الفصل الأول

لغز الرأسمالية

كأي قصة بوليسية مشوقة، يبدأ تاريخ الرأسمالية بلغز؛ فلآلاف السنين ازدهرت التجارة في المجتمعات التقليدية، وظلت محدودة للغاية في نطاقيها الاقتصادي والأخلاقي. لكن في القرن السادس عشر، تحركت التجارة في اتجاهات جديدة جريئة، ورويدًا رويدًا شرعت طرق أكثر فعالية في إنتاج الغذاء في توفير العمال والأموال لأنشطة اقتصادية أخرى؛ كصناعة السكر والتبغ والقطن والشاي والمنسوجات الحريرية التي وفدت إلى قارة أوروبا من الشرق وجزر الهند الغربية وما وراءها. رفعت هذه التطورات من مستوى معيشة مواطني أوروبا الغربية، لكنْ تطلب كسر قيود العادات وسلطة النظام الاقتصادي العتيق ما هو أكثر من ذلك؛ فقد ظهرت هذه القوة التي أعادت تشكيل العالم عندما توصلت مجموعة من فلاسفة الطبيعة إلى فهم للقوانين الفيزيائية، وبهذا الفهم توصَّل المخترعون — الذين اتسموا بنزعة أكثر نحو العملية — إلى طرق مدهشة لتوليد الطاقة من قوى الطبيعة؛ فحقق الإنتاج قفزة نحو الأمام. حلَّت الرأسمالية — وهي نظام قائم على الاستثمارات الفردية في إنتاج السلع الصالحة للبيع — شيئًا فشيئًا محل الأساليب التقليدية في تلبية الحاجات الأساسية للمجتمع؛ فمنذ المراحل الأولى من الثورة الصناعية حتى ظهور الاقتصاد العالمي الحالي عملت سلسلة من الثورات المتعاقبة بلا هوادة على تغيير عادات البشر ومواطنهم، ويكمن اللغز في السبب وراء استغراق هذه التطورات زمنًا طويلًا جدًّا كي تتحقق.

بدأت غالبية الآلات الرائعة التي غيَّرت وجه الجهد البشري بتطبيقات بسيطة للبخار والكهرباء. فكم من البشر سبق لهم مشاهدة البخار المتصاعد من قدر به ماء يغلي وهو يرفع غطاء هذا القدر قبل أن يتمكن أحدهم من استنتاج كيفية استخدام البخار لتشغيل محرك؟ ألم يكن من الممكن أن يبدأ أيٌّ من البشر إجراء تجارِبَ على البرق في وقت مبكر؟ إن النجاح الهائل لاختراعات القرنين الثامن عشر والتاسع عشر يدفعنا لأنْ نتساءل لماذا ظلت المجتمعات البشرية قابعة في ظل نظام زراعي بدائي على مدى آلاف السنين، وكيف عجزت العقول البارعة التي سبرت بعضًا من أسرار الكون عن تصوُّر كيفية مكافحة الفقر؟ والإجابة عن هذا السؤال بأن الأزمان القديمة كانت متخلفة اقتصاديًّا إجابةٌ بلاغية بلا شك، لكنها لا تساعدنا حقًّا على حل لغز ظهور منجزات حضارية عظيمة على الرغم من الإنتاجية الاقتصادية المحدودة.

انطلاقًا من هذه الأسئلة سأستكشف معايير صعود الرأسمالية، وأبحث كيف غيَّر هذا النظام من طبيعة السياسة بينما كان يزعزع الممارسات والأفكار والقيم والمُثُل التي سادت لزمن طويل داخل شرنقة العُرْف. لا يعد هذا الكتاب على الإطلاق دراسة عامة للرأسمالية، بل سرد يتعقب تشكُّل النظام الاقتصادي الذي نعيشه اليوم. وهو لا يبين كيف تحولت دول عديدة إلى الرأسمالية، بل يركز على التطورات المميزة التي حدثت في مناطق بعينها فشكلت الرأسمالية، وسيكون تركيزي منصبًّا على الممارسات الاقتصادية بالطبع، لكن لا بد أن أؤكد على أن الرأسمالية نظام ثقافي بقدر ما هو اقتصادي. لقد ظهرت طريقة جديدة لإرساء النظام السياسي، وانقلبت نظرة الناس إلى الماضي والمستقبل تمامًا، وأعاد الناس النظر في الطبيعة البشرية؛ فعلى مستوى شخصي للغاية، شرع الرجال والنساء في وضع خطط لأنفسهم كانت تبدو باعثة على الضحك في الماضي من فرط طموحاتها. وسيتخلل ثنايا هذا السرد فحص للكيفية التي استجابت بها مجتمعات مختلفة للتحديات الدائمة التي لاحت في حياة أفرادها خلال القرون الأربعة السابقة.

لو كان لنا أن نزور مدنًا كفلورنسا وحلب وكانتون في الماضي لاندهشنا من الترتيب المنمَّق للأطعمة والسلع المعروضة للبيع في أسواق هذه المدن ومتاجرها وحوانيتها. ولشد ما كُنَّا سنعجب بجمال كنائسها ومعابدها ومساجدها، فضلًا عن جمال منازل التجار الأنيقة في المدينة ومنازل النبلاء في الريف، ولاكتشفنا وجود عدد من الحرفيين الموهوبين، ورجال الدولة المُحنَّكين، والتجار الدواهي، والبحارة المهرة، والأشخاص المفعمين بالنشاط في كل مكان؛ إلا أنهم كانوا عبيدًا لنظام اقتصادي محدود الحجم والنطاق للغاية إلى حد أنه كان بالكاد يلبي حاجاتهم من المأكل فحسب. لقد ارتضوا التعرض من آنٍ لآخر للمعاناة الناجمة عن النقص الحاد في جميع أنواع السلع؛ لأن الحال دائمًا ما كانت كذلك.

الندرة في المجتمعات التقليدية

قامت المجتمعات التقليدية حول العالم على أساس الندرة، لا سيما ندرة الغذاء؛ فسواء في مصر أو اليونان أو بابل أو منغوليا القديمة، تَطلَّب إنتاج ما يكفي لإطعام كل الشعب ما يزيد على عمالة ٨٠٪ من أفراده، ونظرًا لأن الفلاحين غالبًا ما كانوا يفشلون في تحقيق ذلك كانت تحدث مجاعات، وكان الجميع — عدا الأشخاص الواسعي الثراء — يقتصدون في نفقاتهم في كل عام خلال الأشهر التي تسبق حصاد المحاصيل، وكان لخشية المجاعات حضورٌ طاغٍ في كل مكان، وعمد ضحايا الجوع إلى الجموح والتمرد، وهذا ما ربط بين المخاوف الاقتصادية والسياسية، وبرر الخوفُ — الذي ساد بين أغلب البالغين — من المجاعات الحكمَ الاستبدادي الذي عَمَّ جميع الأنحاء، ولم يَشُك سوى القليلين في أن أولئك المعرَّضين لمواجهة نقص الغذاء كانوا بحاجةٍ إلى الحماية من القرارات الأنانية التي ربما يتخذها الفلاحون والتجار حيال ما ينبغي أن يفعلوه بمحاصيل الحصاد، لو تُرك لهم العِنان في أن يُقرروا وحدهم ما طاب لهم.

وللحيلولة دون وقوع اضطرابات اجتماعية، راقب الحكام الأنشطة المتعلقة بزراعة محاصيل الحبوب وبيعها وتصديرها، وحيثما وُجدَت هيئات تشريعية مررت قوانين تقييدية، وتحت وطأة قيود القوانين لم يُتَح للناس سوى القليل من الفرص لإثارة المشاكل، أو لإقامة مشاريع تجارية جديدة، وظلت غالبية أنشطة التصنيع تجري داخل المنازل، حيث كان أفراد الأسرة يُحولون الخيوط إلى أنسجة ويجعلون المواد الغذائية صالحة للأكل. وشجعت العادة — لا الحوافز — العمل ودفعت مسيرته على مدار العام. إن الناس لم يحددوا لأنفسهم أدوارًا في هذا النظام الاجتماعي؛ فقد كانت المهام تُوزَّع في كل مكان من خلال الأدوار الموروثة التي تمثلت في كلٍّ من مالك الأرض والمستأجر والأب والزوج والابن والعامل والزوجة والأم والابنة والخادم.

وعلى الرغم من الاختلاف الهائل بين هذه المجتمعات حول العالم، فقد تشابهت جميعًا في شيء واحد: أن أعداد أفرادها تزايدت وتقلَّصت — كما يحدث في آلة أكورديون — خلال فترات متناوبة من الوفرة والندرة، كالسبع سنوات السمان والسبع العجاف التي ورد ذكرها في الكتب المقدسة، وبمقدورك أن تلحظ هذا التذبذب بين «الوفرة والمجاعة» في سجلات تشييد الكاتدرائيات الأوروبية؛ فقد استغرق اكتمال بناء هذه الصروح الرائعة قرونًا حفلت بسنوات مديدة من العمل الدءوب في البناء، تبعتها فترات من التوقف والإهمال. فما إن توافر قَدرٌ قليل من الفائض الذي يتيح استئناف العمل حتى أعقبه ذلك توقف آخر عن العمل خلال فترات الندرة الحادة.

لو أتيح لنا أن نعود بالزمن لاندهشنا كثيرًا من المناهضة واسعة النطاق — بل بالأحرى العداوة — للتغيير، لقد تأصلت الحداثة على نحو قوي في حياة الغرب إلى حد أنه من العسير علينا أن نعرف مدى خوف الناس منها فيما مضى. انتشرت آثار الضعف الاقتصادي في أرجاء المجتمعات القديمة، مشجِّعة الهواجس والخرافات ومجيزة السلطة المطلقة للملوك والكهنة ومُلَّاك الأراضي والآباء. وكان الحفاظ على النظام — الذي لم يكن أبدًا أمرًا هينًا لأولئك المسئولين عن المجتمع — أولوية تحظى بأهمية قصوى في الوقت الذي كانت فيه حياة الكثيرين معرضة للخطر.

