نميمة عربية

كنا جالسين وجاءت سيرة سين من الناس، وبدأ أحدهم بالثناء عليه، وبحماس فاترٍ ردَّ آخرُ بمقولة أخرى طيبة عنه. الرجل عالم وعميد إحدى الكليات الهامة في جامعة هامة من جامعاتنا، ورغم صغر سنِّه فقد تبوأ منصب العميد عن جدارة، وأصبح اسمه من الأسماء الثقات على مستوى العالم في تخصصه، أي بلد لا بد أن تفخر به، أي جامعة في الخارج كانت ترصد له ولأبحاثه الميزانيات الضخمة، وتجد في كل فرصة تُتاح مناسَبةً لتكريمه. هكذا جرى الحديث عنه أول الأمر، غير أن أحد الحاضرين ما لبث أن قال: ولكن … وآه من لكن هذه التي أصبحت لا بد أن تعقب أي مديح في أي جلسة وعلى أي مستوى في مجتمعنا. ولكن … وذكر الرجل قصة توحي بأنه ليس عالمًا ولا شيئًا من هذا القبيل، وإنما هو متخصص في «العلاقات العامة» وفي الإلحاح على الجرائد والمجلات أن تنشر أخباره وأخبار سفرياته وأبحاثه المزعومة. وانبرت سيدةٌ من الحاضرات تتحدث عن معاملته المخجِلة لزوجته … وردت عليها أخرى بقصة سمعتها. وهكذا وجدت المنديل الأبيض الناصع الذي أخرَجه المتحدث الأول من جعبته ليذكر للحاضرين نموذجًا طيبًا يعرفه، بدأت نقط من الحبر السميك الأسود تلتصق بأركان المناديل ثم تزحف من كل الجهات … كرامته وشرفه … أولاده وزواجه … علاقته بالناس … عمله … وحتى لم تسلم عائلته، وإذا بالمنديل في النهاية يستحيل إلى مربع أسود غامق السواد، صاره الرجل العالم المرموق وآل إليه.

ولم يكن هذا أول منديل أبيض يخرج من جَعبة في جلستنا، فقد لاحظت أن ما من منديل خرج، إلا وعاد إلى جيب صاحبه بقعة حالكة السواد. وأيضًا لم تكن جلستنا أول جلسة، ولا نحن وحدنا الذين نجلس وتأتي على ألسنتِنا سِيرُ الناس، إنما، في السنوات الأخيرة، لاحظت أيضًا كثرة هذه الجلسات، ونُدرة من يخرج سالمًا، إذا مرَّت سيرته، مجردَ مرور، على لسانٍ من الألسنة، بل حتى أصبح الأمر لعبة يبدأها أحدهم أو تبدأها إحداهن بقولها: ما تيجي ننم؛ إذ قد تعلَّمْنا في صِغَرنا أن هذه نميمة، وأنها من طبع النساء الحاقدات الثرثارات، ولكن يبدو أنها لم تعد مجرد نميمة، بل لم تعد تقتصر على النساء، برع فيها الرجال أيضًا وبَزُّوا النساء!

