الفصل التاسع

من ملتن إلى العصر الأوغسطي أو الأدب الإنجليزي في النصف الثاني من القرن السابع عشر

(١) الشعر

(١-١) أندرو مارفل Andrew Marvell (١٦٢١–١٦٧٨م)

هو — إلى جانب ملتن — شاعر من طائفة المتزمِّتين الدينيين، ولو أنه كثيرًا ما أحسَّ العطف على الملك شارل الأول الذي كان عدوًّا لهؤلاء المتزمتين.

كان مارفل متعدد النواحي في شعره، فهو أعظم شعراء الطبيعة في القرن السابع عشر بقصيدته العصماء «أفكار في حديقة»، وهو شاعر الفكر الذي يغذِّي عقل قارئه بنبيل الأفكار، وهو في ذلك شبيه بملتن، وهو في بعض قصائده يغرق في التشبيه الغريب، وهي النزعة «الميتافيزيقية» التي عرفناها في «دَنْ»، تراه يقول أجود الشعر في زعيم المتزمِّتين الدينيين «أولفر كرمول» كما يقوله في عدو المتزمتين «شارل الأول».

اقرأ له قصيدة «أفكار في حديقة» تجدها جياشةً بحبه للطبيعة حبًّا لا تكاد تلمس نظيرًا له في شاعرٍ إنجليزي سواه، مليئة بالأفكار الطريفة واللفتات الفنية الرائعة، ففيها يقول إن الناس يحاولون أن يتوجوا عملهم المجهد بأكاليل النبات، والنبات يسخر منهم؛ لأن صنوف النبات كلها قد تعاونت في هذه الحديقة على صنع إكليل للراحة والدَّعة، فإن شئت هدوءًا وطهرًا، فسبيلهما هذه الحديقة لا مجتمع الإنسان الصاخب، وهو يلاحظ أن حمقى العاشقين قد نقشوا أسماءهم على جذوع الشجر في الحديقة، مع أن هذا الشجر أفتن جمالًا من معشوقاتهم. إن العاشقين من أرباب الأساطير قد انتهى بهم السعي وراء حبيباتهم إلى اللقاء تحت الشجر، «فأبولو» أخذ يطارد معشوقته «دافني» حتى التقى بها تحت شجرة من أشجار الغار، و«بان» تعقَّب حبيبته «سِرنْكِسْ»، حتى وجدها عند شجرة من أشجار الغاب، وبعد ذلك يتلفت الشاعر في الحديقة ويعدِّد ما يراه في جنباتها من ألوان الفاكهة، ويعبر عما يحسُّه العقل من سعادة في هذه الحديقة حين يطلق لنفسه عنان الخيال، ثم يقول إنك إن جُلْتَ في هذا الفردوس وحيدًا، فأنت تنعم بفردوسَين: فردوس العزلة، وفردوس هذا البستان. وأخيرًا يرى الشاعر في أزهار الحديقة وأعشابها «مِزْولة» تبين له أوقات العام كأنها الساعة تسجل مَرَّ الزمان.

(١-٢) جون دريدن Gohn Dryden (١٦٣١–١٧٠٠م)

ننتقل بك الآن إلى شاعرٍ عظيم يُعدُّ في طليعة الأدباء الإنجليز، هو «جون دريدن» الذي هبط من أسرة عريقة، وتلقى علومه في مدرسة وستمنستر، حيث أنشأ وهو في الثامنة عشرة من عمره قصيدة رثاء عنوانها «في موت اللورد هيستنجز» فجاءت متأثرة بالطريقة الميتافيزيقية في كتابة الشعر — وقد كانت سائدة — وهي التي ابتدأها «دَنْ» وحدثناك عنها في أكثر من موضع. وحسبنا أن نذكِّرك بخصيصةٍ تميزها وهي أنها تُغْرِب في التشبيه والاستعارة، بحيث تربط بين أشياء هي أبعد ما تكون صلةً بعضها ببعض، بهذه الطريقة في قرض الشعر بدأ «دريدن» في رثاء هيستنجز الذي نقتبس منه هذه الأبيات الآتية على سبيل المثال:

كان جسمه فَلَكًا، وروحه السامية
تتحرك حول قُطْب من العلم والفضيلة،
وإنما بلغت في حركاتها — فيما تبدو لنا — من دقة النظام
ما لم تبلغه أفلاك السماء كما بدت لأرشميدس،
فحلو الشمائل والفضائل واللغات والفنون
والجمال والعلم، هذا ما يملأ فيه سائر الأجزاء.
إن مواهب الله التي — كأنها الأنجم الهاوية —
تبدو في الناس منتثرة، قد تركزت فيه
كأنها النجوم في سمائها مثبتة، واتخذت مكانها في نفسه،
وأخذت تشعُّ خلال جسمه أثرها الجميل،
وهي في إشعاعها تترك على أعضائه جلالًا من جلالها،
بحيث بات منه الجسد كله جسمًا سماويًّا.

ذلك مثال من المقارنات العجيبة والتشبيهات الغريبة التي عرفت بها المدرسة الميتافيزيقية في الشعر، والتي بدأ «دريدن» متأثرًا بها. ولا بد لنا إثباتًا للحق أن نقول إنه مثال سيئ، إن دلَّ على اتجاه الشعر الميتافيزيقي فإنما يدل على أردأ ما فيه، ولعله من الخير أن نسوق مثالًا آخر لدريدن نفسه في موت هيستنجز، ينسج فيه على غرار المدرسة الميتافيزيقية أيضًا، ولكن بصورةٍ أجود، قال (لاحظ أن هيستنجز مات بالجدري):

انتفخت فيه البثورُ من كبرياء، إذْ نَبَتَتْ في إهابه
كما تنبتُ براعم الورد فتلتصق على إهاب السوسنة،
في كل بثرة منها دمعةٌ
لتبكي بها ما اقترفته من جريرة في ثورتها.
إن هذه البثراتِ شبيهة بالخوارج، اشتغل مولاهم بالجهاد،
فنهضوا بثورة يتآمرون على حياته.
ولنترك هذه الفاتحة الضعيفة التي استهل بها دريدن حياته الأدبية، وهو ما يزال طالبًا ناشئًا، لننتقل إلى شعرٍ أخرجه في عامه الثامن والعشرين يرثي «أولفر كرمول»، فالظاهر أن شاعرنا اعتنق مذهب التزمُّت الديني بعد تخرجه في جامعة كيمبردج، مقتفيًا أثر قريبٍ له عظيم، كان شديد الصلة بزعماء حزب المتزمِّتين. ومهما يكن من أمر فهذه القصيدة التي عنوانها «مقطوعاتٌ حماسية في موت أولفر كرمول»،١ تُعدُّ أولَ شعره الجيد؛ إذ أجاد فيها النظم والأسلوب، ولو أن بقيةً من التشبيهات المتكلفة والعبارات المصطنعة أفسدت عليه القصيدة بعض الشيء، وفيها يقول:
تلك كانت فعال أميرنا، لكنَّ بين جنبَيه نفسًا تسمو
على أعلى ما أخرجتْ وأبدتْ من فعال،
وهكذا السلوكُ الآليُّ الهزيلُ أمام الناس يبدو،
والأسرار الدفينةُ أعزُّ من الظهور في أعمال.

•••

إنه لم يمت حين أخذت شهرته الطافحة في زوال،
بل مات وأكاليل مجد جديد تغريه أن يحيا،
مات وكأنما ينظر إلى فوزٍ جديدٍ قريب المنال؛
فوزٍ هو أسمى من كل نصرٍ تهبه هذه الدنيا.

•••

سيبقى رفاته في مستقرِّه راضيًا،
ويظل اسمه مثالًا يسطع،
يدل كيف يبارك الله جهدًا ساميًا
إذا تضافرت فيه البسالة والورع.
لكن الظروف لم تمهله حتى يستفيد من اتصاله بحزب المتزمتين الذي كانت له السلطة حين كان كرمول قابضًا على زمام الأمور في البلاد؛ إذ عادت الملكية الطريدة وسدَّت الطريق في وجه المتزمتين وأنصارهم، فاعتمد شاعرنا في حياته على ميراث ضئيل ثم على قلمه الذي سرعان ما استخدمه في مدح الملك القادم، فكتب قصيدةً يحيي بها عودة الملك، وعقَّب عليها بأخرى يمدحه في يوم تتويجه، وكلتا القصيدتين مكتوبتان «بالقافية المزدوجة الحماسية»،٢ التي برع فيها هذا الشاعر براعة تلفت النظر، وسار فيها على منهاجه «بوب» في العصر الأوغسطي في أول القرن الثامن عشر كما سنحدثك في حينه.
لكن عودة الملكية لم تعد على «دريدن» بالكسب من أمثال هذه المدائح، وإنما أكسبته عودةُ الملكية عن طريق المسرح، ذلك أن المسارح التي أغلقت في عهد المتزمِّتين عادت الآن ففتحت أبوابها، فوجدت في «دريدن» كاتبًا خصبًا ممتازًا يمدها بمسرحياته، ويستمد منها المال، ثم ما هي إلا أن أغلقت المسارح أبوابها من جديد قرابة عامَين (١٦٦٥-١٦٦٦م)، وذلك حين فشا الطاعون، ونشبت النار في لندن؛ مما دعا الناس إلى الهجرة إلى الريف، وفي عام ١٦٦٦م الذي شهد هذه الكوارث العظمى كتب «دريدن» قصيدته المشهورة «سنة العجائب»،٣ وهي قصيدةٌ طويلةٌ مؤلفة من رباعيات وموضوعها الحرب الهولندية وحريق لندن، ثم أضاف إلى ذلك مدحًا توجَّه به إلى الملك وآل بيته.