إن ثروة العالم الغربي أنشأت نوعًا من شبكة الأمان ضد المجاعة العالمية، لكن لا تزال هناك مجتمعات تتشابه تقاليدها الراسخة مع التقاليد التي سادت أوروبا ما قبل العصر الحديث. ومن خلال تعاملنا مع العالم الإسلامي نلاحظ الآن أيضًا هيمنة الأفكار المتعلقة بالشرف، والفصل بين دوري الرجل والمرأة، وأهمية عذرية الأنثى، وطمس رغبات الفرد في إرادة الجماعة التي يعيش داخلها. لقد عززت الهجمات الإرهابية في الآونة الأخيرة الأمل لدى العديد من مواطني الغرب بأن تنمية الاقتصاد قد تستوعب هؤلاء الشباب الذين يُنفذون أعمال العنف. وما من شك في أن خلق مزيد من فرص العمل أمر محل ترحيب، لكن هذا الحل يحمل سمات عقليتنا الرأسمالية، إلا أن ما لا نقدره حق قدره هو تلك الوشائج الوثيقة المتمثلة في الشعائر والمعتقدات المشتركة، وكيفية تأثير هذه الوشائج على الأشخاص. إن الرجال والنساء في المجتمعات التقليدية يرون أننا صِرْنا عبيدًا لحرصنا على الكفاءة وجني الأرباح، وكراهتهم لشواغلنا الشاغلة هذه تضارع كراهة رجال أوروبا ونسائها لهذه الشواغل في القرن السادس عشر.

خصائص الرأسمالية

إن تعبير «رأس المال» يساعد على تحديد المسار الذي سأسلكه خلال هذه الرحلة التاريخية؛ فرأس المال هو الأموال التي تخصص لاستخدام محدد. فيمكن حشو الأموال داخل حشية الفراش تحسبًا لأيام العسرة، أو يمكن إنفاقها في المتجر، وفي كلتا الحالتين هي أموال، لكنها لا تصبح رأس مال إلا عندما يستثمرها شخص ما في مشروع على أمل الحصول على مردود جيد من وراء جهده في ذلك. ببساطة، يصبح رأسُ المال رأسَ مال حينما يستغله شخص ما لكسب مزيد من المال، عادة من خلال إنتاج أو تصنيع شيء ما. ويمكننا أن نستخدم مصطلح «الرأسمالية» عندما تكون الهيمنة لضرورات الاستثمارات الخاصة واستراتيجياتها، مثلما حدث أولًا في إنجلترا وهولندا، ثم في أوروبا الغربية، ولاحقًا في المستعمرات الأمريكية. بعد ذلك انتقلت الرأسمالية خارج هذه المناطق نحو أوروبا الشرقية واليابان، وفي الوقت الراهن لا تزال الممارسات الرأسمالية تهيمن على معظم أنحاء العالم.

بطبيعة الحال، لم تتخذ الرأسمالية منذ بدايتها هذا الشكل المحدد؛ ففي بادئ الأمر لم تكن الرأسمالية نظامًا أو مصطلحًا أو مفهومًا، بل كانت عدة أساليب متفرِّقة لأداء الأمور أداءً مختلفًا، وأثبتت هذه الأساليب نجاحًا باهرًا إلى حد أنها انتشرت سريعًا. وكحال جميع الإبداعات الجديدة دخلت هذه الممارسات عالمًا لم يكن مهيَّأً للتجريب، يخشى هاجس الانحراف عن المعايير السائدة، وكانت السلطات تعارض هذه الممارسات لأنها كانت تُخِل بالقانون. وكان الأشخاص العاديون يستاءون من التصرفات التي تتعارض مع الصورة المتعارَف عليها للسلوك القويم، حتى المجددون أنفسهم لم يكن لهم في بادئ الأمر النفوذ اللازم لمواجهة هذه الاستجابات ولا القوة اللازمة لذلك؛ لذا فإن لغز هيمنة الرأسمالية ليس اقتصاديًّا فحسب بل سياسي وأخلاقي أيضًا؛ إذ كيف تمكن رواد العمل الحر من التحرر من قيد العادات ومن اكتساب القوة والاحترام اللذين مكناهم من التحول وعدم الانصياع لإملاءات مجتمعهم؟

استلزم الأمر تفاعل عوامل عديدة — بعضها تصادفي — كي يتغلب التجديد على العرف. وكان على مكتشفي هذا المضمار العازمين والمنظمين أن يواصلوا إبداعاتهم إلى أن يسيطروا بدرجة تُمكِّنهم من مقاومة النداء المحذِّر بضرورة العودة إلى النظام المعتاد. القضية هنا لا تتعلق تحديدًا بكيف يمكن لفروق صغيرة أن تُحدث تأثيرات كبيرة من خلال سلسلة من نقاط الاتصال، بل قد يكون من الأنسب أن نُشَبه الأمر بإحداث ثغرة في سَدٍّ لم يكن من الممكن سدها ثانية بعد أن سمحت بانطلاق فيض هادر من الطاقة الحبيسة. لكن إحداث هذه الثغرة تطلب حب استطلاع وتوفيق وتصميم وشجاعة للتصرف بما يتعارض مع العرف، والصمود أمام الضغط القوي للخضوع.

وكما يحظى النظام الرأسمالي باتساع عالمي اليوم، يمكن أن تُعزَى بداياته — بل وأسبابه أيضًا — إلى ارتباط نِصفَي العالم. فقد كانت قارات أوروبا وأفريقيا وآسيا بمعزِل عن الأمريكتين حتى السنوات الأخيرة من القرن الخامس عشر. وحتى الاتصال بين قارتي أوروبا وآسيا اقتصر على بعض الطرق التجارية البرية التي كانت تستخدم لنقل السلع البسيطة كالفلفل والقرفة. وفي وقت لاحق أصابت عدوى حب الاستطلاع الأوروبي حيال بقية العالم بعض النفوس المقدامة، كنفس الأمير هنري الملاح الذي لم يبرح البرتغال قط، لكنه موَّل سلسلة متوالية من الرحلات إلى الساحل الغربي لقارة أفريقيا، وسرعان ما زاد التجار عدد الرحلات مدفوعين بإغراء الاتجار في الذهب والعبيد على امتداد ساحل أفريقيا الغربي، وسرعان ما دارت السفن البرتغالية حول رأس الرجاء الصالح في طريقها شمالًا نحو الساحل الشرقي لأفريقيا. وبحلول مطلع القرن السادس عشر كان البرتغاليون قد تمكَّنوا من تأسيس معاقل على طول السواحل الأفريقية وعبر المحيط الهندي وحول شبه القارة الهندية نفسها. في الوقت نفسه دار برتغالي آخر — هو فرديناند ماجلان — حول الكرة الأرضية على رأس حملة استكشاف إسبانية عام ١٥١٧.

قبل هذه الرحلات البرتغالية بسبعين عامًا أرسل أحد أباطرة أسرة مينج الحاكمة سبع حملات استكشافية كبرى من الصين. ضمت الحملة بقيادة زينج هي — الذي من المؤكد أنه كان قائدًا بارعًا — ٢٧ ألف ملاح ومائتي سفينة، بلغ وزن كبراها ١٥٠٠ طن. (في المقابل، ضمت حملة كولومبوس الأولى طاقمًا من ٨٧ ملاحًا وثلاث سفن لم يتجاوز وزنها ١٠٠ طن.) أبحرت هذه الأساطيل الصغيرة من الصين نحو جزر الهند الشرقية، بمحاذاة ملقا وسيام وسيلان، وعبر المحيط الهندي، وجنوبًا نحو الساحل الشرقي لأفريقيا، وربما وصولًا إلى مدغشقر. وكان البحارة يزرعون الأعشاب على المتون الفسيحة للسفن، وتمكنوا من العودة من أفريقيا بزوج من الزرافات. وأظهرت الرحلات الصينية — باعتمادها إلى حد بعيد على البوصلة المغناطيسية — مدى البراعة التقنية للصينيين، إلا أن الحملات الاستكشافية توقفت بعد ثلاثة عقود.

بعد أن دار المستكشف البرتغالي بارتولوميو دياز حول رأس الرجاء الصالح، أعقبته عشرات الرحلات المماثلة؛ مما جعل أوروبا في حالة اتصال دائم مع جزر الهند الشرقية. فرحلات البحارة البرتغاليين ما أسفرت إلا عن إثارة شهية المغامرين الأوروبيين. وكان لهذا التحول الأوروبي — الذي بدأ برًّا من إيطاليا — من رحلاتها لقارة آسيا إلى بلدان تقع في المحيط الأطلنطي نتائج عميقة الأثر. وفي القرن التالي حازت إسبانيا والبرتغال وفرنسا وإنجلترا والسويد والدنمارك وهولندا السيادة التجارية التي كانت لبلدان البحر المتوسط؛ فأصبح المحيط الأطلنطي الطريق الجديد للمسافرين إلى أرجاء العالم، الذين تركوا وراءهم المدن التي تشكل دولًا وتحكمها، مثل جنوة والبندقية.

يكمن أحد أكبر ألغاز التاريخ في اختلاف ردود أفعال البحارة الصينيين ونظرائهم في المهارة من البرتغاليين. فلماذا تراجع الصينيون عن «مشاهدة العالم» وتهافت الأوروبيون عليه؟ لطالما كان الصينيون أكثر اهتمامًا بالتجارة من البرتغاليين؛ ومن ثم لا تسعفنا الدوافع المالية في حل هذا اللغز. ربما كان تراخي القيود السياسية هو على الأرجح ما مكَّن البرتغاليين من التصرُّف وفقًا لدوافعهم الشخصية، حتى لو كلف ذلك الخزائن الملكية تحمُّل نفقات أولى الرحلات الاستكشافية. في ظل غياب المعرفة المؤكدة يكون الباب أمامنا مفتوحًا على مصراعيه لأن نتسرع ونروي حكايات تدلل على صحة قناعاتنا؛ فقد أبرز الرواة الغربيون بسالة مستكشفيهم، واستعداد الأوروبيين للتحرر من عاداتهم. لكن مثل هذه التفسيرات للاختلافات بين المجتمعات الشرقية والغربية لا تصمد أمام الفحص الدقيق؛ فالحكاية أكثر إثارة من تلك التفسيرات بكثير.

