الفصل العاشر

مقتل أبي الحسن

مكث عماد الدين على مثل الجمر وهو يردد ما سمعه عن راشد الدين، وتغلبت عليه الشكوك في كراماته. لكنه ما زال مكبرًا اقتداره. وبينما هو في ذلك إذ جاءه خادم للشيخ أصم أبكم مثل سائر خدمه. وإنما يقتني الصم والبكم للخدمة لئلا يفهموا شيئًا مما يدور بينه وبين رجاله. فهم يحملون الأوامر بالإشارة. فلما جاء ذلك الأبكم يطلبه مشى في أثره حتى دخل به على راشد الدين وهو في غرفة صغيرة ليس فيها سواه. وقد تخفَّف بعمامة صغيرة وجعل يتمشى ذهابًا وإيابًا ويداه وراء ظهره وفيه عَرَج قليل.

فلما رآه عماد الدين، سيطرت عليه الرهبة ووقف وقفة الاحترام. فأشار راشد الدين إلى الحارس أن ينصرف. وأقفل الباب وراءه ولم يبقَ عنده إلا عماد الدين. فدعاه إلى أن يقترب منه. وابتسم وقال له: «انظر في عيني.»

فنظر فإذا هما تلمعان ويكاد الشرر يتطاير منهما.

فقال راشد الدين: «ماذا ترى فيهما؟»

فاستغرب سؤاله وقال: «لا أرى فيهما شيئًا يا مولاي غير النور والذكاء.»

قال: «أما أنا فأرى في عينيك أشياء كثيرة، إني أقرأ فيهما ما يكنه ضميرك.»

فخاف عماد الدين أن يطلع راشد على ما خامره من الشكوك فيه فقال: «لا غرابة في ذلك، فقد تحققناه من قبل.»

قال: «ويسرني أني تحققت صدق طاعتك وإخلاصك، ولذلك رأيت أن أُسرِع في مكافأتك، وهذا لا يكون إلا بمهمة تقضيها. ورغبة في التعجيل جعلت ذلك قريبًا في هذا الحصن. فهمت؟»

قال: «إني طوع أمرك يا مولاي.»

قال: «إن في هذا البيت المنفرد داخل سور هذا الحصن أميرًا كبيرًا ينبغي أن يذهب من هذا العالم بلا ضوضاء ولا شكوى، وأن يكون ذلك على يدك. فما رأيك؟»

فانحنى انحناء الطاعة وقال: «وهل للعبد رأي بين يدي مولاه؟ إنما يأمره فيفعل.»

فقبض على أنامل عماد الدين بكفيه وأمره أن ينظر في عينيه ثم قال له: «أريد يا عبد الجبار أن تقتل الشيخ سليمان اللعين. تقتله وتخمد أنفاسه هكذا أريد.»

فأحس عماد الدين عند سماع ذلك الصوت على هذا الشكل بقشعريرة جرت في عروقه، وكأن شرارة كهربائية تطايرت أمام بصره. فأغمض جفنيه رغم إرادته. فقال راشد الدين: «قد أحسنت يا عبد الجبار (عماد الدين) إنك فاعل ما أريد، وسوف تنال جزاء أمانتك. واعلم أنك منذ الآن خادم لسليمان أو الشيخ سليمان كما يسمونه. فالبس لباس الخدم وغيِّر قيافتك وابذل جهدك في إرضائه حتى تغتنم منه غرة تقتله فيها ولا يشعر أحد بك. وأحب أن يكون ذلك خارج القلعة. وأنت عند ذلك من طبقة المستنيرين.» ثم أدنى شفتيه من أذنه وقال له: «ومع الرجل امرأة بارعة في الجمال ستكون غنيمة لك مع سائر ما يمتلكه من أثاث وغيره. ويمكنك التعويل على صديقك ولدنا عبد الرحيم في بعض التفصيل. وهذا يكفي، امضِ الآن إلى نائبنا الشيخ دبوس وهو يُتِم تجهيزك بما يلزم.» قال ذلك وترك أنامله، فودعه وخرج وهو يرتجف من عظم التأثر وأخذ يفكر فيمن عساه أن يكون سليمان هذا. ولم يهمه أن تكون امرأته جميلة وهو لا يرضى من سيدة الملك بديلًا.

سار توًّا إلى الشيخ دبوس ولم يحتج في تفهيمه إلى كلام؛ لأن هذا كان على بينة مما يُطلب منه فحال دخوله عليه قال له: «ادخل يا عبد الجبار واقفل الباب.»

