الفصل الحادي عشر

الرأسمالية في وضع جديد

في أوائل السبعينيات أجبر الارتفاع غير المتوقع في أسعار النفط الناسَ على إيلاء بعض الاهتمام للمؤشرات السلبية الأخرى في العالم الصناعي مثل: تباطؤ معدل النمو، والتضخم المستعصي، وارتفاع معدلات البطالة، وإغراق الدولار، وتقلُّبات أسعار الصرف. كان التفهُّم المريح فيما بين الشركات التجارية الكبيرة، والعمالة، والحكومة، آخذًا في التفكك. وكان الظهور الكريه للركود التضخمي يشير أيضًا إلى أن واضعي السياسات الوطنية لم يعُد بمقدورهم الاعتماد على الوصفات الاقتصادية لجون ماينارد كينز. الذي كان قد أَولى دورًا مركزيًّا للحكومة بحيث تنفق حينما لا تكون الاستثمارات الخاصة قادرة على تحقيق العمالة الكاملة أو شبه الكاملة، كما حدث في فترة الكساد الكبير. وقد اتبعت معظم البلدان في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية السياساتِ الكينزية لدرء الركود الاقتصادي. لكن للأسف، قليلة هي الدول التي حازت الشجاعة لأن تخفض برامج نفقاتها العامة بعدما لم تعد هناك حاجة لها من أجل تعزيز الاقتصاد. هذا الإهمال ساهم في حدوث التضخم الذي تفاقم جراء ارتفاع أسعار النفط عام ١٩٧٣. وقد صار التضخم مصحوبًا حينئذٍ بارتفاع في معدلات البطالة. وما عادت الحقائق الواقعية تؤيِّد صحة المقترح الكينزي الأصلي؛ فقد تسبب الإنفاق الحكومي — الذي كان قد أوصى به في أوقات انخفاض الطلب — في كلٍّ من التضخم وركود المبيعات، وهو ما نتج عنه «الركود التضخمي». وبدلًا من أن تكون البيئة الاقتصادية مستقرة ومفهومة وقابلة للتنبؤ، فقد صارت متغيِّرة وغامضة.

وحينما انتهى الأداء السلِس للبلدان الصناعية المتقدمة على نحو مفاجئ في أوائل السبعينيات، كان الوقت قد حان للبحث عن العون في نظرية جديدة، وهذا منح فرصة لميلتون فريدمان الذي كان لديه بعض الأفكار المناسبة للمرحلة، أو هكذا بدت. كان فريدمان أستاذًا في الاقتصاد بجامعة شيكاجو، وكثيرًا ما كتب — بالاشتراك مع زوجته روز في كثير من الأحيان — عن سلوك المستهلك والسياسة العامة. وقد حلل فريدمان معلومات الظروف الجديدة وشرح السبب في أن معدل التضخم المتقلب يساهم بالفعل في حدوث البطالة لأنه يزيد حالة عدم اليقين. إضافة إلى أن الضرر الذي يسببه للدائنين ولذوي الدخل الثابت يمارس ضغطًا على الحكومات كي تفعل شيئًا إزاء ذلك، سواء أكان ذلك الشيء حكيمًا أم لا. لذا، أوصى فريدمان بتقليص نشاط الحكومة في الاقتصاد بحيث تتمكن السوق من أن تفعل ما تجيد فعله على أكمل وجه: توصيل المعلومات البسيطة المحددة من خلال أسعارها للمشاركين في السوق، الذين يمكنهم حينئذٍ أن يتخذوا أصح القرارات فيما يتعلَّق باستغلال مواردهم.

كان فريدمان من الكُتَّابِ المهمِّين الذين كتبوا عن النظرية النقدية، فأوصى بأن تقصر الحكومة دورها على تقديم زيادة طفيفة في المعروض من النقد. وباعتباره شخصية عامة ظَلَّ يكتب دون كلل أو ملل في سبيل استعادة تقدير العامة لمفهوم «الرجل الاقتصادي»؛ ذلك المنتَقي العقلاني الذي أحاطه كينز بظلالٍ من الشك. وأكد فريدمان مجددًا على القناعة القديمة لخبراء الاقتصاد بأن السوق تساعد الناس في اختيار ما هو في مصلحتهم. وقال إن المنافسة تعمل للمصلحة المثلى للمستهلكين والمنتجين على حَدٍّ سواء. وقد حصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام ١٩٧٦. وسرعان ما تسرَّبت أفكاره إلى ميدان السياسة العامة، أولًا في بريطانيا العظمى في عهد رئيسة الوزراء مارجريت ثاتشر، ثم في الولايات المتحدة. فقد صرح الرئيس الأمريكي رونالد ريجان عام ١٩٨١ بأن «الوقت قد حان لوقف نمو الحكومة وإعادة الحال لما كانت عليه»، ولو أنه اعترف بأن حمل الحكومة على العمل على نحو أفضل أمر لا مفر منه.1 انهالت الجوائز والمنح والمناصب على فريدمان حينما كانت ثاتشر وريجان في السلطة. وعلى مستوى الممارسة الفعلية، تمتعت المدرسة النقدية بدعم بنك الاحتياطي الفدرالي في الفترة بين عام ١٩٧٩ وعام ١٩٨٢، لكنها فشلت في تجنيب البلاد الانزلاق إلى الركود.
لم تكن جميع تدخلات الحكومة في الاقتصاد مستوحاة من النظرية الكينزية، بل كان الكثير منها نابعًا من السعي لتحقيق هدف اجتماعي. ففي الستينيات بدأت المجالس التشريعية تراقب كيفية تأثير المصانع على البيئة أو على فصائل المخلوقات المهددة بالانقراض. وكانت هناك قوانين أخرى تتعلق بسلامة العمال، وبالتمييز في مجالَيِ التوظيف والإسكان، وبحماية المستهلكين. وقد أشار فريدمان إلى التأثير السلبي لهذه القوانين على المنافسة، من دون أن يطرح فوائدها الاجتماعية والأخلاقية.2 وأصبحت نظريته أساسًا لحركة تهدف لتحرير المؤسسات والأعمال من الضوابط الحكومية، وقد أسفرت بالفعل عن تحرير المؤسسات الائتمانية وشركات الاتصالات، وقطاع الطاقة من هذه الضوابط. وكان إيمانه بقدرة السعي وراء المصلحة الذاتية على الانتصار على الإجحاف هو الذي دفعه لأن يتوقَّع ألَّا يمارس أرباب العمل التمييز لأنه من المضر لهم عدم توفير فرص العمل لأفضل المتقدمين، وهو افتراض أثبت العديد من الدراسات الميدانية عدم صحته. ولعل أكثر هذه الدراسات إثارةً للاهتمام هي تلك التي تضمنت إجراء اختبار استماع لعدد من المتقدمين للالتحاق بفرق الأوركسترا من دون أن يتسنى للَجنة الاختيار رؤية المتقدمين؛ فأسفر الاختبار عن منح دفعة كبيرة من فرص الالتحاق للإناث. وقد تسبَّب الركود الذي حدث في اليابان في التسعينيات، وانهيار الاقتصاد في الأرجنتين عام ٢٠٠٠ في عودة ظهور الجدل بين مؤيدي كينز وفريدمان بشأن المزايا النسبية للإنفاق الحكومي والضوابط الحكومية. تبين من هذا الجدل الفكري أن فكر كينز هو الأفضل، في حين عانت هذه البلدان نفسها جراء اتِّباع وصفات فريدمان.
ومع ذلك، مارست أفكار فريدمان تأثيرًا كبيرًا على رؤساء الشركات وصُنَّاع القرار على حدٍّ سواء. وجاءت الموجة الأولى من رفع القيود في أواخر السبعينيات، مدعومة من جانب كِلَا الحكومتين الجمهورية والديمقراطية. فحرَّرت القوانين شركات الطيران وشركات الشحن لطرح الأسعار التنافسية. وكانت الضوابط الحكومية ثقيلة على مجال صناعة النقل على نحو خاص؛ لأنها كانت تُعتبر خدمة عامة لا بد من الإبقاء على استقرارها وحمايتها. وعلى نحو أكثر بطئًا، عمل قطاع عريض من الرجال والنساء المهتمين بالصالح العام على تحرير مجال الخدمات المصرفية الاستثمارية. جاء هذا في نفس الوقت الذي كانت فيه العلاقات التقليدية طويلة الأجل بين البنوك وعملائها من الشركات تتحطم تحت وطأة الضغط الذي يمارسه المتخصصون الجدد، من الحاصلين على درجة ماجستير إدارة الأعمال والذين وصلوا إلى مواقع المسئولية في البنوك، بأفكار جديدة حول تحسين أرباح البنوك.3 وقد خفف قانونان صادران عامي ١٩٨٠ و١٩٨١ قواعد المحاسبة في مؤسسات الادِّخار والقروض، وخفضَا الحدَّ الأدنى للدفعات الأولى على الرهون العقارية التي تُقدمها هذه المؤسسات؛ فزادت نشاطها لأقصى حَدٍّ، وطرحت العديد من القروض، وبدأت المديونية الشخصية الأمريكية تصاعدها الذي استمر لثلاثة عقود. وخلال العقد التالي أفلست أكثر من ٧٠٠ مؤسسة من مؤسسات الادِّخار والإقراض بخسارة تجاوزت مائة مليار دولار على ضامنيها — دافعي الضرائب الأمريكيين — لكن ذلك لم يؤدِّ إلى إبطاء وتيرة حركة تحرير المؤسسات.

جلبت الثمانينيات أيضًا تغييرات جذرية في مجال التصنيع في البلدان الرأسمالية؛ فقد اتخذ حراك الناس والاستثمارات والسلع في جميع أنحاء العالم منعطفًا غير متوقَّعٍ عندما سعت الشركات متعددة الجنسيات إلى بناء مصانع جديدة لها في البلدان ذات الأيدي العاملة الرخيصة. وأدى تطوير الاتصالات العالمية إلى تسهيل القيام بذلك. فقدت الولايات المتحدة — على وجه الخصوص — فرص العمل بالمصانع ذات الرواتب المرتفعة التي كانت تدعم الملايين من الأسر التي شكلت طبقة وسطى ميسورة الحال. وسرعان ما هاجرت مراكز صناعة الصلب التي كانت ممتدة من مدينة بافالو بولاية نيويورك إلى مدينة جاري بولاية إنديانا، إلى دول المكسيك والصين وكوريا الجنوبية والبرازيل. ودخل الصلب المستورد الرخيص إلى أمريكا آتيًا من اليابان وأوروبا. وأضحت الأرض التي كانت حافلة بمداخن المصانع «حزامًا صدئًا» (وهذا مصطلح شاع في الثمانينيات لوصف المنطقة الممتدة من الغرب الأوسط إلى شمال شرق الولايات المتحدة، التي تخصصت في الصناعات التحويلية على نطاق واسع). صحيح أن ملايين من فرص العمل كانت تتفتح في قطاع التمويل والكمبيوتر والخدمات، لكن الأمريكيين كانوا معتادين على عظمتهم الصناعية. عززت المجالات الجديدة تباينًا حادًّا في الدخل؛ بحيث صار العاملون في مطاعم الوجبات السريعة ومرافق الرعاية يحصلون على الحد الأدنى للأجور، بينما كانت الأجور المرتفعة من نصيب قاطني وول ستريت ووادي السليكون.

علق الروائي توم وولف مؤخرًا بأننا نشهد «نهاية الرأسمالية التي نعرفها».4 كان من الممكن التصريح بهذا القول عدة مرات خلال القرنين الماضيين؛ لأن الرأسمالية نظام يعيد بعث نفسه باستمرار، إذ إنها مجموعة من الوصفات المعرَّضة للإخفاق على نحو استثنائي، وعمل غير مكتمل بعد. قد تبدو قواعد الرأسمالية متشابهة إذا نظرت إلى فئاتها العامة، لكن الأمر سيختلف حين تضع في الاعتبار ممارساتها أو المشاركين فيها. على سبيل المثال، لطالما أصر الناس على أن اقتصادات السوق لا تزدهر إلا في المجتمعات العلمانية المنفتحة حيث تُعزز حقوق الملكية الفردية ويُغرس الطموح الفردي في الأطفال منذ نعومة أظفارهم. لكن سبعة قصص نجاح حدثت في النصف الثاني من القرن العشرين تشير إلى أن الرأسمالية يمكن أن تترسخ في سياقات اجتماعية متنوعة تحت إشراف الحكومة وداخل ثقافات مجتمعية قابلة — في الواقع — للتأقلم الدائم.

القوة الاقتصادية الهائلة لليابان

الدولة الأولى من بين الأمثلة على نجاح الرأسمالية في شتى الثقافات المجتمعية هي اليابان، التي بدأت تحولها الاقتصادي منذ أكثر من قرن من الزمان. تليها النمور الصغيرة الأربعة: سنغافورة وهونج كونج وتايوان وكوريا الجنوبية، التي انطلقت من أقفاصها التقليدية في الستينيات والسبعينيات. يطلق على هذه الدول أحيانًا دول شرق آسيا الصناعية الجديدة، وقد اختلفت انطلاقتها عن انطلاقة اليابان، كما اختلفت انطلاقة اليابان عن انطلاقتَي أوروبا الغربية والولايات المتحدة. أما الهند والصين، اللتان تتحركان بوتيرة أبطأ، فتُنبئ كلٌّ منهما ببلوغ نفوذ أكبر في الاقتصاد العالمي، كما يليق بالدولتين الأولى والثانية عالميًّا من حيث عدد السكان، اللتين تشكلان ٣٧٪ من إجمالي سكان العالم.

