الفصل السادس

صعود ألمانيا والولايات المتحدة

في أوائل القرن التاسع عشر كان اهتمام الرأي العام منصبًّا على جيوش نابليون بونابرت التي كانت تنشر الأفكار الثورية عبر أنحاء القارة الأوروبية، لكن ازدهار التصنيع البريطاني — الذي كان خلال هذه السنوات نفسها يستجمع قوة دافعة من طاقة البخار — كان سيشكل الثورة الأكثر ديمومة، اعتمادًا على قرنين من التقدم في مجالَي الزراعة والتجارة. كان ثمة اقتصاد متكامل وحديث في طور التكوين. وعلى الرغم من أن فوائد الانجازات التقنية البريطانية لم تترجم إلى مستويات معيشية أعلى إلا بعد مرور جزء ليس باليسير من القرن، كان ازدهار البلاد واضحًا للغاية؛ إذ وجد ما يقرب من ثلثي سكانها وظائف في مجال التصنيع أو تجارة التجزئة أو النقل؛ ممَّا أدى إلى ازدياد سكان المناطق الحضرية. أصبحت لندن عاصمة العالم المتألقة للتمويل والتجارة والموضة، بالإضافة إلى احتوائها على مجتمع مدني كان يزداد حيوية من خلال اجتماعات الجمعيات والتظاهرات وعروض المسرح والمجلات الرائجة، الكبيرة والصغيرة.

ورغم خسارة بريطانيا العظمى مستعمراتها الأمريكية، فقد ظلت محتفظة بتفوقها كقوة بحرية بما تملكه من مستعمرات أخرى في منطقة البحر الكاريبي وكندا وسنغافورة وأستراليا والهند. وقد عبر المعاصرون عن امتدادها العالمي عندما قالوا إن «الشمس لا تغيب عن الإمبراطورية البريطانية». كان التصنيع يخلق حافزًا جديدًا يدفع بريطانيا للسيطرة على المواد الخام التي يمكن جلبها إلى أرض الوطن كي يجري تصنيعها إلى سلع تامة الصنع. وبعد أن فقدت بريطانيا مستعمراتها الأمريكية التي تحوَّلت إلى ولايات متحدة مستقلة، حولت انتباهها نحو الهند؛ الأمر الذي عزز أهمية محطتها البحرية في جنوب أفريقيا.

ومع ذلك، لن يركز هذا الفصل — الذي يستعرض دور القرن التاسع عشر في تاريخ الرأسمالية — على أي نجاح بريطاني، بل سيعرض كيف تمكنت ألمانيا والولايات المتحدة من تجاوز بريطانيا واعتلاء صدارة اقتصادات العالم. وهذه حكاية تخالف التوقعات من نواحٍ عديدة؛ فبريطانيا العظمى كانت قد أسست تجارة حرة وعملت بدأبٍ من أجل اجتذاب غيرها من البلدان للدخول في التجارة العالمية التي تتمحور حول مصارفها ومنتجاتها. بينما كانت ألمانيا والولايات المتحدة تحاربان الضغط الشديد الذي كانت تمارسه بريطانيا بوضع تعريفات جمركية لحماية صناعاتها، جاعلة من نفسها — حسب وصف ماكس فيبر: «دولة قومية مغلقة، تمنح الرأسمالية فرصتها للتطور.»1

نادرًا ما يتحرك أولئك الذين يسبرون منطقة غير مطروقة على نحو مباشر؛ ففي غياب الخرائط أو الإشارات المرئية، يهيمون على وجوههم، وقد ينتهون إلى طريق مسدود، ويتسكعون حول الآبار الناضبة. ونظرًا لأن المبدع يذهب إلى حيث لم يذهب أحد من قبله؛ فإن خوفه من المنافسة يكون أقل. وحينما يقرِّر آخرون اتباع خطوات المستكشف الذي أحرز النجاح، تكون رحلتهم أكثر مباشرة. وفي حالة ألمانيا والولايات المتحدة، بات تحديث زراعتهما وصناعتهما جزءًا من جهد يبذل لإقامة دولة. كان تحركهما قدمًا إعلانًا عن أن الرأسمالية ليست ضلالًا إنجليزيًّا، بل مرحلة جديدة في تاريخ العالم. ومع بداية القرن التاسع عشر، كان الناس قد بدءوا يتوقعون أن يحدث المزيد من التغيرات، وأن المستقبل لن يعيد تكرار الماضي دون تمييز.

كان الضغط الذي استشعره جيران بريطانيا (ومنافسوها) لاتباع خطاها حادًّا؛ لأن أقدم القوى السياسية، القوة العسكرية، صارت تعتمد على القدرة الصناعية. في بادئ الأمر، كان على منافسي بريطانيا أن يعرفوا كيف يمكنهم الوصول إلى ماكيناتها الرائعة، الأمر الذي لم يترك لهم خيارًا سوى التورط في التجسس الصناعي. أما المجتمعات التي كانت تتمتع بعزلة كافية عن مركز أوروبا الغربية للثروة وصناعة الحرب؛ فقد كانت تستطيع تجاهل المكاسب البريطانية، وقد فعلت ذلك، عدا تلك التي تم ضمها إلى الإمبراطورية البريطانية. أما المجتمعات الأكثر قربًا من بريطانيا فلم تستطع فعل ذلك.

وما إن ظهرت الماكينات البريطانية الجديدة المدهشة للعِيان، حتى بات من الممكن التفكير في تقليدها. كان هذا النوع من الاستباحة يثير قلق مستثمري القطاع الخاص، وقلق المسئولين البريطانيين، لكن مجتمعهم كان مفتوحًا بدرجة لا تجعله ينجح في حفظ الأسرار كثيرًا. وقد اجتذبت المحركات البخارية التي أحدثت ثورة في الأساليب القديمة لصنع الأدوات وغزل القطن جواسيس من فرنسا وألمانيا وحتى من المستعمرات البريطانية السابقة في أمريكا. كانت جميع هذه البلدان تقوم بنفس المهمة: محاولة اكتشاف الشيء الذي يحوِّل محلات الحرف التقليدية إلى مصانع ذات قدرة إنتاجية غير مسبوقة؛ فحظرت بريطانيا هجرة العمال المهَرة، لكن الفرنسيين كانوا قد أقنعوا بالفعل ما يقرب من ألف من أكفأ عمال المصانع بالهجرة على مدى سنوات القرن الثامن عشر.2 وحظرت بريطانيا أيضًا تصدير الماكينات الحاصلة على براءات اختراع، لكن الألمان كانوا يهرِّبون الماكينات أو يشترونها في بلجيكا. وكان الأمريكيون الذين يتمتعون بذاكرة جيدة يتفحصون المصانع البريطانية ويقلدون أساليبها فيما بعدُ في وطنهم. وفي بعض الأحيان، كان العمال المهاجرون بحرًا إلى خارج البلاد، يحاكون في مواطنهم الجديدة تشكيلات الماكينات التي غيَّرت وجه التصنيع البريطاني ووتيرته.
بنى العديدُ من البلدان مصانع للغزل، لكن تبين أن نجاح إنجلترا كان ينطوي على ما هو أكثر من تلك الآلات؛ إذ كان من الضروري أيضًا تقليد مهارة المديرين والعاملين الإنجليز وكفاءتهم. وكانت تلك مسألة ثقافة، وهي شيء يصعب تقليده للغاية. ولم يكَدْ أي بلد آخر يضارع إنتاج إنجلترا من المنسوجات والمنتجات الرئيسة في بواكير الثورة الصناعية. ورغم أن الأجور في كل الأماكن الأخرى كانت أقل بكثير من الأجور في بريطانيا العظمى، لم تنجح فرنسا ولا ألمانيا في استغلال ميزة الكلفة هذه. في عام ١٨١١، كان ٤٠٪ من جميع مغازل القطن في العالم تعمل في بريطانيا العظمى، وكانت ٢٢٪ أخرى تعمل في كندا والولايات المتحدة، التي كانت الأجور فيهما مرتفعة أيضًا، وكانت نسبة اﻟ ٣٨٪ الباقية موزَّعة بين ألمانيا، وفرنسا، وروسيا، وبلجيكا، وسويسرا، وإيطاليا، وإسبانيا، والبرتغال، والنمسا، والهند، واليابان، والصين، والمكسيك! كان هذا رقمًا قياسيًّا مذهلًا، وانتصارًا لتصميم الآلة ومهارة العامل.3 خلال نفس الفترة تقريبًا — من عام ١٧٨٠ إلى عام ١٨٣٠ — تضاعف عدد سكان إنجلترا، في حين ازداد إجمالي إنتاجها الصناعي بنحو ٣٠٠٪، وهو معدل نمو مذهل لا سيما وأن بريطانيا كانت خلال أغلب هذه الفترة تخوض حربًا مع فرنسا.

استمر الإبداع — الذي بدأ بمحرك بخاري أوَّلي عام ١٧٠١ — دون توقُّف في بريطانيا العظمى. وبحلول عام ١٨٥١ كانت الملكة فيكتوريا نفسها ترغب في الاحتفال بعبقرية شعبها؛ فافتُتح معرض ضخم، تحت رعاية الأمير ألبرت، بعنوان «أعمال الصناعة» في مبنًى مذهل مصنوع من الزجاج القائم على إطار حديدي أطلق عليه كريستال بالاس. وهناك تمكن الزوار من فحص ١٣ ألف اختراع تم جمعُها من مناجم الفحم، وأحواض السفن، والمكاتب، والمطابخ، والمصانع، والمختبرات في العالم. كان «المخترعون» و«الفنانون» و«الكُتَّاب» هم أبطال المعرض بلا منازع، وظهروا كقامات رومانسية جديدة. كان التأثير الأدوم لهذا العرض الآسِر لثمار الصناعة ناجمًا من تصور جديد للعصر؛ إذ بدأ يظهر أن جميع البشر يتجهون حتمًا نحو إنجاز تكنولوجي ضخم. وكان المعاصرون في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين لا يزالوا مبهورين بالآلات الرائعة لعصرهم إلى درجة أنهم لم يستطيعوا أن يتصوروا كيف لم يكُن أسلافهم يبذلون قصارى جهدهم للوصول إلى عصر الآلات في أسرع وقت ممكن.

وبدأت كتب التاريخ تصف الثورة الصناعية بأنها هدف بشري عالمي، وتوارَى إلى الظل الماضي الذي كان يفتن الأوروبيين من قبلُ، كأمجاد اليونان القديمة أو حماسة الجنود الصليبيين، وتعامل الكُتَّاب مع أولئك الذين لم يحالفهم الحظ بما فيه الكفاية لأنهم ولدوا قبل العصر الحديث بشيء من التعالي. كان الناس يتحدثون عن التصنيع باعتباره غاية، كمدينة عظيمة لطالما كان الرجال والنساء يتَّجهون إليها، على الرغم من أنهم لم يكن باستطاعتهم التنبؤ بما كان سيحدث من بعدهم، مثلما لا نستطيع نحن أن نتنبأ بالأحداث التي ستقع في القرن الثاني والعشرين. لم يبدأ هذا المنظور التاريخي في التلاشي حتى أواخر القرن العشرين، حينما بدأ الكُتَّاب يشيرون إلى «مرحلة ما بعد التصنيع». فبعد أن تم الوصول إلى الحداثة، بات من الواضح أن الحياة البشرية مستمرة بتطلعات واهتمامات جديدة.

وقد تأخرت كتابة تاريخ تدقيقي عن الرأسمالية لأن الحتمية كانت تخيم على تحولات مثل تلك التي حدثت عندما جرى التحول من العربات التي تجرها الخيول في المناجم إلى القاطرات التي تسير على قضبان حديدية محدِثة أزيزًا في جميع قارات العالم. وجد الناس اسمًا لهذا التحسن المتواصل بلا هوادة؛ فقد أطلقوا عليه اسم التقدُّم. في الماضي كانت كلمة «التقدم» تشير فقط إلى الانتقال من مكان إلى آخر، كما يحدث عندما نقول «الانتقال إلى الريف»، والآن صارت الكلمة تجمع معانيَ جديدة؛ فقد قلب التقدم قيمتي الماضي والمستقبل، وما عاد التغيير يثير الذعر، وإنما يؤكد التقدم.

في غضون عشرين عامًا عقب معرض قصر كريستال بالاس، تفوقت ألمانيا والولايات المتحدة على المستكشف الأعظم (إنجلترا) لتأخذَا زمام القيادة في المسيرة الحثيثة للرأسمالية. تجاوز حجم الطاقة البخارية في أمريكا حجمها في بريطانيا العظمى عام ١٨٥٠، ثم تجاوزتها الطاقة الأمريكية بمقدار أكبر بكثير بحلول عام ١٨٧٠، تلتها في ذلك ألمانيا خلال عقد واحد من الزمن. ثم تفوقت أمريكا على بريطانيا العظمى عام ١٨٨٦ بإقدامها على خطوة أخرى من خلال إنتاج الصلب، وفعلت ألمانيا الشيء نفسه بعد سبع سنوات، وتوالت مؤشرات أخرى على نفس المسار.4 لقد فعل الألمان والأمريكيون ما هو أكثر من مجرد نفث الدخان والبخار؛ فقد بدءوا موجة جديدة من الابتكارات في مجال الكيمياء والكهرباء وآلات الاحتراق الداخلي. وللمرة الأولى، تخلَّف الفرَس الرابح الذي أذهل العالم على مدى قرنين من الزمان، ليس فقط في القدرة الإنتاجية بل وفي مجال الابتكار أيضًا. لقد تمتع الذين بدءوا مرحلة التصنيع في وقت متأخر بمعدات أحدث ورءوس أموال واعدة لم تكن قد استُغِلت بعد، وكانت مزارعهم لا تزال قادرة على توفير العمال من أجل تلبية احتياجات رجال الصناعة. قد يبدو مستغرَبًا التحول عن الحديث عن بريطانيا العظمى بعد أن وصلت إلى ذروة انجازاتها التكنولوجية، لكن هذا السرد التاريخي يتتبع الثورات العارمة للرأسمالية، ولا يقتصر على تعداد نجاحاتها المتنوعة.

كانت ألمانيا والولايات المتحدة مختلفتين اختلافًا بيِّنًا جعل نجاحاتهما الاقتصادية تغطي نطاقًا أوسع. فبمجرد أن انكشفت العناصر الأساسية، للتصنيع أمكن تطويعها بحيث تناسب مختلف البيئات والثقافات. وينبهنا المسار الاقتصادي الناجح في حالة بلدين متباينين كهذين أنه لا ينبغي بالضرورة الاتِّكال على صيغة واحدة فقط لإحراز النجاح الاقتصادي. لكن تجاوُز نموذج القدوة الأول تطلَّب بعض المواهب الخاصة؛ فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية منافِسة مميزة على إحراز التفوق الاقتصادي. وقد أظهر المستوطنون قدرة مثيرة للإعجاب على جعل مشاريعهم الاقتصادية جزءًا من النظام الأكبر للتجارة الأوروبية أثناء تبعية أمريكا لنفوذ بريطانيا العظمى الاستعماري. ثم حررهم الاستقلال من المسارات التي كانت تحددها بريطانيا، وأطلق العِنان لكوادرهم التجارية البارعة أيضًا. كانت ألمانيا أيضًا تمتلك مقوِّمات عظيمة للتنمية الاقتصادية كانت تحتاج فقط للاستخلاص من تحت طبقات كثيفة من التقاليد والامتيازات الموروثة التي كانت جاثمة فوقها. وكانت القوى الألمانية مادية وثقافية على حد سواء، وتمثلت في: موارد طبيعية ضخمة، ونظام تعليمي يشجع العلم والتكنولوجيا، وقوة عمل تفخر بما تمتلكه من مهارات وعادات عمل منضبطة.

بالنسبة للولايات المتحدة أصبحت الدفعة نحو التقدم الاقتصادي جزءًا لا يتجزَّأ من شخصيتها القومية الناشئة؛ فقد احتفى الأمريكيون بحبهم للمغامرة وبكفاءتهم باعتبار ذلك وسيلة لتمييز أنفسهم عن أوروبا الإقطاعية المتدهورة. ولأنهم بمنأى عن أي تقاليد أرستقراطية متشددة، كانوا يقدرون صفات الجسارة، وكثيرًا ما بالغوا في تقدير سيطرة الماضي البائد على بلدان أخرى في الخارج. أشار أول تعداد سكاني أُجري عام ١٧٩٠ إلى أن عددًا من السكان يقرب من أربعة ملايين رجل وامرأة — معظمهم من الشباب المتمرسين على العمل — كانوا يعيشون على أخصب الأراضي في العالم، علاوة على أنهم كانوا في سبيلهم لاكتشاف الفحم والحديد والذهب والنفط بكميات ضخمة خلال سعيهم إلى تحقيق السيادة القومية. لكن أول تعداد أشار أيضًا إلى وجود أكثر من ثلاثة أرباع مليون شخص مستعبَد؛ فقد ارتفعت قيمة العبيد ارتفاعًا هائلًا باختراع محلج القطن الذي جعل القطن قصير التيلة — والذي كان يزرع في جميع أنحاء المنطقة — محصولًا مربحًا؛ ما أدى إلى إجهاض أي آمال حملتها المُثُل العليا للثورة في إمكانية الحد من العبودية في جميع أنحاء الجنوب.

