رسالتان

يوسفُ أيها الصديق، قد سألتَ وإليك الجواب!

من بين ما حفظتُ من الحِكَم، هذه الحكمة الجليلة التي قالها المفكر الأمريكي العظيم «أمرسون»:

«وليس من شر الأمور أن يُساء فَهمُك؛ قديمًا أُسيء فَهمُ المسيح، ومحمد، وأُسيء فَهم سُقراط، وبوذا، ومِن بين كل عشَرة من الروَّاد الشجعان أُسيء فَهم خمسة على الأقل. فلا تَجعل إساءة الفَهم مُعوِّقة لخُطاك، ولا مُثبِّطة لعزيمتك. ليس ذلك فحسب، بل ولا تَطلب على ولائك للحق، ولا على فعلك الخير أجرًا؛ فإن أكثر الناس جهلًا بقيمتهما هو أعلاهم صوتًا في طلب الأجر عليهما!»

راودَتْني هذه الحكمة البالغة، وأنا أُطالِع — في حب وتقدير — رسالةَ أخي وصديقي الدكتور يوسف إدريس، التي ناداني من محرابه الفكريِّ بجريدة الأهرام الغرَّاء يوم الإثنين ١٧ يونيو.

ولم أكَد أبلغ نهاية المقال، أو الرسالة، حتى حَمِدتُ للذاكرة استدعاءها هذه الحكمةَ التي وجَدتُها خيرَ كلمات، أُصدِّر بها رسالتي هذه إلى الدكتور الصديق.

وكان الدكتور يوسف إدريس قد وعَدني وأوْعَدني بأنه سيُوجِّه إليَّ خطابًا مفتوحًا على صفحات الأهرام، ولقد فهمتُ بواعثَ وعده، أما دوافع إيعاده ووَعيده فلم تُسعِفني القريحة بتبيُّنِها.

وحين خايَلَتني حكمة أمرسون — ليس مِن شر الأمور أن يُساء فَهمُك — وحين اخترتُها استهلالًا لهذه الرسالة، لم يكن ذلك لإحساسٍ بأن الكاتب الكبير قد أساء في رسالته فَهمي؛ فيوسف إدريس وأنا منذ التقينا، والعهد بهذا اللقاء الأول بعيد، ومنذ راح كلٌّ منا يُتابِع صاحبَه في بحثه النبيل عن الحقيقية، والثقة بيننا في رقَّة الشوق بحرارته.

لم يكن الدكتور يوسف إذن، هو الذي خَشيتُ على نفسي سوء فَهمه لي؛ إنما أولئك الآخَرون الذين ستُفضي رسالتُه المنشورة بهم إلى إساءة فهمي! سواءٌ منهم الضاغِنون على تطبيق الشريعة، أو الهاتفون بتطبيقها …!

وفي ظني، وربما في يقيني، أن الدكتور إدريس لا يُوجِّه رسالته إليَّ — فهو يَعرف تمامًا رأيي في القضية التي طرَحها، بل ويَحمد هذا الرأي — إنما يُوجِّهها عن طريقي إلى آخَرين، لا يُريد أن يَحمل عبء مُواجهتهم، أو مُجابهتهم؛ استجابةً لنصيحة الشعر العربي القديم:

وإن حاذَرْتَ أن تَلْقى هُذيلًا
فيَمِّم بالحديث بَني تَميمِ
فإنَّك واجدٌ فيهم سماحًا
وإصغاءَ الكريم إلى الكريمِ

ولقد وجَّه الدكتور يوسف بِضْعة أسئلة إلى هُذيل عن طريق بني تَميم! ونيابةً عن التميميِّين أتقدَّم بالجواب.

