الحكاية مش حكاية الغارة ولا الطيارة

على رأي صديقنا المرحوم «عبد الحليم حافظ» حين كان يقول: إخواني … يا إخواني … الحكاية مش حكاية السد إنما الحكاية، ثم يبدأ في رواية قصة … قصة السد العالي من زاويةٍ أخرى.

على رأي عبد الحليم أقول: إخواني … يا إخواني … الحكاية مش حكاية الغارة ولا الطيارة، الحكاية أخطر وأعمق وأهم بكثير جدًّا من كل ما حدث، فإن ما سوف يحدث أخطر بكثير جدًّا مما حدث ويحدث الآن.

ونعود إلى القصة من أولها فأقول: إنني قد توقفت عن الكتابة لمدة أسبوعَين لإصابتي بإنفلونزا في العراق أثناء وجودي في لجنة التحكيم العليا في مهرجان بغداد المسرحي الأول، وبالمناسبة مبروك على الكويت فوزها بجائزة الإبداع الكبرى، أصبت بفيروس إنفلونزا يبدو أنه اشترك في الحرب العراقية الإيرانية وقاتل بشدة، ولم تفلح جميع المضادات الحيوية لقتله، بل كاد يقتلني أنا، وأنا إذ أملي هذه المقالة لا أزال صريع ذاك الفيروس الرهيب، ولكن هذه الفترة التي توقفت فيها عن الكتابة وتقريبًا عن الحياة؛ إلا إذا كانت الحياة نومًا متصلًا، في تلك الفترة أتيح لي على مهل أن أتأمل ما دار خلال الأسابيع القليلة الماضية، وبسرعة العرض البطيئة، وأتأمل ما حدث دون انفعالٍ يوميٍّ دائم ودون غضب، فإن الغضب هو مرحلةٌ سطحية من مراحل الانفعال في أمثال هذه المواقف، ولكن الأهم من الغضب أن ندرك بالضبط ما الذي نغضب عليه، ليصبح لغضبنا فاعلية، ولنستطيع أن نقهر هذا الذي أغضبنا.

هل يستطيع عاقل في هذا العالم أن يتصور أن إسرائيل حين أقدمت على غزو لبنان مثلًا، أو حين ضربت المفاعل النووي في العراق، أو حين قررت أن تُغِير على مقر منظمة التحرير في تونس وتقتل سبعين مواطنًا مدنيًّا، هل يستطيع عاقلٌ واحد أن يتصوَّر أن إسرائيل كانت تفعل هذا، وهي لا تعرف مقدَّمًا أن ما تفعله سوف يقيم الدنيا ويقعدها ضدها؟ بالقطع كانت تعرف هذا وكانت تعمل حسابها، ولكن إسرائيل وأمريكا قد وصلتا إلى مرحلة لم يعد يهمهما الرأي العام العالمي في قليل أو كثير، ليس هذا فقط بل ابتكرتا وسائل للتغلُّب على عقبة غضبة الرأي العام العالمي عليهما. وفي عرض لكتاب المؤلف الإسرائيلي المطرود من إسرائيل «هاليفي» «إسرائيل من المجزرة إلى الدولة» في أعداد الرأي العام الماضية قال المؤلف: إن إسرائيل كانت تعرف مقدَّمًا أن مذبحة «صبرا وشاتيلا» ستثير الرأي العام العالمي ثورةً هائلة، ولكنها تعلمت واستخدمت تكتيكًا دقيقًا جدًّا وعميقًا جدًّا لمواجهة تلك الثورة؛ فهي أولًا شجعت في رأيي الخاص على قيام مظاهرةٍ ضخمة جدًّا في إسرائيل تكوَّنت من حوالي ٤٠٠٠٠٠ إسرائيلي ليشجبوا ما حدث في صبرا وشاتيلا؛ فوضح للرأي العام براءة اليهود وبراءة إسرائيل، كدولة، من العملية؛ لأن قسمًا كبيرًا من الرأي العام، يكاد يكون ثلث الرأي العام الإسرائيلي، يتظاهر أمام الدنيا، ويرفض هذه العملية، ويسبُّ بيجين وأريل شارون وإيتان، ومن قاموا بها؛ إذن