الفصل الرابع

تضاريس أفريقيا

(١) المميزات العامة للتضاريس

أفريقيا في معظمها هضبة عالية تختلف في ذلك عن أمريكا أو أوروبا أو حتى آسيا، رغم وجود الهضاب العالية الضخمة المساحة في آسيا، إلا أنه لا يوجد في أفريقيا من السهول ما نجد له نظيرًا في سهول آسيا الضخمة: سهل سيبيريا الغربية، أو سهل الصين العظيم، أو سهول فيضية كبيرة كسهل الهندوستان. وعلى هذا فإن أفريقيا تأخذ مظهرًا فريدًا في تضاريسها بالقياس إلى القارات الأخرى، كما يتضح من الأرقام التالية:

القارة أقل من ٢٠٠ متر من ٢٠٠ إلى ٥٠٠م من ٥٠٠ إلى١٠٠٠م من ١٠٠٠ إلى ٢٠٠٠ أعلى من ٢٠٠٠ متوسط الارتفاع*
أفريقيا ١٥٪ ٣٥٪ ٢٨٪ ١٩٪ ٣٪ ٦٧٠
أمريكا الجنوبية ٤٣٪ ٢٦٪ ١٦٪ ٦٪ ٩٪ ٥٨٠
أوروبا ٥٧٪ ٢٧٪ ١٠٪ ٥٪ ١٪ ٣٠٠
متوسط ارتفاع آسيا ٩٦٠ مترًا، ومتوسط ارتفاع انتار كتيكا ٢٢٠٠مترًا.

وعلى الرغم من قلة السهول، فهناك مساحات كبيرة من الهضبة الأفريقية مسطحة أو مستوية أو ما يشابه ذلك؛ فهي في الواقع سهول عليا مثل سهول أمريكا الشمالية العليا. ومن الأمثلة على ذلك هضبة البحيرات التي تكون في حد ذاتها سهلًا متماوجًا على ارتفاع متوسط قدره ألف متر إلى ١٣٠٠ مترٍ، يتخلله بعض العقد الجبلية المفردة في صورة المخاريط البركانية الضخمة، وكذلك جنوب السودان وسهل الكنغو وغير ذلك كثير في أفريقيا.

وتتكون أفريقيا من الناحية الجيولوجية من هضبة عظيمة الاتساع ذات قدم تاريخي قلَّمَا يوجد له نظير؛ فأجزاء كثيرة من القارة عمرها يزيد على ٥٠٠ مليون سنة، كما أن حوالي ثلثها ينتمي إلى التكوينات الأركية التي يزيد عمرها على ٨٠٠ مليون سنة، هذا إلى جانب تكوينات أحدث تمتد غالبًا في شكل أشرطة ساحلية في النصف الجنوبي من القارة، وتشمل في النصف الشمالي حوالي نصف مساحة الصحراء الكبرى، وكلها من الصخور البحرية الإرسابية التي ظهرت كجزء من القارة نتيجة لتراجع ساحل البحر المتوسط. ونظرًا لهذا التاريخ الجيولوجي فإن أفريقيا تتكون غالبًا من عدد من الأحواض التضاريسية ذات المساحة الكبيرة التي تشغل سطح الهضبة القديمة، وهذه هي: حوض النيجر الأوسط، حوض تشاد، والحوض الليبي (الذي يجري فيه النيل الأوسط والأدنى)، حوض النيل (السودان الجنوبي والأوسط)، حوض أوغندا (تحتل بحيرة فكتوريا معظمه)، حوض الكنغو، وحوض كلهاري، وقاع هذه الأحواض مرتفع فوق سطح البحر، فمثلًا قاع حوض كلهاري عند بحيرة نجامي يبلغ ارتفاعه ٩٣٠ مترًا، وحوض الكنغو يرتفع قاعه ٣٣٠ مترًا، وحوض تشاد ٢٤٥ مترًا، وإلى جانب ذلك توجد أحواض تنخفض تحت مستوى سطح من البحر من أهمها حوض إغرغر الشمالي في جنوب شرق الجزائر، وسلسلة من المنخفضات في الجمهورية العربية وليبيا: القطارة وسيوة وجعبوب. كما تتميز أفريقيا أيضًا ببعض المنخفضات ذات التصريف الداخلي، وأكبرها حوض تشاد وحوض بحيرة رودلف في شمال غرب كينيا، والقسم الشمالي من حوض كلهاري (حوض بحيرة نجامي)، وعدد من الأحواض في الصحراء الكبرى التي تكون الواحات.

إلى جانب الأحواض الواسعة تتميز القارة بعدد من الهضاب العالية، أعلاها هضبة الحبشة وهضبة أفريقيا الجنوبية — تشتمل على هضاب باسوتو والفلد ومتابيلي وبيهي — وهضبة الحجاز في وسط الصحراء الكبرى. وتقل الجبال بكثرة في أفريقيا إذا قارناها بأوروبا ذات المساحة الصغيرة، فالجبال الحقيقية تتركز في منطقتين: الأولى في أقصى جنوب القارة في إقليم الكاب، وتتمثل في سلسلتَيْ جبال لانج برجن — وامتدادها سلسلتي تزتزيكاما، لانج كلووف — وسلسلة زفارتبرجن. والمنطقة الجبلية الثانية توجد في شمال غرب أفريقيا، حيث تمتد سلاسل الأطلس المختلفة (الأطلس الكبرى – الأطلس الوسطي – الأطلس الخلفية – أطلس الريف – الأطلس البحرية أو الشمالية والأطلس الصحراوية، بما في ذلك أسماؤها المحلية).