  • إنه يتساءل: أية شريعة هذه التي يُنادي بها المنادون؟ هل هي شريعة الخميني في إيران؟ أم شريعة القذَّافي في ليبيا؟ أم الوهَّابية في السعودية؟ أم حُكم ضياء الحق في باكستان؟ أم شريعة النميري قبل أن يَبتلِعَه الطوفان؟

  • ويتساءل: هل يَعني تطبيقُ الشريعة أن نَتبع نظامَ البيعة الذي أخَذ به المسلمون في صدر الإسلام، فيجتمع ستةٌ وأربعون مليونًا من المصريِّين، أو مائة وعشرون مليونًا من العرب، لِيَختاروا إمامًا يَحكم حكمًا مطلقًا، حتى الشورى لا تكون بالنسبة إليه أمرًا ملزِمًا!

  • ويتساءل: أهذا هو الوقت المناسب لِنَجعل من تطبيق الشريعة قضيتَنا الأولى، بينما الساحة العربية والإسلامية تَمتلئ بالأشلاء والدماء؛ نتيجةً لحروب طائشة وآثمة، بين العربي والعربي، وبين المسلم والمسلم؟ وأيضًا فهناك تلك الأطماع اللاهثة، والمؤامرات البَشعة التي يُطارِد بها الإسلامَ أعداؤه في الخارج؟

  • ويتساءل: هل قطعُ أيدي مائتَي سارق، كما حدث في السودان، وجَلد عِشرين من الزُّناة والزانيات سيُوقِف سيلَ الدماء التي تُراق من آلاف الضحايا في حرب إيران والعراق؟ وهل سيُنهي ذلك مذابحَ صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة، التي يَقوم بها مسلمون ضد الفلسطينيين؟

  • وأخيرًا يتساءل: أليس أعداءُ الإسلام وأعداء شعوبه وأوطانه قد أفلَحوا في أن يَشغَلونا بقضية الشريعة عما يُبيِّتونه لنا من غدر وعدوان؟

هذه تساؤلاتُ الأخ والصديق، وإذا كان قد اختارني مشكورًا ومقدورًا للإجابة عنها، فسأُجيب. بَيْد أني أُقدِّم بين يدَيْ إجابتي ملحوظتَين:

  • الأولى: أنني أجبتُ عن هذه التساؤلات، وعن كثيرٍ سواها من خلال عشَرات المقالات، والأحاديث الصحفية، التي نُشِرَت على أوسع نطاق.
  • الثانية: أن إجابتي لن تتضمَّنَ آراء الآخَرين، ولا فَهمهم للقضية، ولا منهجَهم في الهتاف بها والدفاعِ عنها؛ إنما ستَحكي رؤيتي الخاصة، وهي رؤية تَستمد صِدقَها من أصول الشريعة، ومبادئها، وروحها.

ثم إني لن أُجيب عن الأسئلة كما أورَدتُها — تِباعًا — بل سأَعرض وجهة نظري واقتناعي في ضَميمةٍ واحدة بحيث تُغطِّي جميع الأسئلة المثارة وغيرَها معها، دون أن يَنفرد كلُّ سؤال بجواب.

•••

ووجهة نظري التي لا يَنقصها الفَهم والصدق تتمثل في:

  • أولًا: مصر مِن خير بلاد الله إسلامًا، ولشعبها دائمًا في ساحة الدين والتديُّن قدَمُ صِدق، وسابقةُ فضل، وحَسْبُ جموعِ هذه الأمة وصفُ الرسول عليه السلام إياهم بأنهم «خير أجناد أهل الأرض»؛ لأنهم وأهْليهم في رِباط إلى يوم القيامة.

    ولقد صدَق فينا قولُ الرسول الكريم؛ فآباؤنا المرابطون قهَروا التتار الذين كنَسوا الأرض كالوباء، وأجهَزوا على المتاجرين بالمسيحية وبالصليب، وخاضوا معهم قرابة مائتَي عام حروبًا لم تكن تُريد أن تُؤذِن بانتهاء، ثم فطَموا — أخيرًا — ملوك الحروب الصليبية، وآباء الكنيسة في أوروبا عن غرورهم وطيشهم وضلالهم، وها نحن أولاء نَجد أنفُسَنا في رِباط جديد أمام عدوٍّ رجيم؛ هو إسرائيل.