فدخل ونهض الشيخ دبوس بنفسه فأعطاه لباس الخدم وأصلح شعره وقيافته بحيث تغيَّر شكله كثيرًا ودفع إليه كتابًا وقال له: «تأخذ هذا الكتاب إلى ذلك المنزل وتكون خادمًا لصاحبه كما أمرك مولانا الشيخ الأكبر، أفهمت؟»

فأشار مطيعًا وخرج وهو كالخادم تمامًا. وقبل خروجه نظر إلى وجهه في المرآة فأنكر نفسه. ونظر في بطاقة الشيخ دبوس إلى سليمان وهو يتردد في ذهابه ويقول في نفسه: «كيف أقتل هذا الرجل ولا ثأر بيني وبينه؟» ثم خطر له قول عبد الرحيم إنه سيجد في قتله راحة فوقع في حيرة.

وما عتَّم أن وصل إلى المنزل الذي ذكروه له فوجد الباب مقفلًا فأخذ في البحث عن الشيخ سليمان في ذلك الجوار فلم يقف له على خبر، فقعد على صخر في ظل البيت ينتظر قدومه لعله ذهب في حاجة لا يلبث أن يعود منها. واستغرق في هواجسه وتفقَّد الخنجر الذي خبأه في ثوبه لاستعماله عند سنوح الفرصة. لكنه ما زال يتردد في أمر القتل.

وفيما هو في ذلك إذ رأى رجلًا قادمًا عن بُعد وعلى رأسه عمامة خضراء اللون كبيرة الحجم وقد أرسل شعره تحتها حول رأسه إلى كتفيه، وتزمَّل بجبة طويلة وعلَّق في صدره سبحة طويلة وحمل سبحة أخرى بيده يعدد حباتها ويتمتم كأنه يصلي أو يدعو كما يفعل المنقطعون عن العالم إلى الصلوات والدعوات، فتحقق أنه الشيخ سليمان لا محالة، فجعل يراقب حركاته وهو قادم حتى دنا منه فتقدم إليه وهمَّ بتقبيل يديه ودفع إليه بطاقة الشيخ دبوس فتناولها وفضها وقرأها وهو لم ينظر إلى عماد الدين بعدُ. فلما أتم قراءتها رفع بصره إليه وقال: «يقول أخونا الشيخ دبوس إن مولانا الشيخ الأكبر بعثك لخدمتنا.»

قال: «نعم يا سيدي، وهل يتم لي هذا الحظ؟»

قال: «إنني في غنى عن الخدم؛ لأني أحب الخلوة بنفسي للصلاة والدعاء وطعامنا يأتينا من مطبخ الجماعة. فما هي الحاجة إلى الخدم؟»

وكان عماد الدين يسمع قوله وهو يتفرس في سحنته كأنه رأى ذلك الوجه وسمع ذلك الصوت من قبل. فلما فرغ الشيخ سليمان من قوله أجابه عماد الدين: «قد أمرني الأستاذ الأكبر أن أقف بباب مولاي أخدمه بما يحتاج إليه، فإن كان في شاغل بالصلاة أو غيرها فلا شأن لي به، وإنما ألبي أمره إذا أمرني فأجلب له الطعام أو ما يحتاج إليه من الأمور.»

قال: «حسنًا. ما اسمك؟» قال: «عبد الجبار.»

قال: «اقعد هنا، وإني شاكر لأخينا الشيخ فضله. وعلى كل حال لا حاجة لي بك في الليل فإذا غابت الشمس انصرف إلى مكانك.»

ومشى نحو الباب وتناول المفتاح ليفتحه وعماد الدين يراقب حركاته ويبحث في ذاكرته عما يعرفه عن ذلك الرجل وأين رآه في دمشق أو القدس أو مصر فلم يخطر له شخص يعرفه بهذا الاسم.

دخل الشيخ سليمان المنزل وظل عماد الدين جالسًا على حجر وقد شُغل خاطره بأمر هذا الرجل. ولم يتذكر أين رآه فظن نفسه واهمًا في تصوره، فصرف فكره عنه وعاد إلى التفكير في صلاح الدين والخروج من ذلك الحصن ليخبره بما عمله؛ وليرى سيدة الملك على فراغ واطمئنان.