إسرائيل دولةٌ متحضرة، إذن إسرائيل فيها معارضة، إذن إسرائيل ليست كلها مجرمة، وليست كلها مكونة من المجرمين، وهذا في حد ذاته خدم الخطوة التالية لإسرائيل، وهي امتصاص غضب الرأي العام بتحميل بعض الأفراد مثل «أريل شارون» و«إيتان» المسئولية جزئيًّا، ثم تحميل الكتائب المسئولية الكبرى وراء هذا العمل، إلى أن وصل إلى درجة أن بيجين قال: إن غير يهود يقتلون غير يهود، فما ذنبنا نحن؟ إذن المسألة هي الطائفية اللبنانية، والمسألة هي أن الكتائبيين قاموا بذبح الفلسطينيين، وكل تهمة إسرائيل تقلَّصت إلى أن أصبحت في النهاية التقصير في أداء واجبهم في حماية المواطنين الفلسطينيين العزل، هكذا خرجت إسرائيل كجسد، إسرائيل كدولة، إسرائيل كشعب، بريئة من العملية كلها، واتهم بعض الأشخاص بالتقصير في أداء واجبهم، وليس بارتكاب جريمة المذبحة. نأتي إلى مثلٍ آخر هو ضرب المفاعل النووي العراقي، فنجد أن المسألة رتبت ترتيبًا دقيقًا بحيث إن «بيجين» اجتمع مع «أنور السادات» في شرم الشيخ اجتماعًا لم يكن له داعٍ ولا سبب بالمرة، وبعد الاجتماع بأربع وعشرين ساعة كانت الطائرة الإسرائيلية تخترق ثلاثة مجالاتٍ جويةٍ عربية، وتدك المفاعل النووي العراقي. طبعًا انصبَّ بعض الغضب على إسرائيل وعلى الجيش الإسرائيلي، وعلى مجرمي الحرب الإسرائيليين؛ إنما الغضب الأكبر مع الحقيقة انصبَّ على «السادات» باعتبار أنه كان مجتمعًا مع «بيجين» وباعتبار أنه باتفاقية «كامب ديفيد» مهد لهذا الفعل، فمعظم غضب الرأي العام العربي بالذات انصبَّ على كامب ديفيد وعلى السادات، وليس على إسرائيل المجرمة وإسرائيل المعتدية. ثم نأتي إلى آخر تلك الأمثلة، وهي الغارة على تونس. أصبح الآن واضحًا أن الغارة على تونس كانت مدروسة دراسةً دقيقة جدًّا ومعدة قبل حادث «لارناكا» بشهورٍ كثيرة لأن مثل هذا العمل لا يتم تدبيره بين يوم وليلة، وقد كان مطلوبًا القشة التي تقصم ظهر البعير أو السبب البسيط المباشر الذي يدفع إسرائيل للتظاهر بأنها غضبت لشيء ما فتقوم بهذا العمل، مثلما كان إطلاق النار على السفير الإسرائيلي في لندن حجة لضرب المفاعل، ولم تكن إسرائيل تنقصها الأسباب. ممكن لإسرائيل أو للمخابرات الإسرائيلية أن تقتل فعلًا أي إسرائيلي في سبيل مصلحة إسرائيل الكبرى، وفي سبيل مصلحة ما يسمى الشعب الإسرائيلي الكبرى، وهؤلاء ثلاثة أشخاصٍ عزل موجودون فوق يخت لارناكا من السهل جدًّا على أي عميل موساد أن يقتلهم، ومن السهل على أي منظمةٍ عربيةٍ مراهقة أن تنتهز الفرصة لتعلن أنها هي المسئولة عن الحادث، وبرغم أن ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية تبرَّأت تمامًا من هذا العمل وأدانته إلا أن إسرائيل أيقظت مرةً أخرى لدى الرأي العام العالمي فكرة أن الفلسطينيين إرهابيون، وليسوا ثوريين، هذا الاستيقاظ كان ضروريًّا لأن الغارة تمت تحت شعار ضرب الإرهاب تحت أي ظروف، وفي أي مكان من الوطن العربي يكون