الكتاب الثاني

كُتب بين القادي Quadi١ على نهر جران٢
(٢-١) قل لنفسك حين تقوم في الصباح: اليوم سألقى من الناس من هو مُتطفلٌ ومن هو جاحدٌ ومن هو عاتٍ عنيف، وسأقابل الغادر والحسود ومن يُؤثِر نفسه على الناس. لقد ابتُلي كلٌّ منهم بذلك من جرَّاء جهلِه بما هو خيرٌ وما هو شَر،٣ أمَّا أنا وقد بَصُرتُ بطبيعة الخير وعَرفتُ أنه جميلٌ، وبطبيعة الشر وعرفتُه قبيحًا، وأَدركتُ أن مُرتكِب الرذائل لا يختلف عني أدنى اختلافٍ في طَبيعتِه ذاتها — فنحن لا تجمعنا قَرابة الدم والعِرق فحسب بل قَرابة الانتساب إلى نفس العقل ونفس القبس الإلهي — أمَّا أنا وقد بَصُرتُ بهذه القَرابة فلن يسُوءني أيُّ واحدٍ من هؤلاء ولن يُعديني بإثمه. وليس لي أن أَنقِم منه قرابتي أو أَسخَط عليه؛ فقد خُلِقنا للتعاوُن، شأننا شأن القَدمَين واليدَين والجفنَين وصَفَّي الأسنان. التشاحُن ضدٌّ للطبيعة، وضدُّها، مِن ثَمَّ، العداوةُ والبغضاء.٤
(٢-٢) أيًّا ما كنتُ فإنني مجبولٌ من قطعة لحمٍ ونفسٍ وعقلٍ مُوجِّه. أَلقِ بكتبك وأَقلِع عن تعطُّشك إليها … لا تُشتِّت نفسك … لَاتَ حين٥ … بل انظر إلى الأمر نظرة المُودعِّ الراحل: احتقِر الجسد … إنه دمٌ وعظامٌ … مجردُ نسيجٍ وشبكةٍ من الأعصاب والأوردة والشرايين. وتأمَّل النَّفَس أيضًا ما هو … إنه هواء، وليته ثابتٌ دائم، إنما هو يُزفر كل حينٍ ويُشهق مرةً ثانية. لم يَبقَ الآن إلا الشطر الثالث: العقل المُوجِّه. لقد بلغتَ من الكبر عتيًّا فلا تدَعْ عقلك المُوجِّه يُستعبَد مرةً ثانية؛ لا تُحرِّكْكَ نوازع الجسد مثل الدُّمى تُحرِّكها الخيوط،٦ لا تَبرَّمْ بحاضرك أو تُوجِسْ من المستقبل.
(٢-٣) أعمال الآلهة مفعمةٌ بالعناية، وأعمالُ القَدَر ليست منفصلةً عن الطبيعة أو عن النسيج الذي تنسجُه العناية. من ذلك تَصدُرُ الأشياء جميعًا، إلى جانب مَصدرَين آخرَين هما الضرورة ومصلحة «الكل» الذي أنت جزءٌ منه. على أن كل جزءٍ من الطبيعة يستفيد مما تُحدِثه طبيعة «الكل» ومن كل ما يحفظ هذه الطبيعة. ونظام العالم تحفظه التغيُّرات التي تعتور العناصر مثلما تحفظه التغيُّرات التي تعتور الأشياء المُكوَّنة من هذه العناصر،٧ بحسبك هذه المبادئ ولتكنْ لديك بمثابة مذهبٍ ثابت، وأقلِع عن تعطُّشك للكتب حتى لا تموت مُحنقًا بل تَلْقى الموت بابتهاجٍ وتسليمٍ وحمدٍ للآلهة من القلب.

(٢-٤) كم ذا تُسوِّف هذا وتُرجئه، وكم ذا تمنحك الآلهة فرصةً فتضيعها. ألم يَأنِ لك أن تفهم هذا العالم الذي أنت جزءٌ منه وتَفهمَ مُدبِّر هذا العالم الذي أنت فيضٌ منه؟ ألا تدرك أن هناك حدًّا لعمرك، فإذا لم تستغلَّه لتبديد غيومك فسوف يذهب العمر وسوف تذهب ولن تعود الفرصة مرةً أخرى؟