من الجلي أن غياب المعرفة أو الثروة أو المهارة لم يكن هو العائق الذي منع الصينيين من إبقاء الصلة مع ذلك العالم الغربي، فما هو هذا العائق؟ من الناحية العملية، ربما كان الازدهار الهائل للتجار الصينيين — الذين أسسوا علاقات تجارية على امتداد مناطق الهند — هو ما كبح أي تطلع لما هو أبعد من ذلك. وربما فقد أباطرة أسرة مينج اهتمامهم بالبلدان الأفريقية عندما اكتشفوا أن الأفارقة أدنى منهم — في معظم النواحي — في العلوم والفنون والحرفية؛ فقد غلب الإيمان بالتفوق المطلق لِما كانوا يطلقون عليها «المملكة السماوية» على الثقافة الصينية. ولم لا؟ ففي العصور القديمة، في مثال على العبقرية الهندسية، تمكن المبدع الصيني من شق خندق طويل — بغية التحكم في السيول — عبر الجبال الجرانيتية عن طريق إحداث تصدع في الصخور من خلال تناوب تسليط النيران ثم دفقات الماء البارد عليها.1 إن الأمثلة المتعددة على البراعة التقنية والتفوق العلمي الذي يضيء التاريخ الصيني يشير إلى مستوًى راق من التفوق في التعليم. لكن ما لم يحدث في الصين هو تواصل درب التطور؛ بحيث يبني كل شخص على ما تركه سلفه، علاوة على أن الصينيين لم يشاركوا نظراءهم الأوروبيين في الإيمان بالأوامر الإنجيلية للمسيحية الأوروبية التي منحت المستكشفين الأوروبيين مرجعية معنوية دفعتهم للبحث عمَّن يمكن هدايتهم إلى الديانة المسيحية من الأجانب. إننا أمام عدد كبير من الظنون والتكهنات، ولن نعرف السبب الأصلي يقينًا، لكنَّنَا نستطيع أن نَعِي أهمية رَدَّي الفعل المتباينين هذين.

ما لبث الهولنديون والفرنسيون والإنجليز أن تبعوا نظراءهم الإسبان نحو العالم الجديد لينالوا حصتهم من هذه البقعة غير المكتَشَفة. وكما أدرك المعاصرون، فإن كل شيء تقريبًا — على الأقل تلك المحاصيل التي كان يرغبها الأوروبيون لكنهم لم ينجحوا في زراعتها — يمكن زراعته في المناطق الاستوائية. وبتحولهم من الاستكشاف إلى الاستغلال، بدأ المغامرون الأوروبيون البحث عن مصدر للعمالة التي ستعمل في زراعة المحاصيل الجديدة المراد تصديرها إلى وطنهم الأم. كان البرتغاليون يتاجرون بالعبيد الأفارقة منذ أولى رحلات هنري الملاح، ثم سرعان ما بدءوا شحن الرجال والنساء المستعبَدِين عبر المحيط الأطلنطي. وعلى عكس معظم أبناء القبائل الأصلية للعالم الجديد، كان الأفارقة معتادون على العمل المنظَّم في الزراعة والتعدين، وكان سكان أمريكا الأصليون عبيدًا ضعافًا؛ إذ كانوا يموتون من اليأس عندما يجري تكبيلهم بالأصفاد لإكراههم على العمل. وبحلول منتصف القرن السابع عشر، ومع تزايد الطلب على العمالة، تبارى التجار الفرنسيون والهولنديون والإنجليز مع التجار البرتغاليين في منافسة حامية للهيمنة على تجارة العبيد.

كان لهذه الرحلات أثر هائل على قارتي أوروبا وأفريقيا؛ فقد خلق الطلب الجديد على العمالة العبوديةَ الحديثةَ، وهي نظام أكثر قسوة ووحشية بكثير من عبودية العصور التوراتية. وعلى مدى المائتين وخمسين سنة التالية سيق ما يقرب من ١٢ مليون من الرجال والنساء الأفارقة من أوطانهم وشُحِنوا إلى العالم الجديد للعمل — في بادئ الأمر — في المناجم والحظائر الإسبانية، ثم لاحقًا في حقول السكر والأرز والتبغ التي أقامها الإسبان والهولنديون والفرنسيون والدنماركيون والسويديون والإنجليز على امتداد نصف الكرة الأرضية الغربي؛ فقد وفرت طرق الملاحة البحرية في المحيط الأطلنطي إمكانية الوصول إلى ذلك المصدر الجديد للأيدي العاملة.

الرواد الأوائل

في ضوء هذا النشاط المذهل المنتشر عبر العالم، قد يبدو لي أنه من التحيُّز أن أحدد بدايات النظام الرأسمالي في مملكة صغيرة منفردة تقع في جزيرة بِشَمال المحيط الأطلنطي. ومع ذلك لم يحدث أن تمخضت هذه الإبداعات المثيرة عن نقلات اجتماعية وفكرية أتاحت نشوء نظام جديد كليًّا لإنتاج السلع سوى في إنجلترا. فقد مثلت سلسلة من التغيرات، بدأت في المجال الزراعي وانتهت في المجال الصناعي، نقطة بدء تحرر التجارة — التي طالما كانت قائمة في ظل ما توفر من متنفسات المجتمع التقليدي — لتفرض حركيتها على القوانين والنسيج الطبقي والسلوك الفردي والقيم التي تحظى باحترام الناس. ورغم كتابة الكثير من المؤلفات حول هذه الظاهرة المدهشة، فإنها لا تزال محاطة بالغموض.

عندما زرت متحف الفاتيكان منذ عدة سنوات ذهلت لثراء الحياة التي تُصورها لوحات القرن الخامس عشر المعروضة هناك. كانت اللوحات حافلة بالنباتات والأثاث والديكور والملابس! ممَّا دفعني إلى أن أقارن بين هذا التصوير الفخم للحياة اليومية وبين المظاهر البسيطة لإنجلترا؛ إذ كم يبدو من غير المنطقي أن هذا البلد الفقير الصغير البارد القاصي تأتَّى له أن يكون مقرًّا لابتكارات تكنولوجية ستكتسح العالم المادي اكتساحًا لا هوادة فيه! في مطلع القرن العشرين، اعتقد المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي أنه عثر على مفتاح كل التطورات في نظرية «التحدي والاستجابة»؛ فربما يكون افتقار الإنجليز للترف الأخَّاذ هو ما حفزهم. ولم تصمد فرضية توينبي أمام التمحيص الدقيق، لكنها مع ذلك قد تنطوي على جانب من الحقيقة.

على مدى أجيال، ركز الباحثون على التصنيع في القرن الثامن عشر لتعيين بداية الرأسمالية، وأطلقوا عليها اسم «الثورة الصناعية»، وهذا يمكن فهمه نظرًا لأن الظهور المثير للمصانع الحافلة بالماكينات المتفاعلة والعمال المنضبطين اختلف اختلافًا جذريًّا عن الأوضاع من قبل. لكن ذلك كان مثل حَمْل لم يبلغ إلا الشهر الخامس فحسب؛ إذ تعين حدوث تغيرات حاسمة كي يتأتى مجرد التفكير في ابتكار هذه الاختراعات. لكن أي التغيرات كانت حاسمة، وإلى أي مدى في الزمن تعود بداياتها؟

ما مدى عمق جذور الرأسمالية؟ أرجع البعض بداياتها إلى العصور الوسطى أو حتى إلى عصور ما قبل التاريخ، وألف العالِم جاريد دايموند دراسة لاقت رواجًا كبيرًا، وأبرزت أهمية المميزات الجغرافية والبيولوجية التي تمتَّع بها الغرب، إلا أن ثمة مشكلتين رئيسيتين تشوبان هذا التفسير: أن مميزات الغرب التي ذكرها دايموند تمتعت بها قارة أوروبا بأسرها، ومع ذلك كانت إنجلترا وحدها هي التي شهدت النقلات التي تعيَّن على الآخرين محاكاتها كي يتحولوا بدورهم إلى الرأسمالية. ويوحي تركيز دايموند على العوامل الطبيعية أيضًا بأن هذه العوامل قادرة على أن تفسر الأحداث التاريخية المميزة التي أوجدت الحداثة الغربية، دون أن يشير إلى الأفراد والأفكار والقوانين التي لعبت دورًا رئيسًا في هذا التطور التاريخي.2
انضم أستاذ التاريخ ديفيد لاندس إلى قوائم الباحثين الذين يتناولون «صعود الغرب» بما قدَّمه من تفسير مزج العديد من العوامل المناخية والثقافية دون أن يقدم سردًا يبين كيفية تفاعلها من أجل تغيير المجتمع الغربي. وفي تقييم للمؤرخ ألفرِد كروسبي لهذه المسألة، أكد على تحول حدث في فهم الأوروبيين الجوهري للواقع؛ ففي القرن الثالث عشر تبنى الأوروبيون فهمًا كميًّا للعالم طوَّر الرياضيات والفلك والموسيقى والرسم وإدارة الحسابات. ورغم أن كروسبي يقدم تفسيرًا رائعًا للإنجازات التقنية، فإن تأكيده على التغيرات الثقافية يُغفل المجتمع والسياسة واضعًا إياها في موقف غامض. ويعود عالم الاقتصاد ديبال لال بالزمن إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى القرن الحادي عشر، حيث يعثر على جذور «التحول الكبير» في المراسيم البابوية التي أرست قانونًا تجاريًّا مشتركًا لكل المسيحيين.3