وفي عام ١٧٨٩ اعتمدت الولايات المتحدة دستورًا صِيغَ من أجل خلق دولة واحدة تجمع ولاياتها الثلاث عشرة التي كانت من قبلُ تتمتع بحكم شبه ذاتي. في تلك السنة نفسها، كانت ألمانيا اسمًا أكثر منها بلدًا؛ فقد كانت تشير من الناحية الجغرافية إلى ما يزيد على ٣٠٠ من الممالك والإمارات والبلديات المنفصلة بما فيها النمسا. وهكذا كان الشعور القومي في الولايات المتحدة يشجع التنمية الاقتصادية بينما كانت مهمة تحديث العديد من الاقتصادات الألمانية المتعددة في ألمانيا هي الوسيلة اللازمة لخلق دولة واحدة. كان الأمريكيون قبل ذلك يعانون من أن بلادهم عبارة عن مستعمرات اعتادت أن تلعب دورًا ثانويًّا بالنسبة إلى الوطن الأم. وقد ظلَّت ألمانيا أيضًا تنوء تحت عبء التشرذُم لفترة طويلة بعد أن سبقتها جاراتها — إنجلترا، وفرنسا، وبلجيكا، وهولندا، وروسيا، وإسبانيا، والبرتغال — في بناء هويات قومية قوية. وظلت أصداء القومية تتردد طوال القرن التاسع عشر. وشرعت كلٌّ من الولايات المتحدة وألمانيا — على اختلافهما حينئذٍ — في بناء دولتهما. وأضفت هذه الحملة على المسعى الاقتصادي جاذبية أخلاقية ورومانسية وجمالية.

تدين القومية الألمانية بالكثير للثورة الفرنسية وتبعاتها النابليونية. كان نابليون قد شحذ مهارات الجيش الثوري محولًا إياه إلى قوة عسكرية جبارة، وكان يصلح المؤسسات أينما غزَا جيشه، حاملًا ومضات التحديث في ركاب مسير جيشه في جميع أنحاء أوروبا خلال العقد الأول من القرن التاسع عشر. محا نابليون وجود الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي ظلت منذ عام ٨٠٠ تشد وثاق اتحاد كونفدرالي واهٍ من دول أوروبا الوسطى المتحدثة بالألمانية، وشكَّل مكانها اتحادًا كونفدراليا يضم ٣٩ دولة شملت النمسا. إن إرث نابليون واسم تلك البلدة الهولندية النمساوية الصغيرة التي مُنِي فيها بالهزيمة سيظلان عالقين بالذاكرة طويلًا.

بعد معركة ووترلو، اجتمع تحالف من القوى الأوروبية في فيينا وشكل كيانًا خاصًّا أُطلق عليه «الوفاق الأوروبي». كانت تجاوزات الثورة الفرنسية بالغة الإثارة للذعر إلى درجة جعلت حتى الذين كانوا أعداء لبعضهم من قبلُ يتعاونون من أجل هزيمة نابليون. وكانت البلدان المنهكة المشاركة في هذا الاتفاق تستخدم الدبلوماسية بالأساس من أجل إعادة ترتيب الأراضي المحيطة بهدف تحقيق نوع من توازن القوى. فبعد قرن حافل بالخصومات بات يبدو أن السلام جدير ببذل عدة تضحيات. وقد نجح البريطانيون في هذا الاجتماع في حمل الآخرين على إدانة تجارة الرقيق، لكن الهدف الرئيسي من الاجتماع كان تهدئة القارة. ولما لم يكن ثَمَّةَ سبيل للعودة إلى الماضي، كانت مهمة المحافظين هي الإبقاء على الوضع الراهن الذي كانوا قد رسخوه من قبلُ. وكانوا يُلقون باللوم على أفكار التنوير الثورية في إشعال الثورة الفرنسية؛ إذ كانت صيحة استنفار «الحرية والإخاء والمساواة» في رأيهم تمثل هجومًا على الدين والأسرة والسلطات القائمة. وكان الدرس واضحًا، ويفيد بأن الناس بحاجة إلى قبضة حديدية، ومن الأفضل أن تكون يد هذه القبضة مربوطة بتراث قديم يحظى بالتوقير. لم يرغب محافظو مرحلة ما بعد الثورة في الاستعاضة عن مجموعة من الأفكار بمجموعة أخرى أفضل، بل كانوا يرغبون في القضاء على الأفكار الآتية من السياسة قضاءً مبرمًا. كان أفضل شيء على الإطلاق لتحقيق ذلك الاعتماد على الأعراف والعادات التقليدية التي تحث على الطاعة.

على الجانب الآخر من منحنى التعلم، اصطفى الليبراليون الأوروبيون من عقيدة الثورة الفرنسية المستجدات التي كانت تتلاءم على نحو جيد مع مفهومهم للإصلاح؛ فقد كانوا يكرهون هوس العظمة لدى نابليون لكنهم كانوا يشيدون بفهمه للقانون. وكانوا يدافعون عن الحقوق الطبيعية، وأضافوا لها التزامًا بالتجارة الحرة والتنمية الاقتصادية. وكانوا يؤيدون أيضًا توسيع نطاق أصحاب الحق في الاقتراع بهدف صدِّ نفوذ الطبقة الأرستقراطية التي اكتسبت قوة جديدة إثر هزيمة نابليون. فيما بعد، جرت الجولة الثانية من المواجهة في ألمانيا بين المؤيدين المصممين على بقاء الوضع الراهن من جهة، والمستنيرين من جهة أخرى. وفي هذه المرحلة تحديدًا، ما عاد الأمر نزاعًا بين مجموعتين من الأفكار، بل أشبه بمصارعة أذرع بين الليبراليين والأرستقراطيين الذين كانوا قد دبَّروا وهندسوا لاجتماع فيينا.5 أما ألمانيا — لا سيما مملكة بروسيا التي حصلت على مدينتين فضلًا عن وادي الرور الغني بمعدن الحديد — فقد خرجت من هذه الكبوة الأوروبية طويلة الأمد يحالفها النصر إلى حد كبير، لكنها ظلت — مثل إيطاليا — تمثل تكتلًا من الدوقيات والإمارات والمدن المستقلة.

التنمية الاقتصادية والقومية الألمانية

كان واضحًا وضوح الشمس أن الولايات الألمانية المنفصلة تعاني اقتصاديًّا نتيجة لكونها كيانًا متعدد الرقاع من ولايات منفصلة، وليست اتحادًا من ولايات تتمتع بغطاء القومية الواحدة. فقد كانت الإمارات الألمانية الثلاثمائة والخمسون لا يجمعها نظام موحد فيما يتعلق بوحدات الوزن والمقاييس، ومأموريات الضرائب، والحقوق التي تنظم عبور الطريق خلال الممتلكات، والممارسات التجارية، ناهيك عن العملات، والمؤسسات المصرفية، والنقل المجاني. وبدلًا من أن تشجع المدن المستقلة التجارة، كانت تتصرف باعتبارها مراكز إدارية تابعة إمَّا للكنيسة أو لجامعة أو لسلطة أحد أمراء البلاط. وكانت الجيوش — لا سيما في بروسيا — تسيطر على حصة كبيرة من الأموال العامة، وكانت تكاليف الخدمات الإدارية باهظة في كل مكان. وبينما كانت التحسينات في قطاع الزراعة البريطاني ترفع مستوى الشعب المعيشي رفعًا مطردًا طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ظل عبيد الأرض الفقراء يقومون بأعمال الفلاحة في معظم أنحاء ألمانيا.6
في إحدى ليالي التشريع المذهلة أسقط القضاء الفرنسي الديون الإقطاعية القديمة التي كانت تُثقل كاهل الفلاحين الفرنسيين. لكن إنهاء عبودية الأرض في ألمانيا استغرق الكثير جدًّا من الوقت؛ فقد ألغيت في بروسيا عام ١٨٠٧، لكنها لم تُلغَ في ولاية سكسونيا إلا عام ١٨٣٢. وفي بروسيا ظلت نسبة ٦٥٪ من العمال تحرث التربة؛ ومن ثم كانت إعادة هيكلة حيازة الأراضي في المناطق الريفية تكاد تكون قلبًا لأحوال المجتمع بأكمله. بدأ مُلَّاكُ الأرض البروسيون — الذين كانوا ينظرون بعين الحسد إلى المكاسب الزراعية التي تتحقق في إنجلترا وهولندا حيث يعمل ٤٠٪ فقط من العمال في حرث التربة — يفكرون في أن تحرير عمال الزراعة قد يؤدي إلى تحسين الإنتاج الزراعي؛ فمررت الحكومة قوانين تحرر جميع عبيد الأرض، وفي الوقت نفسه تعوض الملاك عن فقدان جزء من دخلهم من عائدات الغرامات والإيجارات. أعطى هذا الإصلاح أراضي الفلاحين الذين لم يكونوا يملكون ما يكفي لزراعتها على نحو فعال إلى ملاك الأراضي أيضًا. ولن يُصدم القراء العصريون حين يعلمون أن ملاك الأراضي — الذين كانوا يسيطرون على الحكومة — حصلوا على مئات الآلاف من الفدادين من العبيد الذين جرى تحريرهم حديثًا، والذين تُرِكوا ليتدبروا أمورهم بأنفسهم باعتبارهم عمالًا زراعيين.7

وعندما اكتملت عملية الانتقال من عبودية الأرض إلى العمالة الحرة، ظل جنوب غرب ألمانيا محتفظًا بالمزارع الصغيرة التقليدية، وتضاعف عدد المزارع حتى في بروسيا، وازداد من أقل من مليون مزرعة عام ١٨١٦ إلى ما يزيد على مليونين عام ١٨٥٨. كان هؤلاء العبيد السابقون الذين أصبحوا يملكون ما يكفي من الأراضي لزراعتها يعملون لحساب أنفسهم، بينما كانت الأراضي البروسية الشاسعة تعتمد على عمال لا يملكون أرضًا، لكن كميات الحصاد لم تزد زيادة ملحوظة إلا بنهاية القرن.

كانت المراكز الألمانية الحضرية لا تكاد تفوق الريف تقدمًا؛ فقد ظلت النقابات المهنية تقمع المنافسة وتملك القدرة على صد الابتكارات حتى فترة متأخرة من أواسط القرن، وكانت هناك عقبات كئود تحول دون انتقال الأشخاص والمنتجات والأفكار عبر هذه الولايات العديدة. ولم يكن هناك ما يدعم أحلام الناس بألمانيا الموحَّدة سوى اللغة المشتركة وذكراهم عن الماضي، حينما كانوا متحدين تحت راية الإمبراطورية الرومانية المقدسة، لكن ذلك كان كافيًا بالنسبة لقادة بروسيا التي جعلها جيشها البطل المرجو لتحقيق الاتحاد. كانت بروسيا تمتلك الفحم والحديد والمستثمرين والإرادة السياسية اللازمة لرعاية التنمية الاقتصادية، وكان قادتها يدركون أن الطريق إلى سيادة قومية هو تحقيق التنمية التجارية، على الرغم من أن الأرستقراطيين البروسيين كانوا يبغضون الطبقة الوسطى الحضرية التي كانت تهيمن على التجارة. لكن لم يكن أمامهم خيار آخر؛ فقد كانوا بحاجة لثروة للإنفاق على جيشهم والحفاظ على تقاليده العسكرية الموقَّرة.

تركزت إمكانية قيام الدولة الألمانية الكبيرة في مملكة بروسيا، التي كانت مساحتها تفوق مجموع مساحات بافاريا وهانوفر ووستفاليا مجتمعة، وهي الولايات الثلاث التي تليها من حيث المساحة. وفي تناغم رائع بين الحوافز الاقتصادية والسياسية، كانت بروسيا تجذب ولايات ألمانية أكثر فأكثر للانضمام إلى اتحاد «الزولفرين»، وهو اتحاد تجاري موحد كانت قد أسسته عام ١٨١٧. وقد استفاد بعض رجال الأعمال نتيجة لوجود سوق داخلية موسعة توفر الحماية من المنافسة الأجنبية، لكن مناطق أخرى كانت تعاني من المنافسة التي خففت التعريفات الجمركية من حدة تأثيرها، لكن ظل اتحاد «الزولفرين» ينمو عامًا بعد آخر، مدعومًا باستعداد بروسيا لبذل تضحيات مالية من أجل كسب قبول ولايات كبرى في الجنوب. وكان التحسُّن الاقتصادي يغذي الأمل في جمع الولايات الألمانية المختلفة في حظيرة قومية واحدة.

ساعد مفهوم جديد على دفع الوحدة الألمانية قُدمًا؛ فمن قبل كان الناس ينظرون للاقتصادات بوصفها إما قوية أو ضعيفة، لكن بعد أن بدأت إنجلترا تمضي قُدمًا بسرعة متجاوزة مستوياتها الإنتاجية، بدأ الناس يتحدثون عن الاقتصادات بوصفها متقدمة أو متخلفة.8 كانت هذه طريقة جديدة على نحو مدهش للنظر إلى الأنشطة الاقتصادية؛ فقد كانت الاقتصادات القديمة تتضمن ببساطة المهام المتكررة العتيقة التي شملت إطعام الناس وإنتاج مواد مفيدة ثم إتاحة تبادلها. لكن وفقًا للمنظور الجديد، بات ينتظر من الاقتصادات أن تحدث التطور أو أن تكون مسئولة عن حدوث التخلف. وكان لكلمة «متخلفة» رنين يختلف في وقعه عن وقع كلمة «تقليدية»؛ فقد كانت فكرة التخلف تلهب التنافس فيما بين النمسا وبروسيا وروسيا وفرنسا وإنجلترا. وهذه الرؤية الخطية للتاريخ بوصفه حركة تقدمية مألوفة للغاية بالنسبة لنا بدرجة تجعلنا نغفل تأثيرها المبدئي بسهولة. ففي الماضي، كانت القوة العسكرية تأتي في المقام الأول، خصوصًا في ألمانيا التي كانت مسرحًا لجانب كبير من الصراع. ومن ثم كان ارتفاع كلفة الحفاظ على المؤسسة العسكرية يجعل التنمية الاقتصادية للدولة ضرورة حاسمة لدعم مكانتها في النظام الدولي. وفي ظل مواصلة بريطانيا العظمى صعودها الصناعي، ازداد ارتباط صنع الثروة بممارسة القوة أكثر من أي وقت مضى.

قدمت السوق الألمانية المحلية الكبيرة الحافز الذي يشجع التنمية، وحملت شرايين الراين والأودر والفيسر والإلب معظم الحركة التجارية عبر القنوات المجهزة للملاحة. ثم ظهرت البواخر في عشرينيات القرن التاسع عشر، فأعقب ذلك بناء مزيد من القنوات. لكن أكثر الاختراعات إحداثًا للتحول في ألمانيا القرن التاسع عشر كان قطار السكك الحديدية، ولا أعني العربات التي تجرها الأحصنة وتسير على قضبان، والتي كانت مستخدمة في مناجم الفحم منذ فترة طويلة من قبل؛ بل القاطرة التي تسير على خطوط السكك الحديدية، والتي تحمل الشحنات صعودًا للتلال وهبوطًا منها، وعبر السهول الكبرى، مباشرة نحو أرصفة التحميل في المدن الساحلية. كان كل ما يتطلبه ذلك هو تمهيد الطريق، ويفضل أن يتم ذلك وفقًا للأبعاد القياسية. لقد قلصت السكك الحديدية — التي أتقن الإنجليز صناعتها في ثلاثينيات القرن التاسع عشر — زمن قطع المسافات بين الأماكن والأشخاص والمنتجات أكثر مما فعلت السفن ذات الأشرعة المثلثة قبل ثلاثة قرون من ذلك الوقت. وأصبحت القنوات في ألمانيا — كما هو الحال في الولايات المتحدة — مكملات مهمة للنقل بالسكك الحديدية.