أما ما يُذكَر في أفريقيا بكثرة باسم الجبال مثل جبال البحر الأحمر وجبال دراكنزبرج، فليست في الواقع سوى حافات الهضبة الأفريقية أو حافات الأخدود الأفريقي، أما بقية الجبال الأخرى مثل: كليمانجارو، وكينيا، الكمرون، إيمي، كوسي، توسيدية فهي جبال بركانية مفردة تميز المظهر التضاريسي لأفريقيا عن كثير من قارات العالم لكثرة انتشارها سواء في صورتها الخامدة أو النَّشِطة.

ويلخص بعض العلماء تضاريس أفريقيا في ثلاثة أقسام هي:
  • (١)

    أفريقيا العليا: وتحتل كلَّ القسم الجنوبي ويحدها خطٌّ يمتد من مصب الكنغو إلى جبال البحر الأحمر في مصر، ويشمل هذا القسم على أعلى هضاب وجبال أفريقيا.

  • (٢)

    أفريقيا السفلى: وتشمل معظم بقية أفريقيا باستثناء منطقة شمال غرب أفريقيا. وتشمل أفريقية السفلى الصحراء الكبرى وغرب أفريقية ومعظم حوض الكنغو، وقد سُمِّيَتْ سفلى لأنها أقل ارتفاعًا من أفريقيا العليا.

  • (٣)

    أفريقيا الصغرى: وتتكون من شمال غرب أفريقيا، وتتميز بظروف مناخية ونباتية أكثر غنى ووفرة من إقليم الأجداب الصحراوي المجاور، وهذا الغنى نجَمَ عن ارتفاع سلاسل أطلس الجبلية إلى جانب وقوع المنطقة في العروض المعتدلة.

(٢) الأشكال العامة للتضاريس في أفريقيا جنوب خط الاستواء

يظهر في النصف الجنوبي من القارة أكبر جزء متكامل متصل من الهضبة الأفريقية القديمة، وتتميز هذه المنطقة بسيطرة المظهر الهضبي وقلة السهول الساحلية التي لا يزيد عرضها عن ٣٠–٥٠ كيلومترًا إلا في أحوال خاصة، مثل منطقة موزمبيق، وفيما عدا ذلك الشريط الساحلي تظهر حواف الهضبة على الفور في ارتفاعات كبيرة بالقرب من الساحل.

وكما أن الهضبة هنا أكثر وضوحًا واتصالًا من أفريقيا شمال خط الاستواء، كذلك الأحواض الطبيعية أكثر وضوحًا وتكاملًا عن أحواض القسم الشمالي.

الهضبة الجنوبية

هذه الهضبة في الواقع هي أعلى أجزاء الهضبة الأفريقية القديمة وتتحدد حافاتها بوضوح تام، وأعلى أقسامها القسم الجنوبي الشرقي، تأخذ بعد ذلك في الانخفاض في صورة هضاب متلاحقة إلى الشمال حتى الزمبيري، ثم تعبره إلى زامبيا وأنجولا وتعود للجنوب مرة أخرى، وبذلك تحصر بينها منخفضًا كبيرًا هو حوض كلهاري الأوسط والشمالي.

وتبتعد الحافة الجنوبية للهضبة عن الساحل الجنوبي بمسافة كبيرة، تاركة منطقة جبلية لا تمتُّ بصلة التاريخ والتركيب إلى الهضبة، وسنتكلم عنها فيما بعدُ. وتأخذ الحافة الجنوبية أسماء عديدة محلية هي من الغرب إلى الشرق: روجرفلد، نوي فلد، سنوي فلد، سترمبرج. وفي الشرق تقترب الحافة الهضبية من الساحل خاصة بعد بورت إليزابث، بحيث تكاد تشرف على المحيط مباشَرةً، وتستمر كذلك حتى جنوب ناتال، فتتقهقر إلى الداخل تاركة سهول ناتال الفسيحة. وتُسمَّى الحافة الشرقية في شرق إقليم الكاب وفي باسوتولاند وناتال وشرق الأورنج وسوازي لاند، باسم حافة كاتالمبا أو دراكنزبرج، وتبلغ هذه الحافة أقصى ارتفاع لها وأشد تعقيد في بنيتها في باسوتولاند، فالحافة هنا تتكون أساسًا من جحر رملي من العصر الترياسي يرتفع فوقها حواف من البازلت السميك، ويتراوح متوسط الارتفاع فيها حوالي ٢٥٠٠–٣٠٠٠ متر، وأعلى نقطة ترتفع إلى ٣٦٥٧ مترًا.

وإلى الشمال من باسوتو تمتد هضبة الفلد الأعلى في الأورنج بارتفاعات تتراوح بين ١٣٠٠ و٢٠٠٠ متر، وتمثِّل هذه الهضبة — على ارتفاعها — سطحًا غير معقَّد التضاريس باستثناء بعض الجبال والتلال المنعزلة التي تُسمَّى كوبييز Kopjes. وعبر حوض الفال تمتد هضبة فلد السفانا الشجرية التي تشمل معظم الترنسفال شمال خط عرض بريتوريا، وتنحدر هذه الهضبة إلى سهول اللمبوبو الذي يحيط بها من الشمال والغرب والشرق في صورة قوس عظيم، وفلد السفانا الشجرية أقل ارتفاعًا من الفلد الأعلى، ومتوسط ارتفاعها حوالي ١٣٠٠ متر، وقد قطعت الأنهار الهضبة في اتجاهات انحدارها إلى الشرق والشمال والغرب، وأهم هذه الأنهار أوليفانتس الذي يلتقي مع اللمبوبو في موزمبيق، ونيل الذي ينحدر شمالًا إلى اللمبوبو، وكروكدايل الذي ينحدر شمالًا بغرب وينتهي أيضًا إلى اللمبوبو.

