الفصل السادس

الهكاري وقراقوش

تركنا قراقوش بعد مفارقة سيدة الملك وقد استغرب ما سمعه. لكنه ما زال يتوقع أن يجد أحدًا في القصر؛ لأن أبا الحسن أكَّد له وجود رجل غريب. فعاد إلى التفتيش في كل مكان فلم يرَ أحدًا. فعاد إلى غرفته قرب باب القصر فرأى أبا الحسن في انتظاره على مثل الجمر. وكان ينتظر أن يراه قادمًا إليه ومعه عماد الدين يرسف في القيود، فلما رآه وحده صاح به: «أين الرجل؟» وكان قراقوش يحترم أبا الحسن؛ لما يعلم من نفوذه عند الخليفة، فأجابه بلطف قائلًا: «لم أجد أحدًا يا سيدي.»

قال: «يا للعجب! كيف لم تجده؟ أنا على يقين من دخوله هذا القصر، وأنت تعرفه.»

قال: «مَن هو؟»

قال: «عماد الدين خادم سلطان صلاح الدين.» قال: «عماد الدين لا يعقل دخوله هنا. إن هذا الشاب من رجالنا ولا يجسر على المجيء. وكيف يمكنه أن يدخل هذا القصر ويخرج منه ولا أراه وأنا ساهر لا تفوتني حركة من حركات أهله والمفتاح بيدي، وأي غرض له من المجيء؟ لا بد من خطأ في البلاغ الذي اتصل بك.»

قال: «أنا على يقين يا أستاذ، إن عماد الدين دخل هذا القصر. وأما غرضه فيه فلا أدري ما هو. لكنني سمعت من بعض غلمان القصر أن لهذا الشاب معرفة بأهل هذا القصر قبل أن صار الأستاذ بهاء الدين قيمه والآمر الناهي فيه. بلغني أنه دخل إليه يوم واقعة العبيد و…»

فاستغرب قراقوش هذا الحديث فقال: «قل لي مَن أنبأك الآن بدخوله هنا؟»

قال: «خادمي وهو من العارفين بدخائل القصر وإذا شئت دعوته إليك.»

قال: «ادعه أين هو؟»

فوقف أبو الحسن بالباب ونادى: «يا غلام.» فلما دخل الغلام تذكر قراقوش أنه من قدماء الغلمان في قصور الخلفاء فقال له: «كيف تقول بدخول الرجال هذا القصر؟ ومن أنبأك بذلك؟» فالتفت الغلام إلى أبي الحسن وقال: «هل أقول ما أعرفه؟» قال: «قل.»

فالتفت الغلام إلى قراقوش وقال: «علمت بدخوله لأني رأيته داخلًا القاعة الكبرى.»

فصاح فيه قائلًا: «رأيته بعينيك؟» قال: «نعم يا سيدي، وقد مكث هناك مع سيدة الملك وحاضنتها مدة.» قال: «ولماذا لم تخبرني؟» قال: «لم أتجاسر خوفًا من سيدتي، فبلغت الأمر إلى مولاي أبي الحسن ليبلغك إياه وهو من أقرباء أمير المؤمنين وله دالة ونفوذ. وقد فعل.»

قال: «هذا لا يمكن. لا يمكن أن يدخل أحد هذا القصر ولا أعلم به، وليس للقصر باب آخر غير هذا. إلا أن يدخل من الممر الذي يمر به الخليفة من قصر الذهب، وهذا عليه الحراس يمنعون أيًّا كان من المرور، فكيف يتيسر لهذا الرجل الدخول؟»

قال: «إن سيدي الأستاذ قيم القصور حديث العهد في هذا القصر لا يعرف دخائله وسراديبه وممراته. وفي جملتها سرداب بينه وبين منظرة اللؤلؤة، ربما جاء عماد الدين فيه.»

فلما سمع ذكر منظرة اللؤلؤة أجَّل البحث إلى وقت آخر وختم الحديث بقوله: «على كل حال إن هذا القصر ليس فيه أحد من الرجال الغرباء الآن، وإذا كان فيه أحد فإنه لا يفلت منه، وسينال جزاءه؛ لأن مولاي السلطان أوصاني خيرًا بالقصر وشدَّد عليَّ بالمحافظة عليه لصيانة أهله. وإني شاكر للشريف أبي الحسن غيرته.»

فقطع أبو الحسن كلامه قائلًا: «إني أفعل ذلك غَيرة على النسب الشريف الذي يجمعني بأهل هذا القصر، ولكن لا بأس سيظهر الحق.» ثم خرج وهو يقول: «لقد أزعجناك الليلة بلا طائل.» وانصرف.

فلما خلا قراقوش بنفسه عاد إلى التفكير واستعاد ما سمعه من ذلك الغلام عن وجود الممرات والسراديب. وبعد إعمال الفكر ترجح له صدق التهمة، فرأى أن يرفع الأمر إلى صلاح الدين. فلما كان الضحى ركب إلى منظرة اللؤلؤة، ولكنه رأى أن يلقى صديقه ضياء الدين الهكاري ليستشيره في الأمر قبل الدخول على صلاح الدين؛ لأنه أصبح في أثناء ذلك أكثر مخالطة له منه. فلما وصل إلى المنظرة سأل عن الفقيه عيسى الهكاري، فقيل له إنه منفرد في غرفته. وهمَّ الحراس أن يرحِّبوا بقراقوش ويبلغوا خبره إلى صلاح الدين، فأشار إليهم ألا يفعلوا وتحوَّل عن فرسه وطلب غرفة الهكاري في بعض أطراف البستان. فلما علم الفقيه بقدومه وقف له ورحَّب به، وكانا صديقين اصطحبا في خدمة صلاح الدين وتعبا في إسناد الوزارة إليه بعد عمه كما تقدم. وهما يتفانيان في سبيل مصلحته.

رحَّب الهكاري ببهاء الدين قراقوش ترحيبًا كثيرًا وقال له: «ماذا جرى؟ إني لم أشاهدك من عهد بعيد، شغلوك بحراسة النساء وما أجدرك بقيادة الرجال.» وأشار إليه أن يجلس على وسادة فوق الطنفسة.

فجلس بهاء الدين وهو يقول: «إن حراسة النساء أصعب مراسًا من قيادة الجند؛ لأنها تشتمل على حراسة النساء من الرجال. وأنت ماذا تعمل؟ هل دبرت شيئًا جديدًا في خدمة هذا السلطان العظيم؟ إني لا أذكر اسمه إلا ويتهلل قلبي فرحًا.»

فقطع الهكاري كلامه قائلًا بصوت خافت: «خصوصًا لما تتذكر أننا استطعنا أن نضعه في هذا المنصب كما تعلم.»

فابتدره بهاء الدين قائلًا بلهفة: «احذر يا صاح أن تقول هذا ويسمعك أحد؛ إذ ليس على الملوك أثقل وقعًا من المن. والآن ماذا تفعل؟»

فضحك الهكاري وقال: «أنا ساعٍ الآن في أمر لا أستغني فيه عن يدك. وإذا نجحنا فيه يحق لنا أن نفاخر بما أديناه من الخدم الجليلة للسلطان صلاح الدين.»

فتطاول بهاء الدين بعنقه نحوه وقال: «وماذا عسى أن نفعل فوق ما فعلناه، إنه سلطان مطلق وليس بعد هذا المنصب مطمع.»

قال: «نعم، ولكن السلطان يقدر أن يطمع في الخلافة.»

فحوَّل وجهه عنه بازدراء وقال: «لا فائدة من مطمع لا سبيل إليه.»

فقال: «لم أعهدك متسرعًا، متى علمت الطريق الذي اخترته غيَّرت ظنك في الأمر.»

قال: «وماذا عسى أن يكون الطريق؟» قال: «طريق الزواج وقد خطبت له سيدة الملك أخت الخليفة فإذا تزوجها فابنه منها يكتسب حقًّا في الخلافة إذا اتحدت معه القوة كفى لنيل هذا المنصب كما أراد طغرل بك السلجوقي أن يفعل و…»

فقطع بهاء الدين كلامه قائلًا: «فهمت ما تريده وهو نعم الرأي، ولكن هل رضي الخليفة أن يزوج أخته لهذا المولى الكردي؟» ثم ضحك وقال: «لا أظنه يرضى.» قال: «إذا لم يرضَ طوعًا رضي كرهًا. وقد وعدنا بالجواب بعد قليل.»

فقال قراقوش: «لقد أذكرتني أمرًا جئت من أجله وشغلتني عنه بحديثك. إن عماد الدين خادم السلطان ارتكب شططًا لا أدري إذا علم به السلطان ما يكون قصاصه خصوصًا بعد ما علمته من خطبته و…»

فقطع الهكاري كلامه قائلًا: «لا تقل خادم السلطان، بل قل صاحبه وحارسه الخاص.»

قال: «ومتى بلغ هذا المنصب؟»

قال: «بلغه أول من أمس على يد الأمير نجم الدين، لله هو من رجل كبير العقل عالي الهمة!»

قال: «صدقت، إن نجم الدين جدير أن يكون والد هذا السلطان. وأين هو عماد الدين؟ أحب أن أراه لأهنئه وأسأله سؤالًا.» قال: «خرج من هذه المنظرة في هذا الصباح في مهمة لا يعلم أحد حقيقتها. وماذا تريد أن تسأله؟» فقصَّ قراقوش خبر أمس كما جرى. فأظهر الهكاري ارتيابه في صحة الرواية وأكد له أن عماد الدين قضى طول ليله في الاستعداد للسفر وبرح المنظرة في الفجر. فوقع قراقوش في حيرة وعاد إلى الارتياب في الأمر، خصوصًا بعد أن سمع حديث الخطبة. لكنه أراد أن يطلع صلاح الدين على ما سمعه، فاستشار الهكاري في ذلك فقال: «دعه الآن لا تخبره، لئلا يغيِّر ذلك من عزمه على الخطبة، وأنا أحب أن يتم اقترانه لأني ضامن المستقبل بإذن الله.»