لم تكن اليابان تبدو كبلد يصلح للتصنيع، ناهيك عن تمكُّنِها من التحوُّل للتصنيع بوتيرة سريعة؛ فهي جزيرة في شرق آسيا كان عدد سكانها ثلاثين مليون نسمة في منتصف القرن التاسع عشر، أبعدت نفسها عمدًا عن العالم، لكنها برزت كقوة عسكرية واقتصادية في نهاية ذلك القرن. احتلت اليابان المركز الأول في تقرير عن التنمية الاقتصادية في جميع أنحاء العالم من عام ١٨٢٠ إلى ١٩٧٠؛ فقد نما ناتجها المحلي الإجمالي بمقدار خمسة وعشرين ضعفًا، وهذا يشكل طفرة فريدة في النمو على مستوى تاريخ البشرية بأسرِه.5 كانت بريطانيا العظمى وألمانيا وأمريكا قد بدأت من أكثر المستويات تقدمًا على مستوى العالم عام ١٨٢٠، وقد تمكنت الأولى من مضاعفة نصيب الفرد من الدخل عشر مرات، وتمكنت ألمانيا من مضاعفته ١٥ مرة، والولايات المتحدة ١٨ مرة. وانتقلت الدول الغربية في التصنيع من الغزل والنسيج والتعدين إلى الصناعات المعدنية، وبناء السكك الحديدية، والصناعات الثقيلة بوجه عام، كما انتقلت في الحصول على الطاقة من الطاقة المائية إلى طاقة البخار التي تنتج من نيران الفحم إلى مولدات الكهرباء. وسحبت السلع الاستهلاكية الاستثمارات تدريجيًّا من إنتاج السلع الرأسمالية، وجرى إنجاز كل ذلك عن طريق المحاولة والخطأ، من خلال قرارات رواد الأعمال والمستثمرين.
لم تعكس اليابان هذه العملية، لكنَّ انحرافها عن النمط المتعارف عليه في الغرب يبين المسارات المتنوعة التي يمكن أن تتبعها الرأسمالية. كانت اليابان تفتقر إلى المواد الخام المهمة للغاية بالنسبة للصناعات الثقيلة، وهذا يعني أنها كانت مضطرة لاستيراد الحديد والفحم. فوضعت الحكومة برنامجًا لتصدير المنسوجات والأحذية والحلي التي يمكن أن تسدد ثمن هذه الواردات الضرورية. وأنجزت اليابان كل شيء بسرعة، بفضل تسارع نشاطها عن طريق قدرتها على استعارة التكنولوجيا الأجنبية، واسترشادها بنخبة عازمة للغاية على إحراز النجاح. وظلت صناعاتها التقليدية مثل غزل الحرير، وتجهيز الأغذية، والصناعات اليدوية المختلفة تستخدم الطاقة المائية حتى فترة متقدمة من القرن العشرين، لكنَّ المحركات الكهربائية حلَّت سريعًا محل المحركات البخارية في العقد الأول من القرن العشرين، الذي يمكننا القول إن اليابان تخطت فيه عصر البخار. اتبعت اليابان مسارها التقليدي عندما وضعت تحديث الإنتاج والتمويل في أيدي قلة من العائلات مثل ميتسوي، وميتسوبيشي، وسوميتومو، والتي أقامت شركات تجارية مساهمة في قطاعات مختلفة من الاقتصاد مثل الصلب وصناعة السيارات. تبنت هذه الشركات العائلية بنية هرمية تُدَارُ من أعلى لأسفل، بمعنى وجود إدارة مركزية تتحكم في كل الأقسام الفرعية وتنفرد باتخاذ القرار، على عكس الولايات المتحدة، حيث كان المديرون عادة ما يبدءون ارتقاءهم من الدرجات السفلى للعمل التجاري. كانت العائلات الصناعية اليابانية الكبيرة تمارس رقابة مشددة من المركز الرئيسي للإدارة، وترعى مجموعة متميزة من المطَّلعين على الأسرار الداخلية للعمل. وكانت أيضًا تغلق فرص الاستثمار أمام الأجانب.6

حتى مع زيادة النفقات العسكرية، لم يمثل الإنفاق الحكومي في اليابان سوى نسبة تراوحت بين ٧ إلى ١١٪ من الاستثمار الإجمالي السنوي في الاقتصاد، بينما بلغت النسبة ٢٨٪ في الولايات المتحدة. لكن الإنفاق الحكومي لعب دورًا أكبر بكثير في تكوين رأس المال — على الأرجح ٣٠ إلى ٤٠٪ — إلى أن انتعشت الاستثمارات الخاصة خلال الحرب العالمية الأولى. وكما هو متوقع، كان في اليابان رجال مثل ويدجوود، وواتس، وكارنيجي، وروكفلر، وتيسن، وسيمنز، وضعوا الأساس لشركات التصنيع الناجح في اليابان. كان ساكيشي تويودا — مثل توماس إديسون — مخترعًا بالفطرة، لكن براعته ظهرت أكثر كمنظم أعمال. وُلد تويودا عام ١٨٦٧ لعائلة من النجارين، وحدد هدفه بوضوح عاقدًا العزم على تصميم نول آلي متطور، وكرس حياته لهذا الهدف. كان كل مزارع في مقاطعته تقريبًا يملك نولًا في كوخه كي يعمل عليه أفراد الأسرة لكسب دخل إضافي من نسج القماش؛ لذا كان معتادًا على بناء النول وتشغيله.

وبعد عقود من العمل أثار تويودا انتباه شركة الإخوة بلات البريطانية، التي كانت تسيطر على السوق العالمية في مجال آلات النسيج. وفي عام ١٩٢٩، باعها حق تصنيع نوله الآلي من الطراز جي. كان العقد المبرَم بينهما مكافأة على عبقريته ومثابرته، وإشارة إلى تقدم التكنولوجيا اليابانية. كان نوله الآلي يبدو في نظر صانعي الأقمشة القطنية استثمارًا جيدًا؛ فهو يتكلف ثلاثة أضعاف سعر النول التقليدي وينتج عشرة أضعاف إنتاجه، لكنه لم يحقق انتشارًا. كشف فشل نول تويودا الذي أنتجته شركة الأخوين بلات عن نقطة ضعف أساسية في صناعة النسيج البريطانية تمثلت في: قوة التنظيم العمالي؛ إذ لم يشترِ نول شركة بلات سوى قلة من الشركات المصنِّعة لأن عمالها احتجوا على شراء النول الذي سيُسفر عن تشريدهم. ونتيجة للرضوخ لهم لتحقيق السلام على المدى القصير، خسرت الصناعة البريطانية مكانتها المتفوقة في السوق العالمية. ففي الفترة الواقعة بين ثمانينيات القرن التاسع عشر وثلاثينيات القرن العشرين، تراجعت حصة بريطانيا من سوق النسيج من نسبة ٨٢ إلى ٢٧٪، بينما ارتفعت حصة اليابان إلى ٣٩٪. كانت قدرة جمعية صناع النسيج اليابانية على شراء القطن الخام الرخيص هي ما ساهم في حدوث هذه الزيادة في حصتها في السوق. وفي نهاية المطاف خسرت اليابان أمام البلدان ذات العمالة الأرخص، لكنها احتفظت بتجارة آلات النسيج المربحة.7

ربما تدرك بالفعل أن شركة تويودا أوتوماتيك لوم ووركس للأنوال الآلية لم تكن لِتحصل على هذا الاهتمام لولا نسبها لشركة تويوتا موتورز لصناعة السيارات. في عام ١٩٣٠، وبينما كان تويودا على فراش الموت، نصح ابنه كيشيرو — وهو مخترع عبقري آخر — بأن يعثر على عشقه الخاص. ولما كان تويودا قد أصابه الذهول عندما زار الولايات المتحدة من الإنتاج الكبير لسيارة فورد من الطراز تي؛ فقد دفع ابنه في اتجاه صناعة السيارات وساعده بقدر كبير من المال كي يبدأ. في ذلك الوقت، كانت فورد وجنرال موتورز تسيطران على سوق السيارات اليابانية. صنع كيشيرو أولى سياراته على أساس التكنولوجيا التي طورت من أجل النول الآلي الأسري، ثم غير اسم سيارته من تويودا إلى تويوتا لأسباب تتعلق بالكتابة باللغة اليابانية.

في عام ١٩٣٦، استخدمت الحكومة اليابانية — التي كانت متمادية في سياسة استعمارية عدوانية — قانون تراخيص جديد كي توكل معظم تجارة السيارات لشركتي تويوتا ونيسان؛ فأصبحت كلتاهما شركتين قابضتين عملاقتين في ثلاثينيات القرن العشرين. وكان المسئولون التنفيذيون فيهما رجالًا عسكريين أقاموا استراتيجياتهم للتعامل في السوق على أساس التكنولوجيا المتقدمة. واستخدموا أموال الدولة — لا أموال البنوك — لبناء رءوس أموالهم على الرغم من أن تويودا قد استمد المال الذي استثمره من الأرباح المتراكمة لبيع نول تويودا الآلي.8 وقد أدى القرار الذي اتخذته الحكومة اليابانية بخوض الحرب عامي ١٨٩٤ و١٩٠٤، ثم بعد جيل لاحق عامي ١٩٣٧ و١٩٤١ إلى وضع الصناعة اليابانية في حالة حرب. كان رجال الصناعة في البلاد هم أشد المؤيِّدين المتحمسين لنطاق الرخاء المشترك لدول شرق آسيا الذي كان محكومًا عليه بالفشل، ولسياسة اليابان الخارجية العدوانية قبل الحرب. صحيح أن الغارات الأمريكية عام ١٩٤٥ دمرت آلة الحرب اليابانية، لكنها لم تدمِّر المعرفة التي بُنيت عليها.

من منظور تاريخ الرأسمالية، كان استسلام اليابان للولايات المتحدة عام ١٩٤٥ واعدًا أكثر من نجاحاتها الاستعمارية السابقة التي لم تدُم طويلًا. فبعد أن قبلت الولايات المتحدة بالاستسلام «غير المشروط» باستثناء شرط واحد هو الإبقاء على الإمبراطور، كانت حُرة في إعادة بناء اليابان وفقًا لتصورها الخاص. وتولى الجنرال دوجلاس ماكآرثر، القائد الأعلى لقوات الحلفاء في المنطقة، هذه المهمة. وفاجأ ماكآرثر اليابانيين بدقته وبانعدام أي أعمال وحشية من جانب الجنود الأمريكيين. نُزع السلاح من البلاد؛ وأُخرِجَ المعارضون الليبراليون والاشتراكيون والشيوعيون من السجون، وشُجعت الأحزاب السياسية والنقابات العمالية على المشاركة في بناء الديمقراطية المنشودة في فترة ما بعد الحرب.

ولما تباطأ اليابانيون في وضع دستور، قام فريق عمل ماكآرثر بوضعه نيابة عنهم، فوضع السلطة في يد المجلس التشريعي كما هو الحال في بريطانيا العظمى، ومنح المرأة حقوقًا سياسية متساوية مع حقوق الرجال، ومنح الإصلاح الزراعي أكثر من مليوني فدان للمزارعين الأُجراء الذين كان عددهم يقارب الخمسة ملايين نسمة. وبدأ الاقتصاد الريفي في الانتعاش. وحينما تنبَّه المحتلون إلى القطاع الصناعي، باتوا عازمين على تفكيك الشركات العملاقة القابضة التي قامت قبل الحرب.9 ثم تدخلت السياسة العالمية حينئذٍ.
فحينما قامت كوريا الشمالية — المدعومة من قبل السوفييت — بغزو كوريا الجنوبية، دفعت الولايات المتحدة لإصدار مبادرة من الأمم المتحدة ضد الغزاة. وتحول الاهتمام الأمريكي من إصلاح الدولة اليابانية إلى تعزيز قوتها من أجل مقاومة المد الشيوعي. وأدى اشتداد الحرب الباردة في الشرق إلى جانب ظهور النظام الشيوعي في الصين إلى تحوُّل تركيز المستشارين الأمريكيين بعيدًا عن حملتهم المبدئية لترسيخ الديمقراطية.10 وكان لوجود اليابان في موقع يتاخم دول الحرب الباردة تأثيرات كبيرة عليها؛ فقد أدَّى ذلك إلى سرعة انتهاء الاحتلال الأمريكي بموجب معاهدة رسمية جرى التصديق عليها عام ١٩٥٢. في الوقت نفسه، وقَّعت اليابان اتفاقًا توفِّر بموجبه قواعد للقوات الأمريكية، والسفن، والطائرات؛ الأمر الذي جعلها في صف الغرب، وبمعزل عن روسيا والصين والدول المحايدة في آسيا. وأدت الحرب الكورية إلى بعث النشاط في الصناعات الخفيفة والثقيلة، في حين أكرمت اليابان وفادة القوات الأمريكية إلى جانب توفيرها الذخائر والمعدات اللازمة للمجهود الحربي.

في عام ١٩٥٠ جاء إلى اليابان رجل أمريكي بارز، هو ويليام إدواردز ديمنج، مساعدًا للقائد الأعلى للقوات المتحالفة، وظل فيها بما فيه الكفاية لأن يطبع في أذهان رجال الصناعة البارزين في البلاد الولَع بالجودة. ولأن ديمنج مارس التدريب في مجالات الفيزياء والرياضيات والإحصاء، كان معلمًا بالفطرة، وأنتج عددًا كبيرًا من المواد المساعدة المفيدة للدارسين مثل: «١٤ نقطة لإحداث التحول في فعالية الشركات»، «الأمراض السبعة الفتاكة»، «أربع عقبات تَحُول دون إحراز تقدم». كان جوهر رسالته أن التصنيع نظام يمكن تحسينه عن طريق إيلاء اهتمام شديد للتفاصيل، ويمكن زيادة فعاليته فيما يتعلَّق بالتكلفة من خلال إدخال تحسينات مستمرة في كل مرحلة من مراحل الإنتاج. وقد أنشأ ديمنج نظام فريق العمل الياباني الشهير، حيث كان الموظفون الذين يعملون في البحوث والتصميم والمبيعات والإنتاج يعملون معًا على نحو وثيق، وغالبًا ما يتشاركون روح العمل الجماعي التي تقضي على التوترات في موقع العمل. يعتبر القادة اليابانيون ديمنج — الذي منح وسام الكنز المقدس الإمبراطوري — أبا الميلاد الجديد للصناعة اليابانية في فترة ما بعد الحرب.

وبمجرد اندلاع الحرب الكورية مارس المستشارون الأمريكيون نفوذهم الكبير لمساندة رجال السياسة اليابانيين المحافظين. فعلى مدى النصف الثاني من القرن العشرين، تمتع الحزب الليبرالي الديمقراطي بفترة تكاد تكون متواصلة من الهيمنة على السياسة اليابانية، رغم أن هيمنة الحزب شهدت توقفًا مؤقتًا عام ١٩٩٣. كانت الحكومة اليابانية ترغب في وضع حد للاحتلال، فبدأت برنامجها للإصلاح الاقتصادي، الذي وصفته بأنه برنامج ترشيد. كان الهدف هو جعل المنتجين اليابانيين تنافسيين في السوق العالمية، على أن يكون ذلك بداية من مجال صناعة الصلب. فأقيم أول مصنع حديث متكامل لصناعة الصلب في العالم على أراضٍ مستصلحة في خليج طوكيو عام ١٩٥٣. وكان هذا المصنع يعالج الحديد الخام في سلسلة متصلة من العمليات وصولًا إلى المنتجات النهائية.11 وسرعان ما قلدت شركات صلب يابانية أخرى هذا النموذج، مظهرة المزايا التي حصلت عليها اليابان جرَّاء تدمير قاعدتها الصناعية في زمن الحرب؛ فقد ووري كل ما هو قديم مع الحطام. وبعد الهزيمة، تبين لرجال الصناعة في اليابان مزايا المرونة.

لكن لم تمتد هذه المرونة إلى الحكومة؛ فقد أدى ارتباط اليابان المستمر بالدولار الأمريكي إلى زيادة اعتمادها على الدولة التي غزتها في الحرب العالمية الثانية. وكان المتواطئون من المسئولين البيروقراطيين، وقادة المؤسسات التجارية الكبرى، وأعضاء الحزب الليبرالي الديمقراطي يمنعون خصومهم من رسم السياسات وتنفيذها. صحيح أن الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية كان لها ممثلون منتخبون في مجلسي النواب والشيوخ، لكن هؤلاء الأعضاء كانوا نادرًا ما يمارسون أي سلطة حقيقية. ثم حدث الاستثناء الهام في سنوات السبعينيات، حينما دفعت الأحزاب اليسارية — مدعومة بتوافق وطني — الحزب الليبرالي الديمقراطي لمعالجة مشكلة تدهور البيئة الناجم عن الصناعة. في هذا الصدد، كانت الأحزاب اليسارية تعمل كنوع من صمام الأمان في منظومة شبه مغلقة. وهذا النمط يتَّسق بطبيعة الحال مع وضع المؤسسات اليابانية قبل الحرب. وفي ظل هذه الحال أيضًا، كان القادة اليابانيون يُمنَعُون من إجراء تغييرات في السياسة أو من الاستجابة لتطور الأحداث نتيجة لتعنت البيروقراطية الحكومية المستقلة للغاية.

