خطأ الإعلام

أحب بادئ ذي بدء — وردًّا على كثير من الخطابات التي جاءتني تتَّهِمني وتُشكِّك في نياتي حين أرسلتُ تلك الرسالة إلى الكاتب الإسلامي الكبير خالد محمد خالد — أن أشرح للقراء حقيقة الموقف، وأقول: إن تلك الرسالة التي أرسلتُها لم تكن لها أدنى علاقة بمسيرة خضراء أو بيضاء، يُزمِع البعضُ القيامَ بها، ولكني كنت قد قابلتُ الأستاذ خالد في حفل إفطار في رمضان، ومعنا بعض الصفوة من مشايخ المسلمين والمثقفين المصريين، وأن الحوار دار بالطبع حول فكرة الدولة الإسلامية التي أصبح الأستاذ خالد محمد خالد ينادي بها، خلافًا لما بدأ به في أوائل الخمسينيات في كتاب «من هنا نبدأ» وكان وقتَها يؤكد أنه لا طريق للخلاص إلا بفصل الدين عن الدولة، ثم إذا به الآن يُنادي بأن الإسلام دين ودولة معًا، ولا سبيل إلى دين إسلامي إلا بدولة إسلامية.

وإذا كانت تلك الدعوة قد أخذَت هذا الشكل عند الأستاذ خالد محمد خالد، فإنها أخذت شكلًا بل أشكالًا أخرى، أحدُها بلا شك هو: أنْ لا حل لمشاكل مصر — أمةً ودولة وشعبًا — إلا بتطبيق الشريعة الإسلامية فورًا ودون إبطاء، هنا ثار السؤال عندي عن رأي الأستاذ خالد في هذا، وعن رأيه في كيفية تطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية، ووعدتُه بأن أُرسِل له رسالة مفتوحة أسأله فيها عن هذا كله، وأقول له أيضًا رأيي الخاص في مشكلة مصر والمصريين والعرب والمسلمين، باعتبار أن سببها الأول والأوحد هو مُعاداة الاستعمار بقديمه وحديثه وإسرائيلِه لنا، ومؤامراته المتصلة علينا، وأن الدين الإسلامي عندي هو دين جهاد أعداء الإسلام الذين أسماهم القرآن الكريم «الكفار» فلم تكن كلمة الاستعمار مستعملة في تلك الأيام.

المهم أن هذا حدث كله في النصف الأول من رمضان المعظم، ولكنْ حال دوني ودون كتابة الرسالة أنه كان لا بد عليَّ أن أنتهيَ من سلسلة المقالات التي كتبتُها عن زيارتي الأخيرة لبعض البلاد الأوروبية والأمريكية، لم يكن في ذهني إذن مَسيرة ولا مقاومةُ مسيرة، إني كنت وما زلت أؤمن برأيي الذي أوضحته في الرسالة، ولكن ظروف النشر جاء توقيتها بحيث اقترنَت بقُرب المسيرة، ليس هذا فقط، بل إني كنتُ قد كتبتها يوم الأربعاء لِتُنشَر يوم الاثنين، وفُوجِئتُ بزميلة صباحية تُصدِر يوم السبت، وتتناول الموضوعَ برؤية وطريقة مختلفة تمامًا عما في ذهني.

ولم يَفُتَّ هذا في عضدي، بل أقنعني بأننا أصبحنا في حالة حياة أو موت، إلى جدل جاد عميق حول الموضوع، وهكذا نشَرته، والحق إنني فوجئتُ برد الفعل المحبِّذ لمناقشة الموضوع وفتحه على مِصراعَيه، وكأنما كانت أغلبية المصريين الصامتة تنتظر أن تَخفَّ موجة الإرهاب الفكري الذي يحاصرك، بين إما أن تكون مع الدعوى العاجلة لتطبيق قطع اليد ورجم الزناة، وتحريم كافة أشكال التطوُّر والتحضر، وإما أنك زنديق وملحد ومرتد، ولا بد من نَسْفك نسفًا.

