الفصل الثامن

السلطان نور الدين

وكان أبو الحسن قد نجا تلك الليلة من القبض عليه؛ لأنه كان لفرط دهائه وحذره يحتاط لكل شيء. وكان قد أعد منفذًا من قاعة الاجتماع إلى بيت ذلك اليهودي حتى إذا داهمهم مداهم فرَّ من هناك لا يبالي بما يصيب رفاقه.

قضى بضعة أيام مختبئًا في بعض المنازل حتى علم ما كان من عاقبة رفاقه المتآمرين وكيف قُضي عليهم بالصلب، فيئس من مصر ورجالها. ولكن مطامعه ما زالت تريه المحال ممكنًا — والمرء إذا رغب في شيء وإن كان بعيدًا فإن رغبته فيه تريه إياه قريبًا — فأعمل فكرته في سبيل آخر يسعى فيه للانتقام من سيدة الملك. وقد علم في أثناء تربصه أنها هي التي استعانت بخادمه جوهر على كشف أمرهم، فازداد حنقًا عليها، وخطر له بعد التفكير أن يستعين بالسلطان نور الدين صاحب الشام. يحمل إليه أسرارًا هو مطلع عليها تتعلق برغبة صلاح الدين في الاستقلال بمصر وما صرح به ضد نور الدين. فيشي به إلى نور الدين لكي يحمله على محاربته وإخراجه من مصر عَنوة. وأن يشهد هو ذلك الفتح فيجعل غنيمته منه سيدة الملك، واستسهل كل صعب في هذا السبيل ورآه قريب المنال.

فلما اقتنع بصحة رأيه احتال في الفرار من مصر طالبًا دمشق الشام، وواصل المسير وجد فيه، فوصل إلى دمشق متنكرًا بثوب تاجر مصري، ونزل في أحد خاناتها على مقربة من القلعة وهي يومئذٍ مقر السلطان نور الدين. ودمشق زاهية بذلك السلطان العظيم وأهلها فرحون بما ناله من الانتصارات المتوالية على الإفرنج في مواضع مختلفة من بلاد الشام. لكنه لم يكد يستقر به الجلوس في الخان حتى سمع لغط القوم بانحراف صحة السلطان منذ أيام وقلق الناس على حياته؛ لأنه أُصيب بالخوانيق. فأخذ أبو الحسن يفكر في وسيلة يتصل بها إلى مجالسته والمداولة معه في أمر مصر.

وسأل عن طبيبه الخاص فعلم أنه الرحبي وهو من حذاق الأطباء وكانت له به معرفة. فسار إليه فوجده في منزله فاستقبله الطبيب أحسن استقبال، وكان قد لقيه بمصر وعرف منزلته من الخليفة العاضد، فسأله أبو الحسن عن حال السلطان فقال: «إنه مصاب بالخوانيق، وقد اشتد عليه المرض لأنه أبى الفصد.» فأظهر أسفه وقال: «ألا يتيسر لي ملاقاته لعلي أقنعه بالفصد. ولي معه حديث إذا أطلعته عليه سُرِّي عنه.»

فرأى الطبيب أن يستعين به على ذلك، وهو مطلع على قلق السلطان نور الدين من جهة مصر، فظنه يرغب في استقبال أبي الحسن لعله يستطلع منه أمرًا جديدًا فيأذن في مقابلته ولو كان مريضًا، فاستمهله الطبيب إلى صباح اليوم التالي.

وجاء الرحبي في الصباح فقال له: «إن مولانا السلطان أحسن حالًا الآن وقد ذكرتك له فأحب أن يراك.»

ففرح أبو الحسن بذلك، وركب مع الطبيب إلى القلعة. وكان السلطان مقيمًا في غرفة من غرفها أصابه المرض وهو فيها فبقي هناك. فدخل الطبيب أولًا واستأذن لأبي الحسن، فأذن له، ودخل وهو يتلطف في التحية والاحترام. وكان قد عرف السلطان من قبل واجتمع به غير مرة، وعهده به قوي البنية مشرق الوجه، فرآه قد تغيرت حاله. وكان السلطان نور الدين أسمر طويل القامة ليس له لحية إلا تحت فمه، وكان واسع الجبهة حسن الصورة حلو العينين، ولكن المرض ذهب بلمعانهما، وقد امتقع لونه، فلما رأى أبا الحسن داخلًا ابتسم على عادته في المجاملة. فأكب أبو الحسن على يده كأنه يريد تقبيلها، فامتنع نور الدين عن ذلك وأشار إليه أن يقعد. ولم يكن في تلك الغرفة شيء من الرياش؛ لأنها ليست القاعة التي يقابل الناس فيها وإنما اتفق وجوده هناك عند الإصابة.

جلس أبو الحسن على وسادة وقال: «كيف مولانا اليوم؟ أرجو أن يكون في صحة لأن سلامته سلامة الدولة، وفي شفائه شفاء الإسلام. وأرجو ألا أكون قد أثقلت عليه بقدومي.»

فقال نور الدين وصوته ضعيف من الخوانيق: «الحمد لله على كل حال، وأما قدومك فقد سرني لعلمي أنك قادم من مصر، وفيها حبيبنا ووزيرنا الملك الناصر كيف فارقته؟»

فلما سمعه يلقب صلاح الدين بالحبيب تشاءم، لكنه عزم على المراوغة فقال: «هو في خير بظل مولانا السلطان الملك العادل.»

قال: «كيف فارقت مصر؟» قال: «فارقتها وأهلها يتشوقون إلى طلعة مولانا السلطان — أعزه الله — ويتمنون أنه لو شرفهم بالزيارة ليرى مملكته الجديدة.»

فأشرق وجه نور الدين وسرَّه أن يسمع ذلك من أمير مصري كان من المقربين للدولة الماضية، فقال: «ولكن بلغنا أن بعضهم تآمروا على خلع الطاعة، فهل ذلك صحيح؟»

فقال: «نعم يا سيدي، إنهم تآمروا ولكن ليس على خلع طاعة السلطان نور الدين.»

قال: «وكيف إذن؟» وبدت البغتة في عينيه ونسي مرضه وأخذ يعبث بجانب لحيته، وتفرس في عيني أبي الحسن ليرى ما يبدو منه.

فقال أبو الحسن: «إن أهل مصر من أقرب الناس إلى الطاعة ولكن.» وبلع ريقه وتنحنح وأظهر أنه يكتم أمرًا لا يحب التصريح به.

فقال نور الدين: «ما بالك؟ ولكن ماذا؟»

قال: «لا أحب أن أزعج سيدي السلطان بأمور لا أظنها تسره.» فبدا الغضب في وجه نور الدين وقال: «قل. تآمروا على خلع مَن؟»

قال: «إنهم تآمروا على خلع السلطان صلاح الدين.»

قال: «أليست طاعته طاعتي؟»

قال: «بلى، هكذا يجب أن يكون، ولو طلب طاعتنا باسم السلطان نور الدين لما وجد مخالفًا.»

قال: «وكيف طلبها إذن؟» قال: «يظهر أن أصحاب البريد يخفون الحقيقة عن مولانا السلطان فإذا أذن لي تكلمت.» قال: «قل. قد أذنت لك.»

فالتفت أبو الحسن إلى الطبيب كأنه يستشيره في هل يضر الغضب صحة السلطان. فتقدم الطبيب إلى السلطان وقال: «أرى مولانا السلطان قد بان الغضب في وجهه وهو مريض، ألا يؤجل هذا الحديث إلى وقت آخر؟» فقال: «كلا، إني في خير، فليقل ما يشاء.»

