه تستوقف عينيَّ ولا تستهوي فؤادي.
وكان روبرت هِرِكْ٩ (١٥٩١–١٦٧٤م) أنبغ «أبناء بِنْ» — كما كان يطلق على أتباع «بنْ جونْسُنْ» — وقد تغزَّل في جمال الجسد وافتتن بجمال الريف وأحب الأزهار. ومن جيد شعره:

إلى أزهار النرجس

أيها النرجس إنَّا لنبكي إذ نراك
تمضي إلى الفناء وشيكا،
ها أنت ذا تمضي والشمس التي بكَّرت في شروقها
لم تبلغ بعدُ في السماء أوجها.
قف، قف،
حتى ترى النهار المسرع في خطاه
قد تقضَّى.
قف، حتى نغني أنشودة المساء،
فإذا ما أَدَّينا الصلاة معًا
فسنمضي معك إلى حيث تريد.

•••

إن آجالنا لتماثل أَجَلَكَ في القِصَر،
وربيعنا ينقضي في سرعة ربيعك،
وننمو مسرعين كما تنمو، ثم نفنى
كما تفنى أنت وتفنى سائر الأشياء،
إنَّا لنقضي
كما تنقضي ساعاتك،
ثم نذبل ونذوي
ونمضي كما تمضي أمطار الصيف،
أو كلآلئ النَّدى في الصباح؛
فنذهب ولا نئوب.
ومن «أبناء بِنْ» — كذلك — «رتشرد لَفْلِيس»١٠ (١٦١٨–١٦٥٨م) الذي كان مشايعًا للملك فأوذى في سبيله. ومن جميل شعره قصيدة يوجهها إلى حبيبته وهو ذاهب إلى حومة القتال، فيقول فيها إنه ليعدُّ بغير قلبٍ إذا هو خَلَّف حبيبته وذهب إلى القتال، لكنه إذا لم يكن محبًّا للشرف فليس هو جديرًا بحبها.

وسُجِنَ الشاعر في سبيل الملك، فكتب إلى حبيبته من السجن يقول:

ليس السجن جدرانًا من صخور،
وليس القفص قضبانًا من حديد،
فتلك عند العقول الهادئة البريئة
كصوامع الرهبان،
فلو كنت في حبي حرًّا،
ولو كنت في نفسي طليقًا،
فذاك ما أبغي، فلا يعرف مثل هذه الحرية
إلا الملائكة التي تحلق في أجواز السماء.

(٢) النثر

لئن بلغت آيات العصر الأليصاباتي في الشعر والمسرحية من الروعة ما لا يكاد يدنو منها منافس في سائر العصور، فقد كان النثر في ذلك العصر معيبًا لا يؤدي رسالته على الوجه الأكمل. ولعلك تذكر خصائص الأسلوب «اليوفيوزي» الذي ساد عندئذٍ، والذي ينمق العبارة ويزخرفها، كأنما نسي معه الكاتب أنه ناثر؛ فراح يثقل عبارته بخصائص الشعر، أو ما خيل إليه أنه من خصائص الشعر، فجاءت كتابته لا هي بالشعر الصحيح ولا هي بالنثر الصحيح.

وجاء النصف الأول من القرن السابع عشر فتقدم النثر خطوة نحو النثر بمعناه الحديث، وذلك على يدي «بيكُن»،١١ وإن كان ذلك التقدم لم يَخْلُ من علامات انتكاس ورجعية، فلبث «براون»١٢ و«بيرتُنْ»١٣ و«مِلْتُنْ» يكتبون العبارات الطويلة الملتوية جريًا على أوضاع القديم.
وكما لاحظنا في الشعر أن شعراء العصر الأليصاباتي تشابهوا حتى تتعذر التفرقة بينهم، أما مَنْ جاءوا بعدهم في النصف الأول من القرن السابع عشر، فقد تحددت شخصياتهم، وأصبحت لهم خصائصهم المميزة، فكذلك نلاحظ في النثر. فهيهات أن تفرق بين نثر كتبه «للي»،١٤ ونثر كتبه «سدني» — مثلًا — لكنك تستطيع بعد دراسةٍ وجيزة أن تميز نثر بيكُنْ، فلا تخلط بينه وبين نثر «بيرتُنْ» أو «براون» ممن أعقبوا عصر اليصابات.