وبينما كانت أوروبا والولايات المتحدة تستمتعان بهذين العقدين من الازدهار القوي في الفترة من عام ١٩٥٣ إلى ١٩٧٣، كان السجل الياباني أكثر إثارة للإعجاب بسبب ما حقَّقه من معدل نمو سنوي بلغت نسبته ١٠٪، وهي نسبة كانت فريدة من نوعها في تاريخ الرأسمالية في ذلك الوقت، لكن الصين تمكنت من بلوغها في الوقت الحالي.12 بعد الحرب، استفادت شركات تويوتا ونيسان وهوندا من اتساع السوق المحلية، التي حمتها الحكومة من المنافستين الأوروبية والأمريكية. وتحت هذه المظلة بَنت تويوتا ونيسان مصانع جديدة في أوائل الستينيات. ورادت هاتان الشركتان ما يطلق عليه الإنتاج قليل الفاقد من خلال اعتماد نظام «الإنتاج الآني»، بمعنى إنتاج القطع المطلوبة في الوقت المناسب وبالكمية اللازمة. ولد هذا البرنامج الذي يستخدم ماكينة واحدة للقيام بعدة مهام لأنه كان ضروريًّا في زمن الحرب، شأنه شأن عدم القدرة على إنتاج احتياطي كبير من السلع؛ إذ لم يكن مديرو المصانع في بحبوحة بحيث يخصصون ماكينة واحدة لتصنيع الرفراف الأيسر للسيارة مثلًا. ولم يكن لديهم أيضًا المساحة الكافية لإقامة خط تجميع طويل. ومن ثَمَّ لم يكونوا يخزنون الأجزاء، وجمعوا سياراتهم في مساحات ضيقة.
بعد الحرب، حلل أشخاص من خارج المجال عمليات الإنتاج الآنية، وأعلنوا أنها ممتازة، وأطلقوا عليها اسم الإنتاج قليل الفاقد كي يقابلوا بينها وبين الإنتاج الأمريكي الضخم. كان الإنتاج قليل الفاقد ينطوي على ما هو أكثر من مجرد تخفيض مخزون القطع الداخلة في تركيب السيارة؛ فقد كان يؤكد على دقة التجميع عن طريق تجميع المكونات الخالية من العيوب بأيدي فرق من العمال المهَرة الذين لا يتجاوزون عن أي عيوب في أي من مراحل خط التجميع. وفي انعكاس لمفهوم «كل صغير جميل»، كان الإنتاج قليل الفاقد يجري في مساحة أقل، ويحتفظ باحتياطي قليل من القطع، ويقدر أهمية كل خطوة، وكل قطعة داخلة في تركيب السيارة. وكانت هذه القطع تجهز في الوقت المناسب تمامًا.13 ورأت شركات جنرال موتورز، وفورد، وكرايسلر حصصها من الأسواق تذوب كقطعة من الجليد في نزهة صيفية، لكنها رغم ذلك قاومت تقليد بعض التقنيات اليابانية الناجحة. وهنا تذكير آخر بأن الابتكار يجعل الرأسمالية تواصل التقدم، لكن النُّخَب الإدارية ضيقةَ الأفق قد ترفض التجاوب معه.
كانت اليابان قد ضمنت الحصول على تعويض مهم للغاية من الولايات المتحدة؛ ففي مقابل توفير اليابان قواعد للقوات والطائرات الأمريكية على أرضها بعد الحرب الكورية، وعدت حكومة الولايات المتحدة اليابانيين بتمكينهم من دخول السوق الأمريكية. ولم تُعِر ديترويت باعتبارها مركز صناعة السيارات في أمريكا اهتمامًا كبيرًا لمعاهدة الأمن المشترك التي أُبرمت بين الولايات المتحدة واليابان عام ١٩٦٠، رغم أنها ما لبثت أن شعرت بالمنافسة الشديدة حين تدفقت السيارات اليابانية؛14 إذ دخل صناع السيارات اليابانيون إلى السوق الأمريكية الضخمة بطرازاتهم الصغيرة السريعة والموفرة في استهلاك الوقود خلال حقبة تصاعد أسعار النفط في السبعينيات. وبدلًا من أن تشتري تويوتا ونيسان حصة في الشركات الأجنبية كي تحصُلَا على حصة من أسواقها، أقامتا وكلاء بيع لهما، وخاطرتا بالكثير من المال خلال قيامهما بذلك. وسرعان ما شرَعتا في بناء مواقع تصنيع لهما في الولايات المتحدة. كان نحو خمسين مليون سيارة جديدة تخرج من مصانع السيارات في العالم في كل سنة؛ مما جعل صناعة السيارات هي الأولى في العالم.15 وكان اليابانيون مسوِّقين أذكياء لسياراتهم، وهذا يساعدنا في معرفة كيف استطاعت تويوتا عام ٢٠٠٨ أن تتفوق على جنرال موتورز التي ظلت على مدى ٧٧ عامًا أكبر شركات السيارات في العالم.
يقوم هيكل الاقتصادات الأوروبية على الشركات، وتتحقق مصالح العمال والإدارة معًا من خلال المنظمات العامة والخاصة. بينما يمتاز هيكل اقتصاد الولايات المتحدة بأنه أكثر قدرة على المنافسة من الشركات، ويمكننا أن نصف الاقتصاد الياباني بأنه اقتصاد أبوي؛ إذ تبدو أبرز الشركات اليابانية مثل عائلة كبيرة، لها شركات مساهمة تعمل في مشاريع محددة في ظل التوجيه الكريم من جانب شركاتها القابضة. هذا الترتيب وفَّر حماية من عمليات الاستحواذ العدائية. لكن لا ينبغي الخلط بين الأبوية والتعسُّف؛ فخلافًا لطريقة صناعة القرار الأمريكية الهرمية، تنتشر الأفكار في الشركات اليابانية من القاع إلى القمة. ويتخذ مديرو الإدارة الوسطى والمديرون المحليون الكثير من التحركات التنفيذية، ويركز الجميع على الاستفادة من المهارات والمواهب من داخل المؤسسات، واضعين نصب أعينهم تحقيق النمو على المدى الطويل.16
لم تكُن الشركات اليابانية تشكل أطرافًا في اتحاد احتكاري لصناعة واحدة، بل كانت تنتمي إلى شركات قابضة، لكن المنافسة بين أجزاء هذه الشركات القابضة يمكن أن تكون شرسة. بينما في السنوات الأخيرة، صارت العلاقات العائلية — الحقيقية والمجازية على حد سواء — أقل تماسكًا، لكن ولاء المرء لجماعته ظل محتفظًا بأهمية لا توجد في الغرب. وكحال العائلات المستقرة مع أصدقائها، طورت الشركات اليابانية علاقات صداقة طويلة الأمد وحافظت عليها. حتى العلاقات مع العمال امتازت بالثقة المتبادَلة بعد عدة إضرابات طويلة وعنيفة؛ ففي مقابل طرد تويوتا لنسبة تصل إلى ٢٥٪ من قوة العمل لديها خلال الركود الذي حل في أواخر الأربعينيات، عقدت صفقة مع اتحادات عمالها، ووعدتهم بأن توفِّر لهم العمل مدى الحياة، وتدفع زيادات في الرواتب لمن لهم الأقدمية، وتجعل المكافآت مرتبطة بالأرباح.17 وقد أدت سياسات التوظيف لمدى الحياة بالنسبة للشركات التي لديها أكثر من ١٠٠ عامل إلى تحقق الاستقرار في علاقات العمل اليابانية، على الرغم من انتهاج الشركات الصرامة، وهو ما تسبب في مزيد من المعاناة للعمال في وقت لاحق.
استفادت اليابان من حدث آخر وقع في الولايات المتحدة؛ فقد أدى قرار التراضي الصادر من المحكمة العليا عام ١٩٥٨ في قضية منع الاحتكار ضد شركات آر سي إيه، وآي بي إم، وإيه تي آند تي، إلى إلزام هذه الشركات بمنح تراخيص براءات الاختراع مجانًا لمقدمي الطلبات المحليين، وببيعها للشركات الأجنبية. ففتنت هذه الفرصة المربحة آر سي إيه، التي تحركت بسرعة لتحقيق أقصى قدر من الأرباح قصيرة الأجل من وراء تراخيص براءات الاختراع، بينما تجاهلت عنصري البحث والتصميم اللذين كانا سببًا في مكانتها الرائدة في مجال التليفزيون والأجهزة اللاسلكية.18 كان السباق في مجال تصنيع التليفزيون الملون مثل سباقات الناسكار؛ إذ كانت شركة آر سي إيه هي الأولى، وتفوَّقت على شركات جنرال إلكتريك، ووستنجهاوس، وتليفونكن. ورغم بقائها في الصدارة لعدة جولات، فقد ارتكبت خطأً قاتلًا. فرأت شركة سوني — الجائعة والجديدة في هذا المجال — فرصة سانحة وهرعت لاحتلال الصدارة. ولأنَّ سوني استثمرت بكثافة في التصميم والصيانة، فقد حافظت على مكانتها في الصدارة. لقد كانت سياسة شركة آر سي إيه ببيع براءات اختراعاتها سببًا في سرعة انتقال تكنولوجيا التليفزيون الملون إلى كبرى شركات الإلكترونيات الاستهلاكية في اليابان.
وفي نهاية المطاف خرجت شركة آر سي إيه من السباق تمامًا، ساحبة معها جميع شركات الإلكترونيات الاستهلاكية في الولايات المتحدة. وانتقل السباق إلى الشركات اليابانية سوني وسانيو وماتسوشيتا، التي بدأت في شراء الشركات الأمريكية الخاسرة. عندئذٍ بدأت شركة سوني — التي كان عمرها ٢٦ سنة فحسب عام ١٩٧٢ — في بناء مصنعها الخاص لإنتاج التليفزيون الملون في ولاية كاليفورنيا، وصارت تنتج ٤٥٠ ألف جهاز سنويًّا، ثم حذت حذوها شركات توشيبا وميتسوبيشي وهيتاشي خلال الفترة المتبقية من العقد. ولما كان اليابانيون يُكِنون الامتنان العميق لديفيد سارنوف، الرئيس التنفيذي لشركة آر سي إيه، منحه الإمبراطور الياباني وسام الشمس المشرقة عندما زار طوكيو عام ١٩٦٠! (من الجدير بالذكر أن سارنوف، حينما كان عامل تلغراف شابًّا، هو من تلقى رسالة الاستغاثة من سفينة تايتانيك أثناء غرقها.) كان حجم الشركات اليابانية العملاقة ونطاق عملها يتيحان هذه التحركات العدوانية.19

حينما ظهر الترانزستور عام ١٩٤٧، أثار في الولايات المتحدة اهتمامًا عسكريًّا أكثر منه تجاريًّا، لكن الفيزيائيين والمهندسين الذين كانوا يعملون لدى شركة سوني ما لبثوا أن حوَّلوه إلى منتج تجاري يحظى بشعبية واسعة، هو راديو الترانزستور. تخصصت سوني في نمنمة الأجهزة. ولأنها تتمتع برأس مال ضخم، استثمرت في البحوث التي أسفرت عن اختراع مسجلات الشريط الصوتي، ومعدات الاستيريو، ومسجلات الفيديو كاسيت، وأقراص الفيديو الرقمية، وألعاب الفيديو، وكاميرات الفيديو. وفي عام ١٩٩٦ اشترت شركة إل جي الكورية الحصة الرئيسية من الأسهم في شركة زينيث، آخر الشركات الأمريكية المنتجة لأجهزة التليفزيون. وبدا الأمر كمرثية ملائمة لنعي شركات الإلكترونيات الاستهلاكية في أمريكا إلى أن أزاحت شركة أبل — بجهاز آي بود الذي أنتجته — شركة سوني من الصدارة في مجال الموسيقى الرقمية بعد عقد واحد من الزمان.

ظهور أجهزة الكمبيوتر الشخصية

حافظت الولايات المتحدة على صدارتها عن طريق نجم من نجوم السوق بزغ خلال فترة الثمانينيات تمثَّل في أجهزة الكمبيوتر الشخصية. قبل أن تظهر أجهزة الكمبيوتر الشخصية على الساحة وتسرق الأضواء، كانت معالجة البيانات باستخدام أجهزة الكمبيوتر قد شاعت عن طريق شركات التصنيع والبيع بالتجزئة، والمعاملات المالية. وهذا أوجد سوقًا لملحقات أجهزة الكمبيوتر، والبرمجيات، وشيء ما يطلق عليه الرقاقة، وهي عبارة عن بلورة صغيرة مصنوعة من مادة السليكون شبه الموصلة، وحينما توضع في دوائر متكاملة تستطيع أن تؤدي الكثير من المهام الإلكترونية. وبعض العناصر، مثل عنصر السليكون، تقع في منطقة وسط بين الموصلات والعازلات الكهربائية، ويطلق عليها اسم أشباه الموصلات.

ومع انخفاض أسعار مكونات الكمبيوتر، بدأ الهواة في جميع أنحاء البلاد يجمِّعون أجهزة كمبيوتر صغيرة لأنفسهم. وفي يناير عام ١٩٧٥، أظهر غلاف مجلة «الأجهزة الشعبية» جهدًا من جهود هؤلاء الهواة، فلفَت انتباه كلٍّ من بول آلن، الذي كان في الثانية والعشرين، وبيل جيتس، الذي كان في سن العشرين. فانضمَّا إلى قوائم هواة الكمبيوتر المبتدئين. في نفس الوقت تقريبًا، أنشأ ستيفن وزنياك وستيفن جوبز شركة أبل في مرأب لتصليح السيارات حينما كانا في العشرينيات من عمرهما أيضًا. أما مايكل ديل فحظي ببداية أفضل؛ إذ كان يقوم بتجميع أجهزة كمبيوتر الشخصية آي بي إم المتوافقة في جامعة تكساس داخل غرفة نومه بمبنى سكن الطلبة الملحق بالجامعة! ومن هذه الجهود المبكِّرة برزت ثلاثة أجهزة كمبيوتر شخصية تجارية: أبل، وكومودور، وأتاري.