نحن مجتمع لا يؤمن بالحركة (أي الفعل) أو «الأكشن»، نميل أكثر إلى الحديث، حتى عن «الأكشن» أو مَن يقومون «بالفعل»، وكنتُ أعتقد أن عدد القادرين على الكلام يكاد يُوازي عدد القادرين على الفعل في بلادنا، لولا أنني لاحظتُ أيضًا في السنين الأخيرة أن الكثيرين قد بدَءوا يُفضِّلون تمامًا أن يَستحيلوا إلى متفرجين على مَن يقومون بالفعل. ولأن «من خاف سلم» والذي يُعرِّض نفسه للقيام بفعلٍ ما، هناك احتمال كبير أن يُخطئ أو يَكْبوَ فليس أروعَ من الكف عن الإقدام على أي فعل، والتحول إلى صفوف المتفرجين الذين يضَعون أنفسهم في موقف الحكام أو القضاة منزَّهين عن أي فعل أو خطأ، يَحكمون على الناس، وأبدًا لا يَحكم عليهم أحد، فهُم والحمد لله لا يَقومون بأي حركة تَستدعي أي حكم، هم لا يقومون إلا فقط بدور الفرجة، والفرجة في أي شكل من أشكالها مأمونة العواقب، ولا يَجرُؤ أحد على الحكم عليها. وتكاثر جمهور المتفرجين حتى أصبح بعشَرات الآلاف والمئات والملايين، يتفرجون على «اللعيبة» في الملعب الكبير. اللعيبة فرادى، وقليلون تمامًا، وملعونون في كل حال من جمهور المتفرجين العريض، حتى لو كانت المباراة هامة و«حساسة»، وحتى لو كانت أحيانًا تدور حول أخطر القضايا والمصائر. ليس أسهلَ من الجلوس على مقعدٍ مريح في نادٍ أو مقهًى، وإصدار الأحكام على المتحركين؛ أحكام رهيبة، مانعة قاطعة، تُقال وتُكال بكل بساطة وبلا أي انفعال، ويُحِس الجالس المستريح أنه، بهذا الحكم، أو بتلك النميمة، أو بهذا الذي رواه عن «لعيب» ومزَّق به شرفه، قد أراح ضميرَه وقام بكل «الفعل» المطلوب منه، وكفى الله المؤمنين شر أي قتال.

أنا لا يُهمني الآن بحثُ الأسباب التي أدَّت لهذه الظاهرة، هناك فلاسفة عظماء متخصصون في بحث «الأسباب» أي أسباب لأي شيء، وستجد مَن يقول إن عدم إشراك الجماهير في الحكم والمسئولية أحدثَ نوعًا من السلبية أدت إلى هذه الأوضاع، ومِن قائلٍ إن انعدام الديمقراطية في الزمن «الغابر» أدى إلى تعود الناس على عدم الجهر بآرائهم أو التصدي «للأفعال»، وهكذا آب الناس إلى الهمس نميمةً، وإلى الاكتفاء بدور المتفرج حتى لو كانت الرواية التي تُعرَض أو المباراة المقامة تمس صميم حياته. ستجد مفسرين عظامًا لهذه الحالة، ولكني هنا لا أسوقها كي نجد لها سببًا، إني إنما أفعل لأني قد بدأتُ أدرك أنها خطرٌ ماحِق علينا جميعًا، وإني في محاولتي لأدركَ ذلك الخطر إنما أدافع عن النفس، بادئًا حتى بنفسي، فالحامض الكاوي يَهري القلوب والصدور من حولي، ويُحدِق بي، ومن المستحيل أن أتركه يهريني أو يهري غيري.

إن هذه الحالة الغريبة في جانب من جوانبها، ليست مجردَ رد فعل سلبي لخطر العلَنية أو القيام بفعل، ولكن بعض العقول غير الواعية، تقوم بها وبخبث شديد، بهدف تبرير موقف المتفرج، بل واستمرائه.

فما مِن شك أن لدى كلِّ إنسان ضميرًا، وأن لا وسيلة لقتل هذا الضمير إلا بقتل الإنسان نفسِه. وما من شك في أن كل مَن يقف موقف المتفرج يؤرقه، فإن لم يكن أرَق الضمير، فهو الثورة الداخلية على النفس وعلى الموقف المخزي الذي تقفه. لكي يريح المتفرجُ ضميره ويُخمِدَ ثورته على نفسه لا بد من مبرر قوي جدًّا يسوقه للآخرين ولِذاته، هذا المبرر هو وَصْم كل من «يلعب» أو «يتحرك» أو ماضٍ في القيام بأي «عمل» بأنه مطعون فيه أو في انتمائه أو في أهدافه. وحبذا لو كان جميع المتحركين (الفاعلين) هكذا؛ إذ ما دام المتحركون كلهم قذرين، فكيف تريد مني أن أتحرك أو أفعل؟! وما دامت كل حركة محلَّ ريبة أو لا بد وراءها غرض خبيث فلا أروع من التفرج إذن! ومن البقاء هناك في أعلى المدرج «نظيفًا» غيرَ ملوَّث الثياب أو السيرة. لنفتش إذن لكل متحرك عن نقطة سوداء في حاضره أو في تاريخه، وإذا حتى عجزنا فلنُفتش في مستقبله أو بمعنًى آخر في هدفه. وما دامت مجموعةٌ من الناس قد اتفقَت أن تُسوِّد سيرةً ما، فمن المحال أن تعجز، وما دام الكلام يُقال وليس مطلوبًا منك إثباتٌ أو إقامة الدليل عليه، فأنت لن تخسر شيئًا إذا قلت كل ما «سمعت» أو حتى كل ما «تتمنى» حدوثه! ومجلس ينقل عن مجلس، وراوٍ ينقل عن راوٍ، لا بد أن تسود أكبر صفحة بيضاء إذا أردت لها أن تسود. وما دمنا كلنا أصبحنا سود الطوايا فلا فضل لعربي حينئذٍ على أعجمي ولا لصاحب الفعل على صاحب القول ولا للاعب على متفرج. باختصار أشد ينعدم «البطل».