    وإذا كانت مصرُ بهذه المثابة، فإن أيَّ محاولة لاستكمال ما يَنقص قوانينَها من مبادئ الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها، يجب أن يُشار إليها بأسلوب الدعوة والإصلاح، وليس بالعنف والطفرة.

    ولهذا، فإني أشجب كلَّ مظاهر التطرُّف الديني، الذي أقل ما يوصف به أن إثمه أكبرُ من نفعه.

    وبالتالي، فأنا أشجب محاولة إخراج الألوف من الشباب حامِلين المصاحفَ في مظاهرة استفزازية بكل مقاييس الاستفزاز! إن هذه الخطيئة لم تَحدُث في تاريخ الإسلام، وخلال أربعة عشَرَ قرنًا، سوى مرةٍ واحدة، حين شقَّ الخوارجُ عصا الطاعة على الإمام عليٍّ كرَّم الله وجهه، وكرمَ به وجه الإسلام، فذهبوا إليه حامِلين المصاحف وصائحين: لا حكم إلا الله! فصاح الإمامُ العظيم في وجوههم بكلمته الخالدة قائلًا: كلمة حق، أُريدَ بها باطل!

    إنَّ حمل المصاحف في مُظاهرة دينية مغامرةٌ غيرُ محسوبةٍ نتائجها، وإن دلالتها لخطيرة، وإن نتائجها لمُخيفة.

    وأهوَنُ هذه الدلالات أن الخوارج يَعودون! وأهونُ هذه النتائج ماثلٌ فيما لو اصطدَمَت الشرطة بالمتظاهرين؛ إذن لسقَطَت المصاحف من أيمانهم على الأرض ودِيسَت — والعياذ بالله — بالأقدام!

    قلتُ: إن مصر من خير بلاد المسلمين إسلامًا … وكانت هذه هي النقطةَ الأولى من نِقاط إجابتي.

  • ثانيًا: الشريعة حين تُطبَّق في بلادنا لن تكون كما تساءلتَ شريعةَ الخميني، ولا شريعةَ نميري، ولا شريعةَ القذافي … ذلك أن الحقَّ يا صديقي لا يُعرَف بالرجال، إنما يُعرَف الرجالُ بالحق … وكلُّ انحراف في تطبيقِ مذهب ما، أو نظام ما، فإنه لا يَعني فَسادهما، وبالتالي لا يَعني رفضهما، وإلا لم يَبق في الدنيا كلِّها مذهب، ولا نظام!

    وإن قضية تطبيق الشريعة قضيةٌ كثر فيها اللغَط، وقَلَّ الفَهم الصحيح.

    ولقد أفلحَ بعض دُعاة التيار الإسلامي وقادته، أن يَجعلوا قضية التطبيق مصدرَ خوفٍ وإزعاج حين حاوَلوا — ولا يَزالون يُحاولون — تقديمها بوجهٍ متجهِّم يَئوس وعَبوس، مُعرِضين — لماذا؟ لستُ أدري — عن تقديم إشراقها الباهر، وعطائها الزاخر في مجال الحرية والمعاصَرة، والتقدُّم والارتقاء!

  • ثالثًا: لماذا الشريعة؟ لا بد من الاتفاق على أن الإسلام دينٌ ودولة.

    كذلك حين يَملَئون وِجدان الشباب المتديِّن بالعنف، والنار والحريق!

    ولا أدعوك — يا أخي يوسف — إلى مُساءلة نصوص الإسلام وفِقهه لكي تتأكَّد من أنه دولة، بل حَسبُك أن تَسأل التاريخ.

    وإذا كان الإسلامُ دولة فلا بد أن تَكون له شريعة، وقوانينُه النابعة منه كدين.

