الفصل الأول

مقدمة: الخرافات والمعتقدات الخاطئة

يتراءى لي أن [الناس الذين يرتابون في القصص الدينية] يلجَئون إلى الحيلة التي يستخدمها كثيرٌ من اليهود المُحدَثين في تناولهم للقصص الكتابية التي تستعصي على التصديق من أول وهلة؛ بدءًا من قصة الخلق في ستة أيام، ووصولًا إلى قصة يونان الذي يعيش في بطن حوت. نحن نفرِّق ما بين قصص النصف الأيسر من المخ (التي يُقصد بها نقل حقيقة واقعية) وقصص النصف الأيمن من المخ (التي يُقصد بها إبراز غاية ما من خلال قصة؛ بمعنى أن الرسالة ستكون حقيقة حتى لو لم يكن ممكنًا الدفاع عن واقعية القصة). (الحاخام هارولد كوشنر (٢٠١٣))

(١) معنيان للخرافة

هذا الكتاب مستوحًى من كتاب آخر من كتب وايلي بلاكويل، وهو «أشهر ٥٠ خرافة في علم النفس» الذي ألَّفه سكوت ليلينفيلد وآخرون (٢٠١٠)، وتعني فيه لفظة «خرافة» معتقدًا شائعًا غير مدعوم جيدًا بالأدلة القوية. بعضٌ من خرافاتنا على هذه الشاكلة؛ مثل الاعتقاد بأن موسى كتب الأسفار الخمسة الأولى من الكتاب المقدس، وأن يسوع وُلد في حظيرة في بيت لحم يوم ٢٥ ديسمبر. لكننا نعتبر من الخرافات أيضًا تلك المعتقدات الشائعة المشكوك فيها لأسباب أخرى، مثل أنها تتنافى مع تعاليم أديان المؤمنين. على سبيل المثال، يعتقد بعض المسلمين (وعدد لا حصر له من غير المسلمين) أن القرآن يَعِد أولئك الذين يُفَجِّرون أنفسهم ﺑ ٧٢ حورية عذراء. غير أن كلًّا من الانتحار والإرهاب مذمومان في القرآن باعتبارهما من الكبائر. ويؤمن مسيحيون كثيرون بأن الشيطان وأجناده يعذبون البشر في الجحيم، لكن هذا يتعارض مع التعاليم الأساسية للمسيحية في حقيقة الأمر. حينما نقول عن شيء ما إنه «خرافة»، فإننا نقصد معنًى قريبًا من تعريف القاموس للفظة «معتقَد خاطئ»: الخرافة هي معتقَد أو رأي خاطئ أو زائف، أو منحرف، وخصوصًا في الدين.

ثَمَّة معنًى آخر ﻟ «الخرافة» ينبغي أن نذكره لما له من أهمية في حقل الدراسات الدينية الأكاديمي. حينما يتحدث علماء الدين عن «الخرافات» فإنهم يقصدون بصفة عامة القصص التقليدية التي تُفسِّر جوانبَ مهمة من جوانب الحياة، مثل: من أين أتينا، ولماذا نحن هنا، ومن هم أبطالنا، وما الذي يميزهم، وكيف ينبغي أن نعيش؟ وخير مثال على هذا القصة المذكورة في سفر التكوين عن عصيان آدم وحَوَّاءَ لله بأكلهما من شجرة معرفة الخير والشر، ثم طرْد الله لهما من الجنة. غالبًا ما يتميز هذا الوصف لنشأة الشر وما يشاكله من القصص بأحداث عجيبة، بل وخارقة للطبيعة، ويؤمن بعض الناس بأنها حقيقية بالمعنى الحرفي — حقيقية مثلما يكون تقرير عن الحالة المرورية أو تشخيص طبي حقيقيين. وهم يعتبرون هذه القصص تمثيلات دقيقة لأشياء وقعت بالفعل. لكن كثيرًا من العلماء يعتقدون بأن مثل هذه القصص لا يُحكَم عليها على أساس الدقة التاريخية أو العلمية. الواقع أن هذه القصص ظهرت بصفة عامة قبل وضع المعايير الحديثة للدقة التاريخية والعلمية. وغالبًا ما تتعلق بأشياء في غياهب ما قبل التاريخ، وأحيانًا ما تتعلق بأشياء في المستقبل البعيد. وهي بهذا الوصف تفُوق قدرات مملكَتَي التاريخ والعلم. لكننا على كل حال نُجِلُّ هذه القصص لأنها تساعدنا في فهم مَن نحن، وتجيب عن بعضٍ من أكثر الأسئلة إلحاحًا في الحياة، ومنها: لِمَ تحدث الأمور السيئة، ومَن هم الجديرون بالثقة، وماذا قد يحدث بعد؟

