الفصل التاسع

عند زعيم الحشاشين

أصبح عماد الدين في اليوم التالي وهو على موعد للدخول على الشيخ الأكبر لينضم إلى جماعة الفدائيين. وكان كلما فكَّر في ذلك اختلج قلبه في صدره. وبعد قليل جاءه صديقه عبد الرحيم وهو يهش له تشجيعًا وطمأنة، فقال عماد الدين: «هل أذهب الآن إلى الشيخ الأكبر أم إلى الشيخ دبوس؟»

قال: «لا بد من الذهاب إلى الشيخ الأكبر بواسطة الشيخ دبوس، فهل أنت متأهب لذلك؟»

قال: «نعم.» وأكبر أن يُظهِر الوجل. فقال عبد الرحيم: «هلم بنا إلى الشيخ دبوس.»

فمشيا حتى دخلا عليه وأطلعه عبد الرحيم على الغرض. فوجَّه كلامه إلى عماد الدين قائلًا: «هل أنت مصمم يا عبد الجبار على الانضمام إلينا؟» قال: «نعم يا سيدي.»

فأمره أن ينزع ثيابه التي عليه ويرتدي ثوبًا أبيض كالقميص الكبير دفعه إليه. فلبسه فجلله إلى عقبيه. ثم أمره فنزع عمامته وحل شعره وكان طويلًا فأرسله على كتفيه. وأشار عبد الرحيم إليه أن يتقدم إلى الشيخ دبوس ويقبِّل يده ففعل. ثم أومأ إليه أن يتبعه فمشى في ممرات وطرقات والحرس وقوف في جوانبها بالحراب حتى أطلَّ على رواق يؤدي إلى باب كبير عليه ستر وبجانبه حارسان عظيما الهامة كأنهما من الجان. فلما اقترب عبد الرحيم منهما أومأ إليهما بالإشارة (لأنهما أخرسان) أن يأذنا له في الدخول وهما يعرفانه فأذنا له، واستبقيا عبد الجبار خارجًا. فوقف وهو مطرق يتردد بين الندم والعزيمة وإذا بصديقه قد عاد وقال له: «إن الشيخ مشتغل بمحاكمة الكردي القاتل لكنه أذن لنا في الدخول.»

ومشى فتبعه عماد الدين فدخلا قاعة مظلمة في صدرها كرسي كبير قد جلس عليه الشيخ الأكبر وإلى جانبيه رجال من خاصته وقد غطوا وجوههم ما عداه. ولم يستطع عماد الدين أن يتعرف الوجوه هناك إلا بعد قليل ريثما تعود النظر في الظلام فرأى ذلك الكردي واقفًا وهو موثق اليدين. وفي وسط القاعة جثة القتيل ملطخة بالدماء. فأشار عبد الرحيم إلى عماد الدين أن يقف معه في ناحية ففعل، وأخذ يتفرس في راشد الدين فإذا هو يرتدي ثوبًا أسود يغطيه كله إلا وجهه وقد بانت الشيخوخة في ذلك الوجه بتجعده وبياض لحيته، لكن عينيه تبرقان كالسراجين ويكاد الشرر يتطاير منهما. وما عتَّم راشد الدين أن صاح بذلك الكردي قائلًا: «أتجسر يا هذا أن تقتل نفسًا في جوارنا؟»

فصاح الرجل: «إني لم أقتله يا مولاي، وإنما هم يتهمونني زورًا.»

قال: «وتكذب أيضًا؟ أتحسب أن ذلك ينطلي علينا؟ ألا تعلم أننا نفحص القلوب ونعرف أسرارها؟»

فعاد الرجل إلى الإنكار وقال: «إنهم يتهمونني يا سيدي زورًا، فإذا شئت فإني آتي بالشهود، أو أقسم لك ببراءتي.»

قال: «لا حاجة بنا إلى شهود أو قسم، أنا أسأل هذا القتيل وهو ينبئني بالحقيقة.»

فلما قال ذلك أجفل عماد الدين، ونظر فرأى راشد الدين قد وقف وانتصب كالصنم ثم خطا خطوة نحو القتيل وصاح به وهو يشير إليه بإصبعه كأنه يهدده: «ألم يقتلك هذا الكردي؟ قل!»

كان السكوت مستوليًا على الحضور وقلوبهم تخفق تطلعًا إلى ما يكون، فسمعوا القتيل يقول بصوت ضعيف: «بلى هو قتلني!»

فسأله ثانيًا: «بماذا قتلك؟»

فأجاب: «بخنجره!»

فلما سمع عماد الدين ذلك اقشعر بدنه. كيف لا وقد سمع الميت يتكلم وهو على ثقة من تلك الحادثة لأنه رآها بنفسه؟! أما راشد الدين فرجع إلى مقعده وأشار إلى بعض الوقوف بين يديه من رجاله أن يذهبوا بالرجل إلى السجن وأن يدفنوا القتيل ففعلوا. وقد استولت الدهشة على الحضور ولا سيما عماد الدين.

وبعد قليل أشار راشد الدين إلى الوقفين في مجلسه بالانصراف ولم يبقَ غير بعض خاصته الملثمين، وأومأ إلى عبد الرحيم أن يقدم عبد الجبار فقاده بيده حتى أوقفه بين يديه، فوقف وركبتاه ترتعدان من التهيب وقد عظم أمر راشد الدين في خاطره.

فوجَّه هذا كلامه إلى عماد الدين قائلًا: «وأنت يا عبد الجبار، أرجو أن تصدقنا ولا تفعل كما فعل ذلك الكردي، أنت كردي أيضًا لكنني أقرأ في وجهك الصدق. أنت تطلب الانضمام إلى رجالنا؟» قال: «نعم يا سيدي.»

قال: «وهل تعلم ما أنت مقدم عليه من الأمر العظيم؟» قال: «نعم.»

قال: «لا تخدع نفسك إذا كنت مترددًا أو خائفًا ارجع من حيث أتيت. ونحن إنما نطلب رجالًا أهل بسالة وصدق. وهل تعرف الخطر الذي يحدق بك؟»

قال: «نعم.»