وكانت الشمس قد مالت إلى الغروب فذهب ليأتيه بالعشاء وكانوا قد أعدوه له في أطباق، فحملها فوق رأسه حتى أتى الباب وقرعه وطال انتظاره قبل أن يفتحه له. ولما فتحه تناول الطعام منه وأدخله بيده ودفع إليه دينارًا وقال له: «قد جاء الغروب فانصرف إلى شأنك يا عبد الجبار.»

فتناول الدينار وأظهر الامتنان وانصرف وهو يفكِّر في أمر هذا الرجل وحرصه الشديد على منزله حتى لا يأذن لخادمه بالدخول إليه. وفيما هو في الطريق لقيه عبد الرحيم فسلَّم عليه وسأله عما جرى فأخبره بما شاهده وما استغربه من حال الشيخ سليمان، فضحك عبد الرحيم وقال: «لم يسمح لك بالدخول، لا بأس؟ ألم تتذكر أنك تعرفه من قبل؟»

قال: «تصورت أول وهلة أني رأيت ذلك الوجه أو على الأقل سمعت ذلك الصوت. لكنني غيرت فكري لأني وجدت نفسي واهمًا.»

فقال وهو يحك عثنونه ويخفي ضحكة: «قد تكون واهمًا وستبدو لك الحقيقة بعد قليل. لكن كيف أشار بانصرافك الآن وهو قد يحتاج إليك في الليل؟»

قال: «لا أدري، ويظهر لي أنه يكتم أشياء لا يحب أن أطلع عليها. أظنك عرفت عنه شيئًا لم تقصه عليَّ.»

قال عبد الرحيم: «عرفت عنه أشياء كثيرة لا أقدر أن أبوح بها كما تعلم، لكنني أقدر أن أقول لك بأنه من أصحاب المطامع السياسية وهي التي ستجر إليه حتفه، ويظهر لي أنه أراد أن يشارك شيخنا سلطانه، أو أنه طلب منه أمورًا لا يوافقه عليها. وهو يعرفه صغيرًا فخاف إذا أغضبه أن يشيع عنه أمورًا تقلل من هيبته فأحب التخلص منه. هذا هو الذي لحظته إلى الآن وسترى الحقيقة وأنت أولى مني بكشفها.»

فقال: «هذا أول يوم رأيته فيه، وقد صرفني ساعة الغروب وسأعود إليه في صباح الغد.»

قال: «هب أنه صرفك فيمكنك أن تبقى قريبًا من منزله لعله يحتاج إليك أو لعلك ترى فرصة مناسبة للقيام بمهمتك.»

وكانا ماشيين وقد أخذت الظلال تتكاثف وأوشك الظلام أن يسدل نقابه. فقال عماد الدين: «إلى أين نحن ذاهبان الآن؟» قال: «إلى حيث تشاء.»

قال: «أحب أن أحادثك في بعض الأمور.» قال: «تعالَ إلى غرفتي، إنها على مقربة من هذا المكان.» ومشى حتى دخل الغرفة وفيها مصباح ضعيف أضاءه له بعض الخدم. فقال عماد الدين: «أحب أن نكون في خلوة.»

فأومأ عبد الرحيم إلى خادمه بالانصراف وقعد. وأشار إلى صديقه أن يقعد فقعد وهو يتنهد. فقال له عبد الرحيم: «ما لك يا صاحبي لماذا تتنهد؟»

قال: «أتنهد يا أخي لأني أشعر كأني في قفص لا أرى لي منه مخرجًا، وقد أطعتك في كل شيء كما رأيت، ولا يمكنني أن أنكر صدق نصيحتك لي كل مرة. ولكنك تعلم أيضًا أني لا أقدر على البقاء هنا طويلًا، ولي في مصر أناس ينتظرون رجوعي و…» وسكت.

فأدرك عبد الرحيم ما يعنيه فقال: «أتريد أن تخرج من هذا الحصن؟»

قال: «نعم أريد ذلك. أرجو أن تساعدني عليه.»

قال: «وعدتك أني فاعل ما تريد ولكل أجل كتاب. إني مدبِّر طريقة لخروجنا كلينا.»

ففرح عماد الدين بهذه البشرى وقال: «وأنت أيضًا عازم على الخروج؟» قال: «نعم، وربما اتفق خروجنا معًا.»

قال: «هذا هو الأفضل. وقد اطمأن بالي الآن. وإن كنت لا أعرف سبب رغبتك في الخروج بعد أن صرت من خاصة الإسماعيلية واطلعت على أسرارها.»