وانجابت عن البلاد نكبتها، فعاد المسرح وعاد «دريدن» إلى الكتابة المسرحية التي ظل مشتغلًا بها بعد ذلك أعوامًا طوالًا، أكسبه مالًا وفيرًا، ورفع قدره في قصر الملك فنُصِّب أميرًا للشعراء. ولا شك أن هذا التوفيق أغار صدور أعدائه، لكنه استطاع بما أوتي من قدرةٍ نادرة على السخرية أن يخرسهم جميعًا.

وهنا ننتقل إلى الجانب الساخر من أدبه، فنحدثك عن ثلاث قصائد تعد من الطراز الأول في أدب الهجاء في العالم أجمع، أما أولاها فهي قصيدة «أبشالوم وأكيتوفل»،٤ ولكي نقدمها إليك، لا بد لنا من شرح الموقف التاريخي الذي دعا إلى كتابتها، فقد كتبها الشاعر عام ١٦٨١م حين بلغت حماسة الشعب أشدها حول ما يسمى «قانون الإقصاء عن العرش» الذي أريد به أن يُقصي جيمس الثاني عن وراثة العرش بعد شارل الثاني؛ لأن جيمس كان يدين بالعقيدة الرومانية الكاثوليكية، وهي تنافي ميل الشعب بصفةٍ عامة، وكان المؤيدون لهذا القانون هم حزب الأحرار ومعهم شافتسبري، لكن الملك لجأ إلى حل البرلمان، وأخذ يصبُّ اضطهاده ونقمته على أصحاب هذا المشروع، فكان أن زجَّ شافتسبري في «البرج» بتهمة الخيانة العظمى، فنتج عن ذلك سيلٌ من الرسائل والمقالات هاجم فيها كاتبوها استبداد الملك وتعسفه، فرأى الملك ووزراؤه أن يردوا على هذه الحملة أولًا، وأن يهيئوا الرأي العام قبل حلول الموعد الذي حُدِّد لمحاكمة شافتسبري ثانيًا، فمن ذا يؤدي لهم هذه المهمة الخطيرة سوى أمير الشعراء «جون دريدن»؟ وأجاب الشاعر دعوة القصر، وأخرج هذه القصيدة «أبشالوم وأكيتوفل» قبيل يوم المحاكمة بأيامٍ قلائل، فنجحت القصيدة نجاحًا منقطع النظير، فطبعت عدة طبعات في أيامٍ قليلة، وأخذ الناس في كل مكانٍ يردِّدون منها أبياتًا وعبارات، والقصيدة رمزية إلا أن رمزها شفاف لم يتعذر على القراء أن يكشفوا عما تحته، فأبشالوم يرمز به لمونْمُثْ،٥ وأكيتوفل يرمز به لشافتسبري،٦ والملك شارل رمز له بداود، ورمز لدوق بكنجهام٧ باسم «زِمْري»،٨ وفيما يلي الصورة المشهورة التي صوَّرَ بها الشاعر شافتسبري:
وفي طليعة هؤلاء كان أكيتوفل الزائف،
وهو اسم حقَّتْ عليه لعنةُ العصور اللاحقة جميعًا،
بارعٌ في حَبك الدسائس والنُّصْح الملتوي،
وإنه لحكيمٌ باسل، مشاغب بفطنته،
قلق لا يستقر على مبدأ ولا يدوم في منصب،
يكون بيده الأمر فلا يقنع، ويزول عنه السلطان فلا يرضى،
له نفس مشتغلةٌ لا تنفك تشق الطريق لنفسها،
فتبرى بذلك جسمًا نحيلًا وتذويه،
وقد أبهظت جسده بعبئها، وإنه لمن طين،
إذا اشتد الخطر ألفيته ربانًا جريئًا،
يغتبط للمخاطر حين يعلو الموج
ويبحث عن العواصف لا يتقيها، بل إنه ليعجز إن ساد الهدوء،
تراه يدنو بسفينته من الرمال ليزهي بفطنته.
إن المواهب العظمى — بغير شك — قريبة الشبه بالجنون،
فلا يفصل النبوغ عن الجنون إلا فاصلٌ رقيق،
وإلا فلماذا — وقد وهب رفعة الشأن والمال —
يأبى على شيخوخته راحةً تريدها؟
لماذا يضني جسدًا وفي وسعه أن يُمْتعه؟
قد أفلس من حياته ومع ذلك يسرف في راحته.

لكن شافتسبري بُرِّئ على الرغم من هذه القصيدة الساخرة، وأصبح في أعين الشعب بطل الساعة، وضُربت أوسمة تحمل اسمه وصورته ونُقشت عليها الشمس تُبدِّد غياهب السحب، تخليدًا لذلك الحادث العظيم.

فكان ذلك داعيًا لإخراج القصيدة الهجائية الثانية وعنوانها «الوسام»،٩ وقد صدرت سنة ١٦٨٢م، وهي شبيهة بسالفتها «أبشالوم وأكيتوفل» في الوزن والأسلوب، وحدث أن عارض هذه القصيدة شاعرٌ يدعى «تومس شادْوِلْ»١٠ بقصيدة يهاجم فيها «دريدن» مهاجمةً شخصيةً عنيفة، فهبَّ شاعرنا لينتقم لنفسه بالقصيدة الهجائية الثالثة، وهي «ماك فِلِكْنو»،١١ فجاءت السخرية فيها لاذعةً مُرَّة، يتخيل فيها دريدن شويعرًا ركيك النظم يسمى «فِلِكْنُو».
بويع بالحكم يافعًا — كأوغسطس — فحكم زمانًا طويلًا،
ولبث في عالم النثر والشعر حاكمًا بغير منافس
يبسط على دولة «الكلام الفارغ» سلطانًا مطلقًا.

•••

وفكَّر أيَّ أبنائه جميعًا لوراثة المُلْك يختار،
بحيث يثير على الذكاء حربًا لا يخبو لها أوار،
ثم صاح: قُضي الأمر، فالطبيعة تنادي
ألا يحكم بعدي إلا من يشابهني بين أولادي،
وليس سوى شادْوِلْ يحمل صورتي كاملة؛
فقد نضج في الغباء منذ نعومة أظفاره،
ليس بين أبنائي جميعًا سوى شادْوِلْ
رسخت قدماه في البلادة الوافية،
فقد يدَّعي سائر الأبناء معنًى ضئيلًا فيما ينطقون،
أما شادْوِلْ فيستحيل أن ينحرف به القول إلى معنًى معقول.

وكأنما لم يَكْفِ الشاعرَ هذه القصيدة في الثأر لنفسه من «شادْولْ»، فانتهز فرصة أخرج فيها شاعر من أنصاره قصيدة تكمل «أبشالوم وأكيتوفل»، فأضاف إليها «دريدن» مائتي بيت يهجو فيها شادول مرةً أخرى.

•••

ولعل شاعرنا بذلك قد أفرغ جعبته في الهجاء، ثم عمر قلبه بالإيمان الديني فوجَّه شعره ناحية الدين، فأخرج سنة ١٦٨٢م قصيدة «رلجيوليسي»١٢ يعرب فيها عن إيمانه بعقيدة الكنيسة الإنجليزية، ثم عقَّب عليها بعد أربعة أعوام بقصيدةٍ دينيةٍ أخرى عنوانها: «الغزال والنمر الأرقط»،١٣ وهي دفاع عن الكنيسة الرومانية الكاثوليكية ساقه في حكايةٍ رمزية، يشير فيها إلى الكنيسة الكاثوليكية بالغزال الناصع البياض، وإلى كنيسة إنجلترا بالنمر الأرقط، كما يشير إلى كثيرٍ من العقائد السائدة في عصره بصنوفٍ من الحيوان ساقها في حكايته، ولسنا نريد أن نتعرض للأسباب التي حملت الشاعر على تغيير عقيدته بين هاتين القصيدتَين، فهو في الأولى — كما ترى — مشايع لكنيسة إنجلترا، وهو في الثانية مهاجم لها؛ لأننا مَعْنِيُّون بالرجل أديبًا، يقول الشاعر في هذه وتلك.
وننتقل بك بعد هذا إلى لونٍ آخر من الشعر؛ شعر الأناشيد، ضرب فيه الشاعر بسهمٍ وافر في قصيدتَين عما من أجمل وأروع ما يصادفك في دولة الشعر، وأعني بهما قصيدة عنوانها «أغنية لعيد القديس سيسلْيا»،١٤  وأخرى عنوانها «وليمة الإسكندر»١٥ التي بلغت في تصوير العواطف الإنسانية المختلفة مبلغًا عظيمًا، والتي بلغ من شهرتها في عالم الأدب أنها تقرن باسم «دريدن» أكثر مما يقرن به سائر نتاجه الأدبي، وكلتا القصيدتَين تمجد الموسيقى، وتبين ما لها من أثرٍ عظيمٍ جليل.

ففي أغنية القديس سيسليا يقول الشاعر إن الموسيقى قد أشاعت الاتساق والتناغم والانسجام في الذرات المتنافرة التي يتألف منها الكون، بحيث أصبح على النحو الذي نرى، وفي وسع الموسيقى أن تثير في الإنسان كل صنوف العواطف على اختلافها، فهي التي تستثير الجند للقتال، وهي التي يبث فيها المحبون أنَّاتهم، ثم يعرج الشاعر على «أورفيوس» الذي جاء في الأساطير أنه كان يحرك الجماد بأنغام موسيقاه.