فتنحنح وقال: «وما الذي حملك على هذا الأمر؟» قال: «أن أتشرف بخدمة مولانا الشيخ الأعظم.»

قال: «من أين أتيت؟» قال: «من بيت المقدس.» وخاف أن يسأله عن حقيقة غرضه فيكشف أمره ويقع في خطر الموت. فارتعدت فرائصه لكنه تجلَّد وصبر.

فقال له راشد الدين: «أنا أعلم أنك قادم من بيت المقدس الآن، ولكنني أحب أن تخبرني عن المكان الذي جئت منه قبل بيت المقدس.»

فتحيَّر في الجواب وسكت وهو يفكر في هل يصدقه أم لا. وخاف أن تكون كرامة راشد الدين دلته على حقيقة غرضه الذي جاء من أجله فتلعثم لسانه. فلم يصبر راشد الدين عليه فقال: «يظهر أنك خائف. لا تخف يا بني. إنك شاب شهم ولست من طبقة أولئك الزعانف الجهلاء. أنا لا أكلفك أن تقول شيئًا، وإنما أستفهم شعرة من شعرك وهي تنبئني.» وأشار إلى عبد الرحيم أن يأتيه بشعرة من ذؤابة عماد الدين فجاءه بها فتناولها بين السبابة والإبهام وجعل يخاطب الشعرة قائلًا: «يا شعرة عبد الجبار، قولي لي أين كان صاحبك قبل بيت المقدس؟»

فسمع عماد الدين الجواب آتيًا من ناحية الشعرة ضعيفًا كأنه صادر عن وتر رنان وهو: «من القاهرة!»

فقال: «قولي لي أين كان صاحبك هناك ومَن هو؟»

فقالت: «كان عند يوسف صلاح الدين وهو من رجال خاصته.»

فلما سمع عماد الدين ذلك أوشك أن يسقط على الأرض من الارتعاد، وأطرق لا يحير جوابًا. وخاف أن يواصل الأسئلة ويطَّلع على سر قدومه إلى هناك. مرت عليه دقيقتان هما أطول من سنة. ثم رأى راشد الدين تنهد عند سماع اسم صلاح الدين ورمى الشعرة من يده وقال: «صلاح الدين يوسف؟ أطال الله بقاءه.»

فاستغرب عماد الدين قوله وانتعشت آماله، لكنه ظل ساكتًا. فقال راشد الدين: «كيف فارقت صلاح الدين، هل هو في صحة وسلامة؟» قال: «نعم يا سيدي.»

قال: «الحمد لله على ذلك.» ولحظ عماد الدين تغيرًا في وجه راشد الدين لم يفهم سببه. لكنه ما زال خائفًا من افتضاح أمره حتى سمع راشد الدين يخاطبه قائلًا: «أحمد الله على سلامة صلاح الدين، والآن هل أنت مصمم على الانضمام إلى رجالنا؟» قال: «نعم يا مولاي.»

قال: «أتعلم ماذا يُطلب منك؟» قال: «لا، لكني طوع أمر مولاي فيما يريد.»

فابتسم راشد الدين ابتسامة لم تغيِّر شيئًا من انقباض سحنته وقال: «أعجبني جوابك يا عبد الجبار. وأنت إذا أُتيح لك أن تكون من رجالنا كسبت الدنيا والآخرة. لكن ذلك ليس بالأمر الهين.» قال ذلك ووقف وأشار إليه أن يتبعه، فتبعه وهو يسترق النظر إلى عبد الرحيم استئناسًا برأيه ولو بالإشارة. فرآه يشجعه ويطمئنه. حتى وصل راشد الدين إلى جانب من جوانب تلك القاعة الواسعة المظلمة فوقف وقال لعماد الدين: «انظر هنا.» وأومأ بإصبعه إلى حفرة بين يديه.

فنظر فإذا هو على شفا هوة لا قرار لها. فقال له: «إذا كنت صادقًا فيما تقوله فألقِ بنفسك في هذه الهوة!»

ونظر عماد الدين إلى الحفرة فلم يشك في أنه إذا أطاعه فسيُقتل لا محالة. فالتفت إلى عبد الرحيم خلسة فإذا هو يشجعه ويشير إليه بعينيه أن يخطو. وهو واثق بصدق صديقه، لكنه خاف أن يكون في الأمر دسيسة وأن راشد الدين اطلع على حقيقة مهمته فأراد الانتقام منه على هذه الصورة. على أنه تذكر ما نبهه إليه عبد الرحيم من قبل وهو لم يتعوَّد الخوف أو التردد فسبقت قدمه إلى الوثوب نحو فوهة تلك الهوة مدفوعًا بوعده وشجاعته. فإذا هو قد تلقته عارضة برزت وغطت تلك الفوهة. وفُتحت فوهة أخرى في المكان الذي كان واقفًا عليه. فلم يصدِّق أنه لا يزال حيًّا.

أما راشد الدين فأمسكه بيده وهو يقول: «الآن تأكدت صدقك. ولو لم تصدقني لقُتِلت؛ لأن فوهة الهوة تحولت إلى موقفك الأول.» وأشار إليه أن يتحول نحو القاعة وهو يقول: «استحققت النعمة التي تطلبها. إنك منذ الآن من أبنائي الصالحين.»

وعاد راشد الدين إلى مجلسه وأشار إلى واحد من الخدم الوقوف بين يديه بالإشارة أن يتبعه بقدح فأتاه به، فتناوله وصبَّ فيه سائلًا من إناء بجانبه وقال: «هذا ماء الحياة وطريق النعيم إذا كنت صادقًا، وهو سم قاتل إذا كنت كاذبًا. فإذا كنت على وعدك بالطاعة وصدق النية فاشربه.»

فتناوله وتردد لحظة وهو ينظر إلى صديقه عبد الرحيم فرآه يشجعه فشرب ما في القدح وأومأ إليه الشيخ أن يقعد. فقعد وأحس بعد قليل بالخدر ثم غاب عن رشده.