•••

وفيما هما في ذلك وقد همَّ قراقوش أن يتكلم، دخل غلام الهكاري وقال: «بالباب رسول من مولانا السلطان.» فقال الفقيه: «يدخل.» فدخل الغلام، ولما رأى قراقوش هناك بانت البغتة في وجهه وقال: «سيدي الأستاذ بهاء الدين هنا؟ كنت ذاهبًا إليه أيضًا.» فقال الهكاري: «ما وراءك؟»

قال: «إن السلطان يطلب حضوركما في القاعة الآن، وقد أمرني أن أدعو سائر الخاصة، وكنت عازمًا على الذهاب إلى القصر الكبير لأدعو سيدي الأستاذ فإذا هو هنا.» فقال قراقوش: «إننا ذاهبان، وماذا عسى أن يكون الباعث على هذه الدعوة؟» قال: «لا أدري يا سيدي، ولكنني رأيت نجابًا وصل في هذا الصباح قادمًا من دمشق ومعه رسالة رفعها إلى مولانا السلطان، فما زال منذ تلقاها وهو يقلب فيها وقد تغيَّر وجهه وبان الغضب فيه. ثم شاور مولانا الأمير نجم الدين، والظاهر أنهما اتفقا على عقد جلسة للبحث في أمر مهم.»

فأشار قراقوش إلى الهكاري بيده مستفهمًا عما يعلمه من هذا الأمر. فأشار إلى الغلام أن ينصرف ومشى مع قراقوش وخاطبه في أثناء الطريق سرًّا وقال: «إني علمت بأمر هذا الكتاب في الصباح، وقد استقدمني السلطان وأطلعني عليه وعملت عملًا ترضاه مني.»

قال: «وما ذلك؟» قال: «إن الكتاب من السلطان نور الدين صاحب دمشق شديد اللهجة جدًّا.» قال: «وما سبب ذلك؟» قال: «ألا تذكر خروج مولانا السلطان في صفر من هذا العام إلى بلاد الشام لمحاربة الإفرنج، وقد صحبته في هذا السفر، فنازل حصن الشوبك، ثم طلب الكرك وحصره وضيَّق عليه وعلى مَن به من الإفرنج حتى طلبوا التسليم والأمان، لكنهم استمهلوه عشرة أيام فأجابهم إلى ذلك. وكان السلطان نور الدين في دمشق فلما بلغه ما فعله صلاح الدين ارتاب في أمره وأنت تعلم ما بينهما من المحاذرة وما في نفس صلاح الدين من الطمع في سلطنة مصر لنفسه.» قال ذلك وضحك فبادره قراقوش قائلًا: «لا أظن أحدًا أطمعه فيها سواك وقد أحسنت. أكمل.»

فقال الهكاري: «ألا تراه أهلًا لها؟ ما لنا ولذاك؟ إن نور الدين لما سمع بما فعله صلاح الدين في الكرك خرج من دمشق قاصدًا حرب الإفرنج ليغتنم تضييق صلاح الدين عليهم من جهة ويضيق عليهم هو من جهة أخرى فيذهب ملكهم. وقد رأيت في ذلك خطرًا على سلطاننا؛ لأن نور الدين متى أذل الإفرنج وأخضعهم تفرَّغ للسلطان صلاح الدين وهو وزيره والناس أطوع له منه فتذهب مطامع صلاح الدين في مصر أدراج الرياح، والأفضل أن يبقى نور الدين مشغولًا عن صلاح الدين بمحاربة الإفرنج حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.»

فقطع قراقوش حديثه قائلًا: «لله درك من داهية! وأحسبك عرضت هذا الرأي على السلطان.»

قال: «عرضه عليه بعض الناس وأشار عليه أن يرجع إلى مصر بحجة ينتحلها ومما ذكروه له أن نور الدين إذا دخل بلاد الإفرنج وهم على هذه الحال وأخذ ملكهم لم يبقَ بديار مصر مقام معه. وإن جاء نور الدين إلى مصر وصلاح الدين فيها فلا بد له من الاجتماع به، وحينئذٍ يكون نور الدين المتحكم فيه بما يشاء. إن شاء تركه أو لا، وقد لا يقدر على الامتناع عليه. وقد رجع مولانا السلطان إلى مصر كما تعلم. وكتب إلى نور الدين يعتذر باختلال الديار المصرية لأمور بلغته عن بعض شيعة العلويين وأنهم عازمون على الوثوب بها، وأطال في الاعتذار. ولكن يظهر أن نور الدين لم يصدِّق هذه الأعذار. فبعث إليه كتابًا يهدِّده فيه إن لم يأتِ إلى دمشق، فلقيته في هذا الصباح وقد أخذ منه الغضب مأخذًا عظيمًا، فأسرَّ إليَّ بسبب غضبه وأنه لم يعد يستطيع صبرًا على كتمان غرضه، فخففت عنه واستمهلته، ولا أراه مصغيًا، ولا أخال هذه الدعوة إلا لأمر يتعلق بالكتاب.»

وكانا قد وصلا إلى قاعة الاجتماع والحرس ببابها فأزاحوا لهما الستر فدخل الهكاري أولًا وتبعه قراقوش، وكانت جلسة حافلة اجتمع فيها نخبة الخاصة من رجال صلاح الدين وأهله، وفي جملتهم أبوه نجم الدين، وخاله شهاب الدين الحارمي، وابن أخيه تقي الدين.

فألقى الهكاري وقراقوش التحية، فردَّ صلاح الدين عليهما وقال: «مرحبًا بالفقيه الحكيم ضياء الدين، وبالبطل الأستاذ قيم القصر بهاء الدين.» وأشار إليهما بيده فجلسا وعينا الهكاري تراعيان صلاح الدين فرآه برغم ما يحاول إظهاره من التؤدة وسعة الصدر وسكون البال قد تجلى الغضب في عينه.

فلما استقر المقام بالجلوس قال صلاح الدين: «يا نخبة الأمراء الأبطال وخيرة الأهل والخلان، إن السلطان نور الدين صاحب دمشق أقلق راحتنا بمراسلاته وهو يطلب إلينا الذهاب إليه. ونحن فيما تعلمون من حرج المقام وما يحدق بنا من الدسائس والمكايد في بلد كل أهله أعداؤنا يترقبون منا غفلة أو ضعفًا ليثبوا علينا. فلما اعتذرت له بذلك كتب إليَّ يهددني أنه حامل بخيله ورَجله. وأنتم رجالي وأهلي وما يُقال لي كأنه يُقال لكم، فلم أشأ أن أقطع في الجواب قبل أن أشاوركم، فماذا ترون؟»

وكان صلاح الدين يتكلم والحضور سكوت كأن على رءوسهم الطير، ولعلك لو استطلعت خفايا سرائرهم لرأيت كلًّا منهم ينتظر ما يقوله الآخرون ولا يريد أن يكون هو البادئ في الرأي. وعيونهم متجهة بالأكثر إلى الأمير نجم الدين والد صلاح الدين لما يعلمونه من حزمه وعلو همته ودهائه. ولكنه لم يقل شيئًا. وظل مطرقًا يفكِّر وقد قعد على وسادة عالية وفي يده هناة كالقلم يداعبها بين أصابعه ولا يخفى اضطرابه على المتفرِّس فيه.

وكان الهكاري جالسًا بجانب قراقوش، وحدثته نفسه أن يتكلم ويقوِّي عزم صلاح الدين على مقاومة نور الدين، فالتفت إلى قراقوش كأنه يستشيره في الأمر، وهمَّ قراقوش بأن يوافقه على ذلك، فإذا بتقي الدين ابن أخي صلاح الدين قد غلبت عليه حمية الشباب فوقف وقال: «إذا كان عمي السلطان قد جمعنا ليشاورنا في أمر نور الدين، فهو يعلم أننا نتفانى في نصرته. فإذا جاء نور الدين إلى مصر منعناه بحد السيف.»

فبان البشر في وجه صلاح الدين استحسانًا لتلك الجرأة وابتسم، فكان لابتسامه تأثير شديد في ضمائر الحضور فجعلوا يتسابقون إلى الموافقة على رأي ذلك الشاب بمثل قوله. وعلا الضجيج ونجم الدين ما زال مطرقًا والعيون محدقة به لترى ما يبدو منه، وإذا به أشار بالقلم الذي في يده إشارة استمهال فأصغى الكل وعيونهم إلى شفتيه. فنظر إلى تقي الدين نظرة زجر وتوبيخ، وأمره أن يقعد، وانتهر مَن وافقه من الحضور. ثم التفت إلى صلاح الدين وقال: «يا يوسف، أراك تبغي أمرًا عظيمًا أنت أقصر باعًا من أن تناله. أنا أبوك، وهذا خالك شهاب الدين، ونحن أكثر محبة لك من جميع مَن ترى. والله لو أنني وخالك هذا وقع نظرنا على السلطان نور الدين لم نلبث إلا أن نقتل بين يديه، ولو أمرنا أن نضرب عنقك بالسيف لفعلنا. فإذا كنا نحن هكذا فما ظنك بغيرنا؟ إن كل مَن تراهم عندك من الأمراء لو رأوا نور الدين وحده لم يتجاسروا على الثبات على سروجهم، وهذه البلاد له، ونحن مماليكه ونوابه فيها. فإن أمر سمعنا وأطعنا. والرأي أن تكتب كتابًا مع نجاب تقول فيه: «بلغني أنك تريد الحركة إلى هذه البلاد، فأي حاجة إلى هذا؟ يرسل المولى نجابًا يضع في رقبتي منديلًا ويأخذني إليك وما هنا مَن يمتنع.» هذا هو الرأي يا بني …»

فلما قال نجم الدين ذلك أطرق الحضور وندموا على ما كان منهم. وأما هو فحالما فرغ من كلامه نهض وخرج فنهض الأمراء جميعًا وتفرقوا. وفي جملتهم عيسى الهكاري. فإنه قبض على يد قراقوش وخرج به إلى خلوة فقال قراقوش: «ما هذا؟ لا أعهد نجم الدين جبانًا ضعيف العزم إلى هذا الحد. والله أوشكت أن أقف لمعارضته.»

