الكتاب الأول١

(١-١) من جَدِّي٢  فيروس Verus تَعلَّمتُ الدَّماثة وضبطَ النفس.
(١-٢) ومما سمِعتُ عن أبي،٣ وما أَتذكَّره عنه، تعلَّمتُ التواضُع والنَّخوة.

(١-٣) ومن والدتي تَعلَّمتُ التقوى والإحسان والتعفُّف عن فِعلِ السيئات وعن مجرَّد التفكير فيها. وتَعلَّمتُ منها أيضًا بساطةَ العيش؛ بساطةً غير معهودةٍ في الأثرياء على الإطلاق.

(١-٤) ومن جَدِّي الأعلى٤ تَعلَّمتُ ألَّا أختلف إلى المَدارسِ العامَّة، وأن يكون لديَّ مُعلِّمون ممتازون بالمنزل، وأن أعرف أنه في مثل هذا يليق بالمرء أن يُنفِق بسخاء.
(١-٥) ومن مُعلِّمي تعلمت ألَّا أكونَ من مُشجِّعي «الأخضر» أو «الأزرق» في السباقات، ولا أشايع «الخِفاف» أو «الثقال» من المُجالِدِين في المدرَّج، وأن أحتمل المشاقَّ وأكتفي بالقليل، وأن أعملَ بيدي وأن أنصرف إلى شأني وأَترُكَ ما لا يَعنيني.٥
(١-٦) من ديوجنيتوس Diognetus٦ تَعلَّمتُ ألا أنشغل بالتفاهات، وألَّا أُصدِّق حديث المُشعوِذِين والدجَّالِين عن الرُّقَى والتعاويذ وطرد الشياطين وما شابه، ولا أُرَبِّي طيور العِراك٧ ولا أَتحمَّس لمثل هذه الرياضات، وألَّا أضيق بالصراحة، وأن أنجذب إلى الفلسفة، وأحضُر أولًا محاضرات باخيوس ثم تانداسيس وماركيانوس، وأكتب محاوراتٍ منذ نعومة أظفاري، وأُحِب السرير النقَّال والدِّثار وكل ما ينتمي إلى نُظُم التدريب اليوناني.٨
(١-٧) من رُستيكوس Rusticus٩ تَلقَّيتُ الانطباع بأن شخصيتي بحاجةٍ إلى تحسينٍ وتدريب، وتعلَّمتُ ألا أنجذب إلى الخطابة فأكتب خواطري أو ألقي خطبي الوعظية الصغيرة، أو آرائي بمظهر المُتنسِّك أو المُحسِن، وأن أبتعد عن البلاغة وقرض الشعر وكتابة الإنشاء، وألا أتجول في البيت بالملابس الرسمية، أو أفعل فعلًا من هذا القبيل، وإذا كَتبتُ رسائل أن أكتبها بأسلوبٍ بسيطٍ مثل رسالته التي كتبها إلى والدتي من سينوئيسَّا، وأن أكون مُرحِّبًا بالصلح مع من أساءوا إليَّ بمجرد أن يجنحوا للسَّلْم، وأن أقرأ بتمعُّنٍ ولا أكتفي بأفكاري السطحية أو أسارع بقبول آراء المُتفيهقِين، وإنني لَمَدِينٌ له بتعرُّفي على «مُذكرات إبكتيتوس»١٠ التي تَفضَّل عليَّ بنسخته الخاصة منها.
(١-٨) ومن أبولونيوس Apollonius١١ حريةَ الإرادة، وعدمَ الحُيود عن الهدف أو التعويل على أي شيءٍ آخرَ سوى العقل، وأن أظل كما أنا لا يُبدِّلني الألم المفاجئ أو فقدان طفلٍ أو المرض الطويل، وأن أرى فيه مثالًا حيًّا يُبيِّن أنه بوُسعِ المرء أن يجمع بين الشدَّة واللين، ولا يكون فظًّا في إصدار تعليماته، وأرى أمام عينيَّ إنسانًا يعتبر خِبرتَه ومَهارتَه في بسط نظراته الفلسفية هي أقل مواهبه. وتَعلَّمتُ منه أيضًا كيف أَتلقَّى من الأصدقاء أفضالًا عظيمةً فلا يَحُط ذلك من قَدْري عندهم ولا أنا أُنكِر فضلهم أو أُغفِله.
(١-٩) من سكستوس Sextus١٢ تعلمت الأَرْيَحية، ونمطًا من العائلة التي تُحكَم بطريقةٍ أبوية، ومفهومَ الحياة التي تُعاش وَفقًا للطبيعة، ووقارًا في غير تكلُّف، ورعايةَ مصالحِ الأصدقاء، والتسامُح تجاه الجُهَّال من الناس وتجاه راكبِي رءوسهم، والتلطُّف مع الجميع بحيث كانت متعةُ الحوار معه أعظم من أي تملُّق، وكان مجرد حضوره يجلب إليه الإجلال من جميع جُلسائه. كان لديه مَلَكة اكتشاف وتنظيم المبادئ الضرورية للحياة بطريقةٍ ذكيةٍ ومنهجية. لم يَتمَلَّكْه الغضب قَطُّ أو أيُّ انفعالٍ آخر، بل كان خَليًّا تمامًا من الانفعال وشدة الرقة والعطف، وكان بوُسعِه أن يُعبِّر عن استحسانه بلا صَخَب، وكان يمتلِكُ معرفةً عريضةً بلا تَظاهُرٍ ولا ادِّعاء.