•••

ولا تسل عن دهشته لما أفاق من غيبوبته وفتح عينيه فرأى نفسه في حديقة كالجنة بما يصفونها به من جري الأنهار وتعانق الأشجار وتجاوب الأطيار من صادح وسابح. وأول ما نبهه من رقاده نسيم مر على وجهه ويد لمست جبينه. فإذا هي يد غادة أو حورية كأنها البدر عليها ثوب يجللها لكنه لا يكسوها لشفافته. وبيمناها مروحة من ريش النعام تروِّح له بها. وقد وضعت يسراها على جبينه كأنها تمسح عرقه فظن نفسه أول وهلة في حلم وخاف إذا نهض أن يفقد تلك المناظر البديعة فصبر قليلًا، فإذا بتلك الحورية تخاطبه بصوت رخيم قائلة: «انهض يا حبيبي إلى متى الرقاد؟»

فنهض ونظر إلى نفسه فرأى عليه ثوبًا يشبه أثواب الأمراء لم يرَ على السلطان صلاح الدين أحسن منه. وعلى رأسه عمامة من نسيج مزركش بالقصب. وقد جلس على بساط من أجمل أبسطة عصره عليه الصور المنسوجة بالذهب. وقضى برهة وقد أخذته الدهشة ينظر تارة إلى نفسه وطورًا إلى تلك الحورية، وآونة لما بين يديه أو لما يقع عليه بصره من الأشجار والأزهار وما يسمعه من خرير الماء وتجاوب الأطيار، وما يفوح من الروائح العطرية مما لم يرَ مثله ولا خطر بباله.

وبينما هو يفكر في ذلك تقدمت إليه تلك الغانية وقد أزاحت نقابها عن رأسها وأرسلت شعرها الذهبي على كتفيها وهي تنظر إلى عماد الدين بعينين تكادان تنطقان بعبارات الحب وتشكيان لواعج الغرام. على أنه تجلَّد ونظر إليها وصبر لما يبدو منها فمدت يدها للمصافحة فناول يده وهو ما زال يحسب نفسه في رؤيا، فقبضت على أنامله وهي تقول: «ما بالك يا عبد الجبار ما زلت تحسب نفسك في منام؟ أنسيتَ أنك شربت ماء الحياة من يد مولانا الشيخ الأكبر؟ إنك في الجنة الآن التي لا يدخلها إلا المستحقون؟»

فتذكر القدح الذي شربه من يد راشد الدين فغلب على اعتقاده صدق دعوى ذلك الرجل وأنه في الواقع انتقل إلى الجنة بأنهارها وأشجارها وأطيارها، وأن هذه المرأة حورية من حورها. ثم تذكَّر سيدة الملك فأجفل وقال في نفسه: «ما لهذه المرأة تهم بقلبي لتختطفه وهو ليس لي؟» وتباعد عنها فتباعدت، وبان العتب في وجهها وتحوَّلت عنه ثم غابت عن عينيه.

فتركها ومشى على أرض مكسوة بالعشب الأخضر اللون كالبساط المزركش وقد فاحت منه الروائح المنعشة، فوقع بصره عن بُعد على قناة يجري فيها الماء لامعًا كأنه الزلال، وعلى ضفتيها أشجار الفاكهة وقد وقعت أشعة الشمس من خلال الأغصان على ذلك الماء وهو يجري فتلوَّن بألوان قوس قزح. فدنا من تلك القناة ووقف على ضفتها ينظر إلى الأشعة الواقعة على الحصى في قاعها كيف تتكسر وتتلون. وأنه لفي ذلك إذ رأى في الجانب الآخر حورية برزت من بين الأشجار ومشت نحوه وهي تبتسم له. فسرَّه أن بينه وبينها قناة تحول دون وصولها إليه، وتوقَّع أن تقف على الضفة الأخرى وتخاطبه. فإذا هي تجاوزت الضفة ولم تزل ماشية إليه فوق سطح الماء ولم تبتل قدماها.

وتعاظمت دهشته لما رآها وصلت إليه وقدماها العاريتان تنتقلان فوق سطح الماء الجاري لا تقع فيه ولا تعكره أو تعيق سيره. فتحقق لديه أنه في مكان غير الأرض، وأن أولئك الحور من الملائكة. وصلت تلك الحورية إليه والهواء يعبث بشعرها ويلاعب أطراف ردائها. وبسطت يدها نحوه كأنها تستقبله وهو يحارب هواه ويتذكر سيدة الملك وحبها إياه ويهم بالابتعاد، فرأى وجه تلك الحورية شيئًا يشبه ملامح حبيبته فذعر وتفرس فيها جيدًا وحدثته نفسه أن تكون هي بعينها وأن مجيئها إلى تلك الجنة من جملة معجزات راشد الدين. فوقف ريثما وصلت الحورية إليه ومدت يدها نحوه، فمد يده وتصافحا وهو يتفرس في وجهها فكانت كلما دنت منه بعدت المشابهة بينها وبين سيدة الملك. لكنه استأنس بها وأحب أن يحادثها عما يراه. فلما دنت منه فاحت رائحة الطيب من ثوبها فوضعت يدها على كتفه فاقشعر بدنه فقال لها: «من أنت يا هذه وأين أنا؟»

قالت: «ألا تعرف أين أنت؟ إنك في جنة شيخ الجبل مولانا الإمام الأكبر.»

قال: «وهذا مقر أتباعه أجمعين؟»

قالت: «نعم. ولكن لا يمكث فيها إلا مَن أحسن البلاء في طاعته.»

وأمسكت بيده ومشت فمشى، وأومأت إليه أن يتبعها فوق تلك القناة فتردَّد هنيهة فجذبته بيده وهي تقول: «لا تخفْ امشِ.» فمشى فإذا هو يخطو على شيء صلب يفصل بين قدميه وبين الماء. فظن الماء جمد تحت قدميه. ووصل إلى الجانب الآخر وسار مع الفتاة وهو شديد الرغبة في معرفة حقيقة ما يراه، فلما سمع قولها قال: «هل أنا باقٍ هنا؟»

قالت: «أنت حديث العهد، وإنما جئت لترى ما أعده المولى لأتباعه ومريديه إذا قاموا بأوامره. وعسى أن تكون من المستحقين.»

