انطباعات قطرية

لا يهمني كثيرًا ناطحات السحاب والعمارات والمنشآت؛ الإنسان عندي هو المقياس.

الشباب القطَري الجديد استوعب التقدُّم في منطقتنا، وربما في العالم كله.

فجأة وجدت وكأنما مدينةٌ أخرى قد انتصبَت بقوةِ مارد رهيب.

•••

بيني وبين قُراء «الدَّوحة» قضية معلقة؛ ذلك أني كنت منذ شهرَين قد بدأتُ أكتب انطباعات عن زيارتي لقطر في أواخر شتاء هذا العام، ويبدو أن هناك سببَين لتوقفي عن إكمال هذه الانطباعات؛ السبب الأول في رأيي أني كنت قد بدأتُ أكتبها بسرعة بعد عودتي إلى القاهرة مباشرة — ربما مِن فرط الحماس — والسبب الثاني هو أن أمورًا عاجلة دفعَتني إلى أن أقطع الكتابة التي قد تَصلح لكل وقت لأكتب عن أشياء لا بد أن أكتبها في حينها.

وأيضًا هناك سبب ثالث لا يتعلق بي، ولكنه يتعلق بمجلتنا «الدوحة»؛ ذلك هو صدورها شهرية، والمجلة الشهرية في رأيي أقرب ما تكون إلى كتاب منها إلى مجلة؛ فنحن في عالم تتلاحق فيه الأحداث إلى درجة مُخيفة، وتتسارع فيه الأشياء بطريقة أصبح الشهر فيها شيئًا حافلًا ممتدًّا طويلًا، وكأنه أكثرُ من عام من أعوام زمان. ولقد قرأتُ في مجلة علمية أخيرًا هذا الإحصاءَ الغريب عن «تسارع» المعرفة عبر التاريخ، فقد وُجِد بالبحث أن كمية المعلومات التي حصَل عليها الإنسان من عام ١٩٠٠م إلى عام ١٩٥٠م تعادل كمية المعلومات التي حصل عليها الإنسان منذ فجر التاريخ إلى عام ١٩٠٠م، وأن كمية المعلومات التي حصلَت عليها البشرية من عام ١٩٥٠م إلى عام ١٩٧٥م تعادل كمية المعلومات التي حصل عليها الإنسان منذ فجر التاريخ إلى عام ١٩٥٠م، بمعنى أننا نعيش في عصر تتسارع فيه المعرفة، ويتسارع فيه الحصولُ عليها، وكذلك تتسارع أحداثه، وبالتالي يتسارع تكدُّسها إلى درجة أنك ما تكاد تبدأ تُعلق على حدث، حتى تكون ثَمة أحداث أخرى قد تراكمَت بحيث تُلهيك تمامًا عما كنتَ بسبيلك للتعليق عليه؛ ولهذا أصبحَت المجلات التي كانت شهريةً هي إلى الكتاب السنويِّ أقرب، والمجلات الأسبوعية هي إلى المجلات الشهرية أقرب، بل إن الصحف اليومية إذا قِيسَت بسرعة تَغطية الإذاعة والتليفزيون للأحداث أصبحَت إلى المجلات الأسبوعية أقرب. من أجل هذا أُريد أن أرفع صوتي مُطالِبًا وزارة الإعلام القطرية وعلى رأسها الأستاذ عيسى الكواري أن يَعمل على إصدار الدوحة أسبوعية؛ فالأحداث في عالمنا العربي «قلب الأحداث في العالم كله» كثيرةٌ ومتلاحقة، حتى المعرفة فيه متشعِّبة ومتلاحقة بشكلٍ يَكاد الإنسانُ يلهث يوميًّا لملاحقتها، ولا أقول: أسبوعيًّا أو شهريًّا.