فضحك الهكاري وقال: «لقد أخطأت يا أستاذ. ليس بين هؤلاء مَن هو أقوى قلبًا وأجرأ على الأمور منه. ولكنه داهية حكيم، والله إني كنت أقرأ فكره وهو مطرق يسترق النظر إلى الحضور وهم يتكلمون. وقد تبيَّن ما في كلامهم من الحدة فخاف أن يجاريهم بالكلام فيفسد التدبير. وإذا شئت أن تتحقق ذلك فاتبعني فإني أراه داخلًا إلى غرفة صلاح الدين وحده.»

فمشى قراقوش في أثره حتى اقتربا من الغرفة فلمحهما نجم الدين فأشار إليهما أن يدخلا فدخلا وأغلقا الباب وراءهما وصلاح الدين يهم أن يعاتب أباه على ما سمعه منه. فالتفت نجم الدين إلى الهكاري وقال: «أنت حكيم وصاحب تدبير. وقد أخبرني يوسف بما كان من تدبيرك مع الأستاذ قراقوش في سبيل مصلحته. لذلك فإني لا أخشى أن أقول رأيي أمامكما.» والتفت إلى صلاح الدين وقال: «بأي عقل فعلت هذا يا يوسف؟ أما تعلم أن نور الدين إذا سمع عزمنا على منعه ومحاربته جعلنا في مقدمة أعدائه، وحينئذٍ لا تقوى عليه. وأما إذا بلغه قولي وأننا في طاعته تركنا واشتغل بغيرنا ريثما تعمل الأقدار عملها.» ثم وجَّه كلامه إلى الهكاري وقراقوش وقال: «والله لو أراد نور الدين قصبة من قصب السكر بمصر لقاتلته عليها حتى أمنعه أو أُقتل.» قال ذلك وعيناه تتلألآن.

فهمَّ صلاح الدين بتقبيل يد أبيه وقال: «صدقت يا أبي. قد نطقت بالصواب، وأنا فاعل ذلك بإذن الله. ما أحوجني إلى رأيك وتدبيرك.»

والتفت الهكاري إلى قراقوش ولسان حاله يقول: «ألم أقل لك هذا؟»

فأكبَّ قراقوش على يد نجم الدين فقبَّلها وقال: «لا حرمنا الله من رأيك يا سيدي.» وقبل أن يفترقوا سمعوا الأذان فذهبوا للصلاة ثم إلى الغداء.

•••

أما أبو الحسن فلما عاد بصفقة المغبون ولم يظفر بعماد الدين ولا استطاع إغاظة سيدة الملك، رأى أن يبلغ ذلك إلى الخليفة بأسلوب يمكِّنه من مرامه. فصبر حتى طلع النهار وهو صباح الاثنين وكان أحد اليومين اللذين يجلس الخليفة فيهما للناس من كل أسبوع، أما اليوم الآخر فكان يوم الخميس. وأجَّل مقابلة الخليفة إلى اليوم التالي. وقضى ذلك اليوم وهو يدبِّر الحبائل وينصب المكايد، ثم بكَّر في الصباح التالي إلى بيت الجليس الشريف وسأله عن الخليفة فقال: «إنه مريض وقد اشتد المرض عليه أمس حتى شغل بالنا.» فابتدره أبو الحسن قائلًا: «يظهر أنه انتكس لما بلغه خبر قصر النساء.»

فلم يفهم الجليس مراده فقال: «وماذا جرى؟» وأشار إليه أن يتفضل بالدخول. فأظهر أنه أخطأ بذلك التصريح وأنه يريد الكتمان محافظة على كرامة أخت الخليفة فقال: «لم يجرِ شيء.» وجعل يبلع ريقه وهو يناول لجام البغلة إلى السائس ويمشي مع الجليس إلى قاعة الاستقبال.

فانطلت الحيلة على الجليس فقال: «كيف لم يجرِ شيء وقد قلت إنه جرى؟ قل لا تخفِ عليَّ شيئًا، فإني لا أخاطب الخليفة في شأنه إذا أحببت كتمانه عنه.»

قال وهو يقعد ويُظهِر عدم الاكتراث: «ليس هذا وقت الكلام بما يكدر الخليفة وإنما يهمني أن يُشفى من مرضه. ما الذي جد عليه حماه الله من كل سوء؟»

قال: «ما زال منذ أُصيب بالحمى يوم ذلك الاجتماع وهو متوعك المزاج. فلما كان صباح أمس — وهو يوم الجلوس للناس — لم يحضر، فسألت عنه فقيل لي إنه قضى يومه في دار النساء، وعلمت بعد الظهر أن الحمى عاودته بشدة.»

فأظهر أبو الحسن الاهتمام الشديد بالأمر وقال وهو ينظر في البساط: «قضى نهار أمس في دار النساء وأُصيب بعد الظهر بالحمى؟ فلا بد أن يكون ظني الأول في محله.»

قال: «وما هو؟ قل يا أبا الحسن، فما عهدتك تخفي عليَّ شيئًا. قل ماذا جرى في دار النساء؟»

قال: «لا أحب أن يشيع هذا الخبر حفظًا لكرامة أهل القصر. علمت أن غريبًا دخل ذلك القصر مساء أول البارحة وقضى معظم الليل فيه. ولما علمت بخبره أسرعت إلى قيِّم القصر قراقوش وطلبت إليه القبض عليه فإذا به قد فرَّ في السراديب. أرأيت؟»

فأطرق الجليس دهشة واستبعد ذلك الخبر؛ لعلمه أنه ما من أحد يستطيع الدخول إلى القصر مع ما حوله من الحراسة. ثم إن أخت الخليفة بعيدة عن مثل هذه الظنون. ولحظ أبو الحسن تردده في تصديق الخبر فبادره قائلًا: «أراك مطرقًا تفكر كأنما لم تصدق قولي. ولكن لك أن ترتاب، غير أن هذه المرأة التي تزعم أنها لا تريد الزواج فرارًا من أبي الحسن إنما هي عالقة القلب بشاب غريب من الأكراد أعدائنا.»

فصاح متعجبًا: «مِن الأكراد؟» فأجاب بهدوء وتألم: «ومِن خدم الأكراد!»

فدقَّ الشيخ كفًّا بكف وقال: «يا للفضيحة! ماذا يكون حال أمير المؤمنين إذا بلغه ذلك الخبر؟ ولكن …»

فقال أبو الحسن: «ومَن يتجاسر على تبليغه هذا الخبر؟ لا ينبغي أن يعلم به، أو لعله علم وكظم فأصابته الحمى … أتأسف كثيرًا لأني اطَّلعت على هذه الفعلة، ولكن ما العمل؟ لا بد من تدبير حيلة ننقذ بها عرضنا من العار!» فتألم الجليس مما سمعه واعتقد صحته وهو سليم القلب كما علمت، فأوشك أن تدمع عيناه من الغضب فوق ما هو فيه من الكدر على مرض الخليفة. وكان ما زال واقفًا فقعد وهو خائر القوى. فأخذ أبو الحسن يتظاهر بالتخفيف عنه. وهو يعد ذهنه لمكيدة يفوز بها بمرامه فقال: «يحق لنا البكاء في هذا اليوم، فلنبكِ يا عزيزي فلنبك!» وأخذ في البكاء حتى نسي الجليس حزنه واشتغل بالتخفيف عن أبي الحسن فقال له: «لا بد من الصبر يا مولاي، إن البكاء لا ينفعنا شيئًا. لا بد من تدبير طريقة.» فأسرع أبو الحسن إلى مسح عينيه وتظاهر بالجد والاهتمام والتفت إلى الجليس وقال: «نعم لا بد من تدبير طريقة، ولكن الأمر أعظم مما يظهر لك يا عماه.» قال: «وهل بقي ما هو أعظم من ذلك؟» قال: «إن الأمر نفسه عظيم كما علمت، ولكنني أفكر في المستقبل وأراقب ما قد تأتي به الأقدار مما لم يكن في الحسبان.» فظل الجليس ساكتًا يفكِّر ولم يُجِب، حتى قطع أبو الحسن سلسلة أفكاره بالسؤال قائلًا: «مَن هو طبيب مولانا أمير المؤمنين؟»

قال: «طبيبه الشيخ السديد رئيس الأطباء، وهو لا يثق إلا به لسعة علمه وطول اختباره.»