رصدت آي بي إم ظهور هذه الشركات الناشئة؛ ومن ثَمَّ خصصت فرقة عمل للنظر في مستقبل الحواسيب الصغيرة. فقد كان من الممكن صنع أجهزة الكمبيوتر الشخصية الصغيرة بفضل التطور الكبير الذي توفِّره رقائق السليكون. فرغم كونها في حجم طابع البريد، فإنها تستطيع حمل الملايين من الإلكترونيات الدقيقة الحجم. وقد أصدر فريق عمل آي بي إم تقريره عام ١٩٨٠ الذي يذكر أن الشركة يمكنها أن تدخل هذا الميدان بسرعة إذا أنشأت وحدة مستقلة لهذا الغرض داخل الشركة، وصممت جهازًا مفتوحًا يعمل باعتباره نظامًا أكثر منه جهازًا. والأهم من ذلك أن التقرير أوصى الشركة بشراء الأجزاء المكوِّنة لحواسيبها من تلك المتاحة في السوق، بدلًا من أن تخترع أجزاء خاصة بها وتمنحها براءات اختراع.20 وأعطت الإدارة الضوء الأخضر لبدء هذا المشروع. واختارت شركة آي بي إم رقائق إنتل الدقيقة. وطلبت من شركة مايكروسوفت أن تصمِّم لها لغة لحواسيبها، ثم طلبت منها بعد ذلك أن تصمم لها نظام تشغيل.
ضمنت هذه القرارات الشهرة والثروة لروبرت نويس وجوردون مور مؤسسي شركة إنتل، وجيتس وبول آلن مؤسسي شركة ميكروسوفت. كان نويس — الذي دخل مجال أجهزة الكمبيوتر بعد أن انفصل عن فريق مخترع الترانزستور ويليام شوكلي — قد صمم دائرة متكاملة يمكن دمجها مع الترانزستورات الصغيرة على رقاقة سليكون واحدة. استقر جيتس وآلن أخيرًا بالقرب من سياتل، حيث أنتجَا مجموعة كبيرة من لغات الكمبيوتر، بالإضافة إلى قرص يحتوي على نظام التشغيل إم إس دوس. كان نظام آي بي إم التسويقي القوي يصب في مصلحة هذين الموردين الرئيسيين. وعندما وافقت آي بي إم أيضًا على السماح لشركة مايكروسوفت بمنح ترخيص نظامها للشركات الأخرى، حصلت إنتل ومايكروسوفت على أكثر الامتيازات ربحًا في التاريخ الصناعي على الإطلاق. وكان بيل جيتس في طريقه لأن يصبح أغنى رجل في العالم؛ لأنه وشريكه آلن — خلافًا لشركة إنتل التي اعتمدت على رأس المال الاستثماري — كانا يقترضان من أجل تمويل بداياتهما ويعيدان استثمار الأرباح في مشاريعهما.21 لكن المنافسة المبكِّرة بين أجهزة الكمبيوتر الشخصية أنتجت مجموعة متنوعة من الأنظمة غير المتوافِقة. وكان الناس يريدون التوافق حتى يتمكنوا من تبادل الملفات؛ فاستغل جيتس هذه السوق السانحة باستخدام نظامه إم إس دوس المتوافق مع نظام آي بي إم والذي كان يعمل بمكونات الأجهزة العامة نفسها التي استخدمتها آي بي إم. أما أبل — بنظامها المغلق — فقد جعلت من نفسها لاعبًا هامشيًّا.
نفذت آي بي إم خطتها بسرعة. وفي غضون سنتين صارت تنتج جهاز كمبيوتر كل ٤٥ ثانية، ورغم ذلك لا تستطيع مواكبة الطلب. وتدفقت أجهزة الكمبيوتر إلى بيوت الناس. ونقل الكُتَّاب والمعلمون آلات آي بي إم الكاتبة إلى المرأب أو تبرعوا بها للجمعيات الخيرية بعد أن بدءوا رحلة من الدهشة والإحباط مع أجهزة الكمبيوتر الشخصية المكتبية الجديدة. وأذهل رواج أجهزة الكمبيوتر الجميع، شأنه شأن مبيعات التليفزيون في الخمسينيات. لماذا كان آلاف الناس — الذين ليسوا بحاجة حقًّا لامتلاك جهاز كمبيوتر، وبعيدين كل البعد عن الإلمام بأساليبه الغريبة — يبددون ٣٥٠٠ دولار للحصول على إصدار أوَّلي غير متقن من الحواسيب الشخصية التي كانت تنتج في هذه الفترة؟ سرعان ما اكتشفت الشركات أيضًا أنها تستطيع أن تستخدم أجهزة الكمبيوتر في كل وحدة من وحدات عملها وتنشئ شبكة فيما بين هذه الوحدات. وبحلول منتصف التسعينيات، صارت النفقات على أجهزة الكمبيوتر الشخصية تمثل ٨٠٪ من كل دولار ينفق على تكنولوجيا المعلومات.22 وتحول لفظ «ربط» من مصطلح مستخدم في الخياطة إلى مصطلح يستخدم في توصيل الكمبيوتر بجهاز إلكتروني، كرقائق الذاكرة، أو جهاز طرفي كالطابعة. وظهر غلاف مجلة تايم واصفًا أجهزة الكمبيوتر الشخصية بأنها «أجهزة العام»، وتحول الضاربون على الآلة الكاتبة إلى معالجي نصوص.
أدَّى نجاح آي بي إم إلى إنهاء وجود شركات الكمبيوتر البريطانية والفرنسية والإيطالية والألمانية التي نشأت لتنافس الاحتكار الأمريكي شبه الكامل في هذا المجال. وفي عام ١٩٩٧، كان أكثر من ثلث المنازل الأمريكية يحوي كلٌّ منها جهاز كمبيوتر واحد على الأقل، وكانت المبيعات تزداد عامًا بعد آخر.23 وفي نفس ذلك العام، كانت آي بي إم تشحن أكثر من ثلاثة ملايين جهاز كمبيوتر صغير للمؤسسات التجارية. وقد أدت إمكانية تجميع نسخ من الكمبيوتر الشخصي إلى ظهور عشرات من الشركات المبتدئة التي استفادت من عدم وجود براءة اختراع لأجهزة الكمبيوتر الشخصية. وخلقت شعبية أجهزة الكمبيوتر المكتبية سوقًا، وبرامج مصممة للاستخدام في تطبيقات محددة. وظلت صناعة الكمبيوتر تنافسية وأكثر تقلبًا وشراسة من أي شيء واجهته آي بي إم من قبل. وبحلول نهاية التسعينيات، كان هناك تسابق محتدم للغاية بين أبل وآي بي إم وديل وكومباك على نيل زبائن الكمبيوتر. وفي عام ١٩٩٩، انخفضت حصة شركة آي بي إم من السوق من ٥٠ إلى ٢٢٫٣٪.24
لم تكن صناعة السيارات هي الصناعة الرئيسة الوحيدة التي هيمن عليها اليابانيون؛ فقد دخلوا مجالات أجهزة الكمبيوتر والإلكترونيات الاستهلاكية كالتليفزيون والفيديو وأقراص الفيديو الرقمية بسرعة مفزعة. واتخذوا خطوة حاسمة في السبعينيات، حينما فشلت الشركات البريطانية والفرنسية والإيطالية والألمانية في مواكبة ما أنتجته شركة آي بي إم من أجهزة كمبيوتر مركزية ومكونات متوافقة، وهو مصطلح قبيح لوصف مكونات معينة مثل الطابعات أو بطاقات المودم التي يمكن توصيلها بجهاز الكمبيوتر. فقد قررت الشركات اليابانية أن تواصل صنع أجهزة الكمبيوتر المركزية لسوقها المحلية. ثم حدث تطوران لا يمكن التنبؤ بهما وكانا بمثابة مكافأة على هذا القرار؛ إذ انتقلت آي بي إم إلى صنع أجهزة الكمبيوتر الشخصي، وخلقت شبكة الإنترنت طلبًا جديدًا على النظم الكبيرة. وبالإضافة إلى ذلك، بدأت الشركات الكبيرة تؤسس نظم شبكات خاصة بها؛ ممَّا أسفر عن طلب إضافي على أجهزة الكمبيوتر المركزية التي هُجرت في خضم موجة الطلب على أجهزة الكمبيوتر الشخصي خلال التسعينيات. واستعادت اليابان سوقها الأوروبية للأنظمة الكبيرة وظلت تساير التطورات الإلكترونية، بينما لجأ الأوروبيون إلى برامجهم الممتازة.25

تطور تكنولوجي آخر لأجهزة الكمبيوتر

سرعان ما أصبح مستخدمو الكمبيوتر الشخصي على اتصال بعضهم ببعض، ثم على اتصال بقدر عظيم من المعرفة والمعلومات والبيانات ونظام للرسائل الشخصية. فقد أوحت الشبكات — التي كانت تربط بين الناس باستخدام نفس الكمبيوتر المركزي داخل أي شركة أو منظمة — للعديد من الباحثين بفكرة إنشاء تكنولوجيا مماثلة لربط أجهزة الكمبيوتر الشخصي من خلال خطوط الهاتف أو الكابل. وتعود الأصول الفعلية لشبكة الإنترنت لوزارة الدفاع الأمريكية، التي ربطت عام ١٩٦٩ بين أجهزة كمبيوتر صغيرة في المختبرات الحكومية والجامعية. ومن هذه الشبكة، التي كان يطلق عليها اسم «آربانِت» نشأت شبكات أخرى كانت موجودة في الجامعات في بادئ الأمر. ثم خسرت «آربانِت» تدريجيًّا هيبتها العسكرية، وأصبحت أشبه بالشبكات الأكاديمية العادية. وهكذا أصبح النظام الذي بدأ في ظل رعاية الحكومة أعظم قصص النجاح التجاري في القرن الحادي والعشرين.

بدأ تشغيل شبكة اتصالات «تل نت» عام ١٩٦٩ ثم اكتسبت الطابع التجاري عام ١٩٧٥؛ فقد نمت الرغبة في التواصل مع أجهزة الكمبيوتر الأخرى بشكل كبير بعدما بدأ الناس اقتناء أجهزة الكمبيوتر. وأسفر تعديل تكنولوجي طفيف آخر عن إتمام منظومة الإنترنت.26 في هذه الأثناء في أواخر الثمانينيات، قدَّم تيم بيرنرز لي وروبرت كايو، اللذان كانا يعملان لدى المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن) في جنيف، نظامًا يتجاوز مجرد ربط أجهزة الكمبيوتر ويتخذ الترتيبات اللازمة لنقل المعلومات عبر شبكة الإنترنت باستخدام النص التشعُّبي. وتمكنت شبكتهما العالمية بالفعل من الانتشار في جميع أنحاء العالم واكتشف مستخدمو الكمبيوتر عجائب الشبكة العنكبوتية. وسرعان ما لاحت الفرص التجارية. وما لبثت مئات الصحف في العديد من البلدان أن صارت متاحة على الشبكة العنكبوتية. وشجعت البنوك وشركات الطيران عملاءها على القيام بمعاملاتهم من خلال مواقعها على الإنترنت. ثم صار العثور على هذا الكم الهائل من المواد التثقيفية والإعلامية يشكِّل مشكلة؛ فطورت جامعة إلينوي أول متصفح ويب بياني عام ١٩٩٣. ثم أصبح لفظ «موزاييك» مألوفًا أكثر لدى الجمهور مع ظهور نظام تصفح موزاييك نتسكيب. ثم بدأ متصفح مايكروسوفت «إنترنت إكسبلورر» يستولي على حصة نتسكيب في السوق، تلاه متصفح موزيلا فايرفوكس، في سباق لا نهاية له بين الخدمات المتطورة.
مثلما حدث في حالة جهاز الكمبيوتر الشخصي، كانت الشعبية التي حققها برنامج تصفح الويب غير متوقعة، على الرغم من أننا الآن حين نرى ما يقدمه الإنترنت من تعليم وموسوعات وأفلام وموسيقى، يصعب أن نتخيل العالم من دون وجود شبكة الاتصالات ومساعدها الذي لا غنى عنه؛ برنامج التصفح. وفي ظل بحث الرأسمالية الدائب عن طرق جديدة لتحقيق الربح، أصبح الإنترنت وسيلة للتسوق؛ فقد اجتذبت حرية الوصول إلى شبكة الإنترنت المشاهدين، الذين شكلوا بدورهم الأساس لصناعة مزدهرة في مجال الإعلان. كانت الرسومات المتحركة تفتن المتصفح بينما تدفق المعلومات الفوري يرضي فضوله. وفي عام ٢٠٠٥، بدأت شركات ناشئة تجمع المقرضين والمقترضين معًا من خلال شبكة الإنترنت لتقديم قروض من دون الوسطاء الذين نطلق عليهم اسم: البنوك. واليوم يبلغ عدد مستخدمي الإنترنت ما يقرب من مليار مستخدم، وهذا يتجاوز عدد مستخدمي الهواتف المحمولة البالغ ٦٠٠ مليون مستخدم.27 لكن للأسف، هذه المرونة التي تسعد المستهلكين تفتح أيضًا آفاقًا للاحتيال. وقد واجهت صناعتا الموسيقى والنشر مشاكل خطيرة تتعلق بحماية منتجاتهما من أنشطة التشارك غير الشرعي عبر شبكة الإنترنت.

أسس جيف بيزوس شركة أمازون دوت كوم في مرأب منزله بمدينة بلفيو في ولاية واشنطن عام ١٩٩٤. كان بيزوس رائدًا في مجال تجارة التجزئة عبر الإنترنت، وهو الذي تسبَّب في شيوع مقطع «دوت كوم» كجزء من اسم الشركة. وسرعان ما أصبح جميع المتاجر ومقدمي الخدمات يطلبون من العملاء استخدام مواقعهم على الإنترنت. نمت شركة أمازون بسرعة انطلاقًا من مخزونها الأولي الذي بدأت به من الكتب. صحيح أنها مرَّت بأوقات عصيبة، لكنها تعافت بعد ذلك من خلال فتح موقعها أمام تجار التجزئة الآخرين. واليوم حلَّت شبكة الإنترنت إلى حد كبير محل دليل «الصفحات الصفراء» لأرقام الهاتف حينما يتطلب الأمر الحصول على معلومات عن كل شيء بدءًا من تجهيزات الإضاءة البسيطة إلى الأنشوجة الإسبانية. ومع ظهور كل هذه المستجدات في مجال تجارة التجزئة، انخفضت تكلفة خدمة العملاء انخفاضًا حادًّا؛ ممَّا ساهم في الازدهار الأمريكي خلال العقد الأخير من القرن العشرين، عندما كانت معظم الاقتصادات الأخرى تتباطأ. كانت المنافسة في هذه المشاريع تعمل كمهماز يدفع نحو أداء أفضل، وقد جعل العدد المهول من زبائن الإنترنت النجاح أكثر قوة، صانعًا فائزين عظماء، ومؤديًا بالمثل للكثير من الإخفاقات.

وسط هذه التطورات تسلل شيء يُدعى البريد الإلكتروني. كان قد بدأ في شكل رسائل ترسل إلى الذين يستخدمون نظام الكمبيوتر نفسه، ثم أصبح متاحًا لعدد أكبر من الناس من خلال شبكة الإنترنت. ثم ارتفعت شعبية البريد الإلكتروني ارتفاعًا هائلًا في الثمانينيات، واليوم يستخدم أكثر من ٦٠٠ مليون شخص البريد الإلكتروني، الذي يصبح بذلك المرفق الأكثر استخدامًا على شبكة الإنترنت. لم يقضِ البريد الإلكتروني على وجود الهواتف وأجهزة الفاكس والخدمات البريدية، لكنه انتقص من مناطق نفوذها. وقد اكتسبت الخدمة البريدية التقليدية في الولايات المتحدة اسمًا رمزيًّا جديدًا هو «البريد البطيء».