وفي «وليمة الإسكندر» يصور لك «تيموذيوس» العازف جالسًا على عرشٍ رفيع، وعلى مقربةٍ منه جلس الإسكندر إلى جانب تاييس، وتبدأ الموسيقى ويبدأ الغناء بقصة زواج الإله «جوف» من «أولميبيا»، ثم ينتقل العازف إلى التغني برب الخمر «باكَسْ»، فتفعل الأنغام في نفس الإسكندر فعلها، وتأخذه الحماسة ويملؤه الغرور، ويقصُّ على الحضور قصة حروبه موقعةً بعد موقعة، وهنا يرى العازف أن يكبح هذا الغرور في نفس الإسكندر، فيحول موسيقاه وأنغامه وغناءه، بحيث يروي بها هزائم «دارا»، فتتحرك الشفقة في نفس الإسكندر، ويرقُّ لذلك البطل الكسير ويرثي. ولما كان بين الشفقة والحب وشيجةٌ قوية وصلةٌ قريبة، انتهز العازف تحرك الشفقة في قلب الملك وعرَّج من فوره على أنغام الحب فَلَانَ لها فؤاد الإسكندر، ثم ختم الموسيقار أنغامه بنغمة الثأر والانتقام. وهكذا أخذ يلعب بعواطف الإسكندر، يعلو بها آنًا ويهبط آنًا.

وبعدُ فللشاعر غير هذا كله «متفرقات» و«مترجمات»، وكان أهم من ترجم لهم «دريدن» من الأدباء القدماء «فيرجيل» إذ وفِّق في ترجمته إلى شعرٍ إنجليزي توفيقًا قلَّ أن تجد له نظيرًا في كل ما ترجم من عيون الأدب في العالم.

•••

ولم يكن دريدن شاعرًا وكفى، إنما كان إلى جانب ذلك ناثرًا وكاتبًا مسرحيًّا. ومن الخير أن نتحدث عنه ناثرًا حين نتناول الناثرين في الكلمة التالية لحديثنا عن الشعراء، ثم نتحدث عنه مسرحيًّا عند الكلام على المسرحية في هذا النصف الثاني من القرن السابع عشر.

(١-٣) صموئيل بتلر Samuel Butler (١٦١٢–١٦٨٠م)

لو كان لشعراء الفترة التي نؤرخ لها — النصف الثاني من القرن السابع عشر — طابع يميزهم، فذلك هو الهجاء وكتابة المقالة منظومة في شعر، ولعل من يتلو «دريدن» في هذه الفترة من هؤلاء الشعراء هو «بَتْلَرْ» مؤلف «هيودِبْراس»،١٦ التي صدرت على أجزاء، فنشر أول أجزائها سنة ١٦٦٣م، وبعد إخراج بضعة أجزاء منها تركها المؤلف ولم تبلغ ختامها بعدُ. والقصيدة — رغم نقصها عن التمام — طويلة، يسخر فيها الشاعر من طائفة المتزمِّتين، فبطلها «هيودبراس» يخرج مصحوبًا بتابعه «رالفو» — على نحو ما خرج دون كيشوت مصحوبًا بتابعه سانكوبانزا١٧ — ليثير حربًا شعواء على ما امتلأ به العصر من شرٍّ وانحلال، وفي سياق الحديث يعرِّض الشاعر بأعلام المتزمتين تعريضًا يثير الضحك في القارئ؛ إذ لا يسعه إلا أن يهزأ بهم كما يهزأ بهم الشاعر. ولئن رأينا هذا الأثر الأدبي قد زالت عنه اليوم قيمته، فما ذاك إلا لأن كاتبه قد عُني بأخلاق عصره، وشئون العصر الواحد لا يطول بها الأمد، ولا يُفْسح لها في صفحة الخلود.

وله حكايةٌ رمزية لطيفة عنوانها «الهر والهرة» نسوق منها هذا المثال.

الهرة :
رويدك أيها الغاصب اللعين، لا تغازل على هذا النحو الجريء.
وهل في استطاعتك — في آنٍ واحد — أن تغازل وتسيء؟
الهر :
إنك — بفنون سحرك القوي — فَتَنْتِ روحي،
فأردتُ — بامتصاص دمائك — أن أشفي جروحي.
الهرة :
إن من واجب المحب أن يجعل قلبه هدفًا للشقاء،
قبل أن يريق من الحبيبة قطرة من دماء.
الهر :
أرى جراحكِ فوق السطح، وجرحي دفينًا عميقًا.
جرحتِني في الفؤاد، وخدشتُ جلدك خدشًا رفيقًا.
فبينما غاصت عيناك أعمق مما غرستُ المخلب،
أراك لائمةً على أثر كنتِ له السبب.
الهرة :
كيف استطاعت عيناي البريئتان أن تفتكا بفؤادك؟
ألم تُفْشِ عيناك أنت قبل ذاك سِرَّ غرامك؟
فالجريرة العظمى التي اقترفتْها يديَّ
أَني رؤيت (بعينيك أنت لا بعينيَّ).
الهر : إني أجرح كي أحب، ولست أحب لأجرح.
الهرة : ذلك شرٌّ ممن يقسو ليمرح.

(٢) النثر

(٢-١) جون دريدن

لقد حدثناك منذ قريب عن «دريدن» شاعرًا، وإن نثره لجدير أن تقال فيه كلمة ما دام يحلو لبعض الناقدين أن يعدوه عظيمًا بنثره لا بشعره! ومعظم النثر الذي كتبه «دريدن» مقدماتٌ لمسرحياته وخطاباتُ إهداءٍ لقصائده، وذلك فضلًا عن «مقالة في الشعر المسرحي»١٨ نشرها سنة ١٦٦٧م، فسجلت اسمه بين الطبقة الأولى من رجال النقد، و«مقدمة الحكايات»١٩ التي صدَّر بها ترجمته لحكايات شوسر وبوكاتشو.
أما مقالته في الشعر المسرحي، فقد أنشأها وهو في الريف حين كانت لندن مصابة بالطاعون، وهي في صورة حوار يدور بين أشخاص ترمز أسماؤهم لفريقٍ من أدباء العصر، فاسم منها يشير إلى «دريدن» نفسه وآخر إلى «هاوَرْد»٢٠ وهكذا، ويدور الحوار حول مشكلات النقد الكبرى، فتبسط مشكلة القديم والحديث، ويدافع عن الأخذ بقواعد الأدب القديم متحدث ويعارضه متحدثٌ آخر، ثم يقارن المتحاورون بين أدب المسرح في فرنسا وإنجلترا، فيقول قائل: إن المسرحية الإنجليزية كانت منذ أربعين عامًا تفوق زميلتها الفرنسية، ثم انقلب الوضع وأصبح الأدب المسرحي في فرنسا أصحَّ وأجود؛ لأنهم هناك لا يثقلون مسرحياتهم بكثرة «الحبْكات» الفرعية التي تفسد مجرى «الحبكة» الأصلية، ويتجنبون ما يزل فيه المسرحيون الإنجليز من مزج المأساة بالملهاة في روايةٍ واحدة، ولا يملئون المسرح بمناظر القتل والفتك وغير ذلك من الفظائع التي تنبو عن الذوق المهذَّب السليم، وهنا يرد عليه من يتكلم بلسان «دريدن» فيقول إنه إذا كانت المسرحية الفرنسية أدنى إلى الوقار والهدوء والحشمة من المسرحية الإنجليزية، فذلك كما تزداد هذه الصفات في التمثال المنحوت عنها في الإنسان الحي، ثم يضيف إلى ذلك أن كاتب المسرحية الفرنسية لا يُنْطِق أشخاصه بما يعبر عن العواطف تعبيرًا صحيحًا، وتقل الحركة في المسرحية الفرنسية قلةً ملحوظةً معيبة، ويتلو ذلك عرضٌ نقديٌّ بديع لشيكسبير وبومنت وفلتشر وجونسن. وختام المقالة حوار حول القافية والشعر المرسل، أيهما أفضل؟ وفي هذا الحوار يدافع «دريدن» عن وجوب استخدام القافية في المآسي. ومما هو جدير بالذكر في هذا الصدد أن «دريدن» عاد فعدل عن هذا الرأي حين كتب رواية «أنطون وكليوبطره».

وأما مقالته النقدية الثانية «مقدمة الحكايات» ففيها نقدٌ مقارنٌ قوي، إذ يوازن الكاتب بين شوسر وبوكاتشو موازنة يرجع فيها لتأييد رأيه إلى أعلام الأدب القديم: هومر وفريجل وأوفد، فجاءت مقالة تفيد وتمتع في آنٍ معًا.

(٢-٢) جون بنين Gohn Bunyan (١٦٢٨–١٦٨٨م)

ولد «جون بَنْيَنْ» في قريةٍ قريبةٍ من بدفورد من «أبٍ شريفٍ فقيرٍ عامل»، ولما شبَّ أُرسل إلى المدرسة الثانوية في بدفورد، حيث تعلم «القراءة والكتابة بالقدر الذي يُسمح به لسائر أبناء الفقراء»، ولما غادر المدرسة درَّبه أبوه على حرفته، وهي الصِّفاحة (السمكرة) فاتخذها «جون» مهنةً يرتزق منها في قريته، وقد كان ثائر العاطفة قوي الخيال، إذا ما اجتمعت جماعة الصبيان في بلده على سوء كان هو على رأسها، وبهذا يعترف حين جاوز حد الشباب وعمر قلبه بالتقوى، فقد جرى لسانه بألفاظ السباب، وافترى كذبًا وتسوَّر الحدائق ليسرق ثمارها، لكنه إن كان قد اقترف هذه الهفوات الهينة في شبابه، فقد دفع لها ثمنًا غاليًا في رجولته من ندمٍ وفزعٍ من العقاب الذي لا بد واقعٌ به على ما فرط، وأخذت تلاحقه الرؤى المخيفة منذرةً إياه بأليم العذاب.