فعلم أنه هناك إلى أجل ولا يلبث أن يعود. فمشى لترويح النفس وعيناه تنتقلان بين الأشجار والرياحين ويرى الأطيار تتنافر بين أيدي تلك الحورية، وفيها الكراكي والطواويس بألوانها الجميلة. والبلابل والحساسين تتجاوب بالتغريد أو الزقزقة. والفتاة تناديها فتأتيها وتقع على كتفيها أو على يدها وتنتقل كما تأمرها كأنها تفهم لغتها.

ثم سمع عماد الدين زئيرًا علم أنه زئير الأسد، وكان قد سمعه مرارًا فأجفل وقال: «أليس هذا زئير الأسد؟»

قالت: «بلى، وهل خفته؟ إن الأسود لا تؤذي أهل هذه الدار.» ومشت حتى دنت من مربض لأسد تحت شجرة، فإذا هو مقعٍ وعيناه تبرقان لكنه لم ينتقل من مكانه، فتقدمت الفتاة إليه ومدت يدها إلى رأسه وعبثت بشعره كما تعبث بشعر الهر فلم يتحرك، فاستغرب عماد الدين ذلك أيضًا.

وجاء إلى السير فوقع نظره في بعض جوانب الحديقة على غرف مفردة تغطيها الأزهار والأغصان فسألها عنها فقالت: «هذه مساكن الذين استحقوا البقاء هنا يتمتعون بالملذات والنعيم، لا يعكر عليهم ذلك أحد.»

وبعد المسير برهة بين صعود وهبوط وقفت به الفتاة عند حائط وقالت له: «انظر إلى هنا.» فنظر من كوة في الحائط تشرف على وادٍ أجرد لا شيء فيه من الماء ولا الخضرة. فأجفل لما رآه هناك من الثعابين والوحوش المفترسة تسرح بين جماجم البشر فقال لها: «أظن هذه هي الجحيم.»

قالت: «نعم هذه هي، فلو لم تُطِع الشيخ الإمام لكنت في عداد المغضوب عليهم هنا.»

لم يشأ أن يقف هناك طويلًا. فتحوَّل وعادت معه حوريته وهي تلاطفه وتقطف من الثمار وتعطيه وهو كالتائه في أفكاره لا يدري ماذا يرى. وإذا هو يسمع صوتًا اهتزت له جوارحه وجمد الدم في عروقه؛ لأنه صوت سيدة الملك كأنها تستغيث به. فأخذ يتلفت يمينًا وشمالًا وهو يحسبها على مقربة منه والحورية تنظر إليه بذهول قائلة: «ما بالك؟ ما الذي أوقفك؟» قال: «ألا تسمعين شيئًا؟» قالت: «كلا، ماذا تسمع؟»

فأطرق وهو يصيخ بسمعه فلم يعد يسمع شيئًا. فرجح عنده أنه مخطئ وأنه سمع ما سمعه لفرط تفكيره في سيدة الملك، فأتت روحها لزيارته أو هو صوتها جاء للسلام. لكنه لم يطمئن إلى هذا الفكر والصوت الذي وصل إليه صوت استغاثة، وساءل نفسه أهي في شدة؟ وإذا كانت كذلك فما أجدره أن يسعى في إغاثتها.

وكان قد شعر بارتياح إلى تلك الحورية لحسن أدبها وكثرة ما بذلته في سبيل استرضائه واجتذاب قلبه، وهو شاب في مقتبل العمر، فغلب على اعتقاده أنه في جنة أو مكان يشبه الجنة جاءه بكرامة أو معجزة من معجزات راشد الدين، وأوشك أن يشتغل عن سيدة الملك. فلما سمع ذلك الصوت توهَّم أنه صوت ضميره يناديه بالثبات على حب حبيبته فلا يشتغل عنها بسواها، فأحس بانقباض، وودَّ الخروج من ذلك النعيم.

وفيما هو يفكر في ذلك لا يلتفت يمينًا ولا شمالًا سمع وقع خطوات غير خطوات رفيقته فالتفت فرأى غلامًا كالبدر طلعة وبهاءً قد تمنطق بمنطقة من الخز أرسل جانبًا منها إلى الأمام كالمئزر، وأرسل شعره ضفائر ذهبية وعليه ثوب سماوي اللون، فلما دنا من عماد الدين انحنى انحناء الاحترام وقال بصوت رخيم: «ألا يتفضل المولى لتناول الغداء؟»

فالتفت إلى رفيقته كأنه يستزيدها بيانًا فابتسمت له قائلة: «تفضل يا مولاي إلى الطعام فقد آن وقت الغداء.»

وكان في شغل عن الطعام، فلما ذُكر له أحس بالجوع. فمشى في طرقة مسواة كأنها فُرشت بالزعفران يحف بها من الجانبين سياج من الأزهار الجميلة، ينتهي في آخره بباب كباب القصر الفخم. وقبل الوصول إلى الباب فاحت روائح الطعام الشهي مما لم يُعرف مثله إلا في قصور الفاطميين في أثناء الأعياد. ولما اقتربوا من ذلك الباب فتح بنفسه، وتقدم غلامان آخران يرحِّبان بالقادم ومشيا بين يديه من باب إلى باب حتى وصل إلى غرفة المائدة وهو يلتفت إلى الجانبين، وقد أدهشه ما على جدران الممرات من الستائر المصورة تمثل البساتين والقصور ومواقف البذخ والرخاء، وتلفت النظر وتجتذب القلب. وأما غرفة المائدة فقد ذهبت برشده وأوقفته موقف الحيرة ونسي مكانه لأن جدرانها الأربعة مكسوة بالمرايا على طول الحائط. فيظهر الشخص الواحد عشرات من المرات من كل جانب.

فتقدمت الفتاة أولًا وأشارت إلى عماد الدين أن يتفضل فجلس على مقعد مغشى بالديباج المزركش، وبين يديه مائدة مكسوة بملاءة من الحرير الوردي، ولم تمضِ دقائق قليلة حتى تواردت الأطباق وعليها الألوان من اللحوم والفاكهة. وجلست تلك الحورية بجانب عماد الدين وهي تلاطفه وتقدِّم له اللقمة بعد اللقمة وتبالغ في إكرامه، والغلمان وقوف بين أيديهما للقيام بالأوامر، فعاد عماد الدين إلى نسيان سيدة الملك وقد سحرته تلك الفتاة بجماله ولطفها. ولا سيما بعد أن دارت الأقداح وفيها الخمور اللذيذة، فأصبح لا يعرف غير تلك الساعة وقام في ذهنه أنه في النعيم الحقيقي.