فقال أبو الحسن: «الشيخ السديد؟ هل هو ماهر في صناعة الطب؟»

قال: «كيف لا وقد نال الحظوة عند الأئمة الفاطميين من أيام الآمر، رحمه الله؟! وكان صغير السن وأبوه طبيب قبله ثم ورث هذا المنصب بعده. وما زال يطبِّب الأئمة — رحمهم الله — إلى الآن وقد أصبح شيخًا طاعنًا في السن.» فقال: «وماذا يقول عن مرض مولانا، هل سألته؟» قال: «سألته ولكنه لم يجبني جوابًا صريحًا.» قال: «إني أخاف جواب الأطباء إن لم يكن صريحًا؛ لأنهم إذا خافوا على مريضهم الموت جعلوا كلامهم عنه مبهمًا!»

فأجفل الجليس عند سماع لفظ الموت؛ لأنه كان يحب العاضد وقال: «لا سمح الله يا سيدي، لا سمح الله أن يكون على الإمام العاضد بأس.»

فقال أبو الحسن: «أعوذ بالله أن يخرج من فمي أو يمر بذهني سوء يصيب إمامنا، وأطلب إلى الله إذا كان قد كتب شيء على أمير المؤمنين أن يفديه بروحي. ولكن العاقل مَن فكَّر في الأمر قبل وقوعه ولا سيما في الإمامة؛ لأن الإمام قطب تدور عليه أمور الدولة وبه تتعلق القلوب. والإصابة فيه غير الإصابة في آحاد الناس. وهذا معنى قولي لك إن المسألة أعظم مما تتصور. هل فهمت مرادي؟»

فأدرك الجليس أنه يعني لو مات العاضد كيف يكون حال الأمة بعده فقال: «فهمت يا بني، إن الأمر جليل ولكن …»

فأسرع أبو الحسن وهو يروغ كالثعلب وقال: «كلنا عبيد الموت يا عماه، وعسى أن تكون حياة الإمام العاضد أطول من حياة كل منا. وأضرع إليه تعالى أن لا يميتني إلا في حياته.» ودمعت عيناه فتأثر الجليس وشاركه ذلك الشعور في الظاهر وقال: «ذلك ما نتمناه جميعًا خصوصًا لأن مولانا — حفظه الله — ليس لنا ملجأ سواه، وقد كابد في إمامته من أولئك الأكراد ما لم يكابده سواه لولا حزمه وتعقله لا أدري كيف كانت حالنا.»

فاعتدل أبو الحسن في مجلسه كأنه فطن لأمر مهم وقال: «هذا ما يدور في خَلدي ويجول في خاطري ويحوم حول لساني ولا يطاوعني قلبي عليه. إذا كان هذا حالنا الآن فكيف يكون شأننا لو حدث ما نتمنى موتنا قبله. لو أن في بيت العاضد رجلًا حازمًا يخلفه لكان خيرًا، ولكنهم أطفال كما تعلم، وهذا المنصب لا يستطيعه إلا المحنكون نظيرك. كم كنت أود أن يكون لك يد في هذا الأمر.»

فاستعظم الجليس هذا الإطراء وأخذ يتنصل من هذا الحق فقال: «إني عبد خادم لا يُقال لي مثل هذا القول، وإنما يطمع في هذا الأمر مَن كان مثلك يا أبا الحسن.»

فأخذ أبو الحسن يهز رأسه هز الإنكار وقال: «أنا؟ نعم كنت راغبًا في هذا المنصب كما علمت، وقد قلت لي إن الإمام رضي أن أكون ولي عهده، وهذا شرف لي لكنني أتردد كثيرًا في القبول.»

فقال الجليس: «لا ينبغي أن تتردد؛ فإن في قبولك إنقاذُ هذه الدولة.»

فوجد الفرصة قد سنحت ليستشهد الجليس بأن العاضد بايعه بولاية العهد فقال: «وهبْ أني أردت أن أتفانى وأرضى فهل يُصدَّق القول إن العاضد بايعني؟»

قال: «أنا أشهد بذلك. ألم يكن رضي على الشرط المعدوم؟ وإنما أجَّل الأمر مؤقتًا وقد اعترضته شئون مختلفة.»

فرقص قلب أبي الحسن طربًا عند سماع ذلك الوعد فعاد إلى المغالطة وقال: «أنا أعلم أن مثلك إذا شهد فشهادته أوثق من عقد مبرم، ولكن ما لنا ولهذا الآن، أرجو ألا يحدث ما يدعو إلى استشهادك وأن ينهض مولانا الإمام صحيحًا معافًى ونتمتع برؤيته ونقبِّل يديه ونصلي وراءه.»

قال: «أرجو ذلك إن شاء الله.»

وفيما هما في ذلك سمعا وقع أقدام مسرعة ودخل غلام عرفا أنه من غلمان القصر فأجفلا فقال الجليس: «ما وراءك؟» قال وصوته يرتجف: «إن مولانا الإمام يحب أن يراك عاجلًا.» فقال: «وكيف هو؟» قال: «لا أدري لكنني رأيت الشيخ السديد عنده ومعه أطباء كثيرون!»

فنهض الجليس وهو يقول: «يظهر أن المرض اشتد عليه.» فقال أبو الحسن: «لا بد من ذهابك إليه حالًا. ولو كنت أعلم أني أنفعه لسرت معك ولكنني سأسعى بعد قليل للاطمئنان. وأنا ذاهب إلى المسجد لأدعو له بالشفاء.» قال ذلك وخرج وترك الجليس يتأهب للركوب إلى الخليفة.

•••

رجع أبو الحسن على بغلته إلى منزله. وخلا في غرفته وأخذ يفكِّر في حيلة يدبِّرها لنيل بغيته. وقد تأكد له دنو أجل الخليفة فكيف يمهد الأمر لنفسه وهو يعلم أن شهادة الجليس لا تكفي، وأن القول الفصل لصلاح الدين. إذا أظهر رضاه عن مرشح للخلافة نالها. فانزوى في الغرفة على كرسي وأقفل الباب وجعل يفكر في الطريقة المؤدية إلى غرضه، وبعد أن قضى ساعة لا يحرك رأسه ولا يده وإنما كان يحرك شفتيه وعينيه، وثب من مكانه وصفَّق فجاء الغلام فقال له: «أسرج البغلة.» فقال: «لا تزال مسرجة يا سيدي.» فركبها وسار قاصدًا عيسى الهكاري صديقه. وكان الهكاري في غرفته المعهودة يطالع في بعض كتب الفقه، فلما أنبأه الغلام بمجيء الشريف أبي الحسن خفَّ له واستقبله أحسن استقبال؛ لأنه كان يتوقع أن يحتاج إليه في تدبير بعض الشئون لمصلحة صلاح الدين.

فبدأ أبو الحسن الحديث عن الفقه والتاريخ كأنه يتمم ما دار بينهما عند اجتماعهما في دار العلم فقال: «أراك ما زلت تفتش في الكتب، هل ترى منها نفعًا؟» قال: «كيف لا؟ إن مثلك لا يسأل هذا السؤال!»

قال: «صدقت، لكني لا أعني الفائدة الشرعية وصيانة الحقوق، وإنما أعني الفائدة التي يطلبها الناس من أعمالهم، أم أنت مثلي تهتم بالعلم لأجل العلم نفسه؟»

قال: «أطلب العلم لأجل العلم، ولكن العاقل قد يستفيد منه فوائد أخرى.»

فأدرك أبو الحسن أنه يشير إلى ما يتوهم الهكاري أنه استنبطه من مطالعة تاريخ طغرل بك من تلقاء نفسه حتى حرَّض صلاح الدين على زواج أخت الخليفة. فعمد إلى إطرائه والتغرير به ليتوصل إلى مرامه فقال: «إنك حكيم عاقل، وقد علمت الآن صدق خدمتك للسلطان صلاح الدين. ألم تكن أنت أشرت عليه بخطبة أخت الخليفة؟ لا تنكر ذلك.»

فأراد أن يتواضع ويتنصل من ذلك الفضل فقال: «ليس لي هذه الدالة يا أبا الحسن.»

فقال: «مهما يكن من تنصلك، فأنا أعتقد نفوذ كلمتك. والآن أتعلم لماذا جئتك؟» قال: «لا.» قال: «جئتك لأمر إذا علمت كيف تفهمه وتقوم به خدمت مولاك خدمة حسنة، وإن كان فيه خدمة لصديقك أبي الحسن ولك أيضًا.»

فتطاول بعنقه وقال: «رحم الله مَن نفع واستنفع، قل ما وراءك.»

قال: «أتعلم أن الإمام العاضد في حال الاحتضار الآن؟» قال: «أعلم أنه مريض، فهل اشتد عليه المرض؟»

قال: «إنه في أشد حالات المرض، وإذا مات صارت الخلافة إلى ولي عهده، وأنت تعلم أنه غلام عنيد لا يعرف فضل الرجال.»

قال: «اسمع. إني مطلعك على سر يهمك الاطلاع عليه، إن العاضد مائت الليلة أو غدًا. وأنت أكثر أهله معرفة بفضل السلطان صلاح الدين. لا أقول إني أحب أن يتولى هذا الأمر ويخرجه من أيدينا. ولو قلت لك ذلك لا تصدقني، ولكنني أعلم أن مقاومة القوة الغالبة لا تفيد شيئًا. وإذا صارت الخلافة إلى ولي العهد الذي تعرفه كان ذلك باعثًا على القلاقل. إني أعرف أفكاره وأعلم أنه ينوي أن يثير الشيعة ويحرضهم على مناوأة السلطان ورجاله. وهذا لا يفيد أحدًا من الجانبين، ولا أخفي عليك أن العاضد كان معتزمًا أن يجعل ولاية العهد إليَّ فأوصى بذلك على يد الجليس الشريف وأوشك أن يكتب العهد لكن المرض منعه. فأخاف إذا تُوفي في مرضه هذا أن ينكر رجاله وأهله عليَّ ذلك. فإذا أخذتم بيدي وصيرتم هذا الأمر إليَّ عرفت لكم فضلكم وأغنيتكم عن التعب. أرجو أن تكون قد فهمت مرادي، وأظن ما بيننا من الصداقة القديمة يكفي للوثوق بي والتعويل على قولي.»