يذكرنا المثل اللاتيني القائل: «بما أن هذا حدث قبل ذاك، فهذا سبب في حدوث ذاك» والذي يمثل مغالطة منطقية، بأن حدوث شيء ما قبل شيء آخر لا يعني بالضرورة أن الشيء الأول سبب في حدوث الشيء الآخر. فظهور الرأسمالية لم يكن ظاهرة عامة، بل ظاهرة ارتبطت بزمان ومكان. ويشير الأشخاص الذين يتبنون النظرة طويلة المدى لظهور الرأسمالية إلى عوامل مثل اكتشاف العالم الجديد، أو اختراع آلة الطباعة، أو بدء استخدام الساعات، أو نظم الملكية البابوية؛ فهذه العوامل كانت موجودة في البلدان التي لم تُغير أساليبها الاقتصادية، ومن المنطقي أن التطورات التي عَمَّت على نطاق واسع في عدة بلدان لا يمكنها تفسير استجابة محددة حدثت في بلد واحد بعينه. إلا أن الجانب الصحيح الذي أجمعت عليه النظريات التي لا تُحصى حول كيفية تحرر الغرب من ماضيه هو أن عناصر كثيرة جدًّا أسفرت عن ميلاد الرأسمالية من رحم أصولها التقليدية. ومن الأهمية بمكان أيضًا أن نأخذ في الاعتبار أن التعاقب، أو وقوع الحدث تلو الآخر، ليس عملية في حد ذاته؛ فالعملية تسلسل مترابط من الأفعال، أما التتابع فهو عرضة للتوقف والمصادفة.

التحول الأوروبي

لم يكن تحول الإنجليز من التجديدات في المجال الزراعي — التي حررت العمال ورأس المال لاستخدامات أخرى — إلى التجارة العالمية والريادة على صعيد التصنيع القائم على الماكينات أمرًا حتميًّا. ولا يبدو تعاقب الأحداث هذا مترابطًا ترابطًا متصلًا إلا بالنظر إليه بعد أن تم حدوثه، لكنه في الحقيقة لم يكن مترابطًا، وهذا المظهر يعكس ميلًا بشريًّا نحو الاعتقاد بأن ما حدث كان لا بد من حدوثه. لكن من المهم أن نتحرر من هذا الطرح الفكري إذا أردنا أن ندرك أن الرأسمالية ليست قدَرًا مقدورًا في فصول التاريخ البشري، بل هي بالأحرى خروج مذهل على القواعد التي سادت على مدى أربعة آلاف سنة. ولم تكن التجارة أيضًا دافعًا لظهور الرأسمالية؛ فقد كانت هناك مجموعات عديدة من التجار البارعين — وهنا يتبادر الصينيون والعرب واليهود إلى الأذهان — لكنهم لم يكونوا رواد الثورة الزراعية ولا الثورة الصناعية. ويمكننا القول بأن وجود نظام تجاري كامل التطور كان مطلبًا ضروريًّا؛ بيد أنه غير كافٍ، للرأسمالية.

والقول بأن الرأسمالية بدأت في إنجلترا لا يعني أن استكشافات البرتغاليين والإسبان لم تُحدث تأثيرًا على تاريخ الرأسمالية؛ فهذه المغامرات بالغة الجسارة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر فتَّحت عقولًا وحافظاتِ نقودٍ في إنجلترا كما في بلدان أخرى. لكن الأمثلة على حالتي إسبانيا والبرتغال تبرز استثنائية إنجلترا؛ فعلى الرغم من ارتيادهما حملات استكشافية متعاقبة، لم يعدل أيٌّ منهما من حدة ازدرائه الأرستقراطي للعمل، وعدم اكتراثه لحاجات التجار والحرفيين؛ فانطوت كل المميزات الرائعة التي ميزت الرحلات البرتغالية والإسبانية داخل الأساليب القديمة. لكن الأمر المختلف في حالة إنجلترا تَمثل في وقوع سلسلة من التطورات التي لم تتوقف قط. واجتذبت هذه التطورات التعقيب والنقاش والتفسيرات. وقطع هذا التعامل الفكري مع معنى التغيير الاقتصادي طريق العودة إلى أساليب التفكير القديمة، وكانت الممارسات الجديدة والتحليلات البارعة هي ما تطلَّبَه الأمر للإطاحة بالأعراف القديمة. صحيح أن تاريخ العديد من البلدان يحوي فصولًا مشرقة، لكن تواصل التجديد على مدى مراحل متعاقبة من التطور ميَّزَ أداء إنجلترا تحديدًا.

لا شك أن البدء من أي تاريخ أمر اعتباطي؛ فكل التطورات التاريخية تسبقها مقدمات، بعضها تعود لقرون. وتناوُل أي مؤرخ لطبقة من طبقات الماضي يثبت أن جذور المجتمع الحديث ضاربة في العمق. لكن القرن السابع عشر تحديدًا جاء بتحولات جذرية للأراضي الإنجليزية، وبات معاصروها مدركين لذلك إدراكًا ثاقبًا وفطنًا. ومع بدايات ظهور الرأسمالية كان هناك نظام اجتماعي موقر من أجل ترسيخ التعاليم والامتيازات والقوانين القائمة، وبعد قرن ونصف اكتسبت الرأسمالية زخمًا قويًّا ضد أنظمة الوضع الاجتماعي والجمود والسيطرة الملكية. ومن المشاريع المحفوفة بالمخاطر وأساليب المحاولة والخطأ لتجار كبار وصغار انبثقت نجاحات مدوية وبالغة التأثير بحيث قطعت أي طريق للارتداد إلى الماضي مجددًا؛ فقد تراكمت التغييرات واستحال التراجع عنها، وتحول النمو إلى تنمية، لا مجرد توسع، بل تحقيق ما هو أكثر باستغلال ما هو أقل؛ ومن ثَمَّ، ما كان رأس المال ليصبح نادرًا بعد ذلك. وفي الواقع، صار الهولنديون هم مموِّلو أوروبا بفضل مدخراتهم التي وفروها إبان ذروة ازدهارهم حين كانوا أعظم مَن مارسوا التجارة في العالم.

إن موضوع «صعود الغرب» قديم ومألوف في كتب التاريخ، وقد أنتج — بكل أسف — الكثير من المقارنات غير المنصِفة بين الغرب و«بقية العالم»، وأنا لا أرغب بالتأكيد في المشاركة في الغطرسة التي شجَّعها هذا التقليد التاريخي، وأعتقد أن أي قارئ يقِظ لهذا الكتاب سيلاحظ التأكيد على التضافر الاستثنائي بين التوقيت والمقدمات المواتية في تأويلي لكيفية تحول الممارسات الرأسمالية إلى النظام الاجتماعي الجديد المعروف بالرأسمالية. وقد يبدو التركيز على إنجلترا أمرًا تقليديًّا بعض الشيء، لكن أحدث الدراسات تؤكد أن إنجلترا كانت الرائدة الوحيدة في هذا المضمار.

اندلع مؤخرًا جدل مثير حول الافتراض بأن أوروبا لم تكن تختلف كثيرًا عن بقية المناطق في العالم قبل عام ١٨٠٠؛ فقد أجرى أستاذ التاريخ كينيث بوميرانز دراسة مثيرة تبين بالتفصيل كيف تمتعت أجزاء من قارة آسيا خلال القرن الثامن عشر بمستوى معيشي يضارع المستوى المعيشي في أوروبا الغربية، وأن «التحول الكبير» الذي أسفر عن الهيمنة الأوروبية لم يقع إلا باندلاع الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر.4 كان لدراسة بوميرانز هذه تأثير صحي؛ إذ شجعت إجراء بحوث جديدة ودفعت إلى إعادة تقييم متفحصة للآراء القديمة. وتركز حجة بوميرانز بشأن «التكافؤ الاقتصادي العالمي» على العوامل المادية مثل أمد العمر المتوقع، والإنتاجية الزراعية، والتجارة بين الأقاليم. أما الاعتبارات المعنوية مثل قابلية الجمهور للتغير ومرونة استجابات الحكومة فلا تحظى إلا بالقليل من اهتمامه، علاوة على أنه لا يأخذ في اعتباره كيف تفاعلت عدة تطورات مع بعضها، مشجعة التجديدات الناجحة أو معيقة إياها. وينطوي العمق الثقافي للرأسمالية على قدرة الفرد على إدارة الموارد وإقامة المشاريع. ويدفعنا نجاح إنجلترا الهائل المفاجئ للبحث عن التأثير الخفي الفعال الذي قد نغفله.
لا تخبرنا معايير الرفاهية التي تلاحظ في نقطة زمنية واحدة بالكثير عن توجُّه مختلف الاقتصادات أو القوة الدافعة لها؛ ففي الماضي ازدهرت بلدان كثيرة ثُمَّ ما لبثت أن تراجعت مجددًا إلى مستوًى أدنى. لكن فقط في إنجلترا بعد القرن السادس عشر، أسفرت النجاحات المبدئية المقدامة عن إبداعات مطردة؛5 فقد أفلتت الممارسات الاقتصادية التي كانت تعزز بعضها بعضًا من قيود التقاليد، واكتسبت قوة دافعة باعتبارها وصفة لإحداث التغيير. ولا تبعث هذه الحقيقة على الدهشة لأنها تثبت التفوق القومي؛ بل لأنها تثبت إلى أي حد لعب الاتفاق والتصادف دورًا في نشوء الرأسمالية. وحينما أُبرز تفرد حالة إنجلترا فإنني أبرز أيضًا كم هو مفاجئ أن نظام الرأسمالية الثوري هذا نشأ من الأساس.