(٢-٥) في كل لحظةٍ من حياتك أَوْلِ كلَّ انتباهك، كرومانيٍّ وكإنسان، إلى أن تؤدي المهمة التي بين يديك بتحليلٍ دقيق، ورزانةٍ غير مُتكلَّفة، وتعاطفٍ إنساني، وعدالةٍ ونزاهة، وأن تُفرِغ عقلك من كل أفكاره الأخرى. ولسوف تمنح عقلك انفراجًا إذا أَدَّيتَ كل فعلٍ كما لو كان آخر شيءٍ تُؤدِّيه في حياتك؛ نافضًا عنك روحَ الإهمال وانعدام الهدف، وكلَّ نفورٍ عنيفٍ من أوامر العقل، وكلَّ رياءٍ وكلَّ أَثَرةٍ، وكلَّ تَبرُّمٍ من نصيبك المقسوم. أَرأيتَ كم هي قليلةٌ تلك الأشياءُ التي تَلزم المرء لكي يعيش حياةً هادئةً تقية؟ الآلهة نفسها لا تطلب من المرء أكثر من أن يُراعِي هذه الأشياء.

(٢-٦) تمادَيْ في إيذاء ذاتِكِ أيتها النفس٨ … إن هي إلا لحظةٌ ولن يعود لديك متسعٌ لاعتبارِ ذاتِك. الحياة لحظة، ولحظتكِ الخاصة تُوشِك على النهاية. والسعادة تتعلق على تقدير الذات لذاتها، وما زلتِ تحرمينها من ذلك وتُعلِّقِين سعادتكِ على الآخرين؛ ذواتِهم وآرائِهم وتقديراتِهم.٩

(٢-٧) لماذا تُشتِّتكَ الماجَرياتُ الخارجية كل هذا التشتيت؟ أَعطِ نفسك قسطًا من الفراغ لكي تَتعلَّم درسًا جديدًا مفيدًا، وكُفَّ عن التخبُّط هنا وهناك. وعليك بعد ذلك أن تَحذرَ ضربًا آخرَ من التخبُّط. إنه لضربٌ آخرُ من الكسل والمَوات ما يأتيه أولئك الذين يكدحون بلا هدفٍ ويضربون في الأرض بلا وجهةٍ، لا وجهةٍ في الفعل، ولا وجهةٍ، بالأحرى، في القول والتفكير.

(٢-٨) ما كان يومًا جَهلُ المرء بما يدور في رءوس الآخرين سببًا للتعاسة والشقاء. إنما الشقي من لا ينتبه إلى خَطَرات عقله هو، ولا يهتدي؛ من ثَمَّ، بهديه وإرشاده.

(٢-٩) ضع نُصب عينَيك دائمًا هذه الأشياء: ما هي طبيعة «الكل»؟ ما هي طبيعتي الخاصة؟ ما علاقة هذه الطبيعة بتلك؟ أي صِنفٍ من الجزء لأي صنفٍ من الكل؟ وأنْ ليس بإمكان أحدٍ أن يحول بينك وبين أن تقول ما تقول وتعمل ما تعمل وَفقًا لتلك الطبيعة التي أنت جزءٌ منها.

(٢-١٠) في مقارنته بين مختلف الذُّنوب، تلك المقارنة التي تتفق فيها الفلسفة مع رأي الرجل العادي، يقول ثيوفراسطس Theophrastus١٠ إن ارتكاب الخطيئة بدافع الرغبة أشد من ارتكابها بدافع الغضب؛ إذ يبدو أن من أَثارَه الغضبُ إنما يحيد به عن العقل شيءٌ من الألم والتشنُّجِ غير الإرادي، أمَّا المدفوع إلى الخطيئة بالرغبة فيبدو إذ يستسلم لِلَّذَّة أكثر تهتُّكًا في إثمه وأقلَّ رجولة. كان ثيوفراسطس إذن مُصيبًا وفيلسوفًا بحق حين قال إن خطيئة الرغبة أجدرُ باللوم من خطيئة الغضَب؛ إذ إن الأول أشبه بشخصٍ أُوذي فاضطرَّه الألم إلى الغضب، أمَّا الثاني فإنه هو هو مَصدَر نزوته ومَنشَأ اندفاعته إلى الإثم حين تَحدوه الشهوة إلى ارتكابِ ما ارتكب.١١