•••

المهم. كنت كما قلت قد بدأتُ كتابة انطباعاتي عن زيارتي لقطر وقطع حبل الانطباعات، تُرى هل أتمكَّن الآن، وقد بَعُدَت الرؤيا قليلًا، وأصبح ليس عالقًا بالذهن إلا الشهيرُ من الانطباعات والعميقُ من الانفعالات، أن أوصل الحبل؟

لم أكَد أُصدِّق عيني والطائرة تحوم بنا فوق مدينة حديثة جدًّا. وتقول المضيفة بصوتها التِّجاري: نحن على استعدادٍ للهبوط في مطار الدوحة، الرجاء ربطُ الأحزمة والامتناعُ عن التدخين. لم تكن هذه المرةَ الأولى التي رأيتُ فيها الدوحة، فمنذ أكثرَ من سبع سنوات توقفتُ فيها في طريقي إلى الهند، وكنت شَغوفًا جدًّا أن أرى ماذا فعَلَته سبعُ سنوات طِوال من التغيرات في الدوحة.

والحقيقة لم أكن أتوقع هذا أبدًا.

في الغرب هناك تعبير يُسمُّونه «انفجار» المدينة، وهو تعبير أُطلِقَ بالذات على بعض المدن الأمريكية حين كان يُكتشَف الذهب أو البترول قريبًا منها، وتنفجر المدينة سُكانًا وتِجارة ومحلات وفنادقَ وحركةً هائلة دائبة. هذا التعبير وجَدتُه قاصرًا عن وصف ما حدث للدوحة أثناء هذه السنوات، أو ربما أثناء بعضها القليل الأخير، فما رأيتُه لم يكن «انفجار» مدينة، ولكنك بالضبط وكأنك رأيتَ ابنك رضيعًا، ثم ذهبتَ بعد سنوات لتراه، فإذا به رجلٌ مكتمِل الرجولة، عريض الشوارب والمناكب، يكاد يهدُّ الدنيا بقبضتَيه إذا أراد.

فجأة وجدتُ وكأنما مدينة أخرى قد انتصبَت بقوةِ مارد رهيب، من أخرى صغيرةٍ تقليدية يكاد يَعبر بها الخاطر دون أن يَعلق به الكثير من مَعالمها. وأنا — في الحقيقة — لا يُهِمني كثيرًا ناطحات السحاب والعمارات والمنشآت، يُهمني في الحقيقة أكثرَ أن أرى ما حدَث للإنسان، فالإنسانُ عندي هو المقياس، ولا مقياس سواه.

وهذا هو الشيء العجيب.

فما أذهلَني أن وجدتُ الإنسان القطَري نفسه قد تغير تغيرًا من الصعب تصديقُه. وأنا لا ألوم قُراء قطر أو الخليج إذا لم يَكونوا قد رأَوا مثلما رأيت؛ فهم قد رأَوُا الناس والأشياء، وهي تنمو قليلًا قليلًا، وبطريقة ينزلق فوقها البصرُ والإدراك، بحيث لا يُمكن أن يُدرِك في النهاية جِماعَ ما حدث. أنا الذي فوجئت؛ لأن الفرق بين نظرتي الأولى والثانية كانت سبع سنوات.

•••

أروع مَن قابلتُ في قطر هو الشباب القطري الجديد. الذي بسرعة مذهلة استوعب التقدم في منطقتنا، وربما في العالم كلِّه، ثم بدأ يرسخ أقدامه في أرض الواقع القطري ويَشمخ برأسه إلى السماء.