فاعتدل أبو الحسن في مجلسه وقال: «إن وزيرك صلاح الدين لم يطلب طاعة المصريين باسمك، ولكنه طلبها باسمه، وزعم أنه هو صاحب الأمر وليس للسلطان نور الدين شيء منه، وقد قاومناه وتآمرنا عليه؛ لأننا لا نريد أن نعرف غير مولانا نور الدين سلطانًا. وأنا أستغرب كيف لم يبلغ ذلك مولانا السلطان، وقد صرَّح به صلاح الدين في جلسة علنية، حتى إن أباه نجم الدين انتهره وأمره بالكتمان؟» قال ذلك وسكت.

وكان نور الدين حسن الفراسة فأطرق هنيهة يفكر فيما سمع وهو يعبث بلحيته، فلم تعجبه تلك الوشاية من عدو طبيعي لهما، ولا سيما بعد أن سمع اعترافه بأنه كان من المتآمرين على صلاح الدين، وأدرك أنه لو كان صادقًا في طاعته لم يكن ليساعد على خلع الطاعة بتلك الصورة، بل كان عليه أن ينقل خبر صلاح الدين إليه. فترجَّح لديه كذبه فقال: «وماذا ترى الآن؟» قال: «أرى ألا يستخف مولانا السلطان العادل بمطامع وزيره، فإنه قد جاهر باستقلاله بمصر قبل موت الإمام العاضد فكيف به الآن؟ فما على السلطان إلا أن يخضعه وأنا في خدمته أفديه بدمي.»

فحملق السلطان فيه بعينيه السوداوين، وكاد الشرر يتطاير منهما لشدة الغضب وقال: «لو كنت صادقًا في نصحك لحملت إلينا هذه الوشاية من قبل. فصبرك عليها حتى الآن حجة عليك وعلى أصحابك المتآمرين. إنما أنتم تآمرتم على خلع طاعة نور الدين، بل أردتم نقض بيعة الإمام العباسي لأنه سني، وطمعتم في استرجاع السيادة لأنفسكم!»

وكان يتكلم وهو مستلقٍ، وأخذ يرتعد من الغضب فاعتدل يريد الجلوس فأعانه الطبيب على ذلك وندم على الإذن له في الكلام. فأخذ أبو الحسن يتنصل من تلك التهمة وقال: «لم أحسن التعبير عن مرادي يا سيدي. إني أصدقك الخبر. إن ما قلته هو الصحيح. نحن طائعون للسلطان نور الدين و…»

قال: «لو كنتم صادقين لأطعتم وزيري ونائبي صلاح الدين، لكنكم تعودتم التملق والتذبذب، ما الذي أساءكم به صلاح الدين؟ ألم ترسلوا إلينا شعور نسائكم تستغيثون بنا فأنفذنا إليكم عمه شيركويه وقد أنقذكم؟ وهذا صلاح الدين أخمد العصيان وأصلح البلاد وأبطل الضرائب. فكان ينبغي أن تعرفوا فضله. ولكن قومًا يبلغ بهم الذل أن يستشفعوا بشعور نسائهم لا يُرجى منهم وفاء. ما زلت أذكر سوء وقع ذلك في مجلسنا يوم أتتنا تلك الشعور في المناديل وقد عُقد المجلس للنظر في طلب إمامكم، وكان بين الغلمان شاب صغير لم يملك حين رأى تلك الشعور أن تقدم إليَّ لكي أعطيه خصلة منها حمراء ذهبية، وكان مقربًا من صلاح الدين فدفعتها إليه لأرى ما يبدو منه. فلما تفرس فيها قال: «إن صاحبة هذا الشعر الجميل لا تُمتهن وهي إما بنت الخليفة أو أخته، فإني معيده إليها.» فأذنت له بالخصلة فأخذها في منديلها ولا أدري إذا كان قد وفِّق إلى ما أراد، فكيف ترجو أن أتوقع منكم وفاء وقد جئتني الآن تريد الإيقاع بيني وبين نائبي؟ هب أنه أراد الاستقلال بمصر فليأخذها هو، فإن البيعة واحدة ولا ترجع لكم.» ولما بلغ إلى هنا بان التعب عليه وحوَّل وجهه عن أبي الحسن باحتقار، وأدار له ظهره وعاد إلى الرقاد وهو يلهث من التعب.

أما أبو الحسن فجمد الدم في عروقه من الفشل وأحس كأنما صُب عليه ماء بارد. وأخذ يرتعد وقد وقع خبر خصلة الشعر عليه وقوع الصاعقة؛ لعلمه أنها من شعر سيدة الملك. فأشار إليه الطبيب أن يخرج حالًا؛ لأن السلطان أصابته نكسة بسبب الغضب. فخاف أبو الحسن أن يأمر السلطان بالقبض عليه فخرج مسرعًا واختفى في مكان لا يعرفه فيه أحد ريثما يرى ما يكون.

وفي الصباح التالي طاف المنادون في المدينة ينعون السلطان نور الدين (تُوفي في ١١ شوال سنة ٥٦٩). وتناقل الناس عن سبب وفاته بعد أن تحسنت صحته أنه غضب من بعض الناس فأصابته نوبة ذهبت بحياته. فأسقط في يد أبي الحسن وعمد إلى الفرار، وقد تولاه اليأس وأظلمت الدنيا في عينيه.

خرج من دمشق وهو يرغي ويزبد من شدة الغضب والخادم في ركابه لا يجسر على النظر إليه. حتى إذا مر بالغوطة وصل إلى عين ماء جارية يظللها ويحيط بها أشجار التفاح والسفرجل والمشمش وسائر أنواع الفاكهة، وقد دخل الربيع وتفتحت الأزهار وتغنت الأطيار. والطبيعة باسمة ضاحكة، ولكن أبا الحسن، لم يكن يرى شيئًا غير الفشل نصب عينيه. وإنما نبهته البغلة إلى الوقوف هناك؛ لأنها رأت الماء جاريًا فهاجها العطش فمالت إلى قناة الماء لتشرب. فانتبه أبو الحسن وقد صارت الشمس في الضحى وهو في الخلاء لا رقيب عليه. فلاح له أن ينزل هناك ليستريح فترجَّل وسلَّم البغلة إلى الخادم يهتم بأمرها. وتغلغل بين الأشجار على غفلة من خدم البستان لأنهم لا يتوقعون نزول الناس هناك في مثل تلك الساعة.

أما أبو الحسن فلما خلا بنفسه قعد إلى جذع شجرة مشمش تدلت أغصانها تحمل نوعًا من المشمش يفاخر به أهل الشام سائر المشرق ويُعرف الآن بالمشمش الحموي ينضج في إبان الربيع، والناس يقصدون الغوطة للتمتع بمنظره وطعمه.

على أنه لم يخطر ببال أبي الحسن شيء من ذلك، لكن إشراق الطبيعة أذكره ماضيه وأوضح له ما هو فيه فازداد انقباضًا. ومكث برهة يفكر وهو في غلفة عن زقزقة العصافير وتطايرها ومداعباتها، وليس فيها مَن يخاف الفشل؛ لأنها لا تطلب من الطبيعة غير ضروريات البقاء وهي ميسورة. أما الإنسان فمن مطالبه ما لا يُنال إلا بالجهد والعناء، وهو لا يبالي أن يرتكب في سبيل نيله أنواع المحرمات.