وفيما وراء اللمبوبو وحتى حدود الزمبيري ترتفع هضبة المتابيلي العالية في روديسيا الجنوبية، وتمتد الكتلة في محور شمالي شرقي جنوبي غربي، وتتكون من صخور بلورية قديمة يتراوح ارتفاعها بين ١٢٠٠ و١٦٠٠ متر. وإلى الشرق من المتابيلي وعلى طول الحدود من بين الهضبة وسهل موزمبيق توجد هضبة عالية يُطلَق عليها أسماء محلية، منها مانيكا وإينيانجاني، وترتفع الهضبة الأخيرة إلى أعلى من ٢٠٠٠ متر، وأعلى نقطة فيها تصل إلى ٣٦٠٠ متر. وإلى الشمال من المتابيلي تنحدر الأرض في يسر إلى وادي الزمبيري باسم هضبة دجرنجولي والتي تنتهي فجأةً في صورة الخانق الذي يجري فيه نهر الزمبيزي، وكذلك تنحدر المتابيلي تدريجيًّا إلى الغرب إلى إقليم ماتوبو الذي تخترقه أنهار صغيرة تنتهي بتصريف داخلي في مستنقعات مكاري كاري.

وعبر الزمبيزي تعود الأرض للارتفاع في إقليم باروتسي الهضبي فيما بين الزمبيزي ورافده كافوي. وإلى الشرق من كافوي تمتد هضبة متوسطة الارتفاع غير واضحة المعالم، يحدها جنوبًا مجرى الزمبيزي وشرقًا حافة أخدود نياسا، تتدرج شمالًا في الانخفاض إلى مستنقعات وبحيرات الكنغو الأعلى وحافة أخدود تنجانيقا. ولعل أهم ظاهرة تضاريسية في المنطقة حافة هضبية عالية تُسمَّى خطأ جبال موتشنجا، يتراوح ارتفاعها بين ١٥٠٠–٢٠٠٠ متر، وتمتد هذه الحافة من الشمال الشرقي إلى الجنوب الشرقي، موازية لمسار نهر لوانجوا الذي ينبع من الحافة الأخدودية في شمال غرب نياسا وينتهي إلى الزمبيزي، وربما ساعدت عمليات النحت النهري التي يقوم بها نهر لوانجوا على إظهار حافة موتشنجا في صورتها الجبلية العالية.

وإلى الغرب من الزمبيزي الأعلى تتدرج الهضبة الأفريقية في الارتفاع حتى تبلغ أقصى ارتفاع لها في هضبة بيهي التي تسيطر على وسط أنجولا تقريبًا. وتُعَدُّ هضبة بيهي — رغم وقوعها في منطقة الأمطار الصيفية القليلة — خطَّ تقسيمِ مياهٍ مهمًّا في هذا الجزء من أفريقيا؛ فإن الأنهار التي تنحدر على سفوحها الغربية والشمالية تنتهي إلى المحيط الأطلنطي مثل: نهر كوانزا والروافد الجنوبية لنهر كاساي، كذلك يتجه تصريف منحدرات بيهي الجنوبية الغربية إلى الأطلنطي في صورة أنهار عديدة، أهمها وأطولها نهر كونيني، أما منحدراتها الشرقية فتتجه في تصريفها إلى المحيط الهندي بواسطة الروافد العديدة لنهر الزمبيزي الأعلى. وأخيرًا فإن مياه منحدرات بيهي الجنوبية الشرقية تتجه إلى التصريف الداخلي في حوض كلهاري الشمالي بواسطة عدد من الأنهار أهمها كوبانجو أو أكوانجو، وعلى الرغم من هذه الأهمية فإن بيهي لا ترتفع إلى أكثر من ١٥٠٠–٢٠٠٠ مترٍ فقط، وتتصل بيهي بحافة الهضبة الأفريقية الغربية التي تقترب هنا من الساحل، فلا تترك مسافة أكثر مائة إلى مائتي كيلومتر، وترتفع حافة الهضبة هنا في شكل سلمي ينتهي بالحافة الهضبية العالية التي يُطلَق عليها أسماء محلية عديدة منها: سيرادي، كورودا، أندرادي، وجبل تشيلي، وحافة كاوكو فيما بين لواندا وسفاكوبوند.

وتتدرج هضبة بيهي في الانخفاض حتى منطقة أمبالاند في القسم الشمالي من جنوب غرب أفريقيا، حيث تبلغ أقصى انخفاض لها في منطقة مستنقعات إتوشا، ثم يعود سطح الهضبة للارتفاع التدريجي جنوبًا حتى يبلغ هضبة دمارا لاند المرتفعة، والتي يقلل من أهميتها كمنطقة ذات موارد مائية دائمة، أنها تقع في المنطقة الصحراوية من جنوب أفريقيا. وتتصل دمارا لاند جنوبًا بهضبة أخرى هي هضبة ناما لاند الكبيرة التي تنتهي شمال الأورنج، وإلى الجنوب من الأورنج تعود حافة الهضبة إلى الظهور في صورة مرتفعات ناماكا لاند التي ترتبط بعد ذلك شرقًا بالحافة الجنوبية عند روجرفلد.

وفي وسط هذه الدائرة من الهضاب يوجد منخفض كلهاري الأوسط والشمالي، ويرتفع قاع هذا المنخفض فوق سطح البحر، ولكنه ذو تصريف داخلي لقلة الأمطار ولإحاطته بهذه الهضاب، وتنتشر فوق سطح كلهاري البحيرات الملحية العديدة التي تنشأ نتيجة التصريف الداخلي الضعيف لمياه الأمطار.