امتدت الولايات الألمانية عبر وسط أوروبا بين الغرب المتجدد متمثلًا في فرنسا وبلجيكا وهولندا والشرق المتخلف متمثلًا في روسيا وبولندا ودول البلقان التي كانت لا تزال جزءًا من الإمبراطورية العثمانية. وكانت السكك الحديدية الألمانية تربط بين نصفي أوروبا هذين، وقد شجع تشييدها على إصلاح طرق التجارة البرية المتردية وحفز اقتصادات جارات ألمانيا، وهذا دائمًا ما كان يمثل سياسة حكيمة إذا كان بلد ما ينتج ما يمكن بيعه. وتوسع اتحاد الزولفرين جراء اختيار مزيد من الإمارات الألمانية الانضمام إليه، بالتزامن مع طفرة خيالية في تشييد السكك الحديدية.9 وكما يحدث في أغلب الأحوال مع التكنولوجيا، كانت كل منطقة مثمرة تحفز أخرى؛ فقد شجع تشييد السكك الحديدية أنشطة استخراج المعادن ومعالجتها وصنع الأجهزة في ألمانيا. وكانت خطوط السكك الحديدية في فرنسا تتشعب من باريس، وتربط بين المراكز الصناعية في ألمانيا.

وخلافًا لمعظم البلدان غير النامية في الوقت الحالي — هذا هو مصطلح القرن العشرين الذي حل محل وصف «المتخلفة» القاسي — كانت ألمانيا تمتلك رأس المال اللازم لتشييد خطوط السكك الحديدية. وكان أصحاب مصارف خاصة مثل إدموند روتشايلد وميندلسون يشكلون مصدرًا رئيسيًّا لصناديق الاستثمار. لكن نظرًا لأن هذه المؤسسات كانت يهودية، أتاح ذلك لبعض المحافظين الفرصة لأن ينفثوا سم معاداة السامية في مناقشات المشاكل الاقتصادية. كانت هناك أيضًا مؤسسات مصرفية مرموقة خاصة مملوكة لمسيحيين فرنسيين. ومن وجهة نظر اجتماعية، كان من الممكن النظر إلى أصحاب المصارف على اعتبار أنهم غرباء، لكن فروعهم وعلاقاتهم في أمستردام وبروكسل وباريس ولندن أدت إلى تعزيز قدرتهم على تمويل التصنيع الألماني؛ لذا كانت المؤسسات المالية ضرورية في هذه الفترة المبكرة. صحيح أنه لم يكن ثمة نقص في المعروض من رأس المال، لكنه كان موزعًا على عدد من السكان الذين يفتقرون لأية دراية بالاستثمارات.

كان لزامًا على بروسيا استبعاد النمسا من أي ترتيبات جديدة كي تتمكن من السيطرة على الدولة الألمانية المستقبلية؛ فنشر أوتو فون بسمارك — مهندس الأمة الألمانية العظيم — بذكاء قوات الجيش البروسي ضد الدنمارك والنمسا وفرنسا في سلسلة من الحروب القصيرة التي أمَّنت توحيد ألمانيا وفقًا لشروطه. وبحلول عام ١٨٧١ كانت هناك إمبراطورية ألمانية جديدة يحكمها ملك بروسيا باعتباره إمبراطورًا. وأزاحت أسرة هوهنتسولرن الحاكمة المتعاظمة السلطة الخابية لإمبراطورية هابسبورج التي باتت تضم النمسا والمجر فقط. وما إن تحقَّق التوحد، حتى أصبحت ألمانيا عملاق الصناعة في أوروبا. انتصر بسمارك بسياسته «الحديد والدم»، بينما أخفق ما كان هو يطلق عليه من قبيل الاستخفاف «خطب» خصومه الليبراليين و«قراراتهم التي تُتَّخذ بالأغلبية».

كانت ألمانيا قد انتزعت من فرنسا تعويضًا ماليًّا ضخمًا، بالإضافة إلى حصولها على إقليم الألزاس واللورين بمثابة غنيمة نصر من الحرب الفرنسية البروسية. وأثار استيلاؤها على وادي الرور الغني بمعدن الحديد موجة نزوح داخلي كبيرة من الأجزاء الألمانية الشرقية المكتظَّة بالسكان إلى الغرب الصناعي. وتمخض الازدهار الناجم عن ذلك عن حماسة تبين أنها مشجعة للتنمية الاقتصادية. مرة أخرى، أثبتت الاختلافات الثقافية أنها مؤثرة؛ فقد أثبت السكان في ألمانيا أنهم أكثر حراكًا من سكان فرنسا مثلًا، حيث كان نظام تقسيم الميراث يجعل الأبناء الأصغر سنًّا قابعين في أرض الوطن في انتظار الحصول على حصة من ممتلكات آبائهم. بدأ الألمان أيضًا عبور المحيط الأطلنطي؛ لبناء حياة جديدة في العالم الجديد. وشكل الألمان والأيرلنديون نسبة ٨٠٪ من التسعة ملايين مهاجر الذين وفدوا إلى الأمريكتين — لا سيما الولايات المتحدة — في العقود الوسطى من القرن التاسع عشر.10

المبادرة الفردية في الولايات المتحدة

في الولايات المتحدة، حدث تطور المجتمع التجاري في ظل ظروف استثنائية ومختلفة على نحو جدير بالملاحظة. كان التحول إلى التجارة يعمل على نحو تفاعلي مع الديمقراطية لتسريع وتيرة التنمية الوطنية. كان الأمريكيون قد دفعوا غاليًا جدًّا من دمائهم وأموالهم ثمنًا لثورتهم، لكن عام ١٧٨٩ أذِنَ بنهاية فترة طويلة من العُسر الاقتصادي. وشجع انتعاش الرخاء شق الطرق، وتوسيع نطاق الخدمات البريدية، وإصدار الصحف. وسرعان ما صارت الولايات المتحدة تطبع نسخًا من الصحف يفوق عددها نسخ الصحف التي تطبع في أي بلد آخر في العالم، بصرف النظر عن الحجم. وتزامن قيام الحكومة الجديدة بموجب الدستور مع هذا التحول الاقتصادي.

كان وزير الخزانة، ألكسندر هاميلتون، يعتقد أن رأي آدم سميث الذي يذهب إلى أن الاقتصاد يستطيع تنظيم نفسه رأيٌ مجنون. ربما كان هذا لأن هاميلتون علم جيدًا أن تحويل الديون الناجمة عن الثورة إلى شيء ذي قيمة لم يكن ليتم إلا بسلطته وخبرته؛ فقد تمكَّن من إنجاز هذا بتوحيد جميع سندات الديون المستحقة على الدولة والحكومات الفدرالية. ثم أصدر بعد ذلك «الأوراق المالية» لسدادها، وخصص ضرائب معينة لتمويل الفائدة على هذه الإصدارات. وسارع المستثمرون بشراء كل الديون. وبفضل براعة هاميلتون المالية، أصبحت الولايات المتحدة مكانًا آمنًا لتخزين المال. واستثمر معظم الأوروبيين الذين اشتروا أوراق هاميلتون المالية ما اكتسبوه من فوائد في مختلف مشاريع البلاد الخاصة. يمكنك أن تقول إن الولايات المتحدة أصبحت أولى أسواق المجتمع المالي الناشئة. وفي الوقت نفسه، أضافت الحرب الأوروبية التي أشعلتها الثورة الفرنسية ميزة للمواد الغذائية الأمريكية؛ فقد أصبح شاحنوها ناقلين محايدين للدول المتحاربة.

تبين أن المنافسة والعقبات — ما لم تكن ساحقة — تشكل محفزًا فعالًا للتنمية الاقتصادية؛ إذ طور الشماليون — الذين كانوا يعملون منذ القرن السابع عشر بجِدٍّ من أجل تحقيق مكانة في السوق العالمية — المؤسسات والصفات الشخصية التي تشجع الرأسمالية، في حين كانت النخبة من أصحاب المزارع الجنوبيين — الذين كانوا ينتجون المحاصيل الرئيسة — يركنون إلى الراحة، أو بتعبير أدق، يعولون على ما تدرُّه مزارعهم من أرباح سخية، في بادئ الأمر من التبغ والأرز، وفيما بعدُ من القطن. وكانوا ينفقون بسخاء للحفاظ على أسلوب عيشهم الأرستقراطي ويحجبون — بأقصى ما في وسعهم — الواقع الأليم المتمثل في اعتمادهم على عمالة العبيد.

كان امتلاك العبيد بمثابة نوع من بوليصات التأمين بالنسبة لأسيادهم؛ فقد ورث توماس جيفرسون ١٣٥ عبدًا عقب أن توفي حموه عام ١٧٧٤ (قبل أن يتولى رئاسة الولايات المتحدة). وكانت إليزابيث هيمنجز (وهي أَمَة قيل إن حمو جيفرسون كان الأب غير الشرعي لستة من أبنائها) وأطفالها التسعة من بين هؤلاء العبيد. وحينما توفي جيفرسون في وقت لاحق عن عمر ٥٢ عامًا، كان عدد العبيد الذين يملكهم من آل هيمنجز يزيد على ٧٠ عبدًا. وقد ارتفعت قيمة العبيد ارتفاعًا جنونيًّا بعد أن أدى استخدام محلج القطن إلى زيادة ربحية محصول القطن قصير التيلة الذي كانت تصلح زراعته في جميع أنحاء الجنوب. في الواقع، نادرًا ما ظهر اختراع في وقتٍ مُواتٍ كهذا. كانت مصانع النسيج تنتشر في بريطانيا العظمى وفي أماكن أخرى. وكان تخصص ولايات الجنوب في إنتاج القطن سببًا في زيادة طلب سكانها على المواد الغذائية، والمنتجات الخشبية، والسلع المصنَّعة التي يمكن أن توردها ولايات الشمال. وأصبح تصنيع الأحذية والملابس الرخيصة من أجل العبيد مشروعًا ابتدائيًّا مناسبًا بالنسبة للكثير من صغار رجال الأعمال العصاميين.

لكن لا بد من مقابلة الثروة الكبيرة من عمالة العبيد بالخسارة الفادحة التي تكبَّدها الجنوب من رأس المال الثقافي، والتي تمثلت في مهارات لم تُتعلم، وفرص استثمارية تُركَت غير مستغَلة. وما كان أقل وضوحًا هو ذلك الاستنزاف الهائل للموارد الأخلاقية في المنطقة، والذي ظهر في الدفاع عن نظام اجتماعي (العبودية) كان آخرون يعتقدون على نحو متزايد أنه لا يمكن تبريره والدفاع عنه. كانت كل ولايات الشمال قد توصلت إلى طرق لإلغاء الرق تدريجيًّا بحلول عام ١٨٠١، وحظر دستور الولايات المتحدة استيراد العبيد من أفريقيا بعد عام ١٨٠٨. ومع توسع حدود ولايات الجنوب، تضاعف ثمن بيع العبيد في السوق المحلية خلال عقد واحد من الزمن. وأدى استنزاف التربة في ولايتي فيرجينيا وميريلاند إلى إغراء أصحاب المزارع المنهكة ببيع ما يملكونه من الاحتياطي المادي من العبيد.

كانت تجارة العبيد المحلية تمثل النشاط الاستثماري الكبير الوحيد في الجنوب. ونتيجة لتدهور خصوبة الأراضي الشرقية — نتيجة لاستنزافها في زراعة محصول القطن بإفراط — بات توسيع الحدود يمثل كنزًا من الثروة غير المستغلة. لكن أكبر الخاسرين في هذه الحقبة الجديدة من التوسع الجنوبي كانوا الأمريكيين الأفارقة الذين تلاشت فرصهم الفعلية في العتق بمجرد أن ارتفعت قيمتهم؛ فانتزع الرجال والنساء والأطفال من بين أهليهم وجيرانهم وأُجبِروا على الانتقال إلى الولايات الغربية: جورجيا وألاباما ومسيسيبي؛ مما أدى إلى زيادة توغل نظام العبودية في عمق القارة. فقبل وصول السكك الحديدية التي عززت حركة التجارة عبر المسافات الطويلة، كانت تجارة العبيد الداخلية تمثل التجارة الأهم فيما بين الولايات الأمريكية، وهذه حقيقة نادرًا ما يرد ذكرها في كتب التاريخ الأمريكي. وبحلول عام ١٨٢٠، كان أكثر من مليون أمريكي أفريقي قد انتقلوا من ولاياتهم الأصلية إلى ولايات ألاباما ومسيسيبي ولويزيانا.11

حينما تولَّى جيفرسون الرئاسة عام ١٨٠١، عمل على وجه السرعة على إسباغ الديمقراطية على إنجازات هاميلتون، بتفكيك البرنامج الفدرالي المالي، وتخفيض الضرائب، وخفض حجم الخدمة المدنية؛ وبذلك جنت الولايات المتحدة أفضل ما يمكن الاستفادة به من نهجين مختلفين، من خلال البرامج الاقتصادية التي نفَّذها كلٌّ من هاميلتون وجيفرسون؛ فقد كان هاميلتون يرفض الرأي القائل بأن الناس العاديين يستطيعون استغلال أموالهم بحكمة، ومن ثَمَّ تجنُّبَ أكثر العناصر تقلبًا في الاقتصاد، لكنه اكتسب ثقة المستثمرين في الداخل والخارج. في المقابل، لم يكن جيفرسون يثِق بالممولين، وكان يريد تحرير فئة العمال البيض من غطرسة رؤسائهم. وكان إيمانه بضرورة الحد من سلطة الحكومة يعزى جزئيًّا إلى إصرار مُلَّاكِ العبيد على عدم التعرض لأية مضايقات من جانب الحكومة الفدرالية.

نبذ جيفرسون ما كان هاميلتون ينتهجه من توجيه مركزي للاقتصاد، فحرر الأموال والائتمان من السيطرة الوطنية وترك للولايات والشركات الخاصة مهمة تزويد البلاد بالمصارف المتنافسة.12 على مدار الخمسين سنة التالية، تولت الولايات التي حرمها الدستور سلطة عرقلة التطورات الاقتصادية زمامَ المبادرة في تشجيع هذه التطورات، وأسست هذه الولايات بنية تحتية من البنوك والطرق والقنوات، وفي الوقت نفسه قدمت منحًا وتراخيصَ وعقودًا لمشاريع واعدة وأخرى غير واعدة أيضًا.13 ومن قبيل المفارقة أن رئيس المحكمة العليا القاضي جون مارشال الذي عيَّنه الفدراليون في آخر لحظة لمراقبة الرئيس جيفرسون المنتخب حديثًا أصدر قرارات ممتازة ضد الاحتكارات التي تمنحها الحكومة وغيرها من انتهاكات العقود؛ ما أدى إلى دعم نطاق التجارة الحرة وتشجيع التجارة القائمة على المنافسة لا على الامتياز، وهو ما كان أحد أهداف جيفرسون أيضًا.

إذا كان الدستور هو الذي وضع حجر الأساس لمجتمع أمريكا الليبرالي، فإن الاقتصاد الحُرَّ هو الذي رفع دعائمَ هذا المجتمع. فقد أخذ نظام اقتصادي جديد يتشكل — بعد أن حظي بالتصديق — مزيلًا معظم آثار النظام الاقتصادي الذي كانت بريطانيا العظمى تسيطر عليه. وأدى القضاء على سيطرة الاستعمار على الأراضي والأرصدة إلى تمكين الآلاف من العاملين من تنفيذ خططهم في ظل توفُّر التمويل المفعم بآمال عريضة. علاوة على أن التزام جيفرسون بتحقيق لامركزية السلطة الحكومية مدَّ نطاق الفرص إلى مناطق أمريكا الريفية، التي كانت تمتاز بالفعل باحتوائها الكثير من الجداول المائية وروافد الأنهار التي يمكن تحويلها إلى طاقة مائية، وهي الطاقة التي ظلت تشكل المصدر الرئيسي للطاقة اللازمة للتصنيع الأمريكي على مدى عدة عقود. وفيما تعد مصادفَةً سارَّة، كانت حركة مبادرة نبذ المركزية هذه مصحوبة بجهود ناجحة لربط الأجزاء التي تتبع اتحاد الحكومة الفدرالية (ولايات الشمال) بالطرق والقنوات، ثم في وقت لاحق، بالبرق والسكك الحديدية. وكان الكونجرس أيضًا يشجع شكلًا غير رسمي من أشكال الوحدة من خلال توسيع نطاق الخدمة البريدية، وتعهده بتكاليف إرسال صحف البلاد المتزايدة إلى مختلف الأرجاء.

دفع التلهف لامتلاك مزارع خاصة تيارًا لا نهاية له نحو الغرب من الأمريكيين المؤمنين بأنهم يملكون الحق في الحصول على الأرض. وكان الاستيلاء على أراضي القبائل المحلية يستلزم منهم دفع ثمنها أو التفاوض للحصول عليها أو اغتصابها بالقوة من القبائل التي كانت تعيش هناك منذ قرون. في تلك المرحلة صارت صفة «الأعداء» مقرونة بكلمة «الهنود»، ووصفت الصحف ما خاضه السكان الأصليون من قتال عنيد في سبيل إنقاذ أراضي الصيد التي ورثوها عن أجدادهم بأنه من أمثلة الوحشية. وكان الغزاة يبرِّرون اقتحامهم تلك الأراضي على أساس أن السكان الأصليين قد فشلوا في تحسين الأراضي، أو على الأقل فشلوا في تحسينها بالأسلوب الذي اتَّبَعه الأوروبيون. وقد أَضفَت الرأسمالية — التي كانت تحظى بالترويج المطَّرد — نوعًا من العدالة الباطلة على توغل الأمريكيين في أراضي البرِّيَّة. وتواصلت المناوشات والمعارك الضارية بين الغزاة والمدافعين عبر أنحاء مستوطنة أوهايو وأودية المسيسيبي.