كنتُ جالسًا في ضيافة سمو الشيخ عبد العزيز وزير المالية والبترول حول فنجان قهوة. وكنتُ وأنا أتحدث معه عن كل ما يَشغل العالم، وعن هموم الإنسان العربي المثقَّف، يكاد رأسي ينشطر شطرَين؛ شطر يرى الصورة المزرية التي تُصوِّر بها الصحافةُ الغربية، بل والعالمية كلُّها، الإنسانَ العربي في صورة ذلك الجشع الذي لا هم له سوى إشباع غرائزه السفلى وشراء الذمم والأعراض، تلك الصورة التي نجحَت الدعاية الصِّهيَونية في تلقينها للرأي العام العالمي، والصورة الواقعية أمامي لشاب من شباب العرب، شاب مثقَّف حديث بكل ما تحمل هذه الكلمةُ من معنًى ومضمون، شاب تأنس بالحديث إليه وتُحس به جالسًا فوق تراث عربي متين، ولكنه يرى بنظرٍ ثاقب وهَّاج كلَّ ما يدور في منطقته وفي العالم كله، ويُدرِكه ويَعيه، ويستخلص منه الخطَّ الأمثل الذي يجب أن يَسير عليه ويلتمس فيه سبيل الخلاص من عالم شائك رهيب محشوٍّ بالأزمات والعُقَد والأشواك، وليسمح لي الشيخ الصديق أني ضربتُ به المثل، فلا أعتقد أن هذا سوف يُسعِده، فلم أرَ إنسانًا أكثرَ تواضعًا منه، ووجدتُ أنه أسرع الأمثلة إلى ذاكرتي؛ فقد خرجتُ من زيارتي له وحديثي معه بانطباع لا يُمحى.

•••

وليس كثيرًا من المسئولين هم على هذا النحو من التحدث والوعي، والثقافة والإدراك، إنما تعالوا معي إلى سائق العربة التي خُصِّصَت لي، ذلك الإنسان الذي — ها أنا ذا أشهد أني — تعلمتُ منه الكثير. وأول شيء تعلمتُه مثلًا أن أسمع نشرة الأخبار من كل محطَّات الراديو، ذلك أنني منذ مدة طويلة بدأت أكفر بما تقوله كل محطات إذاعاتنا، بل وإذاعات العالم، وكادت الحقيقة أن تَضيع مني تمامًا وسط هذه الغابة من عواميد «الإيريال» المسمَّرة في كل عاصمة وكل مكان، ولكن سائقي كان يَسمع بأذن أخرى، كان له على كل خبر تعليق؛ تعليق إما يمحو الخبرَ تمامًا، وإما يُردِّد عكسه، وإما يَضبِطه على الوتر الصحيح. علمَني سائقي العزيز كيف أستمع لأغاني الخليج؛ فهو «سمِّيع» من الدرجة الأولى، بل إنه علمَني كيف أستمع إلى بعض مقاطع لعبد الوهاب وأم كلثوم. علمَني تاريخ كل شبر من الدوحة وكل مبنًى، من أيام الإنجليز إلى يومنا هذا، علمَني الكثير عن السمك في سواحل قطر، وأحسن الطرق لطَهْوه وأكله، علمني هذا الرجل العظيم كيف أن الإنسان العربي باستطاعته — لا أن يَسحقه التطور، ولكن أن يمتطيَ هو بثقة لا حدَّ لها ذلك التطور، كما كان رغدان يَمتطي صَهْوة العربة البويك وينطلق بها، يُحرِّكها ويوقفها ويُلجِمها في دقةٍ ونظام وانضباط، كما يَفعل أبرعُ سائقي العالم.

تفاؤل لا حدَّ له أحسستُ به ورغدان يَطوف في أنحاء قطر والدوحة، يُعرِّفني على كل شبر فيها، لم يكن صدفة أبدًا أن يكون العربُ من قديم الزمان «قصَّاصي أثَر»؛ ففيهم الفِراسة، وفيهم دقة الملاحظة وفيهم الذكاء، وفيهم القدرة، حتى إن سَكِروا بعض الوقت بخَمر النصر أو الثروة، أن يَستعيدوا التوازن بسرعة، وبسرعة أكبر بكثير مما يتصورها الأعداء والأصدقاء، على حدٍّ سواء.

•••

انطباعات عن الدوحة.

ولكن الانطباعات المبعثرة كثيرة جدًّا.

وجميعها يحتاج لكتاب.

وفي نيتي قطعًا أن أكتب ذلك الكتابَ ذات يوم؛ فسوف يكون جزءًا من الفخر بعروبتي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