وبعد السكوت مدة نبهته حشرة انسابت بجانبه بين العشب فالتفت إلى ما يحدق به من جمال الطبيعة وبهائها فاتضحت له الظلمة التي هو غارق فيها. ومر تاريخ حياته في خاطره مرور السهم فلم يزدد إلا انقباضًا، وتبين أن سبب هذا الشقاء إنما هو رفض سيدة الملك له فاشتدت نقمته عليها، واغتنم غياب خادمه وأخذ يحدِّث نفسه قائلًا: «ويل لتلك اللعينة! تفضِّل ذلك الغلام عليَّ؟ أما كان الأفضل لها أن يكون أبو الحسن زوجها ويبقى هذا الملك لنا. كنت قادرًا أن أقتل صلاح الدين ولم أفعل؛ لأني أريد أن أستثمر تعبي لنفسي لا أن يستغله سواي. علمت أنها تشك في صحة نسبي ولا تعتقد أني من بني عبيد الله. نعم لست منهم، ولكن شرف النسب ليس سوى وهم. إنما الرجال بالأعمال، وقد انتحلت ذلك النسب لأن الناس يحترمونه. وظننته يكون وسيلة إليها وإلى الملك، فلما أوشكت أن أصل إلى الغرض عرقلت مساعيَّ بغطرستها وتعلقها بذلك الخادم!»

ثم أجفل لسقوط مشمشة وقعت على الحشيش اليابس فأحدثت حفيفًا فتحولت أفكاره إلى مجرى آخر فتذكر صباه فقال: «وأنت يا راشد الدين، قد آن الوقت لأستعين بك على هذه الفاجرة، لا لأتزوجها بل لأذيقها العذاب ثم أريها رأي العين سوء تصرفها فتندم حين لا ينفعها الندم.» وكأنه عزم على أمر توسَّم النجاح فيه فارتاح باله وانقشعت عنه السويداء، وقد أحس بالجوع فالتفت إلى ما حوله فلم يجد أحدًا فصفَّق للخادم وناداه فأتى فأوعز إليه أن يأمر البستاني أن يهيئ له طعامًا وفاكهة، وبعد أن أكلا عاد إلى تدبير ما عزم عليه.

•••

علمت من سياق الحديث أن عماد الدين لاقى في سفره عذابًا؛ إذ قبض عليه الإفرنج بقرب بيت المقدس لاعتقادهم أنه جاسوس وسجنوه مدة تعرَّف في أثنائها إلى جرجس كما تقدم. ولم يكن جرجس مسيحيًّا كما قال وإنما هو من كبار الفدائيين الإسماعيليين، واسمه الحقيقي عبد الرحيم بعثه راشد الدين لقتل أموري الإفرنجي صاحب بيت المقدس. فتنكَّر باسم جرجس واحتال حتى جعلهم يقبضون عليه ويسجنونه ليتمكن في أثناء سجنه من التعرف إلى صغار أهل البلاط ويطلع على خفايا القصر بحيث يسهل عليه الوصول إلى غرضه. وعدة أولئك الفدائيين في تنفيذ أمر مولاهم راشد الدين أن أحدهم إذا كُلف بقتل أحد الملوك جعل نفسه من أصغر خدمه. والغالب أن يجعل نفسه سائسًا لجواده ليتيسر له الاقتراب منه عند الركوب والنزول فيغتنم غفلة منه ويغرس في قلبه خنجره.

ففي أثناء إقامة عبد الرحيم (أو جرجس) هذا في السجن تعرَّف إلى عماد الدين وأحبه وتمكنت العلائق بينهما، فكاشفه عبد الرحيم بحقيقته، وكيف أنه مسلم وأنه احتال بالسجن ليتوصل إلى غرضه ويقتل صاحب بيت المقدس بإشارة مولاه راشد الدين، وأخذ يرغِّبه في هذه الطائفة وقبالة مقاصدها وشدة تأثيرها، فحمد عماد الدين السبب الذي جرَّه إلى ذلك السجن؛ لأنه كان وسيلة إلى هذا التعرف وسهَّل عليه مهمته. فأظهر ارتياحه لذلك الرأي ووعده بأن ينتظم في سلك الإسماعيلية بعد خروجه من السجن، وهو يضمر أن يجعل ذلك الانتظام وسيلة لتنفيذ مهمته التي جاء من أجلها لقتل راشد الدين. وبذل جهده في اكتساب ثقة عبد الرحيم وأطاعه في تغيير اسمه فجعله عبد الجبار.

ولما كانت أيام السجن طويلة؛ لأنها خالية من العمل فيمل المسجونون الفراغ ويضطرون لقضاء الوقت بالأحاديث أو الألعاب، فقد أخذ عبد الرحيم يقضي معظم الوقت في التحدث عن راشد الدين وكراماته ومقدرته، وكيف أنه يعلم الغيب ويتنبأ عن المستقبل، ويحدِّث الأحجار ويأتي بالمعجزات. وأنه يفعل ذلك لا لطمع في الدنيا وإنما هو ينصر الإسلام. واستشهد على صحة قوله بالمهمة التي أتى فيها لقتل صاحب بيت المقدس. وكان كلما ذكر راشد الدين ثارت الحمية فيه وهاجت عواطفه وأصبح كله ألسنة تنطق بفضائله. فكان لأقواله مع التكرار تأثير في عماد الدين فأصبح يرى وجود راشد الدين قوة عظيمة يمكن الاستعانة بها على الإفرنج إذا تمكَّن من اكتساب صداقته. على أن ما سمعه من معجزات ذلك الرجل وكراماته وعن جنته وسمائه حبَّب إليه الاطلاع على حقيقة ذلك.

تمكَّنت هذه الصحبة بينهما، ثم انتهت أيام عبد الرحيم في السجن وخرج وأهل البلاط يحبونه ويرون في وجوده نفعًا لهم؛ لأنه مسيحي يعرف لغة البلاد وعاداتها. فقرَّبوه وهو يبذل جهده في مرضاتهم توصلًا لغرضه، فلما دارت المخابرة بين الحزب العبيدي في القاهرة وبين الإفرنج وانتهت بإرسال الوفد اختاروه ليكون دليلًا. فذهب لوداع عماد الدين، وعهد إليه هذا فيما تقدم ذكره، فبذل جهده في خدمة صديقه رغبة في إدخاله سلك الإسماعيلية؛ لأنه آنس فيه من الشجاعة والذكاء ما يندر مثاله وهم في حاجة إلى الشجعان.

فلما عاد من تلك المهمة توسَّط في إخراج عماد الدين من السجن، وأبلغه ثمرة كتابه إلى صلاح الدين، وكيف أنه قبض على المتآمرين وقتلهم صلبًا إلا أبا الحسن فإنه نجا. ثم دفع إليه كتابًا من صلاح الدين يثني فيه على حميته، وصدق مودته.

ثم أطلعه على ما عرفه عن سيدة الملك، ودفع إليه كتاب ياقوتة والجواهر، فتناولها وأعطى جانبًا منها إلى صديقه عبد الرحيم فازداد تعلقًا به — وليس من شيء كالسخاء يحبِّب صاحبه إلى الناس مهما يكن فيه من العيوب. حتى جرى على ألسنة العامة قولهم «ما من عيب إلا والكرم غطاه.» فكيف إذا كان الكريم قليل العيوب أو لا عيب فيه، ولو علم الأغنياء ما يغطيه الكرم من عيوبهم لكرهوا البخل وبعدوا عنه، وكما يذهب الكرم بعيوب الأغنياء فالبخل يُلصِق بهم عيوبًا ليست فيهم.

وأسرع عماد الدين إلى كتاب ياقوتة فقرأ فيه قولها:

سلام عليك يا عماد الدين، جاءنا صديقك وسرَّنا أنك في عافية، ولكن ساءنا ما أصابك في السجن. على أن ما عرفناه من حب هذا الصديق لك وما يظهر فيه من المروءة والشهامة طمأننا عليك. إننا نقيم الآن في دار الأضياف في رعاية صلاح الدين. إنه شهم وقد أكرمنا غاية الإكرام. ويسرني أن أخبرك بأنه جعل مولاتي سيدة الملك أختًا له وهو يعاملها معاملة الأخت من كل وجه. وجاء ذكرك مرة أمامه فأكثر من الثناء عليك وصرَّح بما يرجوه لك من المستقبل السعيد. إنما ساء سيدتي أنك في السجن، على أن صديقك جرجس بشَّرنا بقرب خروجك منه سالمًا معافًى، ولكن عظُم علينا أنك ستبطئ في المجيء إلينا. عجِّل ولا تقطع أخبارك وعليك السلام.