حينما نستمع إلى قصص مثل قصة آدم وحَوَّاءَ في الجنة، ينتابنا أحيانًا إحساس بأننا على صلة بواقعٍ أسمَى؛ وكأننا في مملكة المتعالي؛ مملكة تسمو على الأوهان والقيود التي تسم الواقع اليومي. يشيع تناقل خرافات من هذه النوعية في الأديان بكثرة حتى إن كثيرًا من العلماء يُدرجون الخرافات ضمن المكوِّنات الأساسية للأديان. مثال آخر لهذه النوعية من الخرافات هو «قصة الخلق» في الكتاب المقدس والقرآن؛ وفق هذه القصة، خلَق اللهُ — الذي له طبيعة شخصية، وهو واحد وقدير — الأرضَ وكل ما عليها في بضعة أيام فقط، وأمدَّها بكل ما يلزم لأجَلِّ مخلوقاته، البشر. تُقدِّم لنا قصص كهذه معيارًا للتيقن من أن الأشياء هي كما ينبغي لها من حيث الأساس، وسببًا للمضي قُدمًا حتى في أحلك الظروف.

حينما تُرى الخرافات في الدين وفق هذه الرؤية، يمكن اعتبارها حقيقية — بطريقتها الفريدة؛ فهي تقدِّم السياق، والاستمرارية، والطمأنينة للمجتمعات التي تتشاركها. وبهذا، تكون حقيقية من وجهة نظر من يؤمنون بها. تحدَّث المؤرخ الروماني سالوست الذي عاش في القرن الرابع وفق هذه الرؤية حينما قال: «الخرافات أمور لم تحدث قطُّ لكنها كائنة دائمًا» (سالوست، ١٩٩٦). ووصف جوزيف كامبل، أحد أشهر علماء الخرافة في القرن العشرين، الخرافات بأنها «الرحم الذي تتذوق فيه البشرية الحياة والموت» (١٩٦٩: ١٢). وتُعرِّف الأستاذة بجامعة شيكاجو، ويندي دونيجر (١٩٩٨)، الخرافات بأنها تعبيرات تخيلية عن تجارب بشرية عامة تتيح لنا التواصل عبر الثقافات. وتُبرز الباحثة البريطانية كارين أرمسترونج (٢٠٠٥: ٤) الجانب المقدس من الخرافة بقولها إن الخرافات تتحدث عن «أفقٍ آخَر كائنٍ إلى جانب عالمنا، ويُقدِّم له العون بطريقة ما. والاعتقاد بهذا الواقع الخفي ولكنه الأقوى — الذي أحيانًا ما يُطلق عليه عالَم الآلهة — هو موضوع أساسي في علم الخرافة.» من وجهة نظر باحثين كهؤلاء، تشبه الخرافات بشدة ما قاله بابلو بيكاسو عن الفن: «أكذوبة تجعلنا ندرك الحقيقة» (بوروفسي، ١٩٢٣).