ولما رأت الفتاة ميله ورضاه أخذت في الإعراض عنه وهو يزداد شغفًا، وقد زادته الخمور اندفاعًا حتى أصبح يتزلَّف إليها ويغازلها وهي تتمنَّع فلما تحققت افتتانه بها قالت: «لا تخرج عن حدك، فأنت إنما جئت إلى هنا على سبيل التجربة. وليس الوصول إلى ما تطمع فيه سهلًا. إن من دونه بذل النفس في طاعة الإمام الأكبر.»

فشقَّ عليه هذا الإعراض لكنه زاد افتتانًا وقال: «قد كنت منذ هنيهة تتقربين وأنا أبعد فهل كنتِ تخادعينني؟»

قالت: «كلا، ولكن لا بد أن تأتي عملًا يؤهلك إلى المقام في هذا النعيم دائمًا، وعند ذلك أكون طوع إرادتك، وإذا خاطبت الأطيار أجابتك، وتجد النعيم الحقيقي من كل شيء. وليس ما تراه إلا مثالًا صغيرًا من ذلك النعيم فعسى أن تعمل عملًا يؤهلك لبلوغه. والحق يُقال إني فُتنت بجمالك وبسالتك، وشعرت نحوك بما لم أشعر به قبلًا نحو أحد. ولكنني لا أقدر أن آتي أمرًا يخالف رضا مولانا، ولا أقدر أن أخفي عليه شيئًا؛ لأنه فاحص القلوب يطَّلع على خفايا السرائر، ولكنني تأكيدًا لعلائق المودة بيننا أدهن شعرك بطيب خاص بي.» قالت ذلك واستخرجت علبة من بين أثوابها فتحتها ففاحت منها رائحة لم يشم مثلها في حياته. فأخذت بعض الطيب ودهنت به يديه وشعره. فلذَّ له ذلك وطابت نفسه. ثم قالت: «احفظ هذه الرائحة تذكارًا بيننا حتى نلتقي اللقاء الدائم إن شاء الله.» وبان الإعجاب في عينيها فازداد هو تهيبًا من ذلك الشيخ العجيب، فسكت.

وبعد الفراغ من الطعام والشراب أحس عماد الدين بميل إلى النعاس فتوسَّد فراشًا من الحرير المحشو بريش النعام وتلك الحورية إلى جانبه تداعبه وتعرض عنه، ولم تمضِ دقائق قليلة حتى غلب عليه النوم واستغرق في رقاده.

وأفاق في اليوم التالي فإذا هو في قاعة راشد الدين كما كان من قبل وعليه الثوب الأبيض وشعره محلول. فجعل يتلفت يمينًا وشمالًا وينظر في ثوبه فتبادر إلى ذهنه أول وهلة أنه رأى حلمًا. ثم ما لبث أن شم رائحة الطيب في شعره ويديه فلم يبقَ عنده شك أنه رأى ما رآه حقيقة. وانتبه بعد قليل لنفسه فرأى راشد الدين جالسًا كما تركه، ورأى صديقه عبد الرحيم بجانبه. فهشَّ له وضمه إلى صدره، فقال له عبد الرحيم: «إن رائحة الجنة تنبعث من شعرك، هنيئًا لك وعسى أن يُتاح لك النعيم الدائم. قم واجثُ عند قدمي مولانا وقبِّل ركبته وادعُ بطول بقائه.»

فنهض وترامى على قدمي الشيخ عن اعتقاد صحيح بكرامته. وقبَّل ركبته فمنعه ودفع إليه يده فقبَّلها، ثم قال له الشيخ: «أنت الآن من أبنائنا الفدائيين، ويلوح لي أنك لا تلبث أن ترتقي إلى مصاف المستنيرين. قم إلى غرفتك وقد أوصيت الشيخ دبوس بك خيرًا. ولكنني أحب قبل خروجك أن أزودك بعهد مني.» قال ذلك ونهض وأنهض عماد الدين معه وهو يحدِّق في عينيه وعماد الدين يشعر بقوة تنبعث من عيني ذلك الرجل وتوشك أن تغلبه على أمره. وقد قبض الشيخ على يدي عماد الدين بيديه قبضًا شديدًا.

ومكث كذلك عدة دقائق ثم صاح به: «افتح فمك.» ففتحه فتفل فيه وقال: «كن فدائيًّا مطيعًا.» وتركه وأشار إلى عبد الرحيم أن يذهب به إلى غرفته.

فمشيا إلى غرفة الشيخ دبوس وهما صامتان، وقد استولت الدهشة على عماد الدين وأصبح كالمأخوذ أو مَن أصابه السِّحر. فلما وصلا إلى الشيخ دبوس بدَّل عماد الدين ثيابه وهنَّأه دبوس بما ناله من رضا الشيخ الأكبر، وأعاد إليه خنجره ونقوده وجواهره وأصبح واحدًا منهم.

على أنه حالما عاد من دار النعيم التي كان فيها، عاد إلى ذكرى صلاح الدين وسيدة الملك، فأصبح همَّه أن يخلو بعبد الرحيم ليسأله سؤالًا شغل خاطره بالأمس، وهو قول راشد الدين: «أطال الله بقاء صلاح الدين.» فإنه لم يقدر على تعليله وهو يعلم تعمده قتله مرارًا.

أما عبد الرحيم فاستأذن صديقه عبد الجبار في الغياب تلك الليلة التي عينوها لترقيته إلى درجة المستنيرين. فبات عماد الدين على أحر من الجمر وقد تراكمت عليه الهواجس وأخذته الغرائب. وكلما تضوعت رائحة الطيب من شعره تذكر تلك الفتاة وما لقيه هناك من أسباب السعادة.

نام تلك الليلة نومًا متقطعًا، وما كاد يطلع النهار حتى جاء صديقه عبد الرحيم والبِشر يتجلَّى في عينيه فنهض عماد الدين وقبَّله وقال: «قد أصبحت منذ الآن أرقى مني، ولا يحق لي أن أناديك أخي كما كنت أفعل.»