شبَّت في إنجلترا الحرب الأهلية بين الملك شارل الأول وأنصاره من جهة وبين البرلمان والمتزمتين الدينيين من جهةٍ أخرى، فانخرط فيها «بَنْيَنْ» جنديًّا محاربًا، ولبث يقاتل عامًا، عاد بعده إلى بلده حيث تزوج. يقول:

«صادفت زوجةً عُرف أبوها بتقواه، فتزوجنا ونحن كلانا على أشد ما نكون فقرًا وعُدْما، لا نملك من أدوات الدار طبقًا أو ملعقةً، لكن زوجتي كان معها كتابان «طريق الإنسان إلى الجنة» و«الشعائر العملية للورع» وهما ما خَلَّفه لها أبوها عند موته، وكنت أقرأ معها هذين الكتابَين حينًا بعد حين، فوجدت فيهما بعض ما سرَّني، لكني لم أصادف فيهما ما حملني على العقيدة المخلصة، وكثيرًا ما كانت تنبئني زوجتي عن تقوى أبيها، وكيف كان يؤنِّب على الرذيلة ويصلحها، سواء وقعت تلك الرذيلة في داره أو بين جيرته، وتقول إنه عاش حياةً دينيةً صارمة في قوله وعمله. إن هذين الكتابَين لم يبلغا مني القلب، لكنهما حركا في نفسي شيئًا من الرغبة في الدين.»

كان «بَنْيَنْ» في تلك الفترة من حياته يختلف إلى الكنيسة في نظام واطراد لا يتخلَّف، ولكنه إلى جانب ذلك لم يستطع أن يتخلص من نزوعه في حياته إلى بعض الشر، كان يطالع الإنجيل ويأسف على خطاياه، فكان هذا الصراع في نفسه بين عمل الرذيلة والندم عليها مصدر شقاء حرمه لذة العيش، ثم أشرق عليه شيء كأنه الإلهام:

«كنت ذات يوم أسافر في الريف، فأغرقت في التفكير في خُبْثِ نفسي، والتأمل فيما ينطوي عليه قلبي من عداوة الله، فطافت بذهني آية الإنجيل: «لقد أخرج الله السلام من الدماء التي أريقت على الصليب»، فرأيت عندئذٍ أن عدالة الله ونفسي الآثمة تستطيعان أن تلتقيا وأن تقبِّل إحداهما الأخرى، لقد أوشكتُ أن يصيبني الإغماء، لا عن غمٍّ وشقاء، بل عن غبطة عظيمة وطمأنينة نفس.»

والتحق «بَنْيَنْ» بجماعةٍ دينية في بدفورد، وأخذ يعظ الناس وسرعان ما ذاع صيته واعظًا قديرًا، لكن عادت الملكية الطريدة إلى إنجلترا، وصدر قانون يوحِّد العقائد الدينية المتباينة في أنحاء البلاد، فحرم بذلك على طوائف البروتستنت أن يجتمعوا، كما عُدَّ التخلف عن الكنيسة جريمة يعاقب عليها القانون، فاتفق «الخوارج» على أن يجتمعوا في الغابات وفي الدور النائية عن العمران، لكن رجال الحكومة كثيرًا ما ألقوا عليهم القبض، وقد قبض على «بَنْيَنْ» نفسه في نوفمبر سنة ١٦٦٠م، فقدِّم إلى القضاء في بدفورد، وكان القضاة يكرهون أن يزجُّوا برجلٍ كهذا في السجن، فحاولوا ما وسعتهم الحيلة أن يحملوه على الوعد بألا يعظ على ملأ من الناس علنًا، فأبى «بَنْيَنْ» أن يَعِدَ بهذا، ولم يجد القضاة بدًّا من الحكم بسجنه، فأرسل إلى سجن بدفورد حيث قضى في غياهبه اثني عشر عامًا، ولما عُرِضَ الحكم على المحكمة العليا في لندن، حاول أعضاؤها ما حاولته محكمة بدفورد من قبلُ، وهو أن يحملوا الرجل على وعد يتعهد به ألا يعظ علنًا، لينجو بهذا الوعد من السجن، ولكنه عاد فأبى؛ لأن الوعد المطلوب منافٍ لما يمليه الضمير، وكم تثبت حوادث الأيام أن الناس يكرهون ما هو خير لهم! إن «بَنْيَنْ» لو أُطلق سراحه من السجن لما زاد على واعظٍ مشهور! لكن السجن أتاح له أن يقرأ وأن يفكر، ثم يكتب. أكبَّ بَنْيَن على قراءة الإنجيل، وهو في سجن بدفورد، يتلوه مرةً بعد مرة بعد مرة، ويظهر أنه قرأ فيما قرأ بعض القصائد الدينية، كما قرأ «ملكة الجن» لسبنسر، و«الفردوس المفقود» لملتن، ثم كتب وهو في سجنه «الرحمة تشمل كبير الآثمين»٢١ والجزء الأول من «رحلة الحاج»،٢٢ وهو الكتاب الذي خلده بين أعلام الأدب، وأُطلق سراح الأديب السجين في الثامن من شهر مايو سنة ١٦٧٢م، وله من العمر أربعة وأربعون عامًا.
وكتب في الأعوام التي تلت خروجه من السجن «مستر بادمان (أي الرجل الشرير): حياته وموته»،٢٣ والجزء الثاني من «رحلة الحاج» و«الحرب المقدسة».٢٤

أما كتاب «الرحمة تشمل كبير الآثمين» — وهو أحد الكتابَيْن اللذين ألفهما في السجن — ففيه تاريخ لحياته وما شهدته تلك الحياة من صراعٍ نفسيٍّ أتينا على طرفٍ منه. وكتاب «مستر بادمان: حياته وموته» يقصُّ علينا في أسلوب المحاورة قصة رجل لا يتمسك بالفضيلة، ولا يرتدع بصوت الضمير، لكنه ناجح في حياته، وفي كتاب «الحرب المقدسة» وصف لقتال يدور بين قوى الشر وقوى الخير في سبيل الحصول على مدينة «مانسول» (أي نفس الإنسان)، أو بعبارةٍ أخرى هو وصف لمعركة يقتتل فيها المسيح والشيطان للظفر بالنفس الإنسانية. وأما «رحلة الحاج» — وهو أعظم كتبه جميعًا — فهو من أشهر الكتب عند القراء الإنجليز بعد الكتاب المقدس، وقد ترجم إلى معظم اللغات الأوروبية، إذ وجد فيه العالم المسيحي كله أدبًا جميلًا ووعظًا خلقيًّا مستساغًا.

ويبدأ الكتاب بهذه العبارة: «بينما كنت سائرًا في بيداء هذا العالم أبصرت بمكانٍ فيه كهف، فأويت إليه لأنام، فلما أخذني النعاس رأيت حلمًا …» ثم يقصُّ الحلم، وهو رحلةٌ قام بها «كرستيان» (أي المسيحي) صادفته فيها مواقف وأهوال يحلل لك الكاتب فيها مشاعر المسيحي الخالص المخلص لدينه.

جَسَّدَ «بَنْيَنْ» في «رحلة الحاج» بعض المعاني المجردة لتقوم مقام الرمز، وكان في فنه من البراعة بحيث خلع على هذه المعاني المجردة لحمًا ودمًا، فتقرأ ما يجري على ألسنتها، فتحسبك مستمعًا إلى حديث يدور بين أشخاص، وفي ذلك يقول «مانولي» إن بَنْيَنْ «يكاد يكون الكاتب الوحيد الذي استطاع أن يجعل من المعاني المجردة أشخاصًا مجسدة.» فقد كان له من دقة الخيال ما استطاع معه أن يصوِّر من تلك المعاني رجالًا من لحمٍ ودم، فإذا ما أجرى حديثًا بين مَعْنَيَيْن كان الحديث أقرب إلى الواقع من كثيرٍ من الحوار الذي تراه في معظم الروايات التمثيلية، وأعجب العجب أن يُخرج هذا الكتابَ صَفَّاح بن صفاح (سمكريٌّ بن سمكري).

كان بَنْيَنْ كاتبًا عظيمًا قويَّ العبارة بسليقته، وهو ثاني اثنين في الأدب الإنجليزي — الآخر هو دِكِنْز في القرن التاسع عشر — جاءا لسانًا معبرًا عن سواد الشعب وعما يدور في رءوسهم ونفوسهم من آمال وأحلام ومخاوف، وكلاهما من طبقات الشعب الدنيا ولم يتلقَّ من التعلُّم إلا قسطًا ضئيلًا.

(٢-٣) صموئيل بيبس Samuel Pepys (١٦٣٣–١٧٠٣م)

تلقى بيبس تعليمه الثانوي في لندن، ثم أكمله في جامعة كيمبردج، فلما بلغ الثانية والعشرين من عمره تزوج، ولم يلبث بعد زواجه أن عينه «سير إدورد مونتاجو»٢٥ — وتربطه القرابة بأسرة بيبس — كاتمًا لسره، وأسكنه هو وزوجته في دار بلندن، وبعدئذٍ عُيِّن بيبس في منصب في البحرية، ولبث فيه حتى شبت الثورة سنة ١٦٨٨م، فكان فيها ختام ذلك المنصب، وزُجَّ في السجن سنة ١٦٩٠م بتهمةٍ سياسية، ثم أُخرج بعد حينٍ قصير.