(١-١٠) ومن الإسكندر النحوي تَعلَّمتُ ألَّا أَتَسقَّط الأخطاء، وألَّا أُقرِّعَ من يرتكب خطأً في المُعجَم أو التركيب أو النطق، بل أُدخِل بحِذقٍ نفسَ التعبيرِ الذي كان ينبغي استخدامُه، وذلك في شكل إجابة أو توكيد، أو بالاشتراك في مناقشة حول الشيء نفسه لا حول الصياغة، أو بأي لونٍ آخرَ من مثل هذا التنبيه اللَّبِق.

(١-١١) ومن فرونتو Fronto١٣ تعلمت أن أفهم فِعلَ الشكِّ والهوى والنفاق في ممارسة الاستبداد، وأنَّ أَغلَب من نُسمِّيهم «النبلاء» Particii يفتقرون إلى العطف الإنساني.

(١-١٢) ومن الإسكندر الأفلاطوني تَعلَّمتُ ألَّا أقول أو أكتب لأي شخص بأني مشغولٌ جدًّا ما لم تكن هناك ضرورةٌ فعلية، وألَّا أنتحل أعذارًا قهرية للتنصُّل من واجباتي تجاه إخواني وتجاه مَن أعيش معهم.

(١-١٣) ومن كاتولوس Catulus١٤ تَعلَّمتُ ألَّا أرفض أي نقدٍ موجهٍ من صديق، حتى لو كان نقدًا لا مبرر له، بل أُؤلِّف قلبه وأعيده إلى صفائه المعتاد، وأن أَذكُر أساتذتي بخيرٍ وعرفانٍ قلبي، مثلما كان يَذكر دوميتيوس وأثينودوتوس، وأن أُحب أبنائي حبًّا حقيقيًّا.
(١-١٤) ومن أخي سيفيروس Severus تَعلَّمتُ أن أُحب أقربائي وأُحب الصدق وأُحب العدل، ومن خلال عَونِه لي صِرتُ أفهم ثراسيا وهيلفيديوس وكاتو وديو وبروتوس، ومنه تَلقَّيتُ فكرة دولةٍ يسري فيها القانون الواحد على الجميع، دولةٍ تقوم على المساواة في الحقوق والمساواة في حرية الرأي، وفكرةَ حكومةٍ ملكيةٍ تحترم حرية المحكومِين فوق كل شيء. وتَعلَّمتُ منه أيضًا توقير الفلسفة توقيرًا دائمًا وثابتًا لا يتزعزع. وتَعلَّمتُ منه الإحسانَ والكرم والتفاؤُل، والثقةَ بشعور الأصدقاء، والصراحةَ في الانتقاد، والوضوحَ فيما يريد وما لا يريد بحيث لا يُلجِئ أصدقاءَه في ذلك إلى الحَدْس والتخمين.
(١-١٥) ومن مكسيموس Maximus١٥ تَعلَّمتُ ضبط النفس، والتمنُّع على النزوات العابرة، والمرح في جميع الظروف حتى في المرض، وتوازُنًا حميدًا في الشخصية بين اللطف والوقار، وأن أُؤدِّي ما ينبغي أداؤه مهما كلفني ذلك من جهد، والثقة التي يَبُثُّها في الجميع بأنه يعني ما يقول وأنه حَسَن النية فيما يفعل، لا تتملكه الدهشة ولا الهلع، ولا يعرف العجلة ولا التردُّد، ولا يَكِلُّ ولا يتوانى، ولا يرتبك ولا يغتم، ولا يضحك لِيُداري غيظه، ولا ينفعل في الوقت نفسه ولا يَشُك. وقد دأب على فعل الخير وكان سمحًا وصادقًا، يتخذ الطريقَ المستقيم طوعًا لا كرهًا، لم يشعر أي إنسان قَطُّ أنه ازدراه يومًا أو استعلى عليه، وكان فَكِهًا رقيق الحاشية.