(٢-١١) ربما تُغادر الحياةَ في أية لحظة؛ فلتَضَع هذا الاحتمال نُصْب عينَيك في كل ما تفعل أو تقول أو تُفكِّر به. غير أن مغادرة دنيا البشر ليست بالأَمر المُخيفِ إذا كان الآلهة موجودِين، فما كان الآلهة ليضيروك في شيء. أمَّا إذا كان الآلهة غير موجودِين، أو كانوا لا يُلقون بالًا لبني البشر؛ فما قيمة الحياة لي في عالمٍ خِلْو من الآلهة أو خِلُوٍ من العناية؟ غير أن الآلهة موجودون حقًّا، ويُلقون بالًا لبني الإنسان. ولقد جعلوا بمقدور الإنسان أن يتجنَّب السقوطَ في الشرور الحقيقية. فإذا كان هناك أي شيءٍ ضارٍّ في بقيةِ الخِبرة فلا بُدَّ أنهم قدَّموا ما يَلزَم لذلك أيضًا لكي يجعلوا بقدرة أي إنسانٍ أن يتجنَّب السقوطَ فيه. ومن حيث إنه لا يمكن لأي شيءٍ أن يجعل الإنسان أسوأ فكيف يمكنه أن يجعل حياته أسوأ؟

وما كان لطبيعة العالم أن تَغفُل عن ذلك، لا من خلال الجهل ولا من خلال العجز عن تفادي هذه الأشياء وتصحيحها. ولا هو من الممكن أن تكون قد ارتَكبَت خطأً بهذه الجسامة، لا من خلال الضعف ولا من خلال الرعونة؛ بحيث يحل الخير والشر بالأخيار والأشرار من غير تمييز. صحيحٌ أن الموت والحياة، النباهة والخمول، الألم واللذة، الغنى والفقر؛ صحيحٌ أن كل هذه الأشياء تقع بالأخيار والأشرار على السواء، غير أنها ليست في ذاتها حسنةً أو سيئة، وبالتالي ليست في ذاتها خيرًا ولا شرًّا.١٢

(٢-١٢) سرعان ما تزول الأشياء جميعًا، في العالم تزول الأجساد نفسها، وفي الزمن تزول ذكراها، ما هي الأشياء المُحسَّة — وبخاصةٍ تلك التي تُغري باللذة أو تَرُوعُ بالألم أو تَزدهِي ببريق الغرور — كم هي حقيرةٌ تافهةٌ زائلةٌ وميتة؛ عِبرٌ لمن يعتبر. ومن يكونون أولئك الذين تتوقف سمعتنا على أحكامهم وأصواتهم؟

وما الموت؟ إن من يتأمَّل الموت في ذاته، ويُعمل فيه التحليل العقلي لِيُجرِّده مما يرتبط به من دلالاتٍ سوف يخلص إلى أنه لا يعدو أن يكون وظيفةً طبيعية. ومن يرتاعُ لوظيفةٍ من وظائف الطبيعة فهو طفلٌ غَرير. ليس الموت وظيفةً طبيعيةً فحسب بل إنه أيضًا لخير الطبيعة وصالحها.

تأمَّلْ أيضًا كيف يدنو المرء من الأُلوهة، بأي شطرٍ من وجوده؟ ومتى يدنو هذا الشطر وأيَّ ميلٍ يميل؟