بحلول عام ١٩٩٦ ظهرت مشكلة جديدة من مشكلات الإنترنت، هي: كيف تصل بسهولة إلى الكم الهائل من المعلومات الذي يطوف بحرِّية على الشبكة العنكبوتية؟ ومرة أخرى قدم إجابة هذا التساؤل رجلان كانَا في العشرينيات من عمرهما ومتخرجين من جامعة ستانفورد، هما لاري بايج والروسي المولد سيرجي برين، من خلال طرحهما «محرك البحث» الجديد الذي أطلقا عليه اسم: جوجل. أصبح جوجل نجاحًا استثنائيًّا آخر، حتى إنه تحول في اللغة الإنجليزية إلى صيغة الفعل بمعنى يبحث على الإنترنت. وحين فاز جوجل في مباراته طويلة الأمد مع «ياهوو» — محرك بحث معروف آخر — شهد ارتفاعًا هائلًا في قيمته السوقية بمقدار حوالي مائتي مليار دولار عام ٢٠٠٥. وبفضل الارتجال المتواصل جرَّاء البحوث المستمرة، طور جوجل خدمة بريد إلكتروني ذات إمكانات لإجراء دردشة بالفيديو. ثم اشترى أيضًا موقع نشر مقاطع الفيديو الشهير «يوتيوب»، الذي يستطيع الناس فيه تبادل مقاطع الأخبار والترفيه وطرائف الهواة. والآن بعد أن بات جوجل أكبر بائع إعلانات في العالم، لا يزال مستمرًّا في تطوير خصائصه المتكاثرة على نحو يبدو ظاهريًّا أنه يتسم بالسلاسة.28
كان جوردون مور — أحد مؤسسي شركة إنتل — قد أعلن بدقة مثيرة للإعجاب أن عدد الترانزستورات التي يمكن وضعها على الدائرة المتكاملة سيتضاعف كل عامين، ممَّا سيؤدي إلى زيادة قدرات أجهزة الكمبيوتر والهواتف زيادة كبيرة. وقد أصبحت الهواتف الخلوية هواتف ذكية، وانضغطت وظائف أجهزة الكمبيوتر في أجهزة بالم بايلوت وآي بود. ورغم أن أحدًا لم يتوقع ذلك، فقد وقع أمر آخر يثير الدهشة وهو أن أسعار أجهزة الكمبيوتر كانت تنخفض سنويًّا بنسبة ٢٠٪.29 لكن لا شيء آخر يضارع ما حدث في تاريخ أسعار الهواتف المحمولة؛ ففي عام ١٩٨٧ كان هاتف موتورولا الخلوي من الكماليات التي يصل ثمنها إلى ٣٩٩٦ دولارًا، واليوم أصبحت الهواتف الخلوية تمنح مجانًا مع عقد مدته عامين مع أي شركة من شركات الاتصالات.

بينما أسس جيتس وآلن شركة مايكروسوفت بالقرب من سياتل، عاد ويليام شوكلي — الذي فاز بجائزة نوبل مقابل عمله على اختراع الترانزستور — إلى وطنه في مدينة بالو ألتو عندما قرر أن يؤسس شركته الخاصة «شوكلي لأشباه الموصلات». وحذا آخرون حذوه، لكنهم تجمعوا خارج بالو ألتو فيما أصبح يعرف لاحقًا باسم وادي السليكون. وتبين أن الانتقال من ولاية ماساتشوستس إلى كاليفورنيا موت بالنسبة للشركات المبتدئة لأن قانون ماساتشوستس يدعم الشركات القائمة هناك بمواد قانونية قوية تحظر «المنافسة». كانت هذه القوانين تحد من فرص إقامة الموظفين السابقين مشاريع تجارية خاصة بهم، مستغلين الأفكار التي استمدوها من خبرتهم من وظائفهم السابقة. لكن هذه الترتيبات المؤسسية — التي لا تكاد تكون ملحوظة — لها أهمية كبيرة في تشجيع الابتكار.

في العالم الرأسمالي المعاصر البراق لوول ستريت، كان المليونيرات الصاعدون الآتون من كاليفورنيا يبعثون على الدهشة؛ فهم شباب، ومن العامة، ويؤمنون بالمساواة، وأذكياء من دون شك. كان مهندسو مجالي البرمجيات والأجهزة بعيدين كل البعد عن البرود الذي يتَّسم به قاطنو شمال مانهاتن — حيث يتمركز نشاط الأعمال التجارية — وقد تقبَّلوا أن يطلق عليهم اسم «مهووسو التكنولوجيا». وقد مكنت النجاحات الأولى عشرات من الرجال (وبعض النساء) ممن لديهم مخططات مبتكرة من الحصول على دعم من أصحاب رءوس الأموال الاستثمارية. وظلت إصدارات وادي السليكون من تطبيقات «الدوت كوم» تزدهر إلى أن واجهت أزمتها المحتومة؛ فقد اجتذبت سوق الأوراق المالية في بورصة ناسداك آلاف المشترين الجدد. وبوجود المستثمرين — الكبار والصغار — الذين كانوا يهرعون للدخول في مجال تكنولوجيا المعلومات، شهد الطرح الأوَّلي العام ذروة بيع تفوق المعروض؛ فتسببت سخونة المضاربة في انفجار الفقاعة السعرية لإصدارات شركات الدوت كوم في أواخر التسعينيات، لكن شراهة مهندسي وادي السليكون لابتكار تطبيقات جديدة لم تهدأ. فبعد عقد حافل بأزمات الإفلاس، قام وادي السليكون بعملية إعادة تشغيل، مثلما يقولون في عالم الكمبيوتر، واجتذب ١٠ مليارات دولار من رأس المال الاستثماري عام ٢٠٠٧، بينما اجتذبت أوروبا كلها في ذلك العام ٧٫٢ مليار دولار.30 وفي ذلك العام أيضًا رفع المخترعون الأمريكيون دعوى للمطالبة بثمانين ألف براءة اختراع، وهو إجمالي يفوق براءات الاختراع في بقية دول العالم مجتمعة.
استغلَّت تكنولوجيا المعلومات الانفتاح الأمريكي على التجديد؛ فقد وضع المستهلكون الأساس للنمو الهائل لشركات تكنولوجيا المعلومات من خلال تجاوبهم السريع مع فرصة اقتناء أجهزة كمبيوتر شخصية. وحينما أسرعت آي بي إم وتيرة نشاطها لتواكب الطلب على المنتج الجديد، جلبت الموارد، والقاعدة التعليمية، وخبرة التسويق اللازمة لدعم هذه الصناعة الناشئة. وحينما صارت إنتل ومايكروسوفت — الشركتان الموردتان الرئيسيتان لشركة آي بي إم — من الشركات التي يصل رأسمالها إلى مليار دولار، ضخَّتا الكثير من أرباحهما لدعم التكنولوجيا. وفي الوقت نفسه، أدت صرعة اقتناء أجهزة الكمبيوتر الشخصية إلى تقويض هيمنة شركة آي بي إم؛ ففي غياب شرط حصول المكونات على براءة اختراع، أصبح من السهل على الوافدين الجدد أن يدخلوا هذا المجال. وعملت بساطة أجهزة الكمبيوتر الشخصية على تحرير مالكيها من الاعتماد على خدمة آي بي إم الأسطورية. وأسفر النجاح الأمريكي في التعامل مع أجهزة الكمبيوتر والملحقات والويب والإنترنت والبريد الإلكتروني، عن تعزيز الرأسمالية الأمريكية على المستويين المادي والنفسي. لكن البقاء على القمة ليس سهلًا على الإطلاق في سوق تعج بالمنافسين الشرسين؛ فبعد أن سيطرت أمريكا على السوق التكنولوجية، بدأ ما تستورده من المنتجات عالية التقنية يتجاوز ما تصدره عام ٢٠٠٢. وتجاوز العجز التجاري عام ٢٠٠٨ خمسين مليار دولار.31 لعل حِدة القلق إزاء هذا الأمر يمكن أن تخف إذا علمنا أن شركة أبل حينما تستورد أجهزة الآي بود من الصين، فإنها تضيف عنصر القيمة للمنتج الذي يصنعه الصينيون.
على عكس شركات الكمبيوتر الأوروبية، كانت الشركات اليابانية العملاقة: فوجيتسو وإن إي سي وتوشيبا وهيتاشي، قادرة على الصمود في وجه عاصفة النجاح الأمريكية بسبب حجمها وخبرتها في المعدات الإلكترونية والاتصالات. وبفضل دعم الحكومة أصبحت فوجيتسو وإن إي سي وهيتاشي كبريات الشركات المنتجة لأشباه الموصلات في العالم.32 وقد أدى تجدُّد الطلب على أنظمة الكمبيوتر الكبيرة في أوروبا — بالتزامن مع ظهور الربط الشبكي — إلى تمكين اليابان من منافسة شركة آي بي إم في تلك السوق. وحينما فتحت شركة آي بي إم الباب على مصراعيه أمام استنساخ مكوناتها التي لا تملك ملكيتها الفكرية، دخلت الشركات اليابانية سوق أجهزة الكمبيوتر على نطاق واسع في أواخر الثمانينيات. وبحلول عام ١٩٩٦، كانت شركات آي بي إم وديل وكومباك هي الشركات الوحيدة التي تفوقت على شركات فوجيتسو وتوشيبا وإن إي سي في بيع أجهزة الكمبيوتر في جميع أنحاء العالم. وأحدث تعدُّد استخدامات أجهزة الكمبيوتر تأثيرًا كاسحًا؛ فقد ازدادت التطبيقات والملحقات والتحسينات زيادة كبيرة. ودخلت شركة سوني سوق الكمبيوتر بالأقراص المدمجة، ممَّا حول أجهزة الكمبيوتر من معدات معالجة بيانات إلى أجهزة وسائط متعددة. ويمكن أن يُعزى جزء كبير من تطور التكنولوجيا اليابانية وأناقتها في مجال الإلكترونيات الاستهلاكية وأجهزة الكمبيوتر إلى انتشار الأفكار، الذي تأتَّى نتيجة لتقارب الشركات اليابانية العملاقة المتمركزة في طوكيو وأوساكا.33
ومع ذلك، لا يبدو أن المتنافسين القدامى يستسلمون؛ فقد حمل صناع أشباه الموصلات وأجهزة الكمبيوتر الأمريكيون روحهم التنافسية إلى السوق اليابانية نفسها؛ إذ قامت شركتا آي بي إم ومايكروسوفت بتوجيه ضربة قوية للسوق المحلية هناك بفضل تمكنهما من حل مشكلتين تتعلقان بعدم التوافق بين الأجهزة؛ أولاهما: مشكلة اختلاف الحروف الأبجدية الغربية عن النظام الياباني الذي يعتمد على الرسوم الرمزية أو «الكانجي»، والثانية: تتعلق بتنوع أجهزة الكمبيوتر اليابانية والأجهزة الملحقة بها التي لا يمكن تركيبها على غيرها من الأجهزة. وبفعل يشبه السحر، حققت نسخة ويندوز الجديدة باللغة اليابانية نجاحًا هائلًا؛ إذ أمكن تشغيلها على أيٍّ من أجهزة الكمبيوتر المتطورة في اليابان، وكذلك على جميع أجهزة الكمبيوتر الشخصية.34 وبذلك عادت كرة الابتكارات التكنولوجية في مجال أجهزة الكمبيوتر مرة أخرى إلى ملعب الولايات المتحدة.

الأربعة نمور الآسيوية الصغيرة

منحت السوق العالمية الخاصة بكل ما هو مرتبط بمعالجات البيانات الدقيقة دفعة قوية لأربع دول آسيوية هي النمور الصغيرة الأربعة: سنغافورة وتايوان وكوريا الجنوبية وهونج كونج. وقد دحض مسار نجاحهم الاعتقاد السائد بأن الدول التي تقع خارج دائرة عمالقة الاقتصاد لن تكون قادرة على الانطلاق في مسار النمو المستدام؛ ففي ضوء بريق الازدهار المطَّرد الذي حدث في الستينيات، حينما انبعثت اقتصادات أوروبا الغربية كالعنقاء من رماد الحرب، نظر المحللون إلى التحديث بوصفه مرحلة نهائية يمكن أن تبلغها جميع البلدان إذا ما مُنحت ما يكفي من رأس مال الاستثمار. إلا أن هذا كان توقعًا متفائلًا للغاية، وهو أول توقع يرى أن الرخاء سيكون من نصيب جميع البلدان في المستقبل.35 وحينما لم تزدهر بلدان في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا نتيجة ضخ رءوس الأموال والخبرة الغربية، استحقَّت نظرية التحديث أن تتوارى في غياهب النسيان.

وفي ظل ما أحدثته الحرب الباردة من انقسام بين دول العالم إلى دول رأسمالية وشيوعية، ودول عدم انحياز، قدم ديموغرافي فرنسي فكرة تقسيم دول العالم إلى عالم أول وثانٍ وثالث كي يتميز العالم الأول في الغرب عن الثاني الذي يقع ضمن دائرة النفوذ السوفييتي عن بقية دول العالم، وعن دول عدم الانحياز. ولم تحقق صفتَا العالمين الأوليين رواجًا حقيقيًّا، لكن صفة «العالم الثالث» لبَّت حاجة معجمية حقيقية؛ إذ استخدم الخطاب العام المتَّسِم باللباقة وصف «دول العالم الثالث» بدلًا من «الدول المتخلفة». في بادئ الأمر، كان مصطلح «العالم الثالث» لا يعبر عن الدول الفقيرة إلى حدِّ التخلف؛ فبعد انتهاء الاعتماد على الدول المستعمرة، بات من الممكن حث بلدان من خارج نطاق الغرب على أن تقوم بتحديث نفسها بنفسها، وهو رأي كان يفترض أن التنمية على بعد خطوات قليلة فحسب.