ولعل أهم جزء من كلهاري هو قسمها الشمالي حيث تتوفر فيه موارد المياه بصورة غير عادية بالنسبة لإقليم صحراوي، والسبب في هذا راجع إلى أن المياه التي تصلها تأتي من مناطق خارج كلهاري، وأهم هذه الموارد المائية قاطبةً نهرُ أوكوانجو الذي ينصرف إلى بحيرة نجامي في دلتا شاسعة تُسمَّى دلتا أوكوانجو، ويساعد نهر كواندو، وهو الرافد الهام للزمبيزي الأعلى، في مدِّ دلتا أوكوانجو ببعض المياه في موسم المطر؛ وذلك لأن أحد فروع الدلتا يتصل به قبل أن يغيِّر كواندو مساره الأصلي من الجنوب الشرقي إلى الشمال الشرقي. وتنصرف مياه الدلتا الداخلية في خلال مواسم الفيضان إلى مستنقع هائل يقع إلى الجنوب الشرقي منها، هو مستنقع ماكاري كاري، أما المجرى الذي يصل الدلتا بماكاري كاري فيسمى بوتليتليه، وهو بطبيعة الحال مجرى مائي موسمي. كذلك تغذي بعضها أنهار روديسيا الجنوبية مستنقع ماكاري كاري من الشرق، وأهم هذه الأنهار هو نهر تاتا.

الجبال الالتوائية في أقصى جنوب القارة

وترجع هذه السلاسل إلى الالتواءات الهرسينية التي حدثت في أواخر الزمن الجيولوجي الأول، ومن ثَمَّ فإن عوامل التعرية قد قلَّلت كثيرًا من ارتفاعها، وتتكون هذه الجبال من مجموعتين: الغربية والشرقية، أما المجموعة الغربية فتتركز حول كيبتاون، وتنبعث من العقدة الجبلية المركزية التي تُسمَّى عقدة سيرس-ورسستر عدة سلاسل جبلية هي سلسلة سيداربرج، وتتجه إلى الشمال الغربي وتنتهي عند نهر أوليفانتس وخليج سانت هيلانة، وسلسلة دراكنشتاين التي تتجه جنوبًا وتنتهي في رأس أجولهاس.

أما المجموعة الجبلية الشرقية فتمتد في سلسلتين طويلتين من الشرق إلى الغرب تتوازيان مع ساحل البحر، السلسلة الداخلية تُسمَّى زفارتبرجن، وتفصل بين الكاروو الكبير والصغير، وهي سلسلة متكاملة لا يقطعها سوى نهر جوريتز الذي ينبع من الكاروو الكبير وحافة نوي فلد، وتنتهي زفارتبرجن في الشرق عند بورت إليزابث. أما السلسلة الجنوبية فتُسمَّى لانجبرجن، وتمتد جنوب الكاروو الصغير حتى مجرى نهر جوريتز. وإلى الشرق من النهر تمتد تكملة السلسلة بأسماء أخرى، هي تزتزيكاما ولانج كلووف التي تنتهي عند خليج سانت فرانسيس. وإلى الجنوب من لانجبرجن وامتداداتها الشرقية ينحصر سهل ساحلي ضيق كثير الخلجان. أما الكاروو الصغير فعبارة عن وادي صغير بنيوي ساعَدَ على توسيعه نهر جوريتز، أما الكاروو الكبير فإقليم جاف ينحصر بين زفارتبرجن وحافة الهضبة الأفريقية، ولا تكاد تخترقه سوى مجاري نهرية موسمية إبَّان موسم المطر.

هضبة شرق أفريقيا

لا يكاد المظهر التضاريسي العام في شرق أفريقيا يختلف عن جنوب القارة، فهناك سهول ساحلية ضيقة، تحدها غربًا حافة الهضبة القديمة التي ترتفع في المتوسط بين ٥٠٠ متر و١٢٠٠ متر، ولكن الذي يميز شرق أفريقيا أن الأخدود الأفريقي بفرعَيْه يشغل حيزًا كبيرًا في المنطقة ويحيط بجزء كبير منها، وقد أدَّى ذلك إلى ظهور مرتفعات تتفاوت في ارتفاعاتها بين ١٢٠٠ متر و٢٠٠٠ متر في صورة حافات الأخدودين الشرقي والغربي، وفي بعض الأحيان تتسع مساحات هذه الحافات إلى هضبات واسعة، وخاصة في كينيا وجنوب تنجانيقا ومنطقة كيفو.

وتتميز هضبة شرق أفريقيا أيضًا بأن فيها أكبر تجمُّعٍ للجبال البركانية الحديثة في أفريقيا، فهناك جبل كليمانجارو الذي ترتفع قممه إلى أكثر من خمسة آلاف متر، وأعلى قمة في كتلة كليمانجارو هي كيبو التي ترتفع إلى ٥٨٩٥ مترًا،١ يلي ذلك في كليمانجارو قمة أخرى هي ماونزى، وارتفاعها ٥٢٧٠ مترًا، ويربط بين القمتين رقبة عالية متوسط ارتفاعها ٤٣٠٠ مترٍ، وإلى جانب كليمانجارو يوجد جبل كينيا الذي يرتفع إلى ٥١٩٤ مترًا، وجبل ميرو وارتفاعه ٤٦٣٠ مترًا، وجبل الجن وارتفاعه ٤٣١١ مترًا، وجبل كاريسمبي الذي يرتفع إلى ٤٥٠٧ أمتارٍ، وكاريسمبي أحد براكين مجموعة فيرونجا أو موفمبير، والتي يبلغ عددها ثمانية براكين أقلها ارتفاعًا — نملاجيرا — ٣٠٦٣ مترًا.

وإلى جانب الجبال البركانية توجد أيضًا كتلة روينزوري غير البركانية النشأة، ويرتفع فوق هذه الكتلة عدة قمم أعلاها قمة مرجريتا، ويبلغ ارتفاعها ٥١٢٧ مترًا.