وقد عُرف بيبس في الأدب بيومياته التي بدأها في يناير سنة ١٦٦٠م، وكان آخر عهده بها آخر يوم من شهر مايو سنة ١٦٦٩م، حيث منعته العلةُ التي أصابت عينَيه أن يستأنف تدوينها، كتب بيبس هذه اليوميات بكتابةٍ مختزلةٍ، وكان يملؤها بالكلمات الأجنبية، ولعله لجأ إلى كل هذا ليخفي معانيه عن كثرة القراء، خصوصًا وقد كان ما يكتبه ماسًّا بأخصِّ شئونه، ولما دنا بيبس من ختام حياته، أهدى يومياته تلك إلى الكلية التي تخرج فيها — وكانت تملأ ست كراسات في كل كراسةٍ خمسمائة صفحة — ولبثت تلك الأوراق حيث وضعت من الجامعة حتى سنة ١٨١٨م، ثم قيَّض الله لها من يحلُّ رموزها بين عامي ١٨١٩ و١٨٢٢م. ونشرت يوميات بيبس للمرة الأولى سنة ١٨٢٥م، أي بعد موته بما يقرب من قرن وربع قرن.

وإن مؤرخ الآداب ليحتفل بهذه اليوميات لما تفردت به من خصائص بين سائر اليوميات؛ ففيها فقراتٌ رائعة في أسلوبها قوية في تعبيرها عن العواطف الإنسانية كما يحسُّها رجل من عامة الناس، نعم شهدت الآداب رجالًا عبروا عن كوامن نفوسهم أصدق التعبير، فهذا هو القديس أوغسطين في القرون الوسطى، وهذا هو روسو في فرنسا، بل هذا هو «بَنْيَنْ» الذي حدثناك عنه منذ قليل. كل هؤلاء أفرغوا أنفسهم فيما يكتبون، لكنهم كانوا رجالًا أعلى من متوسط الرجال، فلم تكن حياتهم هي حياة الرجل العاديِّ كما يألفها كل إنسان، وإن شئت فقل كان هؤلاء وأمثالهم يمثلون النوابغ، ولا يمثلون عامة الناس، وبالطبع قد يعبر النابغ فيما يكتب عن عواطف الناس، لكنه مع ذلك ليس منهم في طريقة تفكيره وإحساسه، أما بيبس في يومياته فرجلٌ عادي يُخرج ما يدور في نفسه من الخواطر والمشاعر إخراجًا أمينًا صادقًا، ويحدثنا عن دقائق حياته، حتى ليصور لنا حياة عصره — منعكسةً فيه — تصويرًا دقيقًا، فلم يُخْفِ شيئًا من دلائل ضعته وخيانته، ولم يهمل شيئًا مما كان ينشب بينه وبين زوجته من خلافٍ وشجار، فكأنما كان «بيبس» يستمد من حياته — بكل ألوانها — متعةً ولذة، فأراد أن يزداد بها استمتاعًا بتسجيل حوادثها ما دقَّ منها وما جلَّ؛ إذ لا فرق عنده بين الحادثة الهامة والحادثة التافهة ما دام قد وجد في كل منهما لذةً ومتاعًا. ولنتصفح هذه اليوميات لنطالع فيها نُتَفًا هنا وهناك، لنرى كيف يبسط الرجل حياته أمامك كما وقعت:

أنا شديد الفرح بطعام الغداء، أفرح وقت الأكل وقبله وبعده، وإنما يزيد من فرحي أن غدائي شهي، أجادت طهيه وتقديمه خادمتنا التي لم يكن لنا سواها، أكلنا دجاجًا وأرانب قُطِّع لحمها في مرق الطماطم (الصلصة) وفخذًا من الضأن، وكان في أحد الأطباق ثلاث أسماك، وطبقٌ عظيمٌ آخر فيه ضلع الضأن، وطبق فيه حمام مشويٌّ، وآخر فيه أربعة من «الجنبري» وثلاث فطائر، ثم نوع من فطير السمك (وهو نادر جدًّا) وطبق من السمك الصغير، وشربنا ألوانًا من الخمر، وكان كل شيء على خير ما يرجى، حتى لقد وقع كل شيء من نفسي موقع الرضى العظيم.

ألا يلقي لك مثل هذا القول ضوءًا على اهتمام الناس بطعامهم في القرن السابع عشر؟ ولكنك يجب أن تذكر أن القوم في ذلك العهد كانوا يأكلون وجبةً كبيرةً واحدة في الغداء، ثم لا يأكلون في الليل إلا عشاءً خفيفًا، ومن هنا كان ازدحام مائدة بيبس بألوان الطعام!

ذهبت بصحبة زوجتي إلى مسرح «كِنْجِزْ هاوس»٢٦ (معناها بيت الملك) لأشهد «الشهيدة العذراء»٢٧ تمثل لأول مرة، وهي روايةٌ ممتعة حقًّا، لا لأن الرواية في ذاتها كبيرة القيمة، ولكن لأن «بِكْ مارشال»٢٨ أجاد تمثيلها، على أن ما سرَّني سرورًا لم يبعثه في نفسي شيء في العالم، هو «موسيقى القِرَبِ» حين يهبط «المَلَكُ» من السماء، فقد كانت الموسيقى من الحلاوة، بحيث ملكت عليَّ فؤادي، وبعبارةٍ موجزة، لَفَّت نفسي لفًّا أوقع بي العلة، وهو إحساسٌ أحسست مثله في عهدٍ سلف حين كنت أحبُّ زوجتي، فلم أستطع والموسيقى تعزف، بل لم أستطع وأنا في طريقي إلى داري ذاك المساء، ولا حين كنت في الدار، أن أركِّز ذهني في شيء، بل ظللت طوال الليل مسحورًا، ولم أكن أصدق أن الموسيقى استطاعت في يومٍ من الأيام أن تتمكَّن من نفس إنسان بمثل ما تمكَّنت من نفسي ذاك المساء، وقد صممت عندئذٍ أن أمارس بنفسي عزف «موسيقى القِرَبِ» وأن أحمل زوجتي على ممارستها.

ومن ذلك ترى مقدار حبه للموسيقى، وهي صفةٌ عُرِف بها على الرغم من قلة ثقافته؛ فقد كان لا يُعنى بالقراءة إلا قليلًا، وكان ماديًّا في نزعاته وميوله، يهمه جمع المال وادخاره أكثر مما تهمه جوانب الجمال في العالم من حوله، لكنه إلى جانب هذه المادية كان مخلصًا في عقيدته الدينية، محبًّا للموسيقى — كما رأيت — ولعل هاتين الصفتين أن تكونا كل ما اتصف به الرجل من الخلال الروحية، وأما سائر جوانب حياته فماديةٌ صميمة.

وما دمنا قد ذكرنا في اليومية السابقة ذهابه إلى المسرح، فيحسن أن نشير في هذا الموضع إلى ولعه بالمسرح، وقد شارك أهل عصره — عصر عودة الملكية — في التقليل من شأن شيكسبير، فرواية «روميو وجوليت» في رأيه أسوأ مسرحية شهدها في حياته، ورواية «عطيل» مسرحيةٌ حقيرة، و«حلم ليلة في منتصف الصيف» مسرحيةٌ باردة لا طعم لها.

وهاك بعض أمثلة أخرى تتناول شئون حياته اليومية:

«لما صحوت من نومي بغتةً هذا الصباح، صدمت زوجتي بمرفقي صدمة قوية على وجهها وعنقها، فأيقظتْها الصدمة وهي تتألم، وأبديتُ أسفي وأخذني النعاس من جديد.

عدتُ إلى الدار ووجدت كل شيءٍ على وجهه الصحيح، إلا أنني كنت منقبض النفس قليلًا لما أبدته زوجتي من إهمال؛ إذ تركت غلالتها وصدارها وملابس نومها في العربة التي أقلتنا من وستمنستر اليوم، ولو أنني أعترف أنها كانت قد أعطتها لي لأرقبها، إن خسارتنا بهذا تبلغ خمسة وعشرين شلنًا.»

يوم آخر:

«ذهبت مع زوجتي إلى غرفتها لأفحص حساب المطبخ كما أثبتَتْه، وهنالك اشتجرنا لشرائها منديلًا مطرَّزًا وقلنسوة بغير إذني، ومن ثمَّ غضبنا وواصلنا الغضب حتى ساعة النوم.»

وهكذا تقرأ في يوميات بيبس عن دقائق حياته، كما تطالع فيها آراءه في المسرح وفي الكتب القليلة التي قرأها وفي المواعظ التي سمعها في الكنيسة أيام الآحاد، وفي الحوادث السياسية الهامة، ولو أنه كان شديد الحرص فيما يمسُّ السياسة؛ لأنه عاش في عصرٍ مضطربٍ مليء بالقلاقل، هو عصر عودة الملكية، وتقرأ له أيضًا مذكراته الشائقة عن الطاعون الذي تفشى في لندن وعن حريق لندن المعروف، تقرأ كل هذا فتحسبك شاهد عيان يرى ويسمع.

إن لهذه اليوميات قيمةٌ عظيمة في الأدب الإنجليزي؛ لأنها — كما قلنا — تصور لنا عصر بيبس — النصف الثاني من القرن السابع عشر — تصويرًا فيه كل الدقائق، ولأنها تدلنا على الذوق الأدبي الذي كان سائدًا إذ ذاك، وذلك استنتاجًا من الإشارات الكثيرة التي أثبتها الكاتب عن المسرحيات التي شهدها؛ ولأنها تزيد من علمنا باللغة الإنجليزية الدارجة في ذلك العهد؛ ولأنها فوق ذلك كله خير ما شهد الأدب الإنجليزي من يومياتٍ واعترافاتٍ يصب فيها الكاتب نفسه في غير حياءٍ أو حرج، فيوميات بيبس في الأدب الإنجليزي تحتل مكانةً شبيهة بمكانة «اعترافات» روسو في الأدب الفرنسي وذكريات «بنفنوتو تشلِّيني» الذي تحدثنا عنه في أدب النهضة في إيطاليا.