موجودًا فيه ما يسمون الإرهابيين أي «الفلسطينيين»، ذلك لأن إسرائيل في رأيي لم تعد القضية عندها مسألة حرب أو سلام أو مسألة صلح مع الدول العربية، إنما أصبحت قضية إسرائيل الآن هي استئصال صاحب القضية نفسه أي الشعب الفلسطيني؛ لأنها هي تعرف تمامًا أنه طالما بقي هناك شعبٌ فلسطيني فسيبقى دائمًا قضية له، وطالما بقي هناك شعب وقضية فسوف يجيء اليوم الذي ستنتصر فيه القضية، لأنها تأخذ من نفسها ومما حدث لليهود على مدى التاريخ شاهدًا على هذا. فالشعب الإسرائيلي خلق إسرائيل لأنه كانت لديه قضية وجود، وقضية تشتت ظل يعمل ويكافح ويخطط، إلى أن تحقق له في النهاية إيجاد وطنٍ قومي له على أرضٍ عربية، رغم أنف العرب ورغم أنف العالم، بل اعترف العالم في النهاية بهذا الأمر الواقع. إذن خطة إسرائيل كانت في حقيقة أمرها ولا تزال هي استئصال أصحاب القضية الذين هم الفلسطينيون، وقد كان الموقف العالمي قبل حادث «لارناكا» قد تهيأ بطريقةٍ خطيرة لإيجاد حلٍّ سلمي، مهما كان شكله، ومهما كانت فيه من تنازلات، فقد كان سينتهي آخر الأمر إلى الاعتراف بأن هناك شعبًا فلسطينيًّا حتى لو كان في اتحاد مع الأردن. هذه النقطة لا تريدها إسرائيل إطلاقًا، لا تريد لكلمة شعب فلسطيني أن توجد في القاموس السياسي الحديث، وتريد أن تمحوه، ولقد ظننا لفترة أن كلمة «جولدا مائير» حين سُئلت عن رأيها في قضية الشعب الفلسطيني، فاستنكرت فقالت: وهل هناك شيء اسمه الشعب الفلسطيني؟! ظننا أن اليهود أو الإسرائيليين عدلوا عن هذه الفكرة، وهذا هو الخطأ والخطل الذي يصيبنا؛ أننا نتصور أن هؤلاء يتغيرون، هؤلاء الناس لا يتغيرون أبدًا، هؤلاء الناس مجانين حقًّا وصدقًا، والمجنون لا يمكن أن يقتنع بشيء إلا بأن يُنفذ ما في عقله من قناعات مهما كان ثمنها، ومهما فعل الآخرون لإثنائه عنها. إن العاقل وحده هو الذي يقتنع، والعاقل هو الذي يتغيَّر، والعاقل هو الذي يغيِّر المفاهيم، أما المجنون الذي يتصور أنه باستطاعته أن يعيد التاريخ ثلاثة آلاف عام إلى الوراء، ويعيش اليوم وكأن ثلاثة آلاف عام لم تمضِ، ولم تنقضِ! إنسانٌ مجنون كهذا وفكرةٌ مجنونة كهذه، يتجمع حولها شعبٌ مجنون كهذا، هؤلاء الناس لا يمكن أن يتغيروا ولا يمكن أن يتأقلموا. وفي كتاب هاليفي قال إن إسرائيل تعيش على الإرهاب، بمعنى أنها لا يمكن أن تتوقف عن إرهاب الفلسطينيين بإجلائهم تمامًا عن الأرض من ناحية، وإن استطاعوا، استئصالهم تمامًا أيضًا، وهم في الأرض من ناحيةٍ أخرى، بمعنى أن الإرهاب الإسرائيلي لا يمكن أن يتوقف، وسوف يستمر، وكان الذي سيوقفه شيءٌ واحد فقط وهو أن يقوم سلامٌ حقيقي بين الأردنيين والفلسطينيين وبين إسرائيل، هذه العملية كانت قد بدأت تنضج إلى درجة أن انجلترا قبلت أن يذهب إليها وفدٌ فلسطينيٌّ أردنيٌّ مشترك، وليست إنجلترا وحدها هي التي قبلت هذا، ولكن الدول الأوروبية كلها أجمعت على هذا الاقتراح، كذلك اليابان، كذلك معظم دول