ما من شيء كان يمكن أن يكبح جماح تيار الرجال والنساء المتعطشين للأرض، والذي كان يتدفق من الأراضي التي كان الأمريكيون قد أعلنوا ملكيتهم لها قبل ذلك بزمن طويل. أطلق هؤلاء على أولى هيئاتهم التشريعية التي نشأت عام ١٧٧٤ اسم «الكونجرس القاري». وحينما شكل جورج واشنطن حكومته الأولى بعد خمسة عشر عامًا، قال إنه يريد أن يطبع الرجال أنفسهم «على تقدير الأمور على مستوى القارة بأسرها». وبعد حرب عام ١٨١٢، منح الكونجرس لكلٍّ من محاربيه القدامى ١٦٠ فدانًا من الأراضي الواقعة بين ولاية إلينوي وروافد المسيسيبي، وانتعشت حركة العائلات نحو الغرب بعيدًا عن مراكز السلطة والانضباط بالشرق. وحينما افتتحت مكاتب لبيع الأرض على الحدود، ارتفعت المبيعات ارتفاعًا جنونيًّا، وباع معظم المحاربين القدامى حقوق استغلال أراضيهم لمضاربي الأراضي في المدن الشرقية، ونمت المجتمعات على الحدود سريعًا كما تنمو زهور أقحوان في مرج صيفي. وبحلول عام ١٨١٥، وصلت المبيعات السنوية للأراضي الوطنية إلى ١٫٥ مليون دولار، ثم زادت إلى أكثر من الضعف بعد ذلك بأربع سنوات،14 وصار إنتاج المواد الغذائية المشروع الأكبر للأمريكيين. وباستمرار انتقال الأمريكيين إلى أراضٍ أجود فأجود على مدى سنوات القرن، وصل المزارعون الأمريكيون أخيرًا إلى كاليفورنيا التي لا يزال واديها الأوسط الخصب إلى يومنا هذا أحد أكبر مصدري العالم للقطن والخضروات، والماشية والدواجن، والمكسرات والفواكه.

كان الحراك الجغرافي الأمريكي يذهل الزوار الأجانب الذين كتبوا لأوطانهم يصفون القافلة المتموِّجة من العربات المتلوية كالأفعى على طول الطريق إلى مدينة بيتسبرج، حيث يستطيع المسافرون من هناك استقلال الطوف إلى ولاية أوهايو. كان المجتمع الأمريكي يمثل لهؤلاء الزوار مشهدًا حيًّا دائم التغير، يتغير بانتقال الناس، وتمهيد الطرق، وتسوية الأراضي، وتشييد المباني في عملية إعادة تشكيل مستمرة دون كلل للبيئة المادية. ولم يكن البشر العاديون قد حظُوا من قبلُ بمثل هذه الفرصة لخلق رأس مالهم الخاص؛ فحققوا ازدهارًا نتيجة لتوفر الأراضي الرخيصة، والقروض الميسرة، والأسواق المهيأة في الداخل والخارج لاستقبال محاصيلهم. وكان البعض يستولي على أرض جديدة غير مأهولة، ثم يبيعها فيما بعد بربح كبير عندما ينتقل أشخاص آخرون للعيش في المنطقة. كان الحصول على الأرض يعني تعظيم العمل الأسري للحد الأقصى؛ فحينما وجد أحد رواد ولاية أوهايو أن مزرعته — البالغة مساحتها ١٠٠ فدان — لا توفر «عمالة كاملة» لأبنائه، غامر بكل مدخراته في شراء ما يكفي من الأراضي لاستيعاب كامل قدرتهم على العمل. لم يكن المزارعون يفكرون في الاستفادة من العمالة المتوفرة لديهم فحسب، بل كانوا يأخذون في اعتبارهم عمالة أبنائهم أيضًا.

وعلى الرغم من أن الأراضي في أوهايو كانت تعاني سوء التصريف، أشار معظم الرواة الذين عاشوا على الحدود في تلك الفترة إلى الوفرة المذهلة لمحاصيلها. وساعدت العائدات الناتجة من بيع القطن في الخارج في تسوية الديون الدولية. لكن الحدود الشمالية دفعت التنمية الاقتصادية إلى بناء المدن بالمئات. وقد أُسست أربعة ملايين أسرة مزارع جديدة من عام ١٨٦٠ إلى عام ١٩٢٠، وازداد رهن المزارع شيوعًا حينما خفضت الهيئات التشريعية للولايات معدلات الرهن إلى أقل من ١٢٪ بعد الحرب الأهلية.15 لطالما أضفي طابع رومانسي على الزراعة على مر السنين، لكن عمل المزارع كان يُعد في نظر الكثير من المعاصرين عملًا مضنيًا؛ فقد حدث أن عبر أحد المستوطنين عن حسرته لأنه لم تكن هناك أي وظائف في مصانع حينما كان صبيًّا فاضطر لإعداد نفسه منذ الصغر لأن يصبح مزارعًا. كان بعض الأبناء والبنات — لا سيما ذوي الميول الثقافية — يقررون هجر مزرعة الأسرة والبحث عن وظائف معلمين في المدارس، وهذا مجال آخر كان آخذًا في الاتساع.
كان رواد الأعمال يأتون من خارج دائرة العائلات الاستعمارية الثرية، فيما عدا استثناءات قليلة. فكانوا ينحدرون من طبقة وسطى متنامية تمتاز بأخلاقيات العمل وانفتاحها على الأفكار الجديدة، وكانوا يقترضون من الأهل والأصدقاء، ويستثمرون عرق جبينهم، ويفشلون أو ينجحون على نحو متكرر. ونتيجة لهذه التقلبات، كانت حالات «الذعر المالي» و«الكساد» تحدث كل ٢٠ سنة، وكانت خسائر البشر من الدولارات وخيبات أملهم كبيرة، لكن الاقتصاد الشاب كان مرِنًا بما يكفي لأن يتعافى سريعًا، علاوة على أن إزالة القيود الاستعمارية التي كانت تكبل التصنيع أطلقت العِنان لبراعة اليانكي (مستوطني ولايات الشمال). وكم من صبي فقير من بين أبناء الجيل الذي وُلد بعد الثورة اكتشف موهبته في صنع الساعات، أو الأزرار، أو الأسلاك الصناعية، أو المنسوجات، أو الأحذية، أو القبعات، أو آلات البيانو، أو المطاط المفلكن (المعالج بعنصر الكبريت)، أو المحركات البخارية من مختلف الأنواع! كان إيلي ويتني — الذي اخترع محلج القطن — أول من خرج بفكرة الأجزاء القابلة للحلول محل بعضها في مجال التصنيع، وذلك حينما حصل على عقد لصنع بنادق من أجل الجيش. وأتاح التخصص فرصًا تجارية لمجتمعات بأكملها. كانت مدينة ويذرسفيلد بولاية كونيتيكت — على سبيل المثال — تورد إلى السوق مليونًا ونصف المليون بصلة سنويًّا،16 واخترع ليفي ديكنسون أول مقشة من ألياف نبات الذرة. وبحلول عام ١٨٣٣، كان أهالي مدينة هادلي بولاية ماساتشوستس ينتجون نصف مليون مقشة سنويًّا. وقد لاحظ أحد الرحالة الإنجليز أنه لم يحدث قط أن تناهى إلى سمعه «أي حديث بين اثنين من الأمريكيين دون أن ترد كلمة» دولار «ضمن الحوار» وأضاف أن هذا بصرف النظر عن المكان الذي تجري فيه المحادثة سواء «في الشارع، أو على الطريق، أو في الحقل، أو في المسرح، أو في المقهى أو المنزل».17
كانت فرص السوق تأتي المشاركين الجدد في أشكال جديدة. وتكشف براءات الاختراع التي أصدرها أول مسئول عن منح براءات الاختراع عن الاجتياح الكامل للخيال التجاري. ونظرًا لأن النظام الأمريكي لبراءات الاختراع كان يتميز بسهولة الحصول على البراءة وانخفاض كلفتها، استفاد الناس العاديون من هذه الحماية، وازداد عدد طلبات براءات الاختراع على نحو بالغ في ظل ارتباط البلدات الريفية بالسوق الوطنية من خلال منظومة من الطرق والقنوات والسكك الحديدية؛ فقد حصل عشرات من الأمريكيين العاديين على براءات اختراع أجهزة في مجالات الصناعات المعدنية، والعمليات الكيميائية، والأدوات الهيدروليكية، وعُدد الماكينات، ووسائل الراحة المنزلية. بينما كان هناك آخرون يحلمون بالاختراعات فقط، مثل أحد مؤلفي الكتيبات الذي تفتق ذهنه وأوحى لقرائه بأن أشرعة بارتفاع ٢٠٠ قدم يمكن مدها عبر مسافة ميل واحد كي تجمع الرياح وتحوِّلها إلى طاقة تعادل قوة مائتي ألف رجل!18
بعد عام ١٨٣٤، صار مكتب براءات الاختراع الأمريكي يدقق في فحص طلبات الحصول على البراءة بحثًا عن الأشياء الحديثة والمفيدة. ورغم أن هذه الخطوة قللت عدد البراءات الممنوحة؛ فقد أثبتت أنها بمنزلة هدية للمخترعين المغمورين الذين يعوزهم التمويل، والذين كان نجاحهم في الحصول على براءة اختراع بمثابة تصويت بمنح الثقة في الاختراع وإقرار بأهميته.19 وأثبتت كل فكرة وجدت طريقها إلى التطبيق المادي من خلال آلة جديدة مدى خطأ دعاة التمسك بالأساليب القديمة، الذين استحضروا الماضي ليتنبَّئُوا بأن العالم يحوي أكثر مما هو لازم من الساعات والمحركات البخارية والمواقد … وأيًّا ما يخطر على بالك من الأجهزة الأخرى. وأصبح التجديد — الذي كان عادة يبدو أنه خروج على ما هو متوقَّع فيما يتعلق بالنحو الذي يجب أن تكون عليه الأمور — أهم السمات الثابتة في حياة الأمريكيين. وبعد قرون عديدة من مقاومة التغيير، باتت منتجات جديدة في القرن التاسع عشر تنتشر في بعض الأحيان لا لسبب آخر سوى لأنها حديثة فحسب.

بعد أن تحرر التجار الأمريكيون من القيود البريطانية، باتوا يرسلون سفنهم على طول ساحل كاليفورنيا وعبر المحيط الهادي وداخل مياه المحيط الهندي. وقد جنى أول مليونير في أمريكا، إلياس باسكت دربي، أمواله من خلال فتح أسواق في روسيا والشرق. وكان من دواعي سرور مصممي السفن والشاحنين الأمريكيين أنهم تفوَّقوا على الإنجليز ببناء السفن الشراعية السريعة على طول ساحل نيو إنجلاند. كان خط نيويورك بلاك بول يستحوذ على حركة نقل المسافرين وطرق البريد في شمال المحيط الأطلنطي. وممَّا أذكى المنافسة أكثر أن بدأ التجار الأمريكيون يرسلون سفنهم السريعة تلك إلى الصين كي تجلب الشاي لأسواق لندن، الأمر الذي حفز تسابقًا محمومًا على جلب السلع من الصين.

كان ألكسي دي توكفيل — مؤلف كتاب «الديمقراطية في أمريكا» — قد خبر ما يكفي من الاقتصاد كي يتنبأ بمسار أمريكا التصاعدي؛ فقد كتب يقول: «إن الاستقلال منح (الأمريكيين) موجة جديدة وقوية لعبقريتهم البحرية … واليوم بات الأمريكيون أنفسهم هم الذين يجلبون تسعة أعشار منتجات أوروبا إلى وطنهم، وهم أيضًا الذين يجلبون ثلاثة أرباع صادرات العالم الجديد للمستهلكين في أوروبا.» وبعد أن أشار توكفيل إلى هذا، مضى يشرح كيف استطاع الأمريكيون أن يتفوقوا على أوروبا من ناحية تكاليف الشحن، فقال مؤكدًا: «إن ذلك لم يحدث لأن سفنهم كانت أرخص، لأنها ليست كذلك، بل كانت أجور البحارة أعلى. وقد يبحث المرء عن أسباب هذا التفوق في المزايا المادية دون جدوى؛ لأنه يُعزى بالكامل إلى الخصائص الفكرية والأخلاقية.»
لم يكن الملاح الأوروبي يغامر في عباب البحار إلا بحذر؛ فقد كان لا يغادر إلا عندما يسمح له الطقس بذلك، وإذا وقع له حادث غير متوقع، يدخل الميناء ليلًا، ويلف جزءًا من أشرعته، وعندما يرى زرقة المحيط وقد مالت للون الفيروزي الفاتح باقترابه نحو اليابسة، يبطئ سير سفينته ويتفقد الشمس. أما الأمريكي فيتجاهل هذه الاحتياطات ويتحدى هذه الأخطار؛ فقد كان يغادر في خضم هدير العاصفة في الليل أو في النهار، ويفتح كل أشرعته في مواجهة الريح، ويصلح سفينته التي تضررت جرَّاء العاصفة أثناء الإبحار، وعندما تشارف رحلته على نهايتها، يستمر في الانطلاق مسرعًا نحو الشاطئ كما لو أنه لم يلاحظ اقتراب المرفأ إلا لتوه. وكثيرًا ما تغرق سفن الأمريكيين، لكن ما من ملاح آخر يستطيع عبور البحار بأسرع ممَّا يفعل الأمريكي؛ فهو يفعل نفس الأشياء التي يفعلها غيره لكن في وقت أقل، ويستطيع أن يفعل ذلك بكلفة أقل أيضًا.20

انتشرت الأرباح الناتجة من محاصيل الحبوب والقطن انتشارًا سريعًا عبر الولايات، مالئة آلاف الجيوب بما يكفي من المال لتمويل مشاريع جديدة، كالانتقال إلى وظيفة جيدة في مجال التدريس، أو افتتاح متجر، أو تطوير اختراع، أو شراء الإمدادات اللازمة لأرض في منطقة حدودية، أو المغامرة بنقل شحنة إلى جزر الهند الغربية، أو شراء عبد، أو القيام بإضراب من أجل التحرر من الاستعباد. ومن وجهة نظر أي محاسب، كان الشبان الأمريكيون فقراء ومتهورين، ومعرضين للتورط في الديون، لكنَّ ماردَ خوضِ المخاطر كان قد خرج من قمقم القيود الأبوية، ولم يفلح كل حذر الشيخوخة في إدخاله القمقم مرة أخرى. علاوة على أن الممارسات الديمقراطية التي سرعان ما أعقبت قيام الجمهورية الأمريكية — وإن كانت غير متوقعة — عادت بالنفع على الشباب. فبعد أن رحل البريطانيون وحُرمت الطبقة الاستعمارية العليا من إحكام قبضتها على السلطة السياسية، بات الناس العاديون يستطيعون اختيار أهدافهم في الحياة، وكانوا عادة ما يسعون لتحقيقها من خلال الاقتصاد الذي ارتأى الرئيس جيفرسون ومن جاءوا بعده أن يتركوه بلا ضوابط حاكمة.