ونحن نصور لك في إيجاز أعلام النثر في الفترة التي نؤرخها من شيكسبير إلى مِلْتنْ، أي النصف الأول من القرن السابع عشر.

(٢-١) فرانس بيكن Francis Bacon (١٥٦١–١٦٢٦م)

ولد «بيكُنْ» في الثاني والعشرين من شهر يناير سنة ١٥٦١م في مدينة لندن، من كريمةٍ مجيدة، فقد كان أبوه السير نكولاس بيكُنْ يتربع في منصبٍ من أسمى مناصب الدولة، وكان نابغًا نابهًا ذائع الصيت واسع الشهرة، فإن يكن قد خَفَتَ اسمه فما ذاك إلا لأن ذكر ابنه قد طغى عليه فبدده في ظلاله، فكأنما كانت أسرة بيكُنْ تسير نحو العبقرية صاعدة جيلًا بعد جيل، حتى بلغت الذروة في فرانسس بيكُنْ. وكانت أمه سليلة بيتٍ عريق، حصَّلَتْ من العلم وأصول الدين قدرًا محمودًا، فأخذت ترضع ابنها من علمها الواسع، ولم تدخر وسعًا في تنشيئه وتكوينه منذ نعومة أظفاره لتخرج منه رجلًا قويًّا. ولما بلغت سنُّه الثانية عشرة أرسل إلى جامعة كيمبردج، حيث لبث أعوامًا ثلاثة ترك الجامعة بعدها ساخطًا ناقمًا على مادة التدريس وطريقته على السواء، فقد كره ذلك الجدل الفارغ العقيم، الذي لا ينتهي في أغلب الحالات إلى شيءٍ ذي غناء.

وما بلغ السادسة عشرة من عمره، حتى انخرط في سلك الوظائف السياسية، فعين في السفارة الإنجليزية في فرنسا، ولبث هناك عامَين، ثم باغته القدر بموت أبيه، فعاد مسرعًا إلى لندن. وما هو إلا أن أخذت مواهبه الأدبية في الظهور والذيوع، فانتخب عضوًا في مجلس النواب، وسرعان ما جذب إليه الأنظار لبلاغته الساحرة وبيانه الخلاب.

ولما كان عام ١٥٩٥م، أهداه صديقٌ له معجبٌ بنبوغه، هو الأيرل إسكس١٥ ضيعةً واسعة درَّت عليه ثروةً طائلةً عريضة هيأت له أسباب الترف والنعيم، وكانت هذه الهبة العظيمة من ذلك المحسن الكريم جديرة أن تأسر بيكن، ولكن حدث لهذا الصديق أن فترت بينه وبين الملكة اليصابات ما كان بينهما من روابط وصلات، واستحكمت بينهما الخصومة واشتد النفور، فدبر إسكس هذا مؤامرةً خفية يريد بها أن يزجَّ الملكة في ظلمات السجن، ثم يرفع إلى العرش ولي عهدها، وكاشف بيكُنْ بما صحت عليه عزيمته، وهو لا يشك في أنه إنما يكاشف صديقًا مخلصًا، ولكنه لشدَّ ما دهش حين أجابه بيكُنْ باحتجاجٍ صارخ على هذه الخيانة الشائنة ضد مليكة البلاد، وبإنذاره أنه سيؤثر ولاءه للملكة على عرفانه للجميل. ومضى إسكس في مؤامرته، وحشد جيوشًا سار بها إلى لندن، لكنه هُزم وقُبض عليه، وكان بيكُنْ عندئذٍ في أكبر مناصب القضاء، فلم يتردد في اتهام الرجل الذي أكرمه وأحسن إليه، حتى حُكم عليه بالإعدام.