(١-١٦) من أبي١٦ تَعلَّمتُ الرفق، وصِحَّة العزم في القرارات التي يخلص إليها بعد تَروٍّ تام، وألَّا أنخدع بتلك الأشياء التي يُسمِّيها الناس مَبعَث فخر، وتَعلمتُ منه حب العمل والمثابرة، والإصغاء لكل من لديه اقتراحٌ من أجل الصالح العام، وأن أُعطي كل ذي حقٍّ حقه، وأن أعرف متى أشتد ومتى ألِين، وأن أتعفَّف عن الغلمان. كان يُعفي مَن بالبلاط مِن ضرورة الحضور الدائم معه على العشاء أو مرافقته خارج المدينة، ولم يجد الذين يضطرهم التزامٌ آخرُ بالابتعاد أيَّ حرجٍ في ذلك ولا آنسوا منه استنكارًا. وكان دقيقَ البحث في كل الأمور التي يتشاور حولها في المجلس، ولا يَقنَع بالانطباعات الأولى ويترك أمرًا دون تدبُّر، وكان حريصًا على أصدقائه، لا يَضجَر منهم سريعًا ولا يسرف في محاباتهم، متماسكًا مَرِحًا في جميع الظروف، بعيدَ النظر في الأمور الطويلة الأمد، حاسبًا لأدق التفاصيل دون تنطُّع، يُلجِم أيَّ تهليلٍ أو مداهنة، ساهرًا على احتياجات الإمبراطورية، مُدبِّرًا في الإنفاق، مُتسامحًا تجاه نقد البعض له في هذه المسألة. لم يكن مُشعوِذًا تجاه الآلهة، ولا متقربًا للناس بالهدايا لاسترضائهم، ولا مداهنًا للجماهير، بل كان رصينًا في كل شيء وحازمًا لا تسهويه المَباذل والبِدع.

وكل ما يُفضي إلى لين العيش، وقد منحه الحظُّ الكثير؛ فقد كان يستمتع به من غير تباهٍ ولا اعتذار، فإذا جاءه تمتع به دون تكلُّف، وإذا غاب عنه لم يطلبه. لم يكن يومًا مُخادِعًا أو دَجَّالًا أو مُتحذلقًا، بل كان مُحنَّكًا خبيرًا لا ينطلي عليه التملُّق، وقادرًا على إدارة شئونه وشئون غيره.

وبالإضافة إلى ذلك فقد كان يُوقِّر من هم فلاسفةٌ حقيقيون، ولا يُغلِظ القول لأدعياء الفلاسفة وإن كان يكشفهم بسهولة. وكان اجتماعيًّا أيضًا وذا حسٍّ فكاهي من غير أي تكلُّفٍ ممجوج. وكان يهتم بصحته الجسدية اهتمامًا معقولًا، لا عن حرصٍ زائد على الحياة أو على المظهر الشخصي، ولا بإهمالٍ أيضًا؛ بحيث إن اعتناءه بنفسه لم يترك لديه أدنى حاجةٍ إلى الأطبَّاء ولا إلى الجُرُعات الدوائية ولا الدِّهانات.