(٢-٤) جون إفلن Gohn Evelyn (١٦٢٠–١٧٠٦م)

وهذا كاتبٌ آخر نعرفه بيومياته، لكن مسافة الخُلْفِ بعيدة جدًّا بينه وبين «بيبس» في هذا الفن من فنون الأدب. سافر «إفلن» في أرجاء أوروبا في وقتٍ كانت فيه إنجلترا تضطرب فيها الأحداث السياسية اضطرابًا شديدًا، وأنفق في رحلته ثلاث سنوات سجل حوادثها في الجزء الأول من يومياته.

ولما عاد إلى بلاده أنفق معظم وقته يطالع ويفلح حديقته، وعلى الرغم من أنه عاش في القرن السابع عشر، إلا أن ذوقه وأسلوبه أقرب إلى الذوق والأسلوب اللذين سنشهدهما في أدب القرن الثامن عشر، فهو كلف بالصناعة في الكتابة وفي ألوان الفن جميعًا، يكره غابة فونتِنْبِلُو — في فرنسا — لأنها على غير نظام وتنتثر فيها الصخور، ولا تعجبه جبال الألب؛ لأنها خشنة لا تستقيم فيها الجوانب والسفوح، ولكنه يحب الحديقة المنسقة التي تناولتها يد البستاني بالتشذيب. وهكذا يكره الأسلوب إذا لم تكن فيه العناية بالصقل باديةً ظاهرة، شأنه في ذلك شأن المدرسة الاتباعية (الكلاسيكية) التي استهلَّ بها الأدبُ الإنجليزي القرن الثامن عشر، كأنما كان «إفلن» — وكما كان دِرَيْدِنْ أيضًا — طليعة تبشر بقدوم عهدٍ أدبيٍّ جديد.

وإن كانت يوميات بيبس تدلنا على صورة الحياة التي كان يحياها رجلٌ ضحل الثقافة متوسط الثراء في القرن السابع عشر، فإن يوميات «إفْلِنْ» ترسم لنا حياة السيِّد من سادة الريف، كيف كان يفكر وعلى أي نحوٍ كان يعيش.

(٣) المسرح

أغلق المتزمِّتون الدينيون أبواب المسارح سنة ١٦٤٢م؛ لأنهم رأوا فيها مباءات إفساد لا تتفق مع الدين القويم، لكن هذا التحريم القانوني لصناعة التمثيل لم يمنع جماعات الممثلين أن يجوبوا في البلاد، فيمثلوا مسرحياتهم في أفنية الفنادق وساحات الأسواق. ثم حدث أن سافرت جماعة من الممثلين إلى ألمانيا لتُمثِّل هناك رواياتٍ إنجليزية، وبهذا احتفظ الممثلون بصناعتهم حتى زالت عنهم غاشية التزمُّت بعودة الملكية، أضف إلى ذلك أن بعض الكتَّاب المسرحيين لم يمتنعوا عن كتابة مسرحياتهم، وإن لم تجد سبيلها إلى المسرح، فعمل ذلك كله على بقاء التقاليد والأوضاع المسرحية على الرغم من تحريم التمثيل في عهد المتزمتين.

فلما عاد شارل الثاني إلى عرش البلاد، بعد زوال جمهورية المتزمتين، سمح للمسارح أن تفتح أبوابها من جديد، فوجدت المسرحية نفسها موصولة العلاقة بما كان سائدًا قبل إغلاق المسارح، وأخذ القوم يكتبون رواياتٍ جديدة، ويمثلون إلى جانبها رواياتٍ قديمة من إنتاج شيكسبير وبن جونسن وبومنت وفلتشر وغيرهم؛ فكان ذلك داعيًا لكتَّاب العهد الجديد أن يترسموا خُطى رجال العهد السابق، ولكنهم تأثروا إلى جانب ذلك بالأدب الفرنسي إلى حدٍّ بعيدٍ عميق، فقد طُردت الملكية من إنجلترا وأقام رجالها في فرنسا، حيث عرفت مآسي «كورني» وملاهي «موليير»، واستمد شارل الثاني ذوقه الأدبي من هذا الجو الجديد، فلما عاد إلى بلاده لم يكن بدٌّ من فرض ذوقه المكتسب على الكتَّاب الإنجليز، فأخذت الملهاة تقتفى في بعض أوضاعها آثار موليير، ودخلت القافية المزدوجة في كتابة المأساة نقلًا عن الفرنسيين، وتُرجمت عن الفرنسية مسرحياتٌ لتمثَّل على المسارح في لندن.

ولسنا نستطيع أن نصف حالة الكتابة المسرحية في النصف الثاني من القرن السابع عشر، أي في عهد عودة الملكية، دون أن نشير إلى التحلل الخلقي العجيب الذي ساد الأدب المسرحي عندئذٍ، فلئن اشتد المتزمتون في قيودهم الأخلاقية التي فرضوها على الناس وبالغوا في فرضها، فقد تطرف رجال القصر عند عودتهم من فرنسا في مجونهم واستهتارهم، ولما كان المسرح مكان متعتهم، فلم يكن مناصٌ من أن يمتعهم أدباء المسرح بما يحبون، من خلاعةٍ واستهتار ومجون، بحيث أصبحت المسارح ضربًا من اللهو يجفل منه المحافظون ويتحرجون من مشاهدته.

أما المسرح نفسه من حيث إعداده وإخراج الرواية ممثلةً عليه، فقد دخلته تغيراتٌ هامة جديرة بالذكر في هذا الموضع.

كان المسرح في عهد اليصابات غنيًّا بملابس الممثلين فقيرًا بالمناظر التي ترسم على جدران المسرح نفسه، فالممثلون يرفلون في ملابسَ مزخرفةٍ مزركشة على مسرح يكاد يكون خاليًا من كل رسم مما نعهده على مسارحنا اليوم، ويصوِّر لنا البيئة التي تجرى فيها حوادث الرواية، نعم كانت «المُقَنَّعَاتُ» تعنى برسم المناظر، لكن المقنعات — كما عرفت — كانت تمثل في قصور الملوك والأمراء ولا تمثل على المسرح، فلما عادت الملكية إلى إنجلترا وافتتح المسرح عهدًا جديدًا أخذ أصحاب المسارح يُدخلون المناظر على مسارحهم، فكان لذلك نتائجُ هامة وخطيرة في تأليف المسرحية، منها أن يقتصد الكاتب جهد طاقته في الأماكن التي تقع فيها حوادث روايته، حتى لا يضطر المخرج إلى إعداد المناظر الكثيرة التي تلائم تلك الأماكن، فشيكسبير في رواية «أنطون وكليوبطره» — مثلًا — لم يجد مانعًا من الانتقال بحوادث روايته من الإسكندرية إلى مسينا إلى روما إلى سوريا وأثينا وغيرها، إذ لم يكن على الممثلين إلا أن يعلقوا لوحة على المسرح يكتب عليها اسم المكان الذي تقع فيه الحوادث الممثَّلة، أما «دريدن» الذي تناول نفس الموضوع في إحدى رواياته التمثيلية في عهد عودة الملكية، فقد حصر حوادث روايته كلها في الإسكندرية ليسهل على المخرج أن يصوِّر منظرًا يمثل مكان الحوادث. ونتيجة أخرى ترتبت على إدخال المناظر المصورة في الفن المسرحي، وهي أن تغيير تلك المناظر من فصلٍ إلى فصل يستدعي أن يقف التمثيل برهةً قصيرة، ومن هنا لم تعد الرواية تمثل في اتصال لا ينقطع — كما كانت الحال في عصر شيكسبير — بل أخذت فترات الراحة تتخلل الفصول كما نرى اليوم، وعن هذه النتيجة تفرعت نتيجةٌ أخرى، وهي أن يقصِّر الكاتب روايته حتى يعوض بقصرها فترات الراحة فلا يطول مكث النظارة عما كان.

وكان المسرح في عهد اليصابات مصطبةً بارزة في فناءٍ مكشوف، ويجلس النظارة على جوانبه الثلاثة، بل ويجلس بعضهم فوق المسرح نفسه نظير أجرٍ إضافي يدفعونه. أما في العهد الجديد فقد تغير وضع المسرح، بحيث أصبح النظارة يواجهونه من ناحيةٍ واحدة، على هيئةٍ قريبةٍ جدًّا مما نشاهد اليوم، وأصبح المسرح الجديد مسقوفًا، ومن هنا أخذوا يضيئونه بمصابيح، ولم يعد ما يمنع أن يقع التمثيل ليلًا. أما في عصر شيكسبير فكان التمثيل في فناءٍ مكشوف، فلا مصابيح تُضاء ولا تمثيل بعد الغروب.

ولعل أهم ما دخل على المسرح من تغير، هو استخدام النساء في أدوار النساء، بعد أن كان الغلمان يلعبون هذه الأدوار، ولعلك تذكر كيف كان يلجأ شيكسبير في كثيرٍ جدًّا من رواياته إلى خدعةٍ مسرحية؛ هي أن يجعل الفتاة تدعي أنها فتًى، وتلبس ملابسه، وتتحدث بلسانه؛ وذلك لأنه يعلم أن دور الفتاة سيمثله فتًى، فالأفضل أن يُجرى على لسانه ما يتفق مع طبيعته، أضف إلى ذلك أن كتَّاب المسرحية في عصر اليصابات كانوا يقتصدون في أدوار النساء لعلمهم بصعوبة تمثيلها، أما بعد عودة الملكية فقد ظهر النساء على المسرح، وكثرت — تبعًا لذلك — أدوار النساء في المسرحيات المؤلَّفة في ذلك العهد.