والناس تتحرك إلى أمام لأن أمامها نماذجَ رائعة بيضاء للحركة إلى أمام؛ ولهذا فالبطل في أي مجتمع ظاهرة اجتماعية، وليست فردية، ظاهرة يُفرِزها المجتمع نفسه ليضع بها نماذجَ حية لمثُل عليا يضعها الناس أمام أعينهم، ويحتذونها كلما دعت الحاجة للحركة أو للتصرف.

ولم يحدث في تاريخ أي شعب أن سُوِّدَت كلُّ مثُلِه العليا أبدًا، فهذا معناه التوقف التام، معناه سيادة السكون والتفرج، معناه نهاية الحركة والإبداع، وحتى مجرد أداء الحياة. بل حتى معناه — وهذا هو البشع — انعدام القدرة للثورة عليه وخلق مجتمع جديد بنماذج جديدة بأبطال جدد؛ لأن هذه الثورة نفسَها لا تحدث ولا يمكن أن تحدث لا بنماذجَ من هذا المجتمع المريض نفسه تثور عليه، ويحتذيها تلامذةٌ وتابعون، يُشكِّلون في النهاية قوةَ تغيير تعيد تشكيل المجتمع وصياغة حياته.

فإذا قضينا بألْسِنتنا على كل النماذج وعلى كل أنواع الحركة، وفي أي اتجاه، فإننا، دون أن نَدري، نقضي على الحياة الكائنة والحياة التي لا بد أن تكون. نقضي على يأس الحاضر ونَقضي على أمل المستقبل، نقضي على جيل عائش وموجود، وجيلٍ جديد قادم، وقد طمسنا معالم مُثله العليا التي لا بد أن تكون قائمةً اليوم ليحتذيَها الشباب اليوم وغدًا.

حين نقضي على «كل» الفاعلية، نقضي على «كل» الفعل و«كل» الحركة بما فيها الحركة إلى أمام.

المجتمَعات الصحيحة (وليس مُهمًّا أن تكون من عالم أول أو ثالث، وليس مهمًّا أن تكون متخلفة أو متقدمة، المهم أن تكون غير مَريضة) تقضي فعلًا بألسنتها وبأقلامها وأحيانًا بأفعالها ومخالبها، وقضائها على «بعض» الفعل أو الفعل الضار، و«بعض» الفاعلين المتحركين في اتجاه ضار، بعضهم وليس كلهم، وبعضهم السيِّئ أيضًا؛ كي تُفسِح المجال أمام الفاعلين المتحركين إلى أمام، فليست كلُّ حركة مرضًا أو ضررًا، وليس كل الفاعلين سيِّئين وخُبثاء، وبالطريقة التي رأيناها ونراها، وما دام الطمس والتسويد والهدم الجارح يحدث بلا تمييز — أو من أجل التسويد للتسويد — فالأمر يحدث قطعًا بلا تمييز، فالتمييز يَحتاج لتفكير أيضًا أو «إعمال» الفكر، وهذا «فعل»، والقائمون بالتسويد ليسوا من أهل ذلك، إنما هم من أهل الفرجة والسلبية الكاملة المطلقة، فإعمال الفكر بالنسبة لهم عمل، وعمل شاقٌّ أيضًا، وسوف يُوضَعون من أجله لو فعَلوا في قائمة «الفاعلين» ويُعرَّضون للتلويث، فما الداعي والأمر لن يُكلِّفَنا أكثرَ من شخص آخر أو بِضعة أشخاص نُضيفهم إلى قائمة الملوثين؟