(٢-١٣) ما أشقى ذلك الإنسانَ الذي يظل دومًا لائبًا مُحوِّمًا حول كل شيء، كما يقول بنداروس،١٣ «مُنقِّبًا في أحشاء الأرض». مُتحرِّقًا إلى استشفاف ما يدور ببال جيرانه. وما يدري أن بِحَسْبه أن ينصرف إلى الأُلوهة التي بداخله ويكون لها خادمًا حقيقيًّا١٤ تلك الخدمة هي أن يَظَلَّ مُبرَّءًا من الانفعال والطيش والسَّخَط على ما قَسمَته له الآلهة؛ فما يأتي من الآلهة يستحق الإجلال من أجل عظمتهم، وما يأتي من البشر ينبغي أن نُعِزَّه أيضًا من أجل قرابتهم لنا، بل أحيانًا ما يثير شَفقتَنا، بشكلٍ ما، بسبب جهلهم بالخير والشر. وهو ضربٌ من العجز لا يقل بحالٍ عن العجز الذي يحرمنا من القدرة على تمييز الأبيضِ من الأَسودِ.١٥
(٢-١٤) حتى لو قُدِّر لك أن تعيش ثلاثة آلاف عام، أو عشرة أضعاف ذلك، فاذكر دائمًا أنْ لا أحد يفقد أيَّ حياةٍ غير تلك التي يحياها، أو يحيا أي حياةٍ غيرَ تلك التي يفقدها. ينتج من ذلك أن أطول حياةٍ وأقصرها سيَّان؛ فاللحظة الحاضرة واحدة في الجميع؛ ومن ثَمَّ فإن ما ينقضي متساوٍ أيضًا. يتبين إذن أن الفقدان إنما هو فقدان لحظةٍ لا أكثر؛ ذلك أن المرء لا يمكن أن يفقد الماضي ولا المستقبل، فكيف يمكن أن يُسلب ما ليس يملك؟!١٦
تَذكَّر إذن هذَين الشيئَين: (١) أن الأشياء جميعًا هي ما هي منذ الأزل، تبدأ وتعود دوالَيك، وسِيَّان أن يرى المرء نفس المشهد لمائةِ عام أو مِائتَين أو ما لا نهاية من الأعوام.١٧ (٢) أن ما يُسلَب من المُعمَّر هو ما يُسلَب من أقصر الناس عمرًا؛ فليس غير اللحظة الحاضرة ما يُمكِن أن يُسلَب من الإنسان. فإذا صح أن هذه اللحظة هي كل ما يملكه فمن غير الممكن أن يَفقد ما ليس يَملك.
(٢-١٥) ثَمَّةَ اعتراضاتٌ واضحةٌ على مقولة مونيموس١٨ الكلبي «كل شيءٍ هو كما يريده الفكر أن يكون». ولكنَّ قيمة هذه الحكمة واضحةٌ أيضًا إذا أخذنا لُبابها، بقَدْر ما فيه من حق.

(٢-١٦) إنما تؤذي النفسُ نفسَها، أَوَّلَ ما تؤذي، عندما تصبح — ما أمكنها ذلك — كيانًا مُنفصِلًا، أشبهَ بورمٍ على جسد العالم؛ فالسخط على أي شيءٍ تَجري به الأَقدار هو تمردٌ انفصاليٌّ عن الطبيعة التي تضُمُّ معًا الطبائعَ الجزئيةَ لجميعِ الأشياءِ الأخرى. وتُؤذِي النفسُ نفسَها ثانيًا حين تنأى بجانبها عن كائنٍ إنسانيٍّ آخرَ أو حين يَلِجُّ بها الخصامُ فتعمِد إلى إيذائه. تلك هي حالُ الأنفس التي استبد بها الغضب. وتُؤذِي النفس نفسها، ثالثًا، حين تستسلم لِلَّذة أو للألم. وتؤذي نفسها رابعًا حين تتكلَّف وتُرائي، وتفعلُ أو تقولُ غيرَ الصدق وغيرَ الحق. وخامسًا عندما تَفقِد الهدف في أي فعلٍ من أفعالها أو ميلٍ من ميولها، فتحيدُ عن القصد وتخبِط خَبطَ عشواءَ؛ فالفعل مهما صغُر ينبغي أن يُؤدِّي لغايةٍ ويرمي إلى هدف. وغاية الكائنات العاقلة هي أن تتبع العقل وتلتزم قانون أقدم دولةٍ وحكومة؛ العالم.

(٢-١٧) المرء في الحياة زمانُه لحظةٌ، ووجوده في انسياب، وإدراكه في ضباب، وبدنه كله في اندثار، وعقله دوَّامة، ومصيره غير معروف، ومجده غير مُتيقَّن. وباختصار، كل ما في الجسد ينساب بعيدًا وكل ما في العقل أحلامٌ وأوهام. الحياة صراعٌ ومقام غُربة، والمجد الوحيد الباقي هو الخمول. أي شيءٍ إذن بوسعه أن يَخفِرنا في طريقنا؟ شيءٌ واحدٌ، وواحدٌ فقط: الفلسفة. وما الفلسفة سوى أن تحفظ أُلوهتك التي بداخلك سالمةً من العنف والأذى، وأن ترتفع فوق الألم واللذة، ولا تَفعلَ شيئًا بلا هدفٍ أو بلا صدقٍ أو بلا أصالة، وأن تترك ما لا يَعنِيك مما يفعله الآخرون أو لا يفعلونه. وأن تقبل كل ما يجري عليك ويُقدَّر لك بوصفه آتيًا من نفس المصدر الذي منه أَتيتَ. وأخيرًا أن تنتظر الموت بنفسٍ منشرحةٍ على أنه مجرد انحلالٍ للعناصر المُكوِّنة لكل شيءٍ حي. فإذا لم يكن بأسٌ في التحرُّك الدائم للعناصر من عنصرٍ إلى آخرَ ففيم التوجس من تغيُّر العناصر جميعًا وانحلالها؟ ذلك شيءٌ موافقٌ للطبيعة، ولا ضير البتة في أي شيءٍ موافقٍ للطبيعة.