فضحك عبد الرحيم وقال: «إن صداقتنا أمتن من ذلك كثيرًا، كنا غريبين وتحاببنا ونحن الآن أخوان على عهد واحد. ولا تلبث أنت أن ترتقي إلى مثل رتبتي. أتمنى ذلك لك قريبًا، بل أنا أتوقعه عن ثقة.»

ولم يكن ذلك الشرف ليهمه، وإنما همه استطلاع رأي راشد الدين في صلاح الدين، فإذا علم أنه ما زال ينوي قتله عاد إلى مهمته الأولى. وأما إذا تحقق صدق دعائه له بطول العمر كان له رأي آخر فقال: «أما أنا فلا أتوقع قرب الترقي كما تظن. ويكفيني أن تكون لي صديقًا. ولا أحب أن أحملك ثقل صداقتي لشيء أطمع فيه على يدك، وإنما أتقدم إليك أن تفسِّر لي كلامًا قد سمعته من الشيخ الأكبر بالأمس فوقع عندي موقع الاستغراب ولم أصدِّقه وهو قوله «أطال الله بقاء صلاح الدين» مع أني أعلم أنه بعث أناسًا لقتله غير مرة.»

فابتسم عبد الرحيم وهو ينظر إلى عماد الدين ويهم بالكلام ويمسك نفسه، فلما رآه عماد الدين يتردد قال له: «إذا كنت تعرف الحقيقة فأرجو أن تخبرني بها؛ لأن ذلك يهمني كما تعلم. ولعلك من أعلم الناس بأمري مع هذا السلطان.»

فاعتدل عبد الرحيم في مجلسه وأظهر الاهتمام وقال: «اعلم يا صديقي عماد الدين أن عبارة الشيخ الإمام التي ذكرتها كانت مغلقة عليَّ إلى مساء الأمس، فلما صرت من المستنيرين دخلت في جملة ما عرفته. وليست هي سرًّا اؤتمنت عليه مثل سائر أسرار هذه العشيرة، لكنني اطَّلعت عليه عَرضًا، ولذلك لا يمنعني الواجب ولا الخوف من أن أجيبك عن سؤالك.»

فتطاول عماد الدين بعنقه وقال: «قل بالله. هل يريد الشيخ الأكبر حقيقة أن يطول بقاء مولاي صلاح الدين؟»

قال: «نعم، إنه يتمنى ذلك من كل قلبه، وهو يطلبه ليل نهار.»

قال: «يا للعجب! كيف يبعث مَن يقتله ثم هو يدعو بطول بقائه!»

قال: «لعلك تعني ما حدث لصلاح الدين قبيل خروجك من مصر؛ إذ نهض في الصباح فوجد الخنجر فوق رأسه ورسالة التهديد بجانبه.»

قال: «نعم، هذا ما أعنيه.»

قال: «هذا دليل على رغبة الشيخ الأكبر في طول بقاء صلاح الدين، ولولا ذلك لأمر الفدائي الذي تمكَّن من الدخول عليه حتى غرس الخنجر في وسادته عند رأسه بأن يغرسه في صدره ولم يكن ثمة ما يمنعه. ولكنه أمر أن يكتفي بالتهديد لرغبته في بقائه حيًّا.»

فاستغرب عماد الدين ذلك وقال: «لكنني لم أفهم الباعث على تلك الرغبة، وهذا شيخنا — حفظه الله — قد اشتهر فتكُه بالملوك والسلاطين. ولم يبقَ فيهم مَن لا يخافه حتى صلاح الدين نفسه، فكيف هو يحب بقاءهم أحياء و…»

فقطع كلامه قائلًا: «لا. لا. إنه لا يلتمس طول البقاء لأحد من هؤلاء غير صلاح الدين.»

فقال: «لماذا؟ أرجو أن تفصح لي.»

قال: «السبب يا أخي أن شيخنا — أيده الله — عَلِم بالوحي أنه يموت في نفس السنة التي يموت فيها صلاح الدين، فمن مات منهما قبل صاحبه لا بد للثاني أن يتبعه في تلك السنة. فهو لذلك حريص على حياة صلاح الدين حرصه على حياة نفسه. وهل عندك شك في صدق هذا الشيخ العظيم. قد رأيت من معجزاته ما يكفي، وإن كان قليلًا من كثير.»

فأطرق عماد الدين وأخذ يفكِّر فيما سمعه، وما لبث أن صدَّق ما قاله راشد الدين بعد ما شاهده بنفسه. فاعتقد موت الرجلين في سنة واحدة، ورأى أن من مصلحة صلاح الدين أن يطول عمر راشد الدين. فتحوَّلت همته إلى المحافظة على حياة هذا الرجل لا قتله. وعدَّ مهمته قد انقضت وأصبح يميل إلى الخروج من ذلك الحصن والإسراع إلى صلاح الدين لينقل إليه تلك البشرى ويرى حبيبته سيدة الملك. واعترضت أفكاره رائحة الطيب ومناظر تلك الجنة، لكن الحقيقة تغلَّبت على الوهم واشتد ميله إلى الخروج، ولا سبيل إلى ذلك إلا أن يرسله راشد الدين في مهمة لقتل أحد الملوك أو الأمراء، فالتفت إلى صديقه عبد الرحيم والامتنان بادٍ في وجهه وقال: «لا أنسى صداقتك يا عبد الرحيم، إني أشعر بصدق مودتك شعورًا يكاد يُلمس باليد. ولذلك كانت ثقتي بك عظيمة، فلا ينبغي لي أن أخفي عليك شيئًا، فهل تأذن لي في أن أستخدم تلك الثقة؟»

قال: «قل ما بدا لك، فأنت في موضع ثقتك.»

قال: «لا حاجة بي إلى بيان الأسباب التي تلجئني إلى سرعة الخروج من هذا الحصن، فأنت تعلم علاقتي بمصر، فأتقدم إليك أن تساعدني في ذلك.»

قال: «خروجك لا يتم إلا إذا دبَّروا لك مهمة تذهب في إنفاذها لقتل كبير من الكبراء.»