وكان الهكاري يسمع كلام أبي الحسن ويفكِّر فيه. فلما وقف عند هذه العبارة سأله: «ثم ماذا؟» قال: «أعني إذا خاطبت أنت السلطان صلاح الدين في الأمر، وعرضت عليه هذا الرأي كأنه منك فيعرف لك هذا الفضل وأنت رابح من كل وجه. إن ما أعرضه عليك عظيم الأهمية وفيه نفع للسلطان ولك ولي فما قولك؟»

فرأى الهكاري كلام أبي الحسن معقولًا. فأدرك أن عمله هذا خيانة لأهل الخليفة، لكنه نظر فيه من حيث مصلحة السلطان؛ لأنهم إذا أعانوا هذا الخائن على تولي الخلافة كان عونًا لهم فيما يريدون ويهوِّن عليهم أن يخلعوه فيما بعد إذا شاءوا، فضلًا عن أنه يسهل على صلاح الدين التزوج بسيدة الملك على يده فيتم تدبيره. فنظر إلى أبي الحسن نظر متفرس وقال: «أنت مقدم على عمل عظيم فيه نفع كبير لك.» قال: «لا أنكر ذلك ولكنني أخدم مصلحة السلطان صلاح الدين أيضًا من كل وجه، وإذا لم تصغِ لرأيي تعبتم جميعًا؛ لأن المصريين قلوبهم مع خلفائهم كما لا يخفى عليك. أرني مهارتك في إتمام هذا الأمر، واعلم أنك ستكون أقرب المقربين.» قال: «لك عليَّ ذلك. سأبذل ما في وسعي في هذا السبيل ونرى ما يكون.» فتحفز أبو الحسن للنهوض وهو يقول: «أنا ذاهب وسنلتقي غدًا ولا حاجة بي إلى تنبيهك لأن يبقى ما قلناه مكتومًا عن كل إنسان.»

قال: «لا حاجة إلى التوصية.»

ونهض أبو الحسن وركب بغلته وعاد. وظل الهكاري واقفًا برهة يعيد في ذهنه ما سمعه فرأى فيه خيرًا كثيرًا. فبادر إلى تنفيذه وسار إلى صلاح الدين، فرآه مع أبيه في شرفة تطل على الخليج وقد جلسا هناك للاستراحة فاستأذن عليهما، ولما دخل أمره نجم الدين بالجلوس فجلس وتكاد عيناه تنطقان بما في خاطره، فقال له صلاح الدين: «ما وراءك يا ضياء الدين؟» قال: «جئت مولاي بأمر مهم.» قال: «كل ما تأتي مهم به نافع. إني لا أنسى بلاءك في مصلحتنا. قل.»

فأخذ يقص عليه ما دار بينه وبين أبي الحسن من أوله إلى آخره والاهتمام ظاهر في عينيه، فلما فرغ من كلامه أبرقت عينا صلاح الدين ونظر إلى أبيه كأنه يستشيره في الأمر. وكان نجم الدين يسمع كلام الهكاري ويمحِّصه ويزنه ويتدبره. فلما رأى صلاح الدين ينظر إليه قال: «إنه رأي جميل لكنه ما زال فطيرًا ولا سيما أن العاضد ما زال حيًّا، فإذا مات نظرنا في الأمر. بارك الله في همتك يا أبا محمد.» وسكت. فعلم الهكاري أنه ينبغي له أن ينصرف ليخلو الأميران ويتباحثا فاستأذن وخرج.

فلما خلا نجم الدين بابنه جعل يتفرس في عينيه كأنه يطلب إليه أن يقول ما في خاطره فقال صلاح الدين: «ما رأي والدي فيما سمعه؟» قال: «إنما أسألك عن رأيك.» قال: «إني أرى فرصة لا ينبغي ضياعها. لا أنكر أنها خيانة من أبي الحسن هذا لكنها تفيدنا. وإذا وليناه الخلافة بأمرنا زاد نفوذنا وكان آلة في يدنا.» فابتسم نجم الدين ابتسامة استخفاف وقال: «إنك يا يوسف رجل حرب ورأي. ولكنك ما زلت في حاجة إلى الدربة والحيلة … استفدنا من وشاية هذا الرجل أن القوم إذا مات خليفتهم تضعضعوا واختلفوا فيما بينهم، وهي فرصة لقطع تلك الخلافة من جذورها. ولا نبايع هذا ولا غيره، وإنما نقبض على القصور ونحبس أهلها الذكور أصحاب الحق في الخلافة حتى يبيدوا. وقد خطبنا للخليفة العباسي منذ مدة ولا بد من الشدة والحزم فينتهي الأمر. أليس ذلك خيرًا من أن نبايع خليفة آخر ونعود إلى التعب من أوله؟» فأُعجب صلاح الدين برأي أبيه ورأى الصواب فيه، وخجل لما فاته إدراكه من الأمر، ولم يسعه إلا الإصغاء والإذعان وقال: «بورك فيك يا أبتاه من حكيم حازم.»

فقال: «ولا يكفي ذلك، وإنما يجب أن نتأهب من الآن ونجعل الجند على استعداد للهجوم على القصور حالما يلفظ الخليفة السيئ الحظ نَفَسَه الأخير. وأتقدم إليك أن تكتم ما أقوله لك الآن عن كل واحد حتى يأتي وقته فننفذه. واحذر أن تفعل ما فعلت أمس فتكشف سرك في جلسة علنية. فقد قيل «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان».»

فحنى صلاح الدين رأسه إعجابًا وطاعة وهمَّ بتقبيل والده اعترافًا باقتداره. فاجتذب نجم الدين وقال: «أرجو أن تستفيد من قولي يا بني. إنك ستكون سلطانًا عظيمًا، فاعمد إلى التؤدة والحزم واذكر وصية أبيك.»

أما أبو الحسن فخرج من عند الهكاري وقد امتلأ صدره أملًا وتحقق لديه الفوز بالمكيدة وسار توًّا إلى دار الخليفة وهو يتنسم خبر العاضد في أثناء الطريق. فعلم أنه في أشد حالات المرض فأيقن أنه مائت في ذلك الليل، فأعمل فكرته في الوصول إلى غرضه. وقد توهَّم فوزه بالخلافة، وبقي القبض على سيدة الملك، فأظهر اهتمامه بمرض الخليفة وسأل عن الجليس الشريف فقيل له إنه في غرفة الخليفة لا يأذن بخروجه والأطباء وقوف بين يديه يبدلون الدواء بالدواء بلا فائدة. فاحتال أبو الحسن في الوصول إلى الشيخ السديد طبيب الخليفة فاستفهمه عن حقيقة حال العاضد فأجابه: «إنه يكاد يكون في حالة الاحتضار.» فبكى وبالغ في البكاء حتى أشفق الطبيب عليه وأخذ يخفِّف عنه. فخرج توًّا إلى قصر النساء وقد مالت الشمس إلى الأصيل وطلب أن يرى بهاء الدين قراقوش. فقيل له إنه خرج لمقابلة السلطان صلاح الدين، فجلس أبو الحسن في غرفة الاستقبال بباب القصر ينتظر رجوعه.

وبعد قليل عاد قراقوش وعلى وجهه علامات الاهتمام. وكان أبو الحسن يتوقَّع أن يسمع منه ترحابًا بعد رجوعه من عند صلاح الدين لاعتقاده بأن السلطان لا بد من أن يكون قد خاطبه في أمره بعد ما كان من تدبيره مع الهكاري. فلما رأى بهاء الدين مقبلًا على فرسه تصدَّى له بالباب وهو يبتسم فلم يكترث له قراقوش وأظهر أنه لم يره، فخاطبه أبو الحسن قائلًا: «مرحبًا بالأستاذ، كيف فارقت السلطان؟»

فالتفت إليه بهاء الدين كأنه رآه لأول مرة وقال: «أنت هنا يا أبا الحسن؟»

قال: «أنا هنا في انتظارك من ساعة، كيف حال مولانا الإمام الآن يا تُرى؟» قال بهاء الدين وهو يقعد على مقعد في تلك الغرفة: «إن مرضه شديد، شفاه الله.» ولم يدع أبا الحسن للقعود كالعادة.

فقعد أبو الحسن من تلقاء نفسه. وأخذ يُظهِر الأسف على حال العاضد ويفرك يديه ويعصر عينيه ويهز رأسه وهو مطرق ثم قال: «هل أنت متأكد أنه شديد المرض؟»

قال: «هكذا قيل لي الساعة، شفاه الله. إنه رضي الخلق.»