    إنك — يا صديقي — لن تجد فيما حولنا من مجتمعات ودول، دولةً اشتراكية تُطبِّق الرأسمالية، ولا دولة رأسمالية تَتخذ من رأس المال لماركس دستورًا لها ومصدرًا لقوانينها، ولن تَجد دولة علمانية بالمفهوم السياسي للعلمانية — كالهند مثلًا — تَستلهِم في تشريعاتها دينَ الهندوس، أو المسلمين، أو السِّيخ!

    إذن، فالإسلام الدولة صاحبُ حق مطلَق في أن يَستدعيَ شرائعَه وقوانينه من الإسلام «الدين»!

    مَن الذي سيُضارُّ بتطبيق الشريعة؟ لا أحد، لا أحدَ على الإطلاق؛ لا مِن المسلمين، ولا من المسيحيين، ولا مِن الأجانب داخلَ البلاد وخارجَها، ولو أن المقام يَسمح بالإفاضة، إذن لرأيتَ — يا صديقي — عجبًا من عدالة هذا الإسلام، وسماحته، وإنسانياته، ونُبله العظيم!

  • رابعًا: ماذا يَعني تطبيقُ الشريعة؟

    إنه لن يَعنيَ بحالٍ إحداثَ انقلاب في حياتنا نُحاذِره ونخشاه؛ إن الشريعة تتَّجِه إلى إحقاق العدل والحرية والفضيلة، في القانون وفي المجتمع.

    أما القانون — عقوبات، ومدني، وتجاري — فتِسعة أعشاره مُسايِرة للمنطق الإسلامي، ولن يَحتاج قانونُ العقوبات إلا إلى إضافة الحدود التي لو عرَفْنا فلسفة الإسلام فيها، والشروطَ التي اشترطَها لإقامتها لما أثارَت في أفئدة الجهلاء، فضلًا عن العقلاء، أدنى قدرٍ من التهيُّب والخوف!

    والقانونان، المدني والتجاري، لن يَحتاجا إلا إلى إضافةٍ تَستبعِد الربا، وما ذلك كما نظن بعَسير؛ فقد تخلَّصَت باكستان من المعاملات الرِّبَوية بكل أنواعها، وتحولَت جميعُ المصارف والبنوك، بما فيها الأجنبية، إلى المعاملات الإسلامية.

    هذا عن القانون، أما عن المجتمع، فهنا تقول الشريعة: الزمن جزءٌ من العلاج، ومنهج الإسلام مائلٌ في إقناع الناس بالفضيلة، وليس في إكراههم عليها!

    والأناة، والصبر الجميل والطويل وسيلَتاه إلى تهذيب المجتمع وتَعْلية سلوكياته، وحَسْبنا أن نَعلم أن الخمر — وهي أمُّ الكبائر — لم تُحرَّم إلا بعد ثمانيةَ عشَر عامًا من بزوغ الإسلام!

    فالسير خطوةً خطوة، هو الطريقة المثلى لتعلية المجتمع وتهذيب سلوكياته.

    وتطبيق الشريعة الإسلامية لا يَعني بحالٍ — شاء دُعاة التطبيق أم أبَوْا — أيَّ رجعةٍ إلى الوراء، ولا أيَّ تَقهقُر؛ فأعظمُ مزايا الإسلام احترامُه المعاصَرة.

    ومعنى المعاصرة قدرتُه بمبادئه وبروحه وبتَجرِبته على التفاعل الذكيِّ مع التطور المستمر لأشكال الحياة، واحتياجات الناس. والذين يُجرِّدون الإسلامَ من مَزيَّة المعاصرة، إنما يَسلبونه حقه في أن يكون دينًا عامًّا وخالدًا.