لقد تقدمت إنجلترا اقتصاديًّا في الوقت الذي كانت فيه ممزقة سياسيًّا؛ إذ تحولت النزاعات الدستورية والدينية إبان القرن السابع عشر إلى تمرد مفتوح، ثم إلى حرب أهلية أعقبتها تجربة جمهورية انتهت بعودة النظام الملكي. وتزامنت فترة انقسام السلطة هذه مع تشكُّل سوق وطنية موحدة للبلاد. وتمكن المجددون والوافدون الجدد من تحدي القوانين الموقَّرة التي كانت تنظم كيفية زراعة المحاصيل وتسويقها، وذلك إما بسبب الاضطرابات السياسية الممتدة، أو على الرغم منها. وعندما استعادت التدابير السياسية لعام ١٦٨٨ الاستقرار السياسي للبلاد، كانت الممارسات الاقتصادية الجديدة قد ثبتت أقدامها بقوة، وبلغت درجة من القبول جعلت مناهضي التجديد يتذمرون لأنها باتت تُعَامَلُ كأمور معتادة.

التغيير والتحليل الاقتصاديان

حين يفكر معظم علماء الاقتصاد في التاريخ يتأثرون بآدم سميث؛ فقد كان كتابه «ثروة الأمم» وقت صدوره أول تفسير مهم للتغيرات الاقتصادية التي شهدتها إنجلترا خلال القرنين اللذين سبقا عام ١٧٧٦. وضع سميث التطور الاقتصادي في تسلسل طويل من الخطوات التصاعدية التي تطورت بمرور الوقت. هذا التأويل — الذي يرى أن تاريخ الرأسمالية كان يمضي قُدمًا بسلاسة — يقدم أكبر مفارقة في تاريخ الرأسمالية؛ لأنه يعتبر أن ما حدث من انفصال مذهل حقًّا عن الماضي أمر طبيعي، علاوة على أن هذه الرؤية تعتمد على أشخاص ينظرون للأمور من إطار مرجعية رأسمالية بالفعل؛ إذ يرى سميث أن الرأسمالية نشأت طبيعيًّا من نزوع الرجال والنساء لأن «يبادلوا ويقايضوا». وفي واقع الأمر كانت التنمية الاقتصادية نفسها سببًا في نمو هذه السمة الثقافية؛ وهكذا حوَّل سميث النتيجة إلى سبب. ويعتقد سميث ومن يؤيدون فلسفته أن التطور الاقتصادي أدَّى إلى تراكُم مطرد لرأس مالٍ تمكَّن — وقتئذٍ — من تمويل تحسينات مثل تقسيم العمل الذي عزَّز الإنتاجية؛ ومن ثَمَّ، ما من تكيف ثقافي اعتبر ضروريًّا لأن وراء كل هذا التنوع في الملبس والمأكل والسلوك، يخفق قلب رجل اقتصادي، وربما امرأة اقتصادية.

ونظرًا لأن التفاصيل الكاملة للتطورات الاقتصادية في إنجلترا حدثت على مدى قرنين — أي نحو سبعة أجيال من التجربة الحية — فقد كان من الممكن تشبيهها بالعملية التطورية التي وصفها سميث. لكن على مستوى القارة الأوروبية جاءت الثورة الصناعية بسرعة غاشمة؛ فقد سيق الرجال والنساء من نظام ريفي تقليدي وزج بهم في المصانع على مدى سنوات جيل واحد فحسب. وحين رصد كارل ماركس هذا الاضطراب الذي حدث إبان العقود الوسطى من القرن التاسع عشر، لم يتمكن من قبول التفسير التطوري الإنجليزي لظهور الرأسمالية، وقد رأى أن القسر كان ضرورة مطلقة في إحداث هذا التحول. وعزا ماركس تلك القوة إلى طبقة جديدة من الرجال الذين اجتمعوا على مصالحهم المشتركة في الإنتاج، لا سيما حاجتهم لتنظيم العمالة من الرجال والنساء في نماذج عمل حديثة.

رأى ماركس أن فصل الفقراء عن المعدَّات والأراضي الزراعية التي كانت تمنحهم استقلالًا صار أولوية مهمة ضمن خطة الرأسماليين الكبرى،6 وشدد أيضًا على مراكمة رأس المال باعتبارها خطوة أولى لنبذ الأساليب الاقتصادية التقليدية. لكنني لا أتفق مع ذلك؛ فمثلما تظهر كنائس أوروبا، كان يوجد ما يكفي من الأموال لتشييد مبانٍ عظيمة وصروح متعددة أخرى كالطرق والقنوات وطواحين الهواء ونُظُم الري والمرافئ. وقد تبين أن تراكم رأس المال الثقافي — لا سيما الخبرة والرغبة في الإبداع بأساليب منتجة — كان عاملًا أكثر حسمًا في تاريخ الرأسمالية، ومن الممكن أن يكون ذلك حدث بفضل دوق استغرق في التفكير في تصوُّر كيفية استغلال الفحم الموجود في أملاكه، أو فلاح اقتطع من وقت راحته كي يبني أسوارًا للحماية من الحيوانات التي تقتحم مزرعته.

لقد أظهر عمل المصانع أن صاحب المصنع يحقق ربحًا من وراء عمالة كل عامل على نحو يفوق الربح المتحقق من علاقة صاحب الأرض بالفلاح الأجير. كان بيع السلع التي ينتجها مصنعٌ ما يعود بأجور هزيلة للعمال وأرباح سخية للمُلَّاك، وقد استخلص أرباب العمل فائض قيمة العمل — كما أطلق عليه ماركس — وكدسوا الأموال للاستثمار في مشاريع إضافية ستحصد مزيدًا من الثروة التي صنعها العمال لكنهم لم يحتفظوا بها. إن العلاقات التي ربطت العمال وأرباب العمل بالإنتاج صنعت العلاقات الطبقية في المجتمع الرأسمالي، ويقول كارل ماركس إن ناقلي الممارسات المستحدثة كانوا رجالًا دخلاء، متحررين من أعراف مجتمعاتهم التقليدية، مدفوعين قُدمًا بمصالحهم الشخصية الضيقة. وبتضافر الأهداف السياسية المشتركة، تحدى الرأسماليون النظام القائم وأَذكَوا الصراع الطبقي الذي يعتقد ماركس أنه قام بدور محرك التغيير. وتنطوي حجة ماركس على ما يشير إلى أن السوق عملت لمصلحة الرأسماليين تحديدًا.

في مطلع القرن العشرين قيَّم فيلسوف مخضرم آخر — هو ماكس فيبر — النظريات الكبرى لسميث وماركس، ووجد أن كليهما يفتقر إلى ملمح حاسم واحد: أنهما نَسبا للرجال والنساء مواقف ما كانوا ليَحظَوا بها قبل ظهور الممارسات الرأسمالية. وتساءل فيبر كيف تأتَّى للقيم والعادات وأنماط التفكير المنطقي التي كانت ضرورية للتقدم الاقتصادي المطرد، أن ترسخ نفسها من الأساس في تربة أوروبا قبيل العصر الحديث، والتي اتسمت بإيقاعات حياة ومفردات أخلاقية مغايرة من جميع النواح. إن هذا التساؤل لم يكد يشغل الاقتصاديين أو المؤرخين الإنجليز قبل أن يطرحه فيبر؛ لأنهم اعتمدوا على الافتراض بأن الطبيعة البشرية جعلت الرجل (قليلًا ما كان يجري الحديث عن المرأة) مقايضًا بالفطرة وساعيًا دءوبًا لتحسين ذاته، وشغوفًا بأن يكون منتجًا متى كانت الإنتاجية سببًا في رفاهيته.

وعلى نهج سميث، افترض المحللون الاقتصاديون وجود سيكولوجيا بشرية طبيعية مُهيأة للنشاط الاقتصادي الدائم، لكن فيبر طعن في صحة هذا الافتراض في سطر واحد يقول: «إن الإنسان لا يرغب فطريًّا في كسب المزيد والمزيد من المال، بل في أن يعيش كما اعتاد وأن يكسب ما هو ضروري لتحقيق هذه الغاية وحسب.»7 وبدأ فيبر باستطلاع ظاهرة لافتة للنظر، تمثلت في ارتباط بلدان متقدمة اقتصاديًّا بالعقيدة البروتستانتية، واستنتج أن «روح الرأسمالية» — كما أطلق عليها — يمكن على الأرجح اعتبارها ناتج ثانوي غير متوقع لحركة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر. ومن خلال بحث أنماط المسيحية الكاثوليكية وأفكارها التي ثار عليها المتمردون، فصَّل فيبر كيف روج زعماء البروتستانتية للفكرة التي تذهب إلى أن المسيحي الحق يكون في خدمة الرب حيثما كان، وأقحموا مذهبهم الأخلاقي المتحمس هذا في كل أركان وزوايا المجتمع العرفي، مستعينين بمشرط العقلانية لاستئصال تراكمات العقيدة الكاثوليكية. ويشير فيبر إلى أن الأخلاقية والعقلانية كانا المسلكين اللذين قدمهما البيوريتانيون لدنيا العمل، وهذا ما أحدث تحولًا في عادات الناس. وقد أضفى البيوريتانيون على العمل صفة دينية كان ينفيها الأرستقراطيون عنه، وأحدث الوُعَّاظ البروتستانتيون خوفًا نفسيًّا عميقًا بتشديدهم على وهن قدرة الفرد على الخلاص، وهذا شجع اهتمامًا بمسألة العناية الإلهية؛ ممَّا جعل المؤمنين يدققون النظر في الأحداث بحثًا عن دلائل المشيئة الإلهية، فحول هذا التفحص العميق للحياة العادية الازدهار إلى برهان على فضل الرب. وقال فيبر إن جميع هذه العوامل تصادفت وجعلت الرجال والنساء عوامل للتنمية الاقتصادية.