في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، اقترح مستشارون غربيون على دول العالم الثالث — لا سيما في أمريكا اللاتينية — أنها تستطيع أن تراكم رأس المال اللازم للتنمية على نحو أفضل إذا تخصصت في تصدير ما تملكه من مواد خام — لحوم البقر أو السكر أو فول الصويا — واستوردت السلع المصنعة من الغرب؛ لأن قواعد التبادل التجاري سوف تتحول لتصبح في مصلحتهم. وهذا لم يحدث قَطُّ؛ لأن الطلب على السلع المصنَّعة دفع الأسعار للارتفاع أكثر ممَّا فعل الطلب على المواد الخام. ومن ثَمَّ ازدهرت الدول الصناعية من الأساس بينما ساء حال الدول غير الصناعية. وفي محاولة لمعالجة مسألة: لماذا لم تجر بعض بلدان معينة التحديث، أو لم تتمكن من ذلك، وضع راءول بريبش، وإيمانويل فالرشتاين، وأندرو جوندر فرانك، نظرية التبعية، التي تذهب إلى أن تخلف العالم الثالث انبثق من القرارات المتَّخَذة في العالم الأول. لم يكن التخلف مرحلة، بل حالة دائمة ونتيجة متعمدة مترتبة على السياسات التي انتهجتها الدول المتقدمة اقتصاديًّا. واتضح أن التحديث ليس حتميًّا على الإطلاق، بل هو وهم. فحتى عندما كانت القوى الصناعية المتقدمة تشجع بلدان العالم الثالث على إيجاد مكانة لائقة لها في الاقتصاد العالمي؛ فقد كانت تحكم عليها بالتهميش الدائم، أو حالة من التبعية لا يمكنها أن تفلت منها أبدًا إلا إذا انسحبت من اللعبة التي لم تكن أوراقها في مصلحتها.36
أوصى واضعو نظرية التبعية بأن تُجري الدول الهامشية تغييرًا كاملًا ومفاجئًا؛ فينبغي لها أن تزيد تكلفة موادها الخام على المشترين الأجانب وتبدأ في إنتاج السلع المصنعة التي كانت تستوردها. وبرنامج إحلال الواردات هذا سيحبط استغلال الغرب ويوفر الأموال الثمينة التي تنفق في عملية التبادل. أيضًا ألمح المنظِّرون بقوة إلى أنه كان من المستحيل على أي بلد متخلف أن يتمكن من توليد رأس المال الكافي للانطلاق في التنمية الاقتصادية. وفي ملاحظة تآمرية أخرى، أرجع بعض خبراء أمريكا اللاتينية مشاكل المنطقة إلى استغلال الولايات المتحدة، الذي يعمل من خلال وكالة الاستخبارات المركزية والشركات المتعددة الجنسيات.37 وقد ظهر دليل آخر على الضغينة الأمريكية المتراكمة عندما أدت سياسات ميلتون فريدمان النقدية لنتائج عكسية عند تطبيقها في الأرجنتين عام ٢٠٠٠. وأصبح صندوق النقد الدولي مشاركًا في هذا بعد تشجيعه الدول على الاقتراض بشكل كبير. كانت فكرة إمكانية دخول البلدان الهامشية السوق العالمية بشروط ميسرة تكاد تكون غير مجدية، إلى أن أظهرت دول في شرق آسيا كيف يمكن تنفيذها.
لقد أثبتت هونج كونج وسنغافورة وتايوان وكوريا الجنوبية خطأ نظرية التبعية؛ إذ تمكنت اقتصاداتها من أن تنطلق وحدها في نمو ذاتي الاستدامة، وأنجزت في ٣٠ عامًا فقط ما استغرقت اليابان ١٠٠ عامًا كي تنجزه. بدأت التنمية الناجحة في تايوان وكوريا الجنوبية باستصلاح الأراضي، وهي الخطوة التي لاقت دعمًا قويًّا من الولايات المتحدة، التي مارست تأثيرًا قويًّا على قادة كوريا وتايوان من خلال برامج مساعداتها. كان لنقل ملكية الأراضي من أيدي النخبة المرفَّهة إلى المزارعين العاملين وحده نتائج بعيدة الأثر ودائمة. فارتفع إنتاج المحاصيل؛ ممَّا خفض أسعار المواد الغذائية ومنح الجميع المزيد من القوة الشرائية. وأُنفِقت عائدات الضرائب التي كان يدفعها ملاك الأراضي الجدد في شراء الأسمدة والمعدات وبرامج تعليم المزارعين، في عملية تصاعدية من الخطوات التي يعزز بعضها بعضًا.38 وكما حدث في إنجلترا في القرن السابع عشر، استتبع تحسين الزراعة تقليل العاملين؛ ممَّا حرر الرجال والنساء للعمل في مهن أخرى كالتصنيع. وقد أدى توزيع الثروة على نحو أكثر عدالة بفضل الإصلاح الزراعي إلى تقليل فرص ظهور الأفكار الثورية في المناطق الريفية، وفي الوقت نفسه قوَّض المعارضة لإصلاحات التحديث، التي عادة ما كانت النُّخَب التي تمتلك الأراضي تحشدها. وعلى نحو أقل وضوحًا، عززت المساواة النسبية في الدخول في سنغافورة وتايوان وكوريا الجنوبية وهونج كونج الدعم الآتي من الطبقة العاملة الموسرة. ولا يمكن للمرء إلا أن يتساءل عما كان لِيحدث لاقتصادات الأرجنتين والمكسيك لو أن كلًّا منهما أجرت إصلاحات أراضٍ مماثلة.

الأهم أن الحرب الكورية في الفترة من عام ١٩٥٠ إلى ١٩٥٣ وفَّرت متنفسًا سخيًّا للعالم التجاري لمنطقة المحيط الهادي؛ فمؤسس شركة هيونداي شونج جو يونج على سبيل المثال وجد في القوات الأمريكية المسلَّحة زبائن جيدين لنشاطيه التجاريين في مجالي البناء وإصلاح السيارات. كان شونج قد وُلد في عائلة من الفلاحين الفقراء في كوريا الشمالية، وأظهر شخصيتَه المقدامة وبراعته في العمل التجاري خلال فترة الاحتلال الياباني. وفي السنوات التي تلت ذلك، صنَّعت شركة هيونداي سيارات من مكونات يابانية وانتقلت إلى البناء، فشيدت طرقًا سريعة وموانئ ومحطات طاقة نووية وأحواض بناء سفن.

في البداية، كانت الولايات المتحدة تدعم الديمقراطية في هذه البلدان كما تدعمها في اليابان، لكن غزو كوريا الجنوبية دفع صانعي السياسة الأمريكيين لاتِّخاذ منعطف حادٍّ نحو الاتجاه المغاير؛ فتسامحوا مع الأنظمة القمعية في سنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان مقابل اتخاذها موقفًا قويًّا مناهضًا للشيوعية. لكن ذلك استتبع منافع اقتصادية؛ ففي عام ١٩٦٠، أصبحت سنغافورة المضيف الرئيسي للأسطول السابع للولايات المتحدة، حيث كانت توفِّر مكانًا للاستراحة والإصلاح والاستجمام، لا مجرد قاعدة للسفن. والأمر الذي كان أكثر أهمية أن الولايات المتحدة لم تتردد في دعمها للتنمية الاقتصادية في كوريا الجنوبية وتايوان، وأرسلت المال والخبراء إلى هناك.39 كان لدى كلٍّ من الأربعة نمور الصغيرة جميعها نواة سياسية تتكون من التكنوقراط والمدافعين عن السوق، الذين كانوا قادرين — من خلال الضغط أو القمع — على حماية تفضيلاتهم السياسية من النقاد المحليين. علاوة على أنهم غذوا العداوة مع جيرانهم الشيوعيين، من خلال مساعدة قادتهم على كبت المعارضة. لكن كان هناك حرص على أن تظل الهيئات التشريعية — حيثما كانت تعمل — ضعيفة؛ مما جعل مجال العمل السياسي مفتوحًا أمام المسئولين التنفيذيين الأقوياء. ورغم ذلك، أصبحت كوريا الجنوبية وتايوان أكثر ديمقراطية بمرور الوقت.40
رفضت النمور الأربعة خلال صعودها الاقتصادي سياسة إحلال الواردات، وقررت بدلًا من ذلك أن تشجِّع التصدير. وكلمة «قررت» هي الكلمة الصحيحة لأن قادتهم السياسيين هم من فكَّروا في ذلك وخططوا له؛ فلم يحدث قط أن كانت السوق المحلية للدول الصناعية الجديدة كبيرة بما يكفِي لأن تدعم اقتصادات الحجم الكبير التي من شأنها أن تجعلها قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية. لذلك، بعد بعض الإخفاقات الأولية، أنشأت هذه الدول موانئ حرة، وأصبحت «مصدرة رئيسية» لكل السلع؛ فبدأت بالملابس، والمنسوجات، والأحذية التقليدية، ثم انتقلت بعد ذلك إلى تصدير الإلكترونيات الاستهلاكية مثل الآلات الحاسبة وأجهزة التليفزيون الملون. بل إن كوريا صنَّعت المنتجات المصنوعة من الحديد والصلب. وفي الستينيات فتحت الولايات المتحدة سوقها أمام هذه الواردات، وكذلك فعلت أستراليا ونيوزيلندا. وبحلول عام ١٩٨٠، صارت صادرات هذه الدول تمثل أكثر من ٥٠٪ من ناتجها القومي الإجمالي، مقارنة بنسبة ٨٪ في الولايات المتحدة، و١٦٪ في اليابان.41 تطلَّب هذا بالطبع المال والعمال؛ مما جعل الكثافة السكانية التي تمتاز بها الدول الصناعية الجديدة شيئًا ثمينًا، إلى جانب التزام شعوبها باكتساب المهارات والتعلم من أجل تنفيذ عمليات الإنتاج كثيفة العمالة والمعقدة. ونتيجة لأنَّ هذه الدول الأربع جميعها حافظت على مستويات عالية من المدخرات المحلية — أكثر من ٢٠٪ — تقلص الاعتماد على استثمارات المساعدات الخارجية بمجرد أن بدأت انطلاقها.42 ورغم أنه من الصعب أن يتكرر مزيج المزايا الخاص الذي امتازت به هذه الدول، كانت الخطة التي سارت عليها واضحة جدًّا: التصدير، والتعليم، والابتكار، وإيجاد مكانة لائقة في الاقتصاد العالمي.

ولأن هونج كونج وتايوان وسنغافورة وكوريا الجنوبية حققت النجاح في نفس المنطقة وفي نفس التوقيت — هونج كونج وتايوان في الخمسينيات، وسنغافورة وكوريا الجنوبية في الستينيات — تبدو أوجُه الشبه بينها أكثر أهمية من الاختلافات. لكن الاختلافات جديرة بالذكر أيضًا. كانت هونج كونج مستعمَرة من مستعمرات التاج البريطاني حتى عام ١٩٩٧، حينما رُدت إلى الصين. وكانت سنغافورة مدينة فقيرة حينما طُردت من ماليزيا عام ١٩٦٥. ويعلِّق مؤسسها لي كوا يو على نجاحها المذهل واصفًا إياها بأنها «واحة من العالم الأول في قلب العالم الثالث». ويمكن أن يقال هذا أيضًا بالنسبة لحالة هونج كونج. أمَّا كوريا فتشترك مع فيتنام وألمانيا في خاصية مميزة هي أنها منقسمة إلى جزأين: شيوعي وغير شيوعي. لكن على عكس ألمانيا، لا تزال كوريا بالغة الانقسام. تايوان أيضًا وجودُها محفوف بالمخاطر لكونها جزيرة انفصالية تسعى للاستقلال عن الصين، وظلت لفترة طويلة تحت إدارة الحزب القومي الصيني الذي فَرَّ من الصين عندما سيطر الشيوعيون على السلطة عام ١٩٤٩. أما سنغافورة فهي راسخة في النظام السلطوي، وكان عليها أن تؤلِّف بين تركيبتها السكانية الأكثر تنوعًا على الإطلاق؛ إذ تتألف من صينيين وماليزيين وهنود، علاوة على وجود تمثيل قوي من طوائف المسيحيين والهندوس والسيخ. وهكذا تبدو النمور الثلاثة الأخرى أكثر تجانسًا من سنغافورة.

لعب كلٌّ من التوقيت والموقع والحظ دورًا في النجاح الباهر الذي حققته النمور الأربعة. وكان لاثنين من عمالقة الصناعة — هما اليابان والولايات المتحدة — تأثير إيجابي على نموها، الذي بلغ في المتوسط ٧ إلى ٩٪ في الناتج القومي الإجمالي السنوي خلال الستينيات والسبعينيات؛ فقد قدم كلا هذين «الأبوين المدلِّلين» سوقًا كبيرة لمنتجات الدول الصناعية الجديدة بالإضافة إلى ضخ رأس مال استثماري. كان امتطاء النمور الأربعة موجة النمو الهائل في مجال الإلكترونيات الاستهلاكية وأجهزة الكمبيوتر يُعزى جزئيًّا إلى أن اليابان كانت تتحدى الهيمنة الأمريكية؛ فقد أقامت شركة تكساس إنسترومنتس الأمريكية مصانع تجميع لها في تايوان لإنتاج أشباه الموصلات. وسرعان ما صارت الشركات الأمريكية تشتري الأجهزة الملحقة الصغيرة ومكونات أجهزة الكمبيوتر من تايوان. أنتجت تايوان أيضًا اللوحات، والشاشات، ولوحات المفاتيح، والماسحات الضوئية، والفأرات؛ ممَّا أسفر عن إنتاج كبير من أجهزة الكمبيوتر المحمولة. وانضمت هونج كونج وكوريا الجنوبية أيضًا إلى هذه الخطوط الإنتاجية، لا سيما أشباه الموصِّلات التي كانت تُنتَج في كوريا. وصارت سنغافورة أيضًا مكانًا مفضلًا للتصنيع في مجال أجهزة الكمبيوتر الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، وأصبحت مصدرًا لمعظم مشغلات الأقراص المدمجة المستخدمة في أمريكا. واستطاعت كوريا وتايوان الانتقال إلى تصدير المزيد من المنتجات التي تتطلب مهارة فائقة — كالإلكترونيات الاستهلاكية — في الستينيات والسبعينيات لأنهما كانتا تملكان بالفعل قوة عمل تمتاز بالبراعة.43
وضعت النمور خططًا طويلة المدى وكانت محظوظة بما فيه الكفاية — على الرغم من حدوث بعض الاضطرابات — بحيث تمتعت بالنظام والسلام اللذين مكَّنَا خططها من النضج وتقديم الأداء الراشد. كانت حكوماتها تستثمر ما فيه الكفاية في المرافق العامة ونظم الاتصالات لمنع الاختناقات التي أصابت البلدان النامية الأخرى، حيث أسفر تدهور وسائل النقل عن تأخُّر تدفُّق السلع ما بين مواقع الإنتاج والشحن. وكان أداء المحاكم جيدًا ومنصفًا، على الرغم من أن القوانين المشددة في سنغافورة لا تزال تثير الفزع. وبفضل ذلك المزيج الفريد بين التوجُّه الحكومي وديناميات السوق الحرة، خالفت تلك البلدان الكثير من التكهنات الاقتصادية، ربما أبرزها تلك الفكرة التي تذهب إلى أن عدم المساواة يصاحب التنمية الاقتصادية.44 لقد استفادت النمور استفادة هائلة من التأقلُم مع المكانة التي كانت تبلغها مع كل تقدم تكنولوجي جديد. فكوريا — التي يبلغ عدد سكانها حاليًا ٤٨ مليون نسمة — لديها ناتج محلي إجمالي يحتل المرتبة الحادية عشرة على مستوى العالم، وكذلك تنمو جيرانها ماليزيا وتايلاند — وإندونيسيا هي الأخرى الآن — على نحو مبشِّر.
أحدثت التنمية الاقتصادية تحولًا في حياة المرأة في هذه المجتمعات الأبوية بحكم التقاليد. ولعل تفضيل العائلات الآسيوية للمواليد الذكور يمكن أن يظهر من خلال النسبة غير المتكافئة بين الذكور والإناث؛ فبمجرد أن مكَّن كشف الموجات فوق الصوتية المرأة الحامل من معرفة جنس الجنين، بدأت عمليات إجهاض الإناث في الازدياد. تبلغ النسبة الطبيعية للمواليد الذكور إلى الإناث ١٠٥ ذكور إلى ١٠٠ إناث. لكن في السنوات الأخيرة ارتفعت النسبة إلى ١٢٠ ذكور إلى ١٠٠ إناث في الصين، وكانت نسب البلدان الآسيوية الأخرى لا تقل سوى بقدر ضئيل عن هذه النسبة. كان المسئولون في معظم البلدان من الحكمة بحيث استنكروا هذه الممارسة. وفي الهند، يعد إخبار الطبيب أو الممرضة للمرأة الحامل بجنس الجنين الذي تحمله انتهاكًا للقانون الذي صدر بهدف القضاء على هذه الممارسة. لكن هذا القانون يُنتَهك بالفعل على نطاق واسع. وتشير التقديرات إلى أن عدد الأجنة الإناث اللاتي يجري إسقاطهن سنويًّا في الهند يصل إلى عشرة ملايين.45 لا يكاد هذا يبدو وكأنه يعود بالنفع على النساء، لكن شيئًا ما يحدث اليوم في كوريا الجنوبية يشير إلى حدوث تحول في نسبة الذكور إلى الإناث؛ إذ انخفضت النسبة إلى ١١٦ ذكور إلى ١٠٧ إناث.
لقد برز تقدير جديد للفتيات في هذا المجتمع الذي كان تقليديًّا على نحو صميم.46 وأدى توفير التعليم الجيد إلى دخول المزيد والمزيد من النساء العاملات إلى مجالَي الأعمال الحرة والمهن. وعلى المستوى العملي، لم يعد الآباء ينتظرون الدعم المادي من أبنائهم في فترة التقاعد؛ لأن المتقاعدين صاروا يحصلون على مخصَّصات ومستحقات من الدولة. ولم تعد بناتهم — اللاتي يعملن خارج المنزل — شبه خادمات لأسر أزواجهن؛ فهن يكسبن أموالهن الخاصة، ويحافظن على الروابط الأسرية العاطفية مع الآباء أكثر مما يفعل إخوانهن الذكور.