وحسبنا هذه الكلمة العامة لنقدم إليك بعض كتَّاب المسرح في ذلك العهد:

(٣-١) جون دريدن

ذكرناه شاعرًا وناثرًا، وها نحن نقدمه مسرحيًّا نابغًا.

أول مسرحية له مُثِّلتْ ملهاةٌ نثريةٌ عنوانها الشَّهْم «الغليظ»،٢٩ ولكنها لم تصادف نجاحًا، فأعقبها «النساء المتنافسات»،٣٠ وهي ملهاةٌ أيضًا كتبها شعرًا، قَفَّى بعضه وأرسل بعضه الآخر، فكانت أنجح من سالفتها.
وكان «دريدن» في بدء حياته الأدبية مؤمنًا بأن المأساة لا يجوز أن تكتب إلا في شعر مقفًّى؛ لأن الشعر المرسل لا يلائمها، وعلى هذا الأساس أخرج روايتَيه «الملكة الهندية»٣١ و«الإمبراطور الهندي»،٣٢ وقد شاركه في كتابة الأولى صهره «هاوَرْد»، لكن هذا الشريك عاد فانقلب على استخدام الشعر المقفَّى في المسرحية، ومن هنا نشأت معركةٌ أدبيةٌ لطيفة بين «دريدن» مدافعًا عن القافية و«هاورد» مدافعًا عن الشعر المرسل، وقد ذكرنا طرفًا من هذه المعركة عند الكلام على «مقالة في الشعر المسرحي» التي كتبها «دريدن» في النقد الأدبي.
ومن المآسي المشهورة التي كتبها شعرًا مقفًّى، رواية «الحب الطاغي»٣٣ و«فتح غرناطة»،٣٤ وفي هذه الرواية الأخيرة ترى «المنصور» يقوم بأعمال البطولة التي بالغ فيها الشاعر مبالغة أخرجتها عن الطبيعي المعقول، وهو يصور لنا بطله قُلَّبًا لا يستقر على حال، فهو يأسر مخطوبة الملك ويشغف بها حُبًّا، ويعلن للمحبوبة هذا الحب الشديد، وتصدُّ عنه الفتاة، فينقلب المنصور على أصدقاء الأمس ليقف إلى جانب أعدائه لعل ذلك يؤدي به إلى الظفر بحبيبته، ويعيد الملك المخلوع إلى عرشه، ثم يطلب يد الفتاة بعد هذا كله فيُرفض طلبه، فينقلب من جديد على هذا الملك ليعين عليه أعداءه. ورواية «فتح غرناطة» مكتوبة بأسلوبٍ فخم جاوز بفخامته كل حدٍّ معقول، فظهرت فيها الصناعة ظهورًا قبيحًا، ومع ذلك فقد صادفت إعجابًا شديدًا عند الملك شارل الثاني ومنحه بعدها لقب أمير الشعراء.
هنا حاول أعداؤه أن يهدموا مجده الأدبي، فتعاونت طائفة منهم على إخراج رواية أطلقوا عليها «التسميع»٣٥ جعلوا بين أشخاصها شخصًا يسمى «مستر بايز»٣٦ يرمزون به إلى دريدن، وأخذوا يصبون عليه السخرية والنقد اللاذع، ويضحكون من نوع المسرحية التي أُغرم بها دريدن، وهي التي تسمى «بالمسرحية الحماسية»،٣٧ وقد كانت المسرحية الحماسية هي الشائعة السائدة في عصر عودة الملكية، وأهم خصائصها أنها مُقَفَّاةٌ بالقافية المزدوجة، وأنها تبالغ في كل شيء. وخلاصة رواية «التسميع» هي أن مدنيًّا يدعى «جونْسُنْ»، وريفيًّا يسمى «سمث» جاء إلى المدينة لتوِّه، التقيا برجلٍ يكتب المسرحيات اسمه «بايز» (وهو اسم يشير إلى دريدن) فدعاهما «بايز» أن يصحباه إلى المسرح ليطلعهما على روايةٍ له، وهي في مرحلة التسميع، أي حين يتدرب الممثلون على أدائها. ويذهب الرجلان مع «بايز»، ويأخذ الممثلون في أداء التجربة، فيسأل المدني والريفي أسئلة تبعث النظارة على الضحك، وتبين مواضع الضعف جليةً واضحة، وهو ما أراده مؤلفو الرواية، وأخيرًا ينتهز الرجلان الزائران فرصة اشتغال «بايز» مع أحد الممثلين فيخرجان خلسة، فيسرع «بايز» وراءهما ليعيدهما حتى يشهدا الرواية إلى آخرها، حتى إذا ما رجع بهما وجد الممثلين قد غادروا المسرح ليأكلوا طعام الغداء.
ظهرت رواية «التسميع» فتلقاها «دريدن» بصدرٍ رحب، ويقال إنه لبث بعدها أمدًا لا يكتب المأساة ويكتفي بكتابة الملاهي؛ لأن «الرواية الحماسية» التي ضحك منها مؤلفو «التسميع» لا تكون إلا مأساة، فأراد «دريدن» فيما يظهر أن يبعد عن موطن السخرية حينًا، وفي هذه الفترة أخرج ملهاتَين هما «الزواج البدع»٣٨ و«الحب في دير الراهبات»٣٩ وفي السنة التي مات فيها «مِلْتُنْ» — ١٦٧٤م — حوَّل «الفردوس المفقود» إلى قالبٍ تمثيلي مقفًّى، وأطلق عليها «حالة الطهر»٤٠ ولم يُرِدْ بها أن تُمثَّل على المسرح، بل لعله أراد أن يحيي بها الشاعر العظيم.
ومضى بعد ذلك عام واحد، ثم أخرج «دريدن» مسرحية هي على الأرجح خير مسرحياته جميعًا، عنوانها «أورنج زيب»،٤١ وهي آخر مآسيه التي تجري فيها القافية، وقد كتب في مقدمتها أنه لم يعد يعتنق الرأي الذي دافع عنه بحرارة اثني عشر عامًا ضد صهره الشاعر «سير هاوَرْد»، ونعني به رأيه في وجوب أن تكون المأساة شعرًا مقفًّى.
ولهذا كانت روايته التالية شعرًا مرسلًا، وموضوعها أنطون وكليوبطره، وعنوانها «كل شيء في سبيل الحب»،٤٢ وهي أحب رواياته إليه، والحق أنها مسرحيةٌ غاية في الجودة، ولولا أن شيكسبير له رواية في نفس الموضوع خفتت إلى جانبها رواية دريدن، لما أصبحت هذه مغمورة مجهولة من جمهرة المتأدبين على نحو ما نرى اليوم، فقد تكون رواية «دريدن» أجود من رواية سلفه العظيم في البناء والحبْك؛ لأنه حصر الحوادث في الإسكندرية ولم يوزعها على مدنٍ كثيرة كما فعل شيكسبير، وأشخاصه أقل عددًا من الأشخاص في رواية شيكسبير، فساعده هذا وذاك على أن تخرج روايته موحَّدةً موصولة الأجزاء، وقد برع «دريدن» وأجاد في تصوير «أنطون»، لكنه قصَّر في رسم كليوبطره عما بلغه شيكسبير في تصويرها وإجراء الشعر على لسانها، فكان هذا وحده خافضًا لروايته رافعًا لرواية سلفه.

وللشاعر غير ما ذكرنا رواياتٌ أخر، إذ بلغ ما أنتجه نحو ثلاثين رواية، بينها كثير لا قيمة له في ميزان النقد، ولكن اثنتين أو ثلاثًا منها ارتفعت إلى صف المسرحية العظيمة، فلم يَدْنُ منها شيء مما كتب في عصر الشاعر. بل لم يدْنُ منها شيء مما كتب في الإنجليزية منذ عهد اليصابات العظيم.

(٣-٢) وليم كنجريف William Congreve (١٦٧٠–١٧٢٩م)

هو أنبغ من شهد الأدب الإنجليزي إطلاقًا في ضربٍ من الملهاة يسمى «ملهاة السلوك»،٤٣ والملهاة من هذا النوع إنما تصوِّر سلوك الناس كما هو في حياتهم المنزلية، ولا تحاول أن تسخر من الرذيلة ومن غفلة الناس وحمقهم في طريقة سلوكهم، فتصوير الواقع في «ملهاة السلوك» هو كل شيء، ولا عبرة بما توحيه الرواية في أنفس النظارة من رذيلةٍ أو فضيلة، وبطل مثل هذه الملهاة هو الشاب المستهتر الماجن، الذي لا يعبأ بالأخلاق قيد أنملة، ولا يشغله إلا غرامه ومتعته، وقد كثر الشباب من هذا الطراز عند عودة الملكية؛ إذ التفَّ بالملك وحاشيته أبناء الأسر الرفيعة من أمثال هؤلاء، وبطلة الرواية تتصف بشدة حيويتها ورشاقتها، فالمرأة الخفيفة الرشيقة أفضل عند رواد المسرح عندئذٍ — حاشية الملك وأتباعهم — من المرأة الفاضلة، وموضوع الرواية عادة هو أن «تستغفل» الزوجة الماجنة زوجها أو أباها أو ولي أمرها كائنًا من كان.

تلك هي «ملهاة السلوك» التي عنيت في عصر عودة الملكية بتصوير الواقع، والتي برع فيها «كونجريف» وأجاد.