لقد أصبح البروتستانتيون — باندفاعهم إلى تمجيد الرب في كل دعاواهم، وانقطاعهم عن السلوان الشعائري لأي طقوس دينية — نموذجًا للرجل العصري عدو التقاليد، ووضع فيبر إصبعه على ما كان يعيب كل النقاشات السابقة حول تاريخ الرأسمالية قائلًا: لقد بدءوا بافتراض — يحتاج للبحث — بأن الرجال والنساء اندفعوا للتخلص من القديم وتبني الجديد. ولأن المحللين غلبوا قيمهم المعاصرة على قيم الماضي، فقد جعلهم ذلك لا يستغرقون إلا قليلًا من الوقت في بحث دوافع الناس؛ لأنهم كانوا على يقين بأن البشر يتجاوبون طبيعيًّا مع أي فرص لتحقيق المزيد من المال، حتى لو انطوى ذلك على مواقف ما كانوا ليتخذوها أو أنشطة كانت تبدو بغيضة بالنسبة لهم. ومن خلال استدلالهم بهذا الافتراض تمكنوا من حل كل الألغاز الجوهرية بشأن كيفية انتصار الرأسمالية في الغرب.

رفض فيبر دون تردد ما طرحه سميث بشأن الميل الفطري للمقايضة، وانتقد ماركس لافتراضه وجود عقلية سوق من قبل أن تكون هناك أي سوق رأسمالية. فقد جعل سميث من كل إنسان كائن رأسمالي مدفوع للسعي إلى تحسين أحواله من خلال المكافآت المادية للسوق. وبموجب هذه الهبة البشرية المضمونة، من شأن الرأسمالية أن تنشأ مع مرور الزمان. أما ماركس فقد ابتدع تدرجًا من البشر المدفوعين بالسعي للربح، والذين يتمتعون بما يكفي من القدرة على الاستبصار لتصور عالم لم يكن له وجود على الإطلاق. ووصف فيبر الكفاح الاقتصادي الدائم الذي تحدث عنه سميث بأنه نمط غريب من السلوك كان يتعين تفسيره، لا اعتباره أمرًا عاديًّا وطبيعيًّا.

تأثيرات على هذه الدراسة

أثَّر هؤلاء المفكرون العظماء — سميث وماركس وفيبر — إلى حدٍّ بعيد على كل التحليلات اللاحقة عن الرأسمالية. وبصفتي باحثة، لطالما كنت مفتونة بالكيفية التي غيرت بها التنمية الاقتصادية طريقة تفكيرنا في عالمنا المادي وفي أنفسنا وفي أسلوبَيْ عملنا ومعيشتنا. وأثناء تعلُّمي من كل هؤلاء المنظِّرين العظماء، كان فيبر أشد مَن أثَّرَ فيَّ بسبب تأكيده على دور المصادفة والنتائج غير المقصودة في تشكل الرأسمالية، فضلًا عن أنني معجَبة أيضًا باحترامه للدورين اللذين تلعبهما السمات الثقافية والفكرية. ينبغي عليَّ أيضًا أن أضع نفسي على التدريج الأيديولوجي المعاصر؛ فأنا ليبرالية ذات نزعة يسارية بميول تحرُّرية قوية، وإن كانت في بعض الأحيان متضاربة، ودائمًا ما كان لديَّ اهتمام بالغ بالسياسة التقدمية، وأعتقد أن القناعة بأن الرأسمالية نظام حر مستقل لا يتأثر بشخصية المشاركين فيه وبأهداف مجتمعات محددة، لا تساعدنا حقًّا. وتدَّعي نماذج الاقتصاد الميكانيكية التي تؤكد على استقلاليتها أنها محايدة التأثير، لكنها في حقيقة الأمر تضعف قدرتنا على التفكير تفكيرًا ذكيًّا في مجموعات الخيارات التي لدينا.

بدأت التدريس عام ١٩٦٧ في جامعة ولاية سان دييجو، حيث أصبحت مهتمة بتاريخ الرأسمالية بطريقة غير مباشرة، وكان كل أساتذة التاريخ الأمريكي هناك يستعينون بنفس الكتاب في تدريس مادتنا التمهيدية. كان عبارة عن مجموعة من القراءات تستعرض أصول الفكر الاجتماعي الحديث من خلال سلسلة من النصوص الهامة من عظات البيوريتانيين الذين استوطنوا إقليم نيو إنجلاند، إلى كتب: «اللوياثان» لتوماس هوبز، و«مقالة ثانية عن الحكومة» لجون لوك، و«ثروة الأمم» لآدم سميث، و«المنطق السليم» لتوماس بين، وكتاب «الأوراق الفدرالية» وما إلى ذلك من الكتب.

التدريس كاشف جيد عن جهل المرء؛ فكل الأمور تبدو متوافقة مع بعضها عندما تدوِّن الملاحظات أثناء استماعك لمحاضرة يلقيها شخص آخر. لكن عندما يقع على عاتقك عبء تفسير أحداث الماضي، تبرز الثغرات والتناقضات كإشارات خطر تحذيرية. كان الخلل الفاضح الذي اكتشفته سريعًا يتعلق بتعريفات «الطبيعة البشرية». طُرح هذا المصطلح في الخطاب العام في القرن الثامن عشر، ولا تزال أفكارنا بشأن الطبيعة البشرية يعوزها الفحص لأنها تنبع من المفاهيم المنطقية لمجتمعنا. إلا أن إدراكنا للطبيعة البشرية يتمحور حول كل ما نؤمن به من أفكار أخرى، في مجال السياسة، أو آليات الاقتصاد، أو الصداقة أو الزواج أو تنشئة الأطفال. وقد كانت المعضلة التي اعترضتني في تدريسي هي: كيف أبرر الاختلاف الجذري في أساليب وصف الطبيعة البشرية في خطاب القرن السابع عشر. ففي المختارات الأولى من كتابنا الدراسي التي تضمنت عظات البيوريتانيين ومسرحيات العصر الإليزابيثي، صُوِّر الرجال والنساء طائشين متقلبين، بل أشرارًا في كثير من الأحيان، ثم سرعان ما تغيرت الافتراضات بشأن سمات البشر الأساسية تغيرًا مثيرًا في المختارات التي صدرت بعد مائة عام من ذلك.

يمكن العثور على الرؤية الجديدة للرجال والنساء بأسهل الطرق في «ثروة الأمم» لسميث. لكن سميث اعتبر آراءه حول الطبيعة البشرية أمرًا مفروغًا من صحته؛ فهو يقول: «إن المبدأ الدافع للادِّخار يتمثل في الرغبة في تحسين أوضاعنا، برغم أنها بوجه عام رغبة هادئة ورصينة تولد معنا من رحم الأم ولا تبرحنا إلى اللحد.» وعندما يتحدث عن «الجهد الدائم الدائب المنظم الذي يبذله كل إنسان لتحسين وضعه»8 جعلني أتساءل: هل توصل سميث إلى أن الناس في الأصل أفراد راشدون يسعون إلى تحسين الذات؟ لا ريب أن هذه الرؤية تتناقض كثيرًا مع الشخصيات التي ابتدعها شكسبير، أو مع القناعة البيوريتانية بأن «البشر مشتركون جميعًا في الخطيئة التي هبطت بآدم للأرض.» أثناء وجودي في إنجلترا أثناء الإجازة الدراسية صرت زائرة مستديمة للمتحف البريطاني، حيث شرعت أقرأ في فرع جديد الكتابات عن التجارة التي بدأت تظهر في الكتيبات والأوراق الاقتصادية والنشرات الإعلانية وكتب النصائح والإرشادات التي صدرت منذ عشرينيات القرن السابع عشر فصاعدًا. وبتتبعي هذا المسار الورقي على مدى بقية القرن السابع عشر، اكتشفت أدلة وافرة على نبذ الآراء التقليدية حول الطبيعة البشرية، ورأيت أن معظم المؤلفين خلطوا بين توصياتهم السياسية وتوكيداتهم بشأن ميول الإنسان، أو ما كانوا يطلقوا عليه في كثير من الأحيان النظام الطبيعي للأمور.9

الرأسمالية باعتبارها نظامًا ثقافيًّا

إن الأنظمة الاقتصادية لا توجد منفردة، بل يتأثر أي نظام اقتصادي تأثرًا كبيرًا وحتميًّا بقوانين بلده وعاداته. والرأسمالية — على الرغم من أنها تعتمد على المبادرات والاختيارات الفردية — لا تُستثنى من ذلك؛ فهي ترتبط بالمجتمع ارتباطًا دائمًا. فالأعراف الاجتماعية توجه الرغبات والتطلعات، وتسهم في تحديد حجم الأسرة، وحجم الأسرة يؤثر على الحراك السكاني. إن ملاك الأراضي والعمال والتجار والصناع ليسوا — ولم يكونوا — مجرد عوامل اقتصادية بحتة، بل كان لديهم جميعًا حاجات اجتماعية معقدة، وكانوا يلعبون أدوارًا كثيرة متنوعة في المجتمع: آباء أو جيرانًا أو رعايا للكنيسة أو أحزابًا سياسية أو جمعيات تطوعية. يمكن أن نعتبر أن المعاصرين من رواد العمل التجاري ومديري الشركات والمصرفيين وكبار ملاك الأسهم والسندات يشكلون حاليًّا نوعًا من طبقة الرأسماليين ذوي المصالح المشتركة المتمثلة في رفاهيتهم المالية، لا سيما على صعيد حماية رأس المال من الضرائب وحماية المشاريع من اللوائح. لكن هؤلاء الرجال والنساء ليسوا مجرد رأسماليين؛ فهم أيضًا آباء وأمهات ورياضيون وملاك أسلحة وكاثوليكيون وبروتستانتيون إنجيليون، وأعضاء في منظمة المدمنين المجهولين لدعم المدمنين على الكحوليات، وعشاق للحياة الطيبة، وعلماء طبيعة وعلماء بيئة، ورعاة للفنون.