وفي باطن الأخدود الشرقي والغربي توجد عدة بحيرات، أكبرها يوجد في الأخدود الغربي، وهي بحيرات: تنجانيقا، وكيفو، وإدوارد، وألبرت، حسب ترتيبها من الجنوب إلى الشمال، وفي الأخدود الشرقي بحيرات صغيرة أكبرها رودلف في الشمال، ثم إياسا ونطرون ونيفاشا وغيرهم، أما حافات الأخدود فأعلاها حافات الأخدود الغربي على العموم. كما تتميز حافات الأخدود الشرقي في وسط كينيا بارتفاع نسبي، ومن أشهرها حافة إبرديري في الشرق، وحافة «ماو» في الغرب.

وفيما بين الأخدودين ترتفع هضبة البحيرات التي تشمل منابع النيل الاستوائية، وفوق هذه الهضبة ملأت مياه الأمطار منذ أزمان بعيدة عددًا من المنخفضات، فحوَّلتها إلى بحيرات غير عميقة بالقياس إلى بحيرات الخدود عامةً، وأكبر هذه البحيرات هي فكتوريا التي تُعَدُّ أكبر مسطح مائي عذب في العالم القديم.

جزيرة مدغشقر

تبلغ مساحة الجزيرة ٥٩٠٠٠٠ كيلومتر مربع، ويفصلها عن الساحل الشرقي للقارة مضيق موزمبيق الذي لا يزيد عرضه عن ٤٠٠ كيلومتر، وتتميز الجزيرة بأنها عبارة عن هضبة واسعة تعلوها قمم جبلية عديدة، وتحف بها سهول ساحلية ضيقة في الشرق وعريضة في الغرب، وتتكون الهضبة من الصخور الأركية القديمة التي تظهر في هضبة أفريقيا الجنوبية، مما يؤكِّد وحدة أصلهما قبل انفصالهما. وحول الهضبة القديمة تظهر أشرطة من الصخور الجيرية التي تكوَّنت نتيجة إغارة البحر على الشواطئ في العصور الجيولوجية المختلفة، وأكثر هذه الأنواع من الصخور الرسوبية تظهر في الغرب وتقل جدًّا في الشرق نتيجة غرقها تحت سطح البحر، فالراجح أن الساحل الشرقي المستقيم قد نجم عن انكسارات لاحقة، ربما صاحبت فترة تكوين الأخدود الأفريقي.

والهضبة الداخلية أكثر ارتفاعًا في الشرق عنها في الغرب، ومن ثَمَّ فإن معظم الأنهار الطويلة هي الأنهار الغربية، بينما تتميز الأنهار التي تنصرف إلى الشرق بسرعة الجريان، ووجود العوائق والشلالات. وكما قلنا فإن سطح الهضبة تعلوه كتلة جبلية عالية، وأعلى نقطة هي جبل تساراتانانا Tsaratanana الذي يوجد في الشمال، ويبلغ ارتفاعه ٢٨٨٠ مترًا، وجبل تسيافاجافونا Tsiafagafona في الوسط، حيث يصل ارتفاعه إلى ٢٦٤٤ مترًا، وتتميز الجزيرة أيضًا بوجود ما يشبه الممرات الطبيعية بين الشرق والغرب عبر الهضبة، وأشهر هذه الممرات منخفض أندرونا في الشمال الذي يربط بين خليج أنتونجيل في الشرق وسهل ماجونجا في الغرب، وممر إيهوزي في الجنوب.

(٣) الأشكال العامة للتضاريس في أفريقيا شمال خط الاستواء

يختلف هذا القسم من أفريقيا عن أفريقيا جنوب خط الاستواء بأن الهضبة القديمة في الشمال قد قطعت تقطيعًا شديدًا بواسطة عوامل النحت والتعرية؛ بحيث لا نعثر عليها مترابطة متصلة كما هو الحال في القسم الجنوبي، كذلك فإن مساحات كبيرة من الهضبة الكبيرة القديمة قد غطتها مياه البحر في صور جيولوجية مختلفة أدَّتْ إلى تراكم طبقات كثيفة من الصخور الجيرية وغيرها، وتتضح هذه الظاهرة بوضوح في القسم الأوسط من النطاق الصحراوي العظيم، وسوف نعالج المظاهر التضاريسية العامة في هذا القسم في صورة إقليمية.

غرب أفريقيا

تمتد السهول الساحلية ضيقة في معظم أقسام غرب أفريقيا نتيجة اقتراب حافة الهضبة القديمة، ولكنها تتسع في منطقتين هما: سنجامابيا التي تشمل سهول السنغال والجامبيا، ومنطقة دلتا النيجر ومجراه الأدنى، وهذه السهول بلا شك قد نشأت نتيجة للإرسابات النهرية في منطقة دلتا النيجر، ونتيجة لتراجع البحر في سنجامبيا إلى جانب إرسابات السنغال، أما الهضبة فمتوسطة الارتفاع بل وقليلة الارتفاع في مناطق معينة، وتعلو الهضبة كتل هضبية تتفاوت في الارتفاع والحجم، وأكبر هذه الكتل وأهمها هضبة فوتاجالون — غينيا التي توجد في الجنوب الغربي من غرب أفريقيا. وتكون هذه الهضبة على قلة ارتفاعها خط تقسيم هام للمياه في غرب أفريقيا، فالأنهار التي تنحدر على منحدراتها الغربية سريعة الجريان، ومن أهمها: كافالي، وسانت بول، وكنكوريه، أما الأنهار التي تنبع من منحدراتها الشرقية والشمالية فطويلة المجرى، وتتكون من الجامبيا والسنغال والنيجر، ويقوم السنغال والنيجر برسم أقواس كبيرة قبل أن يصلا إلى المصب، والغالب أن هذه المسارات الطويلة المعقدة راجعة إلى تاريخ جيولوجي معقد، لعبت فيه عمليات تراجع البحر وتغيُّرات المناخ والمطر وعمليات الأسر النهري أدوارًا هامة، حتى وصلت الأنهار إلى شكلها الحالي.