فبادر إلى الجواب باهتمام وقال: «صدقت يا أستاذ، إن الإمام كان من أحسن أهلنا خلقًا وأطيبهم قلبًا ولذلك.» وتنحنح وهز رأسه كأنه يحاول كتمان أمر خطر له ثم التفت إلى قراقوش وقال: «لا بد أنك لاحظت بدقة نظرك يا أستاذ ماذا كان نتيجة طيبة قلبه وتساهله، وإن لم ترَ رأي العين. أما أنا فقد رأيته. على أن الأمر الآن أعظم مما تعلمه وينبغي لنا ملاقاة الخطر قبل وقوعه. أنا أعلم أنك ساهر متيقظ لا تحتاج إلى تنبيه، لكنني أستمحيك عذرًا إذا رأيت فيَّ قلقًا فإني أضن بسمعة أهلي أن يلحقها ما يشوهها. وقد علمت ما كان بالأمس من أمر ذلك الغريب الذي دخل هذا القصر وخرج منه ولم تتمكن من القبض عليه؛ لأن أهل هذا القصر أرشدوه إلى طريق الفرار. لا أقول ذلك طعنًا في أحد لأني أعتقد أن ذلك من عواقب الطيش عن جهل لا عن سوء نية. فسيدة الملك هذا حالها وأخوها حي، فإذا أصابه سوء لا سمح الله كيف يكون حالها؟»

وتنحنح وتوجَّه بنظره نحو قراقوش وهو يُظهِر الثقة فيه والاعتماد عليه وقال: «ولا ينبغي لي أن أخفي عليك أمرًا أخفيته على سائر الناس ولم يطَّلع عليه غير صديقي وصديقك ضياء الدين الهكاري. أعني أن الإمام العاضد بايعني بالخلافة بعده، وخطبت أخته هذه وهي لا تعلم بعدُ. وإنما يعلم الجليس الشريف بذلك، ويعلمه أيضًا ضياء الدين، والسلطان صلاح الدين. وكان لي معه حديث طويل في هذا الشأن صباح اليوم، لا أدري إذا كان قد أطلعك عليه.» وصبر ليرى ما يبدو من قراقوش فإذا هو ما زال مصغيًا لا يبدي حراكًا.

فعاد أبو الحسن إلى إتمام حديثه فقال: «وإذا كان لم يطلعك عليه فلا بد أنه مطلعك قريبًا. وإنما جئتك الآن أستعينك في صيانة عرضي وعرض الإمام — شفاه الله — ريثما يستقر الأمر في نصابه ويشرف عليه السلطان صلاح الدين حفظه الله. هذا أمر قد تم الاتفاق عليه بيني وبينه. وإنما أطلب إليك أن تحتفظ بهذا القصر وأنت فاعل ذلك. لكنني أخاف أن يتمكن الأعداء من دخوله سرًّا فأرى أن تأمر بنقل أخت الخليفة منه إلى قصر آخر ليس فيه سراديب. وأظن دار الضيافة أفضل القصور لهذا الغرض.» قال ذلك وهو يتفرس في عيني بهاء الدين وينتظر رأيه في ذلك.

أما بهاء الدين فأظهر عدم الاهتمام وقال: «لا أرى باعثًا على هذا القلق يا أبا الحسن والخليفة ما زال حيًّا.»

قال: «إنما العاقل مَن فكَّر في الأمر قبل وقوعه، أما إذا وقع فلا فائدة من التفكير، اسمع … اسمع … أليس هذا صياح النساء في القصر؟ يظهر أن العاضد قد فارق الحياة. مسكين!» وأخذ يفرك كفيه ويبكي.

أما بهاء الدين فحالما سمع الصياح وقف والاهتمام بادٍ في محياه. وأشار إلى بعض الغلمان أن يمضي في مهمته، وأومأ إلى أبي الحسن أن يمكث ريثما يعود وألا يخرج قبل رجوعه. وتحوَّل قراقوش إلى مكان آخر في القصر وقد علا الضجيج، فتحقق أبو الحسن موت الخليفة فأصبح همه القبض على سيدة الملك. وأسف لذهاب قراقوش ولم يعلم سبب ذلك. فقعد في تلك الغرفة وهو مطرق يفكر كأنه على الجمر. فسمع قرقعة اللجم، وصهيل الخيل فأطل من النافذة فرأى فرسانًا يسرعون نحو القصر كأنهم يحيطون به من كل ناحية فعجب لذلك. ثم شعر بيد تهز كتفه برعشة فالتفت فإذا بالغلام الذي كان قد اصطنعه وجعله جاسوسًا على سيدة الملك في ذلك القصر وقف يرتعد والبغتة ظاهرة في وجهه فصاح به: «جوهر! ما وراءك؟» فقال: «هلم يا سيدي، انجُ بنفسك.» قال: «إلى أين؟ لا. إني باقٍ حتى أرى هذه اللعينة وآخذها. ألم ترها؟» قال: «انجُ بنفسك يا سيدي. إن الأمر على غير ما تظن. اخرج من هذه الغرفة قبل أن يتم النطاق حول القصر.» قال ذلك وجرَّه من كمه واغتنم اشتغال الناس بالصياح والارتباك وخرج به من الغرفة. ولم يصدِّق أنه خارج القصر وهو يلهث من الخوف. فقال أبو الحسن وهو يطاوعه في المسير: «إلى أين أنت ذاهب بي؟»

فأجابه وهو يشير إليه أن يتبعه: «تعالَ يا سيدي. سأقص عليك الخبر. انجُ بنفسك.»

وما زالا يمشيان حتى بعدا عن قصور الخلفاء ودخلا بيتًا من بيوت العامة لا تقع عليه شبهة. وهو منزل لذلك الغلام كان يختبئ فيه عند الحاجة، فلما دخلا البيت أقفل الغلام الباب وقعد وقد امتقع لونه، وأبو الحسن يستغرب ذلك منه ولا يزال يعتقد أن الغلام مخطئ في توهمه، اعتمادًا على ما دار بينه وبين الهكاري.

فلما استقر بهما الجلوس قال أبو الحسن: «قل الآن ما الذي حملك على هذا الفرار؟»

قال: «لو لم أفر بك لكنت الآن في السجن.»

فضحك أبو الحسن بتهكم وقال: «في السجن؟ هه هه، هذا أمر بعيد. ولا ألومك على هذا الخوف؛ لأنك لا تعلم ما دار بيني وبين القوم في هذا الصباح.»

قال: «علمت كل شيء وعلمت أن تدبيرك لم يفلح، وأن قراقوش اللعين لما كنت أنت في انتظاره بالقصر كان هو عند صلاح الدين ذهب إليه بأمر مستعجل، فأمره أن يحيط قصور الخلفاء بالجند. وحالما يموت الخليفة يقبض على كل ما في القصور من النساء والأولاد والرجال والغلمان وكل شيء.»

سمع أبو الحسن هذا القول ولم يصدقه فقال: «كيف عرفت ذلك؟ ومن أطلعك على هذا السر يا جاهل؟ لا يبعد أن يكون صلاح الدين قد أمر هذا الطواشي أن يحتفظ بالقصور وما فيها، وهو إنما أمره بذلك لئلا يتعدى عليها أحد من دعاة الإمامة سواي. ولا ألومك على توهمك؛ لأنك لا تعلم ما تم الاتفاق عليه بيني وبينهم مما سأطلعك عليك في وقت آخر.»

فقال: «قلت لك يا سيدي إني مطلع على كل شيء، وما أنا بجاهل كما تقول، بل أنا عاقل ساهر على مصلحة مولاي الشريف، وقد تحققت أن صلاح الدين أمر طواشيه هذا أن يقبض على مَن في القصر، وأن يبحث عنك بنوع خاص، وإذا كنت لا تصدق ارجع إلى القصر وانظر ماذا تكون النتيجة.»

فأطرق أبو الحسن وهو يرتعد من الغيظ وأخذ يعبث بلحيته وهو يراجع ما سمعه ويستغربه والغلام ساكت لا يبدي حراكًا. ثم التفت أبو الحسن إليه وقال: «يا جوهر، هل أنت واثق مما تقول؟»

قال: «إني واثق تمام الثقة، إن شئت أن تتحقق قولي فاخرج متنكرًا وانظر إلى الجند يبحثون عن الشريف أبي الحسن كما يبحثون عن سائر أبناء الخلفاء في قصر النساء. ولا أضمن أنهم لا يكشفون أمرنا ويقبضون علينا ولو تنكرنا.»

فلما تحقق أبو الحسن صدق غلامه وأيقن بفشله حمي غضبه حتى أصبح صدره يرتفع وينخفض وهو يغلي كالمرجل. ونسي موقفه مع غلامه فأخذ يزمجر كالأسد ثم صار يرغي كالثعلب ويتظاهر بالتجلد والتفت إلى الغلام وقال: «ما لنا ولهم، دعنا منهم، لا أعلم السبب في نقمتهم عليَّ أيضًا. إني بذلت الجهد في خدمتهم … مَن يا تُرى سيخلف العاضد على كرسي الإمامة؟»

فقال الغلام: «يظهر أنهم سوف يولون أحدًا مكانه؛ لأنهم ينوون القبض على كل مَن بقي من أصحاب هذا النسب ولذلك خفت عليك.»

فعاد إلى الإطراق وأخذ في تدبير حيلة للانتقام؛ لأن فشله كان مزدوجًا، إذ ذهبت آماله في الخلافة وأبعد ما بينه وبين سيدة الملك. لكنه لم يشك أنها ستندم عليه متى أكرهها صلاح الدين على أن تكون له.