فلما قرأ الكتاب أحسَّ بشيء جديد لم يشعر به من قبل. وقد كان إلى تلك الساعة مضطرب الأفكار من جهة سيدة الملك؛ لعلمه أن صلاح الدين خطبها لنفسه. ورأى من الجهة الثانية ما أظهرته من الميل إليه حتى أوشكت أن تقول له صريحًا إنها عاشقة له تتفانى في حبه. فوقع في حيرة وإنما شُغل عن ذلك بالأسفار وملاقاة الأخطار ليرى ما تأتي به الأقدار. فلما اطَّلع على كتاب ياقوتة وعلم أن صلاح الدين لا يريد الزواج بسيدة الملك ورأى عطفها عليه في ذلك الكتاب مع اختصاره، أحسَّ أنها له وحده واضطرمت نيران الحب في قلبه مرة واحدة، كأن لواعج تلك المدة كلها اجتمعت في ذلك اليوم، فأصبحت صورة سيدة الملك نصب عينيه أينما توجَّه، وتذكر منظرها في تلك الليلة وهي واقفة تودِّعه وتتعجل نزوله في السرداب. ولم يكن يومئذٍ يشعر بشيء من تلك العواطف. كما تذكَّر خصلة الشعر الحمراء وكيف تجاسر على طلبها من نور الدين، وكيف أذن له نور الدين في أن يأخذها. ثم كيف وُفق للاجتماع بصاحبتها وهي في أشد الخطر فأنقذها ودفع إليها الخصلة. مر ذلك كله بذهنه في لحظة فتحقق أن المقادير أعدت له هذه النعمة، فإذا وُفِّق إلى إتمام مهمته بلغ أوج السعادة. فبدأ يشعر بالسعادة من ذلك الحين!

لقد اختلف الناس في تعريف السعادة فجعلها بعضهم في المال، وآخرون في الشهرة، وآخرون في الصحة، وذهبوا فيها مذاهب شتى، لكن المحبين يعلمون أن السعادة في تبادل المحبة بين حبيبين يرجوان ويخافان، يلتقيان ويفترقان، وهما — في كل حال — في سعادة الاجتماع إما بالفعل وإما بالأمل. سواء أرافقهما الغنى أم الفقر، والشهرة أم الضعة. إنهما سعيدان في كل حال!

شعر عماد الدين بعد تلاوة الكتاب بما لم يشعر به قبل. وأصبح شديد الرغبة في سرعة الرجوع إلى القاهرة. وكان عبد الرحيم خلال ذلك واقفًا يراقب حركات صديقه مخافة أن يكون في ذلك الكتاب ما يبعثه على تغيير خطته وهو يحب أن يدخله في طغمة الإسماعيلية. وانتبه عماد الدين لنفسه فرأى صديقه قاعدًا بجانبه فقال له: «إني أشكرك أيها الصديق على هذه الخدمة الثمينة جزاءك الله خيرًا.»

قال: «هذا واجب أديته لا فضل لي به، وهل إذا أُتيح لك أن تخدمني مثل هذه الخدمة تتأخر؟»

فثارت النخوة في رأس عماد الدين وقال: «أفديك بروحي.» ولم يقل ذلك حتى أحس بشيء في داخله يعترض ذلك القول؛ لأنه شعر من تلك الساعة أن روحه ليست له، وأنه يود البقاء ليرجع إلى حبيبته ويتمتع باللقاء.

أما عبد الرحيم فأعجبه ذلك التعبير منه وقال: «سترى مَن هو أولى مني بالفداء. إن الشيخ راشد الدين إمامنا ومولانا نفديه كلنا بأرواحنا. وستذوق هذه اللذة متى صرت واحدًا منا. هل أنت عازم على الدخول معنا في هذا الأمر؟ أم غيَّرك هذا الكتاب؟» وضحك.

قال: «لم يغيِّرني شيء، لكن ما هو السبيل إلى ذلك؟ كيف أذهب وإلى أين وما هي الطريقة؟ أرجو أن تساعدني وترشدني.»

فرح عبد الرحيم وقال: «إني طوع إرادتك. سأعطيك كتاب توصية إلى الشيخ دبوس نائب مولانا الشيخ الأكبر وهو يقيم معه في قلعة مصياف من جبل السماق من أعمال حلب ثم ألحق بك بنفسي. يمكنك السفر اليوم. هل تعرف الطريق؟»

قال: «أعرفها جيدًا؛ لأني رُبيت في هذه البلاد.»

فأخذ عبد الرحيم ورقًا وكتب توصية إلى الشيخ دبوس نائب شيخ الجبل، فتناولها عماد الدين وودَّعه وركب جواده قاصدًا جبل السماق. وهو جبل عظيم من أعمال حلب يشتمل على مدن كثيرة وقرى وقلاع كلها للإسماعيلية، وفيه بساتين ومزارع، لكن المياه الجارية فيه قليلة إلا ما كان من عيون ليست بالكثيرة في مواضع خاصة، ومع ذلك تنبت فيه جميع أشجار الفواكه وغيرها حتى المشمش والقطن والسمسم.

وقد اشتهر جبل السماق بالقلاع التي فيه لطائفة الإسماعيلية، وهي عديدة أشهرها مصياف وكهف والخوابي وعليقة ومرقب والرصافة وغيرها، ويهمنا هنا مصياف وفيها يقيم زعيم الإسماعيلية راشد الدين وهي على مسافة ١٢ ساعة غرب حماة.

•••

وقد اشتهرت هذه القلعة في زمن الإسماعيلية بإقامة شيخ هذه الطائفة فيها وهي واقعة على جبل مصياف، وهو جبل شامخ يحيط به من الشرق والغرب مستنقعات واسعة، وينتهي من الشمال بقمة عالية فوقها قلعة منيعة هي مقر شيخ الإسماعيلية. ومن أسباب مناعتها أنها قائمة على صخر جوانبه عمودية يعسر تسلقها. وتشرف على ما يحيط بها من المستنقعات من كل ناحية، ومن جملة ذلك وادٍ يقيم فيه بعض الفلاحين يزرعون الحنطة والشعير. وعلى مسافة من الجبل بلدة مصياف يسكنها طائفة من العامة.

أما القلعة فإنها محاطة بسور سميك ليس له إلا باب سقفه عقد متين، إذا دخل الرجل منه سار في ممر كله معقود يصل من الداخل إلى قمة القلعة وما وراءها وفوقها من الغرف، وكلها مبنية من الحجر الصلد. وعلى السور أبراج متلاصقة تقيم بها الحامية ترمي الهاجمين عليها بالسهام أو الحجارة قبل وصولهم إلى الباب بمسافة بعيدة بحيث يستحيل أخذها بالهجوم إلا بعد قتل المئات والألوف.