قال: «فليكن ذلك، وأنا فاعل ما يأمرون به.»

قال: «أمهلني يومًا أو يومين لأغتنم فرصة تساعدني.»

قال: «إني في انتظار وعدك بارك الله فيك.»

قال: «واسمح لي بالذهاب الآن، فإن عليَّ واجبات تتعلق برتبتي الجديدة لا بد من إنجازها وسأعود إليك بما أُوفَّق إليه.»

قال: «أشكرك يا أخي.»

ونهض عبد الرحيم وانصرف.

•••

لما خلا عماد الدين بنفسه بعد ما انتابه من الأهوال وما مر به من الغرائب، أخذ يفكر فيما رآه وسمعه فلم يزدد إلا استغرابًا، وراجع ما كان يسمعه عن تدجيل ذلك الزعيم فأخذ اعتقاده بكراماته يضعف، ولكنه لم يستطع تعليل ما شاهده من المعجزات تعليلًا معقولًا. كيف يطلع على الوقائع قبل وصول أخبارها؟ وكيف يكلِّم الميت فيجيبه؟ والشعرة فتطلعه على السر؟ وهذه الجنة بما فيها من الطيبات والحور اللواتي يمشين على سطح الماء فلا يُعكَّر ويخاطبن الأطيار فتطيعهن ويلاعبن الأسود فلا تؤذيهن؟! فإذا تمثلت له هذه الظواهر لم يرَ مندوحة عن الاعتقاد بكرامة الشيخ راشد الدين.

وتعب من التفكير فخطر له أن يتمشى في ذلك الحصن، ولم يبقَ ثمة ما يمنعه؛ لأنه أصبح من أهله. فنهض ومشى فرأى أرض الحصن وما يحيط به خلوًا من النبات إلا ما وراء ذلك الجبل من السهول البعيدة فتذكَّر ما شاهده بالأمس من أمثال النعيم من الأشجار والأنهار، فمال إلى استطلاع خبره وأين يمكن أن يكون. فصعد إلى بعض المرتفعات لعله يشرف منها على تلك الحديقة فلم يُوفَّق إلى شيء من ذلك لكنه وقع نظره وهو يجيل بصره في السهل الذي نزل فيه يوم وصوله إلى هناك على رَكْب لم يستطع أن يتبين وجوههم لبُعدِ المسافة. ولما اقتربوا وجدهم ملثمين وهم بضعة فرسان في ركابهم جماعة من المشاة كالخدم. فلم يهمه أمرهم وعاد إلى التفكير فيما هو فيه من الهواجس التماسًا لسرعة الخروج من هناك.

وحدثته نفسه أن يفر فوجد ذلك مستحيلًا عليه إلا بالتعرض للخطر الشديد وهو في غنى عن ذلك إذا استعان بصديقه عبد الرحيم، ولا شك عنده أنه لا يدَّخر وسعًا في سبيل إنقاذه.

وأعاد نظره إلى ذلك الركب فرآهم دنوا من الجبل حتى حجبهم سفحه عن عينيه. فترجَّح لديه أنهم من ذلك الجبل أو النازلين في جواره. وأحس بالجوع فتحوَّل إلى مجتمع الفدائيين فتناول الطعام معهم ولم يجد فيهم مَن يبلغ مبلغه من علو النفس ورقة الإحساس. فازداد رغبة في الخروج من هناك ولبث ينتظر عودة عبد الرحيم وهو على مثل الجمر.

قضى ذلك اليوم واليوم التالي ولم يرَ عبد الرحيم، فاشتغل خاطره ولم يعرف سبب تخلفه. وزاد بلباله لما شاهد غياب الشيخ دبوس أيضًا عن غرفته في أثناء ذينك اليومين. وبلغه أنه في شغل شاغل مع الشيخ الأكبر للمباحثة في أمور مهمة حدثت بعد مجيء أناس وصلوا بالأمس. فتذكَّر الرَّكب الذين رآهم قادمين أول البارحة، فمال إلى استطلاع حقيقتهم فلم ينبئه منبئ؛ لأن هذه الأخبار لا يتناولها إلا الخاصة من المستنيرين. فصبَّر نفسه حتى يأتي صديقه عبد الرحيم، فلما استبطأه استفهم بعض الرفاق عنه فقيل له إنه مع نخبة المستنيرين في شاغل عند الشيخ الأكبر.

فازداد شوقًا إلى الاستطلاع لكنه لم يرَ بدًّا من الانتظار، ومضى نصف اليوم الرابع ولم يرَه، فضاق ذرعًا وأخذ الملل منه مأخذًا عظيمًا وهمَّ بالبحث عنه فإذا هو قادم نحوه، فاستقبله استقبال الظمآن للماء، فأكبَّ عليه عبد الرحيم وقبَّله وأخذ يعتذر عن تأخره قائلًا: «اعذرني يا أخي، كنت في شاغل لم يكن في الحسبان، وكلما عزمت على المجيء إليك يحدث شاغل جديد.»

قال: «نسيت قلقي واضطرابي حال رؤيتك، وأشعر أني أسبب لك تعبًا، ولكن يمكنك أن تتخلص من هذا التعب بتدبير مهمة أخرج بها من هذا الحصن. هل وُفِّقت إلى شيء من ذلك؟»

قال وهو يضحك للمداعبة: «وُفِّقت إلى نصف الطلب فقط.»

قال: «كيف ذلك؟»

قال: «أنت تطلب أمرًا بالخروج من هذا الحصن لقتل أحد الأمراء، وقد استصدرت لك أمرًا بقتل أحد الأمراء، ولكن بلا خروج من هذا الحصن.»

فاستغرب عماد الدين قوله وحمله على المزاح فقال: «بالله قل لي الصحيح، ألم تُوفَّق إلى شيء بعد؟»

قال: «أقول لك الصحيح تمامًا، قد صدر أمر الشيخ الأكبر لك أن تفتك بأمير هو مقيم في هذا الحصن.»