وإلى جانب فوتاجالون نجد هضبة جوس في شمالي نيجيريا تكون خط تقسيم مياه ثانوي بين حوض النيجر من ناحية، وتصريف بحيرة تشاد من ناحية ثانية، ولكن أكبر ارتفاع للهضبة الأفريقية في غرب أفريقيا يتمثل في سلسلة الهضبات التي تحده من الشرق، وتبدأ بتلال ماندارا جنوبي بحيرة تشاد، تليها جنوبًا هضبة أدماوا، ثم هضبة بامندا، ثم كتلة جبل الكمرون البركاني التي تطل بسفوحها الجنوبية على خليج بيافرا. وبركان الكمرون — وإن كان وحيدًا في هذا الجزء من أفريقيا — إلا أنه يمثِّل بدايةَ خط من خطوط الظهور البركاني، تكملته تقع في صورة جزر خليج بيافرا المقابلة له «فرناندوبو – ساوتومي – برنسيب – أنوبون»، وينتهي هذا الخط بجزيرة سانت هيلانة في قلب المحيط الأطلنطي الجنوبي.

وفيما بين فوتاجالون في الغرب والكمرون في الشرق، ينكسر استواء سطح الهضبة بواسطة عوامل النحت والتعرية وتقل ارتفاعاتها، إلا في مناطق الصخور الصلبة التي تظهر في صورة حافات قليلة الارتفاع، ولكنها تسيطر تمامًا على المظهر الطبيعي البسيط. وأكبر تجمُّع لهذه الحافات يوجد حول نهر الفولتا، وهناك اتجاهان أساسيان لهذه الحافات: محور شمالي شرقي جنوبي غربي تمثِّله سلسلة أتاكورا في شمال داهومي، وسلسلة توجو في وسط توجو، وتنتهي فجأةً عند الضفة الشرقية لنهر الفولتا، ثم تعاود ظهورها غرب النهر في حافة أكوابيم التي تحفُّ بسهل أكرا من الشمال. أما الاتجاه الثاني للحافات فيرسم قوسًا كبيرًا يبدأ من عند نهاية أكوابيم الشمالية الشرقية قرب الفولتا، ويسير شمالًا بغرب باسم حافة مامبونج، ثم يتحول الاتجاه إلى الشمال الغربي والشمال باسم حافة بانفورا، ثم يقترب من مجرى النيجر باسم حافة باندياجارا، ويكون مسار الحافة هنا قد انقلب إلى الشمال الشرقي، وأخيرًا يتجه إلى الشرق في صورة جبال همبوري التي تحتل البؤرة النظرية لثنية النيجر.

السودان الأوسط والشرقي

في هذه المنطقة نجد أن الأحواض النهرية هي التي تسيطر على المظهر الفيزوجرافي، في حين تتراجع الهضبة الأفريقية إلى مجرد ارتفاعات محدودة الاتساع مختلفة الاتجاه، تكون خطوط تقسيم المياه بين الأحواض النهرية شاري والكنغو والنيل، وقد قطعت المنابع العديدة لهذه الأنهار الهضبة القديمة تقطيعًا هائلًا، وقللت من ارتفاعاتها إلى درجة كبيرة، بحيث أصبح في الإمكان أن تتم عمليات أسر نهري بين حوض وآخَر.

وينبع نهر شاري من منطقة مرتفعات بونجو إلى الجنوب من دار رونجا، ويتجه في مجموعة إلى الشمال الغربي حيث ينتهي إلى بحيرة تشاد، وللنهر روافد عديدة تأتيه من الجنوب أهمها أوهام، ومن الشرق أهمها بحر السلامات، ومن الجنوب الغربي أهمها نهر اللوجوني، وهكذا يكون حوض شاري وتشاد منطقة مستوية عظيمة الاتساع يكملها في الشمال منخفض بودليه وجوارب الذي يقع جنوب جبال تبستي، ويصل بين تشاد وبودليه مجرى غير عميق يُسمَّى بحر الغزال — ليست له صلة ببحر الغزال في النيل — ويمتلئ هذا المجرى بالماء في مواسم غير محددة، كما أن اتجاه الماء ينعكس حسب الظروف، فإذا هطلت السيول بشدة في منطقة سفوح تبستي الجنوبية، وفاضت إلى بوركو وبودليه، سارت المياه في بحر الغزال من الشمال إلى بحيرة تشاد، وإذا كان فيضان نهر شاري كبيرًا بحيث يزيد عن طاقة بحيرة تشاد، خرجت مياه تشاد في بحر الغزال شمالًا.

أما حوض السودان الجنوبي فعبارة عن مثلث كبير رأسه في الجنوب عند مدينة جوبا على النيل، وتتركز قاعدته في الشمال على جبال الداجو وجبال النوبا في جنوب دارفور وكردفان على التوالي، أما حده الغربي فتكونه الهضبة الحديدية التي تنتهي إلى خط تقسيم المياه بين النيل والكنغو، على حين يرتكز حده الشرقي على الحافة الجنوبية الغربية للهضبة الحبشية، وفي هذا الحوض الكبير تنحدر المياه ببطء من مناطق الهضاب والتلال المحيطة إلى الوسط، حيث توجد أكبر منطقة للمستنقعات في أفريقيا: منطقة السدود. ويقال إن المنطقة كانت أصلًا بحيرة عظيمة ضحلة انصرفت مياهها بعد اتصال النيل الأبيض والنوبي، ولكننا لا نستطيع أن نؤيِّد أو ننفي الفكرة. وتنصرف مياه الحوض بواسطة مخرج واحد هو النيل الأبيض الذي يصرف معه بالتالي مياه المنابع الاستوائية للنيل. والنيل الأبيض في حد ذاته مشكلة فيزيوجرافية؛ فانحداره قليل جدًّا، مما يجعل تصريفه يكاد يعتمد فقط على قوة دفع الماء من الجنوب إلى الشمال، وإلى الغرب من النيل الأبيض ترتفع الهضبة الأفريقية ببطء إلى خط كنتور ٥٠٠ متر في كردفان ودارفور، وتعلو هذه الهضبة كتل جبلية صغيرة وكبيرة، والكتل الصغيرة تتكون في نطاقين: الشمالي هي تلال النوبا في شمال كردفان، ومن أهمها كاجا وكاتول وحرازة، أما النطاق الجنوبي فيكون دائرة كبيرة في جنوب شرق كردفان باسم جبال النوبا، وأشهرها هيبان وداير وتجابو، أما الكتلة الهضبية الكبيرة، فهي كتلة جبل مرة في وسط دارفور، التي يبلغ أقصى ارتفاع لها ٣٠٧١ مترًا.