برح عماد الدين بيت المقدس على جواده، وكان يعرف عدة طرق إلى جبل السماق، لكنه أحب أن يمر بدمشق مرتع صباه، وقد اشتاقت نفسه إلى رؤيتها ومشاهدة بساتينها، فوصل إليها بعد بضعة أيام. وكان وصوله قبل وصول أبي الحسن بيومين، وظل متنكرًا لم يُطلِع أحدًا على حقيقة حاله. لكنه طاف المدينة وزار القلعة وشاهد كثيرين ممن يعرفهم. واتفق رجوع السلطان نور الدين من الميدان فرآه عائدًا على جواده وحوله الأمراء والأعوان ففرح برؤيته، ولكنه بذل جهده في التنكر لئلا يشعر به أحد وهو يعلم ما بين نور الدين وصلاح الدين من الفتور ويود زواله، لكنه يميل أن يكون مولاه صلاح الدين هو الرابح.

قضى معظم النهار في دمشق، فأكل من طعامها وفاكهتها وتمتع بمناظرها، ومر عند خروجه بغوطتها، ولعله مر في نفس المكان الذي اجتازه أبو الحسن بعد يومين. وبات في تلك الليلة في قرية بضواحي دمشق. وقام في اليوم التالي قاصدًا جبل السماق، وبات الليلة الثانية في بعض الخانات، وقضى معظم اليوم التالي في الطريق. وكان في إمكانه الوصول إلى مصياف في أصيل ذلك اليوم لكنه فضل الوصول إليها في الصباح التالي.

فبات في بعض القرى وركب في الصباح، وبعد ساعتين أطلَّ على جبل مصياف وعلى قمته القلعة تناطح السحاب، فهاله ما رآه من مناعتها ورسخ في اعتقاده أنها أمنع من عُقاب الجو. ترجَّل هناك فجاءه شيخ من الفلاحين يعرض عليه خدمة يؤديها، وقد ظنه من كبار الإسماعيلية وهم يعهدون فيهم الشدة والقسوة. وكثيرًا ما شهدوا القتال بينهم وبين مَن جاء لمهاجمتهم من الجنود الشامية أو الجبلية أو المصرية، فضلًا عما يتناقلونه من كرامات الشيخ راشد الدين وهم يلقبونه بشيخ الجبل أسوة بالحسن بن الصباح مؤسس هذه الطغمة. حتى أوشكوا لفرط ما استولى عليهم من الاعتقاد بكرامته ألا يحدث حادث غريب مخيف إلا نسبوه إليه ولو كان من العوارض الطبيعية كالمطر والرعد والبرق، وأصبح فزاعة لأعدائه وتعويذة لمريديه.

وكان همُّ عماد الدين عند وصوله أن يلقى الشيخ دبوس ويدفع إليه كتاب التوصية الذي يحمله من عبد الرحيم، فلما جاءه ذلك الفلاح الشيخ سأله عماد الدين عن راشد الدين أين هو.

فأجفل الرجل وتفرَّس في عماد الدين وقال: «يظهر أنك غريب عن هذه الديار يا سيدي؟» قال: «وما الذي جاء بك إلى هنا؟ وماذا تريد من شيخ الجبل؟» قال: «إني أحمل كتابًا إلى نائبه الشيخ دبوس.» قال: «دبوس؟! ظننتك تطلب الشيخ راشد الدين نفسه، فإنه لا يطمع أحد في رؤيته. حتى أصحابه وأعوانه إنهم لا يرونه إلا في بعض الأحوال الخاصة.»

فقال عماد الدين: «ومَن أنت يا عماه؟ لعلك من رجاله؟»

فقطع الشيخ كلامه قائلًا: «حبذا ذلك، إن مثلي لا يطمع في هذا المشرف، ويكفينا من جواره أن نقوم بخدمته بما نغرسه من الحنطة أو نرعاه من الماشية له ولرجاله في مقابل بقائنا في قيد الحياة.»

قال: «والآن أحب أن أقابل الشيخ دبوس، فهل ذلك ميسور؟»

قال: «لا أدري. أعطني الكتاب إذا شئت لأوصله إلى بعض رجاله فيوصله إليه، ثم آتيك بالجواب.»

فدفع إليه الكتاب فتناوله وركض نحو الجبل، ومكث عماد الدين في انتظار عودته وقد أمسك زمام فرسه بيده وأدار بصره فيما يحيط به من السهل الفسيح، وذلك الجبل الشامخ القائم في صدره وفوقه قلعة مصياف وقد أحدق بها السور والأبراج. ولم يقدر أن يتبين طريقًا يصل بها إليه، كأن أهلها يصعدون إليها على أجنحة النسور أو في المناطيد. فهاله ذلك وتمثَّل له الخطر المحدق بمن ينوي براشد الدين شرًّا. لكنه ازداد رغبة في استطلاع أحوال ذلك الرجل، فإما أن يفتك به، وإما أن يقرِّب ما بينه وبين صلاح الدين.

•••

قضى في ذلك ساعة ثم رأى الشيخ الفلاح راجعًا ومعه شاب في لباس السعاة، حاسر الرأس حافي القدمين عاري الصدر كأنه من العفاريت. فلما وصل إلى عماد الدين حياه ثم سأله عن غرضه فقال: «أحب أن أقابل الشيخ دبوس.»

فمد يده وفيها كتاب التوصية وقال: «هذا هو كتابك، ما هو اسمك؟» قال: «عبد الجبار.» قال: «اتبعني.»

فتبعه ماشيًا يقود فرسه والشاب يسير بين يديه وهو يتلفت إليه يجيل نظره فيه كالمتفرِّس. فاستغرب عماد الدين تلفته وتفرسه، ولو كان جبانًا لوقع الرعب في قلبه، ولكنه كان شجاعًا لا يعرف الخوف.

وبعد قليل وصلا إلى قاعدة الجبل فأشار إليه الشاب أن يترك الجواد هناك ويتبعه فتردد عماد الدين لحظة فقال له: «لا بد من ترك الجواد هنا وإلا فارجع من حيث أتيت.»

فأطاعه ومشى في أثره في طرق متعرجة بعضها منقور في الصخور وبعضها سلالم من الحجر يصعب تسلقها. والرجل يقفز بين يديه كالنمر لا يبالي بالتعب وعماد الدين يجاريه لئلا يظهر عليه الضعف وهو أبي النفس.

وبعد الصعود ساعة في تلك الطرق المتعرجة وصلا إلى باب القلعة وهو غليظ متين. فوقف الشاب وأشار إلى عماد الدين أن ينتظر، وتقدم هو إلى الباب ودقه دقات خاصة ففُتح وكان لفتحه صرير شديد. فدخل وأغلق الباب وراءه، وظل عماد الدين واقفًا ينظر إلى ذلك البناء المنيع وهو لا يرى منه غير السور الغليظ وعليه الأبراج. ولمح من شقوق الأبراج أو نوافذها الضيقة أناسًا يذهبون ويجيئون كأنهم الحامية.

وبعد قليل عاد الرسول وقد لطَّف لهجته وأشار إلى عماد الدين أن يدخل، فدخل من ذلك الباب تحت العقد الغليظ ومشى في ممر طويل متعرج سقفه معقود وأرضه من الصخر الخشن. وقد وقف إلى جانبيه الحراس بالحراب والسيوف كأنهم أصنام لا يتحركون. فهاله ذلك المنظر لكنه تشدد وتجلد وصمم على الصبر إلى النهاية.