إحدى الحجج الرئيسة في هذا الكتاب أن ما من أمر كان مقدرًا أو مكتوبًا أو حتميًّا في نشوء الرأسمالية. إذن لِمَ الجلبة حول هذه المسألة؟ ولِمَ الإصرار على أن بذور الرأسمالية لم تبذر في العصور الوسطى، أو أن العقلية الرأسمالية لم تكن سمة فطرية في البشر؟ لمَ؟ لأن هذه المفاهيم ليست صحيحة، إن القوة الدافعة للأساليب الرأسمالية التي عُدَّت في الماضي خروجًا على التقاليد مسئولةٌ بدرجة كبيرة عن خلق هالة من القدَرية والحتمية حول ظهورها في المشهد البشري.

تبدو المجتمعات المناهضة للأساليب الرأسمالية اليوم مجتمعات غير سوية، لكن الأوروبيين في واقع الأمر خرجوا عن عرف عالمي. وثَمَّةَ نقطة أخرى مهمة، هي أنه ينبغي ألَّا نجعل أول تحوُّل رأسمالي قالبًا ونموذجًا لكل التحولات الرأسمالية الأخرى؛ لأن سيرورة الأحداث في حالة أوروبا لم يُتَح لها التكرار قط، ولم تكن البلدان التي تبنت النظام الرأسمالي — على خُطَى إنجلترا — تحظى بالضرورة بنفس السمات التي كانت لازمة للطفرة الأولى، وينطبق هذا أيضًا على البلدان التي تتحول إلى الرأسمالية في الوقت الحاضر؛ فالتقليد شيء والإبداع شيء آخر.

ولأن الرأسمالية بدأت في إنجلترا من خلال تضافر التقدم في المجال الزراعي والاستكشافات العالمية والمنجزات العلمية؛ فذلك يعني أنها ظهرت في التاريخ البشري بلكنة إنجليزية وسارت على طريق القوة الذي ارتادته إنجلترا حول العالم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهذا يعني أن اقتصاد السوق احتفظ بقدر من الطابع الأجنبي في نظر أولئك الذين تُعتبر اللغة الإنجليزية — ومن ثَمَّ الرأسمالية — بالنسبة لهم لغة أجنبية. أما جيران إنجلترا ومنافسوها فلم يسعهم سوى محاكاة ما أطلق عليه الفرنسيون في القرن الثامن عشر «المعجزة الإنجليزية». هناك مجتمعات أخرى طورت نماذجها الخاصة للرأسمالية في محاولة لحماية أعراف وعادات معينة من مقتضيات الرأسمالية. لقد فُرضت الرأسمالية على الشعوب في أفريقيا والشرق الأوسط والهند وجزر الهند الشرقية، باعتبارها منظومة أوروبية غربية جاءت لاستغلال مواردهم، إلا أن ثَمَّةَ آخرين — كأبناء الشعوب الأصلية للأمريكتين الشمالية والجنوبية — انكفئوا داخل مجتمعاتهم عندما هدَّد الأوروبيون طريقة معيشتهم وجعلوهم غرباء في أوطانهم.

وإذا نظرنا إلى الرأسمالية باعتبارها تطورًا تاريخيًّا وليست اكتشافًا ذا مبادئ عامة فسيتضح أمر مهم هو أن تجربة أول بلد رأسمالي كانت تجربة فريدة؛ ومن ثَمَّ لا تزال مجموعة الاحتمالات بالنسبة للبلدان الأخرى غير مكتشَفة بعدُ. ولأن الرأسمالية كنظام اقتصادي تمس المجتمع بأسره؛ فقد شكَّل كل بلد قِيم الرأسمالية وممارساتها وفقًا لطريقته الخاصة، ولا ينبغي إغفال أدوارِ الثقافة والمصادفة والقسر، المهمة أهمية حاسمة في تاريخ الرأسمالية. فالأمر لم يقتصر على تغيُّر السوق مع كل جيل جديد، بل كانت احتمالات التنمية الرأسمالية كثيرة ومتنوعة أيضًا، ولا تزال كذلك.

لقد اكتسبت الرأسمالية — خلال انتشارها القوي — أنصارًا أكَّدُوا على السمة الفطرية للرأسمالية. إن جميع الثقافات طبيعية لكونها قائمة على الخصائص البشرية الفطرية، وهناك الكثير من القدرات الكامنة في نفس الإنسان، لكن ليست كل خاصية بشرية تلعب دورًا في أي ثقافة؛ فالثقافة آلية انتقائية، تنتقي من بين مهارات وميول بشرية متنوعة لتصوغ أسلوبًا يُمكِّن الناس من العيش معًا في مكانٍ ما وفي زمان ما، وهناك مجال متنامٍ في علم الأحياء وعلم التغيُّرات الجينية يبحث كيف تعمل بيئات معينة على تنشيط جينات بعينها عند البشر الذين يمكنهم توريثها فيما بعد لذرياتهم. فمن دون الحافز البيئي يظل الجين (مورِّث الصفة) خاملًا، وهذا يفترض أن هناك تقاطعًا بالغ التعقيد يربط علم الأحياء بالثقافة. وهذا الرابط يتجاوز العلاقة المألوفة بين الطبيعة والنشأة؛ فقد يكون كل الناس حريصين على مصالحهم الشخصية، لكن مصالحهم تلك تعتمد بدرجة كبيرة على المجتمع الذي نشئوا فيه.

إن أسلوبنا الحالي لتحليل الاقتصادات يحجب تشابك الاقتصاد مع المجتمع والثقافة؛ فالاقتصاديون المتمرِّسون يحللون الرأسمالية بدقة حسابية. ومن خلال بناء نماذج رياضية لتفسير كيفية أداء السوق، يميل المحللون إلى إغفال عدم الانتظام الذي لا بد أن تسفر عنه أي مجموعة من العلاقات الاجتماعية؛ إذ تفترض كل توقعات الاقتصاديين وجود معيار ثابت، أي افتراض بقاء جميع العوامل الأخرى متساوية. لكن هذا نادرًا ما يحدث. يستخدم الفلاسفة كلمة «تجسيد» عند الحديث عن مفهومٍ ما كشيء مادي، وليس بوصفه مدلولًا لشيء ما. ويتحدث الاقتصاديون عن الاقتصاد كما لو كان شيئًا واحدًا لا مجموعة متنوعة من الممارسات والعادات والأنظمة. وأنا أعي هذا الخطر وأرغب في تجنب الانزلاق بشدة إلى التجسيد. فعندما أجعل «الرأسمالية» فاعلًا لجملة، أفكر في الرأسماليين باعتبارهم أولئك الذين يستغلون مواردهم لإقامة مشروع أو مؤسسة أعمال، وباعتبارهم عاملين في شركات خُصصت للإنتاج بغرض الربح.

ربما تتسبب كل هذه التعريفات في إصابة القارئ بشيء من الملل، لكن التوضيح يستحق الشعور بالقليل من الملل. أودُّ أيضًا أن أميِّز بين تلك التطورات التاريخية التي يمكن عَزوُها إلى الرأسمالية وبين التطورات التي كانت جارية في الأنظمة القديمة؛ فالناس يلقون باللائمة على الرأسمالية في ظهور الأمراض الاجتماعية التي طالما تسببت في بؤس عارم، وهنا يتبادر إلى الأذهان فرسان الخراب الأربعة — الظلم والحرب والقحط والدمار — الذين سيجلبون نهاية العالم. وغالبًا ما تنسب للرأسمالية دوافع شخصية بغيضة وسمات غير محمودة كالطمع وعدم الاكتراث لمعاناة الآخرين، رغم أن الطمع سمة قديمة قِدم شريعة حامورابي. فكما قال سميث، يمكن القول بأن الرأسمالية أول نظام اقتصادي يعتمد على الطمع، على الأقل رغبة من الفرد في تحسين وضعه. وهكذا تَنصبُّ اللعنات على الرأسمالية بسبب صراحتها. لكن الطمع قد يضر برائد العمل بدلًا من أن ينفعه. ولطالما كان الرأسماليون طماعين، ولا يزالون كذلك. لكن الخاصية الفارقة التي تميز الرأسمالية كانت قدراتها المدهشة على توليد الثروة؛ فقد أحدثت قوة هذه الثروة تحولًا في المجتمعات التقليدية، ولا تزال تمكِّن البشر من تحقيق إنجازات رائعة.

لم يفلت من تأثير الرأسمالية سوى قلة من مناحي الحياة، لكن أشد تأثيرات الرأسمالية إذهالًا هو تأثيرها على المرأة؛ فقد قلبت الرأسمالية حياة المرأة عبر موجتين طويلتين: الأولى أضرتها، والثانية حررتها. ففي السنوات الأولى من الثورة الصناعية في أيٍّ من البلدان، دُفع بالمرأة من كوخها وقريتها وألقي بها على أرضية المصانع كي تمضي اثنتي عشرة إلى أربع عشرة ساعة يوميًّا في كلل مضجِر يضني البدن، في حين لم تكن هناك ضرورة ولا حاجة في الماضي لمثل هذه الساعات الطوال من العمل الشاق.

ثم جاءت الموجة الثانية في القرن التاسع عشر بتقنيات تنظيم النسل؛ فشاع الارتباط بين تحسن مستوى المعيشة وانخفاض معدلات الخصوبة في كل مكان، وهذا كان دائمًا مفيدًا للمرأة. واليوم — في المَواطن الأصلية للرأسمالية — لا ينجب الأزواج ما يكفي من الأطفال حتى للحفاظ على معدل الاستبدال السكاني لبلدانهم؛ فقد انضمت المرأة للرجل في كل حرفة ومهنة في قوة العمل، ولا تزال معدلات الإنجاب تواصل انخفاضها، وبدأت الأدوار الأسرية تتغير شيئًا فشيئًا لتتوافق مع وضع الأسر التي يعمل فيها كلًّا من الأب والأم.