العالم، أو كل دول العالم فيما عدا الولايات المتحدة الأمريكية. موقف كهذا كان على إسرائيل أن تواجهه بشيء من اثنين، إما أن تقبل الأمر الواقع وتستسلم لفكرة السلام، وإما أن تختلق شيئًا خطيرًا وتفجر قنبلة تنسف هذا. وقررت أن تستعمل القنبلة التي كانت قد أعدتها لهذه المناسبة، ولكي ندرك الأثر المدمر الخطير لهذه القنبلة فلنقارن بين الوضع قبل «لارناكا» والوضع الآن. قبل «لارناكا»، كان كل الحديث عن السلام وعن مؤتمرٍ دولي لحل المشكلة وعن زيارة وفد فلسطيني — أردني لإنجلترا، وعن وجودٍ مصريٍّ قويٍّ مشترك مع وجودٍ فلسطينيٍّ قوي مع وجودٍ أردنيٍّ قوي مع وجودٍ عراقيٍّ قوي، وبدأت بعض البلدان العربية الأخرى تنضم إلى هذا التيار، وبدأت فكرة السلام تبدو وكأنها توشك على التحقُّق بين لحظة وأخرى، ذلك كان الموقف قبل «لارناكا» انظروا إلى الموقف الآن … لا يوجد وفدٌ فلسطيني — أردني بل يكاد التحالف ينفك، تونس تكاد تطرد القيادة الفلسطينية من أرضها، العلاقات المصرية الأمريكية في أسوأ درجاتها، الموقف كله لم يعد فيه بادرة سلام واحدة وإنما هو موقف متأزم، موقفٌ خطير، موقف أعلنت فيه كل من أمريكا وإسرائيل معًا أنها ستضرب أي دولةٍ عربية مهما كانت مستقلة أو غير مستقلة تأخذ الفلسطينيين أو تحتويهم على أرضها. إذن الوضع انقلب تمامًا من طريق السلام إلى الطريق الذي تريده إسرائيل، وهو طريق الاستئصال.

ما هو التكتيك لاستئصال الشعب الفلسطيني؟ طبعًا حين نريد أن نستأصل شعبًا، فنحن لا نأتي بقنبلةٍ ذرية ونضربه ونستأصله؛ لأن الفلسطينيين في حالة شتات، مع أني لا أستبعد مطلقًا أن تفعل إسرائيل هذا يومًا ما. المهم هو ماذا يجمع الفلسطينيين؟ تجمعهم منظمة التحرير الفلسطينية، وهي «العهد القديم» في القضية الوطنية الفلسطينية؛ لأنه لا يوجد وطنٌ فلسطيني الآن معترف به، إنما توجد قيادةٌ شرعية هي الوطن، ولعلنا نتذكر الآن حين نريد أن نحدد ما هو الخط الفلسطيني السليم؟ هل هو الدخول في عملياتٍ إرهابية أم الدخول في تنظيمٍ ثوري مثل منظمة التحرير يتولى قيادة الشعب؟

إسرائيل نفسها دلَّتنا على الحقيقة؛ لأنها لم تضرب المنشقين على عرفات، إنما ضربت من؟ ضربت عرفات والقيادة الفلسطينية الشرعية؛ لأن الخطوة الأولى لإفناء أي شعب هي أن تضرب رأسه، وتجتثَّ هذا الرأس، بعد هذا لا يهم أن تبقى ذراعٌ متمردة أو ساقٌ متشنِّجة، هذه مسألةٌ بسيطة؛ فالخطوة الأولى كانت هي القضاء على الرأس الفلسطيني، وقد أُنقِذ الرأس الفلسطيني بأعجوبة هذه المرة، لكنه في رأيي إنقاذٌ مؤقت؛ فإسرائيل لن تسكت أبدًا إلا إذا اجتثت القيادة الشرعية لمنظمة التحرير، ليس فقط عرفات، لكن عرفات واللجنة التنفيذية العليا لمنظمة التحرير، وقد بدأت هذه العملية بأن انضمَّت أمريكا إلى إسرائيل في التهديد بضرب أي بلدٍ عربي يُئْوي القيادة الشرعية. وأستطيع الآن أن أقول بكل وضوح: إن البلاد العربية خائفة أن تُئْويَ هذه القيادة، لأنه لم يعد ثمة قانونٌ دولي أو مجلس أمن أدان الغارة الإسرائيلية، ولم يحدث من هذه الإدانة شيء بالمرة، الرأي العام العالمي كله استنكر الغارة الإسرائيلية، لم يحدث شيء؛ إذن احتمال ضرب أي بلدٍ عربي يُئوي القيادة الشرعية الفلسطينية احتمالٌ قائم، كيف ستحل هذه المشكلة؟ أي ستذهب؟ ما هو موقف الدول العربية من هذا الموضوع الخطير؟ تلك قضايا لا نناقشها نحن الآن، ولكن نتصور أنها ستَحلُّ نفسها بنفسها وهنا «الكارثة». إسرائيل إذن قرَّرت ودبَّرت أن تقوم بغارة تخترق فيها سماء دولةٍ مستقلة ومقرًّا لجامعة الدول العربية وتضرب القيادة الفلسطينية، وكانت تعرف قطعًا أن الرأي العام العالمي سيثور ثورةً كبرى عليها، والرأي العام، والشارع العربي، الأمريكي، والشارع الإسباني سيعجُّ بالاحتجاج وصرخات الإدانة، كانت تعرف هذا تمامًا، فماذا كانت خطتها الموضوعة سلفًا أيضًا؟ لم تكن وليدة اللحظة، ولكنها أيضًا خطةٌ متكاملة من لحظة الضرب إلى لحظة امتصاص غضب الرأي العام العالمي، فماذا حدث؟! اختطفت السفينة الإيطالية، وقصة اختطاف السفينة الإيطالية هي علامة استفهام كبرى؛ لأني أكاد أقسم أن هذا العمل كان هو الخدمة الكبرى لإسرائيل، مهما كانت جنسية مرتكبيه، ومهما كان موقعه سواء في القيادة الفلسطينية أو في القاعدة؛ لأنه أنقذ إسرائيل من اختناقٍ حاد كانت تعانيه نتيجة للغارة على تونس، كان الرأي العام قد حاصرها بطريقةٍ مزعجة، إلى درجة أن أمريكا نفسها لم تستطع أن تُصوِّت ضد قرار إدانتها؛ فجاء هذا إنقاذًا … أربعة أشخاص طلعوا بأسلحة، وبعد ذلك قيل إن بحارًا اكتشف الأسلحة، فحاولوا أن يستولوا على السفينة، وكانت النتيجة أن قامت زوبعة ضد الإرهاب، وتحوَّل الموقف من الفلسطينيين الشهداء الضحايا لإجرام إسرائيل، تحولوا إلى إرهابيين مرةً أخرى في نظر العالم، والعالم كله هاج ضد الإرهاب، مع أن الإرهاب كان هو الذي تقوم به إسرائيل وأمريكا، بل حتى حين اشتركت أمريكا وهي دولةٌ كبرى — ولأول مرة في التاريخ — في حادثٍ إرهابيٍّ واضح، وهو اختطاف الطائرة المصرية، كانت أيضًا تقوم به بزعم مقاومة الإرهاب. بمعنًى آخر، هم الذين يصنعون الإرهاب، ونحن الذين نُتهم بأننا إرهابيون. وأنا أرجو وألحُّ على «ياسر عرفات» أن يحقق جيدًا في قصة اختطاف السفينة وكيف حدثت؟ ومن فكَّر فيها؟ ومن دبَّرها؟ ويتتبع الخيط ليجد أن الخيط سيؤدي إلى الموساد في النهاية؛ لأن الموساد هو الذي دبَّر هذه العملية، وهي عملية تُقاس بمقياسٍ واحد: أفادت مَن هذه العملية؟ أفادت إسرائيل وأمريكا إفادةً كبرى؛ فقد نسي الناس حادث تونس وتذكَّروا الباخرة، ونسي الناس السبعين فلسطينيًّا وتونسيًّا الشهداء، وتذكَّروا واحدًا أمريكيًّا قُتل أو قيل إنه قُتل، والغريب أن الذي أظهر هذا القتيل، والذي قدم لأمريكا وإسرائيل الدليل المادي الوحيد على هذه الجريمة هي سوريا، وهنا أيضًا نضع علامة استفهام كبرى، كيف تقوم دولة تزعم أنها زعيمة القومية العربية، وتزعم أنها هي الصاحبة الأولى للقضية الفلسطينية، وتُقدِّم لأعداء هذه القضية الدليل الذي يدين ليس فقط عرفات الذي تُعاديه سوريا، ولكن الذي يدين الفلسطينيين كلهم باعتبارهم إرهابيين، وفي نفس الوقت يبرئ إسرائيل، ويبرئ الولايات المتحدة من تهمة الإرهاب. كيف تقوم سوريا بهذا؟ هل هناك اتفاقٌ سوريٌّ إسرائيلي، كما يقول عرفات، على إبادة شعب فلسطين؟ هذا شيء لا يقبله عقل، شيء لا يكاد الإنسان يتصوره إطلاقًا! ولكنه حادث ويدور أمامنا، وقد دار وحدث. ثم قصة الطائرة المصرية، أمريكا هي صاحبة اقتراح ترحيل الإرهابيين الأربعة في طائرةٍ مصرية إلى تونس، ولم تكن مصر تفعل هذا لولا الاقتراح الأمريكي، وأمريكا هي التي اختطفت الطائرة المصرية، وهي التي سخِرتْ من طلب الرئيس المصري اعتذار «ريجان» عن حادث الطائرة؛ لأن لأمريكا هدفًا آخر من وراء هذه العملية، ألا وهو إخراج مصر من السعي في القضية الفلسطينية تمامًا؛ لأن وجود مصر بثقلها وبمكانتها الدولية إلى جانب الأردن وفلسطين والعراق، هذه قوة ضخمة جدًّا، كانت كفيلة بإحياء فكرة السلام. ولكن «ريجان» أراد أن يغتال في الرئيس مبارك نزعاته الوطنية، وأن يرغمه إرغامًا على الابتعاد عن تبنِّي هذه القضية، ولكن «مبارك» كان ردُّه حاسمًا واضحًا ووطنيًّا، وكان رد الشعب المصري حاسمًا وواضحًا وسمعه العالم أجمع، وكان الرد زيادة في الالتصاق بالقضية الفلسطينية، وهذا رد فعل لم يحسبه «ريجان» وإن كان الإسرائيليون فيما أعتقد يعرفونه، ويعرفون أن أي محاولة لإحراج أو لإضرار الرئيس المصري من قبل أمريكا ستقابَل من الشعب المصري بأن يضع هذا الرئيس في قلبه، ويحمله فوق رأسه، وقد كان. ولكن المقصود من هذا العمل هو إحراج وإخراج مصر من خط السلام الذي تتبناه، وإبعادها تمامًا عنه. إذن قد تحقَّق كل السيناريو الذي أرادته إسرائيل. فلقد بدأنا بالرواية والطريق للسلام واضح، وفجر السلام يكاد يشرق، وانتهينا الآن إلى موقفٍ مصرُ فيه ممنوعة من مزاولة عملية السلام …

والأردن بدأ يشتبك مع المنظمة أو يختلف معها حول مقابلة البريطانيين، وكلام عن مقابلةٍ منفردة للأردن مع بريطانيا، ومفاوضاتٌ منفردة للأردن مع إسرائيل، وعودة الأردن للخط السوري لحل القضية الفلسطينية ألا وهو القيام بعملياتٍ محدودة عسكرية، نتيجتها في النهاية باستمرار تكون لصالح إسرائيل، والابتعاد عن طريق الزحف المؤكد المستمر ناحية إجبار إسرائيل على السلام الذي كان هو الخط الوحيد الموجود على الساحة العربية، والذي كان ممكنًا أن يجبر إسرائيل فعلًا على الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني حتى في الوجود الكونفدرالي. لقد نجحت إسرائيل إذن نجاحًا ساحقًا أولًا في وضع مبدأٍ خطير جدًّا، وهو أن من حقها أن تضرب أي دولة عربية في أي مكان، وبأي حجة دون أن يستطيع العالم أن يصنع لها شيئًا، ثم نجحت في أن تضم إلى هذا القانون الإجرامي