سار في ذلك الممر مسافة وانتهى منه إلى منفذ يستطرق إلى ساحة حولها أبواب مغلقة، فأشار إليه الرسول أن يتبعه ففعل حتى وصل إلى باب منها فطرقه. ولما فُتح تقدم الرسول إلى عماد الدين ودفع إليه كتاب التوصية، وتراجع وأشار إليه أن يدخل. فتقدم فرأى نفسه في حجرة ببابها حراس أشاروا إليه برءوس حراب بأيديهم أن يدخل فدخل. ثم وقف وتلفت فإذا هي غرفة واسعة قد فُرشت بالسجاد وغُطيت جدرانها بأنواع الأسلحة. وفي جوانبها ضروب من آلات العذاب كالقيود والأغلال. وحول جدرانها مقاعد من الحجر المنحوت في ذلك الصخر فوقها غطاء من جلد الدب والأسد. ولم يكن في تلك الحجرة حينئذٍ أحد غير الشيخ دبوس جالسًا في صدر الحجرة على جانب من ذلك المقعد وعليه جبة تكسوه كله، وعلى رأسه عمامة خضراء كبيرة، فحيَّاه عماد الدين وقال: «لعلي في حضرة الشيخ دبوس؟»

فأشار الشيخ برأسه أن «نعم.» وأومأ إليه أن يتقدم ويعطيه الكتاب ففعل، فتناوله وفضه وقرأه. ولما فرغ من قراءته أومأ إلى عماد الدين أن يجلس وهو يقول: «إن ولدنا عبد الرحيم يوصينا بك خيرًا، تفضل يا عبد الجبار اقعد.»

فقعد على طرف المقعد وهو ينتظر ما يكون، فقال له دبوس: «يقول لنا عبد الرحيم إنك تطلب نعمة القربى من شيخنا وإمامنا راشد الدين.»

قال: «نعم يا سيدي، فهل هذا ميسور لي؟»

فأطرق يفكر ثم قال: «إنه ميسور على شروط.» قال: «وما هي يا سيدي؟» قال: «اعلم يا عبد الجبار أنك قبل كل شيء ينبغي أن تنقي قلبك وتصفي نيتك وتستسلم إلى هذا الأمر. هل أنت فاعل؟» قال: «نعم.»

قال: «احذر أن تخدع نفسك فإني لا أقدر أن أعرف خفايا قلبك، ولكن المولى الشيخ الأكبر لا تخفى عليه خافية. إنه فاحص القلوب، إذا نظر في عينيك عرف مكنونات قلبك. فإذا كنت في شك من نيتك واستسلامك فارجع من هنا ولا تعرض نفسك للخطر. إني أنصح لك بناء على ما قرأته في كتاب التوصية من الثناء على شجاعتك وصداقتك. وأما إذا كنت قد أوتيت النعمة وأُلهمت الانتظام في هذا السلك والحصول على العهد فقد ضمنت لنفسك الدنيا والآخرة. وأنا تاركك يومًا كاملًا تفحص فيه ضميرك وتخبرني بما يستقر عليه رأيك.»

فوقع كلام الشيخ من نفسه وقعًا شديدًا وغلب عليه التردد، وقام في اعتقاده صدق ما سمعه عن شيخ الجبل من استطلاع خفايا القلوب. ولكنه تجلَّد وأظهر الثبات في عزمه وقال: «إني على عزمي، وسأصبر يومًا آخر على حسب أمرك وأجيبك.»

فهز رأسه استحسانًا وقال له: «اخلع ما عليك من السلاح، وهات ما عندك من الأدوات أو النقود أو غيرها، تلك عادتنا في مثل هذه الحال، ولا يخامرك شك فيما أفعل فإن هذه الأشياء تبقى عندي باسمك.»

فعظم هذا الطلب عليه وعنده الجواهر. وقد شقَّ عليه أن يفارق خنجره ويبقى أعزل فتوقف حينًا ولم يجب.

فقال له دبوس: «اعلم يا بني أن طالب الحصول على عهد مولانا الشيخ لا بد له من الاستسلام لكل ما يُؤمر به بلا تردد. وقد خيرتك عملًا بتوصية عبد الرحيم؛ لأنه ذو مقام عندنا. فإذا رأيت العدول عن عزمك رددنا أشياءك إليك.»

فلم يرَ بدٌّ من الطاعة؛ لأنه لم يوفَّق إلى دفاع، فمد يده واستخرج خنجره من منطقته ودفعه إليه. ثم استخرج ما كان عنده من الجواهر والنقود ودفع كل ذلك إلى دبوس وقد أحس بالخوف من الخديعة، لكنه اطمأن نوعًا لما رأى الشيخ يبش له وقد وضع أشياءه كلها في منديل وأخفاه في حفرة بأسفل المقعد. وأومأ إليه أن يخرج إلى غرفة أخرى يستريح فيها. فخرج وقاده أحد الحراس إلى حجرة خلا فيها بنفسه وأخذ يفكر فيما سمعه، فتحقق الخطر الذي أوقع نفسه فيه وأصبح لا يعرف ماذا يعمل: أيعدل عن مهمته بعد أن وعد صلاح الدين بها أم يعرِّض نفسه للخطر بالدخول؟ وتذكر ما سمعه من صديقه عبد الرحيم عن كرامات راشد الدين وما هو شائع من هيبته واقتداره، فوقع في حيرة لأن رجوعه عنها يحط من قدره عند صلاح الدين وعند حبيبته. أو على الأقل ينحط قدره عند نفسه فإنها لا تطاوعه على الجبن. ودخوله يعرضه للقتل أو لخيانة صلاح الدين.

وكان يفكر في ذلك وهو يمشي في تلك الحجرة وليس فيها شيء من الأثاث سوى حصير وبساط قديم، فأطل من نافذة صغيرة فأشرف على ما يحيط بجبل مصياف من المستنقعات والسهول والروابي والأودية إلى مسافة بعيدة. واستغرق في أفكاره حتى نسي موقفه. ثم أجفل لأنه سمع وقع خطوات وراءه فالتفت فرأى رجلًا كالخادم أتاه بالطعام ودعاه إلى الأكل وخرج. فأشار عماد الدين شاكرًا وعاد إلى تفكيره ونفسه لا تطلب الطعام لفرط اهتمامه وقلقه. وحانت منه التفاتة وهو يجيل بصره في ذلك الفضاء إلى سور عالٍ يحيط ببناء لا يظهر منه شيء، فظنه قلعة أو حصنًا يلجأ إليه الإسماعيليون عند الاضطرار.

وعاد إلى هواجسه وهي تتعاظم وتتكاثف حتى ضاق صدره من كثرة التردد، وكان إلى تلك الساعة لم يذق طعامًا، وأحس بالجوع فتحول نحو الطعام الذي أتوه به، وهو مؤلف من بعض الثمار وشيء من الخبز واللحم. فمد يده إلى الرغيف وكأن شيئًا أرجعها عنه، وخطر له سوء الظن فقال في نفسه … «قد يكون هذا الطعام مسمومًا.» ثم تذكَّر صديقه عبد الرحيم وتوصيته لدبوس، فغلب عليه حسن الظن وأكل ما يسد رمقه واقتصر على الثمار.

وفيما هو يأكل سمع ضوضاء في الساحة فنهض ونظر من الباب فرأى جماعة من أهل القلعة وفيهم الحراس والأجناد يتهامسون ويتضاحكون والبشر ظاهر في وجوههم. فخاف أن يكون لذلك علاقة بوجوده هناك أو ربما كان عليه خطر. فأصاخ بسمعه وإذا هم يتكلمون لغات مختلفة؛ لأن رجال الإسماعيلية أخلاط من أمم شتى، وفيهم العربي والتركي والفارسي والكردي والشركسي، يتكلمون كل هذه اللغات وإنما تغلب العربية على ألسنتهم.

وبعد الإنصات وإعمال الفكرة سمعهم يذكرون السلطان نور الدين وكأنهم يذكرون موته، فغالط سمعه ولم يعبأ به لأنه فارق السلطان منذ يومين في صحة تامة ورآه عائدًا من الميدان على جواده كالأسد. واعتقد أنهم يشيعون ذلك رغبة في اجتماع كلمتهم. لكنه ما لبث أن جاءه رسول من الشيخ دبوس يدعوه إليه، فأسرع في أثره إلى مجلس دبوس فرآه قاعدًا في صدر الغرفة وبين يديه جماعة من الأمراء بلباس متشابه وعلى رءوسهم العمائم تقرب من عمامة دبوس. فغلب على اعتقاده أنهم من رجاله.