يحذِّر باحثون آخرون من مثل هذه النظرة الرومانسية إلى الخرافة، فيصف الأستاذ بجامعة شيكاجو، بروس لينكولن (٢٠٠٠: ١٤٧) الخرافات بأنها ««أيديولوجية» في زي روائي.» والخرافات، من هذا المنطلق، وعلى غرار أي أيديولوجية أخرى، تؤسِّس الهوية، و«تُميِّزنا» من «الآخرين». وهي ترسِّخ أيضًا النظام الداخلي للجماعة، وتصبغه بالشرعية. يهتم لينكولن في المقام الأول بالخرافات التي قَبِلت ضمنيًّا، بل وشجَّعت، الهويات الإقصائية من النوعية التي تقلل من شأن الجماعات الأخرى، مثل أولئك الذين يروجون معاداة أوروبا للساميَّة. على عكس الطمأنينة التي تبعثها الآفاق المقدسة، تترك الخرافات التي تناولها لينكولن آثارًا عملية عميقة — ومدمرة أحيانًا.

يتخذ كُتَّاب أمثال كريستوفر هيتشنز، وسام هاريس، وريتشارد دوكينز نهجًا نقديًّا للخرافات الدينية أيضًا. يزعجهم أن كثيرًا من الناس لا يمكنهم التفريق بين نوعية الحقيقة «الخاصة» أو «المقدَّسة» التي تنقلها قصص علم الخرافة الخيالية، وبين الحقيقة العادية مثل تلك التي نجدها في الصحف. كثيرون لا يمكنهم التمييز بين الخرافة الخارقة وبين الحقيقة الحَرْفية. وهم يخفقون في إدراك أهمية التحقق من ادعاءات الحقيقة بدلًا من قبولها قبولًا أعمى على أساس أنها صادرة عن سلطة غير خاضعة للمساءلة. مرة أخرى، يمكن أن يُسفر هذا عن مشكلات جسيمة في الحياة الواقعية. خذ مثلًا قصة الخلق. شتان بين أن تجد فيها تأكيدًا أن الحياة لها غاية وهدف، وبين أن تتشبث بأن القصة صحيحة حرفيًّا، وأن أي عِلم آخر يثبت غير ذلك، مثل نظرية التطور، لا بد من رفضه باعتباره هجومًا على مرجعية عليا لا يرقى إليها الشك. ومع ذلك؛ فهذا هو الواقع على ما يبدو. يشير استطلاع أجرته مؤسسة جالوب عام ٢٠١٢ إلى أن ٤٦ في المائة من الأمريكيين يؤمنون بأن تفاصيل قصة الخلق الواردة في سفر التكوين حقيقية بكل ما تحويه الكلمة من معنًى. يمثل هذا الرقم زيادة بنسبة ٢ في المائة عن عام ١٩٨٢، بما يعكس ميلًا نحو تدريس «عقيدة الخلق» بدلًا من العلم، أو اعتبارها خيارًا بديلًا مناسبًا. في عام ٢٠١٣ أفادت صحيفة «ذي نيويورك تايمز» بأن استطلاع رأي لأكثر من ٩٠٠ مدرس لمادة الأحياء في الولايات المتحدة كشف أن حوالي ١٣ في المائة يُدرِّسون أشكالًا متنوعة من قصة الخلق بوصفها «بدائل علمية صحيحة من النظرية التطورية الداروينية» (ريتش، ٢٠١٣). هذا على الرغم من قرار المحكمة الدستورية العليا بالولايات المتحدة حظر تدريس «خرافات الخلق» بوصفها علومًا (قضية «إدواردس ضد أجيلارد»، ٤٨٢ يو إس ٥٧٨، [١٩٨٧]). بالمثل، دفع انتشار عقيدة الخلق في أوروبا برلمان المجلس الأوروبي لإصدار قرار في عام ٢٠٠٧ بعنوان «مخاطر عقيدة الخلق في التعليم». يحذِّر القرار من أن إنكار العلم الذي تقوم عليه نظرية التطور، بسبب الإيمان المطلق بخرافة الخلق لدى جماعة معينة، من شأنه أن يقوِّض الأبحاث الضرورية للتعامل مع التحديات الكبرى التي تواجهها البشرية اليوم، مثل الأمراض الوبائية والكوارث البيئية.