وأهم من ذلك جميعًا استعداده للإذعان بلا تحفُّظ لأولئك الذين لديهم قدرةٌ خاصةٌ معينة، في البلاغة مثلًا أو في دراسة القوانين والعادات أو أي موضوعٍ آخر، وكان يدعمهم ويساعدهم على أن يَصِلوا في مجالاتهم إلى ما يستحقونه من مكانة. وكان دائمًا يُراعي التقاليد وإن لم يجعل الحفاظَ على التقاليد هدفًا معلنًا. وكان لا يُحب التغيير ولا يعتمد على الحظِّ بل على المثابرة والدأب في نفس المواقع ونفس الممارسات. وكان إثر نوبات الشقيقة التي تنتابه يعود للتوِّ نشِطًا وعفيًّا إلى استئناف أعماله المعتادة. لم يكن يُخفِي أسرارًا إلا أقل القليل، وذلك في شئون الدولة فحسب. وكان حصيفًا مُقتصِدًا في المَظاهر والعُروض والمَشاهد الشعبية وتشييد المباني العامة والعطايا والمنح، وما شابه؛ فقد كان ينظر إلى ما يلزم عمله لا إلى مجرَّد الصيت المستفاد من عمله.

لم يكن يَغشَى الحمامات طَوال الوقت، ولم يكن مُغرمًا ببناء منازل واستراحات، ولا مغرمًا بالطعام، ولا مهتمًّا بلون ثيابه وخامتها، ولا بجَمال عبيده. كان كساؤه يأتي من لوريوم ويُرسَل من مقره الريفي هناك. وانظُرْ إلى طرائق عيشه في لانوفيوم، وكيف تعامل مع اعتذار المراقب الحكومي في توسكولوم، ومثل هذه الأنماط السلوكية جميعًا.

لم يكن فيه أي جفاء أو غلظة أو عنف، أو قُل أي شيء يخرج به عن طَوره، بل كان يمنح كلَّ شيء حظَّه من الوقت والفحص وكأنه متفرغ له. كان دَيدَنُه المهل والنظام والنشاط والاتساق في كل شيء. وقد ينطبق عليه ما عُرف عن سقراط من أنه كان بوُسعِه الامتناع والاستمتاع تجاه الأشياء التي يضعُف أمامها الكثيرون ولا يستطيعون الانغماس فيها من غير إفراط.

أمَّا أن تكون قويًّا بما يكفي لاحتمال هذا والامتناع عن ذاك حسب الحالة، فتلك شِيمةُ الإنسان ذي النفس الكالَّة التي لا تُقهر، مثلما تجلَّى في مرض ماكسيموس.

(١-١٧) وأنا مدينٌ للآلهة التي منحتني أجدادًا صالحين وآباءً صالحين وأختًا صالحة، ومُعلمِين وأُسرةً وأقاربَ وأصدقاءَ صالحين؛ كل شيء تقريبًا، وأحمدها على أنني لم أَزِلَّ بالإساءة إلى أيٍّ منهم رغم أن بي نزعةً كانت كفيلةً بأن تحملني على مثل ذلك الزَّللِ إذا دعت الظروف؛ ولكن من فضل الآلهة أنها لم تَضَعني قَطُّ في هذا الامتحان. ومن فضل الآلهة أنها لم تَطُل نشأتي في كنف خَليلةِ جَدِّي، وأنني حافظتُ على زهرة شبابي، وحافظتُ على براءتي، ولم أشرع في ممارسة رجولتي إلا في الوقت الصحيح، وربما بعده بقليل. وأحمد أنني نَشأتُ في كنف حاكمٍ وأبٍ انتشلني من الغرور وبَصَّرني بأنه بوُسعِ المرء أن يعيش في قصرٍ دون أن يشعر بحاجة إلى حرسٍ شخصي أو ملابسَ مزركشة، أو شمعدانات أو تماثيل أو الزخارف الأخرى لمثل هذه الأُبَّهة، بل بوُسعه أن يعيش حياةً قريبةً جدًّا من حياة المُواطِن العادي دون أن يَفقِد أي كرامةٍ أو بأس في إدارة مسئوليات الحاكم تجاه الصالح العام.