واتُّهم بيكن في أخريات حياته بالرشوة، واستدان وعجز عن الوفاء بدينه. وهكذا خالطت تلك العظمة عناصر الضعف والضَّعة، وحقَّ لبوب أن يقول عنه بيته المشهور:

إنه أعظم وأحكم وأخس إنسان بين البشر.
كان «تقدم العلوم»١٦ في طليعة الإنتاج الأدبي لبيكُنْ، وهو كتاب فيه جانب من فلسفته، ثم هو في الوقت نفسه يذكر لوضوح عبارته وجودة بنائها.

ولكن آيته الأدبية التي استحق من أجلها أن يذكر علمًا من أعلام الأدب هي مجموعة «مقالاته»؛ فإليه يرجع الفضل في إدخال «المقالة» في الأدب الإنجليزي، فلقد ذكرنا فيما سلف عن «مونتيْنيْ» أنه أول من كتب «المقالة» بالمعنى الأدبي الذي تواضع عليه الناقدون، وقد أخرج «مونتيني» الجزأين الأولين من مقالاته سنة ١٥٨٠م، فترجمهما إلى الإنجليزية «فلوريو» سنة ١٦٠٣م كما ذكرنا من قبلُ. وعن «مونتيني» أخذ بيكُن اسم «المقالة» وروحها، والمقالة عند بيكُنْ مجموعة من الخواطر يسوقها حول موضوعٍ معين بغير أن يعنى بترتيبها، فليس لها فاتحة يستهلُّ بها الحديث، وليس لها ختام يُشْعرك بنهايته. إنما هي — كما قلنا — سلسلة من الخواطر يسوق بعضها بعضًا، ويتخلَّلها أقوالٌ مقتبسة وحكايات يذكرها لتوضيح المعنى ولتأييد وجهة نظره، وليس بين هذه الخواطر من رباطٍ إلا أنها تقع تحت عنوانٍ واحد. ومما يميز أسلوب بيكُنْ في «مقالاته» التركيز الشديد، فمعنًى ضخم في لفظ قليل. على أن بيكُن لم ينتهِ بكتابة «المقالة» كما بدأها، فقد نشر من المقالات أول ما نشر عَشْرًا، وكان ذلك سنة ١٥٩٧م، وكانت المقالة في هذه البداية قصيرةً مركَّزة حتى لكأنها مجموعة من الحِكَم، فلما كان عام ١٦١٢م، أعاد كتابة هذه المقالات الأولى ووسع فيها، ثم أضاف إليها تسعًا وعشرين، ثم عاد سنة ١٦٢٥م فزاد في إطالة مقالاته الأولى، وأضاف إليها مقتبساتٍ وحكايات، ونشر معها إحدى وعشرين مقالة جديدة.

ونستطيع أن نقسم هذه «المقالات» إلى مجموعاتٍ أربع، فمجموعة تدور حول الإنسان في حياته الخاصة، ومجموعةٌ ثانية تتناول الإنسان في حياته العامة، وثالثة تعالج أمور السياسة، ورابعة تبحث في موضوعاتٍ مجردة.

ومن أمثلة المجموعة الأولى «الحب» و«الآباء والأبناء» و«الزواج والعزوبة» و«الصداقة». وإنك لترى الكاتب في هذه المرحلة كأنما يكتب بغير عاطفة، ويكاد يكون عقلًا خالصًا يحتكم إلى منطق العقل ولا يأبه بالمشاعر الإنسانية التي تصدر عن القلب؛ ولهذا تراه يقيس الأمور بالنجاح المادي في الحياة.