فأشار إليه بسبابته على فمه أن يسكت وقال: «سوف نتكلم عن ذلك في فرصة أخرى. أما من حيث رغبتك في الخروج فتدبيره عليَّ حالما تفرغ من مهمتك. تعالَ إليَّ فتجدني هنا في أكثر الأوقات، وإنما يُطلب منك أن تسهر على مهمتك المعلومة.»

قال: «حسنًا، إني ذاهب كما قلت.» وأشار إلى خصره وقال: «وهذا هو الخنجر الذي سأغمده في صدر الشيخ لغير ذنب له عندي.» ثم استأنف الكلام قائلًا: «ولكن الشيخ راشد قال لي إن للرجل زوجة ستكون غنيمة لي، فهل هي معه في هذا المنزل؟ وقد أوعز إلى الشيخ أن أعوِّل عليك في بعض التفاصيل فما هو رأيك؟»

قال: «رأيي أن تفتك بهذا الشيخ في أول فرصة. أما امرأته التي أشار إليها شيخنا فليست هنا. وإنما هي في منزل خارج الحصن بجوار القرية القريبة منه مع سائر أهله وخدمه.»

قال: «وسمعت من شيخنا أنه يفضِّل أن أقتله خارج الحصن. فهل هو يذهب إلى هناك؟»

قال: «قد أذن له في الذهاب متى شاء، وهو يذهب كل ليلة تقريبًا. فالأفضل أن تغتنم وجوده خارجًا وتقضي عليه ومتى قتلته أصبحت امرأته وسائر ما يملكه حلالًا لك.»

فقال عماد الدين: «اسمح لي أن أستشيرك في أمر آخر. ما قولك إذا قضيت مهمتي وأنا خارج هذا الحصن في أن أبقى خارجًا وأنصرف.»

قال: «نعم الرأي هو. وأنا أتبعك على عجل.»

فقال: «وكيف تعلم أني فرغت من مهمتي؟» قال: «متى صرت في آخر هذا السهل أوقِد مشعلًا مزدوجًا، وحالما أرى المشعل من هنا أخرج إليك ونذهب معًا.»

فانبسطت نفس عماد الدين لهذا الرأي وهمَّ بالانصراف، فأمسكه عبد الرحيم وجذبه إليه وقال: «احذر أن تحدِّثك نفسك وأنت خارج الحصن أن تفر من غير أن تقتل الشيخ سليمان. بل يجب أن تقتله ولو لم تستطع الفرار. اسمع نصحي هذه المرة أيضًا.»

قال: «حسنًا سأفعل ما تقول، ولكن هل أقدر على الخروج من باب الحصن بلا إذن؟»

قال: «إذا داهمك الوقت قبل أن أستأذن لك يكفي أن تقول للبواب كلمة الخروج فيفتح لك الباب.»

قال: «وما هي هذه الكلمة؟» قال: «قل له: «حسن بن الصباح في الأموات» فيطلق سراحك.»

قال: «بارك الله فيك، قد انشرح صدري الآن، وسأذكر لك هذا الفضل في جملة أفضالك.» قال ذلك ومشى نحو منزل الشيخ سليمان وقد اشتد الظلام. فلما دنا من المنزل رأى ذلك الشيخ خارجًا منه وبيده مصباح.

فتقدم كأنه رآه مصادفة وحيَّاه وأكبَّ على يده يقبِّلها وقال: «كيف تحمل المصباح بيدك وأنا خادمك قد أمرني مولانا الشيخ بخدمتك؟» قال ذلك وتناول المصباح منه ومشى بين يديه حتى دنا من الباب ففتحوه له. فأحب الشيخ أن يسترجع المصباح منه فأبى أن يعطيه إياه تخفيفًا للثقلة عنه وقال: «إذا علم مولانا الشيخ الأكبر أني لم أقم بحق خدمتك غضب عليَّ وعنفني.»

فأطاعه ومشى ولم يعترضه أحد لأنه ذكر كلمة الخروج للبواب. ومشى بين يدي الشيخ والطريق أكثره منحدر حتى إذا فرغ من الانحدار وقف الشيخ وقال: «بارك الله فيك هاتِ المصباح. إنني على مقربة من منزلي.»

قال: «إني أسير بين يديك إلى باب المنزل.»

قال: «لا حاجة إلى تعبك. هذا هو المنزل.» وأشار بإصبعه إلى نور ضعيف لا يظهر سواه في ذلك السهل.

فقال: «بل أسير معك حسب أمر مولاي.»