فلما وقف عماد الدين أمامهم خاطبه دبوس قائلًا: «أأنت قادم من بيت المقدس؟» قال: «نعم.»

قال: «ألم تجعل طريقك على دمشق؟» قال: «بلى.»

قال: «كيف كان سلطانها الأتابك نور الدين هل شاهدته؟»

قال: «نعم شاهدته على جواده عائدًا من الميدان نحو الظهر.»

قال: «ومتى كان ذلك؟» فأطرق عماد الدين وهو يحسب الوقت ثم قال: «منذ يومين وبعض اليوم.»

قال: «لكنه مات في هذا الصباح، رحمه الله.» فأجفل وبانت البغتة في وجهه وقال: «مات؟ هل أنتم على ثقة من ذلك؟ لا أظن الخبر صادقًا، ثم كيف يموت في هذا الصباح ويصل خبره إلى هنا الآن وبيننا وبين دمشق أكثر من يومين؟»

فضحك دبوس ضحكة استخفاف، وضحك الجلوس معه وهم يتلفتون بعضهم إلى بعض، ثم قال دبوس: «لا لوم عليك يا بني، وأنت لا تعرف مصدر هذا الخبر. إنه لم يأتنا بالبريد وإنما هو وحي هبط على مولانا الإمام الشيخ الأكبر نفعنا الله ببركته وكراماته. كذلك فعل يوم مات الإمام العاضد بمصر، فقد جاءه علمه في يوم موته، ومصر أبعد من دمشق. وكذلك خبر المؤامرة التي قُتل فيها عمارة وأصحابه.» ثم نظر إلى الجلوس كأنه يستشهدهم فبدت على وجوههم أمارات الإيمان بما قال.

فدهش عماد الدين ومع ذلك ما زال يظن أن في الأمر خداعًا للإيهام وأن نور الدين لم يمت وقال في نفسه: «إذا ثبت موته بورود المرسوم من دمشق على العادة فإن لهذا الشيخ لشأنًا عظيمًا.»

ولحظ الشيخ دبوس تردده ودهشته فقال: «لا تستغرب ما تسمعه يا بني، إنك إذ تمت النعمة عليك ووفِّقت إلى الدخول في طريقتنا رأيت أعجب من ذلك. إن مولانا الشيخ الأكبر يخاطب الحجارة فتجيبه حتى الميت إذا كلمه أجابه في الحال.» والتفت إلى القوم وقال: «وأزيدكم بيانًا أن مولانا الشيخ — حرسه الله — أخبرني عن سبب موت هذا السلطان، قال إنه تُوفي بعلة الخوانيق.» ثم حوَّل نظره إلى عماد الدين وقال: «وسترى في الغد ما يحقق ذلك حينما يأتي المرسوم.»

فوقع عماد الدين في حيرة عظيمة مما سمعه ورآه وأوشك أن يعتقد صحة كرامات راشد الدين. وقال له دبوس: «تفضل يا بني إلى غرفتك حتى يستقر رأيك، وإنما دعوتك لعلمي أنك قادم من دمشق لعلك علمت شيئًا من مقدمات موت نور الدين. ولتعلم أيضًا أن صديقك عبد الرحيم أخلص النصح لك. أتم الله نعمته عليك وعليَّ؛ لأنه هو أيضًا مرشح للارتقاء في هذه النعمة؛ إذ ينال المجتهد فيها نصيبه. هذا كلام لا تفهمه الآن ولكن سوف تفهمه تفضل.» وأشار إليه أن ينصرف.

فعاد إلى غرفته وهو كالغائب عن الرشد لا يعرف كيف يعلل ما يشاهده من الغرائب المدهشة. وعزم في سرِّه إذا صحت نبوءة الشيخ عن موت نور الدين أن يلتمس الدخول في تلك الطغمة بلا تردد. وود لو كان صديقه عبد الرحيم هناك ليوضح له بعض ما أُشكل عليه ويزيده بيانًا.

•••

بات عماد الدين في تلك الليلة كالتائه في البحر، وتوالت عليه الأحلام وأفاق في الصباح على نقر باب حجرته. فذُعر وجلس فإذا بصديقه عبد الرحيم واقف بين يديه فشعر عند رؤيته بارتياح عظيم وقد خف قلقه واطمأن باله كأنه لقي أباه أو أخاه واستأنس به كثيرًا، فأكب عليه وعانقه وأوشك الدمع أن يتساقط من عينيه لشدة التأثر.

فعانقه عبد الرحيم وهو يبتسم وقال له: «يظهر من تلهفك لملاقاتي أنك كنت في ضيق.» قال: «لم أكن في ضيق، ولكنني متردد في أمور ولا أرى لي فرجًا إلا على يدك. وأشعر أنك أخي أو أبي وألقي اتكالي عليك، وهناك أشياء أحب أن أستشيرك فيها.» فهش له عبد الرحيم مطمئنًّا، فأشار إليه عبد الجبار (عماد الدين) قائلًا: «اقعد، من أين أنت آتٍ؟»

فقعد وهو يقول: «إني آتٍ من عند الشيخ دبوس، وقد قص عليَّ ما أعجبه من ذكائك وشجاعتك. وأنه تلطف في معاملتك وأمهلك حتى تفكر في أمرك.»

قال: «نعم. وهذا ما أحب الاستفهام منك عنه، لقد أدهشني أمر لم أقدر على تفسيره.» قال: «وما هو؟» قال: «أخبرني الشيخ دبوس ظهر أمس أن السلطان نور الدين صاحب دمشق مات في الصباح. وأنا رأيته بعيني قبل ذلك بيومين راكبًا على جواده سليمًا معافى والصحة تتجلى في وجهه بعد أن قضى يومه مع سائر رجال دولته في السباق.»

فقال عبد الرحيم: «هذا كله صحيح، نعم إنه عاد من ذلك الميدان صحيحًا معافى لكنه لم يصل إلى القلعة حتى أحس بألم في حلقه، ظهر بالفحص أنه الخوانيق.»

فأطرق عبد الجبار (عماد الدين) وقد بانت الدهشة في عينيه، وهان عليه أن يُصاب نور الدين بالخوانيق على أثر رؤيته إياه على جواده فقال: «يظهر أن المرض جاءه شديدًا فلم يمهله طويلًا. لكن إذا فرضنا وقوع ذلك فعلًا ومات نور الدين صباحًا، فكيف وصل الخبر إلى هنا قبل الظهر؟»

فضحك عبد الرحيم وقال: «إن ذلك يا عبد الجبار من كرامات مولانا الشيخ الأكبر — نفعنا الله ببركته — ألم أقل لك شيئًا من ذلك ونحن في بيت المقدس؟ إنه طالما أنبأنا بالأخبار حال وقوعها، ولو كان بيننا وبينها مسافة أيام، وليس هذا أعجب كراماته. وهل تظن سطوته وقوة نفوذه لا أساس لهما؟ كيف يخضع له الألوف من الناس وفيهم العقلاء والحكماء إن لم يروا فيه ما يستحق ذلك؟ أتعلم أن أتباعه اليوم يزيدون على ستين ألفًا من نخبة الناس وفيهم الشجعان والأبطال والقواد، وكل منهم طوع إرادته يبذل نفسه في طاعته. أتظن ذلك يقع عفوًا بلا استحقاق؟»

فقال عماد الدين: «أنت تشير عليَّ إذن بأن أبقى على عزمي؟»

قال: «هذه نصيحتي لك.»