    كذلك، فإن تطبيق الشريعة لا يَعني الحياةَ خارج أسوار الحضارة؛ إذ الإسلام رائدٌ من أعظم رُوَّادها. وإذا قُلنا: الحضارة، فإنما نَعني بها الحضارةَ العِلمية، والفنية والفكرية والروحية، والاجتماعية. ولو أن الإسلام نأى بجانبه، ولَوى عِطْفَه عن هذا الالتزام الحضاري في الوقت الذي هو فيه خاتَم الأديان، لكان معنى ذلك أنه يَحجر على مستقبل البشر، ويضَع الحياة في جهاز التبريد، ويدفعها إلى غسَق الليل وظُلماته!

    وهنا يَجيء تساؤلك عن مصير الفنِّ ومؤسساته؛ من مسرح، وسينما، وتليفزيون، وإذاعة، وموسيقى … فأقول لك يا صديقي العزيز: إن هذه قضية لها حديث طويل.

    بَيْد أني أضع أمامك نقطة البدء، فيما يتَّصِل بموقف الشريعة من هذا كلِّه؟ فأقول:

    سُئل الإمام الشافعي رضي الله عنه عن الشعر، فقال: حسَنُه حسن، وقبيحه قبيح! وهذا ما تقوله شريعةُ الإسلام عن الفن في شتى مجالاته؛ فحسَنه حسَن، وقبيحه قبيح.

    وأَسمعُك تسألني: ومَن الذي يُحدِّد معاييرَ الحُسن والقُبح؟ وأجيبك: إنه الذَّوق العامُّ للمجتمع في ظل القيم الخالدة التي يَدور في فلَكها الجنسُ البشري كلُّه، وليس المسلمون وحدهم.

  • خامسًا: كيف ستَحكم الشريعةُ المجتمع؟ وهذا أخطر جوانب القضية كلها!

    فاعلم — يا أخي — وليعلم جميعُ الداعين إلى تطبيقها أن نظام الحكم في الإسلام هو الشورى.

    وما الشورى؟ إنها الديمقراطية التي نراها اليوم في بلاد الديمقراطيات.

    وللمرة العشرين أُفصِّل مقوماتِها وأركانَها وعناصرها:

    • (أ) الأمة مصدر السلطات.
    • (ب) حتمية الفصل بين السلطات!
    • (جـ) الأمة صاحبة الحق المطلق في اختيار رئيسها.
    • (د) وصاحبة الحق المطلق في اختيار ممثِّليها ونوَّابها.
    • (هـ) قيام معارضة برلمانية حرة وشجاعة، تستطيع إسقاط الحكومة حين انحرافها.
    • (و) تعدُّد الأحزاب ضرورة من ضرورات الشورى والديمقراطية.
    • (ز) الصِّحافة الحرة — كل الحرية — هي «الرئة» الثانية التي يتنفس بها المجتمع! ومِن ثَم فلا بد من إعلاء شأنها وصَون حقوقها.

    هذا — يا أخي — هو نظام الحكم في الإسلام بلا تحريف فيه، ولا انتقاصٍ منه. ومَن حاول في هذا تحريفًا أو انتقاصًا فهو مُتفيقِه، لا فقيه!

  • سادسًا: ولماذا الشريعة الآن؟

    وأجيبك: هناك سبب عام، وهو أن جميع المسئولين اعترَفوا بحتمية هذا التطبيق واعترَفوا — بما فيهم نواب الحزب الحاكم — بأن التطبيق مَطلب شعبي … وإن كان هؤلاء وأولئك لم يُحدِّدوا وقتًا عاجلًا لإنجازه.

    وهذا يَصِلني فورًا بسبب خاص أقنعَني بأن اليوم لا غدًا، وغدًا لا بعد غد، هو أنسبُ الأوقات لهذا التطبيق الذي ظفر بالدعوة الملحَّة من كثيرين.

    إذ إن الإرجاء — في نظري — سيَعني اتِّساع الفجوة بين التيار الإسلامي المتنامي، وبين الحاكِمين مما يُتيح الفرصة للقوى الأجنبية الضاغنة علينا — وما أكثرَها! — أن تشق الصف وتَزيد الأمر صعوبة.