فوقف الشيخ ومد يده ليتناول المصباح منه فامتنع عماد الدين عن أن يناوله إياه، فغضب الشيخ وقال بانتهار: «هات المصباح يا غلام وانصرف لسبيلك.»

فقال عماد الدين: «أهذا جزاء مَن يريد القيام بخدمتك؟» قال ذلك واستل خنجره وأغمده في قلبه. فوضع الشيخ كفه على موضع الضربة وصاح: «آه. قتلتني يا لعين. ويلاه آه. ماذا فعلت معك؟»

فهمَّ عماد الدين أن يثني الضربة فأمسكه بيده الأخرى وهي ترتعد وقال: «هذه الطعنة تكفي لقتلي، فأغمد الثانية في صدر تلك الخائنة. انظر. إني مسامحك على قتلي؛ لأني أستحق القتل، ولكن هناك امرأة، هناك في هذا المنزل حيث ترى النور امرأة أحق بالقتل مني! بالله ألا ذهبت إليها وقتلتها، وخذ ما في جيبي من النقود والجواهر مكافأة لك.» قال ذلك وسقط وعماد الدين يستغرب قوله، فأكبَّ عليه وفتَّش جيبه فوجد فيه أوراقًا ونقودًا وجواهر استخرجها وتركه يتخبط في دمه.

•••

مشى وهو يفكر في هل يذهب إلى ذلك المنزل أم يسير توًّا إلى مصر ومعه النقود. فترجح لديه الذهاب إلى مصر مخافة أن يكون في ذهابه إلى المنزل ما يعيقه عن المسير أو ربما بعث راشد الدين في استقدامه ليعود إلى الحصن. وقد كان في عزمه أن يفر قبل قتل الرجل لو لم يلح عليه عبد الرحيم بقتله فأطاعه وهو لا يعلم السبب، لكنه استخلصه ورأى في طاعته خيرًا.

فلما رجح الفرار وقف يفكر في الطريق المؤدي إلى مصر وقد اشتد الظلام وهو لا يميز الطرق ولا يعرف الجهات. وتذكَّر وصية القتيل وغرابتها واستنتج منها أنه ناقم على امرأة يريد قتلها. فرأى أن يذهب إلى المنزل ويستدل من هناك على الطريق. فمسح خنجره وأغمده وأصلح من شأنه وأطفأ المصباح حتى لا يراه أحد ومشى نحو النور. ولما اقترب من المنزل جعل خطاه خفيفة كأنه يتلمس الطريق. وأصغى بسمعه وتطاول بعنقه. وخطا خطوات قليلة حتى أوشك أن يدق الباب. فسمع رجلًا يخاطب رفيقًا له في ذلك البيت قائلًا: «ألم ترَ مصباح الشيخ؟»

فأجابه الآخر: «رأيت مصباحًا منذ هنيهة على بُعد يشبه مصباحه.»

قال: «بل هو بعينه ثم انطفأ. ماذا جرى له يا تُرى؟»

قال: «لا تخف عليه. إنه طويل العمر.»

قال: «أراك تحسده على حياته وهو من أشقى خلق الله.»

قال: «صدقت لم أرَ أشقى حياة منه.»

فقطع الآخر كلامه قائلًا: «بل أشقى منه هذه المسكينة التي لا يبرح يعذبها ويضربها و…»

فقال: «صدقت، مسكينة! إن قلبي يتقطع عليها أحيانًا. وكم حدثتني نفسي أن أنتصر لها …»

فقال ذاك: «ما لنا ولها؟ إنما نحن نلتفت إلى مصلحتنا، فإذا وفَّي لنا بما وعدنا به حصلنا على السعادة الحقيقية. إذ نصير من كبار الأمراء! أليس كذلك؟»

فقال الآخر: «هل تعتقد كل ما يقوله الشيخ صحيحًا؟»

فقال: «إذا لم يصح إلا بعضه فإننا نكون سعداء! يظهر أنك لم تفهم حقيقة مهمته عند شيخ الإسماعيلية.»

قال: «فهمتها، كيف لا أفهمها؟»

قال: «لا. لم تفهمها كما هي. اعلم أن مولانا الشيخ هذا كان صديقًا للشيخ راشد الدين سنان رئيس الإسماعيلية الآن قبل أن صار رئيسًا، وقد أعانه وارتكب معه أمورًا كثيرة حتى تمكَّن راشد الدين من هذه الرياسة. فحسده صاحبنا، فأراد أن يعمل عملًا يفوق به على صاحبه فذهب إلى مصر وطمع في الخلافة!»