نحن نُقدر ونحترم الفهم الأكاديمي للخرافات بوصفها قصصًا تنقل حقائق سامية — حقائق مُحصَّنة من صرامة المنهج العلمي. لكننا، لأغراض هذا الكتاب، نستخدم النظرة التشكيكية إلى الخرافات: أي اعتبارها مزاعم يشيع الاعتقاد بها غير مدعومة جيدًا بالأدلة التاريخية أو العلمية. سينصَبُّ تركيزنا على التقاليد الرئيسية في الغرب — اليهودية والمسيحية والإسلام. لكننا سوف نُدرج بعض القصص حول تقاليد غربية أصغر، بالإضافة إلى بعض الخرافات الغربية عن التقاليد الشرقية. وسنناقش أيضًا بعض المعتقدات الخاطئة الشائعة حول الأفراد الذين لا يعتنقون متعقدات دينية — الملحدين واللاأدريين.

المراجع

  • Armstrong, K. (2005) A Short History of Myth, Canongate, Edinburgh.
  • Borofsky, S. (1923) Picasso Speaks, The Arts, May 1923, in Picasso: Fifty Years of His Art by A.H. Barr Jr., published for The Museum of Modern Art by Arno Press, New York, 1980, www.gallerywalk.org/PM_Picasso.html (accessed January 10, 2014).
  • Campbell, J. (1969) Bios and Mythos, Scriptor Press, Portland, OR.
  • Council of Europe (2007) Resolution 1580: The Dangers of Creationism in Education. http://assembly.coe.int/main.asp?link=/documents/adoptedtext/ta07/eres1580.htm (accessed January 6, 2014).
  • Doniger, W. (1998) The Implied Spider: Politics and Theology in Myth, Columbia University Press, New York.
  • Gallup (2012) In U.S., 3 in 10 Say They Take the Bible Literally, July 8, www.gallup.com/poll/148427/say-bible-literally.aspx (accessed January 10, 2014).
  • Kushner, H. (2013) Letter. New York Times (Jul 29).
  • Lilienfeld, S.O., Lynn, S.J., Ruscio, J. and Beyerstein, B. (2010) 50 Great Myths of Popular Psychology: Shattering Widespread Misconceptions about Human Behavior, John Wiley & Sons, Ltd, Chichester.
  • Lincoln, B. (2000) Theorizing Myth: Narrative, Ideology, and Scholarship, University of Chicago Press, Chicago.
  • Rich, M. (2013) Creationists on Texas panel for biology textbooks. The New York Times (Sep 28), http://www.nytimes.com/2013/09/29/education/creationists-on-texaspanel-for-biology-textbooks.html?_r=0 (accessed January 6, 2014).
  • Sallustius (1996) Concerning the Gods and the Universe, Ars Pub.

(٢) من أين تأتي الخرافات؟

ثمة سمات عديدة يتَّسم بها البشر، وتجعلهم ميَّالين إلى خلق خرافات كتلك الواردة في هذا الكتاب وتداولها. سنتناول ثمانيًا من هذه السمات. الأولى والأكثر إطراءً لصورتنا الذاتية البشرية هي أننا — كما قال الفيلسوف القديم أرسطو — حيوانات «عاقلة». نحن نسعى على الدوام إلى فهم العالم من حولنا، وإدراك المراد مما نمر به. نصبو إلى تفسير لما يجعل بعضنا حلفاء والبعض الآخر أعداءً، وكيف ننجح، ولماذا أخفقنا، وأمور أخرى لا حصر لها.