•••

أما سيدة الملك فتركناها مساء الأمس بعد ذهاب عماد الدين من عندها وقد ذهبت إلى الفراش. ولكن النوم لم يزرها وتراكمت عليها الهواجس. وبكرت في الصباح للاستفهام عن أخيها فقيل لها إنه مريض، لكن الأطباء عنده ولا تقدر أن تراه. فصبرت وهي تتوقع الإذن في رؤيته فلم تستطع ذلك إلا بعد الظهر. فأذن لها وكان أحسن حالًا مما تظن فاطمأن خاطرها عليه وجعلت تخفف عنه وتطمئنه. وتذكرت مقاومتها له في ذينك اليومين بشأن خطبتها وتعب ضميرها لئلا يكون لمرضه علاقة بتلك المقاومة فندمت على ذلك.

وبعد قليل أُنبئ العاضد بمجيء الطبيب والجليس، فأشار إلى سيدة الملك بالذهاب وطمأنها أنه في خير. فعادت إلى غرفتها وهي في قلق على أخيها. ولم يطمئن خاطرها عليه وأتتها ياقوتة وسألتها فبكت وأغرقت في البكاء برغم إرادتها، فظنت ياقوتة أن الخليفة مات فصاحت صياح الندب فسمعتها سائر الجواري فاقتدين بها فعلت الضوضاء وأبو الحسن عند قراقوش فظنوا الخليفة مات كما تقدم وهو لم يمت.

وكان قراقوش قد استقدمه صلاح الدين في ضحى ذلك اليوم على أثر ما جاءه به الهكاري من أبي الحسن وأنبأه بما علموه عن داخلية القوم وأوصاه أن يكون على حذر وأن يجعل الجند قريبًا من القصور، فإذا علم بوفاة العاضد أحاط القصور بالجند وبعث إليه بخبر ذلك. ولا يأذن لأحد من أهلها بالخروج لأية علة كانت. ونبَّه بنوع خاص إلى أبي الحسن والقبض عليه، فجاء قراقوش فرأى أبا الحسن عنده فاستبقاه حتى يروا ما يكون. فلما سمع الصياح داخل القصر وظن الخليفة مات، خرج لتوجيه الفرسان، وأمر أبا الحسن بالبقاء ريثما يعود. فلما عاد لم يجده هناك فبعث في طلبه فلم يقف على خبره فأسف لنجاته وبث العيون للقبض عليه، وأخذ يهتم بإرسال الخبر إلى صلاح الدين بوفاة العاضد. ثم علم أن الخليفة ما زال على قيد الحياة فسُر لأنه لم يتعجل في إرسال خبر الوفاة إلى صلاح الدين لئلا يأتي ويجد الخبر كاذبًا فيوبخه. على أنه أبقى الجند حول القصر ليرى ما يكون. فلما دنت الشمس من المغيب جاءه أحد الغلمان يقول: «إن مولانا السلطان قادم بموكبه.» فخف قراقوش للقائه فرآه تحول نحو قصر الذهب حيث يقيم الخليفة، فاستغرب ذلك ومكث في مكانه لا يدري سبب مجيء السلطان في تلك الساعة وإذا بصديقه الهكاري يمشي نحوه فرحب به وسأله عن سبب قدوم السلطان، فقال: «لأن العاضد طلب أن يراه.» فاستغرب قوله وصاح فيه: «الخليفة طلب أن يرى مولانا السلطان.» قال: «وما مكان الغرابة؟» فأجاب: «أنت أدرى مني بمكانها، وسنرى السبب بعد قليل.»

فدخل قراقوش وأدخل الهكاري معه وجلسا ودار بينهما الحديث عن مقاصد صلاح الدين ودهاء نجم الدين ونحو ذلك.

•••

علمت سيدة الملك بعد قليل أن بكاءها وبكاء حاضنتها أشاعا خبر وفاة الخليفة فتشاءمت وسكتت. ولكنها انزوت في غرفتها لا تريد أن ترى أحد وقلبها يشتعل قلقًا على حياة أخيها فضلًا عن متاعبها الأخرى. ولما غربت الشمس انقبضت نفسها وهي في أنواع من الشدة كل منها يقبض النفس ويبعث على القلق. لكن ساعة الغروب زادتها انقباضًا وأصبحت شديدة الرغبة في رؤية أخيها. وإذا بالحاضنة أتتها مسرعة وقالت: «إن سيدي أمير المؤمنين يطلب أن يراك.» فأجفلت لكنها فرحت وأسرعت في الذهاب. والتفت بمطرفها وخمارها ومشت في الممر والحاضنة تسير بين يديها، فسمعت ضوضاء ولغطًا من جوانب الدهليز ولم يساعدها النور الضعيف على تبين الوجوه، لكنها استأنست بأصوات بعض أهلها فاستفهمت الحاضنة عما سمعته فقالت: «إنك تسمعين أصوات أبناء أخيك وأخوتك.»

فأجفلت وتراجعت. فقالت لها ياقوتة: «ما بالك يا سيدتي؟»

فقالت: «ما الذي جاء بهم إلى هنا؟ ماذا جرى؟ هل من بأس على أخي؟»

قالت: «إنه بعث في استقدامهم كما بعث في استقدامك.»

فمشت وركبتاها ترتعدان وقلبها يخفق تطلعًا لما عساه أن يكون من حال أخيها؛ لأنه لا يبعث في طلب أهله إلا وهو في أشد حالات المرض. ولما علم أولاد العاضد بقدومها وسَّعوا لها واقترب أكبرهم داود ولي العهد من عمته وقبَّل يدها فقبلته وهي تتماسك عن البكاء تشجيعًا له. وصلت إلى باب الغرفة وركبتاها ترتعدان وأذناها مصغيتان لعلها تسمع كلامًا تطمئن له فسمعت صوتًا استغربته لا تذكر أنها سمعته قبلًا. فالتفت بالخمار ووسع لها الحرسي وأزاح الستار عن الباب والغرفة قد أُضيئت فيها الشموع فأرسلت نظرة إلى الداخل فرأت أخاها مستلقيًا على السرير وعلى وجهه دلائل الضعف الشديد. لكنه لما وقع بصره عليها ابتسم وسبقته العَبرات فترامت سيدة الملك عليه ولم تلتفت إلى أحد من الحضور وأخذت تقبِّله وتقول: «لا بأس عليك يا أخي ويا سيدي، لا بأس عليك.»

فقبَّلها وهو لم يجب، لكنها أحست بدموعه تتساقط على خدها فتجلَّدت ونهضت وهي تقول: «لا بأس عليك يا سيدي إنك في عافية والحمد لله.»

والتفتت إلى ما حولها فرأت الجليس الشريف جاثيًا بجانب فراش الإمام ورجلًا قاعدًا على وسادة لم تكد تتفرس فيه حتى ارتعدت فرائصها وتذكرت أنها رأت وجهه في بعض المواقف الرسمية من خلال النوافذ وهو صلاح الدين. فأوشكت أن ترتبك ويظهر الارتباك عليها فتجلَّدت ولم تشك أن صلاح الدين جاء ليخطبها.

وكان سائر أبناء الخليفة قد دخلوا في أثرها إلى الغرفة، فأشار العاضد إليهم جميعًا أن يتقدموا فقبَّلهم واحدًا واحدًا وهو يبكي ومنظره يفتت الأكباد. ولم يبقَ أحد من الحضور إلا بكى حتى صلاح الدين. أما العاضد فأشار إلى أبنائه بالجلوس وأومأ إلى سيدة الملك أن تقعد على فراشه بالقرب منه. فجلست وهي تحاذر أن يظهر وجهها لصلاح الدين.

جلسوا والسكوت مستولٍ على المكان مدة، ثم تكلم العاضد ووجَّه خطابه إلى سيدة الملك قائلًا بصوت ضعيف مضطرب متقطع: «يا أختاه، أنت تعرفين منزلتك عندي، إنك أختي وصديقتي ومرشدتي، كم استشرتك وكم عوَّلت على رأيك! والآن وقد دنت الساعة وشعرت باقتراب الأجل والذهاب إلى حيث ألقى وجه ربي، قد أحببت أن أستوثق من حالك وحال أبنائي بعدي.» وتوقف عن الكلام ريثما يستريح والجميع مطرقون ثم قال: «وقد علمت بالاختبار أن ليس فيمن حولي من رجالي أو أهلي مَن أثق فيه وأعوِّل عليه في شأنكم، وأنت تعلمين ما كان في خاطري على السلطان يوسف صلاح الدين (وأشار بيده نحوه)، وقد طالما شكوت لك من معاملته، أعترف لك وأنا في آخر ساعة من ساعات الدنيا وأول ساعة من ساعات الآخرة، أعترف أني شكوت من معاملته، لكنني لا أجد الآن مَن أثق فيه بقوله وأتحقق أنه فاعل ما يقوله سواه؛ لأني محاط بأقوام قوالين غير فعالين، يتنافسون في تملقي ويتسابقون إلى ابتزاز أموالي ونيل المراتب بالحيل والدسائس. فبعثت إلى السلطان وكلفته مشقة الحضور لأوصيه بكم خيرًا.» وأشار بأنامله أن يمهلوه ريثما يستريح وسكت وهو يلهث.