ومع ذلك، كانت الولايات المتحدة — شأنها شأن معظم مناطق ألمانيا — بدائيةً من الناحية الاقتصادية وفقًا لأي معيار من المعايير الحديثة؛ إذ لم يجد أولئك الذين كانوا يعيشون على ضفاف أنهار البلاد وسائل انتقال عبر المسافات البعيدة إلا مع نهاية عشرينيات القرن التاسع عشر. وحتى حين حدث ذلك كان الانتقال في اتجاه واحد فحسب، ولم تكن الطرق تمتد لمسافات بعيدة جدًّا نحو مناطق الداخل، ولم تكن سالكة خلال الأشهر الممطرة. كان معظم الناس يعيشون في منازل في غاية البساطة، ومبنية بأيديهم هم في أغلب الأحيان. وكانت أسر العبيد تكتَظُّ داخل ثكنات تشبه الكبائن. وتذكر المؤرخة أوليف كليفلاند كلارك التي ولدت عام ١٧٨٥ — والتي ترعرعت في غرب ولاية ماساتشوستس — أنها كانت تبلغ السابعة عشرة حينما رأت السجاد للمرة الأولى في حياتها، وأنها اضطرت لزيارة مدينة نورثهامبتون كي تعرف كيف تبدو آلة البيانو؛21 فقد كانت الآلات الموسيقية نادرة. ولم يكن تشستر هاردينج (ولد عام ١٧٩٢) — الذي امتهن فيما بعدُ مهنة الرسم — قد سبق له رؤية أي صورة من أي نوع قبل بلوغ العشرين من عمره. وعلى النقيض، كانت هولندا تفتخر في القرن السابع عشر بوجود مليوني عمل من الأعمال الفنية بها.
لم يكن متوسط العمر مرتفعًا في القرن التاسع عشر؛ فقد كان يصل إلى ٤٥ عامًا بالنسبة لأولئك النساء والرجال البيض الذين نجحوا في اجتياز سنوات عمرهم الأولى وبلغوا سن العشرين. أما بالنسبة للأمريكيين الأفارقة، فقد كانت الصورة أكثر قتامة من ذلك بكثير؛ إذ كان متوسط العمر منخفضًا حتى سن الخامسة والثلاثين. وفي عام ١٨٠٠، كانت المرأة البيضاء تلد خلال حياتها سبعة أطفال في المتوسط، بينما كانت المرأة المستعبَدة تلد خلال حياتها تسعة أطفال في المتوسط، وكانت كل ولادة تشكل خطرًا على صحة الأم.22 إن ارتفاعًا في معدل الخصوبة على هذا النحو تمخَّض عن أمة فتية؛ بحيث كانت نسبة ٥٨٪ من سكانها تحت سن العشرين عام ١٨٢٠، مقابل ٤٤٪ عام ١٨٩٩، و٢٧٪ في الوقت الحالي.23 لكن الأجور — التي كانت تعد مجزية وفقًا للمعايير الأوروبية — لم تكن سخية للغاية بالنظر إلى كلفة المعيشة في أمريكا؛ فقد كان المأكل والملبس والمأوى يستهلك ٨٠٪ أو أكثر من أجر العامل مقابل عمله ساعات العمل الأسبوعية المعتادة البالغة ٦٠ ساعة.24 وفي أوروبا، كان المأكل وحده يلتهم ما بين ٦٠٪ إلى ٨٠٪ من ميزانية الأسرة الأسبوعية، بحسب مدى اقتراب موسم الحصاد. لكن الأشخاص يكتسبون سلوكهم على أساس ما كان في الماضي، وليس على أساس ما لا يمكن تصوره من مستويات المعيشة في المستقبل. كان التحسن المطَّرد في البيئة المادية الذي مر به الأمريكيون خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر على النحو التالي: فدادين دخلت حيز الأراضي الزراعية، ومحركات بخارية بدأت تُستخدم بطرق بارعة، وأنهار وقنوات زوِّدت بالسدود واستغُلِّت لتوليد الطاقة من الطواحين، مع قنوات وطرق امتدت لأميال قاطعة الطرق عبر البراري والقفار.

التكنولوجيا في ألمانيا والولايات المتحدة

اقتبست الولايات المتحدة وألمانيا التكنولوجيا المستخدمة في الصناعات الأساسية — كصناعة النسيج وتصميم القاطرات — من بريطانيا العظمى. وحينما استخدم هذان البلدان التصاميم البريطانية كمنصات انطلاق لإدخال تعديلات لا تعد ولا تحصى وابتكار اختراعات أخرى تابعة، أثبت كلٌّ منهما أنه بارع في تحسين الاختراعات التي أخذها عن بريطانيا العظمى، وعن بلجيكا وفرنسا أيضًا. ويعد عمل جون جيرفيس على خط السكة الحديدية مثالًا على هذه العملية؛ إذ لم تكن القاطرات البريطانية تعمل بكفاءة عند السير في المنحنيات الحادة، لذلك أعاد جيرفيس تصميمها، الأمر الذي يمثل نوعًا من الحوار الإبداعي مع معلميه البريطانيين. وبحلول عام ١٨٣٦ كان المصنعون الأمريكيون قد أوقفوا استيراد القاطرات من بريطانيا العظمى لأنهم باتوا يستطيعون شراء القاطرات المنتجة داخل الوطن. وبالمثل بدأ إنتاج الحديد في الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن التاسع عشر بواسطة أفران الصهر التي كان لا بد من إعادة تصميم النماذج البريطانية الخاصة بها من أجل الاستفادة من فحم الإنتراسايت المتوافر بكثرة في ولاية بنسلفانيا. ففي أربعينيات القرن التاسع عشر كان الأمريكيون يجلبون ٨٠٪ من احتياجهم من الحديد الخام من بريطانيا العظمى، لكن بحلول عام ١٨٥٦ كانت كمية الإنتاج المحلي قد تجاوزت كمية واردات الحديد.25
سرعان ما تُرجمت وفرة الفحم والحديد ورءوس الأموال المتاحة في ألمانيا إلى أميال من السكك الحديدية. وبحلول منتصف القرن كان عدد أميال السكك الحديدية المستخدمة قد أصبح مؤشرًا جيدًا يعبر عن التنمية الاقتصادية؛ فقد كان لدى بريطانيا ما يقرب من عشرة آلاف ميل ممتدة من السكك الحديدية، وجاءت ألمانيا في المرتبة الثانية على مستوى أوروبا بامتلاكها ما نسبته ٥٨٪ من ذلك الرقم، وكانت فرنسا تمتلك ٢٩٪، والإمبراطورية النمساوية المجرية تمتلك ١٩٪، وإيطاليا وروسيا تملكان أقل من ١٪.26 في ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة تمتلك بالفعل ما يقرب من ٩ آلاف ميل، وهو الرقم الذي تضاعف ثلاث مرات خلال السنوات العشر اللاحقة. في بادئ الأمر، كانت أكثر الخطوط الأمريكية فعالية هي تلك التي أقامتها الشركات الخاصة لأن السياسيين الذين كانوا ينزلون على رغبات الجمهور موَّلوا مد خطوط السكك الحديدية في مناطقهم الأصلية مهما كانت بعيدة.27 وعلى عكس الدول الأوروبية، كان لدى الولايات المتحدة مئات الأميال التي تنتشر عليها مناطق ذات كثافة سكانية منخفضة ومن ثَمَّ كان لا بد من تغطيتها من أجل ربط سواحل المحيط الهادي وسواحل المحيط الأطلنطي؛ فأصبحت الحكومة الأمريكية راعيًا رئيسًا لإقامة السكك الحديدية، وقدمت حوافز لشركات السكك الحديدية في شكل منح من الأراضي، فكثرت المضاربات العقارية بعد أن باتت إقامة السكك الحديدية عبر القارة عملية غارقة في الفساد. لكن على الرغم من ذلك، أصبحت إقامة السكك الحديدية عاملًا مساعدًا مهمًّا لبناء الأمة بالنسبة إلى كلٍّ من ألمانيا والولايات المتحدة.
بحلول العقود الثلاثة الأخيرة من القرن التاسع عشر كانت الولايات المتحدة وألمانيا قد طوَّرتا الابتكارات التي أحرزت التفوق في التنمية الاقتصادية. لكن الابتكارات المتواصلة لم تأتِ دون ثمن؛ فقد كانت كل ماكينة يجرى تحسينها تُحيل سابقتها إلى تحفة عتيقة الطراز؛ فتسبَّب مؤيدو الابتكار المتواصل في الإضرار بالصناعات والشركات القائمة، مدفوعين بإغراء تحقيق مبيعات أعلى وأرباح أكثر. في أوائل القرن العشرين وقف الاقتصادي النمساوي جوزيف شومبيتر على جوهر الرأسمالية حينما تحدَّث عن فكرة «التدمير الخلَّاق» للقديم على يد الجديد.28 في الحقيقة نادرًا ما استطاع امرؤ من قبلُ أن يصيب كبد الحقيقة بهذه الدرجة من الدقة، معبرًا ضمنيًّا عن العواقب المرتبطة بكلمتي «خلَّاق» و«تدمير». لكن الأمر الذي لم يحظَ بنفس القدر من الاهتمام هو مأخذ الاقتصاديين على هذا «التقادم المبكر»، وهذه عبارة تعني أن الأشياء التجارية لا تشيخ، وإنما تصبح عتيقة عندما يحل محلها شيء أفضل. إذا تأملنا هذا الآن يمكننا أن نرى أن الابتكار دفع الثورة العارمة للرأسمالية، لكن السبب في تولي بلد أو إقليم بعينه زمامَ المبادرة التكنولوجية، أو كيفية حدوث ذلك فلا يزال غامضًا بعض الشيء.

ويعد الإبراق — أو الاتصال التلغرافي — مثالًا رائعًا على عملية إنتاج الاختراعات المعدَّلة التي تشبه لعبة تنس الطاولة. ففي السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر، ابتكر أخوان فرنسيان — هما كلود وإينياس شاب — طريقة لإرسال الإشارات التي يمكن تحويلها إلى كلمات من خلال محطات لبث الإشارة تُقام على مسافات تتراوح بين ١٠–١٥ ميلًا بحريًّا. ثم في عام ١٨٣٧ اخترع صانع آلات موسيقية إنجليزي، هو تشارلز ويتستون، نظامًا كهربائيًّا تلغرافيًّا مستخدِمًا خمس إبر للإشارة إلى الحروف الأبجدية وحصل على براءة اختراعه هذا. وقد أجرى تجارب في مجالات الكهرباء والبصريات والسمعيات على درجة عالية من التفوق كانت كفيلة بنيله درجة الأستاذية من كينجز كوليدج في لندن، على الرغم من عدم حصوله على تعليم رسمي. كان العالم ويتستون قد احتكَّ بتجارب الإبراق خلال جهوده لقياس سرعة الضوء. قبل ذلك بعامين، كان صامويل مورس قد أثبت — بناء على تجارب عالم أمريكي آخر — أن الإشارات من الممكن بثُّها بواسطة سلك، باستخدام نبضات كهربائية من جهاز إرسال متصل بدائرة كهربية لجهاز استقبال يشغل مغناطيسًا كهربيًّا يُحدث علامات على ورقة. وبناء على هذا، ألَّف مورس نظامه الشفري الشهير للنقاط والشرط التي تمثل الحروف الأبجدية.

على الرغم من أن مورس أسرع بتقديم شرح علني لنظامه التلغرافي، استغرق تحول الفكرة من نموذج إلى آلية فعالة خمس سنوات أخرى، وتطلب إعانة مالية من الكونجرس. وفي نهاية المطاف أصبح تلغراف مورس هو أكثر الأجهزة المستخدمة انتشارًا، لكن قبل ذلك، كان إيرنست فيرنر فون سيمنز الألماني — مؤسس شركة الهندسة الكهربائية الشهيرة — قد وضع نظامًا تلغرافيًّا على أساس نظام ويتستون، وهو النظام الذي كانت بلدان أوروبا الشرقية تعتمده. لقد جاءت هذه النجاحات في الإرسال البرقي من بين عشرات الجهود الفاشلة، التي غرقت في المشاكل التقنية المتعلقة بنقل الرسائل عبر الفضاء.29 كان المعاصرون يعتقدون أن ثمة شيئًا سحريًّا يكمن في إرسال الرسائل في ثوانٍ، ثم سرعان ما أصبح التلغراف جزءًا لا يتجزأ من تشغيل السكك الحديدية؛ إذ كانت إشاراته تنقل بسرعة معلومات وصول القطارات ومغادرتها، وحدوث الأعطال عبر أي جزء من القارة، وكانت أعمدته تصطف على قارعة كل طريق كدليل حي على أن التباعد الذي يفصل بين الناس في طريقه للانهيار.

كان سيمنز قد عُرف بتقنية التلغراف من خلال منصبه العسكري في ورش سلاح المدفعية في برلين. وفي ألمانيا، كان يشرف على زرع أول خطوط تحت سطح البحر، واعتُرف له بالفضل في إنقاذ مدينة كييل من أسطول دنماركي كان يتقدم نحوها أثناء حرب الألمان ضد الدنماركيين. وفي عام ١٨٤٥، أوصلت آلته الممنوحة براءة الاختراع الرسالة التي حملت خبر تصويت الجمعية الألمانية لصالح الإمبراطور الألماني. كانت رسالة مورس الأولى سياسية أيضًا، وأفادت ما يلي: إن حزب الويج البريطاني (الحزب الجمهوري فيما بعدُ) رشح هنري كلاي لمنصب الرئيس. لكن الرسالة التي حظيت بشهرة أوسع تضمنت اقتباسًا من الكتاب المقدس اقترحته ابنة شابة لأحد أصدقائه ليكون نص الرسالة وهو: «هذا ما صنع الرب!» وبعد ثلاثة وثلاثين عامًا، عام ١٨٧٧، صنع الرب شيئًا أكثر روعة بكثير، إنه الهاتف.

أصبحت إقامة السكك الحديدية بالنسبة إلى كلٍّ من ألمانيا والولايات المتحدة أكثر الأمور فعالية في بناء الأمة وحفز النمو الاقتصادي. وأحدثت أيضًا تأثيرًا هائلًا إلى حد جعل الجميع يرون كيف أن السرعة تضفي العصرية على طريقة تفكير البشر وتصرفهم، واضعة فاصلًا حقيقيًّا بين العصور قبل الحديثة والعصور الحديثة في تاريخ البشرية. كانت محطات القطار تشكل مساحات عامة جديدة، وفي كثير من الأحيان كانت المحطات هي أكبر المباني في البلدات، وفي المدن كان المهندسون المعماريون يصممونها بحيث تبدو كمعابد للتقدم. لكن المحافظين من الألمان كانوا يتحسرون لأن ركوب الجميع السكك الحديدية من شأنه أن ينتهك الجدران التي تفصل بين الطبقات الاجتماعية. وقد حدث هذا بالطبع. صار المصنعون المنتشرون في جميع أنحاء ألمانيا هم أول المستفيدين من السكك الحديدية وأقوى رعاتها، وقد رأوا المزايا الهائلة الناجمة عن تزامن الحد من تكاليف النقل مع توسيع السوق لاستيعاب منتجاتهم. وأسفرت سرعة مد السكك الحديدية عن ربط المصنعين الألمان بمنتجي المواد الغذائية والأخشاب والحديد الخام. وفيما بعدُ، عمل توحيد ألمانيا — عام ١٨٧١ — على تكثيف تضافر التنمية السياسية والتنمية الاقتصادية. ومع استمرار مد السكك الحديدية في ألمانيا، تجاوزت أميالها تلك التي تملكها فرنسا أولًا، ثم بلجيكا، ثم تساوت مع أميال بريطانيا العظمى بحلول عام ١٨٧٥.

نظرا لتخلُّف ألمانيا الشديد، أدى بناء السكك الحديدية إلى بعث الروح في الاقتصاد من خلال ربط مئات من الأسواق المحلية بعالم التجارة، ومنحت خطوط السكك الحديدية مصنِّعي الأقاليم فرصة للوصول إلى سوق ألمانيا الموحدة الأكبر والأكثر تعقيدًا، إضافة إلى شركائها التجاريين الدوليين. وحفزت إقامة السكك الحديدية طلبًا كبيرًا على منتجات الحديد أيضًا، وكانت تمثل أول مشروع تجاري كبير في كلٍّ من ألمانيا والولايات المتحدة، وظلت لسنوات عديدة المشروع الكبير الوحيد هناك. وفي الولايات المتحدة، كانت السكك الحديدية تعد في غاية الأهمية للوحدة الوطنية إلى درجة جعلت الحكومة الفدرالية تكلف مهندسيها العسكريين بتخطيط أولى طرقها. كانت ويست بوينت في الواقع هي المدرسة الهندسية الأهم في البلاد في ذلك الوقت. وما إن أقيمت خطوط السكك الحديدية، حتى باتت صيانتها تتطلب إجراء التجارب باستمرار من أجل تحسين تمهيد الطرق وتركيب القضبان. وخلافًا للسرية التي كانت تكتنف صنع المحرك البخاري، تدفقت المعلومات المتعلقة بإقامة السكك الحديدية وعملياتها بسهولة عبر الحدود الوطنية. وكان المهندسون المدنيون يتشاركون النتائج التي يتوصلون إليها، ويتزاورون فيما بينهم، برغبة شخصية أحيانًا، وتحت رعاية حكوماتهم أحيانًا أخرى.30 وكانوا أيضًا يكتبون تقارير وينشرون كتيبات.