أصحيح أن الأمر لا يُكلِّفنا سوى شخص أو بضعة أشخاص؟

ألم نفكر أبدًا أنه قد يُكلِّفنا حياتنا نفسها، بل ربما حياة أبرياء تمامًا، كأولادنا من بعدنا؟

•••

إنني معك تمامًا أيها المتحدث الوقور في أن السيد فلانًا أو الصحفي فلانًا أو الطبيب فلانًا أو رئيس هذا أو ذاك قد يكون سيئًا، ولكن لستُ معك أبدًا في أن كل مَن تأتي سيرته على ألسنتنا وألسنة غيرنا، كل مَن تأتي له سيرةٌ في أي زمان أو مكان أو مجلس هو بالضرورة سيئ إلى أن يَثبت العكس. والكارثة أن هذا العكس لا يثبت أبدًا، فأولًا لا أحدَ يهتم بأن يُثبِتَه، ولا أنت تُواجِه صاحب السيرة بما تقوله عنك، لتُحاكِمَه بعدل وتُعطِيَه فرصةَ إثبات العكس، وإنما كل هذا يتم خلف ظهره، بل إن سيرة سيادتك نفسها لو فقط تزحزحَت عن مجلسك الوقور هذا معطِيًا لنا ظهرك، لن تَسلم، وستُحاكَم أنت الآخر محاكمة غيابية مليئة بشهود الإثبات ولا شاهد نفي واحد، والتهم خطيرة وكثيرة وبشعة والحكم بالإجماع.

أتصوَّر أن معجزة حدثَت وقلبَت الوضع؛ بمعنى أننا قررنا ذات يوم مشهود أن نَقلِب الآية تمامًا. وبدلًا من أن نَطعن في كل مخلوق من وراء ظهره. نمدح فيه حتى لو كان المديح كذبًا، حتى لو اقتضى الأمر أن يُفلِت بعضُ المجرمين من مُحاكَماتنا؟

صحيحٌ أن شيئًا كهذا يتَعارض تمامًا مع «الصورة الموضوعية» للموقف وقد نَجْني على الحقيقة في أحيان. ولكن، سيكون أثره هو أنه ما دام الناس كلُّهم نَظيفين هكذا أو أبرياء، فلِم لا أفكر أنا الآخر أن أكون جيدًا وبريئًا، وأن أنزل أنا الآخر إلى الساحة وأعمل وأنا ضامنٌ أني سأبقى نظيفًا أنا الآخر؟

وهل هذا أمر سيئ؟

وهل هذا أمر مضر؟

وحتى ولو كانت طريقة مثالية للتفكير والحكم على الناس، ولكنها على الأقل ستجعلني أنا وملايين المواطنين أؤمن أن الدنيا لا تزال بخير، وأن النظافة هي القاعدة وأن الحركة بركة وخير، والتفرج نُكوص وجُبن، حتى لو كان الأمر هكذا، أفي هذا خَسارة أيُّ خسارة، أم فيها الكسب لي وللمجتمع ولكل الناس، كلُّ الكسب؟!

حقًّا، لماذا لا «نجن» ونفعلها؟

ما دمنا قد جرَّبنا «التعقُّل» وآبَت بنا التجرِبة إلى مليون متفرج بائس وعشَرة لاعبين ملعونين كما حادث الآن، لماذا لا نُجرِّب «الجنون» الذي قد يَقلِبنا بين يوم ولية، وأقسم أن الأمر لن يَستغرق أكثرَ من يوم وليلة، يقلبنا إلى مليون فاعل نشط قادر مخلص، وعشَرة متفرجين بائسين لا يَمنعهم من الاشتراك لا الجنونُ الحقيقي أو النزع الأخير؟