فأطرقوا وهم يمسكون أنفاسهم ويكتمون ما يتردد في آماقهم من الدمع لا يلتفت أحدهم إلى الآخر تهيبًا من منظر الخليفة وتطلعًا لما سيقول. ثم عاد العاضد إلى الكلام ووجَّه خطابه إلى صلاح الدين قائلًا: «هذه يا صديقي أختي سيدة الملك التي بعثت تخطبها. وهؤلاء أبنائي وكبيرهم داود هذا. إني تارك أمرهم إليك خوفًا من أن يصيبهم مكروه بعدي، وأشهد عليك الله أن تأخذ بناصرهم … فهل تعدني أنك فاعل ما أقول؟»

فلما سمعت سيدة الملك ذكر الخطبة في أثناء كلام أخيها اختلج قلبها خوفًا ويأسًا لئلا تكون إذا مات أخوها رهينة أمر صلاح الدين ولا سيما بعد هذه الوصية. ثم سمعت صلاح الدين يجيب أخاها قائلًا: «أنت يا أمير المؤمنين في خير وعافية بإذن الله، ولا بأس عليك يدعو إلى الاهتمام بالتوصية، فإنك مبَل من هذا المرض قريبًا إن شاء الله، أما وقد ذكرت أمر الوصاية فاعلم يا سيدي أن الخادم (يعني نفسه) قائم بما أوصيت به، وليكن المولى — أعزه الله — على ثقة من هذا الوعد أن أهلك هؤلاء لا يصيبهم سوء ما دمت في قيد الحياة، ولك عليَّ عهد الله بذلك.»

فلم تجد سيدة الملك ذكرًا لها في هذا الجواب فأيقنت أنها واقعة فيما تتخوفه فعظم عليها الأمر فضلًا عما هي فيه من القلق على حياة أخيها فأخذت بالبكاء رغم إرادتها. وأرادت الخروج تخفيفًا عن أخيها، فمد يده وقبض على يدها ليجلسها فأحست بارتعاش يده، فاقشعر بدنها وقعدت وهي تنظر إليه، فرأته ينظر إلى صلاح الدين وعيناه تلمعان والدمع يغشاهما. وكأنه أراد الكلام فامتنع عليه، فأشار بإصبعه إلى أخته. ففهم صلاح الدين أنه يوصيه بها فأجابه قائلًا: «كن مطمئنًّا على سيدة الملك، إنها أختك ونعم الأخت هي، لكنها أيضًا أختي بعهد الله وكفى.»

فلما سمعت تصريحه بأنها أخته سُرِّي عنها، ورغم ما هي فيه من اليأس والحزن أوشكت أن تبتسم لاعتقادها أن صلاح الدين لم يدعها أخته إلا وقد عدل عن التزوج بها، وهو غاية ما تريده. ولا سيما وقد ضمن حمايتها فأصبحت في مأمن من تعدي أبي الحسن أو غيره. ولم يكد يطمئن خاطرها من هذا الوجه وقد شغلت عن الخطر الملم بأخيها حتى أخذ يسعل وينتفض في فراشه من شدة الرعشة. وهي نوبة عصبية توالت عليه في ذينك اليومين. فنهض الجليس وأسرع يدعو الطبيب الشيخ السديد من غرفة أخرى. فدخل الطبيب وأشار إلى الحضور أن ينصرفوا من المكان ليعالج المريض بما يراه فنهضوا جميعًا. ومشى أولًا صلاح الدين مشية الأسد وسيدة الملك تراقبه وأحست من تلك الساعة أنها تحبه حب الإعجاب، وهي من طبعها تعجب برجال المروءة والنجدة، وهو ما بعثها على حب عماد الدين كما علمت. فأحست بارتياح لصلاح الدين واطمأنت إلى رؤيته. ثم أومأ إلى الجليس أن تنصرف إلى قصرها وكذلك سائر الحضور من أهلها.

فانصرفوا وتزودت سيدة الملك بنظرة من أخيها وخرجت وقلبها مطمئن وقد نسيت حزنها على حاله أو شُغلت عنه. وكانت حاضنتها تنتظرها في الممر وتتوقع أن تراها باكية خصوصًا لما علمته بوجود صلاح الدين هناك، فأخذت تتأهب للتخفيف عنها. فإذا هي مشرقة الوجه رغم ما يجول في عينيها من الدمع ورغم ما ظهر في أجفانها من الذبول، فقبضت على يدها ومشت معها فعلمت من خطواتها وحركاتها أنها فرحة. وما حققت أنها وصلت إلى قصرها ودخلت غرفتها حتى ابتدرتها قائلة: «كيف سيدي أمير المؤمنين؟ أرجو أن يكون في صحة.»

فقالت وهي تنزع الخمار عن رأسها: «إنه في غاية الضعف وقد داهمته الآن نوبة شديدة أوجبت أمر الطبيب بإخراجنا من عنده ليعالجه، وكان قبلها ضعيفًا يقطع الكلام تقطيعًا.»

فقالت: «شفاه الله، مَن كان عنده وأنت هناك؟» قالت ذلك وهي تراقب ما يظهر منها.

قالت: «كان هناك السلطان صلاح الدين الشهم.» وسكتت. فقالت ياقوتة: «لماذا سكت وكيف عرفت أنه شهم؟ يظهر أنك رفضته قبلًا لأنك لم تكوني تعرفينه جيدًا، أما الآن عند المشاهدة فقد تبين لك أنه يستحق حبك.» وأظهرت المداعبة ثم قالت: «لكنني لم أعلم سبب حضوره عند أمير المؤمنين في هذا اليوم لعله جاء لإتمام طلبه وعقد الخطبة؟»

قالت ذلك وهي تساعدها في نزع المطرف عن كتفيها.

قالت سيدة الملك وهي تنظر في المرآة لتتحقق حال وجهها: «إن أخي بعث إليه.»

قالت: «أمير المؤمنين بعث إليه؟ ولماذا؟»

فتذكرت الخطر على حياة أخيها فانقبضت نفسها وقالت: «بعث إليه ليوصيه بنا خيرًا.»

فبغتت ياقوتة من هذه المفاجأة وقالت: «يوصيه بكم خيرًا؟! مَن تعنين؟»

قالت: «أعني أنا وأبناء أخي وأخوتي؛ لأن أخي — شفاه الله — أيقن أنه لا ينقه من هذا المرض، واعترف بأنه لا يجد من رجاله مَن يثق به ليوصيه بنا غير صلاح الدين، فبعث إليه وإلينا وأوصاه بنا.»

فعادت ياقوتة إلى المداعبة لتشغل سيدتها عن الحزن وقالت: «طبعًا إن صلاح الدين وافق أمير المؤمنين على طلبه؛ لأنه مطالب بهذه الخدمة بواجب المصاهرة.» وابتسمت وعيناها تراعيان عيني سيدة الملك لترى ما تدلان عليه.

فابتسمت سيدة الملك والدمع يتلألأ في عينيها وقالت: «بل هو قال إنه يفعل ذلك بحكم الأخوة وليس المصاهرة.»

فاستغربت هذا التعبير وقالت: «بحكم الأخوة؟ وأي أخوة يا سيدتي؟»

قالت: «لما أوصاه أخي بي فلكي يؤكد له العمل بوصيته قال له: «كن مطمئنًّا على سيدة الملك، إنها أختك وهي أيضًا أختي بعهد الله وكفى».»

فلم تتمالك ياقوتة عند ذلك من ضم سيدة الملك إلى صدرها وأخذت تقبِّلها وتقول: «إن مصيبتنا بمرض سيدي أمير المؤمنين كبيرة، وإذا أصابه سوء — لا سمح الله — فإن المصيبة تكون أعظم كثيرًا. ولكنَّ في ظلمات هذه المصائب المدلهمة نورًا قد أنار قلبي وأخرجني من ديجور اليأس؛ لأن أكبر همٍّ لي كان من جهتك إنما كان هو طلب صلاح الدين خطبتك وأنت لا تريدينه؛ لأنك عالقة القلب بعماد الدين. وأنا أعلم سلطة صلاح الدين وأنه إذا أراد أمرًا لا يقدر أحد على رده، وقد قلت الآن إنه تخلى عن الخطبة وتعهد بحمايتك كأنك أخته. فاطمئني يا سيدتي ولا يهمك سعي الساعين أو وشاية الواشين.»

فعلمت سيدة الملك أنها تعني أبا الحسن، فأجابتها بعينيها وكل جوارحها موافقة على قولها، لكنها انتبهت فجأة إلى حال أخيها فعادت إلى الانقباض ودقت كفيها وقالت: «ويلاه! إن أخي في حال اليأس من الحياة. ماذا أعمل؟ كيف يصير أمرنا إذا مات؟» وغصت بريقها وعادت إلى البكاء وأخذت ياقوتة تخفف عنها.

قضت معظم ذلك الليل في قلق، ولم تُفِق إلا صباحًا على أصوات النعاة. ولم يقع خبر موت أخيها وقعًا غريبًا عندها لكن وقعه كان شديدًا. ولم يمضِ إلا يسير حتى تعالى الصياح في القصور واجتمع الوزراء ورجال الدولة والكتاب وغيرهم، وغص قصر الذهب وسائر القصور بالناس. وأراد أهل الخليفة إقامة مأتم يليق بالخلفاء، وهمَّ رجال الدولة أن يبايعوا لداود ولي العهد، وإذا بالقصور قد أحاط بها رجال صلاح الدين. ثم جاء بهاء الدين قراقوش إلى الجليس الشريف وقال له: «إن السلطان يتقدم إليكم أن تجعلوا المأتم مختصرًا خوفًا من وقوع القلاقل، ومَن مات فقد مات ولا يجدي الصياح والعويل نفعًا.»

فلم يسع القوم إلا الإصغاء والطاعة خصوصًا بعد ما شاهدوا من استقدام الخليفة لصلاح الدين بالأمس وإن لم يعلموا تفصيل ما دار بينهما، وإنما دلَّهم استقدامه على رفيع منزلته عنده، ومهما يكن من الأمر فالقوة غالبة وجند صلاح الدين قابض على المدينة بيد من حديد. فأذعن إلى أمره.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