ومن أمثلة المجموعة الثانية «المنصب الرفيع» و«الرياء والتصنع»، وهو في هذه المرحلة أسوأ ما يكون مبدأ، فبلوغ الغاية هو كل شيء، وليس للأخلاق القويمة في ذاتها وزن كبير، ولعله في ذلك قد تأثر بمكيافلي ومبادئه السياسية، ومع ذلك فلا تخلو مقالات هذه المجموعة من عباراتٍ تصادفها هنا وهناك يرجع فيها الكاتب عن هذا الشطط، ويدعو إلى الفضيلة، فتراه يقول مثلًا: «إن القدرة على فعل الخير هي الغاية الحقيقية المشروعة من الطموح إلى المنصب الرفيع.»

ومن أمثلة المجموعة الثالثة «ما للمالك من مجدٍ حقيقي» و«المستعمرات»، وهو في هذه المقالات السياسية يبسط لنا السياسة التي تنطوي على بُعد النظر والاتزان، فهو — مثلًا — يوجِّه مُرَّ النقد إلى سياسة حَصْر الثروة القومية في أيدٍ قليلة؛ لأن «المال كالسحاب لا يجود إلا إذا انتشر.» لكنه مع ذلك لم يكن يرمي إلى ديمقراطية صحيحة؛ لأنه لا يؤمن بمقدرة الدهماء، فهو لا يريد أن تسود المساواة بين الناس جميعًا، ويتقرح أن يُمنح المزارعون ملكية أرضهم، ثم تقوم على رأسهم أرستقراطية تدبِّر أمرهم، ثم يحكم هؤلاء وأولئك جميعًا ملكٌ فيلسوف، ولعله تمنى أن يكونه.

وأما في المجموعة الرابعة التي تعالج موضوعاتٍ مجردة، فتجد مقالات «الموت» و«الحق» و«الجمال» وما إليها، وهو في هذه المجموعة أعمق ما يكون علمًا، وأبعد ما يكون عن التحزب لوجهة نظرٍ بعينها.

وهاك أمثلةً من مقالاته:

يقول في مقالةٍ عنوانها «في تصنع الحكمة»:

لقد قيل إن الفرنسيين أحكم مما يبدو عليهم، والإسبانيين يبدو عليهم من الحكمة أكثر مما لهم، ومهما يكن أمر هذه الفوارق بين الأمم، فلا ريب في أن هذا موجود بين الأفراد، فكما يقول «الرسول» عن التقوى بأن من الناس «من يتظاهرون بالتقوى ولا حظَّ لهم منها.» فكذلك لست أشك في أن من الناس من لا يعملون شيئًا، أو قل يعملون قليلًا ويتظاهرون بعمل الكثير. إنه لمن المضحك الذي يصلح لسخرية أصحاب الرأي الصائب أن يروا ما يصطنعه هؤلاء المتصنعون للحكمة ليجعلوا معلوماتهم السطحية تبدو كأنما هي ذات عمقٍ وعظمة؛ فبعضهم كتومٌ متحفظ كأنهم معرضون عن إخراج سلعهم إلا في الظلام، وهم يحرصون دائمًا على أن يتظاهروا بأنهم أفصحوا عن شيءٍ واحتفظوا في أنفسهم بشيء، وهم حين يوقنون بينهم وبين أنفسهم أنهم إنما يتحدثون فيما لا يحسنون الحديث فيه، تراهم مع ذلك يظهرون للناس بمظهر العارف لشيءٍ هم في الحقيقة يجهلونه، وبعضهم يستعين على تصنع الحكمة بالملامح والحركات، فهم حكماء بما يبدون من إشاراتٍ، وذلك كالذي قاله شيشرون عن «بيزو» أنه حين أجابه رفع أحد حاجبَيه إلى جبهته، وأنزل الآخر إلى ذقنه …

ويقول في مقالة عنوانها «في الدراسة»:

القراءة تملأ الإنسان بالعلم، والنقاش يجعله مستعدًّا بعلمه، والكتاب تجعل منه إنسانًا دقيقًا، ولذلك لو كان الرجل قليل الكتابة وجب أن يكون قويَّ الذاكرة، ولو كان قليل النقاش وجب أن يكون حاضر البديهة، ولو كان قليل القراءة لزم أن يكون شديد الدهاء ليظهر العلم بما لا يعلم. إن دراسة التاريخ تزيد الإنسان حكمةً، ودراسة الشعر تزيده فطنة، ودراسة الرياضة تزيده دقةً، وتزيده الفلسفة الطبيعية عمقًا، والأخلاق رصانة، والمنطق والبلاغة قدرةً على الجدل.