خلال فترة السبعينيات، كان الخبراء يعتبرون أن كل ما تفعله اليابان هو الأمثل. لكن الأوقات الطيبة لا تدوم إلى الأبد، كما يقول المثل، أو لعل من الأنسب أن نقول: «ما طار طير وارتفع، إلا كما طار وقع.» فبعد أن أثارت اليابان ذهول العالم ببلوغها مرتبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، تراجعت إلى حالة من الركود طويل الأمد في التسعينيات. لكن ظلت جودة ما تنتجه من سيارات ومعدات استيريو تثير الإعجاب. وكان تفوُّق إنتاجها قليل الفاقد يصيب إدارات المصانع في أمريكا وأوروبا بالخزي، لكن مواضع القوة هذه لم تستطع الحيلولة دون حدوث هبوط حادٍّ في الأسعار؛ فقد تراجعت سوق الأسهم وقيم العقارات، ممَّا أدى إلى تراكم الديون المعدومة. ولتعزيز الاقتصاد، ضخت الحكومة في نهاية المطاف تريليونات من الين الياباني في الإنفاق العام؛ مما أدى إلى ارتفاع قيمة الين واستتبع انخفاضًا غير مقصود في الصادرات. كما تدخلت الطبيعة على صورة زلزال قوي.

تبين أن هذه المشاكل مستعصية على الحل، وتكشفت عن بعض نقاط الضعف الهيكلية في الاقتصاد الياباني، أبرزها العلاقة الحميمة بين البنوك الكبرى والشركات والحكومة في اليابان. هذا الكشف حشد بعض الدعم المهم في جميع أنحاء العالم للسياسات الأمريكية القوية المضادة للاحتكار. كان لدى اليابانيين تشريعات تكافح الاحتكار منذ عام ١٩٤٥، لكن لم يكن يجري إنفاذ هذه القوانين بفعالية. وحينما تدهور الاقتصاد في التسعينيات، كشرت الحكومة عن أنيابها لإنفاذها. وكسرت اليابان الاحتكار في مجال أجهزة الاتصالات، كما فعلت الولايات المتحدة من قبل عام ١٩٨٢. 47

حدث انتعاش بسيط في اليابان عام ١٩٩٧، لكن الأسعار انخفضت مرة أخرى، وبدا أن شيئًا لن يخفف من وطأة هذا الضغط الانكماشي. وعندما شهدت تايلاند وإندونيسيا وكوريا وسنغافورة أزمة مالية في تلك السنة، أصبحت الشركات والأسر اليابانية أكثر قلقًا من أن يتسبب ذلك في مزيد من الانكماش للاقتصاد الياباني.

أبرزت الأزمة الآسيوية الحاجة إلى مزيد من الشفافية في البرامج الحكومية، ونسب تبادل أقل جمودًا، ونظم مالية أكثر قوة وأفضل تنظيمًا. ودعم صندوق النقد الدولي الأسواق اليابانية بدفعات كبيرة من النقود، ذهب الكثير منها لشراء المواد الغذائية والوقود والدواء لأكثر السكان تضررًا جرَّاء الركود المفاجئ. وظهرت إلى النور مشاكل أخرى، مثل عدم وجود آلية لإشهار الإفلاس في كوريا. ويعلِّق أحد الخبراء على ذلك قائلًا: «إن الرأسمالية من دون الإفلاس كالمسيحية من دون الجحيم؛ فهذا يعني عدم وجود وسيلة منهجية للحد من التجاوزات الآثمة.»48

عبقرية وول مارت في مجال البيع بالتجزئة

لم تكن المعالجة الحاسوبية بأي حال من الأحوال هي المحرك الوحيد للرأسمالية في العقود الأخيرة من القرن العشرين، على الرغم من أنها كانت جزءًا لا يتجزأ من أحد أكثر النجاحات إذهالًا في القرن العشرين؛ سلسلة متاجر «وول مارت». كان سام والتون، مؤسس وول مارت، قد بدأ بسلسلة من المتاجر التي تبيع السلع بأسعار مخفضة في ولايات أركنسو وميزوري وأوكلاهوما عام ١٩٦٢. ثم شرع في صعود مذهل إلى أن بلغ مرتبة تاجر التجزئة الأول في العالم بفضل معرفته كيف يستطيع شراء البضائع من المصنِّعين مباشرة وتجاوز وساطة تجار الجملة، الذين يضيفون إلى ثمن السلعة ٤ إلى ٥٪ من سعر الجملة. حوَّل والتون مقره الرئيسي في بنتونفيل بولاية أركنسو إلى مركز توزيع يستطيع استقبال طلبيات ضخمة من الموردين وإرسالها إلى مخازن خاصة من خلال أسطول من شاحنات وول مارت. وأتاحت متاجر وول مارت للمشتري شراء البضائع التي تباع في المدن الكبرى بأسعار منخفضة، فحققت نجاحًا كبيرًا مع زبائن المدن الصغيرة حيث أقام والتون فروعًا لمتجره إبان توسيعه لحدود إمبراطوريته. وكحال توم واطسون الأب في شركة آي بي إم، أصبح والتون أيضًا بطلًا في عيون موظفيه. كان أسلوبه بسيطًا ومباشرًا، ومندفعًا إلى حدٍّ ما. وكان الجميع يتعاملون بألفة تتسم بروح المساواة، حتى إن والتون كان يقود شاحنة صغيرة بنفسه ليتجول في إمبراطوريته الشاسعة. وكان يوظف الشباب، الذين كانوا في كثير من الأحيان من أبناء المزارعين، ويغرس فيهم روح الولاء للجماعة، التي أُدمجت في قالب من التدين الإنجيلي المشترك.

ومثل فورد وكارنيجي، لم يكن والتون ممن يفكرون على نطاق صغير؛ فعندما كان يرغب في أن يؤسس متجرًا جديدًا، كان يحلق بطائرته فوق المنطقة المختارة لهذا الغرض، ويحدد البقعة التي يمكن الوصول إليها بسهولة من قبل سكان مجموعة من البلدات، ثم يهبط بطائرته، ويشتري قطعة الأرض بأكملها.49 وقد كرر ذلك مرارًا حتى بلغ عدد متاجر وول مارت نحو سبعة آلاف متجر، يقع الكثير منها خارج الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن والتون مولود عام ١٩١٨، فقد أصبح أهم المخضرمين في استغلال ثورة المعلومات في تجارة التجزئة. في بادئ الأمر، ربط بين متاجره بشبكة معلومات عبر أجهزة الكمبيوتر. وركَّب أحدث أنظمة مراقبة المخزون. وفي كل مرة كان عداد النقد يرن بعد كل عملية بيع في وول مارت، كانت تبعث إلى وكلاء شراء الشركة، ومدير المتجر، والبائع رسالةً تقول إنه يجب إرسال — مثلًا — طابعة هيوليت باكارد أخرى أو قرص دي في دي ديزني آخر لفرع المتجر في بنتونفيل (لتعويض السلعة التي بيعت توًّا).
كانت النظم الآنية لتعويض مخزون البضائع تساعد وول مارت ومورديه على حَدٍّ سواء. وكانت أيضًا تمكن المديرين التنفيذيين لوول مارت من تحليل احتياجات العملاء في فصل الصيف أو الشتاء، وفي أوقات الرخاء أو الشدة، وعند الاحتفال بمناسبةٍ ما أو توقُّع سوء الأحوال الجوية. ويظل سائقو شاحنات وول مارت على اتصال دائم بالمقر الرئيسي بواسطة اللاسلكي أو الاتصال عبر الأقمار الصناعية كي يعرفوا الموقع الذي ينبغي أن ينقلوا منه البضائع بحيث يتمكنون من العودة من مشاوير توصيل الطلبيات بحمولة كاملة. وقد أدَّى اتساع حجم هذا النظام ونطاقه إلى زيادة كفاءته أكثر فأكثر. ترصد أجهزة الكمبيوتر منصات التحميل التي تتحرك بلا انقطاع في جميع أنحاء ساحة تحميل وول مارت الشاسعة. وحينما اكتشف المديرون أن شرائط الترميز بالأعمدة (الباركود) الموجودة على البضائع يمكن أن تشوَّه أو تصبح غير قابلة للقراءة، تحولوا إلى استخدام تقنية بطاقات التعريف التي تعمل لاسلكيًّا وتنقل كل معلومات المخزون اللازمة من خلال الهوائيات وموجات الراديو إلى أجهزة كمبيوتر.50

كل فرد يعمل في وول مارت حركته مقيَّدة بفعل وسيلة تحكم إلكترونية دقيقة. يقول منتقدو وول مارت إن هذا المتجر أصبح أضخم متاجر بيع التجزئة في العالم من خلال خفض الأجور والأرباح التي يمكن أن تعود على موظفيه ومورديه. ويدَّعِي موردوه أن مساومات وول مارت القاسية خفضت هامش ربح الجميع، وألغته في بعض الأحيان. لكن يوجد معجبون يشيرون إلى ميزة الأسعار المنخفضة بالنسبة للأسر ذات الدخل المنخفض. ويركز المراقبون الأكثر حيادًا على غطرسة وول مارت في الإصرار على أن تتم جميع الأعمال التجارية معها في بنتونفيل بولاية أركنسو. كان سام والتون يحب التحليق فوق المناطق الريفية في أمريكا، لكنه لم يكن يرغب في إنجاز أعماله التجارية في شيكاجو، أو لوس أنجلوس، أو نيويورك. وكان على الموردين أن يسافروا إلى المقر الرئيسي لوول مارت، وافتتح العديد منهم مكاتب لهم هناك. وقد ذكر أحد المسئولين التنفيذيين في مؤسسة ديزني ممتعضًا أن شركته — المعروفة بأنها ليست خصمًا سهلًا — حينما كانت تخوض نزاعات مع وول مارت، كانت دائمًا ما تخسر ويتعين عليها أن تذهب إلى بنتونفيل لتسويتها.

كانت شركة والت ديزني تبيع منتجاتها من أقراص الفيديو الرقمية والدمى والألعاب التفاعلية والملبوسات في محلات وول مارت التي يزيد عددها على السبعة آلاف متجر. وفي ظل وجود متنزَّهات ديزني في اليابان وفرنسا وهونج كونج فضلًا عن الولايات المتحدة، نمَّت الشركة قاعدة كبيرة من زبائن المنتجات الاستهلاكية التي توزعها محلات وول مارت. بالطبع كانت ديزني تحافظ منذ عام ١٩٢٩ على سمعة من الجودة العالية في مجال الترفيه، لا سيما بالنسبة للأطفال، وظلت طويلًا أكبر ناشر لكتب الأطفال ومجلاتهم التي تدخل بيوت مائة مليون عميل في ٧٥ بلدًا. وميكي ماوس — الذي بلغ الثمانين عام ٢٠٠٨ — هو الشخصية الأكثر شهرة في العالم. وتتجاوز نسبة من يعرفونه من الأمريكيين (٩٥٪) نسبة من يعرفون بابا نويل. وقد قدَّمت الأفلام التي ظهرت في الثلاثينيات وأعيد إصدارُها عدة مرات فيما بعد شخصيات ديزني لجميع أنحاء العالم. ومن الجدير بالذكر أن منافسي الرئيس الإسباني خوسيه لويس رودريجيز ثاباتيرو حينما أرادوا أن يُخرجوه عن دماثته، أطلقوا عليه اسم: بامبي، وهذا اسم غزال صغير في فيلم كرتوني كلاسيكي أنتجته والت ديزني.

لاحظ المنافسون نجاح وول مارت وقلَّدوا نظامه. ولولا ذلك لما صارت ثلاث شركات تجارة تجزئة أمريكية أخرى — هوم ديبوت، وكوستكو، وتارجت — من بين أعلى خمس وثلاثين شركة ضمن قائمة مجلة فورتشن لأهم خمسمائة شركة في العالم. لقد عزَّز امتداد متاجر تجزئة وول مارت إلى حدٍّ بعيد نطاق بيع العديد من الشركات الأمريكية مثل ديزني، علاوة على أن متاجر وول مارت أدخلت الكثير من السلع الأجنبية إلى المنازل الأمريكية؛ فهي تستورد ثلث جميع السلع الاستهلاكية المعمرة المنتجة في الصين.51 وكشجرة بلوط فاقت كل ما نما حولها ضخامةً، حولت متاجر وول مارت الكثير جدًّا من المدن الصغيرة إلى مدن أشباح من خلال اجتذاب الزبائن للسكن في الضواحي القريبة منها. أيضًا حاربت متاجر وول مارت دومًا أي محاولة لتأسيس تنظيم نقابي يضمُّ موظفيها البالغ عددهم ١٫٤ مليون موظف، وهو الجهد الذي أثار حملة قوية ضد متاجر وول مارت؛ إذ رفع بعضٌ من هؤلاء الموظفين دعاوى قضائية ضد الشركة بتهمة انتهاك القوانين المتعلقة بالأجور وساعات العمل، وكسبوا تسوية بمبلغ ٥٢ مليون دولار. وهناك عدد كبير من موظفي وول مارت الآخرين يشاركون سام والتون في ربطه بين الأصولية الإنجيلية والمنافسة في السوق الحرة.
إن الفرق الواضح بين وول مارت باعتبارها رب العمل رقم واحد في أمريكا في نهاية القرن العشرين، وشركات صناعة السيارات قبل ٤٠ عامًا مضت هو أن وول مارت لم تحوِّل موظفيها إلى أعضاء في الطبقة الوسطى، بل كانت سببًا في حدوث تحول زلزالي في مصير العمال الأمريكيين ورمزًا لهذا التحول. فبعد الحرب العالمية الثانية، استمدت النقابات العمالية القوية شجاعة من عقود الازدهار ونجحت في التفاوض للحصول على أجور مرتفعة، وكفالة السلامة للعمال، وأرباح سخية. وأصبحت فرص العمل في الصناعة الأمريكية أساسًا لمستوى المعيشة الكريم بعد أن كانت من قبلُ غير آمنة وغير مجزية. يندم الناس الآن على ضياع فرص العمل العظيمة في مصانع الصلب، لكنهم بذلك كمن يضع الحصان قبل العربة. فقد كانت هذه الوظائف حقيرة قبل أن تنتظم قوة عملهم في شكل نقابات.52 لكن على مدى العقود التالية، أثَّرت مجموعة متنوعة من العوامل سلبًا على التنظيمات العمالية مثل وجود معارضة سياسية قوية من جانب الإدارة، وتحوُّل فرص العمل من مجال الصناعة إلى قطاع الخدمات الذي يصعب فيه تشكيل التنظيمات، وإخفاقات قيادات بعض التنظيمات، والمنافسة الشديدة في السوق العالمية، والتكنولوجيات الجديدة التي سهلت على المنتجين الانتقال إلى الخارج، حيث يتوفر كَمٌّ هائل من الأيدي العاملة الرخيصة. لكن الأمر الذي أحدث الضرر الأعظم هو أن الرأي العام الأمريكي فَقدَ تعاطفه مع التنظيمات العمالية، بعد أن لم يعُد يرى قوة الحركة العمالية مفيدة للاقتصاد وضرورية من أجل إقامة الديمقراطية الفاعلة.53 وبمجرد أن اختفى هذا، استطاع مشروع مثل وول مارت أن يصرف انتباه الرأي العام بعيدًا عن تأمين فرص العمل الجيدة ويوجهه إلى الحصول على السلع بأسعار رخيصة.