وفي محاولة فهم العالم، نبحث عن أوجه التشابه بين التجارب الحالية وتجارب الماضي. ونربط الأمور الجديدة بما نعرفه بالفعل، ومِن ثمَّ نكوِّن مفاهيم عن أنواع الأشياء، كما هي الحال عندما نصنف أحد المعارف الجدد على أنه «طالب» أو «مسلم». وبالتفكير بهذه الطريقة، نخلق على نحو فطري تعميمات حول كل أعضاء الجماعة أو معظمهم، بناءً على سمة معينة قد يتصف بها بعض أعضاء الجماعة؛ فعلى سبيل المثال، إن كنا مررنا بواقعة سيئة مع شخص ما، فغالبًا ما نكوِّن فكرة نمطية سلبية عن كل أعضاء الجماعة التي يمثلها هذا الفرد لنا أيًّا ما كانت.

سمة ثانية يتصف بها البشر، وتدفعنا إلى إنشاء الخرافات، هي أننا حيوانات «اجتماعية». نحن نولد في جماعات، ومن هذه الجماعات نتلقى الرعاية؛ فعائلتنا ومجتمعنا هما المصدران الأوَّلان لسلامتنا وأمننا. من ثم، يتعين علينا أن نتمكن من تحديد جماعتنا وتعلُّم العيش معهم في تناغم، وأن نستطيع التمييز بينهم وبين أولئك الذين قد يمثلون تهديدًا لنا. عاش البشر الأوائل، مثلما لا يزال كثيرون يعيشون، في قبائل. والتعايش مع بقية قبيلة الفرد يستلزم تتبُّعًا لهويتهم جميعًا، ونوعية الصلات بين كلٍّ منهم، وهل هم متعاونون أم خطرون، وما إلى ذلك. تقول إحدى النظريات المعنية بسبب تطور العقل البشري بسرعة كبيرة للغاية خلال الثلاثة ملايين سنة الأخيرة إن أسلافنا؛ إذ تخلَّوا عن حياة الغابة وبدءوا يعيشون في جماعات اجتماعية في إقليم السافانا الأفريقي، احتاجوا إلى تذكُّر المزيد والمزيد من المعلومات عن أعداد أكبر وأكبر من الناس. لهذا يختص جزء كبير من العقل البشري اليوم بالتعرف على الوجوه وتسجيل معلومات أساسية عنها. ولهذا السبب أيضًا تتعامل خرافات كثيرة جدًّا مع تعريف جماعتنا البشرية باعتبارها متميزة من الجماعات الأخرى.

لا نواكِب مَن يفعل ماذا مع من ولمن من خلال الملاحظة المباشرة وحدها، ولكن أيضًا من خلال التحدث مع الأفراد عن الأفراد الآخرين الغائبين، وهذه سمة ثالثة يتسم بها البشر، وتؤدي بهم إلى إنشاء الخرافات: أننا حيوانات «نمَّامة».

سمة رابعة تجعلنا صانعي خرافات هي أننا حيوانات «أخلاقية»؛ فعند التفكير في الأفراد والتحدث عنهم، نُقوِّم أمانتهم، وسخاءهم، وشجاعتهم، وولاءهم للجماعة وما إلى ذلك — أو افتقارهم إلى هذه الخصال. ومثلما تميل القصص التي نخلقها عن جماعتنا إلى تسليط الضوء على النقاط الإيجابية التي تنعم بها، تميل القصص التي نسردها عن الغرباء إلى إبراز لماذا ينبغي ألَّا نثق بهم. حقًّا، تشوِّه معظم الخرافات المتعلقة بالجماعات الأخرى، شأنها شأن معظم النميمة، صورة الآخرين. وكما سنرى، قلَّما تمتدح الخرافات ديانات الآخرين.

السمة الخامسة التي يتسم بها البشر وتحْدوهم إلى خلق الخرافات هي أننا حيوانات «قصَّاصة»؛ فعلى مدار عشرات الآلاف من السنين في كل أنحاء العالم، ابتدع الناس الروايات — لتفسير الأحداث، والإشادة بالأبطال، وتعليم الأطفال العِبَر الأخلاقية، وليُسليَ بعضهم بعضًا، ولأغراض أخرى كثيرة. ونحن نخزن المعلومات عن الأفراد في صورة حكايات عنهم في المقام الأول، وقبل اختراع الكتابة منذ بضعة آلاف من السنين، كانت القصص هي الشكل الأساسي الذي حفظ البشر فيه معظم المعلومات عن أي شيء على الإطلاق. يمثل هذا أكثر من ٩٨ في المائة من تاريخنا، ومِن ثَمَّ فلا عجب أننا لا نزال نهوى ابتداع القصص الجيدة، وسردها، والإنصات إليها.