وإلى الشرق من النيل الأبيض تمتد سهول الجزيرة التي تبلغ أقصى ارتفاع لها في الجنوب الشرقي، في صورة كتل جبلية منعزلة تمثِّل مقدمات هضبة الحبشة، وهناك امتداد لهذا الارتفاع في صورة ظهر عالٍ في وسط الجزيرة يسمى بخط المناقل، وإلى الشرق من مجرى النيل الأزرق يمتد سهل البطانة الذي ينحدر هو الآخَر من الجنوب إلى الشمال.

الهضبة الحبشية

تكون الهضبة الحبشية أعلى تكتُّل هضبي في أفريقيا — وقد كانت أصلًا جزءًا مرتفعًا من الهضبة الأفريقية القديمة، ثم ارتفعت في العصر الجوراسي، وزادت عليها طبقات سميكة جدًّا من الطفح البركاني. ويبدو أن هذه الطفوح البركانية لم تحدث مرة واحدة، وإنما توجد طفوح من عصور مختلفة أحدثها في البلايوسين والبلايستوسين.

ويبدو أيضًا أن طفوح هذين العصرين هما اللذان أدَّيَا بالهضبة إلى الارتفاع الشديد الحالي، ولقد سبق أن تكلمنا عن الأخدود الأفريقي، وعرفنا أن البحر الأحمر وسهل الدناكل جزء من هذا الأخدود، وقد ظلت هضبة الدناكل عالية نسبيًّا نظرًا لمقاومة صخورها الشديدة لهذه الانكسارات.

وسطح هضبة الحبشة مقطع تقطيعًا شديدًا بواسطة الانكسارات من ناحية، وعوامل النحت والتعرية من ناحية أخرى، وعلى الأخص مجموعة روافد النيل الحبشية والنظام النهري لخور الجاش، وقد أدت عوامل البركنة إلى ارتفاع عدد من القمم أعلاها رأس داشان التي يبلغ ارتفاعها ٤٦٢٠ مترًا.

وتربة الهضبة الحبشية غنية جدًّا نتيجة لتراكم اللافا، وهكذا نجد أن الحبشة ليست فقط منيعة استراتيجيًّا، ولكنها أيضًا غنية بتربتها. وكان لهذين العاملين أثر واضح في تاريخ الحبشة.

إلى الجنوب الشرقي من هضبة الحبشة عبر الأخدود الأفريقي تمتد هضبة الصومال بانحدار تدريجي إلى ساحل المحيط الهندي، وبانحدار مفاجئ ناحية الأخدود وخليج عدن، وتمثِّل جزيرة سقطرة امتدادًا للصخور القديمة التي تتكون منها هضبة الصومال.

الصحراء الكبرى

أكبر مظهر تضاريسي يتضح لأول وهلة في الصحراء الكبرى هو ذلك العمود الفقري التضاريسي الذي يتوسط الصحراء، ويتكون من هضبة الحجَّار وكتلة تبستي وهضبة تاسيلي التي تربط بينهما.

جبال تبستي عبارة عن جزء مرتفع من الهضبة الأفريقية القديمة، زاد ارتفاعًا واتساعًا نتيجة للنشاط البركاني القديم في المنطقة، وتعلو تبستي في الوقت الحاضر عدة قمم بركانية خامدة أعلاها قمة إمي كوسي التي يبلغ ارتفاعها ٣٣٦٠، وقمة أمي توسيدية التي تصل إلى ٣٢٦٥ مترًا، وتنحدر تبستي بشدة إلى الجنوب في اتجاه منخفض بودليه-جوارب، وإلى الشمال تدريجيًّا صوب الصحراء الليبية، وقد قطعتها الأودية النهرية العديدة خلال العصور المطيرة في شمال أفريقيا.

أما هضبة الحجار فعبارة عن مستطيل كبير يتدرج في الارتفاع من أطرافه إلى الوسط، حيث توجد قمة تارات وتسمى أحيانًا أتاكور التي يبلغ ارتفاعها ٣٠٠٣ أمتار، وتحيط بالهضبة من الشمال هضبة تاسيلي الآجر، ومن الشمال الغربي هضبة تادمائت، ومن الجنوب هضبة تاسيلي الحجار، ومن الجنوب الغربي كتلة أدرار إيفوراس، ومن الجنوب الشرقي كتلة آير أو أزبن. وقد قطعت الأودية النهرية هذه الكتلة الضخمة المتصلة من الهضاب، ولم يَعُدْ من هذه الأنهار في الوقت الحاضر سوى أوديتها العديدة الجافة، ومن أهم هذه الأودية إغرغر الشمالي الذي كان ينتهي غالبًا إلى منطقة شط الجريد، ووادي تامنراست الذي يتجه غربًا إلى صحراء تانزروفت، ووادي تلمسي الذي يتجه جنوبًا إلى ثنية النيجر، وكذلك أودية إغرغر الجنوبي وتافاسست وأزواك تتجه إلى النيجر. ولا شك أن التصريف النهري خلال العصور المطيرة قد أدى إلى نشوء بحيرات داخلية في قلب الصحراء تحتلها الآن منخفضات تيديكلت والجوف والميرايا وكاوار ومرزوق وغيرهم.