فضحك الآخر وقال: «الخلافة؟»

قال: «نعم، طمع أن يكون خليفة وسمَّى نفسه أبا الحسن، وادعى النسب الفاطمي وصدَّقه الناس. ولما مات خليفة مصر العاضد بايعه جماعة من المصريين. ثم انكشف أمره لصلاح الدين وقبض على رفاقه ونجا هو بنفسه وجاء الشام. وأنت تعلم ما جرى بعد ذلك، وكيف كلَّف بعض الفدائيين الذين يقتلون القتيل بدرهمين فاختطفوا له هذه المرأة من بيتها، وهي تكرهه ولا تطيق أن تراه.»

فقطع الآخر كلامه وقال همسًا: «احذر أن تذكر الفدائيين بسوء. فإننا في دارهم. وأما هذه المرأة فأنت لا تعرف مَن هي: مسكينة كم قاست منه! قبحه الله! لا أظن لها نجاة إلا بموته.»

فضحك ذاك وقال: «إنه طويل الحياة، لا خوف عليه ولا سيما إذا نجح في مهمته عند راشد الدين، والحق يُقال إنه يحب هذه المرأة ويعدها بكل خير إذا أحبته. لكنها لا تحبه، ولذلك يعذبها.»

ففهم عماد من هذا الحديث أنه قتل أبا الحسن، لكنه لم يكن يعرف علاقته بسيدة الملك، وإنما يعرف أنه من الخارجين على صلاح الدين وأنه نجا من القتل. فرقص قلبه فرحًا لأنه سيذهب إلى صلاح الدين بخبرين مهمين: الأول ذهاب الخطر على حياته من راشد الدين والثاني أنه نجا من أبي الحسن. لكنه سمع في أثناء الحديث أنه يعذِّب امرأته حتى أشفق عليها الخدم. وتذكَّر أن أبا الحسن أمره بقتلها وأجازه على ذلك. وكان عماد الدين قد أصبح بعد تعلقه بسيدة الملك يشفق على كل أنثى لأجلها. فأحس بميل إلى إنقاذ هذه المسكينة. فتقدَّم إلى الباب وطرقه فأجفل الرجلان وصاح أحدهما: «مَن الطارق؟» وقال لرفيقه: «لعله مولانا الشيخ سليمان، ألم أقل لك إني رأيت مصباحه؟»

فقال عماد الدين: «إني رسول من الشيخ سليمان.»

ففتح أحدهما الباب ودخل الآخر فأتى بالنور وأدناه من وجه عماد الدين، فرأياه ورآهما فلم يذكر أنه يعرف أحدهما، لكنه عرف من زيهما أنهما من أهل دمشق، وكان قد لحظ ذلك من لهجتهما. وكلاهما في حدود الكهولة، فتقدم أحدهما وقال لعماد الدين: «ماذا تريد؟»

قال: «بعثني الشيخ سليمان في مهمة ومعي هذا المصباح علامة لصدق الرسالة فانطفأ في أثناء الطريق.»

قال: «صدقت، وما الذي تريده؟»

قال: «أمرني أن آتيه بامرأته على بغلتها وهو في انتظارها بباب الحصن.»

فالتفت الرجلان أحدهما إلى الآخر لفتة الاستغراب ولسان حالهما يقول: «كيف يبعث الشيخ يطلب امرأته على بغلتها إلى الحصن؟ وما الذي يريده منها هناك؟» فقال أحدهما: «وهل يطلب امرأته وحدها؟»

قال: «يطلبها مع ما تريد حمله من متاعها وثيابها.»

قال: «علينا أن نبلغها الرسالة.» ودخل الرجل والنور بيده وظل عماد الدين واقفًا وقد أصاخ سمعه. وأول شيء سمعه قبل وصول الرسول أنين وتأوه وصوت ضعيف يقول: «ويلك من الله يا خائن … ألا تخاف العقاب يوم الدين؟ أين يا موت. متى تأتي ساعتي وأتخلص من هذه الحياة … آه … ما بالهم يتآمرون عليَّ؟»

ولما سمع عماد الدين ذلك الصوت اقشعر بدنه لأنه كثير الشبه بصوت سيدة الملك. وحدثته نفسه أن يتقدم ليراها ولكنه صبر ليسمع ما يدور بينها وبين الخادم. فإذا هو يقول لها: «إن سيدي الشيخ بعث يطلب مولاتي إليه في هذا الحصن.»