الفاضح دولةً كبرى كأمريكا بكل ما تملك من إمكانيات تضعها تحت تصرف هذا المخطط. ثالثًا نجحت في أن تعود القيادة الفلسطينية إلى مرحلة التيه من جديد، باحثةً عن مكان تستقر فيه، إذن بدل أن تقطع الرأس داخت الرأس وستدوخ الرأس؛ لأنها أولًا تريد أن توضع فوق جسدٍ محدَّدٍ واضح، في مكانٍ محددٍ واضح؛ فالغارة قد أثمرت ونجحت، والسيناريو الموضوع لها بدقةٍ شديدة قد نجح، والرأي العالمي ثار، ثم هدأ، ثم تحوَّل ضد الفلسطينيين كإرهابيين، واختطفت الطائرة المصرية، واضطرت مصر تحت ظروف المعونة الاقتصادية، وتحت ظروف تقاعس الدول العربية عن تقديم ٢ مليار دولار فقط لمصر لإنقاذ اقتصادها، الدول العربية سكتت، ولم يحتجَّ رئيس دولةٍ عربية واحد على ضرب الطائرة المصرية واختطافها. أبدًا لم يحتجَّ رئيس دولةٍ عربية واحد، ولم يعرض على عرفات الإقامة إلا «صدام حسين» في بغداد. فنحن إذن قد أصبحنا في وضعٍ متردٍّ تمامًا، في وضع مرغمة فيه مصر على أن تخضع للإرادة الأمريكية الإسرائيلية بتهديد السلام، وتحت تهديد السلام، ودون أن تهبَّ لمساعدتها أو مساندتها أي دولةٍ عربية؛ إذ هي الأخرى مهدَّدة، لقد كانت الرواية مرتبة بدقةٍ شديدة، ونفذت بعبقرية، وهذا يُذكِّرني بما قلته مرة في كتاب «البحث عن السادات» من أن مشكلتنا نحن في المنطقة العربية أننا ككتابٍ سياسيين وكرؤساء دول لا نُجيد حرفة صناعة السيناريوهات؛ لا إخراج الخطط، ولا التدبير. هؤلاء الناس يعرفون هدفهم تمامًا، ولكنهم يضعون الخطط المتكاملة الحاسبة لكل احتمال حسابه، والبدائل إذا فشلت الخطة الأصلية، وبدائل البدائل. يعني هم كتَّاب مسرح بالدرجة الأولى، وإن كان مسرحًا لا يمثل فيه ممثلون قتل بعضهم البعض، ولكن يذبح فيه الناس ذبحًا أمام الأعين والأبصار والآذان، وعلى شاشات التليفزيون دون أن يملك العالم أن يصنع شيئًا. ماذا يستطيع الإنسان أن يقول؟ كل من قابلته يقول ما رأيك فيما حدث؟ وما هذا الذي حدث؟ وكل منا رأى ما حدث، وكلنا له آراؤه المعروفة فيما حدث، ولكن هل يكفي أن يقول الإنسان رأيه؟ هل آن أن نعرف ما حدث؟ هل المعرفة وحدها تكفي لحل قضية أو لتحرير شعب؟ وماذا سنصنع بتلك المعرفة؟ كلنا نحن المائة والعشرين مليون عربي نعرف وشاهدنا وعلمنا بما حدث، حكامًا محكومين، شبابًا وشيوخًا ونساءً، ولكن هل هذا كفاية؟ هل يكفي أن يجتمع مؤتمر قمة آخر ويتخذ قراراتٍ أخرى؟

أيها الناس أفيقوا! نحن نواجه أناسًا مجانين سموا أنفسهم دولة، بل ويتحكمون ويحكمون في أكبر دولة في التاريخ، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، فإما أن نركع لهم ساجدين ونعبدهم، كما كان أجدادنا يعبدون الأصنام، وإما أن نفكر في أن نفعل شيئًا آخر، لا نفكر في أن نحلل، أو نقول، أو نبدي رأينا فيما حدث، ولكن أن نصنع شيئًا آخر غير أن نصرخ ونلوم ونُندِّد ونشجب …

وسلم لي على «أبو العباس».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