    هذا أولًا … وأما ثانيًا، فإن هذا التيار المتماديَ سيَجد فرصته دائمًا في تحويل دعوته إلى تجهيلٍ صارخ للحُكم وللمجتمع، قد يُفضي به — بل سيُفضي به — إلى كل ما يقدر عليه من وسائل العنف، ثم ما دام هناك احتمال بأن يصل هذا التيار يومًا — قَرُب أو بَعُد — إلى الحكم أو إلى المشاركة فيه، فنحن إذن أمام فرصة عظيمة لنبدأ تقنين الشريعة بتقنين نظام الحكم على النحو الذي أسلَفْناه. وهنا يبدأ التزام التيار الإسلامي بهذا النظام، ويَقضي الشعب كلُّه زمنًا طويلًا في معايشته باعتباره نظامًا إسلاميًّا، لا يَسمح لأحد ولا لفئة أن تخرج عليه، بل إني أقترح عندما نبدأ تقنين الشريعة — بادئين حتمًا — بتقنين نظام الحكم، أن يُعرَض هذا النظام في استفتاء عام؛ ليصبح وثيقةً ترفض المروق منها والخروجَ عليها في يوم من الأيام.

    ولن نحتاج — يا صديقي — إلى حكومة دينية تَحكمنا بالشريعة، بل سنظل دائمًا في ظل «حكم قومي» خالص ومتكامل.

إنه من الخطر الأكيد أن نُعالِج قضايا المجتمع — لا سيما الكبيرةَ منها — على طريقة «أفتح الشباك، والَّا أقفل الشباك!»

إذن الحسم هنا هو الوسيلة وهو الطريق، أما حديثك — يا أخي — عن كارثة الأمور التي مزقَت العرب والمسلمين شرَّ ممزَّق فتلك قضية أخرى، لا أجد وصفًا لها غير قول الصوفي الحكيم «أبي حازم» رضي الله عنه:

«لا أعرف يقينًا لا شك فيه، أشبه بشك لا يقين فيه، من هذا الذي نحن فيه!»

وسلام الله عليك ورحمته وبركاته.

خالد محمد خالد

تعليق سريع

هذا هو الرد الذي تفضل الأستاذ الكبير خالد محمد خالد بإرساله كجواب على التساؤلات التي آثرتُ طرحها عليه هو بالذات، ليس لأنه من بني تميم كما تفضل وقال، ولا خوفًا من هُزَيل، أيِّ هذيل؛ فوالله الذي نفسي بيده أنا لا أخاف في الحق لومةَ لائم، وكل كلمة أكتبها، أكتبها استشهادًا، وليس أبدًا بديلًا عن استشهاد؛ فرسالة الكاتب ليس أن يَكتب وإنما أن «يَصدُق» فيما يكتب، حتى لو كلَّفَه صدقُه مع نفسه حياتَه ذاتَها. فماذا تكون قيمة حياته إذا عاشها أو كتبها كذبًا على نفسه وعلى الناس؟!

القضية أوفَيتَها حقًّا في ردك عليها، وهذه الطريقة في «الحكم الإسلامي» هي الطريقة الجديرة بإسلام له أربعةَ عشَر قرنًا، يُعلِّم الناس علم التفكير وقيمة العقل والأخذ بأسباب التحضر، ولو كان الحكم الإسلامي سيُطبَّق بالطريقة التي أوجزتَها لكان شيئًا أعظمَ بكثير من كل المذاهب الدنيوية المعاصرة، لكان الجنةَ على الأرض، لكان «اليوتيوبيا» أو المدينة الفاضلة التي يحلم بها البشر منذ أفلاطون إلى الآن، ولكن أبدًا لن يُطبَّق كما ذكَرتَ تطبيقًا يُراد به رُقيَّنا خلقيًّا وإيمانيًّا، وعِلميًّا وفكريًّا، وفنيًّا واقتصاديًّا، إن السائد الآن — والذي ذكرتَ أنه أصبح مطلبًا «شعبيًّا» — هو تطبيق لإسلام الميكروفونات أيها الصديق العزيز، إسلام الإرهاب الفكري، واتهام أيٍّ ممن يجرؤ على معارضته بالكفر والإلحاد! نوع غريب لم نعرفه عن الإسلام أبدًا؛ فهو لا يدعو إلى حِكمة، ولا إلى موعظة حسَنة، وإنما يدعو إلى إطلاق الرَّصاص على المشايخ في عيونهم اليسرى، وإلى الانقضاض على الأمة بقوة السلاح، والفتك بالمواطنين الآمنين والعساكر الغلابة! وعلى هذا البحرِ من الدم يصعد «الدعاة» ليتسلَّموا زِمام حكم يَذبح أولَ ما يذبح المسلمين أنفسَهم، بدعوى تقصيرهم في عبادتهم أو إيمانهم، أو شقِّ عصا الطاعة على يد هذا الراعي أو ذاك.