إن طاقتنا على العطاء لا حد لها، والإنسان العربي ما أعظم ما يَحتويه صدره! ما أروع ما يحفل به عقله من طاقات وقدرات! ما أجمله حين يفعل ويعمل ويقفز ويغني، ويَكيل للعدوِّ — حتى لو كان وضعًا أو قرارًا أو مشكلة — ضرباته، ويوجه طاقاته في هدم معوقاته ومعوقيه، بدل أن ترتدَّ طاقات عدوانه الخلَّاقة إلى الداخل تهدم ذاته، وكلَّ مواهبه العظمى داخل ذاته، غيرَ عارف أنه حتى وهو يهدم زميله أو جاره أو أحيانًا محبوبَه أنه في الحقيقة يهدم ذاته؛ فذاتي أيها الهادم من ذاتك، وأي جناية عليَّ بالدرجة الأولى جنايةٌ عليك أولًا؛ إذ أنت حين تَخسَرني تخسَر نفسك، وحين أخسَرك أخسر أولًا نفسي، ألَسْنا نفس الذات، نفس الإنسان، وَحْدة بشرية اسمها العرب، أم أن بلدنا هي العزيزة الغالية التي نشدو بها كلنا وكأنها نقطة مجردةٌ في الفضاء بينما بلادنا هي، ولا شيء آخر، لا الأرض ولا السماء، ولا التاريخ، وإنما أنت وأنا، نحن الوجود العربي الدائم والخالد، نحن الكنز وصاحب الكنز، نحن أنا وأنت وليس أي شيء خرافي آخر؟! اصْحُ، فز، اخرس أيها الأنا؛ فأنا حين أشوهك، حتى لو كنت مشوهًا، التصرف التلقائي حِيالَك أن أدير وجهي عنك، حين أشوهك فإنما هي نفسي الأمَّارة بالسوء تُريد تشويهي أنا، تريد مسخي أنا بمسخ كل ما أتصوره من نماذجَ وبطولات، عدوتي لدودتي حينئذٍ لا بد من كبحها.

لا بد قبل أن أفتح فمي لأقول رأيي أو حكايتي عن فلان أن أسأل نفسي أولًا: لماذا يا نفسي لماذا؟ أنا عارفٌ تمامًا أنها ليست غَيرةً على الحق والحقيقة، فإذا كان الأمر كذلك فالطريق ليست حديثًا جبانًا من وراء الظهر. ما دمت غيورًا على الحق والحقيقة إلى هذه الدرجة لتواجهه قُل رأيك هذا أمامه، فإذا لم تستطع، إذا آثرتَ السلامة، إذا سكتَّ عن الحق فأنت حينئذٍ شيطانٌ أخرس، وما دمتَ بقولك الخلفي هذا شيطانًا أخرس فجُرمك يصبح أكبرَ من كل جرائمه حتى لو كانت جريمته الخيانة، فأن يخون الإنسان مبدأً جريمةٌ، ولكن سكوتك أنت على خيانته جريمة أبشعُ ألفَ مرة؛ لأنها الجريمة المحرضة على الجريمة، المحرضة على استمرار الخيانة، المحرضة على مواصلة الشر، وليس أبشعَ منها جريمة.

•••

طبعًا أنا لا أُلِح في طلب التصرف «بجنون» على نحو ما ذكَرت، فيبدو أننا أصبحنا أعقلَ بكثير من أن نُجَن، ولكنا، إذا كنا عُقلاء فعلًا، فلا بد أن نصل بعقلنا إلى هذا السؤال: لماذا إذن يعيش الإنسان؟ لكي يأكل ويشرب ويتناسل؟ ولكن هذه ليست شطارة؛ فأي حيوان باستطاعته أن يفعل هذا! ألِكَي نعيش أطولَ عدد ممكن من السنين نستمتع بالوجود أحياءً؟ فليكن، فلتكن متعة العيش نفسها دافعًا للبقاء، ولكن السؤال هو: أي متعة؟ إن الطعام والشراب والتناسل متع مكررة، إذا زاوَل الإنسانُ الحياةَ من أجلها فقط فلا بد أن يمجَّها بعد فترة، فهي مجرد تكرار لمتع معروفة محفوظة، تَكْرار لِمُتع تَفقد، بمجرد تَكرارها، القدرةَ على الإمتاع.

لا بد إذن من شيء ممتع آخر هو الذي يجعلنا نتمسك بالبقاء أحياء؛ تلك المتعة لا بد أن تكون هي الوجودَ بمتعة أو الحياةَ بمتعة. ومتعةُ الحياة هي الإحساس بالحياة، ولكي تُحِس بالحياة لا بد أن تكون لحياتك فاعلية ما. إذن أنت تحيا وتُحِس أنك تحيا. وتستمتع بأنك تحيا بمقدار ما تُحس لحياتك بفاعليةٍ ما.