أحس المواطنون العقلاء الذين لا يحكمهم ولا يقودهم الهوس والتعصب الأعمى أنني لا أهاجم أحدًا، ولا أريد النَّيل من دعوة، ولكني مصرٌّ على المناقشة والاقتناع، فلا شيء يُثير غضبي — مثلي مثل أي مواطن — إلا أن يُفرَض عليَّ الرأي فرضًا وبدكتاتورية عصبية لا تَقبل الجدل، وأُفضِّل لو جاء داعٍ ديني مسلم أو مسيحي، وخيرَني بين اعتناق هذا الدين أو ذاك بالقهر والقوة أو أن يقطع رقبتي، لفَضلتُ أن أموت على أن أؤمن خوفًا أو نفاقًا، أو تمشِّيًا مع رأي لا أؤمن حقًّا به، ولا أقتنع به عن إيمان حقيقي، فالأديان إن لم تَصدُر عن إيمان صادق فقدَت رسالتها كدين؛ إذ الدين هو الإيمان الصادق المصفَّى الخالص لوجه الله، وليس الإيمانَ عن خوف من حاكم أو تيار أو إيذاء.

والحقيقة إني حين قرأتُ الزميلة الصباحية اليوم «السبت»، ورأيت الطريقة التي بدأَت تعالج بها الموضوع، أحسستُ أنها طريقة أرفضها تمامًا؛ لأنها تندفع إلى تسخيف بعض الآراء. طريقتي أنا مختلفة تمامًا، فهي تؤمن بأن المطالِبين بتطبيق الشريعة قوم في مُجمَلهم فُضلاء وشرفاء وطاهرو النية، ويريدون لهذا البلد ولهذا الشعب الصلاح، وهو بالضبط نفسُ ما أريده، ويريده كلُّ وطني ومؤمن في هذا الشعب، ولكن خلافنا ليس اختلافًا على الأهداف، إنما هو سعي حثيث وجدل علمي وعقلي وإيماني حول أي السبل يوصلنا إلى النهضة العربية الإسلامية، ولكن الغريب أنه يُمثِّل سوء الأسلوب الذي يتبعه البعض في مقاومة تطبيق الشريعة، هناك أسلوب لا يقل سوءًا، يتبعه أولئك المطالبون بتطبيقها. وسآخذ نموذجًا لهذا ليس من خطابات التأييد والتحبيذ للحوار الذي دار بيني وبين الأستاذ خالد محمد خالد، ولكن اقرَءوا معي لِمُواطن وقَّع خطابه باسم عزت علي أحمد يقول فيه: قرأتُ تعليقك على رد الأستاذ خالد محمد خالد عليك، وكنتُ أتمنى أن تخرص وتقف عند حدك؛ لأنك أصغرُ وأجهل من أن ترد على الكاتب خالد؛ لأنك لا تساوي صفرًا على الشمال بالنسبة لهذا الكاتب العظيم، وكذلك إن مسألة تطبيق الشريعة أكبرُ من أنك تكتب أو تتكلم فيها؛ لأنك معروف! أليس أنت اليساري الكلب والناصري؟ أليس أنت عدو كل مسلم، وذيل حكم الديكتاتور المهزوم عبد الناصر وعصابته الحرامية واللصوص؟

ويَمضي المواطن «المدافع عن شريعة الله السمحة المسلمة، المتحدث باسم الإسلام» في سلسلةٍ من البذاءات لا علاقة لها إطلاقًا لا بالموضوع ولا بالشريعة ولا بديننا الحنيف.

والغريب إنه ليس الخطابَ الوحيد الحافل بالقبح والبشاعة؛ مما جعلَني أتساءل: أليس مِن حق المتخوفين ليس مِن تطبيق الشريعة وحكم الإسلام، ولكن «ممن» سيُطبِّقون الشريعة، ويحكمون باسم الإسلام أن يَجزعوا من أن يكون القائمون على هذه الدعوة — وهم بعدُ لم يَصِلوا إلى حكم، ولم يُمسِكوا سيفًا أو صولجانًا — بهذه الدرجة من البذاءة والسفالة، وأن يَرتكبوا هذا جميعًا باسم أسْمى شريعة؟