ولبيكُنْ عدا «مقالاته» كتاب «تاريخ هنري السابع» الذي كتبه بأسلوبٍ نقديٍّ موضوعي، فكان بذلك من طلائع المؤرخين بالمعنى الذي نفهمه اليوم من كتابة التاريخ، فقد كان المؤرخون في العصور الوسطى يستخدمون الشعر أداةً للتعبير، ويؤرخون لفتراتٍ طويلة من الزمن، ولم تكن لهم القدرة على تصوير الشخصيات التي يؤرخون لها تصويرًا واضحًا. كما لم يكن في مقدورهم أن يميزوا بين الحقيقة والخيال، فلما جاءت النهضة لم يستطع مؤرخوها أن يتخلَّصوا دفعةً واحدة من ذلك الأسلوب القديم، فظل تاريخهم أقرب — في مجموعه — إلى الحكايات المستطردة منه إلى التاريخ الصحيح، ثم أخذت كتابة التاريخ تتحول بحيث تعنى بتسجيل الحقائق دون الأساطير والخرافة، وبهذا الأسلوب التاريخي الجديد كتب بيكُنْ كتابه عن «هنري السابع»، لقد تناول فيه الموضوع كما تناول أي علمٍ من العلوم، مطبِّقًا في دراسته الطريقة الاستقرائية التي ابتكرها، فكانت آية عظمته في تاريخ الفكر، فهو يجمع الحقائق ويرتب النتائج، فتستطيع أن تعد «تاريخ هنري السابع» أول كتابٍ تاريخي كُتب بالأسلوب العلمي الحديث، وقد برع فيه الكاتب براعةً تستوقف النظر من حيث تصويره الناصع لشخصية الملك، وإرجاعه الحوادث إلى أسبابها، وحسبه في ذلك فخرًا أن البحث الحديث لم يجد في كتابه شيئًا يحتاج إلى تصويبٍ وتصحيح.

ونحب أن نختم لك الحديث عن «فرانسس بيكُنْ» بكتابه «أطلنطى الجديدة»١٧ الذي أراد فيه الكاتب أن يرسم دولة مُثلى يقوم بنياتها على أساس العلم وحده، فالأمر فيها زمامه في أيدي المهندسين والفلكيين والنباتيين والأطباء والكيمياويين والاقتصاديين وعلماء الاجتماع والنفس ثم الفلاسفة، والحكومة فيها لا تصبُّ سلطانها على الإنسان، إنما توجه حكمها إلى الطبيعة، في هذا الكتاب يتمنى بيكُنْ — كما تمنى قبله كثيرٌ من الفلاسفة — أن يسود العلم بدل السياسة، وأن يتربع العالم الفيلسوف على عروش الملك والسلطان.

(٢-٢) روبرت بيرتن Robert Burton (١٥٧٧–١٦٤٠م)

هو أيضًا من كتَّاب النثر في النصف الأول من القرن السابع عشر، وقد اشتهر بكتابه «تشريح المِرَّة السوداء»،١٨ وفيه يُحدِّد معنى المزاج السوداوي، ويبحث في أسبابه وطرق علاجه. ويخصص الكاتب جزءًا لظواهر المرض السوداوي في الحب، وهو في هذا الجزء فَكِهٌ إلى حدٍّ بعيد، ويختم كتابه بالبحث في ظواهر هذا المرض في نطاق الدين، وهو كلما ذكر لك حقيقة أيَّدها بمقتبساتٍ استمدها من الآباء والعلماء القدماء والمحدَثين على السواء.