دور البنوك

لعب حجم الاستثمار في السكك الحديدية وديمومته دورًا مهمًّا للغاية في تاريخ الرأسمالية. ويمكن إدراك مدى الأهمية الجذرية لإقامة السكك الحديدية بالنسبة للاقتصاد إذا علمنا أن خط سكك حديد نيويورك المركزي عام ١٨٦٥ كان يملك وحده أصولًا تساوي ربع إجمالي ثروة الصناعة الأمريكية. وقد عمل رأس المال الكبير الذي تطلبه مَدُّ السكك الحديدية على تغيير أصحابها استراتيجيات التشغيل التي ينتهجونها لأن أصولها كانت أكبر بكثير من تكلفة تشغيل الطرق. وكذلك أزال ثبات رأس المال في خطوط السكك الحديدية جدوى تخفيض النفقات. كان على المستثمرين في السكك الحديدية أن يضعوا استراتيجيات لتحفيز استخداماتها من أجل توزيع التكاليف الثابتة على حركة شحن أكبر وعدد ركاب أكبر.31 وكانوا يبذلون قصارى جهدهم للإبقاء على حجم حركة المرور عند أعلى مستوى ممكن لها، أو لتعويض التكاليف الرأسمالية التي أنفقوها من خلال رفع الأسعار. كان رأس المال الثابت في المصانع، وما ترتب عليه من إجراء تعديلات، يمثل قيودًا جديدة للرأسمالية الصناعية. وأصبحت معادلة الوقت مقابل ما يعود به من ربح واضحة وضوح الشمس؛ ومن ثَمَّ كان لا بد من جعل المعدات باهظة الثمن تستخدم استخدامًا مربحًا.
امتد تأثير خطوط السكك الحديدية على الاقتصاد بوجه عام من وسائل النقل إلى الإنتاج إلى التمويل. خلال النصف الأول من القرن، كان مصير ألمانيا مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بتحيزات الطبقة الأرستقراطية وتفضيلاتها؛ فقد كان أفراد هذه الطبقة يفضلون الاستثمار في سندات الرهن العقاري والمعاشات الحكومية بدلًا من تخصيص أرصدتهم الكبيرة للاستثمار في المشاريع الصناعية؛ لذا تطلب الأمر إنشاء مؤسسات جديدة لتلبية الطلبات الضخمة على رأس المال اللازم لمد سكك حديدية. وبحلول منتصف القرن، ظهرت البنوك الاستثمارية في كولونيا وبرلين ولايبزيج، وكانت تركز على الاستثمار الصناعي؛ الأمر الذي منح التمويل الألماني طابعًا مختلفًا عن طابع التمويل في فرنسا أو إنجلترا.32 أصبحت السكك الحديدية أيضًا جزءًا لا يتجزأ من خطط عمل آخرين كانوا جميعًا يتأثرون إلى حد كبير — لا المصنعين فحسب بل والمزارعين أيضًا — بأسعار النقل أو بأي تحايلات يمكن استغلالها لرفع الأسعار. وسرعان ما أصبحت خطوط السكك الحديدية نوعًا من أنواع المرافق العامة، وهو ما جعلها قابلة للتنظيم الحكومي.

كان رأس المال في المنظومة الرأسمالية بحاجة لمؤسساته الخاصة التي تغري المدخرين بالاستثمار في مشاريع جديدة، ثم تمكِّنهم من التمتع بحماية ضد خطر فقدان أموالهم التي استثمروها. كان هناك ما يكفي من رأس المال في أوروبا لتمويل التصنيع، لكن كان لا بد أولًا من حشده. ومن هنا جاء السبب في ظهور البنوك التي لعبت دورًا حاسمًا في ضخ رءوس الأموال في الصناعة من خلال تحويل المدَّخِرين إلى مستثمرين. وحين وسعت نشاطها بحيث صارت شركات تعاونية تراكم مدخرات الناس العاديين، أسدت بذلك خدمة عظيمة عن طريق إغراء الناس بإخراج مدَّخَراتهم من حشية الفراش كي يضعوها في يد رجال الأعمال المقترِضين الذين كانوا يدفعون مقابل ذلك فائدة نقدية للمدَّخِرين. عادة ما كان الجميع يستفيد جراء ذلك إلا عندما كانت البنوك تُفلس وتغلق — كما حدث في بعض الأحيان — ذاهبة بهذه الأرصدة الصغيرة معها أدراج الرياح. ورغم أن البنوك كانت نادرًا ما تبدأ مشاريع، فقد عملت كعامل حافز بمجرد بدء التنمية. وبطبيعة الحال، يخلق توجيه أموال أناس آخرين فرصًا للاحتيال والمضاربة، وهما توأمان لا سبيل لفصلهما عن المشاريع، حتى وإن كانا يفتقران للاحترام.

كانت البنوك تطرح السندات التي تتيح للحكومات تغطية النفقات الباهظة، وكانت شركات التأمين تبيع الناس وثائقَ تأمين لاتِّقاء الخسارة المستقبلية جراء الوفاة والحوادث، مثل اندلاع الحرائق وغرق سفن الشحن المبحرة في مياه المحيط الهادي أو الأطلنطي أو الهندي. ويُعزى ظهور تجميع الإحصاءات الموجود حاليًّا لهذه الجهود التي كانت ترمي لدرء المخاطر. شكل عمال الصناعة في إنجلترا جمعيات ودية لجمع المال بغرض دفعه لأعضائها أو لأسرهم في حال وقوع أي حوادث مؤسفة. لكنهم حينما طلبوا معلومات من الحكومة عن تكرار وقوع الحوادث الصناعية، تدخل البرلمان مُدعيًا سلطته التي تجعله المؤسسة الوحيدة المسموح لها بجمع معلومات من هذا القبيل. إلا أن جمع الإحصاءات شهد انطلاقته الفعلية في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر.

لا يمكن تقدير أهمية الدعم السياسي والديني الذي قُدم للمشاريع حق قدره إلا من خلال المقارنة مع المناطق التي لم تقدم ذلك الدعم. ففي العالم الإسلامي كانت التعاليم الدينية تعوق تكوين الشركات وتوريث الشراكات، وكانت الوفاة تؤدي إلى حل الشراكات وتسييل مقادير ضخمة من رءوس الأموال لعدم وجود صك تأسيس قانوني؛33 ومن ثَمَّ كان عدم القدرة على توريث أسهم شركة في كثير من الأحيان يجعل الحفاظ على استمرار الأعمال التجارية أمرًا مستحيلًا. وعلى عكس البلدان الإسلامية، أسس الأوروبيون المؤسسات المالية خصيصًا لإدارة أموال الاستثمار.
بدأت البنوك الألمانية كمؤسسات خاصة، ثم صارت شركات مساهمة في وقت لاحق. ونظرًا لأنها — كما يطلق عليها — مصارف شاملة، كانت تقدم مجموعة متنوعة من الخدمات المالية من تمديد الائتمان قصير الأجل إلى تلقي الودائع، وخصم الفواتير، وبيع وثائق التأمين، وإدارة الرهن العقاري، وفي الوقت نفسه، اكتتاب الأوراق المالية والمتاجرة فيها.34 كانت بريطانيا قد بدأت مرحلة التصنيع بوتيرة متروية خليقة برائد طريق. وكان معظم تمويلها يأتي من المدَّخَرات الشخصية وإعادة الاستثمار الحصيف للأرباح. صحيح أن كلًّا من إنجلترا وفرنسا كان لديها بنك مركزي، لكن البنوك الألمانية الإقليمية أثبتت أنها تناسب احتياجات الألمان بالضبط.
كان نابليون قد أنشأ بنك فرنسا عام ١٨٠٠. وقد تأسس هذا البنك بأموال مصرفيين تجار من خارج الدائرة الداخلية للمسئولين الماليين، وكان يحتكر إصدار الأوراق المالية، وظل يرفض إنشاء فروع أخرى خارج باريس حتى ستينيات القرن التاسع عشر.35 وفي أعقاب إزالة القيود المصرفية عام ١٨٤٨، كون عدد من الممولين شركة كريدي موبيلييه المصرفية، لكنها لم تساعد الصناعة الفرنسية حقًّا بالكثير لأن المستثمرين الفرنسيين كانوا يفضلون إرسال أموالهم للخارج سعيًا وراء المزيد من الاستثمارات الغريبة بدلًا من تلك القريبة من أرض الوطن.
بين عامي ١٨٧١ و١٩١١، كان العائد السنوي للمدَّخَرات في بريطانيا ١٢–١٥٪، لكن معدل ألمانيا كان أفضل من ذلك بكثير؛ إذ تراوح بين ١٥ و٢٠٪. كانت المدخرات مهمة لأنها — كما قال ثورستين فبلن — تخلق وفرة من رأس المال تمكن العمل التجاري من الإسراع في «سعيه وراء الأرباح» وهذه ملاحظة طريفة تعبر جيدًا عن النشاط الدائب الذي تنطوي عليه الرأسمالية.36 لكن الذين كانوا يتمتعون بهذا الزخم لم يدركوا فائدة الجهود المبذولة لإبطاء وتيرته؛ مما أدى في كثير من الأحيان إلى بذر بذور الخلاف بين الصناعيين والمصرفيين، لا سيما في فرنسا وألمانيا. يقال إنه ما من أحد يحب مدير البنك الذي يتعامل معه. ولا شك أن الكثير من رجال الأعمال كانوا يستاءون من إصرار مدير البنك على ترشيد الإجراءات المتعلقة بالمحاسبة والاقتراض وسياسات شئون الموظفين.37
أسس الأمريكيون بورصتين إحداهما في فيلادلفيا والأخرى في نيويورك في تسعينيات القرن الثامن عشر، وذلك بعد عقدين من تأسيس السماسرة البريطانيين «البورصة» على نحو رسمي كي تحل محل تجمعاتهم العامة في المقاهي والشوارع. ورغم أن أسواق الأوراق المالية في لندن وأنتويرب وأمستردام وباريس وليون ومرسيليا كانت تعمل في المقام الأول في تداول الإصدارات الحكومية، فإنها أصبحت واحات عالمية يدير فيها أشخاص من جنسيات كثيرة ومتعددة — من الأرمن واليهود إلى السويديين والفرنسيين — الأعمال التجارية جنبًا إلى جنب. وقد كتب توماس بين أن التجارة «أشاعت الود بين البشر» فقدَّم تعبيرًا جديدًا لم يحظَ بالرواج قط. وعبر فولتير عن روح التبادل حينما كتب: «هناك، يتعامل اليهودي والمحمدي (يعني المسلم) والمسيحي معًا كما لو كانوا جميعًا يعتنقون نفس الديانة، ولا يَسِمون أحدًا بالكفر سوى المفلسين.»38 أتاحت السكك الحديدية ظهور بورصة أكثر تعقيدًا في الولايات المتحدة حينما بدأت وول ستريت تتداول أسهم السكك الحديدية التجارية وسنداتها. لكن التداول في الأسهم المالية للشركات لم يصبح النشاط الرئيسي في أسواق الأوراق المالية في مختلف أنحاء العالم إلا بنهاية القرن التاسع عشر. ولما كانت الحكومات تدرك ما يُحدثه السماسرة من فوضى، حرصت على أن تراقب السوق عن كثب للتأكد من استتباب النظام.
في خمسينيات القرن التاسع عشر حظي الاقتصاد العالمي بدفعة هائلة حينما عثر رجل يدعى جيمس مارشال عام ١٨٤٨ على الذهب في موقع مصنع أخشاب كان يبنيه. بعد تسعة أيام وقَّعت الولايات المتحدة المعاهدة التي أنهت الحرب الأمريكية المكسيكية، وضمت كاليفورنيا إلى الأمة. وقد أسفرت سهولة استخراج الذهب من منطقة لم تخضع للضوابط الحكومية بعدُ عن موقف فريد؛ إذ هرع صائدو الكنوز إلى كاليفورنيا من الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية وهاواي وأستراليا وتاهيتي والصين، وكان أولئك الذين يأتون بحرًا يستغرقون ثلث الوقت الذي يستغرقه الأمريكيون الذين يأتون من الساحل الشرقي؛ فجذبت ولاية كاليفورنيا في غضون أربع سنوات ربع مليون مهاجر من خمس وعشرين دولة. كان معظم عمال المناجم في الواقع صينيين، وكانت بريطانيا وفرنسا ترسل المتهمين المحكوم عليهم للعمل في مراجل الغلي في سان فرانسيسكو. في الوقت نفسه، كان المواطنون الأصليون من الرجال والنساء يموتون بأعداد غفيرة على يد الوافدين العنصريين والخارجين على القانون.39 وقد تجاوز الذهب الذي استُخرِج خلال خمسينيات القرن التاسع عشر كل الذهب الذي استخرج من جميع المناطق على مدى المائة وخمسين عامًا التي سبقت ذلك. ونتيجة للانتعاشة التي نجمت عن تدفق الذهب الذي ضاعف الأموال في العالم ست مرات، تضاعفت التجارة العالمية ثلاث مرات. وتفوق الذهب على الفضة كعملة قياسية، واعتمد مزيد من البلدان معيار الذهب بعد أن أدى اكتشاف المزيد منه في أستراليا وألاسكا وجنوب أفريقيا إلى تعاظم احتياطي الذهب.
لكل بلد تاريخه المالي. وفي أمريكا سقط بنك الولايات المتحدة — البنك المركزي الوحيد في البلاد — في عام ١٨٣٦ ضحية لعزم الرئيس الأمريكي أندرو جاكسون على خنق «البنك الوحش». لم يستطع أحد حينئذٍ أن يقول إن البنك المركزي ضروري للتنمية الاقتصادية؛ لأن الولايات المتحدة شهدت نموًّا هائلًا من دون وجود بنك مركزي. لكن حيوية الاقتصاد حافظت على هذا الهيكل النقدي المتهالك. واضطَرت مقتضيات دفع تكاليف الحرب الأهلية الأمريكية الكونجرسَ إلى دعم شبكة من المصارف الممنوحة حقوقًا فدرالية تسمح لها بإصدار أوراق مالية عام ١٨٦٣. وأدى البند الذي كان يقضي بأن تودع البنوك ما لديها من احتياطيات نقدية في مدينة نيويورك إلى منح تلك المدينة قوة جعلتها المركز المالي للبلاد. قبل الحرب، كانت البنوك — المئات منها — توفر عملة البلاد عن طريق إصدار عملات ورقية؛ ممَّا فتح الباب على مصراعيه أمام المزوِّرين، وكانت ولايات الشمال تصدر دولارات خضراء الظهر انخفضت قيمتها تقريبًا بنفس سرعة انخفاض قيمة العملات الورقية القارية التي كانت قد مولت الثورة الأمريكية من قبلُ. وبنهاية الحرب، وصل مجموع الدولارات خضراء الظهر وديون الحرب إلى نصف الناتج القومي الإجمالي السنوي! كانت حصيلة الضرائب قد سددت نسبة الخُمس فقط من تكاليف الحرب الباهظة على نحو ساحق. واستمر عبء الحرب لأن معاشات الأرامل صارت أكبر بند في نفقات الميزانية الوطنية.40
من توماس جيفرسون في بداية القرن إلى ويليام جينينجز برايان في نهايته، عبَّر العديد من القادة الأمريكيين عن قلق مواطنيهم من الجزء الخفي من الاقتصاد: الأموال التي انتشرت، والمدَّخَرات التي دخلت البنوك، ورأس المال المقتَرَض الذي موَّل المشاريع. وتبين أن الدولارات خضراء الظهر في واقع الأمر نعمة بالنسبة لأولئك الذين يرغبون في تحقيق استقرار العملة ووجود بنك فدرالي. وحين عرضت الحكومة معاودة شراء هذه الدولارات مقابل الذهب عام ١٨٧٩، لم يقبل العرض سوى قلة من الناس؛ فقد فرض الإيمان الأمريكي القديم بآلية تمديد أجل الائتمان وبالعملات سهلة التداول نفسه على المشهد. ومن ثَمَّ كان من شأن أي تصحيح لهذه الفوضى المالية أن يسبب معاناة، في الوقت الذي كان أغلب رواد الأعمال فيه يرغبون في تلافي الألم. كان حل التوسع النقدي هو شعار المروجين لتلافي الألم، سواء أكان ذلك التوسع من خلال إضافة الفضة إلى عملة البلاد القانونية أو عن طريق إصدار مزيد من العملات الورقية المصرفية. وكان المستثمرون محقُّون تمامًا في تعويلهم على الآفاق الاقتصادية المشرقة للبلاد. وقد عبر الكاتب الساخر مارك توين عن روح أوائل سبعينيات القرن التاسع عشر من خلال شخصية الكولونيل بريا سيلرز. كان سيلرز قد انتقل من بلدات أمريكا الصغيرة إلى مدينة نيويورك، فصار يتفاخر أمام الأصدقاء بأنه وصل المدينة مفلسًا، ثم أصبح مدينًا بنصف مليون دولار. كان سيلرز، كالعديد من الأمريكيين في الواقع، يتوقع من دائنيه أن يُبقوه واقفًا على قدميه وفي حالة مادية مستقرة.41
وكحال معظم الحروب، أسرعت الحرب الأهلية الأمريكية وتيرة التغيير. كانت صادرات القطن من قبل تهيمن على الاقتصاد الأمريكي على مدى عقود، جاعلة الزراعة والصناعة في ولايات الشمال تتوجه نحو استهلاك ولايات الجنوب، ثم سرعان ما بات طلب الجيش الاتحادي على البزَّات الرسمية والخيام والبنادق والعربات والمواد الغذائية يحل محل القطن. فصارت هذه السوق الجديدة تعمل كعامل حافز في عملية التصنيع في الاقتصاد. بعد الحرب، أصبح حزب لينكولن هو حزب الصناعيين الناشئين، وازدهرت الفرص الاقتصادية في ولايات الغرب أيضًا، ثم أسفر صدور قانون الاحتياطي الفدرالي عام ١٩١٣ عن تأسيس بنك الاحتياطي الفدرالي الذي عزز السلطة الفدرالية على العملة.42 تشير هذه التجارب المتنوعة إلى أن حشد رأس المال كان أمرًا مهمًّا، بينما لم تكن كيفية القيام بذلك تحظى بنفس القدر من الأهمية.