إن صفة الاستغلال ليست حكرًا على الرأسمالية، أما صفة توليد الثروة فهي كذلك. لكن بسبب القوة الاقتصادية للرأسمالية ونظرًا لنطاقها العالمي الواسع، يكاد الاستغلال الرأسمالي يوصف بأنه خاصية مميزة لها. ولا يمكن الإشادة بفوائد النظام الرأسمالي دون النظر إلى المغامرات الكارثية والضغائن البشرية التي أظهرها نشوء هذا النظام المولِّد للثروة، وفي بعض الأحيان شجعها على أرض الواقع. ولا يمكن إلقاء مسئولية المآسي الإنسانية على الرأسماليين والحكومات والذين صاروا رعاة للمساعي الرأسمالية، بل يجب إدراج الكثير من أسقام العصور الحديثة في تاريخ الرأسمالية، لا سيما تلك التي كانت ضرورية لنجاحها. لقد اعتمدت الاختراعات — التي أدت إلى اندلاع الثورة الصناعية — بشدة على الوقود الحفري — كالفحم في بادئ الأمر ثم النفط — وهذا وسَّع حدود الإنتاج، محررًا الاقتصادات من قيود تكريس الأراضي لزراعة المواد الغذائية ولإنتاج أشجار الأخشاب. وبمرور الوقت، زادت الثورة العارمة استغلال الموارد الطبيعية، وازداد ما يصاحب ذلك من تدهور بيئي؛ فغدا السؤال المُلح هو: «هل يستطيع العالم تحمُّل هذه النجاحات الرأسمالية؟»

أحدثت الرأسمالية بعض التوترات الدائمة التي ظهرت منذ القرن السادس عشر فصاعدًا. وبينما كان يجري التغاضي عن الثراء الفاحش في مجتمعات الندرة، أبرزت قدرة الرأسمالية على توليد الثروة غيابَ العدالة في توزيع السلطتين الاقتصادية والسياسية؛ ومن ثَمَّ بات ذلك الأمر عرضة للانتقاد. وبالمثل، كان التدخل الحكومي يلقى القبول عندما يواجه المجتمع خطر الموت جوعًا، لكنه لم يَكن يَحظى بهذا القبول عندما يبدو أن النظام يعمل على نحو أفضل كلما تمتع الأطراف بأكبر قدر من الحرية. لكنَّ افتقار اقتصادات السوق للتنظيم الحكومي تحديدًا هو ما عزَّز فرص دورات الانتعاش والركود (الدورات الاقتصادية) التي بِتنا نعرفها جيدًا اليوم. ستواصل هذه القضايا الظهور على امتداد تاريخ الرأسمالية، لكن يظل إيجاد حلول للمشاكل الناجمة عن الرأسمالية هو التحدي القائم.

تكون غالبية مفاتيح اتخاذ القرار في النظام الرأسمالي مع أولئك الذين يحوزون رأس المال. وبما أن المشروعات تكاد دومًا تنطوي على تشغيل الرجال والنساء؛ فإن رواد الأعمال يعتمدون على الآخرين في إنجاز العمل. والعاملون بدورهم يعتمدون على أرباب العمل في الحصول على الأجور التي تعولهم وذويهم. فبمجرد الانفصال عن الأرض أو عن معدات العمل، لا يكون لدى الرجال والنساء أي مورد يمكنهم الاعتماد عليه لكسب قوت يومهم؛ ومن ثَمَّ يضطرون للخروج لبيع عمالتهم. لكن الطريقة التي نتحدث بها عن الوظائف لا توضح أبدًا هذا الاعتماد المتبادل بين أرباب العمل والعمال، بل تعمل صفة «الحر» كما في مصطلح «العمل الحر» على خدمة الغرض الأيديولوجي المتمثل في تقنيع طابع القسر في الرأسمالية؛ فالفرد يملك حرية اختيار وظيفة ما أو عدم اختيارها، لكنه لا يملك التحرر من الحاجة للعمل، طالما رغب في سَدِّ رَمَقه بالطعام، لكن أرباب العمل لا يخضعون لهذا القيد المعيشي. وفي الوقت الحاضر، أضحى كل ما يوصف بكلمة «حر» (التجارة والمشاريع والأسواق) محملًا بقدر كبير من المفاهيم النظرية، وهذا سيدفعني إلى استخدام هذه المسميات بحرص وفي مكانها المناسب راغبة في المقام الأول في تحاشي ملل تكرار كلمة «الرأسمالية».

إن وضوح طبيعة الرأسمالية كان ليُمكِّننا من اتخاذ قرارات سياسية أكثر حكمة، وربما كان إدراك أن الرأسمالية نظام ثقافي — لا طبيعي كالطقس — سيكبح تلك السياسة الخارجية الأمريكية التي تزعم أن محاكاة أمريكا ضرورة عالمية. علاوة على أن القول بأن السوق نظام يصحح نفسه بنفسه — كما يدعي المدافعون عنه — ليس صحيحًا. والافتراضات الأيديولوجية حول استقلالية علم الاقتصاد تجعل من العسير علينا أن ندرك أن السوق تخدمنا، لا باعتبارنا أفرادًا مشاركين فيها فحسب بل أيضًا باعتبارنا أعضاءً في مجتمع حريص على دفع مرتبات تعول العاملين، وتوفير خدمة رعاية صحية شاملة ومدارس جيدة، علاوة على مد تقديم الخدمات الإنسانية إلى بلدان أخرى في العالم. لكن في مرحلة عصيبة خلال رحلة هيمنة الرأسمالية، سقطت أهمية التأثيرات الثقافية والاعتبارات الاجتماعية في غياهب النسيان، ونحن بحاجة لأن نخرجها إلى النور مجددًا.

في هذا الكتاب، أود أن أتحرر من تقديم تاريخ الرأسمالية كمسرحية أخلاقية، تعتمر شخصياتها قبعات إمَّا بيضاء أو سوداء، وعلى الرغم من أن أي تاريخ دائمًا يحفل بالمضامين الأخلاقية، فليس المؤرخون ملزمين بالانحياز لجانب دون آخر، لكنهم ملزمين بإدراك كيفية تأثير الأخلاق على ما فعله الناس في الماضي. أما علماء الاقتصاد فيميلون إلى النظر إلى موضوعهم باعتباره علمًا ويقللون إلى أقصى حد من أهمية الدعاوى الأخلاقية لتوزيع الثروة، بيد أن تجاهل حاسة الناس القوية لاستشفاف الصواب والخطأ هو حيود عن الحق؛ إذ كيف يمكن ألَّا يكون الأمر كذلك، ونحن نرى الحياة الاقتصادية تمس قِيمنا، وبالتبعية، سياساتنا مساسًا واضحًا؟ في ظل فهم أفضل للرأسمالية، يستطيع الناس في النظم الديمقراطية أن يلعبوا دورًا أكثر إيجابية ونشاطًا في تشكيل النظم الاقتصادية. وأقول لأولئك الذين سيختلفون مع أطروحاتي في تاريخ الرأسمالية هذا: إن ما أقوله قد يبدو الهدف منه خدمة المصلحة الشخصية؛ لذا أقدمه باعتباره مقصدًا لا إنجازًا، وعليك عزيزي القارئ أن تقرر بنفسك أيهما تختار.

قبل أن أنهي تمهيدي، أصبح تعريفي للرأسمالية جاهزًا؛ فالرأسمالية نظام ثقافي متأصل في الممارسات الاقتصادية التي تتمحور حول رغبة المستثمر الخاص الملِحَّة في جني الربح، وعادة ما يعزز السعي وراء الربح كفاءة الإنتاج مثلما يفعل تقسيم العمل، واقتصاديات الحجم الكبير، والتخصص، واتساع سوق السلع، وفوق ذلك كله، الابتكار. ونظرًا لأن الرأسمالية نظام ثقافي وليست مجرد نظام اقتصادي، فمن غير الممكن تفسيرها بالاعتماد على عوامل مادية فحسب. وقد أثارت الرأسمالية في بداياتها عاصفة من الانتقادات وفيضًا منهمرًا من الدفاع عنها؛ فالمنافسة تطحن كل أطراف هذا الاقتصاد القائم على نشاط المستثمرين، سواء أكان الناس يستثمرون أموالهم، أو يسوِّقون منتجاتهم، أو يبيعون خدمة عملهم. وسلسلة الاختراعات التي طوَّعت الطاقةَ الطبيعية — بدءًا من طاقة الماء وطاقة البخار الناجم عن نيران إشعال الفحم في القرن الثامن عشر — جعلت التقدم الاقتصادي يعتمد على استغلال الوقود الحفري. وبرغم أن الفحم والنفط كانا يبدوان في الماضي بلا نهاية، فقد بلغ هذان العنصران في الوقت الحالي درجةً من الندرة تدفعنا لأن نتساءل: هل نظامنا الاقتصادي قابل للاستدامة؟

إن التحدي الذي أواجهه هو أن أثير فضولك تجاه نظام بات مألوفًا للغاية. وتلك الألفة — بالإضافة إلى فكرة أن هناك سمة رأسمالية فطرية تميز الطبيعة البشرية — حجبت الصراع الحقيقي بين الرأسمالية والأنظمة الاقتصادية التي سبقتها. لقد عبرت الممارسات الرأسمالية — عند ظهورها على الساحة في القرن السابع عشر — عن انفصال جذري عن العادات القديمة. ولأنها هاجمت أعراف الرجال والنساء في المجتمعات التقليدية، فقد تطلب رسوخها بيئة مواتية للغاية. بعد ذلك، أدت قدرة الأساليب الرأسمالية الحديثة على خلق الثروة إلى تشجيع المحاكاة، وبعث السعي النهم وراء «المزيد» بالتجار من الغرب إلى شتى أنحاء العالم بحثًا عن سلع، وعن عمال لإنتاج هذه السلع، وقد حملوا معهم محركات الثورة العارمة التي جلبتها الرأسمالية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١