ومن هذا العمود الفقري التضاريسي تمتد عدة هضاب في اتجاهين: شمالي وجنوبي، وبذلك تنفصل الصحراء الكبرى إلى قسمين: الشرقي والغربي، فمن تاسيلي الآجر تمتد هضبة حمادة الحمراء التي تنتهي بحافة متوسطة الارتفاع إلى الجنوب من مدينة طرابلس تُسمَّى جبل نفوسة، ومن تبستي جنوبًا بشرق تمتد مرتفعات إردي، ثم إندي، ثم دارفور. وهكذا تقع الصحراء الليبية في ليبيا والجمهورية العربية المتحدة والسودان شرق هذا العمود الفقري، بينما تقع الصحراء الغربية في الجزائر وموريتانيا وريودورو غرب العمود.

وتتميز الصحراء الليبية بوجود عدد من المنخفضات المترابطة تنتظم في مجموعتين: الأولى في الشمال وتمتد من خليج سرت الكبير إلى منخفض النطرون، وتشمل واحات أوجيلة وجغبوب وسيوة ومنخفض القطارة، وإلى الشمال من المنخفض تمتد هضبة برقة وإقليم مريوط. والثانية مجموعة الواحات المصرية التي تبدأ من الواحة الخارجة إلى الداخلة والفرافرة والبحرية والفيوم في صورة قوس كبير، وإلى جانب المنخفضات تتميز الصحراء الليبية ببحار الرمل العظيمة، وبوجود الوادي الضيق الذي صنعه النيل في مساره من الجنوب إلى الشمال، وإلى الشرق من النيل تمتد الصحراء الشرقية، وهي أعلى من مستوى الصحراء الليبية عامةً، وسبب الارتفاع راجع إلى أن جبال البحر الأحمر عبارة عن الحافة الغربية لأخدود البحر الأحمر، وقد تقطَّعَتْ هذه الصحراء بواسطة الأودية النهرية العديدة التي كانت تجري فيها المياه في العصر المطير في شمال أفريقيا.

أما الصحراء الغربية فإنها تتميز بوجود عدد من الحواف الجبلية والهضاب المنخفضة، مثل هضبة الأجلاب وحافة الحنك والأدرار الغربية، كما تميِّزها بحار الرمل الواسعة التي تسمى إرج أو «عِرق»، وخاصة في الشمال وأهمها الأرج الشرقي الذي يمتد من تادمائت إلى شط الجريد، والأرج الغربي الذي يمتد من تادمائت إلى جبال الأطلس الصحراوية، وأرج الشيخ بين الجوف وتيديكلت.

منطقة الأطلس

تتكون هذه المنطقة من نظام جبلي منعزل؛ إذ إنها تُعَدُّ امتدادًا للنظام الألبي الأوروبي في شمال أفريقيا، ويُطلَق عليها وعلى أجزائها أسماء مختلفة، أشهرها سلسلة الريف أو أطلس الريف الممتدة بحذاء ساحل البحر المتوسط من مضيق جبل طارق إلى شبه جزيرة بون (في تونس). ومتوسط ارتفاعها حوالي ٢٠٠٠ متر، وتسمى في بعض الأحيان أطلس البحرية أو أطلس التل. وفي الجزء الشرقي، أي في تونس، نجد الساحل متعامِدًا على محور الجبال مكوِّنًا خلجانًا طبيعية، وهناك سلسلة الأطلس الكبرى التي تمتد في المغرب في محور شمالي شرقي جنوبي غربي، وهي أعلى السلاسل الجبلية للنظام الألبي في أفريقيا، وبها أيضًا أعلى قمة في إقليم أطلس هي جبل توبكال وارتفاعه ٤١٨٠ مترًا. وأطلس الكبرى تمثِّل فاصلًا حقيقيًّا خاصة في جزئها الجنوبي يفصل بين مراكش وإقليم الصحراء، خصوصًا إذا أضفنا إليها سلسلة الجبال الموازية لها والممتدة إلى الجنوب منها، والمسماة أطلس الخلفية، ويبلغ متوسط ارتفاعها من ١٠٠٠–١٥٠٠ متر. والجزء الشمالي من أطلس الكبرى يتصل شرقًا بسلسلة جبلية تُسمَّى أطلس الصحراوية التي تمتد موازية بدرجات متفاوتة لأطلس الريف، وتنحصر بين أطلس الصحراوية وأطلس البحرية هضبة تُعرَف بهضبة الشطوط، وهي ذات تصريف داخلي في كثير من أجزائها، فيما عدا المناطق التي نجحت فيها أنهار البحر المتوسط في التوغُّل عبر سلسلة أطلس الريف واكتساب جزء من مياه هضبة الشطوط. ومن أشهر الأمثلة على ذلك نهر شيليف بالقرب من وهران.

أما التصريف الداخلي فيحدث في بحيرات تُسمَّى الشطوط، منها الشط الغربي والشط الشرقي وشط الهدنة، وتتكون سلسلة الأطلس في مجموعها من صخور القارة الأفريقية القديمة، حيث تكون هذه الصخور نواة الأطلس الكبرى في مراكش، يتلوها صخور رسوبية من الزمن الثاني معظمها من الحجر الجيري، وإلى الغرب من إقليم الأطلس توجد جزر كناريا، وهي عبارة عن امتداد لهذه الجبال رغم أن سطحها مغطَّى بطبقة طفحية من اللافا.

١  في الماضي القريب كانت قمة كيبو تحسب على أنها ترتفع إلى ٦٠١٠ أمتار، ولكن ذلك ثبت خطؤه بعد الدراسات الدقيقة الحالية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١