فصاحت فيه: «إلى أين؟ مَن هو سيدك هذا؟ ما بالكم تزعجونني بالأسئلة؟ دعوني أنم لحظة لكي أنسى فيها مصائبي.»

قال: «لا تغضبي يا سيدتي، إن مولاي بعث رسولًا خاصًّا من خدمة الشيخ راشد الدين لكي يحملك إليه بما تريدين حمله من متاعك وثيابك و…»

فقالت: «لا. لا أذهب إلا محمولة على خشبة. دعوني منه. لعنة الله عليه. ويا ويله من الله ومن يوم الدين. آه. آه. حملني إلى بلاد ليس فيها مَن يعرفني ولم يشفق على قلبي … آه … كل بلائي من هذا القلب!»

وأصبح عماد الدين يرتعد من عظم التأثر؛ لأن الصوت صوت سيدة الملك. ولو كان عالمًا بما بينها وبين أبي الحسن لما شك في أنها هي، لكنه استبعد وصولها إلى هناك وهي في ظل صلاح الدين. وإنما ارتعد انتصارًا لامرأة مظلومة إكرامًا لحبيبته لأنها من جنسها. وزادت نقمته لأن صوتها يشبه صوتها. ثم سمع الرجل يخاطبها قائلًا: «والآن يا سيدتي ماذا تريدين أن نفعل؟ لا بد لنا من أخذك إليه حسب أمره، وهذا رسوله واقف بالباب وليس في الإمكان رد طلبه، فالأوفق أن تنهضي راضية.»

فلما سمعت تهديده صاحت صيحة وقف لها شعر عماد الدين قائلة: «أتهددونني بالأخذ قهرًا؟ أريد هذا الشقي أن يحملني على أيدي اللصوص كما خطفني من مصر بأيدي أتباعه قبل الآن؟» ثم خفضت صوتها وغصت بدموعها وقالت: «ولكن الله بعث إليَّ في تلك المرة ملاكًا شجاعًا أنقذني من مخالب الموت وأنقذ شرفي وحياتي.» ثم تنهدت وقالت: «آه. أين أنت يا عماد الدين؟»

فلما سمع عماد الدين نداءها لم يتمالك عن الوثوب كالأسد الكاسر وقد تحقق أن تلك المظلومة حبيبته سيدة الملك وأجابها: «لبيك. لبيك. يا سيدتي.»

وما لبثت بعد أن سمعت صوته حتى رأته أمامها وقد أزاح الخادم بيده وتقدم نحوها وهو يقول: «مولاتي سيدة الملك أنت هنا في هذا العذاب؟»

فشخصت إليه شخوص الأبله كأنها أُصيبت بجِنَّة، وقد جمدت عيناها وعقد لسانها ولم تعد تستطيع النطق، لكنها تماسكت وتوهَّمت نفسها في حلم، فقالت وصوتها يتقطع وهو مختنق: «عماد الدين؟ عماد … الدين؟! آه … يا ليت ذلك كان في اليقظة!»

وغطَّت وجهها بكفيها وأخذت في البكاء، فتقدم عماد الدين نحوها وقد تقطع قلبه لرؤيتها وهي في شدة الضعف، ولو أنه شاهدها بدون أن تناديه لما عرفها. فأمسك بيدها وقال: «أنت في يقظة يا سيدتي. أنا عماد الدين. أنت في يقظة وروحي فداك فلا تخافي.»

فلما سمعت صوته فتحت عينيها والدمع يغشاهما ونظرت إليه وهو في زي غير زيه. لكنها عرفت صوته وتفرست في وجهه وهي لا ترى شيئًا من الدمع، فمسحت عينيها بكمها فعرفت عينيه فصاحت: «عماد الدين! أنت عماد الدين؟ مَن أرسلك إليَّ؟ لا. لا. لست عماد الدين. أنت خادم ذلك الخائن جئت لتأخذني إليه. بالله قل لي، هل أنت عماد الدين؟» وضحكت كالأبله المعتوه وقالت: «أنت عماد الدين؟ إن المعجزات لا تتكرر. نعم أتى عماد الدين لإنقاذي في مثل هذا الضيق فيا ليته يأتي الآن.» ثم سكتت كأنها استرجعت رشدها ومسحت عينيها ثانية ونظرت إلى عماد الدين نظر متفرس، وهو جاثٍ بين يديها وعيناه شاخصتان في عينيها وقلبه يتفطر. فما لبثت أن تحققت أنها ترى عماد الدين فصاحت ملء فيها: «عماد الدين! عماد الدين!» وترامت عليه وقد أُغمي عليها. فأنهضها، وتراكض الخدم بالماء فرشَّها به وأخذ يمسح وجهها وعينيها بمنديله، وسقاها جرعة من الماء فانتعشت وأعادت النظر إلى عماد الدين وهي تضحك ضحك طفل استرجع شيئًا كان يبكي لفراقه.