ورأى الجد في عيني عبد الرحيم فانقبضت نفسه؛ لأن رغبته إنما هي في الخروج فقط وليس في الفتك والقتل فقال: «أفصح يا أخي، فإنك أزعجتني بهذه البشارة. وأنت تعلم أني أطلب الخروج قبل القتل.»

قال: «أعلم ذلك، ولكن ما الحيلة وقد صدر أمر الشيخ؟ وهي ثقة كبرى فيك لأن المهمة التي سيعهد فيها إليك شاقة. وهي ستكون السبب في تعجيل ارتقائك، وقد رأيت مولانا الشيخ كثير الرغبة في ذلك.»

فأطرق عماد الدين وأعمل فكرته فيما سمعه، ولم يجد فيه حيلة فقال: «هل أعد كلامك هذا بلاغًا لي؟»

قال: «كلا. سوف يستقدمك الشيخ الإمام نفسه ويبث فيك روح العزيمة والثبات ويأمرك بما يريد. أما أنا فأخاطبك مخاطبة الصديق سرًّا لعلمي أنك في قلق.»

فقطع عماد الدين كلامه وقال: «اسمح لي يا أخي أن أقول لك إنك زدتني بهذا الخبر قلقًا.»

قال: «ستحمد عاقبة هذا القلق يا عبد الجبار.» وابتسم كأنه يكتم سرًّا لا يريد أن يبوح به.

فقال: «لم أفهم مرادك، بالله ألا خففت بعض ما بي ولو بالتلميح، أنا أعلم فضيلة المحافظة على السر. ولا أطلب منك أن تبوح بسر مقدس اؤتمنت عليه، لكنني أرجو تخفيف قلقي بعض الشيء. قل لي مَن هو الأمير أو الكبير الذي سيعهد إليَّ في قتله وهو مقيم هنا؟ إني لا أعرف كبراء هذا الحصن.»

قال: «هو ليس من كبرائنا، وإنما هو طارق جاءنا منذ يومين.»

فتذكَّر عماد الدين الرَّكب الذين رآهم قادمين في ذلك السهل فقال: «رأيت ركبًا قادمًا إلى هذا الجبل منذ بضعة أيام لعله كان فيه؟»

قال: «نعم هو جاء في ركب. أعلم أني أسر إليك أمرًا خطيرًا.»

وخفض صوته، فقال عماد الدين: «علمت ذلك، ولكنني أستغرب قدوم هذا العدو ليلقي حياته بين يدي عدوه.»

قال: «ليس هو عدوًّا للشيخ، بل هو من أصدقائه وأخص أخصائه. تفارقا وهما صغيران قبل أن تصير المشيخة إلى مولانا راشد الدين. ولعلك تعلم أن مولانا هذا قبل أن صارت إليه الإمامة كان يقيم في مكان اسمه «عقر السدن» وخدم شيخ الإسماعيلية في «ألاموت» بالديلم، وتفقَّه على يده في العلم والدين، ثم انتقل إلى سوريا ونزل في حلب وأخذ يعظ ويعلِّم واشتهر بالتقوى، فتقاطر إليه الناس أفواجًا. وكان يجلس على صخر ويعظهم وهو جامد كالصخر. وإنما سحر الناس ببيانه فكثر أصحابه ومريدوه. وكان شيخ الإسماعيلية يومئذٍ رجلًا اسمه أبو محمد فخافه على منصبه وبعث إليه مَن يقتله فاختفى في كهف قرب حلب وما زال مختفيًا حتى ضعف أمر أبي محمد فخلفه وانتقل إلى هذا المكان. هذه خلاصة سيرة مولانا. فضيف اليوم من أعز أصدقائه الذين جاهدوا في نصرته ورافقه إلى الكهف ثم شُغل عنه بالأسفار. وعاد الآن في مهمة لا أعلم ما هي، فلاقاه مولانا أحسن ملاقاة واختلى به غير مرة لا أدري ما دار بينهما خلالها، لكن الشائع بين رجالنا أن مولانا فرح به كثيرًا وأنه من أعز أصدقائه. ومع ذلك فإنه بعث إليَّ بالأمس سرًّا وأخبرني عن تقديره بسالتك حق قدرها، وسألني إذا كنتَ تليق بمهمة خطيرة، فأكدت له اقتدارك على ذلك وأنك راغب في مهمة يعهد فيها إليك. ولم أكن أحسب أنها داخل هذا الحصن. فرأيته أبدى اهتمامًا كثيرًا ووضع فيَّ ثقة كبرى وأسرَّ إليَّ بأنه يحب أن يتخلص من هذا الصديق القديم على يدك.»

وكان عماد الدين في أثناء حديث عبد الرحيم مصغيًا يفكِّر في دهاء هذا الطاغية وكيف أنه عمد إلى الفتك بصديق قديم له؛ لأنه رأى بقاءه حجر عثرة في طريقه. فضعف اعتقاده بكرامته لأنه لا يعرف ولاية أو كرامة تأمر بخيانة الأصدقاء. وأخذ ظنه يتغيَّر فيه. وأصبح يخافه على نفسه، ولكنه لم يجسر على التصريح به فقال: «الحقيقة أنها ثقة عظيمة في كلينا، ولكن هل أنت واثق أن الرجل المشار إليه كان من أصدقاء مولانا الشيخ؟»

قال: «إني على ثقة تامة. وقد يخطر لك أن تنتقد عمل الشيخ؛ لأنه عمد إلى قتل صديقه ولكنك ستحمد عمله بعد حين. فالآن.»

فقطع كلامه قائلًا: «ربما كان مصيبًا بعمله من حيث دفاعه عن سلطته فأعذره عليه. لكنني أصبحت منذ الآن أخاف على حياتي وحياتك.» قال ذلك بلحن التصريح عما في الضمير ولو تحت الخطر.

ووافق ذلك التصريح هوى في نفس عبد الرحيم، فابتسم ابتسامة المصادقة وقال: «لا ألومك على هذا الشك؛ لأنه خطر لي أيضًا. وهناك أمور ظهرت لي بعد انتظامي في سلك المستنيرين، ربما سنحت الفرصة لبيانها. وأما الآن فالمطلوب أن تعلم المهمة التي سيعقد فيها إليك، فلا تتردد في قبولها، وسترى أني ناصح لك.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