وقد أَنعَمَت عليَّ بأخٍ١٧ كان قادرًا بشخصيته القويمة على أن يَحُثَّني على الاهتمام بنفسي، وكان يُغدِق عليَّ في الوقت نفسه احترامَه وعطفه. وأحمدها على أن أبنائي لم يكونوا محدودِي الذكاء أو مُشوَّهي الجسم.١٨ وأحمدها على أنني لم أتمادَ في طلب البلاغة والشعر وغير ذلك من الأغراض التي كنتُ حَرِيًّا أن أستغرق فيها لو آنستُ أنها طريقي الصحيح. وأنني لم أُبطئْ في ترقية مُعلميَّ إلى المناصب العامة التي كانوا يَصبُون إليها ولم أُسوِّفْ ذلك بحجة أنهم صغار السن مع وعودٍ بالترقية في المستقبل. وأنني عرفتُ أبولونيوس وروستيكوس وماكسيموس.
وأنني اكتَسَبتُ صورةً واضحة وثابتة عما تعنيه الحياة وفقًا للطبيعة، بحيث إنه من ناحية الآلهة وعطاياها وعونها وإلهامها فلا شيء يعوقني الآن عن حياة الطبيعة، وإذا كنتُ مُقصِّرًا عن ذلك بعض الشيء فالخطأ خطئي والتقصير تقصيري في الالتفات إلى إشارات الآلهة ولا أقول تعليماتها.١٩
وأَحمَد الآلهة أن جسدي قد صمد حتى الآن في حياةٍ مثل حياتي. وأنني لم أَمَسَّ قَطُّ بنديكتا أو ثيودوتوس،٢٠ وأنني شُفِيتُ بعد ذلك من سُعار الشبَق بعد أن وقعتُ فيه. وأنني رغم كثرة خلافاتي مع روستيكوس فلم أفعل في ذلك قَطُّ ما أندم عليه. وأن والدتي رغم وفاتها المُبكِّرة فقد عاشت سِنِيها الأخيرة معي.
وأنني ما رَغِبتُ في مساعدةِ أحدٍ في عَوزٍ أو أي حاجةٍ أخرى فقيل لي إن الموارد لا تسمح، وأنني شخصيًّا لم أَقَعْ قَطُّ في عَوزٍ واحتياجٍ إلى عونٍ ماليٍّ من أحد، وأن زوجتي،٢١ مثلما هي، جِدُّ مُطيعةٍ ومُحبةٍ وتلقائية. وأنني وجَدتُ لأبنائي كثيرًا من المُعلِّمِين الممتازِين.

وأن العلاجات كانت تُوصَف لي في الأحلام، وبخاصةٍ كيف أتجنب بُصاق الدم ونوبات الدوار. وأنني حين شُغفت بالفلسفة لم أقع في يد سُفُسطائي، ولم أُضِع وقتي في تحليل الأدب أو المنطق، أو أشغل نفسي ببحث الظواهر الكونية؛ فهذه الأشياء تحتاج إلى «عون الآلهة ومُحاباة الحَظ».