ولد كونجريف في بلدٍ قريبٍ من ليدز عام ١٦٧٠م، وكان أبوه ضابطًا في الجيش، لكن لم يكد ولده وليم يشهد النور، حتى عُين في منصبٍ جديدٍ في أيرلنده، فانتقل إليها مصحوبًا بأسرته، وهنالك تلقَّى وليم علومه زميلًا للكاتب المشهور «سوِفْت» (صاحب رحلات جلفر).

ولما دنا الشاب من عامه العشرين، عاد إلى إنجلترا، وكان قد أحسَّ في نفسه ميلًا قويًّا نحو الأدب، فسرعان ما توشجت الأواصر بينه وبين دريدن، فتعاونا معًا على ترجمة بعض الآثار الأدبية القديمة، ولما بلغ من العمر ثلاثة وعشرين عامًا أخرج أولى ملاهيه «العزب العجوز»،٤٤ وقد نجحت على المسرح نجاحًا عظيمًا، ولبثت قائمةً أربعة عشر يومًا، وهي مدةٌ طويلة جدًّا في ذلك العهد، وكوفئ الكاتب بما لم يكافأ به كاتبٌ سواه على رواية؛ إذ أسند إليه وزير المالية عندئذٍ (لورد هالفاكس) منصبًا يدر عليه راتبًا كبيرًا، وأخذت المناصب تتكاثر عليه، حتى بلغ دخله الحكومي مائتين وألفًا من الجنيهات في العام، وسمع كونجريف من عبارات الثناء والمدح يوجهها إليه أئمة الأدب في عصره — دريدن وبوب — كما يوجهها إليه سيدات القصر والحاشية، ما ملأه بالغرور، وقد جاءه فولتير في زيارةٍ فقال له كونجريف في كبرياء إنه يود أن ينظر إليه فولتير سيدًا من السادة لا كاتبًا يؤلف المسرحيات، فأجابه زعيم الساخرين بقوله: «لو كنتَ سيدًا من السادة وكفى لما جئت لزيارتك» وتركه في ازدراء.
وأخرج الكاتب ملهاته الثانية «المخادع»٤٥ فلقيت من نقاد الأدب أعظم الثناء، لكنها لم تصادف قبولًا حسنًا في أول الأمر عند عامة الناس، ثم عقب عليها بملهاةٍ ثالثة عنوانها «حبٌّ بحبٍّ»،٤٦ وهي أفضل من سابقتَيها؛ إذ لا تقل عنهما في حلاوة الحوار، ثم تفُوقُهما في تصوير الشخصيات تصويرًا جاء أقرب إلى الحياة النابضة.
ثم أخرج كاتب الملاهي بعد ذلك مأساة «العروس الحزينة»،٤٧ التي لبثت أمدًا طويلًا أشهر نتاجه بين القراء، وقد وردت في هذه الرواية قطعة يصف بها الشاعر كنيسة، قال عنها الدكتور جونس — وهو نقادةٌ مشهور في أدب القرن الثامن عشر — إنه لو طلب إليه «أن يختار من الشعر الإنجليزي كله أجود ما فيه لما وجد قطعة يؤثرها على هذه الأبيات التي صاح بها رجل في فناء الكنيسة الخاوية»:
كلا، لقد أخرس كل شيء، إنه سكون كسكون الموت، ألا ما أبشعه!
إن هذه البِنية السامقة لها وجهٌ وقور،
عمدها القديمة شامخة برءوسها المرمرية؛
لترفع سقفها الثقيل بقبابه العالية،
وإن السقف لمكين بثقله راسخ،
كأنما هو الهدوء يرنو بناظريه! إنه يبعث رهبة
وفزعًا في عينيَّ الكليلتَين، والقبور
وكهوف الموتى العتيقة تبدو باردة،
وتبعث القشعريرة في قلبي الراجف،
هات لي يدك وأسمعني صوتك،
أسرع فتحدث إليَّ، لأسمع
صوت حديثك، فصوتي يفزعني بأصدائه.

لكن العصر الحديث بنقَّاده وقرائه يرفض أن يجعل لهذه القطعة الشعرية كل القيمة التي قوَّمها بها الدكتور جونْسُنْ.

وختم «وليم كونجريف» نتاجه المسرحي بملهاة «طريقة الدنيا»٤٨ التي اختلف في تقديرها رجال النقد اختلافًا عظيمًا، فمنهم من جعلها آية إنتاجه، ومنهم من وصفها بالفشل. ومهما يكن من أمر فلم تصادف على المسرح عند إخراجها نجاحًا.
وزخر الأدب في «عصر العودة» بكثير غير هذين من رجال المسرحية، منهم «وليم وتشرلي»٤٩ و«فانبره»٥٠ و«ناثانَيْل لي»،٥١ وغيرهم ممن لا يتسع هذا العرض السريع لذكرهم.

ها قد بلغنا بالأدب الإنجليزي ختام القرن السابع عشر، وأشرفنا به على حركةٍ اتباعية (كلاسيكية) جديدة استهلَّ بها القرن الثامن عشر، فلنقف حينًا لننتقل إلى أدبٍ زاخرٍ زاهرٍ خصيب ظهر في فرنسا في القرنَين السابع عشر والثامن عشر.

١  Heroic Stanzas on the Death of Oliver Cromwell.
٢  القافية المزدوجة — كما سبق — هي التي تقفي كل بيتَين متعاقبَين بقافيةٍ واحدة، والقافية المزدوجة نوعان: نوع يتألف فيه البيت من عشرة مقاطع، وآخر يتألف فيه البيت من ثمانية، والنوع الأول يستخدم على صورتَين: فهو إما «مغلق» أو «متدفق»، ففي «المغلق» يقوم كل بيت بمعنًى مستقل، وهذا هو الذي يسمى «بالحماسي» كالذي استخدمه «دريدن» و«بوب»، وأما في «المتدفق» فيجري المعنى من بيتٍ إلى الذي يليه، بل قد يجري من زوجٍ إلى الزوج الذي يليه، وليست الأبيات المزدوجة ذات المقاطع العشرة مستحدثة على يدَي دريدن، إنما هي قديمة في الأدب الإنجليزي، استخدمها شوسر في «المقدمة»، وفي كثيرٍ من «حكايات كانتربري» (راجع شوسر)، وكتب بها مارلو وشيكسبير. أما الذي بدا في عهد اليصابات فهو أن تكون هذه الأبيات المزدوجة «مغلقة» فيستقل كل بيتٍ بمعناه، وأخذت هذه النزعة تزداد، حتى اشتدت عند دريدن، ثم بلغت كمالها عند «بوب»، ثم عاد الأدباء في أول القرن التاسع عشر إلى إيثار تدفق المعاني من البيت إلى الذي يليه، ومن الزوج إلى الذي يليه؛ إذ في ذلك حرية وطلاقة.
وأما الزوج الذي يُركَّب البيت فيه من ثمانية مقاطع، فهو أقدم من زميله عهدًا في الأدب الإنجليزي؛ إذ نقل إليه من الأدب الفرنسي في العصور الوسطى.
ونحن إذ نقسم الشعر المزدوج القافية إلى هذين النوعَين، لسنا نقصد إلى الاستقصاء الجامع المانع؛ لأن هناك قوافيَ مزدوجة يتركب فيها البيت من اثنى عشر مقطعًا، وأخرى يتركب البيت فيها من أربعة عشر مقطعًا، كما أن هناك منها ما يتركب البيت فيها من مقطعَين أو ثلاثة، ولكن هذه كلها قلة أهملناها في التقسيم.
٣  Annus Mirabilis.
٤  Absalom and Aehitophel.
٥  Monmouth.
٦  Shaftesbury.
٧  Villiers, Duke of Buckingham.
٨  Zimri.
٩  The Medal.
١٠  Thomas Shadwell.
١١  Mac Flecknoe.
١٢  Religio Laici.
١٣  The Hind and the Panther.
١٤  Song For St. Cecilia’s Day.
١٥  Alexander’s Feast — ويلاحظ أن هذه القصيدة أيضًا يقدمها الشاعر نشيدًا يكرم به عيد القديس سيسليا.
١٦  Hudibras.
١٧  راجع سيرفانتيز في الأدب الإسباني في عصر النهضة.
١٨  Essay on Dramatic Poesy.
١٩  Preface to the Fables.
٢٠  Howard، وهو صهر الشاعر، تزوج دريدن من أخته، وكان مشتغلًا بالأدب.
٢١  Grace Abounding to the Chief of Sinners.
٢٢  Pilgrim’s Progress.
٢٣  The Life and Death of Mr. Badman.
٢٤  The Holy War.
٢٥  Sir Edward Montagu.
٢٦  King’s House.
٢٧  The Virgin Martyr.
٢٨  Beck Marshall.
٢٩  The Wild Gallant.
٣٠  The Rival Ladies.
٣١  The Indian Queen.
٣٢  The Indian Emperor.
٣٣  Tyrannic Love.
٣٤  The Conquert of Granada.
٣٥  The Rehearsal.
٣٦  Mr. Bayes.
٣٧  The Heroic Play.
٣٨  Marriage à la Mode.
٣٩  Love in a Nunnery.
٤٠  The State of Innocence.
٤١  Aureng-Zebe.
٤٢  all for Love.
٤٣  Comedy of Manners.
٤٤  The Old Bachelor.
٤٥  The Double Dealer.
٤٦  Love for Love.
٤٧  The Mourning Bride.
٤٨  The Way of the World.
٤٩  William Wicherley.
٥٠  Vanbrugh.
٥١  Nathaniel Lee.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١