ولا نستطيع أن نترك الحديث عن بيرتن وكتابه هذا، دون أن نذكر ما صادفه عند طائفةٍ من أكبر الأدباء من إعجابٍ شديد، فقد أعجب به «الدكتور جونْسُنْ» وافتتن بجماله «تشارلز لام» الذي قال في إحدى رسائله: «إني أمعن النظر للمرة المتممة للألف في إحدى عبارات بيرتُنْ.» وهنالك بعض عباراتٍ ابتكرها هذا الكاتب، فشاعت ولا تزال شائعةً لما فيها من طلاوة التفكير وقوة التعبير، نذكر منها: «القَزم الواقف على كتف العملاق يستطيع أن يرى أبعد مما يرى العملاق نفسه.» «إن صانع الأحذية حافي القدمَين.» «يبني قصورًا في الهواء.» «إن الطيور على أشكالها تقع.»

(٢-٣) سير تومس براون Sir Thomas Browne (١٦٠٥–١٦٨٢م)

هو مؤلف الكتاب الذي يحتل في الأدب الإنجليزي مكانة عالية «رلجيو مدتشي»،١٩ الذي لم يكد يظهر حتى ترجم إلى الفرنسية والهولندية والألمانية والإيطالية. وقد كان براون في هذا الكتاب من أرباب الأسلوب المصقول؛ فهو يعنى بجودة اللفظ أكثر مما يعنى بقوة الفكرة، ولم يدَّخر وسعًا في تزويق عبارته وترصيعها، بحيث يخرجها وكأنها النسج المزخرف الموشَّى، والكتاب في مجموعه تأملاتٌ فلسفية في معاني الحياة والموت، نقتطف منه هذه العبارة لتمثل اتجاهه الفكري:

ليست حياتي سوى معجزةٍ تمت في ثلاثين عامًا، فإن رويتُ قصتها فلست بذلك أروي تاريخًا، وإنما أقدم قصيدةً من الشعر، وستتلقاها المسامع كما تتلقى خرافة من خلق الخيال. أما هذا العالم فلست أراه فندقًا بقدر ما أراه بمثابة المستشفى، فليس هو بالمكان الذي نحيا فيه، إنما هو مكان نلفظ فيه الروح ونموت. وما العالم الذي أراه إلا نفسي، فلست بمستطيعٍ أن أرسل البصر إلا ليشهد جِرْمي الضئيل الذي ينطوي فيه العالم الأكبر.

ليست الأرض نقطةً صغيرة بالنسبة إلى أجواز السماء التي فوقنا فحسب، بل هي كذلك بالنسبة إلى الجوهر السماوي الإلهي الذي فينا، إن هذه الكتلة اللحمية التي تحيط بي لا تحدُّ من عقلي، إن هذا السطح الجسدي الذي ينبئ أن لي حدودًا لا يحملني على الظن بأنني كائن محدود … لستُ أشك في أننا ننطوي على شعلة من الله، إنها شعلةٌ وجدت قبل أن توجد السماء، ولم تستمد ضوءها من الشمس. إن الطبيعة لتنبئني أنني صورة لله كما أن الكتاب المنزل صورةٌ أخرى، وإن من لا يعلم هذا لا يعلم المقدمة ولا الدرس الأول، وعليه أن يعيد دراسته للإنسان مبتدئًا بأحرف الهجاء.

١  The Progress of the Soul.
٢  The Anatomy of the World.
٣  George Herbert.
٤  Richard Crashaw.
٥  Flaming Heart of St. Teresa.
٦  Henry Vaughan.
٧  The Retreat.
٨  Abraham Cowley.
٩  Robert Herrick.
١٠  Richard Lovelace.
١١  Bacon.
١٢  Browne.
١٣  Burton.
١٤  Lyly.
١٥  Earl of Essex.
١٦  Advancement of Learning.
١٧  انظر فلسفة بيكن في قصة الفلسفة الحديثة.
١٨  Anatomy of Melancholy.
١٩  Religio Medici.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١