١  في هذا الكتاب يتحدث ماركوس عن دَيْنهِ لأهله وأسلافه ومُعلِّميه، ونحو ذلك من أمورٍ شديدة الخصوصية وغير ذات صلة بالأفكار المحورية ﻟ «التأملات». وللقارئ غير المُتخصِّص في الفلسفة أو الكلاسيكيات أن يَعبُره إلى الفصل الثاني، حتى لا يَصُدَّه عن إكمالِ نصٍّ ممتع.
٢  جَدُّه بالتبنِّي، ماركوس أنيوس فيروس، عُيِّن قنصلًا ثلاث مرات. تبنى ماركوس أوريليوس عندما تُوفِّي والده الطبيعي وهو بعدُ صبيٌّ صغيرٌ في الثالثة من عمره.
٣  والده الطبيعي، وهو أيضًا يُدعَى ماركوس أنيوس فيروس، تُوفِّي مبكرًا حوالي عام ١٢٤م.
٤  جَدُّه الأعلى لأمه، لوشيوس كاتيليوس سيفيروس.
٥  الأخضر والأزرق لونا فريقَي سباق العربات، وكان يحظى لدى الرومان بحماسٍ شديدٍ وتشجيعٍ يبلغ أحيانًا حد التعصُّب، ولا يناظره عندنا إلا تحمُّس الجماهير لمباريات كرة القدم. والخِفاف والثِّقال نوعان من الُمجالِدِين gladiators في حلبات المُنازَلة، مُصنَّفان وَفقًا لأسلحتهما المُستخدَمة ووزن الدرع المُسْبَغ. وقد كان ماركوس أوريليوس ضَجِرًا بمثل هذه المُسابَقات والمُنازَلات وغيرَ شَغوفٍ بعُروض المُدرَّج.
٦  مُعلِّم ماركوس للرسم، وقد تجاوز تأثيرُه على ماركوس مجالَ الفن إلى مجالاتٍ أُخرى كثيرة.
٧  مصارعة الديوك.
٨  التدريب اليوناني يعني لبس السترة الثقيلة والنوم على الأرض والمران على الحياة الخشنة المُتقشِّفة، وقد كانت والدته تُثنيه عن ذلك.
٩  سياسيٌّ رُواقيٌّ كان تأثيره حاسمًا في تحوُّل ماركوس أوريليوس من الخطابة إلى الفلسفة، وفي تنامِي اهتمامه بالفلسفة الرُّواقية.
١٠  إبكتيتوس فيلسوفٌ رُواقي عاش في النصف الثاني من القرن الأول والثلث الأول من القرن الثاني الميلادي. وُلد في هيرابوليس بآسيا الصغرى وأُرسل إلى روما حيث صار عبدًا لرجل يُدعى إبافروديت، ومن هذا اشتُق اسم «إبكتيتوس» وتعني «العبد» باليونانية. وحين تولى الإمبراطور دومتيانوس أصدر أمره بإخراج الفلاسفة من إيطاليا حوالي عام ٩١م، فهاجر إبكتيتوس من روما واستقر في نيقوبوليس في اليونان، وأسس بها مدرسةً تَوافَد عليها شباب الأرستقراطية الرومانية، كان إبكتيتوس رُواقيًّا في حياته وأقواله، ولم يُدوِّن فلسفته بنفسه، ولكن تلميذه أريان جمع طَرَفًا من أقوال أستاذه كما قيَّدها عند سماعها ونَشرَها في كتابٍ بعد وفاته أسماه «مذكرات إبكتيتوس» Discourses يحتوي على ثمانية أبواب لم يَبقَ منها إلا أربعة. ويُعَد إبكتيتوس أعظم الفلاسفة تأثيرًا في تفكير ماركوس أوريليوس، وقد أكثر ماركوس من الاقتباس منه في تأمُّلاته ومن إعادة صياغة الكثير من أفكار إبكتيتوس في «المذكرات».
١١  فيلسوفٌ رُواقيٌّ ومُعلِّم فلسفة من خلقيدونيا، استدعاه أنطونينوس بيوس إلى روما لكي يُعلِّم ماركوس.
١٢  فيلسوفٌ محترفٌ من قيرونيا بإقليم بئوتيا بوسط اليونان، عمُّه بلوتارخوس المؤرخ الشهير، وقد ظل ماركوس يحضر محاضراته حتى بعد أن أصبح إمبراطورًا.