١  هم قبيلةٌ جرمانيةٌ شمال الدانوب في سلوفانيا الحالية، كان ماركوس يشن الحملة عليها في سبعينيَّات القرن الثاني الميلادي.
٢  رافدٌ شماليٌّ للدانوب، يَصُبُّ فيه عند إزتيرجوم الحديثة بالمجر.
٣  أخذ الرُّواقيون بفكرة سُقراط القائلة بأن الفضيلةَ عِلم (أي عِلمٌ بالخير الحقيقي) والرذيلةَ جهل؛ ومن ثَمَّ فمن يعلم الخير فإنه لا بُد فاعلُه، وليس ثَمَّةَ من يفعل الشر عن قصدٍ أي عن علم.
٤  في هذه الفِقرة يُنوِّه ماركوس بالمبدأ الرُّواقي القائل بقَرابة البشر جميعًا، قَرابة الدم وقَرابة العقل أيضًا، ذلك العقل الذي يعده ماركوس «الأُلوهة التي بداخلنا»، والمبدأ الحاكم والمُوجِّه في الكائن الإنساني، ويراه نظيرًا داخليًّا للعقل الكوني، أو محايثةً داخليةً لعقل «الكل» وللمبدأ المُوجِّه للعالم. ويَستمِد ماركوس من هذا المبدأ الثيولوجي أو الميتافيزيقي أمرًا أخلاقيًّا يُلزِم الإنسان الفرد برعاية مصلحةِ إخوتِه في الإنسانية، والرِّفق بهم، واحتمال إساءاتهم.
٥  نصيحةٌ ذاتيةُ ستتكرر كثيرًا في «التأملات»، ربما تعكس ميله الشديد للقراءة من ناحية، ويقينه باقتراب الأجل وفوات الأوان من ناحيةٍ أخرى، واعتقاده بفشله في أن يصبح فيلسوفًا.
٦  تشبيهٌ بليغٌ سيتكرر كثيرًا في «التأملات»؛ فالرغبات الأنانية والانفعالات والشهوات تسلب المرء إرادته الفاعلة وتُحرِّكه سلبيًّا كالخيوط التي تُحرِّك عرائس الماريونيت.
٧  يُعَد التغيُّر الدائب في العناصر مبدأً محوريًّا في الفيزيقا الرُّواقية؛ فالعناصر، التي باتحادها يتكون العالم الفيزيائي وموضوعاته، هي في تبادُلٍ مُستمِر فيما بينها وانفصالٍ وإعادة اندماج بحيث تُحقِّق استمرار العالم وتَجدُّده، وبحيث يظل العالم صبيًّا عفيًّا دائمًا أبدًا. العالم هو التغيُّر، وطبيعة الكل «تحب» التغيُّر و«تُبهَج» بالتغيُّر، وعملها في ذلك أشبه بعمل الحِرفيِّ الحاذق؛ فالتغيُّر هو طريقتها في العمل وأسلوبها في الأداء ووسيلتها لحفظ نظام العالم وضمان بقائه، وفي التغيُّر مصلحة الكل وبالتالي مصلحة الأجزاء. ويستخدم ماركوس هذا المبدأ في «التأمُّلات» استخداماتٍ شتَّى؛ كترياقٍ ضد الخوف من الموت، وعزاءٍ في البلايا والخطوب، وتذكيرٍ بقِصَر الحياة … إلخ.
٨  يذهب ماركوس إلى أن الأذى الحقيقي الوحيد الذي يمكن أن يصيب المرء هو ما يُلحِقه المرء بذاته (ومن ثَمَّ فإن بمقدوره تمامًا تجنُّبَ هذا الأذى).
٩  ضرورة الاستقلال عن الآخرين وآرائهم؛ ثيمةٌ ستتكرر كثيرًا في «التأمُّلات»، وبخاصةٍ في الكتاب الثالث.
١٠  ثيوفراسطس هو تلميذ أرسطو وخليفته على مدرسته المشَّائية. ورغم بقاء الكثير من كتاباته فإن الكتابات التي يُشير إليها ماركوس هنا مفقودة.