ولولا انخفاض الأجور في العقود الأخيرة لما احتلت الأسعار المنخفضة مكانًا بارزًا جدًّا في حساب الناس لمصلحتهم. وقد لعبت العولمة — ذلك المزج بين التسويق وتدفُّق المعلومات — دورها في تحول العمالة الأمريكية من مجموعة متناسقة ومستقرة وتضمن كسب أجرها إلى تجمع من الأفراد غير المتأكدين دومًا من حصولهم على الراتب المقبِل. في الوقت نفسه، فتحت تكنولوجيا المعلومات والعولمة الأسواق وجعلتها أكثر بعدًا عن نطاق أي سيطرة حكومة. حتى الأرباح لم تعُد مضمونة كما كانت من قبل. لقد تسبَّب الاعتماد على القوى الخفية والتحولات غير المتوقعة في العرض والطلب في إيجاد مستوى من القلق يقوِّض جهود العمال لاستعادة دعم الجماهير والقوة التفاوضية. وخلال العقد الماضي، دعا قادة الاتحادات لإيجاد معايير دولية للعمالة، وهذا يطرح من جديد أمام الاقتصاد العالمي القضايا القديمة المتمثِّلة في المطالبة بكسب الأجور التي تكفُل معيشة كريمة، وتوفير بيئات عمل آمنة، والعمل لثماني ساعات في اليوم. لكن السرعة التي انتقلت بها مراكز العمالة الرخيصة من دول كالمكسيك إلى الصين، ثم إلى فيتنام، تشير إلى أن هذه الحملة قد تتمكَّن من حشد القوى في العقد المقبل.

أدخلت العولمة الثقافة الغربية إلى قلب مجتمعات العالم كافة؛ الأمر الذي أثار رد فعل قوي إزاء الصور الدخيلة الآتية من الأفلام والبرامج التليفزيونية الأمريكية. وكثيرًا ما تصدُر الانتقادات ممن ينتمون للنخبة المثقفة التي تبدو عاجزة عن أن تدرك أن المتاجرة في وسائل الترفيه قدمت ترياقًا قويًّا ضد الملل. وفي ظل زيادة الدخل المتاح القابل للتصرُّف، يُقبل الملايين حول العالم على منتجات هوليوود وبوليوود، ومئات المواقع الأخرى التي تنتج الدراما والأفلام الوثائقية. وعلى الرغم من أن صناعة الترفيه الأمريكية قوة اقتصادية مهمة في حد ذاتها، فقد أثرت كذلك في طموحات الناس المادية على نحو ربما كان أكثر أهمية بالنسبة للتنمية الاقتصادية ممَّا جلبته من عائدات؛ إذ باتت أسطوانات الدي في دي وأشرطة الفيديو والبرامج التليفزيونية والأفلام تحمل معها للمشاهد طريقة بديلة للعيش.

زيادة الخيارات الشخصية في ظل الرأسمالية

شجَّعت الرأسمالية ظهور عدد لا يحصى من العقاقير والإجراءات الطبية. لعل أكثرها ثورية بالنسبة للنساء كانت العقاقير الفعالة لمنع الحمل. وهذا يعني أنه بينما كانت السوق منشغلة بتوليد الثروة، كان عدد الخيارات المتاحة في حياة الناس يزداد أيضًا، مفجرًا ما يمكن أن نطلق عليه تمرُّدَ الأرحام؛ فمعدلات المواليد تنخفض بسرعة، لأن النساء في الغرب واليابان صرن ينجبن عددًا أقل من الأطفال، وكثيرات منهن لا ينجبن على الإطلاق. وقد تسبب هذا في صدمة لأولئك الذين اعتقدوا أنهم فهموا الطبيعة النسائية. وفي كثير من البلدان، ليس هناك ما يكفي من المواليد ليحل محل السكان الحاليين بعد موتهم. وفي الوقت نفسه، في الكثير من دول الغرب، غيرت الحرية الجنسية التي ظهرت في السبعينيات التوجُّهات والممارسات المتعلقة بالحمل والزواج. والآن صار نصف عدد المواليد في فرنسا والولايات المتحدة — على سبيل المثال — يولَدون «خارج إطار الزواج». ورغم أن ظاهرة الأمهات العازبات تشكل محنة حقيقية، فقد كانت كذلك تشكل في الماضي وصمة عارٍ تقع على عاتق النساء أكثر من الرجال.

لقد كشفت الرأسمالية عمَّا يريده العديد من الناس حقًّا؛ فنظم القيم الخاصة بالماضي نمت انطلاقًا من عقلية الندرة والقيود. كانت التقاليد تمنح أولوية لطرق التصرف وتُعلي القيم التي تتماشى مع ندرة المواد الغذائية وغيرها من السلع. لكن الصحافة الدولية — التي شجعتها الرأسمالية — حملت أيضًا إلى أقصى أماكن العالم روح اتفاق هلسنكي بشأن حقوق الإنسان، إن لم يكن نصها الفعلي. في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، هربت امرأة في الثامنة عشرة من عمرها كانت تعيش بين سكان العصر الحجري في غينيا الجديدة إلى بابوا لتؤكد على حقها في اختيار زوجها. وفي عام ٢٠٠٨ عثرت فتاة في العاشرة من عمرها في اليمن على محكمة تمكنت من خلالها من طلب الطلاق.

حققت شركات الأدوية في الولايات المتحدة وأوروبا نجاحها من خلال إنتاج وفرة من العقاقير الجديدة في الثمانينيات والتسعينيات، وكان الكثير منها يستهدف الكتل السكانية المُسنَّة في جميع أنحاء العالم. وقد حققت مضادات الاكتئاب الجديدة نجاحًا هائلًا لدى الرجال والنساء غير الراغبين في تقبُّل كون الحزن حقيقة من حقائق الحياة. وإلى جانب الأبحاث التي كانت تُجرى في مختبرات الشركات، رصدت الجامعات الأوروبية والأمريكية مليارات من الدولارات لاكتشاف علاجات جديدة للأمراض القديمة، وفي بعض الحالات للقضاء على بعض الأمراض القديمة تمامًا. وفي عام ١٩٩٠ أطلقت مؤسسة المعاهد الصحية الوطنية الأمريكية ووزارة الطاقة مشروع الجينوم البشري، الذي صار جهدًا دوليًّا يهدف للتعرف على الجينات التي يحملها الحمض النووي البشري. وقد نجح هذا المشروع الطَّموح على نحو مذهل في تحديد تسلسل ثلاثة مليارات من أزواج القواعد الكيميائية التي يتألَّف منها الحمض النووي البشري. ورغم أنه كان من المقرر له أن يستغرق ١٥ عامًا، فقد انتهى في أوائل عام ٢٠٠٣، حينما حوَّل عالم الوراثة كريج فنتر — عالم الأحياء ورجل الأعمال ومؤسس معهد أبحاث الجينوم — المشروع إلى سباق بين الجهود التنافسية لاكتشاف التسلسل الجيني. ولا يزال علم دراسة الجينوم غير متطور، لكنه يدفع علم الوراثة في اتجاهات جديدة، ينطوي العديد منها على احتمالات تجارية. وهذا أثار المخاوف من أن يحدث تدخل في عمليات الطبيعة. وهناك أيضًا قلق من أن يصبح العلم المجرد من أي غرض شيئًا من الماضي نتيجة لأن شركات المستحضرات الدوائية تُغدق على الباحثين بالهدايا. ويذكر أنَّه من بين أكبر عشرين شركة أدوية على مستوى العالم توجد ١٢ شركة أمريكية، وشركتان سويسريتان، وشركتان ألمانيتان. وتوجد أيضًا شركة واحدة لكلٍّ من بريطانيا والسويد واليابان وفرنسا.

أثبتت الرأسمالية قابليتها للتكيُّف وقدرتها على رعاية التكنولوجيا وتسويق نتائجها. وبنَت شركات وجامعات وبلدان بأكملها مراكز رائعة للتعلم، معظمها يفتح أبوابه أمام طلاب الخارج. وازداد الفضول لمعرفة الكيفية التي يعمل بها العالم، وتفوقت الموهبة على الثروة في كثير من الأحيان كما بيَّنت ثورة الكمبيوتر. ومنذ الحرب العالمية الثانية، اكتسبت المؤسسات التي تعمل على تشجيع التنمية والتعاون فيما بين الدول الغربية نفوذًا، لكن هذا لم يمُرَّ من دون أن يثير السخط؛ فقد كانت الدول الصناعية في كثير من الأحيان تستخدم ما لديها من أوراق لعب قوية دون الاكتراث للاعبين الآخرين في السوق العالمية، متجاهلة النداءات الداعية لإلغاء الدعم الحكومي المحلي على سبيل المثال. أيضًا تراجع العنف — على المستويين العام والخاص — منذ عام ١٩٧٥. فرغم كل قصص الحرب التي تعج بها الصحف ونشرات الأخبار المسائية، فإن ضحايا مختلف ميادين القتال الآن ليسوا سوى قلة قليلة إذا ما قورن عددهم بعدد من سقطوا خلال الأرباع الثلاثة الأولى من القرن العشرين. دعك من أي مجزرة وقعت في أحد أيام معارك الحرب العالمية الأولى، وقارن فقط بين سقوط ٤٧ ألف أمريكي في ٥ سنوات خلال حرب فيتنام، وسقوط أربعة آلاف أمريكي فحسب على مدى ست سنوات في حرب العراق.

أيضًا هناك صلة غامضة بين الرأسمالية والديمقراطية؛ فقد كانت الولايات المتحدة داعمًا قويًّا لكليهما على حد سواء. لكن هذه العلاقة نشأت في حقيقة الأمر قبل ذلك بكثير، حينما كشف اقتصاد السوق في إنجلترا أواخر القرن السابع عشر عن أن الناس العاديين جدًّا يستطيعون الاعتناء بأنفسهم واتخاذ قرارات رشيدة فيما يتعلق بمصلحتهم. ومع مرور الوقت، حلَّت هذه الملاحظات محل الافتراضات القديمة التي كانت تذهب إلى أن الرجال والنساء مخلوقات تعيسة متقلبة تضللهم مشاعرهم ومصابون بلعنة النزوع إلى الشر. ونتيجة لتحسُّن وجهة النظر إزاء الطبيعة البشرية، تمكن المفكرون المتعقِّلون من تقبُّل فكرة أن حكم الشعب — أي الديمقراطية — قد يكون شكلًا جيدًا من أشكال الحكم. وقد حوَّلت الولايات المتحدة هذه الأفكار إلى واقع عملي بعد ثورتها. وبعد سنوات قليلة، صدَّقت على نظام دستوري يحد بدرجة كبيرة من إرادة الأغلبية، ويضمن مجموعة كاملة من الحقوق المدنية. إن ارتباط الرأسمالية بالديمقراطية في الفكر الشعبي دفع امرأةً روسية — كانت تنظر إلى خزانة طعامها الخاوية، بعد وقت قصير من انهيار الاتحاد السوفييتي عام ١٩٩١ — لأن تعلن أنه لن تكون هناك ديمقراطية في بلادها إلا إذا امتلأت هذه الخزانة. من الواضح أن حكم الأغلبية في نظر هذه المرأة يعني الرخاء، ربما لأن الرخاء والديمقراطية كانا متوفرين في الولايات المتحدة.

بعد أزمة عام ١٩٧٣، أدى تفكُّك التضافر الذي كان موجودًا خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى فترة من الاضطرابات والتقلبات في الاستقرارين المالي والتجاري لليابان والولايات المتحدة وأوروبا.54 يبحث منتقدو الرأسمالية عن التغيرات الهيكلية التي من شأنها أن تقوض الرأسمالية كنظام. وهم كثيرًا ما يقللون من أهمية قوتي الرأسمالية الصلبتين المتمثلتين في تشجيع الابتكار والقدرة على توليد ثروة جديدة، بالإضافة إلى الرضا الحقيقي الذي تمنحه الثروة لعدد متزايد من الناس الذين يحصلون عليها.
لكن العيب الذي يشوب ازدهارَ الرأسمالية هو ذلك التفاوت الصارخ بين الدول والأقاليم في العالم؛ فمعايير الرفاهية — مثل أمد العمر المتوقع، والقدرة الشرائية للأسر، ومستوى تغذية الأطفال — تكشف عن أن قدر التفاوتات حاليًّا يتجاوز ما كان موجودًا منذ خمسين عامًا مضت.55 ويمكن لأي متخصص في الإحصاء أن يشير إلى أن هذا الانتشار دليل على تحسن حال المليارات من الناس كما هو دليل على فقر آخرين غيرهم. ومن الأمور المهمة للغاية الموضع الذي يختار المرء أن يلقي الضوء عليه، فعندما تسلط الضوء على منطقة «الحزام الصدئ» في أمريكا أو على معدل وفيَات الأطفال في زيمبابوي، تبدو الرأسمالية وكأنها فاشلة. لكن مُدنًا مثل نيويورك وجينيف وسيول وطوكيو تقول لنا شيئًا مختلفًا.

إن السباق يزداد سرعة، لكننا ينبغي أيضًا أن نكون من الحكمة بحيث ندرك أن هذا التشابه بين سباق العدو والحياة لا يخلو من العيوب؛ فالكثير من الأدلة تشير إلى أن التجارة الدولية التنافسية تتسبب في ألم موجع على المستويين الاجتماعي والأخلاقي. وحينما يعمل التدمير الخلَّاق للمشاريع التنافسية عمله، يتسبب ذلك في معاناة للخاسرين. لدينا الآن تحركات نشطة للمحافظة على البيئة والأنواع والتراث من أضرار البشر؛ لأننا كثيرًا ما نتعلم بعد فوات الأوان أن ليس كل التحسينات تؤدي إلى وضع أفضل. وقد انتهت الألفية الثانية بقلق واسع النطاق من أن أجهزة الكمبيوتر التي بتنا نعتمد عليها قد لا تكون قادرة على تغيير التواريخ من سنة ١٩٩٩ إلى سنة ٢٠٠٠. واتضح أنها تستطيع ذلك، وكذلك نحن. وبعد مرور سنة، كشف هجوم على أحد رموز الرأسمالية — برجي مركز التجارة العالمي في مدينة نيويورك — عن أننا جميعًا نتجه نحو مستقبل غامض ومثير للقلق. ومع ذلك، لا تشير الأسهم في نفس الاتجاه؛ فهناك تهديدات جديدة، وفرص جديدة، ومشاكل جديدة، وحلول جديدة، ومواطن ارتباك جديدة، وإمكانيات جديدة كثيرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١