والطريقة التي وصَلْنا إليها لا بد أن تدفعَنا بعد حينٍ إلى أن نَفقد فاعليتنا تمامًا، حين نتحول إلى مجرد متفرجين على أحداث ممجوجة. إننا نقوم في منتصف الرواية إذا تراكم إحساسُنا بالملل منها حين لا تُعجِبنا. وبالطريقة الآنفة وبأحداث ممجوجة يقوم بها فاعلون ممجوجون يتسرَّب المللُ إلى أنفسنا ثم الضيق، ثم السخط ونبدأ نفكر في القيام ومغادرة دار العرض.

ولكن دار العرض التي نحن بصددها هي الدنيا، والأحداث الممجوجة هي كل حياتنا.

ومغادرة الدار يعني أن نموت أو نفنى.

سيوصلنا عقلنا إذن إلى أن فكرة الحياة رغم أنها حياتنا فكرة كل الحياة. وإذا تمسكنا «بتعقُّلنا» العميق وتشبَّثْنا بالحياة رغم كُرهِنا لها، فالنتيجة أن نَمرض، والمرض ليس سوى الباب يُفتَح للموت وللعدم، ونتيجته المحتمة رغم كل عقلنا أن نموت استمساكًا بالحياة، هذا النوع من الحياة.

أو ليس هذا هو الجنون الحقيقي؟!

ليس أن نقوم بعمل «مجنون» لتغيير طعم حياتنا، وإنما أن نظل نحتسيها بمُرِّها ومرارتها حتى نموت غمًّا؟

وما دام الأمر جنونًا بجنون، فلماذا لا نختار الجنون الشافي، أو الجنون في محاولة الشفاء، بدلًا من الجنون استمساكًا بالحياة مرضًا، والمرض حياة؟

وقد يَهُز أحدنا كتفه ويقول: لسه بدري.

لا تزال الحياة حلوة، ونحن لا نزال نحيا. حتى لو كان هذا الأمر هو الذي سيحدث فأوانه لم يأت بعد.

وإني لآسف إذ أقول: إن الأمر ليس كذلك مطلقًا؛ فنحن بهذه الحياة مَرْضى! والباب الوحيد المفتوح أمامنا هو باب الموت. كل ما في الأمر أننا من فرط عقلنا لا ندركه، ومن فرط ما أفقدنا المرض إحساسنا لم نَعُد نُحِس المرض، ولا نُقدِّر أنه مرض خطير فادح، مرض الموت.

ألم يشك أحد في أننا مرضى؟ لا أعتقد أن أحدًا سيشك؛ فالشك أيضًا نوع من التفكير، والتفكير أيضًا نوع من الفعل، ونحن قد قرَّرنا أن نتفرَّج على شكه، وربما نصل إلى أنه مُلْتاث أو أن له سوابقَ في الأقسام وغدرَ بفلان وفلان، وبشِفاة مُمصمِصة مقلوبة، وبملامحَ استرخَت على مضض، وقلوب مثقلة نترك المجلس إلى مجلس، والمجالس إلى الفراش مُنهَكين بلا تعب، مطحونين بلا كفاح، تضاغطَت أرواحنا إلى الحَلاقيم، وماذا نفعل؟ وهل سنُصلح وحدنا الكون. نم لها على جنبك الأيمن عساها تفرج، فإن لم تفرج نم على جنبك الأيسر، فإن لم يحدث، فالأمر يومئذٍ لله.

•••

أريد أن أقف فوق قاعدة التمثال العالية الأنيقة بلا تمثال، «وكأننا نستخسر أن نمنحها تقديرًا لأحد، مهما يكون قد فعل» فوق أعلى قاعدة تمثال في أوسع مَيدان في أي بلد عربي، أريد أن أقف وأصرخ بأعلى صوتي: أجل أيها الناس! يمكن أن نُصلِح وحدنا الكون. أي منا، بمفرده حتى، لو أراد، يستطيع، لو أراد بقوة، بكل ما لديه من قوة، يستطيع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