١١  هنا يختلف ماركوس مع المبدأ الأخلاقي الرُّواقي القائل بتساوي الآثام جميعًا في الدرجة. والحق أن ماركوس لم يكن مُتشدِّدًا ولا جافيًا في رُواقيَّته، ولقد تخلى عن بعض عقائد الرُّواق التي لا تُوافِق نَظرتَه الإنسانية المعتدلة اللينة؛ فلم يُرِد مثلًا أن تُوضَع جميع الذنوب في مرتبةٍ واحدة، بل كان يرى أن ارتكاب الخطيئة ابتغاءَ اللذة أشدُّ من ارتكابها لتجنُّب ألمٍ أو لِدفعِ مَضرَّة.
١٢  يُطلِق ماركوس، والرُّواقيون بعامة، على هذه الأشياء الخارجية التي يعتبرها عامة الناس خيراتٍ وشرورًا اسم «الأشياء الأسواء» أو السواسية أو اللافارقة indifferents ويعنون بذلك أنها لا يمكنها بذاتها أن تُؤثِّر في العقل المُوجِّه أو الحالة الداخلية للمرء؛ ومن ثَمَّ فإنها ليست في ذاتها خيرًا ولا شرًّا.
١٣  رائد الشعر الغنائي في النصف الأول من القرن الخامس قبل الميلاد. راجع: أحمد عتمان، الأدب الإغريقي تراثًا إنسانيًّا وعالميًّا (ط٢٠٠١م). ص١٨٧–٢٢٠.
١٤  يقول نيتشه في «تأمُّلات لغير زمانها»: «فليس في الطبيعة مخلوقٌ أَوْلى بالرثاء أو أدعى إلى النفور والاشمئزاز من إنسانٍ تهرَّب من روحه الحارس وراح يطوف بعينَيه فيما حوله، ويتلفت مرة ذات اليمين وأخرى ذات اليسار أو الخلف …»
١٥  توكيدٌ بليغٌ على المبدأ السقراطي-الرُّواقي القائل بأن الفضيلة عِلمٌ والرذيلةَ جهلٌ، والذي يترتب عليه أنَّ العمى الأخلاقي حالةٌ غيرُ إراديةٍ تثير الشفقة أكثر مما تثير السخط.
١٦  أن الموت فقدانٌ للحظة الحاضرة فحسب؛ مواساةٌ وحجةٌ ضد الخوف من الموت، ستتكرر في ٣-١٠ و١٢-٢٦.
١٧  فكرة التماثل الأبدي للأشياء؛ فكرة محورية في «التأمُّلات» تأخذ شكلَين مختلفَين اختلافًا بعيدًا: الأول مستمد من المبدأ الرُّواقي التقليدي عن العَود الأبدي (العالم يمر بدوراتٍ متماثلة في تعاقبٍ لانهائي)، والثاني هو مبدأ «لا جديد تحت الشمس»، وبموجبه يستوي أن تُعمَّر في الحياة الدنيا أو لا تُعمَّر: فالمَشاهِد واحدة والحكايات مكرورة.
١٨  فيلسوفٌ كلبيٌّ في القرن الرابع قبل الميلاد. و«الاعتراض الواضح» على مقولته هو أنها تُفنِّد ذاتها، من حيث كونها «ما يريده فكره» ليس إلَّا! غير أنها، بعد كل شيء، فكرةٌ خِصبة ألهَمَت الكثيرِين من إبكتيتوس إلى ماركوس أوريليوس، ومن المتنبي إلى شكسبير، ومن سبينوزا إلى مارك توين. ومفادها أن ما يؤثر في الناس ليس الأحداث «الخارجية» بحد ذاتها بل فكرتهم «الداخلية» عنها وتقييمهم العقلي لها وحكمهم الذهني عليها، وكلها أمور بوُسعِ الإنسان التحكُّم فيها وتعديلها أو إزالتها. وتُشكِّل هذه الفكرة البسيطة الأساس النظري للعلاج المعرفي للاضطرابات النفسية، ذلك الصنف العلاجي الذي ساد على غيره في الزمن الحالي وأثبت فعاليته ونجاعته.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