ينزع أي سرد لموضوع مثل الرأسمالية إلى التركيز على التطورات الرئيسة التي حفزت التقدم أو ذلَّلت العقبات التي كانت تحول دون التحرك قدمُا، لكن لا بد من التأكيد على أن تاريخ الرأسمالية اشتمل على أحداث كثيرة لا علاقة لها بأيٍّ من هذين الأمرين؛ فغالبًا ما يغيب عن المشهد ملايين الدولارات والجنيهات والفرنكات والماركات؛ فضلًا عمَّا لا حصر له من ساعات عمل الرجال والنساء، التي ذهبت هباء جرَّاء خوض مشاريع كانت تفتقر إلى التخطيط الجيد. كان وقوع هذه الأشياء يذكِّر المستثمرين بأن الابتكار لا يخلو أبدًا من المخاطر، لكن إحراز النجاح كان من التكرار والوضوح بحيث أبقى على استمرار تدفق الاستثمار. كان الشيء الذي احتاجته الرأسمالية في المقام الأول هو رأس المال؛ ليس فقط أرصدة مدَّخَرات المخترعين وأصدقائهم وعائلاتهم، وإنما سيل من النقود التي كانت تأتي من أموال أولئك الذين لم يرغبوا في إنتاج أي شيء سوى عائد على أموالهم.

فوائد الشراكة

ما من شيء أحدث ثورة في مجال التمويل الصناعي أكثر من الشكل القانوني للشركة، والذي منح المُلَّاك مسئولية محدودة. كان شكل الشركة موجودًا منذ وقت طويل باعتباره وسيلة لإعطاء المدن أو الجمعيات الخيرية نطاقًا من السلطة يكون محددًا ومستقلًّا إلى حد كبير لمدى الحياة. وفي الوقت الحالي لا تزال هناك مناطق سكنية قائمة على نظام اتحاد الشراكة. كان جمع رءوس الأموال من خلال شراكات ينجح على نحو رائع حينما يتحد الشركاء المناسبون معًا، ولا يزال الأمر كذلك. وعادة ما كان الشركاء يكتبون عقودًا تمنح كلًّا منهم الحق في الانفصال عن المشروع مراعاةً لتقلُّبَات الحياة. لكن هذه السهولة في فض الشراكة كانت تشكل عقبة كئودًا أمام النمو طويل الأمد لأي شركة.43 وكما يوحي اسم «الشركة»، كانت الشراكة تصنع شخصية اعتبارية تدفع ضرائب، أو تمتلك الحق في رفع دعوى من أجل تحصيل الديون باسم الشركة، أو تكون عرضة للمقاضاة إذا جانَبَها الحظ. وكانت الشركة تستطيع اقتراض الأموال وبيع جزء من أسهمها لأفراد من الجمهور من أجل جمع الأموال. وهذا كان يعني أحقية المساهمين في التدقيق في السجلات، ولو أن هذا الحق بات يخضع لمزيد من القيود لأن الشركات نَمَت في الحجم. في القرن التاسع عشر، كثيرًا ما كانت الإدارة تمتلك حصة مسيطرة من الأسهم. لكن نظام الشراكة أتاح الفصل بين المستثمِرِين والمديرين. وكان لدى الإدارة أيضًا الحق في حبس مبالغ كبيرة من المال. ولأن الشركات كيانات اعتبارية، كانت تستطيع البقاء إلى الأبد؛ ممَّا يدرأ خطر أي فض غير متوقع للشراكة من جانب أيٍّ من الشركاء.
لكن كان هناك جانب سلبي؛ فتأسيس الشركات كان يكلف أموالًا في شكل رسوم للمحامين والحكومة، لكن بمجرد تأسيسها، كان من الممكن التمتع بمجانية تشغيلها، وهذه هدية من الحكومة وأفرادها إلى الأشخاص العاديين. كان الفصل بين المساهمين والمديرين — الذي يكثر ذكره فيما أُثر عن أخبار الشركات — يدعو في بعض الأحيان إلى عدم الالتزام بالمسئولية، أو حتى إلى الفساد المباشر؛ فقد كان رؤساء الشركات الطموحون يستطيعون التلاعب بالعقود، أو إبرام عقود مع شركاتهم الخاصة، أو دفع توزيعات الأرباح للمساهمين من رأس المال لا من المكاسب. والأسوأ أنهم يستطيعون بيع أسهم جديدة من أسهم الشركة لدفع توزيعات الأرباح للمساهمين، وهذه هي طريقة الاحتيال المعروفة باسم «سلسلة بونزي».44 ومع ذلك، أصبحت الشركات تحظى بشعبية كبيرة بين رجال الأعمال الأمريكيين والبريطانيين؛ فالقوانين العامة لتأسيس الشركات في القرن التاسع عشر جعلت تحويل الشركات الخاصة إلى كِيَانات شراكة عامة أيسر وأرخص ممَّا كانت عليه من قبل. هكذا كانت الحال في الولايات المتحدة تحديدًا، حيث منحت الولايات حق تأسيس آلاف من الشركات ذات المسئولية المحدودة، وفاق عدد هذه الشركات عدد تلك الموجودة في بريطانيا العظمى بكثير حتى أواسط القرن التاسع عشر.
دفعت إحدى التجارب السيئة خلال القرن الثامن عشر البرلمان البريطاني إلى تمرير قانون يفرض قيودًا على تأسيس الشركات عرف باسم «بابل آكت» أو قانون الفقاعات. لكن الشركات ذات المسئولية المحدودة أصبحت شائعة بعد عام ١٨٥٦، رغم أن الشركات العائلية ظلت منتشرة حتى فترة متأخرة من القرن العشرين.45 الشيء الأكثر تشجيعًا للعمل الحر تمثل في قوانين الإفلاس الليبرالية التي حابت المقترضين من أصحاب الأعمال الحرة على دائنيهم، الأمر الذي جعل كسب المال أفضل من امتلاكه. وحينما كانت تقع حوادث صناعية — مثل اشتعال كومة قش أحد المزارعين إثر تطاير شرارة من أحد محركات السكك الحديدية — كان المزارع يواجه مشقة كي يكسب قضية تعويض عن الضرر ضد شركة السكك الحديدية؛ فقد كانت القوانين — والقضاة أيضًا على وجه اليقين — تكره معاقبة أرباب العمل حينما كان عمالهم يصابون بأذى أثناء تأديتهم مهامَّ وظيفتهم. وكان القانون الأمريكي — رغم اختلافه من ولاية إلى أخرى — عادة ما ينحاز بشدة إلى جانب العمل الحر.46

لكن نظرًا لأن العالم ليس مؤلفًا من مستثمرين ورجال أعمال فحسب، فإن مفهوم المسئولية المحدودة لم يكن دائمًا يستهوي أولئك الذين لا ينتمون لأيٍّ من الفصيلين. وكانت الشكوى الرئيسية هي أن هذا المفهوم يؤدي إلى إلغاء المسئولية الشخصية عن طريق خلق كيان اعتباري. وكان هناك أيضًا ارتياب متأصل في المضاربات والأرباح الورقية التي تنطوي عليها عمليات بيع أو شراء شيء لا يبدو له أي وجود مادي، مثل حصة في أسهم شركة يُعبَّر عنها بكلام مكتوب على ورقة. ظلت الشركات تنظَّم تنظيمًا عفويًّا حتى نهاية القرن التاسع عشر، ثم أصبحت أكثر خضوعًا للضوابط التشريعية والقضائية. وكان المساهمون والمديرون مصرِّين على أن الضرائب المفروضة على الشركات تمثل ازدواجًا ضريبيًّا طالما أن المساهمين أيضًا يدفعون ضرائب على دخلهم الذي يأتي من نصيبهم من الأرباح.

كانت أمنية المستثمرين حماية استثماراتهم والحصول على ربح منتظم ومجزٍ أيضًا. ولأن الأقوال أسهل من الأفعال، كان المستثمر واقعًا تحت رحمة جهله بالعمل الذي يستثمر ماله فيه. وعلى الجانب الآخر من معادلة الاستثمار، كان أولئك الذين طوَّروا بالفعل تطبيقات تكنولوجية جديدة يريدون مستثمرين مستعدين لخوض المغامرات وترك مسألة التفاصيل التنفيذية لهم. وكانت شراهة بناة السكك الحديدية للموارد المالية تشكل عبئًا على التجمعات العادية لرءوس الأموال؛ فأصبحت الحاجة أم الاختراع، وابتكر الممولون السندات، وهي عبارة عن قروض طويلة الأجل وبسعر فائدة ثابت، وكانت إلى حد كبير تعمل عمل السندات الحكومية. وكان إصدار أسهم حصص المساهمة (أو ما يعرف بأسهم حصص التأسيس) لموردي شركات التعدين والسكك الحديدية ومقاوليها بدلًا من النقود السائلة حيلة أخرى. ثم كانت هناك أيضًا الأسهم التفضيلية التي تمنح أصحابها أول نصيب في العائدات قبل دفع أنصبة حاملي الأسهم العادية. كانت إحدى أكبر الحيل في التاريخ الاقتصادي الأمريكي تكرارًا لنموذج كريدي موبيليه، لكن هذه المرة في شكل شركة أمريكية تأسست عام ١٨٦٧ لاستخلاص الأرباح من تشييد السكك الحديدية عن طريق تضخيم التكاليف التي كانت تكفلها الإعانات المالية الحكومية، واستخدام جزء من الأرباح في دفع رِشا لأعضاء الكونجرس، وهو ما تسبب في تأجيل التحقيقات حتى بدء حملة الانتخابات الرئاسية لعام ١٨٧٢.

نال تفوق المؤسستين الإنجليزية والأمريكية قدرًا كبيرًا من الاهتمام باعتبارهما قاطرة التوسُّع الرأسمالي. لكن بالنسبة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، كان من الممكن أن تكون التكاليف مرتفعة على نحو يسبب الإحباط، بدرجة جعلت المشرعين الألمان يقدمون في نهاية القرن التاسع عشر نموذج أعمال جديد، يتمثل في شركة خاصة ذات مسئولية محدودة، حيث يمكن للشركاء كتابة عقود نافذة قانونيًّا وتتضمن شروطًا تنظم علاقة الشركاء. وهذا الأمر قضى على العيب الرئيسي للشراكات الذي يتمثل في كل ما لا يمكن توقعه من تقصير أو تصرُّفات غير مسئولة من جانب أيٍّ من الشركاء. وقد وجد نموذج الشركة الخاصة ذات المسئولية المحدودة بيئة ملائمة في فرنسا وألمانيا لما فيهما من نظم قانونية قائمة على القانون المدني، أكثر من بيئة بريطانيا العظمى والولايات المتحدة، حيث كان القانون العام الذي يقدم الحقوق الفردية على مصالح الدولة هو القانون السائد. ومن ثَمَّ كان هذا النوع من الشراكة غير ملائم للبلدان التي يسودها القانون العام، بدرجة جعلته لا يتاح لأصحاب المشاريع في بريطانيا العظمى حتى عام ١٩٠٧، أو نظرائهم في الولايات المتحدة الأمريكية حتى النصف الثاني من القرن العشرين.47
تكتل رجال الصناعة الألمان ومصرفيوهم في طبقة جديدة، ليس على صورة صفوة أرستقراطية أو طبقة مهنية حضرية متوسطة، بل طبقة مؤلفة من عمالقة الصناعة وشركائهم المحظوظين الذي أصبحوا من أصحاب الملايين. وكانوا على استعداد لجمع الأموال من أجل مشاريع السكك الحديدية، وتوريد الشحنات التي سيجري نقلها على متن السفن للخارج، وتوفير الزبائن الجدد للشحنات القادمة إلى البلاد أيضًا. وكانوا يستخرجون الفحم ويصنِّعون خام الحديد في نفس الوقت الذي كانت فيه صناعة الماكينات الأوروبية تزداد نشاطًا. فشجع هذا الاقتصادُ العالمي التخصصَ وتقسيم العمل على مستوًى دولي. وحينما كان الأرستقراطيون البروسيون — الذين ظلوا يهيمنون على السياسة — يسخرون من هؤلاء الرجال الجدد، كانوا يفعلون ذلك سرًّا لأن معظم الألمان كانوا ينظرون لكبار رجال الصناعة هؤلاء باعتبارهم رجالًا مفعمين بروح خدمة الجماهير ويسهمون في قضية تعزيز الإمبراطورية الألمانية العظيمة.48 وبينما أصبح العمل الحر في الولايات المتحدة نوعًا من التسلية الوطنية، كان حكرًا على فئة لا تزال ميالة إلى الإعجاب بالأذواق الأرستقراطية في ألمانيا.

الكساد طويل الأمد الذي بدأ عام ١٨٧٣

كان عام ١٨٧٣ عامًا سيئًا في تاريخ الرأسمالية. فقد بدأ كساد استمر في بعض المناطق لمدة ستة وعشرين عامًا! في الواقع تأتي إحدى مشاكل نظام الاقتصاد الحر من تشتُّت اتخاذ القرار فيه؛ ففي ظل وجود أفراد وشركات خاصة تتصرف بناءً على ما تعتقد أنه أفضل ما يحقق المصلحة، يكون من الصعب معرفة ما يجري بوجه عام. وما من أحد — كما لم يكن أحد من قبل — مسئولًا عما يحدث. إن الأسعار والمعدلات هي التي تقدم المعلومات، لكن يجب تفسير الأسباب الكامنة وراء القرارات التي أسفرت عن تلك الأسعار والمعدلات. وعندما تجري الأمور على نحو جيد، لا يكون ثمة حافزٌ كبير لاستكشاف معنى سلوك السوق؛ ومن ثم لا يضج الناس بالسؤال عن التفسيرات إلا حينما تفسد الأمور. وفي عام ١٨٧٣ تحديدًا كان التحدي أكبر.

تجاوزت كفاءات الإنتاج الطلب الفعلي، وهذا يحدث حينما تكون مقادير السلع أكثر من عدد الناس الذين يرغبون في شرائها.49 وخلال ما يمكن أن نسميها مرحلة مراهقة الرأسمالية، كانت بؤرُ التوتر تستطيع التجمع كغيوم سوداء قُبيل عاصفة صيفية. كان الناس يُسمون مثل تلك الأزمات سقطات، والكلمة نفسها تحمل صورة توحي بأن الأمور ستعدِّل نفسها وتعود إلى نصابها سريعًا. لكن هذا لم يحدث في هذه المرة؛ فقد أسفر انهيار سوق الأوراق المالية في فيينا وفشلُ أحد البنوك الكبرى في نيويورك عن بداية عقدين من عدم الاستقرار الاقتصادي. وعلاوة على مشاكل مخزون السلع لدى المصنِّعين، كان الحصاد الناتج من أمريكا والأرجنتين وروسيا وافرًا؛ فأدى انخفاض أسعار الحبوب إلى انهيار أعمال آلاف المزارعين في جميع أنحاء أوروبا، من أولئك الذين كانوا لا يزالون يتبعون الأساليبَ التقليدية، ولحقت الخسائر حتى بالزراعة الفرنسية والإنجليزية.

بينت أزمة عام ١٨٧٣ تكامل الأسواق العالمية حينما تسبب الركود في الولايات المتحدة وأوروبا في إلحاق الضرر باقتصادات جنوب أفريقيا وأستراليا وجزر الهند الغربية. وعمل التأثير التراكمي لتطورات الأحداث طويلة المدى على تدهور معظم الاقتصادات الغربية. كان الناتج الأمريكي قد تزايد خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، لكن انخفاض الأسعار أدى إلى الركود. وكان معظم الصناعيين يعملون بجد للإبقاء على الأجور متدنية؛ ممَّا أسفر دون قصد عن إفقار المشترين المحتملين — من الطبقة العاملة — لبضائعهم. وساهمت المواقف المحافظة التي تعزز أهمية تخفيض النفقات في هذه المشكلة. كانت الطبقة الأوروبية العليا، التي ظلت تسيطر عليها الأخلاقيات الأرستقراطية، تنظر بعين الازدراء لإنفاق الناس العاديين، خاصة إذا بدَا أن حجم مشترياتهم يهدد بطمس الخطوط الفاصلة بين ذوي الذوق الرفيع ومن هم أقل منهم شأنًا في المجتمع. اليوم، قد نقول إن الإغراق التجاري تسبَّبَ في وجود فائض من السلع يتجاوز عدد المشترين، لكننا سنكون على خطأ؛ وذلك لأنه كان يوجد تخلف ثقافي أيضًا.