١٣  محامٍ وخطيب شهير، عُين قنصلًا عام ١٤٣م، انتدبه أنطونينوس بيوس لِيُعلِّم ماركوس البلاغة. ظلت علاقته حميمةً بتلميذه ماركوس حتى بعد أن هجر البلاغة إلى الفلسفة. وقد تبادل مع ماركوس المراسلة الكثيفة. وقد بقِيَت لدينا من أعمال ماركوس، عدا «التأملات» اليونانية الشهيرة، مجموعةٌ من الرسائل اللاتينية إلى فرونتو.
١٤  رُواقيٌّ كان ماركوس يغشى مُحاضراتِه.
١٥  كلوديوس مكسيموس، سيناتور رُواقيٌّ كان ماركوس معجبًا بشجاعته، وقد نَوَّه في نهاية هذه الشذرة بشجاعته في مرضه. وفي الشذرة التالية يَذكُره بين ثلاثةٍ يحمد الآلهة على أنه تَعرَّف بهم في حياته.
١٦  يقصد أباه بالتبنِّي الإمبراطور أنطونينوس بيوس؛ إمبراطور من عام ١٣٨م خلفًا للإمبراطور هادريان، حتى عام ١٦١م عندما خلفه ماركوس على العرش.
١٧  يَقصِد أخاه بالتبنِّي لوكيوس كيونيوس الذي عُرف فيما بعدُ بلوكيوس فيروس، تبناه أنطونينوس بيوس مع ماركوس، وحمل لقب الإمبراطور المُشارِك، وتزوج من ابنة ماركوس الكبرى لوكيلا عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها. مات فجأةً بسكتةٍ دماغية عام ١٦٩م وعمره تسعةٌ وثلاثون عامًا. تُصوِّره التواريخ القديمة، ربما بشيء من المبالغة، كشخصيةٍ ضعيفةٍ شديدة الانغماس في المَلذَّات وعاجزةٍ عن قيادة الجيش في الحرب البارثية. غير أن ماركوس هنا يُصوِّره على نحوٍ مختلفٍ يُعيد إليه شيئًا من الإنصاف، ويعكس الكثير من كرم ماركوس ونقاء سريرته.
١٨  تزوج ماركوس من فاوستينا عام ١٤٥م، وأنجب أربعة عشر طفلًا مات منهم سبعة في سن الرضاع؛ ستةٌ منهم ذكور، وابنةٌ واحدة، وعندما مات ماركوس عام ١٨٠م خَلفَه ابنه الوحيد الباقي كومودوس، وكان في الثامنة عشرة، على العرش، فكانت فترة حكمه كارثيةً انتهت باغتياله عام ١٩٢م، حتى قيل بحق إنَّ الضرر الوحيد الذي ألحقه ماركوس ببلاده هو أن أنجب ابنًا!
١٩  تشير هذه العبارة بقوة، بالإضافة إلى ذكر العلاج من خلال الأحلام في نهاية الشذرة، إلى أن خبرة ماركوس الروحية وعقيدته الدينية كانت تتجاوز التقوى المعتادة والتديُّن التقليدي.
٢٠  ربما كانا من عبيد أنطونينوس بالقصر، وقد كان الاتصال الجنسي بمثل هذَين، سواء المثليُّ أو المُغايِر، غَيرَ مُستنكَر، بل كان معهودًا ومُتوقَّعًا.
٢١  هي أنيا جاليريا فاوستينا، ابنة أنطونينوس بيوس، تزوجها ماركوس عام ١٤٥م وأنجب منها أربعة عشر طفلًا. صَحِبَت ماركوس إلى الجبهة في بعض حملاته، فلُقِّبَت ﺑ «أم المعسكر». تُوفِّيَت فجأةً عام ١٧٥م عند هالالا في كبادوكيا وعمرها إذاك سبعة وأربعون عامًا. يكتنف اسمها كثيرٌ من الشبهات وتحوم شائعاتٌ حول علاقةٍ لها بأفيديوس كاسيوس، والي سوريا، الذي قاد تمرُّدًا خطيرًا عام ١٧٥م أُخمد سريعًا. وعبارات ماركوس هنا، وهي متزامنةٌ مع سريان الشائعات، لا تعكس إلا حبًّا وعطفًا وثقة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