لسنا قصَّاصين وحسب، لكننا قصَّاصون متخيِّلون، وهي سادس سمة تحدونا إلى صنع الخرافات. فإذا كانت القصص تنقل معلومات دقيقة في بعض الأحيان، فالدقة ليست سمة ضرورية للقصص الجيدة. يحب البشر سرد القصص حبًّا جمًّا، حتى إنهم بدءوا منذ زمن سحيق في خلق ما نطلق عليه الآن «السرد التخيلي». وكما أشار والتر أونج (١٩٨٢) في أبحاثه بشأن الثقافات الشفهية، كلما ازدادت القصة إبداعًا، زاد احتمال تذكُّرها. هكذا، إن كنا نسرد قصة عن أحد الأسلاف الذي نُقدِّر شجاعته وقوته، فربما تكون أوصاف الشجاعة والقوة الاستثنائية — بل والخارقة — هي الأكثر احتمالًا أن يتناقلها الناس من جيل إلى جيل. بالمثل إن كنا نشعر بالتهديد من جماعة بعينها، فإننا قد نغالي بشدة في تضخيم خصالهم السلبية.

تستدعي هذه النقطة بشأن الأبطال الذين نعجب بهم والأشرار الذين نخشاهم سمة سابعة يتصف بها البشر وتحدوهم إلى خلق الخرافات، ألا وهي أننا حيوانات «عاطفية»؛ فلكي تشدَّ انتباهنا قصة، ونتذكرها، ونتناقلها، سيسهل الأمر إذا كانت تثير مشاعر مثل الإعجاب بالأبطال، والخوف، والرغبة الجنسية، والرهبة، والفخر بجماعتنا، وكره الجماعات الأخرى. يتأفف بعض الناس اليوم من كمِّ الجنس والعنف اللذين يعج بهما الإعلام، لكن لطالما كان الجنس والعنف هما محور سرد الحكايات، بدايةً من الكتاب المقدس والأدب اليوناني. انظر إلى القصة الواردة في الإصحاح الحادي عشر من سفر صموئيل الثاني حول الكيفية التي دبر بها داود الملك، بعد أن حملت منه بثشبع، مقتل زوجها في الحرب. وفكر في مسرحية سوفوكليس التراجيدية «الملك أوديب» التي يقتل فيها أوديب أباه ويتزوج أمه. تحوِّل المنطقة ذاتها من المخ التي تعالج المشاعر — الجهاز الحوفي — الذكريات القصيرة الأجل إلى ذكريات طويلة الأجل أيضًا. وعادة ما تكون الخبرة المباشرة بحدث مثير عاطفيًّا هي أقوى وسيلة لجعل شيء ما يؤثر فينا وينحفر في ذاكرتنا طويلة الأجل، لكن ربما تكون ثاني أقوى وسيلة هي قصة مؤثرة عاطفيًّا.

لا تمنح الأساطير معنًى لما نمر به فقط، ولكن لما نفعله أيضًا. بالأساطير يمكننا أن نبرر أفعالنا؛ فعلى سبيل المثال، حينما تضطهد جماعةٌ ما جماعةً أخرى، فغالبًا ما تُستخدَم الخرافات السلبية عن الجماعة المستهدَفة تبريرًا: هؤلاء الناس يسمِّمون آبارنا، ويخطفون أطفالنا، ويعبدون الشياطين، ويزاولون السحر الأسود، وما إلى ذلك. الخرافات التي سندرسها عن اليهود والمسلمين وغير المؤمنين على سبيل المثال، كانت على الأغلب من صنع أعدائهم. لقد استهللنا قائمة الصفات البشرية التي تجعلنا ننزع إلى خلق الخرافات بقول إننا حيوانات عاقلة، لكننا يمكن أن نضيف أيضًا مع سيجموند فرويد أننا حيوانات «معقلِنة» — وهذه صفتنا الثامنة — ولا أقول هذا على سبيل الإطراء.