قال: «إنهم أخذوا مني نقودي وسلاحي.»

قال: «لا خوف عليها. فإذا رجعت عن هذا الأمر فأنا أضمن إرجاعها إليك. ولا أظنك راجعًا عنه ولا سيما بعد أن ترى الشيخ الأكبر نفسه وتسمع أقواله وتختبر كراماته. إنها كثيرة إنما …» وسكت كأنه أراد أن يقول شيئًا وندم عليه.

فقال عماد الدين: «أراك تتردد في نصحي.»

قال: «معاذ الله يا أخي، أنت تعلم أننا تحاببنا وتصادقنا لغير غرض سوى تقارب القلوب. ولما كانت جماعتنا هذه تضم خيرة الشجعان وذوي البسالة فقد رأيتك أهلًا للانتظام في سلكها. وسوف تحمد مغبة نصحي. لكنني أتردد في أمر أحببت أن أبوح به لك تخفيفًا من قلقك. لكنه محظور عليَّ. فسكت.»

قال: «إذا أطلعتني على شيء يخفف قلقي ضاعفت فضلك ولا يعلم به أحد، أعاهدك على ذلك.»

قال وهو يخفض صوته: «متى رضيت الدخول فإنهم يمتحنونك بأشياء لا يصبر عليها إلا الشجاع ثابت الجأش وأنت كذلك. لكنني أحببت أن أزيدك اطمئنانًا، إن ما يظهر لك من تلك التجارب خطرًا أو مستحيلًا ليس هو في الحقيقة إلا ظاهرة لا طائل تحتها. وإنما يُراد بها امتحان شجاعة الطالب. فمهما يُطلب منك أن تعمله فاعمله ولا تخف. لا أقدر أن أفصح لك أكثر من ذلك.»

فقال عماد الدين: «يمتحنون شجاعتي؟ فليمتحنوا لأنني لا أبالي وأنت تعلم ذلك، ولكنني أحب أن أعرف شيئًا آخر. هل تطلعني على حقيقته؟»

قال: «قل ما تريد لعلي أستطيع؟» قال: «كل ما أعرفه من أمر هذه الطائفة أن زعيمها راشد الدين رجل حكيم ذو كرامات، وأن أتباعه يطيعونه طاعة عمياء ويبذلون أنفسهم في طاعته. لكنني لا أعلم ما يناله أولئك الأتباع من المكافأة. وهل هم درجة واحدة أو درجات، فقد رأيت بعضهم كالخدم أو الجند وآخرين كالأمراء، وهذا دبوس كالملك، فما هو نظام هذه الطائفة أو الدولة؟ إنها غريبة في بابها!»

قال: «صدقت، إن نظامها غريب لم يُنسج على منواله، ولا بأس من أن أقص عليك خبر هذا النظام باختصار. اعلم يا عبد الجبار أن جماعتنا هذه التي أرعبت العالم بتدبيرها وبسالة شبانها مؤلفة من طبقتين: الفدائيين، والمستنيرين. وفوقهما الزعماء وأصحاب الأسرار الحقيقية. وأول ما يدخل الإسماعيلي يكون فدائيًّا، فإذا استحق الرقي صار مستنيرًا. أنا لا أزال إلى اليوم من الفدائيين (الفداوية).»

فقطع كلامه قائلًا: «إذا دخلت أنا غدًا، هل أكون مثلك؟»

قال: «نعم. لكنني الآن مرشح لنيل العهد فأصير مستنيرًا عن قريب؛ لأن مهمتي التي ذهبت بها إلى بيت المقدس كانت آخر تجربة في سبيل الترقي، وقد جئت إلى هنا لكي أتلقى السر الجديد في طبقة المستنيرين.»

قال: «بماذا استحققت هذا الترقي؟»

قال: «استحققته بصدق الخدمة في مصلحة الجماعة وبذل النفس في سبيل الطاعة. ولا بد لكل فدائي أن يفعل ذلك قبل أن يصير مستنيرًا. وأما أنت فأرجو أن يسرع ترقيك لأنك أهل لذلك بما فُطرت عليه من المروءة وعلو الهمة. وليس في طلاب الانتظام كثيرون مثلك؛ ولذلك أرجو أن ترتقي على عجل.»

فأطرق عماد الدين (أو عبد الجبار) حينًا يفكِّر في أمره وفي أصل مهمته وما خلفه وراءه في مصر من البواعث التي تقضي بسرعة عودته ولا سيما سيدة الملك. فإنها أصبحت منذ رجوع رسوله من عندها لا تبرح من باله. لكنه اطمأن عليها وهي في كنف صلاح الدين. ولحظ عبد الرحيم تفكيره فقال له: «لا حاجة إلى التردد، إن دخولك في هذا السلك أصبح أمرًا مقضيًّا ولا بأس عليك منه. لكنني أحب أن تؤخره إلى مجيء المرسوم من دمشق بموت السلطان نور الدين وتتأكد كرامة إمامنا. وكن مطمئنًّا إلى أنك إذا عدلت عن الدخول فلن يصيبك أذى، ومولانا الشيخ الأكبر لا يقبل كل من يطلب الانضمام، وإذا شئت أن تتحقق قولي فتعالَ لأريك جماعة من أولئك الطلاب.» قال ذلك ونهض فتبعه عماد الدين وسارا إلى ساحةٍ سمعا فيها عربدة وغوغاء بلغات مختلفة وغنات متفاوتة. ثم مشى به حتى أطل من وراء حائط على بقعة ازدحم فيها الرجال جماعات بين جلوس يتسامرون أو وقوف يتخاصمون. فقال عبد الرحيم: «انظر يا أخي. هؤلاء هم طلاب الدخول وأنت ترى الوحشية والعربدة وسفك الدماء في ملامحهم. وقد اشتهرت جماعتنا هذه بالفتك، فكل من يهون عليه قتل الأبرياء ويضيق به الرزق يأتي إلينا. ولكن غرضنا أسمى من ذلك وإن كنت إلى الساعة لم أطلع على سره الحقيقي. فهؤلاء يعدون بالعشرات كما ترى. وهم هنا منذ أيام لم يحفل الشيخ دبوس بهم.»

وفيما هما في ذلك رأيا رجلًا كرديًّا من أولئك وقف وبيده جمجمة صب فيها خمرًا وتمايل عجبًا ثم شربها وهو يزدري رفاقه ويفاخرهم ببسالته وخشونته. فغضب واحد من رفاقه الأتراك فهزأ به ولطم تلك الجمجمة بقفا يديه فرماها وتناثر ما كان فيها من الخمر على الأرض، فضحك الرفاق وقهقهوا وقد أعجبهم عمل ذلك التركي، فلم يصبر الكردي على الإهانة واستل خنجره وطعن التركي طعنة قضت عليه. فهمَّ الآخرون أن ينتقموا له فصاح بهم عبد الرحيم وأوقفهم وهددهم وأشار إلى بعض الحرس أن يقبض على القاتل.

ولم يزدد عماد الدين بذلك إلا دهشة مما رآه وسمعه. فرجع إلى حجرته وذهب عبد الرحيم لشأنه. وأتاه في اليوم التالي وقد جاء المرسوم من صلب الشام بوفاة نور الدين بالخانوق في الوقت الذي رواه شيخ الجبل. ولكنه صمم على الدخول في ذلك السلك؛ إذ لا بد له من ذلك للقيام بالمهمة التي جاء من أجلها، وقد تبرع بين يدي صلاح الدين بقتل راشد الدين، وربما علمت سيدة الملك بعزمه فكيف يعود بخفي حنين؟ على أن ما شاهده من مقام الرجل وكراماته جعل مهمته شاقة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