هذا هو شكل الإسلام الذي «سينتصر» إذا نجَح دُعاة الميكروفونات في قيادة الشعب وتنظيمه، والاستيلاء على حكمه، وليس إسلامَك أبدًا يا مولانا، ولا إسلام الإمام محمد عبده ولا جمال الدين الأفغاني، ولا أيٍّ من الأئمة الأربعة، وتلك الجماعات وُلِدَت في ظل الإرهاب الجسدي الذي قاومَت به ثورة ٢٣ يوليو جماعةَ الإخوان المسلمين، وفي ظل رعاية بعض الدول النفطية لمن لجَئوا إليها من قيادة الجماعة، جماعات كان مفروضًا أن تُحاوَر وتُرشَد، وتُدفَع لها بأمهات الكتب الإسلامية تقرؤها؛ فلا عقيدة أبدًا تُصفَّى بالكرابيج، أو حتى بالمشانق. لقد كان من رأيي المتواضع أن نَسمح بإقامة حزب إسلامي سياسي، يدعو إلى ما يَشاء من حكم إسلامي، وتطبيقٍ للشريعة، بحيث ينضَوي تحت لوائه كلُّ تلك الآلاف من الشباب الوطني المخلص، المتَّقِد حماسًا لبلاده وعقيدته، حزب نَستطيع «مناقشتَه» في برامجه، بل ونعمل معه كما كنا نُقاتِل القوات البريطانية في قنال السويس جنبًا إلى جنب مع الإخوان المسلمين، وعلى رأسهم صديقي وزميلي الشهيد طالب الطب عمر شاهين. أما حُجتك في أن نُسارِع لقطع الطريق على هذا الاتجاه الدموي في تطبيق الحكم الإسلامي، بالإسراع الآنَ واليومَ وليس غدًا في تطبيق الشريعة، فإنها نفس الحُجة التي استنَد إليها جمال عبد الناصر، ثم مِن بعده — ولأسباب مختلفة تمامًا — أنور السادات، بتملُّق هذا التيار، وإشاعة نوع من «الجو» الإسلامي في وسائل الإعلام، حتى يُقنِع قواعد الإخوان والجماعات الإسلامية أن الدولة فعلًا في طريقها إلى الحكم الإسلامي، أو أن حُكمها هو فعلًا حكم إسلامي. وكانت النتيجةُ أن زادت النارُ اشتعالًا؛ إذ كانا كأنما يُطفِيان النارَ بمزيد من البنزين «لإخماد» الدعوة، فلا يفعل كلُّ هذا إلا أن يَزيدها اشتعالًا.

إني قادم من الإسكندرية حيث ذهبتُ في إجازة ليومَين، لم أنم في الليلتَين لحظة؛ لأن الميكروفونات الزاعقة من العشاء إلى الصباح خمسة ميكروفونات في بقعة لا تتجاوز مساحتُها قرية، تزعق في وقت واحد، وتتداخل أصواتها، وتتنافر، وتؤذي الأرِقَ والمريض، ومَن هو في حاجة إلى النوم، ليبدأ عملًا في الغد ينفع به المسلمين، في أي مصدر إسلامي ذُكِرَت حكاية إزعاج الكادحين العاملين طول الليل بالميكروفونات تلك؟!