لكن تلك الضحكة أبكت عماد الدين وقد شق عليه أن يرى تلك الملكة أخت الخليفة قد ذهب مِلْكها وصارت أسيرة في حيازة صلاح الدين، ثم سيقت كرهًا مع ذلك الشيخ اللعين، لكنه حالما تذكر أنه قتله سُرِّي عنه وعاد إلى تطمين سيدة الملك وقال: «صدقتِ، إني يا سيدتي عبدك عماد الدين.»

فصاحت: «ألا تزال تقول إنك عبدي، أنت سيدي وتاج رأسي. أنت منقذي من الموت والعار مرتين. أنت روحي. أنت حياتي. أنت … آه … دعني لقد خلعت العذار.» وغطت عينيها خجلًا.

فانتبه عماد الدين لوجود ذينك الخادمين وكان قد عرف كرههما لأبي الحسن وشفقتهما على سيدة الملك فقال لكبيرهما: «ربما استغربتما ما رأيتماه في هذه الليلة، وقد علمت أنكما ناقمان على ذلك الشرير، وأن قلبيكما مع هذه، أليس كذلك؟» قال ذلك ومد يده إلى جيبه وفيه نقود أبي الحسن وأعطاهما بلا حساب.

فأعجبهما كرمه وأريحيته وأجابه أحدهما: «صدقت، ويظهر أنك لست خادمًا كما ادعيتَ، بل أنت أمير أرسلك الله لإنقاذ هذه السيدة، إنها قطَّعت قلبينا وأوشكنا أن نأخذ بيدها ونخلصها من ذلك الظالم.»

فقال: «إذن أنتما مسروران بنجاتها.»

قال: «ونحن رهينا الإشارة في أي خدمة تريدها منا ولو كانت قتل ذلك اللعين.»

قال: «لا حاجة إلى قتله، فقد كفانا الله شره في هذه الليلة. وهذه النقود التي كانت معه أعطيتكم بعضها وهذا البعض الآخر.» ودفع إليهما دفعة أخرى.

فزادهما دهشة فقال أحدهما: «قتلته؟ لا رحمه الله.»

وكانت سيدة الملك تنظر إلى عماد الدين وهو يخاطب الرجلين نظر الإعجاب والحب وعيناها غائرتان من الضعف والهزال وقد امتقع لونها. فلما سمعت التحدث بقتل أبي الحسن قبضت على عماد الدين واجتذبته نحوها وهي تقول: «قتلته؟»

قال: «نعم. وكنت أود أني عرفته قبل قتله لأشبعه قتلًا وأخبره وهو في حشرجة الموت أني قتلته في سبيل طاعتك انتقامًا لفظاعته.»

وقص عليها عماد الدين مهمته لمصلحة صلاح الدين وما قاساه من العناء وكيف انتهت بالفوز وأصبح صلاح الدين في مأمن من الفدائيين، فلما سمعت اسم صلاح الدين أشرق وجهها وقالت: «بارك الله في صلاح الدين، إنه نادر المثال.» فضحك وقال: «ألم أقل ذلك في آخر ليلة رأيتك فيها وأنت ناقمة عليه؟»

قالت: «لم أكن أعرفه. وفي كل حال فإني أمتدح مروءته وعلو همته. وأما أنتَ فكنتَ تمتدحه في معرض آخر … فهو في ذلك المعرض ما زال حكمي عليه كما كان، ولا سيما إذا قابلته بعماد الدين.»

وضحكت وكانت تتكلم وعيناها شاخصتان فيه تكاد تتلقفه بهما.

ثم جاء الخادمان وقد أعدَّا الركائب وشدَّا الأحمال، فركبوا جميعًا وقد توسَّط الليل وأطل القمر من وراء جبل السماق. فتذكَّر عماد الدين صديقه عبد الرحيم وما أوصاه به، فلما أمعن في السهل أمر الرجلين أن يوقدا مشعالًا مزدوجًا ففعلا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