حينما بدأ سعر الفضة يتقلَّب بعنف في سبعينيات القرن التاسع عشر، بدا واضحًا تعذُّر استخدام كلٍّ من الذهب والفضة كعملة. لكن بريطانيا أبقت على مصدر وحيد للقيمة من أجل توحيد الحسابات، وهو الذهب. وحذت حذوها ألمانيا والدول الإسكندنافية وفرنسا وبلجيكا وهولندا والولايات المتحدة في سبعينيات القرن التاسع عشر؛ فأصبح لعملة كل بلد من هذه البلاد — المارك والفرنك والجنيه والدولار — سعر صرف ثابت مقابل الذهب. وحينما كان أحد المستثمرين الألمان يرسل ٢٠٠ مارك مثلًا إلى الولايات المتحدة، كان بمقدوره الوثوق تمامًا من عدد الدولارات التي تعادل قيمة هذا المبلغ. وأثبت معيار الذهب أنه رب عمل، ومُربٍّ، وسجان، وعراف خفي؛ فقد أثر على كل شيء من الواردات والصادرات إلى الأجور. وحينما كان بلد يعاني العجز التجاري، كان الذهب يخرج منه؛ مما كان يسفر عن انخفاض القوة الشرائية المحلية، وهذا بدوره كان يضر بالمبيعات. فكان يتعين على المصنِّعين أن يخفضوا التكاليف من أجل كسب الزبائن مجددًا، وكانوا يفعلون ذلك بوجه عام عن طريق استمرار تخفيض الأجور.50

كفل معيار الذهب تعزيز التجارة العالمية من جديد، وهي التي لقيت دعمًا كبيرًا من اختراع التلغراف، وأخبار الأعمال الدولية، ووسائل النقل المحيطي البحري المطوَّرة. وأصبح الناس أكثر ثقة في أن أموالهم ستستبدل استبدالًا منصفًا في بلدان أخرى، فبدءوا يستثمرون في الخارج، لا سيما في الولايات المتحدة التي كانت وقتئذٍ تشكل أكبر اقتصاد فضلًا عن كونها الأرض التي توفر أفضل الفرص لتحقيق عوائد عالية على رأس المال. واستفادت كلٌّ من الأرجنتين ومصر أيضًا من البحث المتواصل عن أفضل الاستثمارات. توقفت المضاربة التي كانت تدعم وضع الألمان قبل كساد عام ١٨٧٣. لكن القوة الدافعة التي اتسمت بها طاقات العمل الحر المكبوتة أثبتت أنها أقوى من كوابح الكساد. وبحلول عام ١٨٨٠ كان الاقتصاد الألماني في سبيله للصعود مجددًا، لكن ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر كانت أيضًا عقودًا من المعاناة.

وقف مزارعو الغرب الأوسط الأمريكي في وجه النظام الجديد عندما بدءوا يحتجُّون على طغيان العملة الجديدة. وفي ظل معاناتهم جرَّاء انخفاض الأسعار خلال تسعينيات القرن التاسع عشر، ألقَوْا باللائمة في مآسيهم على ثبات سعر صرف معيار الذهب، وأعلنوا قائمة بأعداء الشعب، تبدأ بالنخبة المالية البريطانية، يليها المصرفيون الدوليون بوجه عام. ثم وجدوا نصيرًا لهم هو زعيم الحزب الديمقراطي بريان ويليام جينينجز، الذي دعا مندوبين منهم إلى مؤتمر الحزب عام ١٨٩٦ وجعلهم ينتفضون واقفين مهلِّلين لدى سماعهم الإنذار المؤثر الذي وجهه لأسياد المال: «لن نسمح لكم بصلب الجنس البشري على صليب من ذهب.» ظلت الأمور بين كرٍّ وفرٍّ إلى أن انتصر الجمهوريون في الانتخابات الرئاسية في خريف نفس العام على هؤلاء الشعبويين المنشقين.

كانت الولايات المتحدة أيضًا تمر بعملية توحُّدٍ في سبعينيات القرن التاسع عشر، ولو أننا نادرًا ما نفكِّر في هذا الأمر بهذه الطريقة.51 كانت الحرب الأهلية الأمريكية — التي لم تكن قصفًا استمر ثمانية أشهر كالحرب الفرنسية البروسية — قد أسفرت عن خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات والمساعي السلمية خلال السنوات الأربع بين عامي ١٨٦١ و١٨٦٥. وبحلول عام ١٨٧٠ كانت آخر ولايات الجنوب قد أعيد ضمها للاتحاد، وكان الشمال راغبًا في إنهاء الحرب من أجل إعادة بناء الولايات التي كانت قد انضمت إلى كونفدرالية الولايات الجنوبية. ونتيجة لتحوُّل اهتمام الكونجرس نحو الغرب، مرر عام ١٨٧١ قانون الاستيلاء الهندي الذي جعل الأمريكيين الأصليين رعايا قوميين وألغى كل المعاهدات الهندية السابقة التي كانت تتعامل معهم باعتبارهم قبائل منفصلة عن القومية الأمريكية. كانت الحرب الأهلية قد أدت إلى عرقلة الجهود الرامية إلى ضم ولاية كاليفورنيا إلى الأمة الأمريكية، وبعد أربع سنوات من معركة أبوماتوكس، اتصلت خطوط سكك المحيط الهادي الأوسط الحديدية بخطوط اتحاد الولايات الآتية من الشرق. وربط مسمار ذهبي بين المسارين في حفل مشهود عند نقطة برومونتري الشاطئية بولاية يوتا. ربط خط السكك الحديدية المار عبر القارة بين ساحلي الولايات المتحدة، الأمر الذي أدى لاتصال جميع المناطق منخفضة الكثافة السكانية معًا. كان الشمال المنتصر يرغب في فرض رؤيته القومية على مناطق الجنوب والغرب على حد سواء.

وبعد أن زال عبء الحرب الأهلية عن كاهل الولايات المتحدة، باتت تستطيع التحوُّل نحو تطوير المساحات الشاسعة غير المأهولة من الأراضي التي اكتسبتها حين اشترت لويزيانا عام ١٨٠٣ ومن خلال المعاهدة التي أنهت الحرب المكسيكية الأمريكية عام ١٨٤٨. في هذه الأثناء كان عدد سكان المناطق الحضرية يزداد ازديادًا هائلًا؛ فقد ارتفع إجمالي عدد السكان اثني عشر ضعفًا من عام ١٨٠٠ إلى عام ١٨٩٠، في حين ازداد عدد السكان الذين كانوا يعيشون في المدن زيادة مذهلة بلغت ٨٧ ضعفًا. وقد ساهم جوستافوس فرانكلين سويفت في إقامة روابط اقتصادية بين مختلف أنحاء القارة من خلال اختراعه عربات السكك الحديدية المبرَّدة؛ إذ بات من الممكن شحن الماشية المنتشرة على أراضي الرعي الواقعة غرب نهر المسيسيبي إلى أوماها، وكانساس سيتي، وشيكاجو كي تُذبح هناك، ومن ثَمَّ تُشحن اللحوم المجهزة من هذه الولايات إلى المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية المرتفعة الواقعة ناحية الشرق. وفي مجتمع يستطيع جميع أفراده تقريبًا تحمل كلفة أكل اللحوم، كان التبريد هو الحلقة المفقودة بين العرض والطلب.

وعلى الرغم من أن الازدهار الذي ساد خلال النصف الثاني من القرن لم يكن ثابتًا، فقد جلب تحسينات إيجابية في الأجور والصحة العامة وأسعار المواد الغذائية. لطالما نُظر للولايات المتحدة على أنها البلد الرأسمالي النموذجي، لكن تَقدُّمها الاقتصادي المتواصل تأتَّى بفضل التناسب الإيجابي بين عدد الناس ومساحة الأرض، وعدم وجود ماضٍ إقطاعي، وتوافر هبات طبيعية سخية من الموارد المعدنية اللازمة تحديدًا للنشاط الصناعي، وتدفُّق شباب وشابات دءوبين منضبطين من المزارع العائلية الأمريكية.

استحدث الروائي واشنطن إيرفنج تعبير «الدولار القادر على كل شيء» في عشرينيات القرن التاسع عشر. وبعد قرن من الزمان، صرح الرئيس الأمريكي كالفن كوليدج بعبارته الشهيرة: «إن العمل الرئيسي للشعب الأمريكي هو العمل الحر.» في الحقيقة لا ينبغي إغفال الإلهام الكامن في هذه الملاحظة العادية إلى حدٍّ ما؛ فقد كان هناك عدد قليل جدًّا من القيم المتنافسة أو الخيارات المهنية في القرن التاسع عشر. وكان والد هنري وويليام جيمس، العصاميُّ الثريُّ، يتحسر من أن الناس في بلاده كانوا دائمًا ما يسألونه ماذا يعمل لكسب عيشه، وهو الفضول الذي جعله يبحر عائدًا إلى أوروبا.

في الرأسمالية، كانت القرارات الفردية المتراكمة للمشاركين تمارس قوة قسرية في جميع أنحاء الاقتصاد؛ فقد صار أكثر العاملين كفاءة — بعد حرمانهم من حماية السيطرة الاحتكارية — يجبرون العاملين الذين يقلون عنهم كفاءة على تقليدهم أو الرجوع عن الإدارة الفعلية لمواردهم. ولم يكن النشاط الرأسمالي يعتمد على أي شخص أو منطقة أو عائلة بالتحديد. وحينما كان أحد الأشخاص يفوت فرصة لكسب الربح، كان شخص غيره يستطيع رؤية المكاسب المحتملة من ورائها. لكن يجب أيضًا أن نضع في الاعتبار حقيقة أن الثروة الرأسمالية خلقت أيضًا فرصًا عظيمة للكسب غير المشروع، مثلما حدث في حالة رشوة السياسيين من قبل بناة السكك الحديدية عبر أنحاء القارة الأمريكية.

في بداية القرن الثامن عشر كان عدد سكان الولايات المتحدة أقل من أربعة ملايين نسمة يعيش جميعهم تقريبًا على الإطار الصخري للمحيط الأطلنطي في قارة أمريكا الشمالية، وكانوا قد تقاسموا تاريخًا مشتركًا لفترة وجيزة جدًّا. وكحال الولايات المتحدة، كانت ألمانيا عام ١٧٧٦ مؤلَّفة من أجزاء مختلفة، لكن تلك الأجزاء المختلفة كانت تتشارك تاريخًا تعود جذوره إلى زمن الإمبراطور شارلمان في القرن التاسع. وكان الأمريكيون يحبون التجديد، بينما كان الألمان يخشونه. وكان الأمريكيون يراعون التسامح الديني، بينما خاض الألمان حروبًا دامية بسبب خلافات في العقيدة المسيحية. وكان الألمان يرتضون الاستبداد السياسي، بينما كان الأمريكيون معروفين بضعف مؤسساتهم السياسية. ومع كل ذلك تكاد ألمانيا تتعادل مع أمريكا من حيث تاريخها الاقتصادي رغم افتقارها المزايا «الاستثنائية» التي تمتعت بها أمريكا.

ما من شيء قوَّض هيمنة الثروة الموروثة أكثر من المبدأ الرأسمالي لقابلية تبادل الشركاء؛ فالابن الذي كان يستنزف ثروة عائلته كان يتيح فرصًا لشخص آخر يقدر اكتساب الثروة أكثر من إنفاقها. وعلى عكس الأرستقراطية، لم تكن الرأسمالية تعتمد على الفضيلة التي تميز أبناء أي شخص، أو على حكمتهم، أو على شجاعتهم كي يتحقق النجاح. وكان الأمريكيون يقبلون هذه المتطلبات الرأسمالية ويعجبون بها، لكن كان الألمان أقل اقتناعًا بفضائلها. وظل المهندسون والمصنِّعون طوال القرن التاسع عشر يحاربون احتقار الألمان من الطبقة العليا لمحدثي النعمة، وهو تعبير لا يكاد يكون له معنى في الولايات المتحدة.52 لكن هذا لم يكن يشكل أهمية بحق؛ لأن القوى غير الذاتية كانت ستحافظ على زخم الرأسمالية بمجرد أن يُطلِق عدد كافٍ من اللاعبين الرئيسيين شرارة التنمية. كان إقبال الأمريكيين على المغامرات أكثر سهولة، وهو ما ينسجم مع روح المبادرة التي تتسم بها الرأسمالية، بينما كان الألمان يتسمون بصرامة الانضباط، الأمر الذي ساهم في نجاح التنمية الاقتصادية لبلادهم.
إلى جانب المزايا الواضحة لكون بريطانيا العظمى المحرك الأول في التنمية الاقتصادية، كانت هناك بعض العيوب البارزة التي ربما استغلها المنافسون؛ فقد كان لدى بريطانيا استثمارات ضخمة في صناعتها الريادية في مجال النسيج. لكن هذا جعل رواد الأعمال يهابون الخوض في هذا المجال. وطفق المستثمرون الإنجليز يبحثون عن الفرص في كل مكان آخر. استفادت الولايات المتحدة وألمانيا من هذا؛ إذ تأتَّى لهما التحوُّل إلى صناعات جديدة واستغلال رءوس أموال ضخمة بحثًا عن استثمارات جديدة واعدة. كان بناء الأمة — الذي كان أمرًا بالغ الأهمية لكلَا البلدين طوال القرن التاسع عشر — يعمل عمل المحفز للتنمية الاقتصادية. وكانت أمريكا تتمتع بانتشار روح المبادرة على نطاق واسع وبقارة شاسعة جاهزة في انتظار من يزرعها. في ألمانيا، كانت هناك فئة صاعدة من الصناعيين على استعداد لأن يوحِّدوا الأمة التي صنعها الأرستقراطيون البروسيون توحيدًا اقتصاديًّا. كان كلا البلدين غنيًّا بالموارد الطبيعية الضرورية لبناء السكك الحديدية وإقامة الصناعات الثقيلة. وأثبت مواطنوهما أنهم بارعون على نحو مثير للدهشة في تقليد الاختراعات الإنجليزية وتعديلها. والأهم من ذلك أنهم سرعان ما بدءوا يبتكرون بأنفسهم في مجالات الكيمياء والكهرباء وصناعة السيارات. وحاليًّا بِتنا ندرك أن تفوُّقَهم على بريطانيا العظمى يكاد يبدو محسومًا. لكن الاقتصاد البريطاني لم يتراجع، وإنما ببساطة فقد مكانته النسبية مع الحفاظ على مستوى مثير للإعجاب من الإنتاجية، كما كان الحال بالنسبة للاقتصاد الهولندي في وقت سابق.53 لكن يبقى لغز محيِّر يدفعنا إلى التساؤل: لماذا لم تخطُ فرنسا إلى حلبة السباق.54

لقد استمرت الثورة العارمة للرأسمالية بوتيرة سريعة خلال القرن التاسع عشر، وامتد حجم المشاريع ونطاقها إلى كل القارات. ومع بداية القرن العشرين، أطلق الفيلسوف ماكس فيبر على الرأسمالية «القفص الحديدي». ولو كان الناس يرغبون حقًّا في العيش في نفس مستوى أسلافهم، ما كانوا ليعدموا الوسيلة لذلك، لكن الذين أرادوا العيش بهذه الطريقة كان عددهم يتضاءل شيئًا فشيئًا. ازدادت المنتجات والخدمات من خلف قضبان القفص الحديدي، وارتفع أمد العمر المتوقع بعد أن عززت التحسينات في مجال الصحة العامة جودة الحياة. ومن ثَمَّ، من الطبيعي جدًّا أن يود الناس نيل مزايا النقيضين: التمتع بثمار الثروة الهائلة التي خلقتها الرأسمالية، لكن من دون خسارة الأساليب القديمة للعيشِ.

في نهاية القرن التاسع عشر بدأت الندرة في البلدان الرأسمالية تتحول إلى وفرة. وفي ظل هذا الرغَد، أظهر العالم الرأسمالي إلى أي مدى يمكن أن تكون سلوكياته مخربة وجشعة وغير مبالية بالعواقب طويلة المدى. فمثلًا، في الاستخدام المتزايد باستمرار للوقود الحفري — ذلك العنصر الأساسي في التنمية الاقتصادية — تتعدى ضراوة الرأسمالية سطح الأرض إلى غلافها الجوي الضروري لاستمرار الحياة. لكن لعلَّنا نستطيع أن نحظى بمزايا النقيضين إذا استطعنا أن نضع قيودًا على الرأسمالية كي لا نقتل الإوزة التي باضت بيضة الازدهار الذهبية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١