في ثقافتنا العلمية التكنولوجية، قد نظن أننا تخطينا مرحلة الخرافات، لكن قضاء ساعة في قراءة الصحف الصفراء، أو تصفح الإنترنت، أو مشاهدة برامج التليفزيون، يُبيِّن أن هذه الخصال البشرية الثماني والخرافات التي تنضح بها لا تزال حية ويانعة. لا نزال نمَّامين نفكر وفق صور نمطية عرقية ودينية. ولا نزال نحب قصة تستثير الإعجاب بالأبطال، أو الخوف، أو الرغبة الجنسية، أو الرهبة، أو الفخر بجماعتنا، أو كره الجماعات الأخرى. ولا نزال عرضة للقَبَلية كما يتجلى في ولائنا لجيش بلادنا، وفرقنا الرياضية. ولا ينتعش تقديس الأبطال في الحياة العسكرية والرياضية فحسب، ولكن أيضًا في صناعة الأفلام والموسيقى. ولا يزال رهاب الأجانب — الخوف من الناس من خارج الجماعة — مستشريًا، كما يتضح من استمرار معاداة الساميَّة ومن الإسلاموفوبيا.

لم تفعل وسائل الإعلام الإلكتروني إلا أن جعلت صنع الخرافات وتداولها أيسر وأسرع. وغالبًا ما يُطلق على الخرافات الحديثة «الخرافات الحضرية» أو «الأساطير الحضرية»، وقد أنشأ الأفراد مواقع إلكترونية كاملة لتقصِّيها. على سبيل المثال، يصف موقع Snopes.com نفسه بأنه «المصدر المرجعي الحاسم على الإنترنت للأساطير الحضرية، والتقاليد الشعبية، والخرافات، والشائعات، والمعلومات المغلوطة.» ويختبر برنامج «ميثباسترز» التليفزيوني الأمريكي (على قناة ديسكفري) الخرافات الحضرية، مثل الزعم بأن طلاء الجسم بالذهب أو الضرب بعملة أُسقطت من أعلى مبنى إمباير ستيت يمكن أن يكون مميتًا. يتعلق كثير من الأساطير الحضرية بالدين، مثل خبر علماء الجيولوجيا الذين كانوا يحفرون في سيبيريا، واخترقوا الجحيم بالمصادفة، أو خبر «مشروع المجيء الثاني» الذي يحاول استنساخ يسوع من الحامض النووي لرفاته، أو الزعم بأن بعض شركات الطيران ترفض أن تضع على متن الطائرة طاقم قيادة مكوَّنًا من طيار مسيحي ومساعد طيار مسيحي حيث يمكن أن يُختطف كلاهما في عملية «اختطاف المؤمنين إلى السماء»، فتُترك الطائرة لتتحطم. سنترك هذه النوعية من الخرافات لموقع «سنوبس» وبرنامج «ميثباسترز»، ونركز نحن على عينات من بعض خرافات العالم الأكثر صمودًا، وهي تندرج ضمن الفئات العامة الآتية:
  • معتقدات خاطئة شائعة عن الأديان بصفة عامة.

  • معتقدات شائعة حول أصول أديان متنوعة تَبيَّن في ضوء الأبحاث التاريخية أنها موضع شك.

  • معتقدات في إطار التقاليد الدينية، يشيع الاعتقاد بها، لكنها ليست جزءًا من مذهب رسمي.

  • مزاعم زائفة عن معتقدات مجتمعات دينية معينة وممارساتهم، يتمسك بها أناس من خارج تلك المجتمعات.

المراجع

  • Ong, W. (1982) Orality and Literacy, Routledge, New York.
  • Snopes.com (accessed January 6, 2014).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