لا يا سيدي، نحن في حاجة إلى حوار مع هذا التيار، الذي لا أشك لحظةً واحدة في سلامة مقصد قواعده الشبابية الغضَّة، ولا في إيمان بعض قياداته بأن هذا هو الحلُّ كل الحل لمشاكل مصر والمسلمين، ولكني أعود بك مرة أخرى إلى الحاضر لترى كيف يَذبح المسلمون المسلمين، وكل منهم لا يَحمل المصحف الشريف على سيفه فقط، ولكن باسم الإسلام يَطعن قلب زميله المسلم؛ إيمانًا منه بأنه هو الذي على حق، وأن الآخر كافرٌ ومارق. نفس الشيء يَحدث هنا، كل ما في الأمر أنه لا يزال في مستوى الاتهامات، ولكن الطعن بالسيف قادم، ألستَ ترى معي الفارق الهائل بين ما كان حادثًا في الستينيَّات وبيننا الآن، حين كنا عربًا ومسلمين في صف، والاستعمار هو العدو في الجانب الآخر، وحين أدرك الاستعمارُ ذلك قام بدهائه الشديد بتحويل مواجهة الإسلام ضد الاستعمار إلى الإسلام ضد الإسلام، والعرب ضد العرب، فكسَب معركتَه دون إراقة قطرة دم، إنما هي البحور من دماء المسلمين بأيدي المسلمين باسم الإسلام هي التي أبقت.

ملحوظة أخيرة أضيفها تقول: لا بد أن يُعرَض نظام الحكم الإسلامي في استفتاء عام لِيَصير وثيقة تَرفض المروق منها، والخروجَ عليها في يوم من الأيام.

ثم تضيف: لن نَحتاج يا صديقي إلى حكومة دينية تَحكمنا بالشريعة، بل سنظل دائمًا في ظل نظام «حكم قومي» خالص ومتكامل.

كيف يتأتى هذا يا أستاذنا الكبير؟ وماذا نفعل بملايين إخواننا الأقباط المصريين إذا هم أصرُّوا هم الآخَرون على تطبيق الشريعة المسيحية؟ هل نَقسِم مصرَ حينذاك، أم نتحول إلى لبنان أخرى؟

يا أيها الرجل الملهَم المسلم، إن الحفرة التي يَحفرونها لمصر واضحةٌ لكل ذي عينَين، وإسرائيل لن تَأمن على بقائها وبجوارها شعبٌ مصري وصَل إلى الخمسين مليون مصري، متَّحِد، متكاتف، ولا سبيل إلى «فك» مصر وإيقاع الفتنة بأهلها إلا بأن تَزأر وتَجأر هذه النُّعرة التي تَستنكرها وتَزداد خوفًا من غُلوِّها، وتُزوِّدها بأن تُسلِّم لها مفتاح الفتنة.

ألا ترى معي أيها الصديق الأستاذ، أن المسألة أبعدُ بكثير من مجرد تطبيق الشريعة أو عدم تطبيقها؟ إنْ هذه إلا الخطوة الأولى في المؤامرة الكبير على مصر، أمِّ العرب ومُوحِّدتهم، وحامية حِمى الإسلام وقِبلته الفكرية، حتى قَبل أن تُخترَع الميكروفونات.

أين عقلكِ وحِكمتك، وكُتَّابكِ وعلماؤك ومُفكِّروك يا مصر؟ أين أنتم يا ملايينَ المتعلمين والمتنورين، وهذي بلادكم تُعِد لها جهنمَ حقيقة أمام أعينكم وأنتم تنظرون في «توَلُّه» وكأنَّ الأمر لا يَعْنيكم، وكأن جهنم تُعَد لقوم آخرين؟!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