ولكني — بعد تفكير غير غاضب أو ساخط، بل في الحقيقة مُتروٍّ ومتأمِّل — وجدتُ أن خطأ هؤلاء ليس خطأَهم أبدًا إنما هو خطأُ إعلامنا الذي وضَع على ألسنتهم تلك الكلماتِ والصفات، إنها النوبة من هجمة السفالة والاتهامات والبذاءات التي سادت حياتَنا في فترة ليست ببعيدة، وليس هذا هو الخطأَ الوحيد لإعلامنا. إنني كما ذكرتُ في تعليقي على مقالة الأستاذ خالد، قلت إننا حشَدْنا في أجهزة إعلامنا أشد التفسيرات الإسلامية رجعيةً وتخلفًا، لم نجعلها منابرَ للتعاليم الإسلامية الحقة؛ الرحمة والحب والتواصل، والعفو والمغفرة، إنما جعلناها منابرَ لتكفير الآخرين، ولإرهابهم، لحض الناس على التعصب، مع أن الإسلام مفروض أنه يحتوي على حب الجنس البشري كله؛ ذميين، وغير ذميين، الإسلام هو البشر في أرقى حالاتهم الروحية، وليس أبدًا هو الإسلامَ الذي جلستُ أمام التليفزيون مرة لأشاهد بَرنامجًا كان اسمه قضاء حاجات المسلمين، وتصورتُ أن الشيخ الجليل سيَحثُّنا على مساعدة بعضنا البعض، فإذا به يتحدث عن قضاء الحاجة بمعنى دخول المراحيض، وكيف على المسلم أن يدخل المرحاض بقدَمه اليسرى وأن يتجه في جلسته بعيدًا عن القبلة … و… و… إلى آخر هذه الأشياء التي قتلَت فينا روح الإسلام الحقيقية؛ فالإسلام دينُ كفاح ونضالٍ وثورة. جاء ثورةً على العالم القديم كلِّه وروحه محشودة بالآيات التي تحضُّ على قتال الأعداء، وكأنها أوامرُ عسكرية يومية كان يُصدِرها المولى سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين؛ كي يُحارِبوا أعداءهم المفسدين، الذين كانوا يُمثِّلون قمة الجشع والإجرام، والوثنية والجاهلية؛ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ أليس هذا أمرًا عسكريًّا واضحًا، كل ما في الأمر أننا حين حوَّلناه إلى أنغام يقرؤها قارئون ويتمايَلون على وقعها فقدَ مضمونه الحق، واستحال إلى شكلٍ قرآني غنائي لا يمكن أن يتبيَّن معه المؤمنُ المقصودَ بمعناه ومحتواه. نحن أطلقنا من خلال إعلامنا كلِّه صِحافة وإذاعة وتليفزيون أنواعًا غريبة من إسلام لا علاقة بينه وبين روح الإسلام، إسلام لا يريد إدخال الناس فيه زمرة ووحدانا، ولكن يريد أن يبعد الناسَ عنه بل ويحرمه عليهم ويكفرهم، ولا يجذبهم أبدًا إلى ساحته، إسلام لا يَعرف لغةً يصف بها مَن يعتقد أنه أخطأ إلا بقوله: الكلب أو الكافر، أو اللص أو الزِّنديق …

إن أجهزة الإعلام هي أجهزة صياغة العقول واللغة، وأسلوبِ التعامل في عصرنا الحديث، وبعد أن ترَكْنا أناسًا يَعيثون فسادًا في ديننا ولغتنا، وأذواقنا وعقولنا لفترة طويلة جدًّا، نعود الآن ونحصد ما زرَعناه. وما أبشعَ ما نحصد!

إن الحوار متصل أيها الإخوة حتى مَن لا يعرف فيكم إلا السباب لغة وطريقة، فأنتم مجنيٌّ عليكم جنايةً كبرى، وتمامًا ضحايا. ولا وسيلةَ لتصحيح كل تلك الجرائم والأخطاء إلا بأن نتعلَّم كيف نتحاور ونتجادل بالتي هي أحسن، فالإسلام دينُ الموعظة الحسنة، وليس دينَ الحقد المبيَّت. إن بلادًا تطمع في دفع مصر عن قمة الأمة الإسلامية والعربية، تَعيث فسادًا في إعلامنا وأقلامنا، أو تدفع بسَخاء، ويُهمها تمامًا أن تَفقد مصرُ عقلها وقلبها وإسلامها الحنيف الذي وقف وحده، بأزهره، يرفع الراية الإسلامية لأكثرَ من ألف عام متواصلة إلى الآن.

وتكفي هذه الإشارة الآن، فما خفي أعظمُ وأدهى!

وسلام عليك يا مصر، وليحفظك الله من الآبِقين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